فلا قَطْعَ: عَلَى مُنْتَهِبٍ (١)، ومُخْتَطِفٍ، وخَائِنٍ في وَدِيعَةٍ (٢). لَكِنْ (٣): يُقْطَعُ جَاحِدُ العَارِيَّةِ (٤).
بعدَ سقوطِه مِنْ الجيبِ نِصابًا؛ لأنَّه سَرِقةٌ من حِرْزٍ. م ص [¬١] وزيادة.
(١) قوله: (فلا قَطْعَ علَى مُنْتَهِبٍ) الفاءُ في جوابِ شرطٍ مُقدَّرٍ، أي: إذا عَلِمْتَ أنَّ السرقةَ الأخْذُ علَى وَجْهِ الاختفاءِ، فلا قَطْعَ على مُنْتهِبٍ (ومُخْتطِفٍ). المُنْتهِبُ: اسمُ فاعِلٍ من انتهب [¬٢] الشيءَ، إذا استَلَبَه ولم يَخْتلِسْه. والمُخْتطِفُ: اسمُ فاعلٍ من اختلَس الشيءَ إذا اختَطَفه. فمعناهُمَا واحدٌ، عن ابنِ فارسٍ. وقال السَّعدِيُّ: خلَس الشيءَ: استَلَبَه، والاسمُ الخِلْسةُ. قال ابنُ نصرِ اللهِ ﵀: كأنَّ الاختلاسَ الأخْذُ بسرعةٍ، وهو الذي يَقْتضِيه الاختطافُ، والانتهابُ لا يُشتَرَطُ فيه ذلكَ، بل هو الأخْذُ نهارًا في طُمَأْنينةٍ. والظاهِرُ أنَّه يَكونُ في الغالِبِ مِنْ جماعةٍ، والاختلاسُ أيضًا يَكونُ نهارًا، لكن خَطْفًا وسُرْعةً. والغصبُ يَشْملُهُما؛ لأنَّه مُطلَقُ الاستيلاءِ على مالِ الغيرِ قَهْرًا. انتهَى.
(٢) قوله: (وَخَائِنٍ في وَدِيعةٍ) وعاريةٍ؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ بسرقةٍ. والخائِنُ: هو الذي يُؤتَمَنُ على شيءٍ، فيُخْفِيه أو بعضَه، أو يَجْحَدُه، من التخَوُّنِ، وهو: التَّنقيصِ. م ص [¬٣].
(٣) قوله: (لكن) استدراكٌ على قولِه: «فلا قَطْعَ .. إلخ».
(٤) قوله: (يُقْطَعُ جاحِدُ العاريةِ) قِيمَتُها نِصابٌ. وَيُعَايَا بها، فيُقالُ: سارِقٌ
стр. 1962
الثَّانِي: كَوْنُ السَّارِقِ: مُكَلَّفًا. مُخْتَارًا. عَالِمًا بِأَنَّ مَا سَرَقَهُ يُسَاوِي نِصَابًا (١).
الثَّالِثُ: كَوْنُ المَسْرُوقِ مَالًا (٢). لكِنْ لا قَطْعَ: بسَرِقَةِ المَاءِ (٣). ولا: بإنَاءٍ فِيهِ خَمْرٌ أوْ مَاءٌ (٤).
وجَب عليه قطعُ يدِه مع أنَّه لم يَسرِقْ شيئًا؟. ح ف.
(١) قوله: (كَوْنُ السارِقِ مُكَلَّفًا، مختارًا .. إلخ) لأنَّ غيرَ المُكَلَّفِ مرفوعٌ عنه القلمُ. «مختارًا» لأنَّ المُكْرَهَ معذورٌ. «عَالِمًا» بمسروقٍ، وبتحريمِ المسروقِ، فلا قَطْعَ على صغيرٍ ومجنونٍ ومُكْرَهٍ على السرقةِ. ولا قَطْعَ بسرقةِ منديلٍ قيمتُه دونَ نصابٍ، بطَرَفِه نصابٌ مشدودٌ؛ لأنَّه لم يَقصِدْ سَرِقتَه، فأشْبَه ما لو تعلَّق بثوبِه، ولا بسرقةِ جوهرٍ يظنُّ قيمتَه دونَ نصابٍ، فبانَتْ أكثرَ؛ لأنَّه لا يَعرِفُه إلا خَوَّاصُ الناسِ، ولا قَطْعَ على جاهلِ تحريمِ سرقةٍ، ويُقبَلُ قولُه في ظنِّ ذلكَ إنْ جهِلَه مثلُه، وإلَّا فلا يُقبَلُ منه ذلك، كأنْ نشَأ بينَ المسلمينَ. م ص [¬١] وزيادة.
(٢) قوله: (كَوْنُ المَسْروقِ مالًا) لأنَّ غيرَ المالِ ليسَ له حُرْمةُ المالِ ولا يُساوِيه، فلا يَلحَقُ به، والأخبارُ مقيِّدةٌ للآيةِ. محترمًا؛ لأنَّ غيرَ المحترمِ، كمالِ الحربِيِّ، تَجوزُ سَرِقتُه. م ص [¬٢] وزيادة.
(٣) قوله: (لكِنْ لا قَطْعَ بسَرِقَةِ الماءِ) لأنَّه لا يُتموَّلُ عادةً.
(٤) قوله: (ولا بِإنَاءٍ فيه خَمْرٌ أو مَاءٌ) لاتِّصالِهِما بِمَا لا قَطْعَ فيه.
стр. 1963
ولا: بسَرِقَةِ مُصْحَفٍ (١). ولا: بِمَا عَلَيْه مِنْ حُلِيٍّ. ولا: بكُتُبِ بِدَعٍ (٢)، وتَصَاوِيرَ (٣). ولا: بِآلَةِ لَهْوٍ (٤). ولا: بصَلِيبٍ، أوْ صَنَمٍ (٥).
(١) قوله: (ولا بسَرِقَةِ مُصْحَفٍ) أي: ولا يُقْطَعُ بسرقةِ مصحفٍ؛ لأنَّ المقصودَ منه ما فيه من كلامِ اللهِ تعالَى، ولا يَحِلُّ أخْذُ العِوَضِ عنه. (ولا بِمَا عليه من حُليٍّ)، ككيسِ المصحفِ، ولو بلَغَت قيمتُه نِصَابًا؛ لأنَّه تابِعٌ لِمَا لا يُقْطَعُ بسرقتِه. م ص [¬١].
(٢) قوله: (ولا بكُتُبِ بِدَعٍ) أي: ككُتُبِ الزندقةِ والرافضةِ ونحوِهِما. ح ف.
(٣) قوله: (وتَصَاوِيرَ) أي: ولا يُقْطَعُ بكتبِ تصاويرَ؛ لأنَّها واجِبَةُ الإتلافِ، ومثلُها سائِرُ الكتبِ المُحَرَّمةِ. م ص [¬٢].
(٤) قوله: (ولا بِآلَةِ لَهْوٍ) كمِزْمارٍ وطبلِ غيرِ حَرْبٍ؛ لأنَّه معصيةٌ، ومثلُه نَرْدٌ وشِطْرَنجٌ، ولأنَّ للسارِقِ حقًّا في أخْذِهَا لكَسْرِها، فهو شُبْهةٌ، ولو كانَ عليه حلْيَةٌ تَبلُغُ نصابًا؛ لأنَّها تابِعَةٌ لِمَا لا يُقْطَعُ به. م ص [¬٣].
(٥) قوله: (أو صَنَمٍ) أي: ولا قَطْعَ بسرقةِ صنمِ نقدٍ ذهبٍ أو فضةٍ تبعًا للصناعةِ المُحرَّمةِ المُجْمعِ على تَحْريمِها، بخلافِ صناعةِ الآنيةِ، أشْبَهَتِ الأوتارَ التي [¬٤] بالطِّنبورِ. م ص [¬٥].
стр. 1964
الرَّابِعُ: كَوْنُ المَسْرُوقِ نِصَابًا. وهُوَ (١): ثَلاثَةُ دَرَاهِمَ (٢). أوْ: رُبُعُ دِينَارٍ (٣). أو: مَا يُساوِي أحَدَهُمَا (٤). وتُعتَبَرُ القِيمَةُ (٥): حَالَ الإخْرَاجِ (٦).
(١) قوله: (وَهُو) أي: النصابُ المسروقُ.
(٢) قوله: (ثلاثةُ دَرَاهِمَ) خالِصَةً، أو ثلاثةُ دراهمَ تَخلُصُ من فضةٍ مغشوشةٍ بنَحْو نُحاسٍ. م ص [¬١] وزيادة.
(٣) قوله: (أوْ رُبْعُ دِينارٍ) أي: مِثقالُ ذَهَبٍ، ويَكفِي الوَزْنُ من الفضةِ الخالِصَةِ أو التِّبْرِ الخالِصِ، ولو لم يُضْرَبَا، فلا قَطْعَ بسَرِقَةِ دُونِ ذلكَ. ويُكمَّلُ أحدُهما بالآخَرِ، فلو سرَق درهمًا ونصفَ درهمٍ من خالِصِ الفضةِ، وثمنَ دينارٍ من خالِصِ الذهبِ، قُطِعَ؛ لأنه سَرَق نصابًا. م ص [¬٢] وزيادة.
(٤) قوله: (أو ما يُساوِي أحَدَهُما) أي: أو سرَق ما يَبلُغُ قيمةَ أحدِهِمَا، أي: نِصابَ الذهبِ والفضةِ من غَيرِهِما؛ بأنْ سرَق عرضًا يَبلُغُ قيمتُه ثلاثةَ دراهمَ فضةٍ، أو رُبْعَ دينارٍ ذهبًا. ح ف وزيادة.
(٥) قوله: (وتُعتبَرُ القِيمَةُ) أي: قِيمةُ مسروقٍ ليسَ ذهبًا ولا فِضةً. م ص [¬٣].
(٦) قوله: (حالَ الإخْرَاجِ) من الحِرْزِ؛ اعتبارًا بوَقْتِ السرقةِ؛ لأنَّه وَقْتُ الوجوبِ لوجوبِ السَّببِ فيه. فلو نقَصَت بعدَ إخراجِه، قُطِعَ، لا إنْ أتْلَفَه فيه بأكْلٍ أو غيرِه، كإراقةِ مائِعٍ، أو نقَصه بذبحٍ، كشاةٍ قِيمتُها نصابٌ فذَبَحها في الحِرْزِ، فنقَصَت قيمتُها عنه، ثُمَّ أخْرَجَها، فلا قَطْعَ، أو نقَصَه بغيرِ الذبحِ؛ بأنْ شَقَّ فيه ثوبًا، فنَقَصَت قيمتُه عن النصابِ، ثُمَّ أخْرَجَه، فلا قَطْعَ. وكذا لَو أتْلَف
стр. 1965
الخامِسُ: إخْرَاجُهُ (١) مِنْ حِرْزٍ. فَلَوْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ: فَلا قَطْعَ (٢).
وحِرْزُ كُلِّ مَالٍ: مَا حُفِظَ فِيه عادَةً (٣). فنَعْلٌ برِجْلٍ (٤)، وعِمَامَةٌ علَى رَأْسٍ: حِرْزٌ. ويُخْتَلَفُ الحِرْزُ: بالبُلْدَانِ، وبالسَّلاطِينِ (٥).
بعضَه فيه، ويعايَا بهذه الصورةِ، فيُقالُ: رجلٌ هتَك الحِرْزَ وأخَذ نصابًا، ولا قَطْعَ عليه بذلك؟. م ص [¬١] وزيادة.
(١) قوله: (إخْرَاجُه) أي: النصابُ.
(٢) قوله: (فلَوْ سَرَقَ مِنْ غيرِ حِرْزٍ) بأنْ وجَد بابًا مفتوحًا أو حِرْزًا مهتوكًا، فأخَذ منه نصابًا (فلا قَطْعَ)؛ لفواتِ شَرْطِه، كما لو أتْلَفَه داخِلَ الحِرْزِ بأكْلٍ أو غيرِه، وعلَيْه ضمانُه. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (وحِرْزُ كُلِّ مَالٍ ما حُفِظَ فيه) ذلكَ المالُ (عادَةً) لأنَّ معنَى الحِرْزِ الحِفْظُ، ومنه: احتُرِزَ من كَذَا. ولم يَرِدْ من الشَّرْعِ بَيانُه، ولأنَّه عُرْفٌ لُغَويٌّ يَتقدَّر به، كالقَبْضِ والتفرُّقِ في البيعِ.
ويَختَلِفُ الحِرْزُ باختلافِ جنسِ المالِ، وباختلافِ بَلَدِه كِبَرًا وصِغَرًا؛ لخَفَاءِ السارِقِ بالبَلَدِ الكبيرِ؛ لسَعَةِ أقْطَارِه أكْثَرَ منه في البَلَدِ الصغيرِ. ويَختَلِفُ الحِرْزُ أيضًا باختلافِ عدلِ السلطانِ. م ص [¬٣] وزيادة.
(٤) قوله: (فَنَعْلٌ بِرِجْلٍ) حِرْزٌ، ومثلُه خُفٌّ ونَحْوُه.
(٥) قوله: (وبالسلاطينِ) أي: بعَدْلِ السلطانِ وقُوَّتِه، وضدِّهما، أي: جَوْرِه وضعفِه. فإنَّ السلطانَ العَدْلَ يُقِيمُ الحدودَ، فتقلُّ السُّرَّاقُ خوفًا من الرَّفْعِ
стр. 1966
ولَو اشْتَرَكَ جَمَاعةٌ في هَتْكِ الحِرْزِ، وإخْرَاجِ النِّصَابِ: قُطِعُوا جَمِيعًا (١). وإنْ هَتَكَ الحِرْزَ أحَدُهُمَا، ودَخَلَ الآخَرُ فأخْرَجَ المَالَ: فلا قَطْعَ عَلَيْهِمَا (٢)، ولَوْ تَوَاطَآ (٣).
السَّادِسُ: انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ. فلا قَطْعَ: بِسَرِقَتِهِ مِنْ مَالِ فُرُوعِهِ، وأُصُولِه (٤)،
إليه، فيُقْطَعُ، فلا يَحتاجُ الإنسانُ إلى زيادةِ حِرْزٍ. وإن كان جائرًا، شارَكَ من التَجَأَ إليه مِنْ الدُّعَّارِ [¬١]، ويَذُبُّ عَنْهم، قَوِيَتْ صَوْلَتُهم، فيَحتاجُ أربابُ الأموالِ لزيادةِ التحفُّظِ. م ص [¬٢].
(١) قوله: (ولَو اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ .. إلخ) لِوُجُوبِ سَبَبِ القَطْعِ منهم، كالقَتْلِ، واشْتِرَاكِهِم في هَتْكِ الحِرْزِ وإخراجِ النصابِ. م ص [¬٣].
(٢) قوله: (فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِمَا) أي: عَلَى واحِدٍ منهما؛ لأنَّ الأوَّلَ لم يَسرِقْ، والثانِي لم يَهْتِكْ. م ص [¬٤].
(٣) قوله: (ولَوْ تَواطَآ) على ذلكَ؛ لأنَّه لا فعْلَ لأحدِهِما فيما فعَله الآخَرُ، فلم يَبْقَ إلا القَصْدُ. والقصدُ إذا لم يُقارِنْه الفعلُ لا يَترتَّبُ عليه حُكْمٌ. م ص [¬٥].
(٤) قوله: (فلا قَطْعَ بسرقتِه مِنْ مَالٍ … إلخ) أمَّا سَرِقَتُه من مالِ وَلَدِه؛ فلحديثِ: «أنتَ ومالُكَ لأبِيكَ» [¬٦]. وأمَّا سرقتُه من مالِ أبِيه أو جَدِّه، أو أمِّه
стр. 1967
وزَوْجِهِ (١). ولا: بسَرِقَتِهِ مِنْ مَالٍ لَهُ فِيهِ شِرْكٌ (٢)، أوْ لأَحَدٍ مِمَّنْ ذُكِرَ (٣).
السَّابِعُ: ثُبُوتُهَا (٤). إمَّا بشَهادَةِ عَدْلَيْنِ. ويَصِفَانِهَا (٥).
أو جَدَّتِه، وإنْ عَلَوا، أو مِنْ مالِ وَلَدِ ابنِه أو ولد بنته، وإنْ سفَلَا؛ فلأنَّهُم بينَهُم قرابةٌ تَمنعُ من قبولِ شهادةِ بعضِهم لبعضٍ، ولأنَّ النفقةَ تَجبُ لأحدِهِم على الآخَرِ؛ حفظًا لَه.
ويُقطعُ باقِي الأقارِبِ بالسرقةِ من مالِ أقاربِهِم، كالإخوةِ والأخواتِ، ومَن عَدَاهُم كالأعمامِ والأخوالِ؛ لأنَّ القرابةَ هنا لا تَمنَعُ قبولَ الشهادةِ من أحدِهِما على الآخَرِ، فلا تَمنَعُ القطعَ، ولأنَّ الآيةَ والأخبارَ تعمُّ كلَّ سارِقٍ، خرَج منه عمودَا النسبِ، فبَقِي ما عداهُما على الأصلِ. ش ع [¬١] وزيادة.
(١) قوله: (وزَوْجِه) أي: ولا قَطْعَ بسرقةِ زوجٍ أو زوجةٍ من مالِ الآخَرِ، ولو أُحرِزَ عنه. وفيه روايةٌ: أنَّه يُقطَعُ في المُحْرَزِ عَنهُ، وهي مذهبُ مالكٍ، وأبِي ثَورٍ، وابنِ المنذرِ. ح ف وزيادة.
(٢) قوله: (ولا بِسَرِقَتِه … إلخ) عطفٌ على: «بسرقتِه». أي: ولا قَطْعَ بسرقتِه من مالٍ للسارِقِ فيه شركٌ، ولو أخَذ منه أكثرَ من حقِّه. ح ف وإيضاح.
(٣) قوله: (أو لأحَدٍ مِمَّنْ ذُكِرَ) مِنْ الفُروعِ، والأصولِ، والزوجِ.
(٤) قوله: (ثُبُوتُهَا) أي: السرقةِ الموجبةِ للقَطْعِ.
(٥) قوله: (ويَصِفَانِهَا) أي: السرقةَ بعدَ الدعوى؛ بأنْ يَقولا: أخَذَها منه على وَجْهِ الاختفاءِ من حِرْزِ مِثْلِهَا. ويَذكُرَا جِنْسَ النصابِ وقَدرَه. ح ف.
стр. 1968
ولا تُسْمَعُ قَبْلَ الدَّعْوَى (١). أوْ بِإقْرَارٍ مَرَّتَيْنِ (٢)، ولا يَرْجِعُ حتَّى يُقْطَعَ (٣).
الثَّامِنُ: مُطالَبَةُ المَسْرُوقِ مِنْهُ بِمَالِهِ (٤).
(١) قوله: (ولا تُسْمَعُ قَبْلَ الدَّعْوَى) من مالكٍ، أو مَنْ يَقومُ مقامَه. عثمان [¬١].
(٢) قوله: (أو بِإقْرَارٍ مرتيْنِ) بعدَ الدعوَى، أي: وإذَا لم تَكُنْ بينةٌ تُثبِتُ السرقةَ بإقرارِ سارِقٍ مرتيْنِ. فالتنوينُ عوضٌ عن المضافِ إليه؛ لأنَّه يَتضمَّنُ إتلافًا، فاعتُبِرَ تكرارُ الإقرارِ فيه، كالزِّنَى. ويصفُ السرقةَ في كلِّ مرَّةٍ؛ لاحتمالِ ظنِّه وجوبَ القطعِ عليه مع فَقْدِ بعضِ شروطِه. فلا قطعَ بإقرارِه مرَّةً، بل يَجبُ الغُرْمُ فقط. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (ولا يَرجِعُ) عن إقْرارِه (حتَّى يَقْطَعَ) فإنْ رجَع، تُرِكَ، ولا بأسَ بتَلْقينِه الإنكارَ، وكذا لا بأسَ بالشفاعةِ في القَطْعِ إذا لم يَبلُغِ الإمامَ، فإنْ بلَغه، حَرُمَتْ ولزِم القطعُ. ح ف.
(٤) قوله: (مُطَالَبَةُ المَسْرُوقِ [¬٣] مِنه بِمَالِه) متعلِّق ب «مُطَالبةُ»، أو مُطَالَبةُ وكيلِه، أو مطالبةُ وليِّه إنْ كانَ مَحْجُورًا عليه لحظه؛ لأنَّ المالَ يُباحُ بالبذلِ والإباحةِ، فيَحتمِلُ إباحةُ مالكِه إيَّاه، أو إذنُه له في دخولِه حِرْزَه، ونحوَه مما يُسقِطُ القطعَ. فإذا طالَب ربُّ المالِ به، زالَ هذا الاحتمالُ، وانتَفَت الشبهةُ. م ص [¬٤] وزيادة.
стр. 1969
ولا قَطْعَ: عَامَ مَجَاعَةِ غَلاءٍ (١).
فمَتَى تَوفَّرَتِ الشُّرُوطُ (٢): قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنَى (٣) مِنْ مَفْصِلِ كَفِّهِ (٤)،
(١) قوله: (ولا قَطْعَ عامَ مَجَاعة) أي: ولا قَطْعَ بسرقةٍ عامَ مجاعةِ (غلاءٍ) من إضافةِ المسبِّبِ إلى سببِه [أي: مجاعةٌ سببُها غلاءٌ، إنْ لم يَجِدْ سارِقٌ ما يَشترِيه] [¬١] أو ما يَشترِي به. م خ وزيادة [¬٢].
(٢) قوله: (فَمَتَى تَوفَّرَتِ الشُّروطُ) أي: وُجِدَت الشروطُ السابقةُ الموجبةُ للقَطْعِ.
(٣) قوله: (قُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنَى) لقراءةِ ابنِ مسعودٍ: «فاقْطَعُوا أيمانَهُما» [¬٣] وهو إمَّا قراءةٌ أو تفسيرٌ سمِعَه من النبيِّ ﷺ ؛ إذ لا يُظَنُّ بمثلِه أن يُثْبِتَ في القرآنِ شيئًا برَأْيِه. م ص [¬٤].
(٤) قوله: (مِنْ مِفْصَلِ كَفِّه) لقولِ أبِي بكرٍ وعمرَ: تُقْطَعُ يمنَى السارِقِ مِنْ الكُوعِ [¬٥]. ولأنَّ اليدَ تُطلَقُ عليها إلى الكوعِ، وإلى المِرْفَقِ، وإلى المنكبِ، وإرادةُ ما سوَى الأولِ مشكوكٌ فيه، فلا يُقطَعُ مع الشكِّ. م ص [¬٦].
стр. 1970
وغُمِسَتْ (١) وُجُوبًا في زَيْتٍ مَغْلِيٍّ (٢).
وسُنَّ: تَعْلِيقُهَا (٣) في عُنُقِهِ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، إنْ رَآهُ الإمَامُ (٤).
فإنْ عَادَ: قُطِعَتْ رِجْلُهُ اليُسْرَى مِنْ مَفْصِلِ كَعْبِهِ، بِتَرْكِ عَقِبِهِ (٥). فإنْ عَادَ (٦): لَمْ يُقْطَعْ، وحُبِسَ حتَّى يَمُوتَ، أوْ يَتُوبَ (٧).
(١) قوله: (وغُمِسَتْ) أي: يدُه، أي: حُسِمَ دَمُهَا، أي: قُطِعَ دمُهَا ومنع مِنْ السيلانِ، فهو على حَذْفِ مضافٍ. ويَنبغِي في قطعِه بأسْهَلَ ما يُمكِنُ؛ بأنْ يَجلِسَ ويُضبَطَ؛ لئلَّا يتحرَّكَ فيَجنِي على نفسِه، وتُشَدُّ يدُه بحبلٍ، وتُجَرُّ حتى يتيقَّنَ المِفْصَلُ، ثم تُوضَعُ السكينُ وتُجَرُّ بقوةٍ؛ ليُقطعَ في مرَّةٍ. م ص [¬١] وزيادة.
(٢) قوله: (فِي زَيْتٍ مَغلِيٍّ) لتُسدَّ أفواهُ العُروقِ، فيَنقطِعَ الدمُ؛ إذ لو تُرِكَ بلا حسمٍ لنَزَفَ الدمُ فأدَّى إلى موتِه. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (وسُنَّ تَعْلِيقُها) أي: وسُنَّ تعليقُ [¬٣] يدِ السارِقِ المقطوعةِ.
(٤) قوله: (إنْ رَآه الإمَامُ) أي: أدَّاه اجتهادُه إلَيْه؛ لتَتعظَ السرَّاقُ به.
(٥) قوله: (بتَرْكِ عَقِبِه) وحُسِمَتْ.
(٦) قوله: (فإنْ عادَ) فسَرَقَ بعدَ قطعِ يدِه ورِجْلِه.
(٧) قوله: (وحُبِسَ حتَّى يَمُوتَ أو يَتوبَ) ويَحرُمُ أن يُقطَعَ. وحكمةُ حَبْسِه: كفُّه عن السرقةِ وتعزيرُه. م ص [¬٤].
بَابُ حَدِّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ
وهُم: المُكَلَّفُونَ (١) المُلْتَزِمُونَ (٢)، الذينَ يَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ (٣)،
بابُ حَدِّ قُطَّاعِ الطَّريقِ
سُمُّوا بذلكَ؛ لأنَّهم يَمْنعونَ الناسَ من المرورِ بِهَا خوفًا منهم. وعلى الإمامِ طَلَبُهم؛ ليَدْفَعَ عن الناسِ شَرَّهُم. والأصلُ فيه [¬١] قولُه تعالَى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا﴾ [المَائدة: ٣٣]. الآية. قال ابنُ عباسٍ وأكثرُ المفسرِّينَ: نزَلَت في قُطَّاعِ الطريقِ من المسلمينَ [¬٢]. م ص [¬٣] وزيادة.
(١) قوله: (وهُمُ المُكَلَّفونَ) خرَج الصغيرُ والمجنونُ.
(٢) قوله: (المُلْتزِمُونَ) يعنِي: سواءٌ كانُوا مسلمينَ أو ذميِّين، وينتقضُ به عهدُ أهْلِ الذِّمَّةِ، فتَحِلُّ دماؤُهم وأموالُهُم. م ص [¬٤].
(٣) قوله: (الَّذِينَ يَخرُجُونَ على الناسِ) لا للصَّيْدِ، أي: الذين يَعرِضُون للناسِ بسلاحٍ، ولو بعَصَا وحجارةٍ؛ لأنَّ ذلكَ من جملةِ السلاحِ، فإنْ لَم يَكنْ معَهم سلاحٌ فليسُوا محارِبِينَ؛ لأنَّهم لا يُمْنَعون من قصدِهِم. في صحراءَ أو بُنْيانٍ أو بَحْرٍ؛ لعمومِ الآيةِ، ولأنَّ ضررَهم في المصرِ أعْظَمُ، فكانُوا بالحدِّ
стр. 1973
فيَأخُذُونَ أمْوَالَهُم (١) مُجَاهَرَةً (٢).
ويُعْتَبَرُ (٣): ثُبُوتُهُ بِبَيِّنةٍ، أوْ إقْرَارٍ مَرَّتَيْنِ (٤). والحِرْزُ (٥).
أوْلَى. ش ع [¬١] وزيادة.
(١) قوله: (فَيَأْخُذُونَ أموالَهُم) أي: فيُغْصِبون مالًا محترمًا. خرَج الكلبُ، والسَّرْجِينُ النجسُ، ومالُ الحربِيِّ. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (مُجَاهَرَةً) حالٌ من الفعلِ، أي: حالَ كونِ الأخْذِ مجاهرةً. أُخْرِجَ به .. والخطفُ [¬٣].
ولو خرَج الواحِدُ والاثنانِ على آخِرِ قافلةٍ، فاستَلَبُوا منها شيئًا، فليسوا بمحارِبينَ؛ لأنَّهم لم يَرجِعُوا إلى منعةٍ [¬٤] وقوةٍ، وإنْ خرَجوا على عددٍ يسيرٍ فقَهَرُوهم، فهم مُحارِبُون، يثبتُ لهم حكمُهم. ح ف وزيادة.
(٣) قوله: (ويُعتَبَرُ) لوجوبِ حدِّ [¬٥] المحارِبِ ثلاثةُ شروطٍ.
(٤) قوله: (ثُبُوتُه بِبَيِّنةٍ) أحدُها: ثُبُوتُ قطعِ الطريقِ ببيِّنةٍ، وهي: رجلانِ عَدْلان (أو إقْرَارٍ مرتيْنِ)، فلا يَثبُتُ الحدُّ بشهادةِ رجلٍ وامرأتيْنِ أو ويَمِينٍ، ولا بشهادةِ فاسقيْنِ أو مستوريْنِ، أو إذا كانَ أحدُهُمَا كذلكَ. ولو شَهِدت البينةُ بالمحارَبَةِ فقط، أو أقرَّ بها فقط، وجَب أقلُّها وهو النَّفْيُ. ح ف.
(٥) قوله: (والحِرْزُ) والثانِي: الحِرْزُ؛ بأنْ يَأخُذَه مِنْ يدِ مُسْتحِقِّهِ وهو بالقافلةِ،
стр. 1974
والنِّصَابُ (١).
ولَهُمْ أرْبَعَةُ أحْكَامٍ (٢):
إنْ قَتَلُوا، ولَمْ يَأخُذُوا مَالًا: تَحَتَّمَ قَتْلُهُم جَمِيعًا (٣).
وَإنْ قَتَلُوا (٤)
فلو وجَدَه مطروحًا، أو أخَذه من سارِقِه أو غاصِبِه، أو منفردًا عن قافلةٍ، لم يَكنْ محاربًا. م ص [¬١].
(١) قوله: (والنِّصَابُ) أي: والثالِثُ: النصابُ الذي يُقطَعُ به السارِقُ.
ويُعتَبَرُ أيضًا أنْ لا يَكونَ أخَذَه من مالٍ له فيه شُبْهةٌ. واعتبارُ هذه الشروطِ للقَطْعِ والقتلِ والصَّلبِ. ح ف.
(٢) قوله: (وَلَهُمْ أرْبَعةُ أحْكَامٍ) أي: يَتعلَّقُ بقُطَّاعِ الطريقِ أربعةُ أحكامٍ. اعلمْ أنَّ «أنْ» في الآيةِ [¬٢] بمعنَى الترديدِ، وهو ظاهِرٌ من حَصْرِ جزاءِ المحاربةِ في الخصالِ الآتِيةِ أعنِي: الأحكامَ الأربعةَ أي: أنَّ الجزاءَ متردِّدٌ بينَها لا يُزادُ عليها، إلَّا أنَّ «أو» في قولِه تعالَى: ﴿أو يصلبوا﴾ [المَائدة: ٣٣]. بمعنَى الواو؛ لأنَّ الصلبَ ليسَ حدًّا في نفسِه استقلالًا، بل تابًعا للقَتْلِ. ح ف.
(٣) قوله: (إنْ قَتَلُوا وَلَمْ يَأخُذُوا مَالًا، تَحَتَّمَ قَتْلُهُمْ جَمِيعًا) فيَجِبُ قَتْلُ الكلِّ؛ لأنَّ جِنايتَهم بالقتلِ وأخْذِ المالِ تَزيدُ على جنايتِهم بالقتلِ وحدَه، فوجَب اختلافُ العقوبتيْنِ. م ص [¬٣].
(٤) قوله: (وَإِنْ قَتَلُوا .. إلخ) فمَن كانَ من قطَّاعِ الطريقِ قد قتَل قتيلًا لأخْذِ
стр. 1975
وَأخَذُوا مَالًا (١): تَحَتَّمَ قَتْلُهُم (٢)، وَصَلْبُهُمْ (٣)
مالِه، ولو كانَ القتلُ بمثقَّلٍ، أو سوطٍ، أو عصا، ولو قتَل غيرَ مَنْ يُكافِئُه؛ كمَن قتَل ولدَه، أو قتَل عبدًا، أو ذميًّا، وأخَذ المالَ، قُتِلَ حتمًا بالسيفِ في عنقِه، ولو عَفَا عنه ولِيُّ المقتولِ؛ لأنَّه لحقِّ اللهِ تعالَى، فلا يَسقُطُ بعفوِ الولِيِّ. ثم صُلِب المكافئُ لمقتولِه دونَ غيرِه، بقَدْرِ ما يُشتَهَرُ به، ثم يُنزَلُ ويُدفَعُ إلى أهلِه، فيُغسَّلُ، ويكفَّنُ، ويصلَّى عليه، ويُدفَنُ، كغيرِه من المسلمينَ. فإنْ ماتَ قبلَ قتلِه، لم يُصْلَبْ؛ لأنَّه لا فائدةَ في صلبِه إذنْ.
ولا يَتحتَّمُ استيفاءُ جنايةٍ تُوجِبُ القصاصَ فيمَا دونَ النفسِ، فإذا قطَع قاطِعُ الطريقِ طرفًا، لم يَتحتَّمِ استيفاؤُه، والخيرةُ للمجنِيِّ عليه؛ لأنَّ القتلَ إنَّما يتحتَّمُ لأنَّه حدُّ المحاربِ إذا كانَ قاتلًا، فأمَّا الطرفُ فإنَّمَا يُستوْفَى هنا قصاصًا لا حدًّا، فيَكونُ حكمُه كغيرِ المحارِبِ، فإذَا عفَا ولِيُّ القَوَدِ، سقَط ذلكَ. «إقناع وشرحه» [¬١].
(١) قوله: (وَأَخَذُوا مَالًا) أيْ: نصابًا، فالنصابُ شرطٌ لتحتُّمِ القتلِ والصلبِ. ح ف.
(٢) قوله: (تَحَتَّمَ قَتْلُهم) أي: وجَب قَتلُهم، لا تَخْيِيرَ فيه ولا عَفْوَ. وأُطْلِق القتلُ؛ لأنَّ المرادَ بالسيفِ؛ لقولِه ﵇: «إذا قتَلْتُم فأحْسِنُوا القِتْلَةَ» [¬٢]. وحُسْنُ القتلِ أن يَكونَ بالسيفِ. ح ف.
(٣) قوله: (وَصَلْبُهُمْ) أي: رُفِعَ على جذعٍ أو نحوِه وجوبًا بعدَ القتلِ. أمَّا وجوبُه؛ فلحديثِ ابنِ عباسٍ [¬٣] أنَّ جبريلَ نزَل بأنَّ مَنْ أخَذ المالَ صُلِبَ.
стр. 1976
حَتَّى يَشْتَهِرُوا (١).
وَإِنْ أَخَذُوا مَالًا (٢)، ولم يَقْتُلُوا: قُطِّعَتْ أَيْدِيهِم وأرْجُلُهُم مِنْ خِلافٍ (٣)،
ولأنَّ القتلَ وقَع في نظير القتلِ، فلابدَّ من عقوبةٍ أخرَى لأخْذِ المالِ، ولأنَّه شُرِعَ حدًّا فلم يَتخيَّرْ فيه الإمامُ. وأمَّا كونُه بعدَ القتلِ؛ فلأنَّ اللهَ تعالَى قدَّم القتلَ على الصلبِ لفظًا، والترتيبُ يُوجِبُ تقديمَ الأوَّلِ، كقولِه تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ [البَقَرَة: ١٥٨]. ولأنَّ في صلبِه حيًّا تعذيبًا له، وقد نَهَى ﵇ عن تعذيبِ الحيوانِ، ولأنَّ الصلبَ إنَّما شُرِعَ ليشْتَهِرَ أمرُه؛ ردعًا لغيرِه، وهذا يَحصلُ بصلبِه بعدَ القتلِ. ح ف.
(١) قوله: (حَتَّى يَشْتَهِرُوا) يعنِي: أنَّ الصلبَ غيرُ مؤقتٍ بمدَّةٍ معينةٍ، بل غايتُه إلَى أن يَشتَهِرَ أمْرُه؛ لأنَّه لم يَرِدْ فيه توقيتٌ من الشارِعِ، فرجَع إلى ما يَحصُلُ به ارتداعُ غيرِه. وقال أبو حنيفةَ والشافعيُّ: يُصلَبُ ثلاثًا. وعلى كلِّ حالٍ يُغسَّلُونَ، ويكفَّنونَ، ويصلَّى عليهم، ويُدْفَنون. ح ف.
(٢) قوله: (وإِنْ أَخَذُوا مالًا) مِنْ حِرْزٍ لا شبهةَ له فيهِ، بخلافِ نحوِ أبٍ وسيدٍ، ما يُقطعُ السارِقُ فيه؛ لأنَّها جنايةٌ تَعلَّقَتْ بها عقوبةٌ في حقِّ غيرِ المحارِبِ، فلا تغلَّظُ في المحاربةِ بأكثرَ من وَجْهٍ واحدٍ، كالقتلِ. م ص [¬١].
(٣) قوله: (قُطِّعَتْ أَيْدِيهم … إلخ) أي: اليَدُ اليمنَى. أمَّا وجوبُ قطعِهِما؛ فلأنَّه لَمَّا قارَنَ أخْذَ المالِ المحاربةُ [¬٢]، وجَب تغليظُ الحدِّ بزيادةِ قطعِ الرجلِ على
стр. 1977
حَتْمًا (١) في آنٍ واحِدٍ (٢).
وَإِنْ أَخافُوا النَّاسَ، ولَمْ يَأخُذُوا مَالًا: نُفُوا مِنْ الأرْضِ، فَلا يُتْرَكُونَ يَأْوُونَ إلَى بَلَدٍ (٣) حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُمْ.
القَطْعِ في السرقةِ. وأمَّا وجوبُ الترتيبِ بينَهُما كمَا ذُكِر؛ فلأنَّ اللهَ تعالَى بدَأَ بذِكْرِ اليدِ ثُمَّ بالرجلِ، وإنَّما لم يَعكِسْ فيَقطَعُ اليدَ اليسرَى والرجلَ اليمنَى؛ لأنَّ اليدَ اليمنَى هي الآلَةُ للآخِذِ، وإذَا تعيَّن قطعُهَا تعيَّن قَطْعُ الرجلِ اليسرَى للمخالفةِ. ولو قطَع القاطِعُ يدَ المحارِبِ اليسرَى ورِجْلَه اليمنَى، مع وجودِ الطرفيْنِ الآخريْنِ، أساءَ وأَجْزَأ؛ لأنَّا لو أوْجَبْنا قطعَهُما أفضَى إلى قطعِ أربعتِه، وذلكَ لا يَجوزُ. ح ف.
(١) قوله: (حَتْمًا) منصوبٌ على أنَّه صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: قُتِلَ [¬١] حَتْمًا، أي: متحتِّمًا لا تخييرَ فيهِ ولا عَفوَ. ح ف.
(٢) قوله: (فِي آنٍ واحِدٍ) متعلِّقٌ بقولِه: «قُطِّعَتْ … إلخ». فلا يُنتَظَرُ بقطعِ أحدِهِما اندمالُ العضوِ الآخَرِ؛ لأنَّه حدٌّ واحدٌ، فلا يُسْتَوْفَى بعضُه في وقتٍ وبعضُه في وقتٍ آخرَ، كما في حدِّ الزِّنى. ولأنَّ ذلكَ أرْفَقُ به من تكرارِ الألَمِ. ح ف.
(٣) قوله: (فَلَا يُتْرَكُونَ [¬٢] يَأْوُونَ إلَى بَلَدٍ) لأنَّ النَّفْيَ معناه: الطَّرْدُ والإبعادُ، ومَن تُرِكَ في بلدٍ، لم يَكنْ مُبْعدًا. وتُنْفَى الجماعةُ متفرقةً، كلٌّ إلَى جهةٍ [¬٣]؛ لئلَّا يجتمعُوا على المحاربةِ ثانيًا. ح ف وزيادة.
стр. 1978
وَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ (١): سَقَطَتْ عَنْهُ حُقُوقُ اللَّهِ (٢)، وَأُخِذَ بِحُقُوقِ الآدَمِيِّينَ (٣).
(١) قوله: (وَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ … إلخ) أي: المحاربينَ. وتُقْبَلُ منهم دعوَى التوبةِ إنِ اقترنَتْ بأمارتِهَا، وإلَّا فلا. والتوبةُ قبلَ القدرةِ تُخالِفُ التوبةَ بعدَهَا. الوالد.
(٢) قوله: (سَقَطَتْ عنه حُقُوقُ اللَّهِ) من صلبٍ، وقطْعِ يدٍ ورجلٍ، ونَفْي. الوالد.
(٣) قوله: (وَأُخِذَ بِحُقُوقِ الآدَمِيِّينَ) من قصاصٍ في نفسٍ أو دُونِهَا، وغرامةِ مالٍ، ودِيَةِ ما لا قصاصَ فيه، وحدِّ قذفٍ، كما قبلَ الإسلامِ. وقولُه تعالَى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفَال: ٣٨]. وحديثُ: «الإسلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَه» [¬١]. في الحربيِّين، أو خاصٌّ بالكفرِ؛ جمعًا بينَ الأخبارِ، ما لم يَعْفُ مُستحِقُّه، فيَسقُطُ. م ص [¬٢].
стр. 1979
فَصْلٌ
ومَن أُريدَ بأَذىً في نَفْسِهِ (١)، أوْ مَالِهِ (٢)، أَوْ حَرِيمِهِ (٣): فلهُ دَفْعُهُ بالأَسْهَلِ فَالأَسْهَلِ (٤).
فَصْلٌ
(١) قوله: (وَمَنْ أُرِيدَ بِأَذًى) أي: قُصِدَ بالأذَى (فِي نَفْسِهِ).
(٢) قوله: (أوْ مَالِهِ) أي: أُرِيدَ أخذُ مالِه، ولَوْ قلَّ ما أُريدَ من مَالِه، أوْ لَم يُكَافِ من أُريدَت [¬١] نفسُه أو حرمتُه أو مالُه المريدَ لذلكَ. م ص [¬٢] وزيادة.
(٣) قوله: (أوْ حَرِيمِه) أي: صِيلَ علَيْه في حرمتِه كأمِّه وأختِه أو زوجتِه، ونحوِهِنَّ لزنًى أو قَتْلٍ، م ص [¬٣].
(٤) قوله: (فَلَهُ دَفْعُه بالأسْهَلِ فالأسهَلِ … إلخ) ولَمْ يخَفِ الدافعُ أن يبْدُرَه [¬٤] الصائِلُ بالقتلِ، دفَعَه بأسهلَ ما يَغلُبُ على ظنِّه دفعُه به من الكلامِ. فإنِ اندفَع بالقولِ، لم يَكن له ضَرْبُه بشيءٍ، وإنْ لم يَندفِعْ بالقولِ، فللدافِعِ ضربُه بأسْهَلَ ما يَظُنُّ أن يَندَفِعَ به، فإنْ ظنَّ أن يَندفِعَ بضربِ عَصَا، لم يَكُنْ له ضربُه بحديدٍ؛ لأنَّه آلةُ القتلِ. وإنْ ولَّى هاربًا، لم يَكُنْ له قتلُه ولا اتِّبَاعُه، كالبغاةِ.
стр. 1980
فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِالقَتْلِ: قَتَلَهُ، ولا شَيْءَ عَلَيْهِ (١).
ويَجِبُ: أنْ يَدْفَعَ عَنْ حَرِيمِهِ، وحَرِيمِ غَيْرِهِ (٢). وَكَذَا- في غَيْرِ الفِتْنَةِ-: عَنْ نَفْسِهِ، ونَفْسِ غَيْرِهِ (٣) وَمَالِهِ.
وإن ضرَبه فعطَّله، لم يَكنْ له أن يُثَنِّيَ عليه؛ لأنَّه كُفِىَ شرُّه. «إقناع وشرحه» [¬١].
(١) قوله: (فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بالقَتْلِ .. إلخ) أي: فإن لم يمكنْ الدافعَ دفعُ الصائِلِ إلا بالقَتْلِ، أو خافَ الدافِعُ ابتداءً أن يَبْدُرَهُ الصائِلُ بالقتلِ إن لم يُعاجِلْه بالدفْعِ، فله ضرْبُه بما يقتلُه ويَقطَعُ طرفَه، ويكونُ ذلك هَدَرًا؛ لأنَّه أتْلَفَ لدفْعِ شرِّه، كالباغِي. وإن قُتِلَ المصولُ عليه، فهو شهيدٌ مضمونٌ. م ص [¬٢] وزيادة.
(٢) قوله: (وَيَجِبُ أنْ يَدْفَعَ عن حَرِيمِهِ وحَرِيمِ غَيْرِهِ) إذا أُريدَتْ. فمَن رأَى مع امرأتِه أو بنتِه ونحوِهَا رجلًا يزنِي بِهَا، أو مع وَلَدِه ونحوِه رجلًا يَلوطُ به، وجَب عليه قتلُه إنْ لم يَنْدَفِعْ بدونِه. الوالد.
(٣) قوله: (وَكَذَا فِي غَيْرِ الفِتْنةِ) أي: وكَذا يجبُ الدفعُ في غيرِ الفتنةِ عن نفسِه، وحريمِه، وحريمِ غيرِه. أمَّا الدفعُ عن نفسِه فلِما ذكِر. وأمَّا عن نفسِ غيرِه والمرادُ مع ظنِّ السلامةِ فلقولِه تعالَى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المَائدة: ٢]. ولقولِه ﵇: «انصُرْ أخاكَ ظالمًا أو مظلومًا». قيل: يا رسولَ اللهِ، أنصُرُه مظلومًا فكيفَ أنصرُه ظالمًا؟. قال: «تَرُدُّه عن الظلمِ،
стр. 1981
لا: مَالِ نَفْسِهِ (١). وَلا يَلْزَمُهُ: حِفْظُهُ عَنْ الضَّيَاعِ والهَلاكِ (٢).
فذاكَ نصرُكَ إيَّاهُ» [¬١].
وفي لفظٍ آخرَ: «إنَّ الناسَ يَتعاونونَ على القتالِ» [¬٢].
أمَّا في الفتنةِ فلا يَجبُ الدفعُ عن نفسِه ونفسِ غيرِه، والأوْلَى له فيها تَرْكُ الدفعِ عن نفسِه؛ لأنَّه ﵇ قالَ لأبِي ذرٍّ في الفتنةِ: «اجلِسْ في بيتِك، فإنْ خِفْتَ أن يَنهَرَك شعاعُ السيفِ، فغَطِّ وجْهَكَ» [¬٣]. وفي لفظٍ: «فكُنْ عبدَ اللهِ المقتولَ، ولا تَكنْ عبدَ اللهِ القاتِلَ» [¬٤]. ح ف.
(١) قوله: (لا مَالِ نَفْسِهِ) أي: ولا يَلزَمُ ربَّ مالٍ الدفعُ عن مالِه؛ لأنَّه ليسَ فيه من المحذورِ ما في النفسِ. م ص [¬٥].
(٢) قوله: (ولا يَلْزَمُه) أي: ربَّ المالِ (حِفْظُه عَنِ الضَّيَاعِ والهَلَاكِ) قالَ ح ف: يُنظَرُ ما الفرقُ بينَهُما؟ ولعلَّ المرادَ بالهلاكِ: تَلَفُ الحيوانِ، وبالضياعِ: تَلَفُ غيرِه. أو أنَّه عطفُ بيانٍ. ويُمْكِنُ أن يفرَّقَ بينَهُما بأنَّ الهلاكَ: ذهابُ عينِه ولم يَبْقَ أثَرُه، وبالضَّيَاعِ: ذهابُه عن رَأْيِ العينِ مع وجودِه. وله نظائِرُ، كاستهلاكِ المائِعِ بأكْلٍ، أو إراقةٍ لا يُمكِنُ فيها جمعُه، وأمَّا ضياعُه فبإخفائِه عن بلدِ صاحبِه مع وجودِ عينِه.
стр. 1982
بابُ قِتَالِ البُغَاةِ
وهُمُ: الخَارِجُونَ علَى الإمَامِ (١). بتَأْوِيلٍ سَائِغٍ (٢). ولَهُمْ شَوْكَةٌ (٣).
بابُ قِتَالِ البُغاةِ
والبَغْيُ مصدرُ بغَى يبغِي، إذا اعتدَى. والمرادُ هنا: الظلمةُ الخارجِونَ عن طاعةِ الإمامِ، المُعْتَدونَ عليه.
وهو: الجَوْرُ والظلمُ والعدولُ عن الحقِّ. وسُمُّوا بغاةً؛ لعدولِهِم عن الحقِّ وما عليه أئمةُ المسلمينَ. م ص [¬١].
(١) قوله: (وَهُمْ الخارِجُونَ عَلَى الإمَامِ) ولو غيرَ عَدْلٍ. قالَ الموفّقُ: وتجبُ الطاعةُ لأئمةِ المسلمينَ، وأمراءِ المؤمنينَ، ما لم يَأمُرُوا بمعصيةٍ. وفي «النهايةِ»: يَحرُمُ الخروجُ علَى الإمامِ وإنْ كانَ فاسقًا، بلْ نُصلِّي خلفَه، ونحجُّ ونَغزُو معَه، ونُعطِيه الزكاةَ والعُشْرَ والخراجَ، ونحوَ ذلكَ. وندعُو له، وله أخْذُ الجزيةِ والفَيءِ، وغيرِ ذلكَ من الحقوقِ التي لبيتِ المالِ. ونصَّ عليه الإمامُ أحمدُ في روايةِ ابنِ عَبدوسٍ؛ خلافًا لابنِ عَقِيلٍ. ح ف.
(٢) قوله: (بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ) أي: سواءٌ كانَ صوابًا أو خطأً، كَمَا لَو ادَّعَوا أنَّه مُضيِّعٌ لحقوقِ اللهِ تعالَى، وأنَّه يَظلِمُ الناسَ، بخلافِ ما لَو ادَّعَوا أنَّ [¬٢] الخارِجَ أحقُّ بالإمامةِ منه. ح ف.
(٣) قوله: (وَلَهُمْ شَوْكَةٌ) ولَو لم يكُنْ فيهم مطاعٌ. أي: ولو لم يَكُنْ فيهم كبيرٌ
стр. 1983
فَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ (١): فَقُطَّاعُ طَرِيقٍ (٢).
وَنصْبُ الإِمَامِ: فَرْضُ كِفَايَةٍ (٣).
يَطلُبون له [¬١] الإمامةَ. ح ف.
(١) قوله: (فإنِ اختَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذلكَ) بأنْ لم يَخرُجُوا على إمامٍ، أو خرَجوا عليه بلا تأويلٍ، أو بتأويلٍ غيرِ سائِغٍ، أو كانُوا جمعًا يَسيرًا لا شوكةَ لهم، كالعشرةِ.
واعلمْ أنَّ حكمَ أهلِ البغْيِ يُخالِفُ قطَّاعَ الطريقِ في أمورٍ:
أحدُها: أنَّه يَجوزُ قتالُ قطَّاعِ الطريقِ مُقْبِلينَ ومُدْبِرين، ولا يَجوزُ قتالُ مَنْ ولَّى مِنْ أهلِ البَغْيِ.
الثانِي: أنَّ قطاعَ الطريقِ يُؤاخَذُون بِما أتْلَفُوه من مالٍ ودمٍ في الحربِ، وغيرِهِما، وأهلُ البغيِ لا يُؤاخَذُون بما أتلفُوه حالَ الحربِ.
الثالثُ: أنَّ ما قبَضه أهلُ البغيِ من خراجٍ وزكاةٍ فإنَّه يُعْتَدُّ به لربِه، بخلافِ ما قبَضَه قُطَّاعُ الطريقِ. ح ف وزيادة.
(٢) قوله: (فقُطَّاعُ طريقٍ) أي: فهُمْ قطاعُ طريقٍ، فيُعْطَوْنَ حُكْمَهم.
(٣) قوله: (وَنَصْبُ الإمَامِ فَرْضُ كِفَايَةٍ) لحاجةِ الناسِ لذلكَ؛ لحمايةِ البَيْضةِ [¬٢]، والذبِّ عن الحوزةِ، أي: الأُمَّةِ. وإقامةِ الحدودِ، واستيفاءِ الحقوقِ، والأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ. يُخاطِبِ به أهلُ [¬٣] الاجتهادِ حتَّى يَختارُوا،
стр. 1984
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومن تُوجَدُ فيه شروطُ الإمامةِ حتَّى ينتصِبَ أحدُهُم، ويُشتَرَطُ في أهلِ الاجتهادِ ثلاثةُ أشياءَ: العدالةُ، والعلمُ المُتوصَّلُ به إلى معرفةِ من يَستحِقُّ الإمامةَ، وأنْ يَكونوا من أهلِ الرَّأْيِ والتدبيرِ، بحيثُ يؤدِّي ذلكَ إلى اختيارِ مَنْ هو أصْلَحُ للإمامةِ.
ويَثبُتُ نصبُ الإمامِ بإجماعِ أهلِ الحلِّ والعقدِ على اختيارِ صالِحٍ لها مع إجابتِه، كخلافةِ الصديقِ، فيَلزَمُ كافةَ الأمةِ الدخولُ في بيعتِه، والانقيادُ لطاعتِه.
ويَثبُتُ نصبُ الإمامِ أيضًا بنصِّ أي: عهدِ إمامٍ بالإمامةِ لِمَنْ يَصلُحُ لها ناصًّا عليه بعدَه، ولا يُحتَاجُ في ذلكَ إلى موافقةِ أهلِ الحلِّ والعقدِ، كعهدِ أبِي بكرٍ إلى عمرَ ﵄ بالخلافةِ.
ويَثبُتُ نصبُ الإمامِ باجتهادٍ أيضًا؛ لأنَّ عمرَ جعَل أمرَ الإمامةِ شورَى بينَ ستَّةٍ من الصحابةِ، أي: جعَل خلافةَ عثمانَ باجتهادِ أهلِ الشورَى وتقديمِهم له، وهم: عثمانُ، وعليٌّ، وطلحةُ، والزبيرُ، وسعدٌ، وعبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، ﵃. ثُمَّ إنَّ الثلاثةَ فوَّضوا الأمرَ لثلاثةٍ؛ لعثمانَ، وعليٍّ، وعبدِ الرحمنِ. ثُمَّ إنَّ الثلاثةَ اتَّفقوا علَى أنَّ عبدَ الرحمنِ يَختارُ واحدًا منهما، وبَقِيَ عبدُ الرحمنِ ثلاثةَ أيامٍ، حلَف أنَّه لم يَنَمْ كبيرَ نومٍ، يُشاورُ المسلمينَ، وقد اجتمَع في المدينةِ أهلُ الحلِّ والعقدِ، حتَّى أُمَرَاءُ الأمصارِ، فاتَّفقوا على عثمانَ ﵃.
ويَثبُتُ أيضًا نصبُ الإمامِ بقَهْرٍ، كما فعَل عبدُ الملكِ بنُ مروانَ حينَ خرَج على ابنِ الزبيرِ ﵁ فقتَله، واستوْلَى على البلادِ وأهْلِها حتَّى بايَعُوه
стр. 1985
ويُعْتَبَرُ (١): كَوْنُهُ قُرَشِيًّا (٢)، بَالِغًا، عَاقِلًا (٣)، سَمِيعًا، بَصِيرًا، نَاطِقًا (٤)،
طوعًا وكرهًا ودعَوْه إمامًا، ولأنَّ في الخروجِ على مَنْ ثَبَتَتْ إمامتُه بالقهرِ شقَّ عصَا المسلمينَ، وإراقةَ دمائِهم، وإذهابَ أموالِهِم. م ص [¬١] وإيضاح.
(١) قوله: (ويُعتَبَرُ) في الإمامِ.
(٢) قوله: (كَوْنُهُ قُرَشِيًّا) لقولِه ﵇: «الخلافةُ بعدِي في قُريشٍ» [¬٢]. ولا يختصُّ بالأقربِ من رسولِ اللهِ ﷺ ، لكن لو تَوَلَّى غيرُ قرشيٍّ، وجَب طاعتُه. قال الموفّقُ في عقيدةٍ له: ونَسمَعُ ونُطِيعُ لِمَنْ ولَّاه اللهُ أمْرَنا، وإنْ كانَ عبدًا حبشيًّا. ح ف.
(٣) قوله: (بَالِغًا عَاقِلًا) لأنَّ غيرَ البالِغِ العاقِلِ يَحتاجُ لِمَنْ يَلِي أمرَه، فلا يَلِي أمرَ غيرِه. فلو طرَأَ له الجنونُ المُطْبِقُ انعزَل، وإنْ لَمْ يَكنْ مطبقًا، فإنْ كانَ أكثرُ زمانِه الجنونَ، فكالمُطبقِ. م ص [¬٣] بإيضاح.
(٤) قوله: (سَمِيعًا بَصِيرًا نَاطِقًا) لأنَّ غيرَ المتصفِّ بهذِه الصفاتِ لا يَصلُحُ للسياسةِ. فإذَا عَمِيَ عُزِلَ، وأمَّا فقْدُ السمعِ والنطقِ، فقال القاضِي: وأمَّا في الاستدامةِ فقَد قيلَ: لا يَخرُجُ بهما من الإمامةِ؛ لقيامِ الإشارةِ مقامَهُما. وظاهِرُ «الإرشادِ»: أنَّه يَنعزِلُ؛ لأنَّه اشترَط كونَه كذلكَ ابتداءً ودوامًا. وأمَّا ثقلُ السماعِ
стр. 1986
حُرَّا (١)، ذَكَرًا (٢)، عَدْلًا (٣)، عَالِمًا (٤)، ذا بَصِيرَةٍ (٥)، كَافِيًا ابتِدَاءً ودَوَامًا (٦).
مع إدراكِ الصوتِ إذَا علَا، فلا يَمنَعُ الابتداءَ ولا الاستدامَةَ. ح ف وزيادة.
(١) قوله: (حُرًّا) لا عبدًا ولا مُبعَّضًا؛ لأنَّ الإمامَ ذُو الولايةِ العامَّةِ، فلا يَكونُ وليًّا عليه غيرُه. م ص [¬١].
(٢) قوله: (ذَكَرًا) كالقاضِي وأَوْلَى. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (عَدْلًا) فلو فسَق بعدَ التَّوْلِيَةِ، ولو بالاعتقادِ، لم يَنعزِلْ على الأصحِّ. ويُؤخَذُ من اشتراطِ العدالةِ اشتراطُ الإسلامِ، وهو كذلكَ. ح ف.
(٤) قوله: (عَالِمًا) بأصولِ الفقهِ وفروعِه؛ لاحتياجِه إلى مراعاتِه في أمْرِه ونَهْيِه. ح ف وإيضاح.
(٥) قوله: (ذَا بَصِيرةٍ) أي: معرفةٍ وفِطْنةٍ. م ص [¬٣].
(٦) قوله: (كَافيًا ابتدَاءً ودوامًا) أي: قائمًا بأمْرِ الحربِ والسياسةِ، وإقامةِ الحدودِ، لا تَلْحقُه رأفةٌ في ذلكَ، والذبِّ عن الأُمَّةِ. ويُجبرُ متعيّنٌ لَهَا. وصفةُ العقدِ: أن يقولَ كلٌّ مِنْ أهلِ الحلِّ والعقدِ: قد بَايَعْناكَ على إقامةِ العدلِ والإنصافِ والقيامِ بمصالِحِ الأُمَّةِ. ولا يَحتاجُ مع ذلكَ إلى صَفْقَةِ اليدِ. وإذا تَمَّ العقدُ، لزِمَه حفظُ الدِّينِ على أصولِه التي أجْمَع عليها سلفُ الأُمَّةِ، فإنْ زاغَ ذُو شبهةٍ، أزالَهَا. عثمان [¬٤].
стр. 1987
ولا يَنْعَزِلُ: بِفِسْقِهِ (١).
وَتَلْزَمُهُ: مُرَاسَلَةُ البُغَاةِ (٢)، وَإزَالَةُ شُبَهِهِمْ (٣)، وَمَا يَدَّعُونَهُ مِنْ المَظَالِمِ.
(١) قوله: (وَلَا يَنْعَزِلُ بفِسْقِهِ) بخلافِ القاضِي؛ لِمَا فيهِ مِنْ المَفْسدَةِ. ولا يَنعزِلُ بموتِ مَنْ بايَعَه؛ لأنَّه ليسَ وكيلًا عنه، بل عن المسلمينَ. ويَحرُمُ قتالُه. ش ع [¬١].
(٢) قوله: (وَتَلْزَمُه مراسلةُ البُغَاةِ) أي: ويَجِبُ على الإمامِ أن يُراسِلَ البغاةَ؛ لأنَّ ذلكَ طريقٌ إلى الصُّلْحِ، ووسيلةٌ إلى الرجوعِ إلى الحقِّ، وقد رُوِيَ أنَّ عليًّا راسَل أهلَ البصرةِ قبلَ وقعةِ الجَملِ [¬٢]. ولما اعتَزَلَتْه الحروريَّةُ، بعَث إليهم ابنَ عباسٍ، فواضَعُوه كتابَ اللهِ ثلاثةَ أيامٍ، فرجَع منهم أربعةُ آلافٍ [¬٣]. ش ع [¬٤].
(٣) قوله: (وَإِزَالَةُ شُبَهِهِم) أي: ويَجِبُ عليه أنْ يُزيلَ ما يَذكُرُونَه من مَظْلَمةٍ، ويَكْشِفَ ما يَدَّعُونَه من شُبْهةٍ؛ لأنَّ ذلكَ طريقٌ إلى رجوعِهم إلى الحقِّ، وهو المطلوبُ.
ولا يَجوزُ قتالُهم قبلَ ذلكَ؛ لأنَّه يُفضِي إلى القتلِ والهَرْجِ والمَرْجِ، قبلَ دعاءِ الحاجةِ إليه، إلَّا أن يَخافَ كَلَبَهم، أي: شَرَّهم. فلا يُمكِنُ في حقِّهم ذلك، كالصائِلِ إذا خافَ أنْ يَبْدَأَه بالقتلِ. ش ع [¬٥] وزيادة.
стр. 1988
فَإنْ رَجَعُوا (١)، وَإلَّا لَزِمَهُ: قِتَالُهُمْ (٢). ويَجِبُ علَى رَعِيَّتِهِ: مَعُونَتُهُ (٣).
وإذَا تَرَكَ البُغَاةُ القِتَالَ (٤): حَرُمَ قَتْلُهُمْ (٥)،
(١) قوله: (فَإِنْ رَجَعُوا) عن البَغْيِ إلى الطاعةِ، ترَكَهم. فإنْ أبَوْا الرجوعَ، وَعَظَهم وخوَّفهم القتالَ؛ لأنَّ المقصودَ دَفْعُ شرِّهم لا قتْلُهم. ش ع [¬١].
(٢) قوله: (وإلَّا لَزِمَه قِتَالُهُم) أي: وإنْ لم يَرجِعُوا ولم يَتَّعظُوا، لَزِمَه قتالُهُم إنْ كانَ قادرًا؛ لإجماعِ الصحابةِ على ذلكَ. وقال الشيخُ تَقِيُّ الدينِ: الأفضلُ تَرْكُه حتَّى يَبدؤوه. وإنْ لم يَكنِ الإمامُ قادرًا على قتالِهِم أخَّره إلى القدرةِ عليه؛ لقولِه تعالَى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦]. ش ع [¬٢].
(٣) قوله: (وَيَجِبُ عَلَى رَعِيَّتِه مَعُونتُه) لقولِه تعالَى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النِّساء: ٥٩]. فإنِ استنظَرُوه؛ بأنْ قالُوا لَه: أنْظِرْنا مدةً حتَّى نرَى رَأْيَنا، ورجَا فِيئَتَهم في تلكَ المدَّةِ، أنظرهم وُجُوبًا؛ حِفْظًا لدماءِ المسلمينَ. فإنْ خافَ الإمامُ مَكِيدةً كمَدَدٍ يَأتِيهم، فلا يَجوزُ له إنظارُهُم؛ لأنَّه طريقٌ إلى قَهْرِ أهلِ الحقِّ. «منتهى وشرحه». م ص [¬٣].
(٤) قوله: (وَإِذَا تَرَكَ البُغَاةُ القِتَالَ) بأنْ رجَعوا إلى الطاعةِ، أوْ ألْقَوا السلاحَ، أو انْهَزَمُوا إلى فئةٍ أو غَيْرِهَا، أو عجَزوا عنه لجرحٍ أو مرضٍ، ونحوِ ذلكَ. ح ف.
(٥) قوله: (حَرُمَ قَتْلُهُم) ولا قَوَدَ في قتلِ مَنْ يَحرُمُ قتلُه منهم؛ للشُّبهةِ. ويُضمَنُ
стр. 1989
وقَتْلُ مُدْبِرِهِم وَجَرِيحِهِم (١).
ولا يُغْنَمُ مَالُهُم، ولا تُسْبَى ذَرَارِيهِم (٢). وَيَجِبُ: رَدُّ ذَلكَ إلَيْهِمْ (٣).
ولا يَضْمَنُ البُغَاةُ: مَا أتْلَفُوهُ حَالَ الحَرْبِ (٤).
بالدِّيَةِ؛ لأنَّه معصومٌ. م ص [¬١] وزيادة.
(١) قوله: (وقَتْلُ مُدْبِرِهِم) أي: ويَحرُمُ قتلُ مُدْبِرِهِم (و) قَتْلُ (جَرِيحِهِمْ) ولَوْ من نحوِ خوارِجَ، إنْ لم نَقُلْ بكفرِهِم. وما في «الإقناعِ» مبني على القول بكفرِهِم. فإنْ قُتِلَ، غسِّل وكفِّن وصُلِّي عليه؛ لقولِه ﵇: «صلُّوا علَى مَنْ قالَ: لا إله إلا الله» [¬٢]. ولأنَّهم مسلمونَ لم يَثبُتْ لهم حكمُ الشهادةِ. «عدة» [¬٣].
(٢) قوله: (ولَا يُغْنَمُ مَالُهُمْ) لأنَّه مالٌ مَعْصومٌ، (ولا تُسْبَى ذَرَارِيهِمْ)؛ لأنَّهُم معصومونَ، لا قتالَ منهم ولا بغي. م ص [¬٤].
(٣) قوله: (وَيَجِبُ ردُّ ذلكَ إلَيْهم) أي: وإنِ انقَضَى الحربُ، فمَن وجَد من البغاةِ مالَه بيدِ غيرِه من أهْلِ عدلٍ أو بَغْيٍ، أخَذه منه؛ لأنَّ أموالَهُم كأموالِ غيرِهِم من المسلمينَ، فلا يَجوزُ اغتنامُهَا؛ لبقاءِ مُلْكِهم عليها. م ص [¬٥].
(٤) قوله: (ولا يَضْمَنُ البغاةُ ما أتْلَفُوهُ) على أهلِ عدلٍ (حالَ الحَرْبِ) كمَا لا يَضمَنُ أهلُ عدلٍ ما أتْلَفُوه على البغاةِ حالَ الحربِ. أمَّا البغاةُ؛ فلأنَّهُم قتَلوا
стр. 1990
وَهُمْ (١) في شَهَادَتِهِم، وَإمْضَاءِ حُكْمِ حَاكِمِهِمْ (٢): كَأَهْلِ العَدْلِ (٣).
وأتْلَفُوا بتأويلٍ، فلا يَلزَمُهُم الضمانُ. وأمَّا أهلُ العدلِ؛ فلأنَّهم فعَلوا ما يَجوزُ لهم فِعْلُه، فلا يَلزَمُهُم شيءٌ للباغِينَ؛ لأنَّهُم تَعدَّوا بقتالِهِم. ويَضْمنانِ أهلُ العدلِ والبغْيِ ما أتْلَفَاه بغيرِ حربٍ، أي: يَضمَنُ كلٌّ ما أتْلَفَه من نفسٍ ومالٍ في غيرِ حربٍ؛ لإتلافِه معصومًا بلا حقٍّ، ولا ضرورةِ دفعٍ. م ص [¬١] بإيضاح.
(١) قوله: (وَهُمْ) أي: البُغَاةُ.
(٢) قوله: (في شَهَادتِهِمْ … إلخ) أي: ما لَمْ يَكونُوا من أهلِ البِدَعِ. ح ف.
(٣) قوله: (كأهْلِ العَدْلِ) فتُقبَلُ شهادتُهُم، ولا يُنقَضُ من حُكْمِ حاكمِهِم، إلا ما يُنقَضُ من غيرِه، وهو ما كانَ مُخالِفًا لنصِّ كتابٍ أو سنةٍ، أو قياسٍ جليٍّ، أو إجماعٍ. قالَ ابنُ عقيلٍ: تُقبَلُ شهادتُهُم، ويُؤخَذُ عنهم العلمُ ما لم يَكونُوا دعاةً. ذكَره أبو بكرٍ. وقال في «الإنصافِ» [¬٢] بعد ذلكَ: لو ولَّى الخوارجُ قاضيًا، لم يَجُزْ قضاؤُه عندَ الأصحابِ. وفي «المغنِي» و «الشرحِ» احتمالٌ بصِحَّةِ قضاءِ الخارجِيِّ؛ دفعًا للضرر. قال في «العدةِ» [¬٣]: إذا نصَبوا قاضيًا يَصلُحُ للقضاءِ لاجتماعِ شروطِ القضاءِ فيه فحكمُه حكمُ قاضِي أهلِ العدلِ، يَنفُذُ من أحكامِه ما يَنفُذُ من أحكامِ قاضِي العدلِ، وردَّ منه ما ردَّ، ولا يَفسُقُون بخروجِهِم؛ لأنَّ ذلكَ مما يَسُوغُ فيه الاجتهادُ، فأشْبَه مسائِلَ الفروعِ، فإذا حَكَم بِمَا لا يُخالِفُ نصًّا ولا إجماعًا، نفَذَ حكمُه، وإنْ خالَف ذلكَ، نُقِضَ حكمُه، كقاضِي العدلِ.
стр. 1991
بَابُ حُكْمِ المُرْتَدِّ
وهُو: مَنْ كَفَرَ (١) بَعْدَ إسْلامِهِ (٢). ويَحْصُلُ الكُفْرُ بأَحَدِ أرْبَعَةِ أُمُورٍ:
بالقَوْلِ: كَسَبِّ اللَّهِ تَعالَى أوْ رَسُولِهِ (٣)
بابُ حُكمِ المُرتَدِّ
الرِّدَّةُ: بالكسرِ، الاسمُ من الارتدادِ، وهو الرجُوعُ. وشرعًا: قطْعُ الإسلامِ. ح ف.
(١) قوله: (وهو) لغةً: الراجِعُ. قال الله تعالى: ﴿ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين﴾ [المَائدة: ٢١]. وشرعًا: (مَنْ كفَرَ)، ولو كانَ مميِّزًا، بنطْقٍ، أو اعتقادٍ، أو فعلٍ، أو شَكٍّ، ولو كانَ هازِلًا. م ص [¬١] وزيادة.
(٢) قوله: (بَعْدَ إسْلَامِه) الظرفُ متعلِّقٌ ب «كَفَرَ». أي: بعدَ أنْ كانَ مسلمًا، سواءٌ كانَ كافرًا فأسْلَم، أو كانَ مسلمًا بأصْلِ الفطرةِ. ولهذا عبَّر عنه في «المبدعِ» وغيرِه بأنَّه: الراجِعُ عن دينِ الإسلامِ إلى الكُفْرِ. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبِي عبدِ اللهِ: من الناسِ مَنْ يُفرِّقُ بينَ المُرْتَدِّين، فيَقولُ: إذا كانَ مسلمًا ثُمَّ ارتَدَّ، لم أستتبه، فما تقولُ؟ قال: كلُّهم عندِي سواءٌ، أنا أستَتْوِبُهُم.
والإسلامُ: شهادةُ أنْ لا إلهَ إلا اللَّهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، وإقامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ، وصومُ رمضانَ، وحجُّ البيتِ مع الاستطاعةِ. ح ف.
(٣) قوله: (أو رَسُولِهِ) وكذا لو كانَ مُبْغِضًا لرسولِه، أو لِمَا جاءَ به اتفاقًا. قاله
стр. 1992
أوْ مَلائِكَتِهِ (١). أو ادَّعَى النُّبُوَّةَ (٢)، أوْ الشَّرِكَةَ لَهُ تَعالَى (٣).
وبالفِعْلِ: كالسُّجُودِ للصَّنَمِ وَنَحْوِهِ (٤). وَكَإلقَاءِ المُصْحَفِ في قَاذُورَةٍ (٥).
الشيخُ تَقِيُّ الدينِ. وكذا لو استَهْزَأ باللهِ تعالَى، أو بآياتِه، أو كتبِه، أو رسلِه. ح ف.
(١) قوله: (أوْ مَلَائِكَتِهِ) هم عبادُ اللهِ العامِلُون بأمْرِه ونَهْيِه، لا يُوصَفُون بذكورةٍ ولا أنوثةٍ، لا يَأكُلونَ ولا يَشرَبُون ولا يَنكِحُون، ورُسُلُهم أفضلُ منهم ومِن عامَّةِ البشرِ. ح ف.
(٢) قوله: (أوِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ) أو صدَّق مَنْ ادَّعَاها، كفَر؛ لأنَّه مُكذِّبٌ للَّهِ تعالَى في قولِه: ﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ [الأحزَاب: ٤٠]. م ص [¬١].
(٣) قوله: (أَوْ الشَّركَةَ لَهُ تَعَالَى) بأنْ جحَد وحدانيتَه؛ بأنْ جعَله متعددًا كفَر؛ لأنَّ جاحِدَ ذلكَ مُشرِكٌ باللَّهِ تعالَى. أو جحَد صفةً من صفاتِه اللازِمَةِ، قاله في «الرعايةِ». لأنَّه كجاحِدِ الوحدانيَّةِ. وفي «الفصولِ»: شرطُه أن تَكونَ الصفةُ متفقًا على إثباتِهَا. م ص [¬٢].
(٤) قوله: (وَنَحْوِهِ) كما لو سجَد لكوكبٍ، كشمسٍ وقمرٍ؛ لأنَّه أشْرَك به . م ص [¬٣].
(٥) قوله: (وَكَإلقَاءِ المُصحَفِ في قاذُورةٍ) أو امتَهَن القرآنَ جلَّ ذِكْرُه، أو ادَّعَى اختلافَه، أو اختلاقَه، أو ادَّعَى القدرةَ على مثلِه، أو أسقَط حرمتَه، كفَر؛
стр. 1993
وبالاعْتِقَادِ (١): كاعْتِقَادِ الشَّرِيكِ لَهُ تَعالَى. أوْ: أَنَّ الزِّنَى، أوْ الخَمْرَ، حَلالٌ. أوْ: أنَّ الخُبْزَ حَرَامٌ. ونَحْوِ ذلكَ مِمَّا أُجْمِعَ عَلَيْهِ إجْمَاعًا قَطْعِيًّا. وبِالشَّكِّ في شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (٢).
لقولِه تعالَى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾ [النِّساء: ٨٢]. وكذَا مَنْ اعتقَد قِدَمَ العالَمِ، أو حدوثَ الصانِعِ، أو سخِر بوعْدِ اللهِ أو وعيدِه، أو لم يُكفِّر مَنْ دانَ بغيرِ الإسلامِ، كأهْلِ الكتابِ، أو شكَّ في كُفرِهم، أو صحَّح مذهبَهم. م ص [¬١].
(١) قوله: (وبالاعْتِقَادِ) بأنْ جحَد حكمًا ظاهرًا مجمعًا عليه إجماعًا قطعيًا لا سُكُوتيًّا؛ لأنَّ فيه شبهةً كجَحْدِ تحريمٍ … إلخ.
قال حفيدُ «المنتهى»: احتُرِزَ به: عن المجمعِ عليه الخَفِيِّ، كإنكارِ استحقاقِ بنتِ الابنِ السدسَ مع البنتِ، وتحريمِ نكاحِ المرأةِ على عَمَّتِها أو خالتِها، وإفسادِ الحجِّ بالوطءِ قبلَ الوقوفِ بعرفةَ، فهذا لا يَكفُرُ جاحِدُه.
والإجماعُ: هو اتفاقُ مُجْتهِدِي الأُمَّةِ، في عصرٍ على أمْرٍ، ولو فعلًا، بعد النبيِّ ﷺ . قال في شرح «مختصر التحرير»: والحقُّ أنَّ منكِرَ المُجْمَعِ عليه الضروريِّ والمنصوصِ عليه المشهورِ، كافِرٌ قطعًا، وكذا المشهورُ فقط لا الخفِيُّ. قال في «شرحِ التحريرِ»: في الأصحِّ فيهما. انتهىَ.
(٢) قوله: (وَبِالشَّكِّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذلكَ) أي: في تحريمِ ما تقدَّم، ومثلُه لا يَجهلُه؛ لكونِه نشَأ بينَ المسلمينَ، أو كانَ يَجهَلُه مثلُه وعُرِّفَ وأصرَّ على الجَحْدِ أو الشكِّ، كفَر. م ص [¬٢].
стр. 1994
فَمَنْ ارْتَدَّ -وهُوَ مُكَلَّفٌ (١) - مُخْتَارًا (٢): استُتِيبَ ثَلاثَةَ أيَّامٍ (٣) وُجُوبًا. فإنْ تابَ: فلا شَيْءَ عَلَيْهِ (٤)، وَلا يَحْبَطُ عَمَلُهُ. وإِنْ أصَرَّ (٥): قُتِلَ بالسَّيْفِ (٦).
(١) قوله: (فمَن ارتدَّ وهو مكلَّفٌ) أي: بالغٌ عاقلٌ. أما العقلُ فظَاهرٌ، وأما البلوغُ فهو شرطٌ للاستتابةِ والقتلِ لا للردَّةِ؛ لصحتِها من المميِّز.
فائدة: قال في «الفنون» في مولودٍ برأسينِ، فبلَغَ، نطَقَ أحدُهُما بالكُفرِ، والآخرُ بالإسلامِ: إن نطقَا معًا فأيُّهما يغلبُ [¬١]؟ احتمالان، قال: والصحيحُ: إن تقدَّم الإسلامُ، فمرتدٌّ. ح ف.
(٢) قوله: (مُختارًا) وكذا لو كان مكرهًا وامتنع من إظهار إسلامهِ بعدَ زوالِ الإكراهِ. ح ف.
(٣) قوله: (استُتيبَ ثلاثةَ أيَّامٍ) ولا يجوزُ قتلُه قبلَها. وينبغي أن يضيَّقَ عليه مدَّةَ الاستتابةِ، ويُحبسَ؛ لئلا يلحقَ بدارٍ حربٍ. وينبغي أن يكرر دعايته؛ لعلَّه يراجعُ دينَه. م ص [¬٢].
(٤) قوله: (فإنْ تابَ، فلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) ولم يعزَّر، ولو بعدَ مدَّةِ الاستتابةِ؛ لأنَّ فيه تنفيرًا له عن الإسلامِ. م ص [¬٣].
(٥) قوله: (وإِنْ أصَرَّ) على ردَّته.
(٦) قوله: (قُتِلَ بالسَّيْفِ) ولا يحرَّقُ بالنارِ. ولا يجوزُ أن يهادنَ أو يُصالح بما يُقر [¬٤] به على ردته، ولا استرقاقُه، ولا إقرارُه على كُفره بجزيةٍ. ح ف.
стр. 1995
ولا يَقْتُلُهُ (١): إلَّا الإمَامُ أوْ نَائِبُهُ (٢). فَإنْ قَتَلَهُ (٣) غَيْرُهُمَا (٤) بِلا إذْنٍ: أَسَاءَ وعُزِّرَ (٥). ولا ضَمَانَ، ولَوْ كَانَ قَبْلَ اسْتِتَابَتِهِ (٦).
ويَصِحُّ: إسلامُ المُمَيِّزِ (٧).
(١) قوله: (ولا يَقْتُلُهُ) أي: المرتدَّ.
(٢) قوله: (أوْ نَائِبُهُ) حرًّا كانَ أو عبدًا.
(٣) قوله: (قَتَلَهُ) أي: المرتدَّ.
(٤) قوله: (غَيْرُهُمَا) أي: الإمامِ أو نائبِه.
(٥) قوله: (أَسَاءَ وعُزِّرَ) لافتياتِه على وليِّ الأمر.
(٦) قوله: (ولَوْ كَانَ [¬١] قَبْلَ اسْتِتَابَتِهِ) لأنه مهدرُ الدم، وردتُه أباحَت دمَه في الجُملةِ، ولا يلزمُ من تحريمِ القتلِ الضمانُ؛ بدليلِ نساءِ حربٍ وذريتِهم. م ص [¬٢].
(٧) قوله: (ويَصِحُّ إسلامُ المُمَيِّزِ) ذكرًا كان أو أُنثى عَقَلَ الإسلامَ؛ بأن عَلِمَ أن اللَّه تعالى ربُّه لا شريكَ له، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه إلى الناسِ كافةً؛ لأنَّ عليًّا أسلم وهو ابنُ ثمانِ سنين. أخرجه البخاري [¬٣]. ولم يمتنعْ أحدٌ من القولِ بأن أولَ من أسلمَ من الصبيانِ عليٌّ، ولو لم يصحَّ إسلامُه لما صحَّ ذلك. وروي عنه من كلامه قولُه:
سبقتُكُمُوا إلى الإسلام طُرًّا … صَبيًّا قَبلَ أَوانِ حِلمِي [¬٤]
стр. 1996
وَرِدَّتُهُ. لكِنْ: لا يُقْتَلُ حتَّى يُسْتَتَابَ- بَعْدَ بُلُوغِهِ- ثَلاثَةَ أيَّامٍ (١).
فأما الطفلُ الذي لا يعقِلُ، والمجنونُ، ومن زالَ عقلُه بنومٍ أو شُرب دواءٍ مُباحٍ، أو إغماءٍ، فإنه لا يصحُّ ردتُه ولا إسلامُه، فإن ارتدَّ وهو مجنونٌ فقتَلَه قاتلٌ، فعليه القَودُ. وإن ارتدَّ في صحتِه، لم يُقتل في حالِ جُنونه، فإن أفاقَ، استُتيب ثلاثةَ أيامٍ، فإن تابَ وإلَّا قُتِلَ. ح ف وزيادة.
(١) قوله: (بَعْدَ بُلُوغِهِ ثَلاثَةَ أيَّامٍ) لأن البلوغَ أوَّلُ زمنٍ صار فيه من أهلِ العقوبةِ؛ لأنَّ الصغيرَ مرفوعٌ عنه القلمُ حتَّى يحتلِمَ؛ للخبر [¬١]. م ص [¬٢].
стр. 1997
فَصْلٌ
وَتَوْبَةُ المُرْتَدِّ (١)، وكُلِّ كَافِرٍ: إِتْيَانُهُ بالشَّهادَتَيْنِ (٢).
فَصْلٌ
(١) قوله: (وَتَوْبَةُ المُرْتَدِّ) التوبةُ: هي الندمُ على الذنبِ لأجلِ اللَّه لا لأجلِ نفعِ الدنيا، أو أذى الناس. وشَرطُها: العزمُ أن لا يعودَ لمعصيةٍ يمكنُه فعلُها، وأن يردَّ المظلمةَ التي تابَ منها، أو بدلها إلى مستحقِّها، أو يعزَم على ذلكَ عندَ العذر، وأن تكونَ عن اختيارٍ، لا أن يستحلَّ من غِيبةٍ ونحوها مطلقًا. وتصحُّ من بعضِ الذنبِ دونَ بعضٍ. ومن جَهِلَ ذنبَه تابَ مُجملًا من كلٍّ ذنبٍ وخَطيئة، وما علِمَه عيَّنه. وقبولُ التوبةِ تفضلٌ من اللَّه تعالى. وصفتُها: إني تائبٌ إلى اللَّه تعالى من كذا، أو: أستغفرُ اللَّه منه. فيجبُ بإحدى العِبارتينِ أو نَحوهما. انتهى «العدة».
(٢) قوله: (إِتْيَانُهُ بالشَّهادتَيْنِ) سواءٌ كانَ موحِّدًا كاليهودِ، أو غيرَ موحِّدٍ كالنصارى والمجوسِ وعَبَدةِ الأوثانِ. ولا يحتاجُ مع إتيانِه بالشهادتين إلى التبرؤ من كلِّ دينٍ يخالفُ دينَ الإسلامِ، حيثُ لم يكَن [¬١] كفرُه بجحدِ شيءٍ مما ذُكِرَ؛ لأن جاحِدَ ذلك لا بدَّ مع الشهادتَين من إقرارِه به والتبرؤ. وظاهرُ هذا: أنه لابدَّ من لفظِ: أشهدُ، ولو مُقرًّا في الثانيةِ، فلا يَكفي قوله: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، ولا إبدال لفظ: أشهدُ بأعلَم، أو أحقَّ، أو
стр. 1998
مَعَ رُجُوعِهِ عَمَّا كَفَرَ بِهِ (١).
أُصَدِّقُ. لكِن ظاهرُ قولِ المصنفِ ك «المنتهى»: ولا يُغني قولُه: محمد رسول اللَّه، عن كلمةِ التوحيدِ، يدلُّ على أنه يكفي قولُه: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، وهو ظاهر قولِه ﵇ في بعض الروايات: «أمرتُ أن أُقاتِلَ الناسَ حتَّى يقولوا: لا إله إلا اللَّه» [¬١]. الحديث. وكذا قوله لليهودي: «قل لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه» [¬٢]. وقوله لعمِّه أبي طالب: «أدعوكَ إلى كلمةٍ أشهدُ لك بها عندَ اللَّه؛ لا إله إلا اللَّه وأني رسولُ اللَّه» [¬٣]. وظاهرُ إطلاقهم: لا يُشترطُ الترتيبُ بينهما، ولا الموالاةُ. ح ف.
وقال شيخنا عثمان [¬٤]: ومقتضى قول «المنتهى» كالمصنف: ولا يُغني قولُه: محمدٌ رسولُ اللَّه عن كلمةِ التوحيدِ أنه لا بدَّ من التوالي. فليحرر.
(١) قوله: (مَعَ رُجُوعِهِ عَمَّا كَفَرَ بِهِ) أي: وأنْ يقولَ معهما: أنا برئٌ من كلِّ دينٍ يخالفُ دينَ الإسلامِ، فقَط أكتَفي به. قال الشيخ تقي الدين في «شرح المحرر»: وكذلكَ مَنْ ردتُه بتركِ فعلٍ، مثل تركِ الصلاةِ، فتوبتُه فعلُها، ولا يُشترط الشهادتان. وعلى ما قالَه ينبغي أن يُشترط، وقد كتبتُ الخلافَ في ذلك في الصلاة. ومَن ردَّته بفعلٍ، مثل قتلِ نبيٍّ، أو إلقاء مُصحفٍ في القَاذورةِ، ونحو ذلك، فتوبتُه التوبةُ من هذا الفِعل. والضابطُ أن الردَّة قد
стр. 1999
ولا يُغْنِي: قَوْلُهُ (١): مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، عَنْ كَلِمَةِ التَّوحِيدِ (٢). وَقَولُه: أَنَا مُسْلِمٌ: تَوْبَةٌ (٣).
تكونُ بتركِ واجبٍ من قولٍ أو عملٍ، وقد تكونُ بفعل محرَّمٍ من قولٍ أو عملٍ، فلا بدَّ من العَود من الإتيانِ بالمأمورِ به، والتوبةِ من فعلِ المنهيِّ عنه، ثم اشتراط الشهادتين مع ذلكَ، على ما تقدَّم. ح ف.
(١) قوله: (ولا يُغْنِي قَوْلُهُ) أي: المرتدِّ.
(٢) قوله: (رَسُولُ اللَّهِ، عَنْ كَلِمَةِ التَّوحِيدِ) أي: أشهدُ أن لا إله إلا اللَّه، ولو مُقرٌّ به أي: التوحيدِ لأنَّ الشهادةَ بأنَّ محمدًا رسولُ اللَّه لا تتضمَّن الشهادةَ بالتوحيدِ، كعكسِه، فلا يَكفي لا إله إلَّا اللَّه. وأما قولُه ﵇: «قل: لا إله إلا اللَّه؛ كلمةً أشهدُ لك بها عندَ اللَّه» [¬١]. فالأظهرُ أنها كنايةٌ عن الشهادتين؛ جَمعًا بين الأخبَار. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (أَنَا مُسْلِمٌ، تَوْبَةً) للمرتدِّ والكافِر، وإن لم يأتِ بالشهادتين؛ لأنه إذا أخبرَ عن نفسِه بما تضمَّن الشهادتَين، كانَ مُخبرًا بهما. وقوله: أنا مُسلمٌ، أي: فقط، ولا أنطقُ بالشهادتين، لم يُحكم بإسلامه حتَّى يأتي بهما. ولا ينحصرُ الإسلامُ في هاتين الأداتَين كما قد يُتوهم؛ لما تقرَّر أنه يحصُل أيضًا بقولِه: أسلمتُ، و: أنا مؤمنٌ، وبأذانِه، وصلاتِه على النبيِّ كصلاتِنا، وبكتابةِ الشهادتَين، والتبرؤ من كلِّ دينٍ يخالفُ الإسلامِ، وجَحد المرتدِّ الردةَ التي أقرَّ بها. ح ف.
стр. 2000
وإنْ كتَبَ كَافِرٌ الشَّهادَتَيْنِ: صَارَ مُسْلِمًا. وَإِنْ قَالَ: أسْلَمْتُ، أَوْ: أَنَا مُسْلِمٌ، أَوْ: أنَا مُؤمِنٌ: صَارَ مُسْلِمًا.
ولا يُقْبَلُ في الدُّنْيَا (١)، بِحَسَبِ الظَّاهِرِ (٢): تَوْبَةُ: زِنْدِيقٍ، وَهُو: المُنافِقُ (٣) الَّذِي يُظْهِرُ الإسْلامَ، ويُخْفِي الكُفْرَ. ولا: مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ (٤).
(١) قوله: (ولَا يُقْبَلُ فِي الدُّنْيَا) أي: حكمِ الدُّنيا.
(٢) قوله: (بِحَسَبِ الظَّاهِرِ) أي: في حكم الظاهر في أحكامِ الدُّنيا، أما قبولُها في الباطِن، فلا خلافَ فيه حيثُ كانَ صادقًا.
(٣) قوله: (وَهُو المُنافِقُ … إلخ) لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا﴾ [البَقَرَة: ١٦٠]. والزنديقُ لا يَظهر منه على ما يتبيَّن رجوعُه وتوبتُه؛ لأنه لا يظهرُ منه بالتوبة خلافُ ما كانَ عليه، فإنه كانَ ينفي الكُفر عن نفسه قبلَ ذلكَ، وقلبهُ لا يُطلَّع عليه [¬١]، فلا يكون لما قاله حُكمٌ؛ إذ الظاهرُ مِنْ [¬٢] حاله أنه إنَّما يستدفعُ القتلَ بإظهارِ التوبةِ في ذلكَ، كالسَّاحر. «العدة».
(٤) قوله: (ولا مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ) وهل تكُّرر الردَّة يحصُل بمرتينِ فقَط، أو لا بدَّ من ثلاثٍ؟ يحتمل وجهَين؛ الأول: يَكفي مرَّتان؛ لصدقِ التكررِ عليه لغةً. والثاني: لا يَكفي؛ لأنَّ الآية التي استدلوا بها لذلك تدلُّ لذلك، وهي قوله: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا﴾ [النِّساء: ١٣٧]. لأن زيادةَ الكفرِ لا يكونُ إلَّا بأن يؤمن ثمَّ يكفُر، ولأنَّ التكررَ