الحَالِ: حَلَّ بأرْبَعَةِ شُرُوطٍ:
أحدُهَا: كَوْنُ الصَّائِدِ أهْلًا للذَّكَاةِ (١) حَالَ إِرْسَالِ الآلَةِ. وَمَنْ رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ، ثُمَّ رَمَاهُ ثَانِيًا فقَتَلَهُ: لَمْ يَحِلَّ (٢).
الثَّانِي (٣): الآلَةُ. وَهِيَ نَوْعَانِ: مَا لَهُ حَدٌّ يَجْرَحُ (٤)، كَسَيْفٍ،
(١) قوله: (أهْلًا للذَّكَاةِ) أي: تحلُّ ذبيحتُه، أي: بأن يكونَ عاقلًا، مسلمًا أو كِتابيًّا أبواهُ كِتابيَّان، فلا يحلُّ صيدُ مجوسيٍّ ونحوه، ولو مشاركةً. قال ابن نصر اللَّه: وينبغي أن يُزادَ في أهليةِ الصائدِ: كونُه حلالًا؛ لما علم أن صيد المُحرمِ لا يُباح. ولم أر من تعرضَ له. قاله في حواشِي «الكافي».
(٢) قوله: (لَمْ يَحِلَّ) لأنه صارَ مقدُورًا عليه بإثباته، فلا يُباح إلَّا بذَبحه. م ص [¬١].
(٣) قوله: (الثانِي) أي: الشرطُ الثاني لحلِّ صيدٍ وُجِدَ ميتًا، أو في حُكمه. م ص [¬٢].
(٤) قوله: (مَا لَهُ حَدٌّ يَجْرَحُ) فهو كآلةِ ذبحٍ يباح بكلِّ محددٍ، وشُرط جَرحُه به؛ لحديث: «ما أنهرَ الدمَ، وذُكِرَ اسمُ اللَّه عليه، فكُل» [¬٣] [وحديثِ عديِّ بن حاتم مرفوعًا: «إذا رميتَ فسمَّيتَ فَخَرَقْتَ، فكُلْ] [¬٤]، وإن لم تَخرِق، فلا تأكُل من المِعراضِ إلَّا ما ذكيتَ، ولا تأكُل من البُنْدُقِ [¬٥] إلَّا ما ذَكَّيتَ».
стр. 2032
وسِكِّينٍ، وسَهْمٍ. الثَّانِي (١): جَارِحَةٌ مُعَلَّمَةٌ (٢)، كَكَلْبٍ غَيْرِ أسْوَدَ (٣)، وفَهْدٍ، وبَازٍ، وصَقْرٍ، وعُقَابٍ، وشَاهِينٍ.
رواه أحمد [¬١]. فإن قتلَ الصيدَ بثقلِه كشبكةٍ، وفخٍّ، وعصًا، وبندُقةٍ، ولو معَ شَدخٍ أو قَطعِ حُلقُومٍ ومريءٍ، ولم يجرحهُ، لم يُبحْ أكلُه. م ص [¬٢] وزيادة.
(١) قوله: (الثاني) أي: النوعُ الثاني من آلةِ الصيدِ.
(٢) قوله: (جَارِحَةٌ مُعَلَّمَةٌ) مما يصيدُ بنابِه، كالفُهودِ والكلابِ، أو بمخلبِه من الطير؛ لقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ [المَائدة: ٤] الآية. قال ابن عباس: هي الكِلابُ المعلَّمَةُ، وكلُّ طيرٍ تعلَّمَ الصيدَ، والفُهودُ، والصقورُ، وأشباهُها.
والجارحُ لغةً: الكاسبُ. قال اللَّه تعالى: ﴿ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾ [الأنعَام: ٦٠]. أي: كسبتَم. ويقال: فلانُ جارحةُ أهلِه. أي: كاسِبهم. ومُكلبين؛ من التكلُّبِ، وهو: الإغراءُ. م ص [¬٣].
(٣) قوله: (غَيْرِ أسْوَدَ) بهيمٍ، وهو ما لا بياضَ فيه، نصًّا. وفي «الإقناع»: أو بينَ عينيهِ نُكتتانِ، كما اقتضاه الحديثُ الصحيحُ. فيحرمُ صيدُه؛ لأنه ﵇ أمر بقتلِه، وقال: «إنه شَيطانٌ» [¬٤]. ويحرُم اقتناؤهُ وتعليمُه، ويُباحُ قتلُه. ويجبُ قتلُ كلبٍ عقورٍ؛ لدفع شرِّه عن الناسِ. م ص [¬٥] وزيادة.
стр. 2033
فتَعْلِيمُ الكَلْبِ والفَهْدِ بِثَلاثَةِ أُمُورٍ: بِأَنْ يَسْتَرْسِلَ إذَا أُرْسِلَ (١). ويَنْزَجِرَ إذَا زُجِرَ (٢). وَإذَا أمْسَكَ لَمْ يَأكُلْ (٣).
وَتَعْلِيمُ الطَّيْرِ بِأَمْرَيْنِ (٤): بِأَنْ يَسْتَرْسِلَ إِذَا أُرْسِلَ. ويَرْجِعَ إِذَا دُعِيَ.
وَيُشْتَرَطُ: أَنْ يَجْرَحَ الصَّيْدَ (٥)،
(١) قوله: (بِأَنْ يَسْتَرْسِلَ … إلخ) يقال: أرسلتُه فاسترسلَ. أي: بعثتُه فانبعثَ.
(٢) قوله: (ويَنْزَجِرُ إذَا زُجِرَ) أي: ينتَهي إذا نهاهُ. وهو من الأضدادِ، يقال: زجرَه: حثَّه. وزجَرَه: كفَّه. قال في «المغني»: لا في وقتِ رُؤيةِ الصيدِ. «مطلع» [¬١] وزيادة.
(٣) قوله: (وَإذَا أمْسَكَ لَمْ يَأكُلْ) لأن عادةَ المُعلمِ أن ينتظرَ صاحبَه ليُطعمه. ولا يُعتبر تكررُ ذلك. فلو أكلَ بعدُ، لم يخرُج بذلِك عن كُونه مُعلمًا، ويجبُ غَسلُ ما أصابَه فم كلبٍ؛ لتنجُّسِه. م ص [¬٢] وزيادة.
(٤) قوله: (وَتَعْلِيمُ الطَّيْرِ بِأَمْرَيْنِ) لا بتركِ الأكلِ؛ لقولِ ابن عباس: إذا أكلَ الكلبُ، فلا تأكُل، وإن أكلَ الصقر، فكُل [¬٣]. رواه الخلال. ولأن تعليمَه بالأكلِ، ويتعذَّر تعليمُه بدونِه، بخلافِ ما يصيدُ بنابِه. م ص [¬٤] وزيادة.
(٥) قوله: (وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَجْرَحَ الصَّيْدَ) أي: ويعتبرُ لحلِّ صيدِ ذي نابٍ أو مخلبٍ جرحُه للصيدِ؛ لأنه آلةُ القتلِ كالمحددِ. م ص [¬٥].
стр. 2034
فَلَوْ قَتَلَهُ بصَدْمٍ، أوْ خَنْقٍ، لَمْ يُبَحْ (١).
الثَّالِثُ: قَصْدُ الفِعْلِ (٢). وَهُوَ: أنْ يُرْسِلَ الآلَةَ لِقَصْدِ الصَّيْدِ. فَلَوْ سَمَّى وَأَرْسَلَهَا، لا لِقَصْدِ الصَّيْدِ. أَوْ: لقَصْدِهِ ولَمْ يَرَهُ. أَوْ: اسْتَرْسَلَ الجَارِحُ بنَفْسِهِ فَقَتَلَ صَيْدًا: لَمْ يَحِلَّ (٣).
الرَّابِعُ: قَوْلُ: بِسْمِ اللَّهِ، عِنْدَ إرْسَالِ جَارِحِهِ، أوْ رَمْيِ سِلاحِهِ (٤). ولا تَسْقُطُ هُنَا (٥) سَهْوًا (٦).
(١) قوله: (لَمْ يُبَحْ) لعدم جَرحه، كالمِعراضِ إذا قتل بثقلِه. الوالد.
(٢) قوله: (قَصْدُ الفِعْلِ) من إضافةِ الصفةِ لموصوفِها، كجردِ قطيفةٍ. أي: الفعلِ المقصودِ. وقوله: (وَهُوَ: أنْ يُرْسِلَ) … إلخ تفسيرٌ للفعل المقصودِ لا للفعلِ نفسِه، كما هو ظاهرٌ؛ لأن إرسالَ الجارحِ جُعل بمنزلةِ الذبح؛ ولهذا اعُتبرت التسميةُ معه. م خ وزيادة [¬١].
(٣) قوله: (لَمْ يَحِلَّ) لفقدِ شرطِه، وهو القصدُ.
(٤) قوله: (قَوْلُ: بِسْمِ اللَّهِ … إلخ) لا من أخرسَ، فلا يعتبرُ منه القولُ؛ لتعذُّره منه. قال م ص: والظاهرُ أنه لا بدَّ من إشارتِه بها، كما تقدم في الذكاةِ، والوضوءِ، وغيرهما؛ لقيام إشارتِه مقامَ نطقِه. انتهى. وهو مقتضَى قولِ «المنتهى» هنا، كما في ذكاة. عثمان [¬٢].
(٥) قوله: (ولا تَسْقُطُ هُنَا) أي: في الصَّيد.
(٦) قوله: (سَهْوًا) لنصُوصه الخاصةِ، ولكثرةِ الذبيحةِ، فيكثرُ فيها السَّهو.
стр. 2035
وَمَا رُمِيَ مِنْ صَيْدٍ: فَوَقَعَ في مَاءٍ. أوْ: تَرَدَّى مِنْ عُلُوٍّ (١). أوْ: وَطِئَ عَلَيْهِ شَيْءٌ- وكُلٌّ مِنْ ذَلِكَ (٢) يَقْتُلُ مِثْلُهُ-: لَمْ يَحِلَّ (٣). ومِثْلُه: لَوْ رَمَاهُ بِمُحَدَّدٍ فِيهِ سُمٌّ.
وإِنْ رَمَاهُ بِالهَوَاءِ، أوْ عَلَى شَجَرةٍ، أوْ حَائِطٍ (٤)،
قال ع [¬١]: والفرقُ أيضًا بينَ البابين: أنَّ التسمية في الذَّكاةِ معتبرةٌ على الذبيحةِ، وفي الصيدِ معتبرةٌ على الآلةِ؛ لعدمِ حُضورِ المصيودِ بينَ يديه، بل قد لا يُصاد، كما يؤخذُ من «شرح المنتهى» [¬٢].
(١) قوله: (أَوْ تَرَدَّى مِنْ عُلُوٍّ) بأن رمَاه فوقَعَ على جبلٍ، ثم تردَّى منه. ح ف.
(٢) قوله: (وكُلٌّ مِنْ ذَلِكَ) أي: الوقوعِ من عُلوٍ، والتردِّي في ماءٍ، ووطء شيءٍ عليه. م ص [¬٣].
(٣) قوله: (يَقْتُلُه مِثْلُهُ، لَمْ يَحِلَّ) تغليبًا للتَّحريمِ؛ لتعارُضِ السَّببين؛ المُباح والمحرَّمِ، وتقدم نظيرُ ذلك في الذكاةِ.
(٤) قوله: (وإِنْ رَمَاهُ بِالهَوَاءِ … إلخ) الفرقُ بينَ هذا وما قدمهُ من قوله: «أو تردَّى من علو» حيثُ جزمَ بالتحريمِ فيما إذا تردَّى من عُلو، وبالإباحَةِ فيما إذا رماهُ بالهواء، أو على شجرةٍ: أن السقوطَ في صُورتي الإباحةِ بسبب الإصابةِ، كما ذكره في «شرح المنتهى» ومشَى عليه في «الإقناع. وأيضًا فإن سقوطَه في صورتَي الإباحةِ من ضرورةِ المرميِّ، بخلافه في صورة [¬٤]
стр. 2036
فسَقَطَ مَيِّتًا: حَلَّ (١).
التردي من عُلوٍ، فإنه ليسَ من ضرورةِ المرميِّ، كما لو رمَى طيرًا فوقَ سطحٍ، ثم رجفَ الطيرُ في السطحِ إلى أن وقعَ، فإنَّ وقُوعَه ليسَ ضَروريًّا للإصابةِ، بل بسببِ رجفِه، فلذلِك حَرُمَ. قاله شيخنا ع [¬١].
(١) قوله: (فسَقَطَ مَيِّتًا، حَلَّ) لأنَّ وقوعَه بالأرضِ لا بدَّ منه، فلو حَرُمَ به لأدَّى أن لا يحلَّ طيرٌ أبدًا، بخلافِ الماءِ ونحوِه، فإن وقوعَ الصيدِ فيهَ ليسَ ضَروريًّا، وأيضًا للخَبر فيه [¬٢]. انتهى. ابن نصر اللَّه على «المحرر».
стр. 2037
كِتَابُ الأَيمَانِ
لا تَنْعَقِدُ اليَمِينُ: إِلَّا: باللَّهِ تَعالَى. أوْ: اسْمٍ مِنْ أسْمَائِهِ (١).
كِتابُ الأيمانِ
جمعُ يمينٍ، وهو الحلفُ، والقسمُ، بفتح القاف والسين المهملة. فاليمين: توكيدُ الحكمِ المحلوفِ عليه بذكرِ معظمٍ، على وجهٍ مَخصُوصٍ. وأصلُها: يمين؛ اليدُ المعروفةُ ضِدُّ اليسارِ، وسُمي بها الحلفُ؛ لأنَّ الحالفَ يُعطي يمينَه فيه، كما في العهدِ والمعاهدةِ.
قوله: (الأَيْمَانِ) منها ما يجبُ، وهي التي يُنجِي بها إنسانٌ معصُومًا من هلكةٍ. ومنها مندوبٌ، وهو اليمينُ التي يتعلقُ بها مصلحةٌ، من إصلاح بينَ متخاصمَين، أو إزالةِ حقدٍ من قلبِ مسلمٍ على الحالفِ وغيرِه. ومنها مباحٌ، مثل الحلفِ على فعل مُباحٍ أو تركهِ، والحلفُ على الخيرِ بشيء هو فيه صادقٌ، أو يظنُّ أنه فيه صادق. ومنها مكرُوه، مثل الحلفِ على فعلِ مكروهٍ، أو تركِ مندوبٍ. ومنها محرمٌ، وهو الحلفُ الكاذبُ. وأما الحلفُ على فعلِ طاعةٍ أو تركِ معصيةٍ، ففيه وجهان: الندبُ، وهو قولُ أصحابنا وأصحابِ الشافعي. والثاني: ليس بمندُوبٍ. قال ذلك في «شرح المقنع» ابنُ قندس. انتهى. فتوحي.
(١) قوله: (لا تَنْعَقِدُ اليَمِينُ إِلَّا باللَّهِ تَعالَى … إلخ) واليمينُ المنعقدةُ هي التي يمكنُ فيها البرُّ والحنثُ، يعني: أن اليمينَ الموجبةَ للكفارةِ بشرطِ الحنثِ هي: اليمينُ التي باسم اللَّه تعالى، الذي لا يُسمى به غيرُه، كقولِه: واللهِ،
стр. 2038
أوْ: صِفَةٍ (١) مِنْ صِفَاتِهِ، كعِزَّةِ اللَّهِ، وقُدْرَتِهِ، وأَمَانَتِهِ (٢).
وَإِنْ قَالَ: يَمِينًا باللَّهِ، أَوْ: قَسَمًا (٣)، أَوْ: شَهَادَةً (٤): انْعَقَدَتْ.
والقديمِ الأزليِّ، والأولِ الذي ليس قبلَه شيءٌ، والآخرِ الذي ليسَ بعدَه شيء. أو اسمِ اللَّه الذي يُسمَّى به غيرُه، ولم ينو الحالفُ الغيرَ، وينصرفُ إليه تعالَى عندَ الإطلاق وعدمِ القرائنِ، كالرحيمِ، والعظيمِ. «منتهى وشرحه» [¬١].
(١) قوله: (أوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ … إلخ) لأنَّ هذه الصفاتِ صفاتُ ذاتِه، غيرُ منفكةٍ عنها، فهو كالحلفِ باسمِه . ح ف.
(٢) قوله: (وأَمَانَتِهِ) أي: ما فرضه على الخَلق من طاعتهِ، فإنها أمانةٌ له تعالى، يجبُ عليهم أن يؤدُّوها إليه. ح ف.
(٣) قوله: (أَوْ قَسَمًا) باللَّه؛ لأنَّ تقديرَه: أقسمتُ قَسَمًا. وكذا الباقي.
وإن نوى بذلكَ خبرًا فيما يحتمله ب: أُقسمُ باللَّه، ونحوه، الخبرَ عن يَمين سَبَقَ. أو لم يذكُرِ اسمَ اللَّه تعالى في الكلماتِ المذكُورة، وهي: يَمينًا، وقَسَمًا، وشهادةَ، فلا تكونُ يمينًا؛ لأن «أقسمُ» وما بعدَه يحتملُ القسمَ باللَّه تعالى وبغَيره، فلم يكُن يمَينًا بغيرِ نيةٍ تصرفُه إلى القَسَمِ باللَّه تعالى. م ص [¬٢] وزيادة.
(٤) قوله: (أَوْ شَهَادة) باللَّه، وعَزَيَمةً باللَّه، يمينٌ نواه بذلك أو أطلقَ. قال تعالى [¬٣]: ﴿فيقسمان﴾ [المَائدة: ١٠٦]. ﴿وأقسموا بالله﴾ [الأنعَام: ١٠٩].
стр. 2039
وتَنْعَقِدُ: بالقُرْآنِ، وبالمُصْحَفِ (١)، وبِالتَّوْرَاةِ، ونَحْوِهَا مِنْ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ (٢).
﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾ [النُّور: ٦]. ولأنه لو قال: باللَّه لأفعلنَّ، بلا قسمٍ ونحوه، كانَ يَمينًا، فإذا ضَمَّ إليه [¬١] ما يؤكِّدُه، كانَ أولى. م ص [¬٢].
(١) قوله: (وتَنْعَقِدُ … إلخ) أي: وتنعقدُ اليمينُ بكلامِ اللَّه تعالى، أو المُصحف، أو القُرآنِ، أو سُورةٍ منه، أو بآيةٍ منه؛ لأنه صفةٌ من صفاتِه تعالى. فمن حلَف به أو بشيء منه [¬٣]، كانَ حالفًا بصفتِه تعالى، والمُصحفُ يتضمنُ القرآن الذي هو صفتُه تعالى؛ ولذلِك أُطلق عليه القرآن في حديثِ: «لا تسافِروا بالقرآنِ إلى أرضِ العدو» [¬٤]. وقالت عائشة ﵂: ما بينَ دَفَّتي المُصحف كلامُ الله [¬٥]. «منتهى وشرحه». م ص [¬٦].
(٢) قوله: (مِنْ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ) من كُتبِ اللَّه تعالى، كالإنجيل والزَّبور، فهي يمينٌ فيها كفارةٌ؛ لأن الإطلاقَ ينصرفُ للمنزَّلِ من عند اللَّه تعالى، لا المغيَّر والمبدَّل، ولا تسقطُ حرمةُ ذلك بكونِه نُسخ الحكمُ بالقرآن، كالمنسوخِ
стр. 2040
ومَنْ حَلَفَ بِمَخْلُوقٍ (١)، كالأَولِيَاءِ، والأَنْبِياءِ ﵈، أَوْ بالكَعْبَةِ، وَنَحْوِهَا: حَرُمَ، ولا كَفَّارَةَ (٢).
حكمُه من القرآن، وذلكِ لا يُخرجُه عن كونِه كلام اللَّه تعالى. م ص [¬١].
(١) قوله: (ومَنْ حَلَفَ بِمَخْلُوقٍ … إلخ) يعني: يحرُم الحلفُ بذاتِ غيرِ اللَّه تعالى، وغيرِ صفتِه تعالى، سواء أضافَ المحلوفَ به إليه تعالى، كقولِ الحالفِ: ومخلوقِ اللَّه، ومقدورهِ، وكعبتِه، ورسولِه، أو لَا [¬٢]، كقوله: والكعبةِ، والرسولِ، وأَبي؛ لاشتراكِهِما في الحلفِ بغيرِ اسم اللَّه تعالى.
(٢) قوله: (ولا كَفَّارَةَ) في الحلفِ بغيرِ اللَّه تعالى، ولو حَنِثَ. وعندَ الأكثرِ مِنْ أصحابنا: إلَّا في حَلِفٍ بنبينا محمَّدٍ ﷺ ، فتجبُ الكفارةُ إذا حَلَفَ به، وحَنِثَ، ونصَّ عليه في رواية أبي طالب؛ لأنه أحدُ شرطي الشَّهادتين اللَّتين يصيرُ بهما الكافرُ مُسلمًا.
ويُكره حلف بالأمانةِ؛ لحديث: «مَنْ حلفَ بالأمانةِ، فليسَ منَّا». رواه أبو داود [¬٣]. وفي «الإقناع» كراهةُ تحريمِ. م ص [¬٤] وزيادة.
стр. 2041
فَصْلٌ
وَشُرُوطُ وُجُوبِ الكَفَّارَةِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: كَوْنُ الحَالِفِ مُكَلَّفًا (١).
الثَّانِي: كَوْنُهُ مُخْتَارًا (٢).
فَصْلٌ
(١) قوله: (كَوْنُ الحَالِفِ مُكَلَّفًا) فلا تنعقدُ من صغيرٍ ومجنونٍ، ولا من مغمًى عليه ومعتوهٍ؛ لأنه لا قصدَ له، إذ اليمينُ المنعقدةُ هي التي يمكنُ فيها البرُّ والحنثُ؛ بأن يقصدَ عقدَها على مُستقبلٍ؛ لقوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ [المَائدة: ٨٩]. فأوجب الكفارةَ في الأيمانِ المنعقدةِ. فظاهرُه: إرادةُ المستَقبل مِنْ [¬١] الزمان؛ لأن العقدَ إنما يكونُ في المستقبلِ دُون الماضِي.
فلا تنعقدُ يمينُ النائِم، ولا يمينُ الصغير قبلَ البلوغِ، ولا يمينُ المجنونِ ونحوِهم، كزائلِ العقلِ بشُربِ دواءٍ، أو محرمٍ مكرهًا. ولا ينعقدُ ما عُدَّ من لَغْوِ اليمين. فأما اليمينُ على المَاضي فليست منعقدةً؛ لأن شَرط الانعقاد إمكانُ البرِّ والحنثِ، وذلك متعذرٌ في الماضي. «إقناع وشرحه» [¬٢].
(٢) قوله: (كَوْنُهُ مُخْتَارًا) لليمين. فلا تنعقدُ من مُكرهٍ عليها؛ لحديثِ: «رُفِعَ
стр. 2042
الثَّالِثُ: كَوْنُهُ قَاصِدًا لليَمِينِ. فَلا تَنْعَقِدُ: مِمَّنْ سَبَقَ عَلَى لِسَانِهِ بِلا قَصْدٍ، كَقَوْلِهِ: لا وَاللَّهِ، وَ: بَلَى واللَّهِ، في عُرْضِ حَدِيثِهِ (١).
الرَّابِعُ (٢): كَوْنُهَا عَلَى أَمْرٍ مُسْتَقبَلٍ (٣). فَلا كَفَّارَةَ: عَلَى مَاضٍ، بَلْ إنْ تَعَمَّدَ الكَذِبَ: فَحَرَامٌ، وإلَّا: فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ.
عن أُمتي الخَطأ والنِّسيانُ وما استُكرِهُوا عليه» [¬١]. م ص [¬٢].
(١) قوله: (فِي عُرْضِ حَدِيثِهِ) أي: جانبِ، وهو بالضمِّ، وأما بالفتحِ فخلافُ الطولِ، وتصحُّ إرادتُه هُنا مجَازًا. وظاهرُه: ولو في الزَّمنِ المستقبلِ، ولا كفارةَ فيها، ويقالُ له: اللَّغو في اليَمين؛ لحَديث عائشةَ: اللَّغو في اليَمينِ كلامُ الرجُلِ في بَيتِه: لا واللَّه، وبلَى والله [¬٣].
ولا كفَّارةَ لو عَقَدَها يظنُّ صِدقَ نَفسه فبانَ بخلافهِ؛ لأنه من لَغوِ اليمينِ، لكنَّه يحنَث في طلاقٍ وعتاقٍ فقَط.
وقال الشيخُ تقي الدين: وكذا لا يَحنثُ لو عقَدَها على زَمنٍ مُستقبلٍ ظانًّا صدقَهُ، كمَنْ حَلَفَ على غيرِه يظنُّ أنه يُطيعه، أو ظنَّ المحلوفُ عليه خلافَ نيةِ الحالفِ، ونحوه، كظنِّه بخلافِ سببِ اليَمين. «إقناع» [¬٤].
(٢) قوله: (الرَّابِعُ) أي: الشرط الرابِعُ مِنْ شُروطِ وجوبِ الكفارةِ.
(٣) قوله: (كَوْنُهَا) أي: اليمين (عَلَى أَمْرٍ مُسْتَقبَل) مُمكنٍ؛ ليتأتَّى بِرُّه وحنثهُ،
стр. 2043
الخَامِسُ: الحِنْثُ (١)
بخلافِ الماضِي وغيرِ المُمكن، فلا تنعقِد، ولا كفارَة فيه، سواء تعمَّد الكذبَ أو ظنَّه، وذلك أن اليمينَ على الماضي ينقسمُ إلى ثلاثة أقسامٍ:
ما هو صادقٌ فيه، فلا كفارةَ فيه إجماعًا.
وما هو مُتعمِّدُ الكذبِ، يُسمى يمينَ الغموسِ؛ لأنها تغمسُ صاحبَهَا في الإثم ثمَّ في النارِ، ولا كفارةَ فيها في ظاهر المذهبِ، كالنكاح إذا قارنَه رضاعٌ، ولأنَّ الكفارةَ لا تَرَفَعُ إثمَهَا، فلا تُشرعُ فيها بدليلِ أنها كبيرةٌ.
الثالثُ: ما يظنُّه، فيتبيَّنُ بخلافِ ما ظنَّه، فلا كفارةَ فيها؛ لأنها من لغوِ اليمينِ. واللغو نوعَان:
أحدُهما: هذا، لا كفارةَ فيه؛ لأنها يمينٌ غيرُ منعقدةٍ؛ لأن الحنث مقارنٌ لها فأشبَهت يمينَ الغموسِ، ولأنه غيرُ قاصدٍ للمخالفةِ فأشبَه ما لو حلَفَ ناسيًا. وعن أحمد: أنه ليس [¬١] من لغو اليَمينِ وفيه الكفارةُ. والمذهبُ الأولُ لما سَبَقَ.
النوعُ الثاني من اللَّغو: أن يحلِفَ بلسانِه من غيرِ أن يعقدَ عليها قلبه، بل يمرُّ على لسانه من غير قصدٍ عليها. وقال عَطاء: قالت عائشة: إن رسول اللَّه ﷺ قال يعني في اللغو في اليمين: «هو كلامُ الرجُلِ في بَيتهِ: لا واللَّه، وبلى واللَّه». أخرجه أبو داود [¬٢].
(١) قوله: (الحِنْثُ) هو بكسر الحَاءِ وسُكونِ النون. ح ف.
стр. 2044
بِفِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، أَوْ تَرْكِ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ (١).
فَإنْ كَانَ عَيَّنَ وَقْتًا (٢): تَعَيَّنَ (٣). وإلَّا: لم يَحْنَثْ حَتَّى يَيَأْسَ مِنْ فِعْلِهِ (٤)، بِتَلَفِ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ (٥)، أوْ مَوْتِ الحَالِفِ (٦).
(١) قوله: (مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ) كما لو حَلَفَ لا يكلِّمُ زيدًا، فكلمهُ مُختارًا ذاكرًا، (أَوْ تَرْكِ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ) كما لو حَلَفَ ليكلِّمنَّ زيدًا اليومَ، فلم يكلِّمْه، مُختارًا ذاكرًا ليمينِه. م ص [¬١].
(٢) قوله: (فَإنْ كَانَ [¬٢] عَيَّنَ وَقْتًا) لفعله، كلا أعطيتُ زيدًا دِرهمًا يومَ كذا، أو سنة كذا.
(٣) قوله: (تَعَيَّنَ) ذلك الوقتُ لذلِك الفِعل، فإن فعلَه فيه بَرَّ [¬٣]، وإلَّا حَنِثَ؛ لأنه مقتضَى يمينِه. م ص [¬٤].
(٤) قوله: (وإلَّا لم يَحْنَثْ) أي: وإن لم يعيِّن للفِعل وقتًا؛ بأن قالَ: لأُعطينَّ زيدًا دِرهمًا، لم يَحنَث (حَتَّى يَيَأْسَ مِنْ فِعْلِهِ) الذي حَلَفَ عليه. م ص [¬٥] وزيادة.
(٥) قوله: (بتَلَفِ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ) متعلق بقوله: «حتى ييأس».
(٦) قوله: (أوْ مَوْتِ الحَالِفِ) لقول عمر: يا رسول اللَّه، ألم تُخبرنا أنَّا سنأتي البيتَ ونطوف به؟ قال: «بلى، أفأخبرتُكَ أنك آتيهِ العامَ»؟. قال: لا. قال:
стр. 2045
ومَن حَلَفَ باللَّهِ (١): لا يَفْعَلُ كَذَا، أوْ: لَيَفْعَلَنَّ كَذَا، إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ: إنْ أَرادَ اللَّهُ، أَوْ: إلَّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ (٢)، وَاتَّصَلَ لَفْظًا (٣)، أوْ حُكْمًا (٤): لَمْ يَحْنَثْ، فَعَلَ (٥)
«فإنك آتيه وتطوفُ به» [¬١]. ولأنه لم يؤقت المحلوفُ عليه بوقت معيَّنٍ، وفعلُه ممكِنٌ في كلِّ وقتٍ، فلا تتحقَّق مخالفةُ اليمين إلَّا باليأس. م ص [¬٢].
(١) قول: (ومَن حَلَفَ باللَّهِ) أي: ومن استثنَى فيما يُكَفَّرُ، أي: تدخلُه الكفارةُ، كيمينٍ باللَّه تعالى، أو نذرٍ، أو ظهارٍ، ونحوه، كقوله: هو يهوديٌّ، أو بريءٌ من الإسلامِ إن فَعَلَ كذا، إن شاءَ اللَّه. م ص [¬٣] وزيادة.
(٢) قوله: (أَوْ: إلَّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ) بأن قالَ: واللهِ لا أفعلُ كذا، إلَّا أن يشاءَ اللَّه، وقصد بذلِكَ تعليقَ الفعلِ أو تركِه على مشيئةِ اللَّه تعالى، أو إرادته، بخلافِ مَنْ قاله تبرُّكًا، أو سَبَقَ به لسانُه بلا قصدٍ، فوجُودُه كعدمِه. عثمان [¬٤].
(٣) قوله: (وَاتَّصَلَ لَفْظًا … إلخ) هذه شُروطُ [¬٥] صحةِ الاستثناءِ؛ بأن لا يفصلَ بينهما بسكوتٍ، ولا غيرِه. م ص [¬٦].
(٤) قوله: (أوْ حُكْمًا) كقطعٍ بتنفس، أو بسعالٍ أو نحوه كعطسٍ.
(٥) قوله: (لم يحنث، فَعَلَ) ما حلفَ على فعلِه.
стр. 2046
أوْ تَرَكَ (١). بِشَرْطِ: أنْ يَقْصِدَ الاسْتِثْنَاءَ (٢) قَبْلَ تَمَامِ المُسْتَثْنَى مِنْهُ (٣).
(١) قوله: (أَوْ تَرَكَ) أي: أو تركَ ما حلف على فعلِه؛ لأن الأشياء كلها بمشيئةِ اللَّه تعالى. فمن قال: لا أفعلُ إن شاءَ اللَّه. وفعلَ، عُلِمَ أنه تعالى لم يشأ تركَه. وإذا قال: لأفعلنَّ إن شاء اللَّه. ولم يفعَل، عُلم أنه تعالى لم يَشأ فعلَه. وهو إنما حَلَفَ على الفعلِ على تقدير المشيئةِ، ولم تُوجد. م ص [¬١].
(٢) قوله: (بِشَرْطِ أنْ يَقْصِدَ … إلخ) متعلق بقوله: «لم يحنث .. إلخ».
(٣) قوله: (قَبْلَ تَمَامِ المُسْتَثْنَى مِنْهُ) أو بعدَه قبلَ فراغِه، ك: لا أدخلُ الدارَ واللَّه إن شاء اللَّه. وقصدَ الاستثناءَ قبلَ قولِه: واللَّه. وقال الوالد: كما لو حلف لا يفعلُ كذا اليومَ، وقصدَ الاستثناءَ عندَ ذكرِ اليومِ بعدَ تمامِ المستثنَى منه، وقبلَ فراغِ ذكرِ اليومِ. انتهى. أما لو حَلَفَ غيرَ قاصدٍ الاستثناءَ، ثم عرضَ بعدَ فراغِه من كلامِه فاستثنَى، لم ينفعهُ الاستثناءُ، ويَحنَثُ. ح ف.
стр. 2047
فَصْلٌ
ومَن قالَ: طعَامِي عَلَيَّ حَرَامٌ (١)، أوْ: إنْ أكَلْتُ كَذَا فَحَرَامٌ (٢)، أوْ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَحَرَامٌ: لَمْ يَحْرُمْ. وعَلَيْهِ إنْ فَعَلَ: كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
ومَنْ قَالَ: هُو يَهُودِيٌّ، أوْ: نَصْرَانِيٌّ، أو: يَعْبُدُ الصَّلِيبَ (٣)، أوْ: الشَّرْقَ (٤)، إنْ فَعَلَ كَذَا.
فَصْلٌ
(١) قوله: (ومَن قالَ: طعامِي عَلَيَّ حَرَامٌ) كالميتِة والدَّمِ أو لَحمِ الخنزيرِ، لم يحرُم عليه، وعليه كفارةُ يمين. م ص [¬١].
(٢) قوله: (أوْ: إنْ أكَلْتُ كَذَا فَحَرَامٌ) أي: وإن علَّق تحريمَ حلالٍ بشرطٍ، كقوله عن طعامٍ: إنْ أكلتُه، فهو عليَّ حرامٌ، لم يحرم؛ لقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾. إلى قوله: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ [التّحْريم: ١ - ٢]. واليمينُ على الشيءِ لا تُحرمه، ولأنه لو حرِّم بذلكِ لتقدَّمت الكفارةُ عليه، كالظِّهار. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (ومَنْ قَالَ: هُو يَهودِيٌّ … إلخ) وفي «الفروع» و «الانتصار»: أو: والطاغُوت لأفعلنَّه؛ لِتعظيمِه له. معناه: عظَّمتُه إن فعلته. وفعلَه، لم يكفُر، ويلزمه كفارةٌ، بخِلاف: هو فاسقٌ إن فعلَه؛ لإباحتِه في حالٍ. ح ف.
(٤) قوله: (أوْ الشَّرقَ) أي: أو يعبدُ الشرقَ، والمرادُ به: الشمسُ.
стр. 2048
أوْ: هُو بَرِيءٌ مِنْ الإسْلامِ، أوْ: مِنَ النَّبِيِّ ﷺ (١)، أوْ: هُوَ كَافِرٌ باللَّهِ تَعَالَى، إنْ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا: فَقَد ارْتَكَبَ مُحَرَّمًا. وعَلَيْهِ: كَفَّارةُ يَمِينٍ (٢) إنْ فَعَلَ مَا نَفَاهُ، أَوْ تَرَكَ مَا أثْبَتَهُ (٣).
وَمَنْ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بأنَّه حَلَفَ باللَّهِ، وَلَمْ يَكُنْ حَلَفَ: فَكَذِبَةٌ، لا كَفَّارَةَ فِيهَا.
(١) قوله: (أوْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وكذا سائر الأنبياءِ، كما ذكره الوالد في «حاشيته» على هامش نسخته. ح ف.
(٢) قوله: (وعَلَيْهِ كَفَّارةُ يَمِينٍ) واختار الموفَّق والناظمُ: لا كفارةَ. «إقناع» [¬١].
(٣) قوله: (إنْ فَعَلَ مَا نَفَاهُ … إلخ) أي: وعليه كفارةُ يمينٍ إن خالفَ ففعلَ ما حَلَفَ على تركِه، أو تركَ ما حَلَفَ على فِعلِه، حيثُ يحنَث؛ لأنه قولٌ يوجبُ هتكَ الحرمةِ، فكانَ يمينًا، كالحلفِ باللَّه تعالى. م ص [¬٢] رحمه اللهُ تعالى.
стр. 2049
فَصْلٌ
وكَفَّارَةُ اليَمِينِ؛ عَلَى التَّخْيِيرِ (١): إطْعَامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ (٢)، أوْ: كِسْوَتُهُمْ (٣)، أوْ: تَحْريرُ رَقَبةٍ (٤)
فَصْلٌ
(١) قوله: (عَلَى التَّخْيِيرِ) أي: تجمعُ تخييرًا بينَ الإطعام والكِسوةِ والعتقِ، ثم تَرتيبًا بينَ الثلاثةِ والصومِ، عثمان [¬١].
(٢) قوله: (إطْعَامُ عَشرَةِ مَساكِينَ) لكلِّ مسكينٍ مُد بُرٍّ، أو نصفُ صاع مِنْ شَعيرٍ أو تمرٍ أو زَبيبٍ أو أقطٍ. وأن يكون مِنْ المسلمينَ، أحرارًا ولو صغارًا، جنسًا كانَ المطعمُ أو أكثر، والمرادُ بهم [¬٢] ما يشملُ الفقراءَ؛ لأنهما في غيرِ الزكاةِ صنفٌ واحدٌ، وقال الزركشي: يجوزُ دفعُها للغارم لاحتياجِه فهو كالمسكينِ. وكلامُ أبي محمد يُوهِمُ المنعَ. قُلْتُ: وكلامُ أبي محمد هو الظاهرُ من كلامِهم، وهو ظاهرُ القرآنَ. وتقدَّم في الظِّهار بقيةُ أحكِام الإطعَامِ ح ف.
(٣) قوله: (أوْ كِسْوَتُهُمْ) للرَّجلِ ثوبٌ تجزئُه صلاةُ الفرضِ فِيه، وللمَرأة درعٌ، أي: قميصٌ وخمارٌ كذلكَ أي: يُجزئها صلاتُها فيهمَا. م ص [¬٣].
(٤) قوله: (أوْ تَحْريرُ رَقَبةٍ) أي: عِتقُ رقبةٍ.
стр. 2050
مُؤمِنَةٍ (١). فَإنْ لَمْ يَجِدْ (٢): صَامَ ثَلاثَةَ أيَّامٍ مُتتَابِعَةً، وُجُوبًا، إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ (٣).
ولا يَصِحُّ: أنْ يُكَفِّرَ الرَّقِيقُ بِغَيْرِ الصَّوْمِ. وعَكْسُهُ: الكَافِرُ.
وإخْرَاجُ الكفَّارَةِ (٤): قَبْلَ الحِنْثِ وبَعْدَهُ سَوَاءٌ. وَمَنْ حَنِثَ، وَلَوْ فِي ألْفِ يَمِينٍ باللَّهِ تَعالَى (٥)،
(١) قوله: (مُؤمِنَةٍ) أي: مسلمةٍ سليمةٍ من العُيوبِ المضرةِ بالعملِ ضررًا بينًا، وتقدَّمَ تفصيلُه في الظهار. م ص [¬١].
(٢) قوله: (فَإنْ لَمْ يَجِدْ) شَيئًا من الثلاثةِ.
(٣) قوله: (إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ) إن لم يكُن للمكفِّر عذرٌ في تَركِ التتابعِ من مرضٍ. م ص [¬٢].
(٤) قوله: (وإخْرَاجُ الكفَّارَةِ) مبتدأ. قوله: «وبعده سواء» خبر. قال في «الإقناع»: وإن شاءَ كَفَّرَ قبلَ الحِنْثِ فتكُونُ مُحلِّلَةً لليَمين، وإن شَاء بعدَه فتكونُ مكفِّرةً، لكنْ قال ابن نصر اللَّه: الأصحُّ أن لا إثمَ بالحنثِ، لقوله ﵇: «لا أحلفُ على يمينٍ فأَرى غيرَها خَيرًا منها إلَّا أتيتُ الذي هو خير» [¬٣]. وهو ﵇ لا يُقدمُ عَلَى [¬٤] ما فيه إثمٌ.
(٥) قوله: (وَلَوْ فِي ألْفِ يَمِينٍ باللَّهِ تَعالَى) ولو على أفعالٍ، كقوله: واللهِ لا أكلتُ. واللهِ لا شَرِبتُ. واللَّه لا أعطيتُ. ونحوه، ولو اختلفَ جنسُ
стр. 2051
ولَم يُكفِّرْ: فكفَّارَةٌ واحِدَةٌ (١).
الحَلِفِ كاليَمينِ والنذرِ.
والحاصلُ: أنه وإن حَلَفَ أيمانًا [¬١] على أجناسٍ كقوله: واللهِ لا بعتُ كذا. واللَّه لا شَرَيتُ كذَا. واللَّه لا لبستُ كذَا، فحَنِثَ في واحدَةٍ وكفَّر، ثُم حَنِثَ في أُخرى، لَزِمَته كفَّارَةٌ ثانيةٌ لوجُوبها في الحِنثِ بعدَ أن كَفَّرَ عن الأُولى، كما لو وَطِئَ في نهارِ رمضَانَ، فكفَّرَ، ثم وَطِئَ فيهِ أُخرَى، بخِلافِ ما لو حَنِثَ في الكُلِّ قبلَ أن يكفِّرَ. م خ وزيادة [¬٢].
(١) قوله: (فكفَّارَةٌ واحِدَةٌ) نصًّا. لأنها كفاراتٌ من جنس فَتداخَلَتَ، كالحُدودِ من جنسٍ، وكذا لو حَلَفَ بنذور مكرَّرة، فإنَّ عليه كفارةً واحدةً إذا كانَ قبلَ التكفير. ح ف.
стр. 2052
بابُ جَامِعِ الأَيْمَانِ
يُرْجَعُ في الأَيْمَانِ: إلَى نِيَّةِ الحَالِفِ (١). فَمَنْ دُعِيَ (٢) لِغَدَاءٍ (٣)، فَحَلَفَ لا يَتَغَدَّى: لم يَحْنَثْ بِغَدَاءِ غَيْرِهِ (٤)، إنْ قَصَدَهُ (٥).
أوْ حَلَفَ: لا يَدخُلُ دَارَ فُلانٍ، وَقَالَ: نَوَيْتُ اليَوْمَ: قُبِلَ حُكْمًا (٦)،
بابُ جَامعِ الأَيمانِ
وأحكامُ هذا البابِ يشتركُ فيها الطلاقُ، والعتاقُ، واليمينُ باللَّه تعالى. ح ف.
(١) قوله: (إلَى نِيَّةِ الحَالِفِ) فهي مبنَاهَا ابتداءً. م ص [¬١].
(٢) قوله: (فَمَنْ دُعِيَ … إلخ) مفرع على قولِه: «يُرجعُ في الأيمانِ .. إلخ».
(٣) قوله: (لِغَدَاءٍ) الغداء بفتح أوله ممدودًا وبالدال المهملة، خلافُ العَشاءِ، وهو: ما يُؤكلُ غدوةً. والغِذاء بالكسر وبالذالِ المعجمة: ما تغذَّى به البدنُ. ح ف.
(٤) قوله: (بِغَدَاءِ غَيْرِهِ) أي: غَير مَنْ دَعاهُ. الوالد.
(٥) قوله: (إنْ قَصَدَه) شرطٌ لقوله: «لم يَحنث». قال م ص [¬٢]: قلتُ: أو دلَّ عليه سببُ اليمينِ.
(٦) قوله: (قُبِلَ حُكْمًا) لأنه محتملٌ، ولا يُعلم إلَّا منهُ. م ص [¬٣].
стр. 2053
فلا يَحْنَثُ بالدُّخُولِ في غَيْرِهِ (١).
و: لا عُدْتُ رَأَيْتُكِ تَدْخُلِينَ دَارَ فُلانٍ- يَنْوِي مَنْعَهَا- فَدَخَلَتْهَا: حَنِثَ ولَوْ لَمْ يَرَهَا (٢).
(١) قوله: (فلا يَحْنَثُ بالدُّخُولِ فِي غَيْرِهِ) أي: غيرِ ذلك اليومِ الذي نواهُ؛ لتعلُّق قصده بما نواهُ، فاختصَّ الحنثُ به. وكذا لو حلف: لا يأكلُ خُبزًا أو لحمًا ونحوه، ونوى مُعينًا، أو في وَقتٍ، فلا يحنثُ بغيرِه. وإن كانت بطلاقٍ أو عِتاقٍ، لم يُقبل؛ لتعلُّقِ حَقِّ الآدميِّ، أي: لا يُقبلُ ذلكَ في الحُكمِ أمَّا فيما بينه وبين اللَّه تعالى، فيدين فيه. ح ف وزيادة.
(٢) قوله: (ولَوْ لَمْ يَرَهَا) دخَلَتْها؛ الغاءً لقولهِ: رأيتُكِ. الوالد.
стр. 2054
فَصْلٌ
فَإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا: رُجِعَ إلَى سَبَبِ اليَمِينِ، وَمَا هَيَّجَهَا (١).
فَمَنْ حَلَفَ: لَيَقْضِيَنَّ زَيدًا حَقَّهُ غَدًا، فَقَضَاهُ قَبْلَهُ (٢). أوْ: لا يَبِيعُ كَذَا إلَّا بِمِئَةٍ (٣)، فبَاعَهُ بأكْثَرَ (٤).
فَصْلٌ
(١) قوله: (فَإنْ لَمْ يَنْوِ) حالفٌ (شَيْئًا … إلخ) يعني: أنه يُرجَعُ إلى النيةِ ابتداءً إن كانَ ثَمَّ نيةٌ، أما مع الإطلاقِ، فإلى السَّببِ وما هيَّجَ اليمينَ. أي: أثارَها. ح ف.
(٢) قوله: (فَقَضَاه قَبْلَه) لم يحنَث، إذا قصدَ عدَمَ تجاوزِه الغَدَ، أو اقتضَاه السببُ، كما لو كانَ في حال مخاصمتِه مع غَريمِه بسبب مَطْلِه، أما لو عُدِمَت النيةُ والسببُ، فإنه يحنَث قبل الغَدِ.
(٣) قوله: (أوْ: لا يَبِيعُ كَذَا إلَّا بِمائةٍ … إلخ) فإن قال المُشتري: قد أخذتُه بها، ولكن هَبْ لي كذَا. فقال الإمامُ: هذا حيلةٌ. قيلَ له: فإن قالَ البائعُ: أبيعكَ بكَذا، وهَبْ لفُلانٍ [¬١] شَيئًا آخر؟. فقال: هذا كُلُّه ليسَ بشيءٍ. ح ف.
(٤) قوله: (فبَاعَهُ بأكْثَرَ) فلا يحنث إن باعَه [¬٢] بمائةٍ أو بأكثرَ مِنها؛ لدلالةِ القرينةِ. م ص [¬٣].
стр. 2055
أوْ: لا يَدْخُلُ بَلَدَ كَذَا؛ لظُلْمٍ فِيهَا (١)، فَزَالَ (٢) وَدَخَلَهَا (٣). أوْ: لا يُكَلِّمُ زَيْدًا؛ لشُرْبِهِ الخَمْرَ، فكَلَّمَهُ وَقَدَ تَرَكَهُ: لَمْ يَحْنَثْ (٤) في الجَمِيعِ.
(١) قوله: (أوْ: لا يَدْخُلُ بَلَدَ كَذَا؛ لظُلْمٍ … إلخ) أي: بأنْ كانَ سببُ حلفِه الظلمَ الحاصلَ فيها. هذا مبنيٌّ على أنَّ العبرةَ في اليمينِ بخصوصِ السببِ؛ لدلالتِه على النيةِ، لا بعُمومِ اللفظِ، أي: فيما إذا كانَ اللفظُ أعمَّ من السببِ، فمِن ذلك: ما لو امَتَّنت [¬١] عليه امرأتُه ببيتِها، فحلفَ لا يسكنُ بيتًا، فإنه لا يحنثُ بالسُّكنَى في غير بيتِها. أما لو كانَ السببُ يقتَضِي التعميمَ، فلا خِلافَ في الرجوعِ إليه، كمسألةِ ما إذا حلفَ لا يأوي معها في دارٍ سمَّاها، يَنوي جفاءَها، ولا سببَ في الدار هيَّجَ يمينَه؛ لما تقرَّر أنه يحنثُ بالإيواء معَها في أيِّ دارٍ كانت. ح ف.
(٢) قوله: (فَزَالَ) الظلمُ.
(٣) قوله: (وَدَخَلَهَا) بعدَ زوالهِ، لم يَحنَث.
(٤) قوله: (لم يَحْنَثْ) لدلالةِ الحالِ على أنَّ المرادَ ما دام يشربُه، وقد انقَطَعَ ذَلِكَ.
ولا يُقبلُ تعليلٌ بكذبٍ؛ لأن وجودَه كعدمِه. مثال ذلك: إذا قالَ لقِنّه وهو أكبر منه: أنت حرٌّ؛ لأنك ابني. أو قال لامرأتِه وهي أصغرُ منه: أنتِ طالقٌ؛ لأنكِ جدَّتي، وَقَعَ العِتقُ والطلاقُ؛ لصُدورهما في مَحلِّهما. م ص [¬٢] وزيادة.
стр. 2056
فَصْلٌ
فَإنْ عَدِمَ النِّيَةَ والسَّبَبَ: رُجِعَ إلَى التَّعْيِينِ (١).
فَمَنْ حَلَفَ: لا يَدخُلُ دَارَ فُلانٍ هَذِه، فَدَخَلَهَا وقَدْ بَاعَهَا (٢)، أَوْ وَهِيَ فَضَاءٌ. أوْ: لا كَلَّمْتُ هَذَا الصَّبِيَّ، فَصَارَ شَيْخًا وكَلَّمَهُ (٣). أوْ: لا أكَلْتُ هَذَا الرُّطَبَ، فَصَارَ تَمْرًا (٤)، ثُمَّ أكَلَهُ: حَنِثَ في الجَمِيعِ.
فَصْلٌ
(١) قوله: (رُجِعَ إلَى التَّعْيِينِ) لأنه أبلغُ من دلالةِ الاسِم على مُسمَّاه؛ لنفيه الإبهامَ بالكلية. والتعيينُ يكونُ بالإشارةِ وما قامَ مقامَهَا، كالإضافةِ. ح ف وزيادة.
(٢) قوله: (فَدَخَلَهَا وقَدْ بَاعَهَا) حنِثَ؛ لكونِه عينَّها، ولم يَنوِ أنها ما دامَت في مِلكه.
(٣) قوله: (فَصَارَ شَيْخًا وكلَّمهُ)، حنِثَ؛ لتعيينِه له بالإشارةِ، ولم ينوِ ما دَامَ على تِلك الحالةِ.
(٤) قوله: (أوْ: لا أكَلْتُ هَذَا الرُّطَبَ، فَصَارَ تَمْرًا) أو دِبسًا أو خلًّا، أو هذا اللَّبنَ، فصار جُبنًا ونحوه، ثم أكلَه، ولا نيَّةَ، أي: ولم يَنو ما دامَ على تلكَ الحالةِ؛ بأن لم ينو ما دامَ الدارُ في ملكِ فلانٍ، أو ما دامت دارًا، أو ما دام الصبيُّ صَبيًا، وهكذا، ولم يكن السببُ المهيجُ ليمينه يقتَضي التخصيصَ بذلِك، فإن كانَ كذلِك، لم يحنَث بالتغيُّرِ المذكور. ح ف.
стр. 2057
فَصْلٌ
فإنْ عَدِمَ النِّيَّةَ والسَّبَبَ والتَّعْيِينَ: رُجِعَ إلَى مَا تَنَاوَلَهُ الاسْمُ (١). وهُو ثَلاثَةٌ: شَرْعِيٌّ، فعُرْفِيٌّ، فلُغَوِيٌّ (٢).
فاليَمِينُ المُطْلَقَةُ (٣):
فَصْلٌ
(١) قوله: (رُجِعَ) في اليمين (إلَى مَا تَناوَلَه الاسْمُ) لأنه دليلٌ على إرادةِ المُسمَّى، ولا معارضَ له هنا، فَوجَبَ أن يُرجع إليه عَملًا به؛ لسلامتِه عن المُعارضةِ. ش ع [¬١].
(٢) قوله: (وهُو) أي: الاسمُ (ثَلاثَةٌ … إلخ) ويقدَّمُ شرعيٌّ عند الإطلاقِ، إذا اختلَفت الأسماءُ، فَعُرفيٌّ، فلُغويٌّ، يعني: إذا كانَ الشيءُ الواحد له مسمَّياتٌ مختلفةٌ مِنْ حيثُ الشَّرعُ والعُرفُ واللُّغَةُ، صُرفت يمينُ الحلفِ عندَ الإطلاقِ إلى المسمَّى الشَّرعيِّ، فإذا لم يكُن له إلَّا مُسمى لُغويٌّ وعرفيٌّ، انصرَفت إلى العُرفِ، أما إن كانَ له مسمَّى واحدٌ في الشرعِ والعُرفِ واللغةِ، انصرَفَتْ إليه بلا خِلافٍ. ح ف.
(٣) قوله: (فاليَمِينُ المُطْلَقَةُ … إلخ) أي: عن فعل شيءٍ من ذَلِكَ أو تَركِه. هذا تفريعٌ على محذوفٍ وتقديرُه: يقدَّم شرعيٌّ، فعرفيٌّ، فلغويٌّ. يعني: لو حلَف لا يصلي، أو لا يُزكي، أو لا يصومُ، أو لا يحجُّ، وأطلقَ النيةَ،
стр. 2058
تَنْصَرِفُ إلَى الشَّرْعِيِّ (١)، وَتَتنَاوَلُ الصَّحِيحَ مِنْهُ (٢). فمَنْ حَلَفَ: لا يَنْكِحُ (٣)، أوْ: لا يَبِيعُ، أوْ: لا يَشْتَرِي، فعَقَدَ عَقْدًا فاسِدًا (٤): لَمْ يَحْنثْ (٥).
فإنه يحنث بالصلاةِ الشرعيةِ دونَ الدُّعاءِ، وبالزكاةِ الشرعيةِ دونَ تنميةِ مالِه، وبالصومِ الشرعيِّ دونَ الإمساكِ عن الكلامِ، وبالحجِّ الشرعيِّ دونَ قصدِ مُعظَّمٍ عِندَه. واحترز بالمُطلقة: عن اليمينِ التي قُصِدَ بها المُسمى اللُّغوي، أو كانَ هو المهيجُ ليمينِه، فإنه يحنثُ به [¬١] دون الشرعيِّ. ح ف وإيضاح.
(١) قوله: (تَنْصَرِفُ إلَى الشَّرْعِيِّ) لأنه المتبادرُ للفَهم عندَ الإطلاقِ، ولذلكِ حُمِلَ عليه كلامُ الشارعِ حيثُ لا صارفَ. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (وَتَتناوَلُ الصَّحِيحَ مِنْهُ) أي: من الموضوِع الشرعيِّ، بخلافِ الفاسدِ؛ لأنه ممنوعٌ منه شرعًا. م ص [¬٣].
(٣) قوله: (فمَنْ حَلَفَ: لا يَنْكِحُ … إلخ) تفريع على قوله: «وتتناول .. إلخ».
(٤) قوله: (فعَقَدَ عَقْدًا فاسِدًا) المرادُ به: ما قابَلَ الصحيحَ، فيشملُ المجمعَ على بطلانِه، والفاسدَ المختلفَ، كالبيعِ بلا رُؤيةٍ، والنكاح بلا وليٍّ. ولو حَلَفَ: لا مَلكتُ فُلانًا، فاشتراهُ شِراءً فاسدًا، لم يَحنَث. ح ف.
(٥) قوله: (لم يَحْنَثْ) لأنَّ الاسمَ لا يتناولُ الفاسدَ. إلَّا إن حلَفَ: لا يحجُّ، فحجَّ حجًّا فاسِدًا، فيحنَث، وكذا لو حلفَ لا يعتمرُ، فاعتمرَ عمرةً فاسدةً،
стр. 2059
لكِنْ: لَوْ قَيَّدَ يَمِينَه (١) بِمُمْتَنِعِ الصِّحَّةِ (٢)، كحَلِفِهِ: لا يَبِيعُ الخَمْرَ، ثُمَّ بَاعَهُ: حنِثَ بصُورَةِ ذَلكَ (٣).
حَنِثَ، بخلافِ سائرِ العباداتِ؛ لوجُوبِ [¬١] المضيِّ في فاسِدِهما، وكونِه كالصحيح فيما يحلُّ ويحرُم ويلزمُ من فديةٍ، ولأنه يُسمَّى حاجًّا أو معتمرًا بمجرَّدِ الإحرام. الوالد.
(١) قوله: (لكِنْ لَوْ قَيَّدَ يَمِينَه … إلخ) استدراكٌ على عدم الحِنْثِ؛ دَفَعَ به عدمَ الحِنْثِ، بل يحنثْ.
(٢) قوله: (بِمُمْتَنِع الصِّحَّةِ) أي: بما لا يُتصور فيه الصحةُ.
(٣) قوله: (حنِثَ بصُورَةِ ذَلكَ) لتعذر الصحيحِ، فتنصرفُ اليمينُ إلى ما كانَ على صورتِه، كالحقيقةِ إذا تعذَّرت، يُحمل اللفظُ على مجازِه. م ص [¬٢].
стр. 2060
فَصْلٌ
فَإنْ عُدِمَ الشَّرْعِيُّ: فَالأيْمَانُ مَبْنَاهَا عَلَى العُرْفِ (١).
فَمَنْ حَلَفَ: لا يَطَأُ امْرَأتَهُ: حَنِثَ بِجِمَاعِهَا (٢). أوْ: لا يَطَأُ، أوْ: لا يَضَعُ قَدَمَهُ في دَارِ فُلانٍ: حَنِثَ بدُخُولِهَا، رَاكِبًا أوْ مَاشِيًا، حَافِيًا أوْ مُنْتَعِلًا (٣).
فَصْلٌ
(١) قوله: (فَالأيْمَانُ مَبْنَاهَا عَلَى العُرْفِ) دون الحقيقةِ؛ لأنها صارَت مهجورةً، فلا يعرفُها أكثرُ الناس. فمن حلَفَ لا يشتري راويةً، حَنثَ بشراءِ المزادةِ دُون الجَمَلِ، أو لا يطأ ظعينةً، حنثَ بوطءِ امرأتِه لا ناقَته، أو لا ينظُر إلى غائطٍ أو عذرةٍ، حنثَ برؤيةِ الخارِج المستقذرِ دونَ المكان المطهَّرِ من الأرضِ وفناءِ دارٍ، إلَّا أن يَنويَ بشيءٍ من ذَلِكَ معناه الحقيقيَّ، أو يكونَ ثَمَّ سببٌ يقتضِيه، فلا يحنثُ إلَّا به. ح ف.
(٢) قوله: (حَنِثَ بِجِمَاعِهَا) أي: بجِماع المحلُوف عليها؛ لانصرافِ اللفظِ إليه. وكذلكَ لو حلفَ على تَركِ وطءِ زَوجَتهِ، كانَ موليًا. م ص [¬١].
(٣) قوله: (حَنِثَ بدُخُولِهَا رَاكِبًا … إلخ) لأن ظاهِرَ الحالِ أنَّ القصد امتناعُه من دُخولِها، ما لم ينوِ حالةً مِنْ هَذِه، أو يقتَضِيها السببُ، فإنه لا يحنثُ إلَّا بها. ح ف وزيادة.
стр. 2061
و: لا يَدخُلُ بَيْتًا: حَنِثَ بدُخُولِ المَسْجِدِ (١) والحَمَّامِ (٢)، وبَيْتِ الشَّعْرِ (٣). و: لا يَضْرِبُ فُلانَةَ، فَخَنَقَها، أوْ نَتَفَ شَعْرَهَا، أوْ عَضَّهَا (٤): حَنِثَ (٥).
(١) قوله: (حَنِثَ بدُخُولِ المَسْجِدِ) لقوله تعالى: ﴿إن أول بيت وضع للناس﴾ [آل عِمرَان: ٩٦].
(٢) قوله: (والحَمَّامِ) أي: ويحنثُ بدُخول الحمَّامِ؛ لحديث: «بئسَ البيت الحمَّام». رواه أبو داود وغيره [¬١]. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (وبَيْتِ الشَّعَرِ) وبيتِ أَدَمٍ، بفتحتين، جمعُ أديمٍ: الجلدُ المدبوغُ. وبدُخُولِ خَيمةٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتًا﴾ [النّحل: ٨٠]. الآية. والخيمةُ في معنَى بيتِ الشَّعَرِ، لا بدُخولِ صُفَّةٍ ودِهليزٍ؛ لأنه لا يُسمَّى بيتًا. م ص [¬٣] وزيادة.
(٤) قوله: (ولا يَضْرِبُ فُلانةَ .. إلخ) أي: وإن حلفَ لا يضربُ فلانةَ، ما لم ينوِ حقيقةَ الضربِ، أو يقتضِيه السببُ، ويحنثُ به أيضًا مع الإطلاق من بابِ أَوْلَى. ولو حَلَفَ ليضربنَّها، برَّ بذلكَ كلِّه، ما لم ينو حقيقةَ الضربِ، أو يقتضيهِ السببُ. ولو تلذذ بالعَضِّ مع الإطلاقِ، لم يبرَّ به. ح ف.
(٥) قوله: (حَنِثَ) لوجودِ المقصودِ بالضربِ، وهو التألمُ. م ص [¬٤].
стр. 2062
فَصْلٌ
فإنْ عُدِمَ العُرْفُ: رُجِعَ (١) إلَى اللُّغَةِ (٢).
فمَن حَلَفَ (٣): لا يَأكُلُ لَحْمًا: حَنِثَ بِكُلِّ لَحْمٍ، حَتَّى بالمُحَرَّمِ (٤)، كَالمَيْتَةِ والخِنْزِيرِ. لا: بِمَا لا يُسَمَّى لَحْمًا (٥)، كالشَّحْمِ ونَحْوِه (٦). و: لا
فَصْلٌ
(١) قوله: (رُجِعَ) في اليمين.
(٢) قوله: (إلَى اللُّغَةِ) والاسم اللُّغَوي ما لم يشتَهِرْ مجازُه على حَقيقتهِ؛ بأن لم يغلب على حقيقتِه؛ بأن اشتَهرَت الحقيقةُ دونَ المجازِ، أو لم يكُن له مجازٌ. ح ف.
(٣) قوله: (فمَن حَلَفَ … إلخ) ولا نيةَ له، ولا سببَ على لحمٍ بعينِه. ح ف.
(٤) قوله: (حَتَّى بالمُحَرَّمِ) أي: يحنثُ حتَّى بأكلِ لحمِ غيرِ مأكولٍ؛ لدخولِه في مسمَّى اللحمِ. م ص [¬١].
(٥) قوله: (لا بِمَا لا يُسَمَّى لَحْمًا) أي: لا حِنْثَ بأكلِ ما لا يُسمَّى لحمًا.
(٦) قوله: (كالشَّحْمِ ونَحْوِه) ككَرشٍ، ومصرانٍ، وطُحالٍ، وقلبٍ، وأَليةٍ، ودِماغٍ، وقانصةٍ، وشحمٍ، وكارعٍ، ولحمِ رأسٍ، ولسانٍ؛ لأنَّ مطلقَ اللحمِ لا يتناولُ شيئًا من ذلِكَ، بدليلِ ما لو وُكِّل في شراءِ لحمٍ، فاشترى شيئًا من ذلِك، لزمَ الوكيلَ هذا مع الإطلاقِ، إلَّا إن نَوى الحالفُ بقوله: لا يأكُلُ
стр. 2063
يَأكُلُ لَبَنًا، فأكَلَه، ولَوْ مِنْ لَبَنِ آدَمِيَّةٍ: حَنِثَ (١). و: لا يَأكُلُ رَأْسًا ولا بَيْضًا: حَنِثَ بِكُلِّ رَأْسٍ وبَيْضٍ (٢)، حتَّى برَأْسِ الجَرَادِ وبَيْضِهِ. و: لا يَأكُلُ فَاكِهَةً (٣): حَنِثَ بكُلِّ مَا يُتَفَكَّهُ بِه، حتَّى بالبِطِّيخِ (٤). لا: القِثَّاءِ، والخِيَارِ (٥)،
لحمًا، اجتنابَ الدَّسمِ، فيحنثُ بذلك كلِّه، وكذا لو اقتضَاه السببُ. م ص [¬١] وزيادة.
(١) قوله: (ولَوْ مِنْ لَبَنِ آدَمِيَّةٍ، حَنِثَ) لأن الاسمَ يتناولُه حقيقةً وعُرفًا، وسواءٌ كانَ حَليبًا أو رائبًا، مائعًا أو جامدًا. قُلْتُ: ولو مُحرمًا، كما تقدم في الَّلحم. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (حَنِثَ بكُلِّ رَأْسٍ … إلخ) لدخولِه في مُسمَّى الرأسِ والبيضِ، ما لم ينو [¬٣] مُعينًا من ذلِكَ، أو يقتضِيه السببُ، فلا يحنث بأكل غَيرِه. ح ف.
(٣) قوله: (و: لا يَأكُلُ فَاكِهَةً … إلخ) أي: وإن حلفَ لا يأكلُ فاكهةً، ولا نيةَ، ولا سببَ بفاكهةٍ معيَّنةٍ. والفاكهةُ: ما يُتفكهُ به، أي: يُتنعمُ. ح ف.
(٤) قوله: (حتَّى بالبِطِّيخِ) متعلق بحَنثَ؛ لأنه ينضجُ ويحلُو ويُتفكهُ به، فيدخُلُ في مسمَّى الفاكهةِ، وسواءٌ الأصفرُ وغيرُه. م ص [¬٤].
(٥) قوله: (لا القِثَّاءِ والخِيارِ) أي: لا يحنثُ بأكل القثَّاءِ والخيارِ؛ لأنهُما من الخضرواتِ لا الفاكهةِ. م ص [¬٥].
стр. 2064
والزَّيْتُونِ (١)، والزُّعْرُورِ الأَحْمَرِ (٢).
و: لا يَتَغَدَّى، فأكْلَ بَعْدَ الزَّوَالِ، أوْ: لا يَتَعَشَّى فأَكَلَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، أو: لا يَتَسَحَّرُ، فَأَكَلَ قَبْلَهُ (٣): لَمْ يَحْنَثْ (٤).
(١) قوله: (والزَّيْتُونِ) ولا يحنثُ بأكلِ الزيتونِ؛ لأن المقصودَ زيتُه، ولا يُتفكهُ به. م ص [¬١].
(٢) قوله: (والزُّعْرُورِ الأحْمَرِ) ولا حِنثَ بأكلِ الزعرُور بضم الزاي الأحمرِ، بخلافِ الأبيضِ. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (فَأَكَلَ قَبْلَهُ) أي: قبلَ نِصفِ الليلِ. م ص [¬٣].
(٤) قوله: (لَمْ يَحْنَثْ) جوابٌ عن قوله: «ولا يتغدَّى .. إلخ». حيثُ لا نيةَ؛ لأنَّ الغداء مأخوذٌ من الغَدوَة، وهي: من طُلوع الفَجرِ إلى الزَّوال. والعَشاءَ مِنْ العَشِيِّ، وهو: من الزَّوالُ إلى نِصفِ الليل. والسَّحورَ مِنْ السَّحرِ، وهو: من [¬٤] نصفِ الليلِ إلى طُلوعِ الفَجرِ. والغداءُ والعشاءُ: أن يأكلَ أكثرَ مِنْ نصفِ شِبعهِ، والأكلةُ: ما يعدُّه الناسُ أكلةً، وبالضم: اللُّقمةُ.
توضيحُ ذلك: أن الذي حلَفَ أنه لا يتغدَّى، فأكلَ بعدَ الزوالِ، لم يحنَث؛ لأنه ليس بغدَاءٍ، بل عشاءٌ. والذي حَلَفَ أنه لا يتعشَّى، فأكلَ بعدَ نصفِ الَّليلِ، لم يحنَث؛ لأنه سَحُورٌ لا عشاءٌ. والذي حلَفَ أنه لا يتسحَّر، فأكلَ قبلَ نصفِ الليلِ، لم يحنَثْ؛ لأنه عشاءٌ لا سحورٌ. م ص [¬٥] وزيادة.
стр. 2065
و: لا يَأكُلْ مِنْ هَذِه الشَّجَرَةِ: حَنِثَ بأَكْلِ ثَمَرَتِهَا فَقَطْ (١). و: لا يَأكُلْ مِنْ هَذِه البَقَرَةِ: حَنِثَ بأكْلِ كُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا. لا: مِنْ لَبَنِهَا، وَوَلَدِهَا (٢). و: لا يَشْرَبُ مِنْ هَذَا النَّهْرِ، أو: البِئْرِ، فاغْتَرَفَ (٣) بإِنَاءٍ وشَرِبَ: حَنِثَ (٤).
لا: إنْ حَلَفَ (٥): لا يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الإنَاءِ (٦)، فاغْتَرَفَ مِنْهُ وشَرِبَ.
(١) قوله: (حَنِثَ بأَكْلِ ثَمَرتِهَا فَقَطْ) دونَ ورقِها ونحوِه؛ لأنها التي تتبادرُ للذِّهن، فاختصَّ اليمينُ بها، ولو لقَطَها من تَحتِها، أو أكلَها في إناءٍ؛ لأنها من الشجرةِ. م ص [¬١].
(٢) قوله: (لا مِنْ لَبَنِهَا وَوَلَدِهَا) لأنهما ليسَا من أجزائها. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (فاغْتَرَفَ) من أحَدِهِما.
(٤) قوله: (حَنِثَ) لأنهما ليسَا آلةَ شُربٍ عادةً، بل الشربُ منهُما عُرفًا بالاغترافِ باليد أو الإناء. م ص [¬٣].
(٥) قوله: (لا إنْ حَلَفَ) أي: لا يحنثُ إن حلَفَ لا يشَربُ .. إلخ.
(٦) قوله: (مِنْ هَذَا الإنَاءِ) كالكُوزِ، فصَبَّ منه في إناءٍ وشَرِبَه؛ لأنَّ الكُوزَ آلةُ شُربٍ، ما لم يَنوِ الشربَ من مائه، أو يقتضيهِ السببُ. ح ف وزيادة.
стр. 2066
فَصْلٌ
ومن حَلَفَ: لا يَدخُلُ دَارَ فُلانٍ (١)، أو: لا يَرْكَبُ دَابَّتَه: حَنِثَ بِمَا جَعَلَهُ لِعَبْدِهِ (٢)، أوْ آجَرَهُ، أو اسْتَأْجَرَهُ (٣). لا: بِمَا اسْتَعَارَهُ (٤). و: لا يُكَلِّمُ إنْسَانًا: حَنِثَ بكَلامِ كُلِّ إنْسَانٍ (٥)،
فَصْلٌ
(١) قوله: (لا يَدخُلُ دَارَ فُلانٍ) أي: ولا نيةَ، ولا سببَ مُخصِّصٌ فلانًا، أو مسكَنَه، أو ملكه. ح ف.
(٢) قوله: (حَنِثَ بِمَا جَعَلَه لعَبْدِه) من دارٍ أو دابةٍ وثوبٍ؛ لأنه ملكُ سيدِه. الوالد.
(٣) قوله: (أوْ آجَرَهُ، أو اسْتَأْجَرَهُ) وكذَا يحنثُ بدخولِ الدارِ المُوصَى له بمنفعَتِها، والموقُوفةِ على عَينهِ، أما الموقوفةُ على الجنسِ، فهي أقوى من المُعارِ؛ لأن المنفعةَ مستحقةٌ للجنسِ. ح ف.
(٤) قوله: (لا بِمَا اسْتَعَارَهُ) فلانٌ من هذِه؛ لأنه لا يملكُ منافِعَه، بل الإعارةُ: إباحةٌ، بخلافِ الإجارةِ. م ص [¬١].
(٥) قوله: (حَنِثَ بكَلامِ كُلِّ إنْسَانٍ) أي: ولا نيةَ، ولا سببَ يخصُّ إنسانًا بعينِه، ذكرًا أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، حرًا أو رقيقًا، عاقلًا أو مجنونًا؛ لأنه نكرةٌ في سياق النفي، فيعمُّ. م ص [¬٢] وزيادة.
стр. 2067
حتَّى بقَوْلِ: اسْكُتْ (١). و: لا كلَّمْتُ فُلانًا، فكَاتَبَهُ، أو رَاسَلَهُ: حَنِثَ (٢). و: لا بَدَأْتُ فُلانًا بكَلامٍ، فتَكَلَّمَا مَعًا: لم يَحْنَثْ. و: لا مِلْكَ لَهُ: لَمْ يَحْنَثْ بدَيْنٍ (٣). و: لا مَالَ لَهُ، أو: لا يَمْلِكُ مالًا: حَنِثَ بالدَّيْنِ (٤). و: ليَضْرِبَنَّ فُلانًا بِمِئَةٍ، فَجَمَعَها وضَرَبَه بِهَا ضَرْبةً واحِدَةً: بَرَّ (٥).
(١) قوله: (حتَّى بقَوْلِ: اسْكُتْ) أو تنحَّ، وزجره بكلِّ لفظٍ؛ لأنه كلامٌ، فيدخلُ فيما حلَف على عَدَمِه، إلَّا أن ينويَ كلامًا غيرَ هذا. ح ف وزيادة.
(٢) قوله: (أو رَاسَلَه، حَنِثَ) ما لم ينو مشافهتَه، إلَّا إذا أُرتِجَ عليه في صلاةٍ، ففتحَ عليه، وإن لم يكُن إمامًا له، فلا يحنَثْ؛ لأنه كلامُ اللَّه وليس كلامَ الآدميِّين. م ص [¬١].
(٣) قوله: (ولَا ملْكَ لَهُ، لَمْ يَحْنَثْ) أي: وإن حلَفَ: لا مِلكَ له، لم يحنثْ (بدَيْنٍ) له؛ لاختصاصِ الملكِ بالأعيانِ الماليَّةِ، والدينُ إنما يتعيَّنُ الملكُ فيما يقبضُه [¬٢] منه. م ص [¬٣].
(٤) قوله: (حَنِثَ بالدَّيْنِ) بملكِ مالٍ، ولو غير زكويٍّ كالعقارِ والأثاث. ومن باب أولى يحنثُ بالزكويِّ. ح ف.
(٥) قوله: (ضَرْبةً واحِدَةً، بَرَّ) لأنه ضربه بالمائة، قال شيخنا عثمان [¬٤]: لعل الفرقَ بينَها وبينَ التي بعدَها: أنَّ ما دخلت عليه الباءُ صادقٌ على الآلةِ، سواء
стр. 2068
لا: إنْ حَلَفَ ليَضْرِبَنَّهُ مِئَةً.
وَمَنْ حَلَفَ: لا يَسْكُنُ هَذِه الدَّارَ (١)، أوْ: لَيَخْرُجَنَّ، أوْ: لَيَرْحَلَنَّ مِنْهَا: لَزِمَه الخُرُوجُ بِنَفْسِهِ وأهْلِهِ ومَتَاعِهِ المَقْصُودِ (٢).
فإن أقامَ فَوْقَ زَمَنٍ يُمْكِنُهُ الخُرُوجُ فِيهِ عَادَةً (٣)
فُرِّقَت أو جُمِعَت، وما لم تدخل عليه الباءُ صادقٌ على الفعلاتِ، وهي لا تكونُ من شخصٍ إلَّا مرتبةً.
(١) قوله: (وَمَنْ حَلَفَ لا يَسْكُنُ هَذِه الدَّارَ … إلخ) أما إن أقامَ لنقلِ متاعهِ على العادةِ، كأنَ كانَ ذا متاعٍ كثيرٍ فنقلَه قليلًا قليلًا على العادةِ، فإنه لا يحنَث [¬١]، وإن قام أيامًا. ولا يلزمُه جمعُ دوابِّ البلدِ لنقلهِ، ولا النقلُ وقت الاستراحةِ عند التعبِ، ولا أوقاتِ الصلواتِ. ح ف.
(٢) قوله: (لَزِمَه الخُرُوجُ بنَفْسِهِ وأهْلِهِ) أما إن خرجَ بنفسِه دونَ أهلِه (ومَتَاعِهِ المَقْصُودِ)، أو دونَ أحدِهما، فإنه يحنَث؛ لأنه لا يكونُ منتقلًا بدونِ ذلك. والمرادُ بأهلِه: زوجتُه أو عائلتُه، إلَّا أنه لا يحنثُ في مسألةِ الزوجةِ الآتيةِ، إذا خرجَ وحدَه. والمراد بمتاعِه المقصودِ: الذي لا يَستغِني عنه السَّاكنُ. ح ف.
(٣) قوله: (يُمْكِنُهُ الخُرُوجُ فِيهِ عَادَةً) نهارًا. برفعِ «الخُروج»، فاعل «يمكنه»، أما إن كانَ في جَوفِ الليلِ، في وقتٍ لا يجد منزلًا يتحولُ إليه، أو يحول بينَه وبين المنزل أبوابٌ مقفلةٌ لا يمكنُه فتحُها، أو خوفٌ على نفسِه أو أهلِه أو مالِه، فأقامَ لطلبِ النُّقلةِ، أو لزوالِ المانِع [¬٢]، فإنه لا يَحنَث. ح ف.
стр. 2069
ولَمْ يَخْرُجْ: حَنِثَ (١).
فإنْ لَمْ يَجِدْ مَسْكَنًا (٢)، أوْ أبَتْ زَوْجَتُه الخُرُوجَ مَعَهُ، ولا يُمْكِنُهُ إجْبَارُهَا (٣)، فخرَجَ وحْدَهُ (٤): لَمْ يَحْنَثْ.
وكذَا: البَلَدُ (٥)، إلَّا أنَّه يَبَرُّ بِخُرُوجِهِ وحْدَه إذَا حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْهُ (٦).
(١) قوله: (حَنِثَ) بالاستدامةِ. م ص [¬١].
(٢) قوله: (فإنْ لَمْ يَجِدْ مَسْكَنًا) ينتقلُ إليه، أو لم يجد ما ينقلُه به من البهائِم، ولا يمكنُه النقلة بدونِه. الوالد.
(٣) قوله: (ولا يُمْكِنُه إجْبَارُهَا) أي: ولا يمكِنه النقلةُ بدُونها مع نيةِ النُّقلةِ إذا قَدَرَ. قيدٌ في المسائلِ الثلاثةِ، فلا يحنثُ فيها لو قام كذلكَ، بخلافِ ما إذا لم ينوهَا، أو أمكنت النقلةُ بدُونها، أي: الزوجةِ. الوالد.
(٤) قوله: (فخرَجَ وحْدَه) أي: بدونِ زوجتِه، فيما إذا أمكنته النُّقلةُ بدُونِها، لكن لا بدَّ من خُروج متاعِه المقصودِ معه، وإلا حنثَ. ح ف.
(٥) قوله: (وكذَا البَلَدُ) إن حلفَ ليخرجنَّ أو ليرحلنَّ من هذه البلدِ. م ص [¬٢].
(٦) قوله: (إلَّا أنَّه يَبَرُّ بِخُرُوجِهِ) من البلد. (وحْدَه إذَا حَلَفَ ليَخْرُجَنَّ مِنْهُ) أي: البلدِ؛ لأنه صدقَ عليه أنه خَرَجَ منه إذن، بخلافِ الدارِ؛ لأنه صاحبُها يخرج منها في اليوم مراتٍ عادةً، فظاهرُ حاله: أنه يريدُ غير ذَلِكَ المعتادِ، وعُلم منه: أنه لا يبرُّ بخروجِه وحدَه إذا حَلَفَ ليرحلنَّ من البلدِ، بل [¬٣] بأهلِه
стр. 2070
ولا يَحْنَثُ في الجَمِيعِ: بالعَوْدِ (١)، مَا لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ أوْ سَبَبٌ (٢).
والسَّفَرُ القَصِيرُ: سَفَرٌ يَبَرُّ بِهِ مَنْ حَلَفَ: لَيُسافِرَنَّ. ويَحْنَثُ بِهِ مَنْ حَلَفَ: لا يُسافِرُ. وَكَذا: النَّوْمُ اليَسِيرُ (٣).
وَمَنْ حَلَفَ: لا يَسْتَخْدِمُ فُلانًا، فَخَدَمَهُ (٤) وَهُو سَاكِتٌ (٥): حَنِثَ (٦).
ومتاعِه المقصودِ، على ما تقدَّم في الدار. م ص [¬١].
(١) قوله: (ولا يَحْنَثُ في الجَمِيعِ بالعَوْدِ) إلى الدارِ أو البلدِ.
(٢) قوله: (مَا لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ، أوْ سَبَبٌ) يقتَضي .. السفر الطويل .. [¬٢] أو المراد بالسفر القصير: ما دونَ مسافةِ القصرِ. ح ف.
(٣) قوله: (وَكَذا النَّوْمُ اليَسِيرُ) فيبرُّ به من حلفَ لينامنَّ، ويحنثُ به من حلفَ لا ينام. م ص [¬٣].
(٤) قوله: (لا يَسْتَخْدِمُ فُلانًا) مثلًا، حرًّا أو عبدًا (فَخَدَمَه) المحلوفُ عليه.
(٥) قوله: (وَهُو سَاكِتٌ) أي: والحالفُ ساكتٌ؛ بأن لم ينههُ، ومفهومُه: أنه إذا نهاهُ لا يحنَث. ح ف.
(٦) قوله: (حَنِثَ) لأن إقرارَه على خدمتِه استخدامٌ له، ولهذا يُقال: فلانٌ يستخدمُ عبدَه، إذا خدَمه، ولو بلا أمرِه. م ص [¬٤].