← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30066

فتح وهاب المآرب على دليل الطالب - ت الجماز

ابن عوض

Полный текст (2 241 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

فَصْلٌ ومن حَلَفَ: لا يَدخُلُ دَارَ فُلانٍ (١)، أو: لا يَرْكَبُ دَابَّتَه: حَنِثَ بِمَا جَعَلَهُ لِعَبْدِهِ (٢)، أوْ آجَرَهُ، أو اسْتَأْجَرَهُ (٣). لا: بِمَا اسْتَعَارَهُ (٤). و: لا يُكَلِّمُ إنْسَانًا: حَنِثَ بكَلامِ كُلِّ إنْسَانٍ (٥)، فَصْلٌ (١) قوله: (لا يَدخُلُ دَارَ فُلانٍ) أي: ولا نيةَ، ولا سببَ مُخصِّصٌ فلانًا، أو مسكَنَه، أو ملكه. ح ف. (٢) قوله: (حَنِثَ بِمَا جَعَلَه لعَبْدِه) من دارٍ أو دابةٍ وثوبٍ؛ لأنه ملكُ سيدِه. الوالد. (٣) قوله: (أوْ آجَرَهُ، أو اسْتَأْجَرَهُ) وكذَا يحنثُ بدخولِ الدارِ المُوصَى له بمنفعَتِها، والموقُوفةِ على عَينهِ، أما الموقوفةُ على الجنسِ، فهي أقوى من المُعارِ؛ لأن المنفعةَ مستحقةٌ للجنسِ. ح ف. (٤) قوله: (لا بِمَا اسْتَعَارَهُ) فلانٌ من هذِه؛ لأنه لا يملكُ منافِعَه، بل الإعارةُ: إباحةٌ، بخلافِ الإجارةِ. م ص [¬١]. (٥) قوله: (حَنِثَ بكَلامِ كُلِّ إنْسَانٍ) أي: ولا نيةَ، ولا سببَ يخصُّ إنسانًا بعينِه، ذكرًا أو أنثى، صغيرًا أو كبيرًا، حرًا أو رقيقًا، عاقلًا أو مجنونًا؛ لأنه نكرةٌ في سياق النفي، فيعمُّ. م ص [¬٢] وزيادة.

стр. 2067

حتَّى بقَوْلِ: اسْكُتْ (١). و: لا كلَّمْتُ فُلانًا، فكَاتَبَهُ، أو رَاسَلَهُ: حَنِثَ (٢). و: لا بَدَأْتُ فُلانًا بكَلامٍ، فتَكَلَّمَا مَعًا: لم يَحْنَثْ. و: لا مِلْكَ لَهُ: لَمْ يَحْنَثْ بدَيْنٍ (٣). و: لا مَالَ لَهُ، أو: لا يَمْلِكُ مالًا: حَنِثَ بالدَّيْنِ (٤). و: ليَضْرِبَنَّ فُلانًا بِمِئَةٍ، فَجَمَعَها وضَرَبَه بِهَا ضَرْبةً واحِدَةً: بَرَّ (٥). (١) قوله: (حتَّى بقَوْلِ: اسْكُتْ) أو تنحَّ، وزجره بكلِّ لفظٍ؛ لأنه كلامٌ، فيدخلُ فيما حلَف على عَدَمِه، إلَّا أن ينويَ كلامًا غيرَ هذا. ح ف وزيادة. (٢) قوله: (أو رَاسَلَه، حَنِثَ) ما لم ينو مشافهتَه، إلَّا إذا أُرتِجَ عليه في صلاةٍ، ففتحَ عليه، وإن لم يكُن إمامًا له، فلا يحنَثْ؛ لأنه كلامُ اللَّه وليس كلامَ الآدميِّين. م ص [¬١]. (٣) قوله: (ولَا ملْكَ لَهُ، لَمْ يَحْنَثْ) أي: وإن حلَفَ: لا مِلكَ له، لم يحنثْ (بدَيْنٍ) له؛ لاختصاصِ الملكِ بالأعيانِ الماليَّةِ، والدينُ إنما يتعيَّنُ الملكُ فيما يقبضُه [¬٢] منه. م ص [¬٣]. (٤) قوله: (حَنِثَ بالدَّيْنِ) بملكِ مالٍ، ولو غير زكويٍّ كالعقارِ والأثاث. ومن باب أولى يحنثُ بالزكويِّ. ح ف. (٥) قوله: (ضَرْبةً واحِدَةً، بَرَّ) لأنه ضربه بالمائة، قال شيخنا عثمان [¬٤]: لعل الفرقَ بينَها وبينَ التي بعدَها: أنَّ ما دخلت عليه الباءُ صادقٌ على الآلةِ، سواء

стр. 2068

لا: إنْ حَلَفَ ليَضْرِبَنَّهُ مِئَةً. وَمَنْ حَلَفَ: لا يَسْكُنُ هَذِه الدَّارَ (١)، أوْ: لَيَخْرُجَنَّ، أوْ: لَيَرْحَلَنَّ مِنْهَا: لَزِمَه الخُرُوجُ بِنَفْسِهِ وأهْلِهِ ومَتَاعِهِ المَقْصُودِ (٢). فإن أقامَ فَوْقَ زَمَنٍ يُمْكِنُهُ الخُرُوجُ فِيهِ عَادَةً (٣) فُرِّقَت أو جُمِعَت، وما لم تدخل عليه الباءُ صادقٌ على الفعلاتِ، وهي لا تكونُ من شخصٍ إلَّا مرتبةً. (١) قوله: (وَمَنْ حَلَفَ لا يَسْكُنُ هَذِه الدَّارَ … إلخ) أما إن أقامَ لنقلِ متاعهِ على العادةِ، كأنَ كانَ ذا متاعٍ كثيرٍ فنقلَه قليلًا قليلًا على العادةِ، فإنه لا يحنَث [¬١]، وإن قام أيامًا. ولا يلزمُه جمعُ دوابِّ البلدِ لنقلهِ، ولا النقلُ وقت الاستراحةِ عند التعبِ، ولا أوقاتِ الصلواتِ. ح ف. (٢) قوله: (لَزِمَه الخُرُوجُ بنَفْسِهِ وأهْلِهِ) أما إن خرجَ بنفسِه دونَ أهلِه (ومَتَاعِهِ المَقْصُودِ)، أو دونَ أحدِهما، فإنه يحنَث؛ لأنه لا يكونُ منتقلًا بدونِ ذلك. والمرادُ بأهلِه: زوجتُه أو عائلتُه، إلَّا أنه لا يحنثُ في مسألةِ الزوجةِ الآتيةِ، إذا خرجَ وحدَه. والمراد بمتاعِه المقصودِ: الذي لا يَستغِني عنه السَّاكنُ. ح ف. (٣) قوله: (يُمْكِنُهُ الخُرُوجُ فِيهِ عَادَةً) نهارًا. برفعِ «الخُروج»، فاعل «يمكنه»، أما إن كانَ في جَوفِ الليلِ، في وقتٍ لا يجد منزلًا يتحولُ إليه، أو يحول بينَه وبين المنزل أبوابٌ مقفلةٌ لا يمكنُه فتحُها، أو خوفٌ على نفسِه أو أهلِه أو مالِه، فأقامَ لطلبِ النُّقلةِ، أو لزوالِ المانِع [¬٢]، فإنه لا يَحنَث. ح ف.

стр. 2069

ولَمْ يَخْرُجْ: حَنِثَ (١). فإنْ لَمْ يَجِدْ مَسْكَنًا (٢)، أوْ أبَتْ زَوْجَتُه الخُرُوجَ مَعَهُ، ولا يُمْكِنُهُ إجْبَارُهَا (٣)، فخرَجَ وحْدَهُ (٤): لَمْ يَحْنَثْ. وكذَا: البَلَدُ (٥)، إلَّا أنَّه يَبَرُّ بِخُرُوجِهِ وحْدَه إذَا حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْهُ (٦). (١) قوله: (حَنِثَ) بالاستدامةِ. م ص [¬١]. (٢) قوله: (فإنْ لَمْ يَجِدْ مَسْكَنًا) ينتقلُ إليه، أو لم يجد ما ينقلُه به من البهائِم، ولا يمكنُه النقلة بدونِه. الوالد. (٣) قوله: (ولا يُمْكِنُه إجْبَارُهَا) أي: ولا يمكِنه النقلةُ بدُونها مع نيةِ النُّقلةِ إذا قَدَرَ. قيدٌ في المسائلِ الثلاثةِ، فلا يحنثُ فيها لو قام كذلكَ، بخلافِ ما إذا لم ينوهَا، أو أمكنت النقلةُ بدُونها، أي: الزوجةِ. الوالد. (٤) قوله: (فخرَجَ وحْدَه) أي: بدونِ زوجتِه، فيما إذا أمكنته النُّقلةُ بدُونِها، لكن لا بدَّ من خُروج متاعِه المقصودِ معه، وإلا حنثَ. ح ف. (٥) قوله: (وكذَا البَلَدُ) إن حلفَ ليخرجنَّ أو ليرحلنَّ من هذه البلدِ. م ص [¬٢]. (٦) قوله: (إلَّا أنَّه يَبَرُّ بِخُرُوجِهِ) من البلد. (وحْدَه إذَا حَلَفَ ليَخْرُجَنَّ مِنْهُ) أي: البلدِ؛ لأنه صدقَ عليه أنه خَرَجَ منه إذن، بخلافِ الدارِ؛ لأنه صاحبُها يخرج منها في اليوم مراتٍ عادةً، فظاهرُ حاله: أنه يريدُ غير ذَلِكَ المعتادِ، وعُلم منه: أنه لا يبرُّ بخروجِه وحدَه إذا حَلَفَ ليرحلنَّ من البلدِ، بل [¬٣] بأهلِه

стр. 2070

ولا يَحْنَثُ في الجَمِيعِ: بالعَوْدِ (١)، مَا لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ أوْ سَبَبٌ (٢). والسَّفَرُ القَصِيرُ: سَفَرٌ يَبَرُّ بِهِ مَنْ حَلَفَ: لَيُسافِرَنَّ. ويَحْنَثُ بِهِ مَنْ حَلَفَ: لا يُسافِرُ. وَكَذا: النَّوْمُ اليَسِيرُ (٣). وَمَنْ حَلَفَ: لا يَسْتَخْدِمُ فُلانًا، فَخَدَمَهُ (٤) وَهُو سَاكِتٌ (٥): حَنِثَ (٦). ومتاعِه المقصودِ، على ما تقدَّم في الدار. م ص [¬١]. (١) قوله: (ولا يَحْنَثُ في الجَمِيعِ بالعَوْدِ) إلى الدارِ أو البلدِ. (٢) قوله: (مَا لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ، أوْ سَبَبٌ) يقتَضي .. السفر الطويل .. [¬٢] أو المراد بالسفر القصير: ما دونَ مسافةِ القصرِ. ح ف. (٣) قوله: (وَكَذا النَّوْمُ اليَسِيرُ) فيبرُّ به من حلفَ لينامنَّ، ويحنثُ به من حلفَ لا ينام. م ص [¬٣]. (٤) قوله: (لا يَسْتَخْدِمُ فُلانًا) مثلًا، حرًّا أو عبدًا (فَخَدَمَه) المحلوفُ عليه. (٥) قوله: (وَهُو سَاكِتٌ) أي: والحالفُ ساكتٌ؛ بأن لم ينههُ، ومفهومُه: أنه إذا نهاهُ لا يحنَث. ح ف. (٦) قوله: (حَنِثَ) لأن إقرارَه على خدمتِه استخدامٌ له، ولهذا يُقال: فلانٌ يستخدمُ عبدَه، إذا خدَمه، ولو بلا أمرِه. م ص [¬٤].

стр. 2071

و: لا يَبَاتُ، أوْ: لا يَأكُلُ ببَلَدِ كَذَا، فبَاتَ أوْ أكَلَ خَارِجَ بُنْيَانِهِ: لَمْ يَحْنَثْ. وفِعْلُ الوَكِيلِ (١): كالمُوَكِّلِ. فمَن حَلَفَ: لا يَفْعَلُ كَذَا، فوكَّلَ فِيهِ مَنْ يَفْعَلُهُ: حَنِثَ (٢). (١) قوله: (وفِعْلُ الوَكِيلِ) أي: وكيل الحالِف في كلِّ ما تقدَّم ونظائرِه. م ص [¬١]. (٢) قوله: (فوكَّل فِيهِ مَنْ يَفْعَلُهُ حَنِثَ) وفي «المستوعب»: أنه إذا قصدَ بيمينه أنه لا يتولَّى هو فعله، فلا يحنث إذا أمَر غيرَه بفعلِه، ففعلَه. ذكره ابن أبي موسى، ولعله مرادُ من أطلقَ. ح ف.

стр. 2072

بابُ النَّذْرِ وَهُو (١): مَكْرُوهٌ (٢)، لا يَأْتِي بِخَيْرٍ (٣)، ولا يَرُدُّ قَضَاءً (٤). ولا يَصِحُّ: إلَّا بِالقَوْلِ (٥)، مِنْ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ. بابُ النَّذرِ وهو لغةً: الإيجابُ، يقال: نذرَ دم فلانٍ: أوجَب قتلَه. وشرعًا: إلزامُ مكلَّف مختارٍ، ولو كافرًا، بعبادةٍ، نفسَه مفعول إلزام للَّه متعلق بإلزام بكلِّ قولٍ يدلُّ على الإلزَامِ فلا يختصُّ: ب: للَّه عليّ. ولا ينعقدُ بغيرِ القولِ، كالنكاحِ والطلاقِ شيئًا مفعول ثانٍ لإلزام غيرَ لازمٍ بأصل الشرع ولا مُحال. بخلاف: للَّه عليّ أن أجمعَ بينَ الضدينِ، فلا ينعقدُ. فلا تكفِي نيةُ الإلزامِ عن القول، كاليمينِ. فلا ينعقدُ من غيرِ مكلَّفٍ، كالإقرار، ولا مُكرَهٍ، ولا بغَيرِ قول، إلَّا من أخرس بإشارةٍ مفهومةٍ، كيمينِه. م ص [¬١] وزيادة. (١) قوله: (وَهُو) أي: النذرُ. (٢) قوله: (مَكْرُوهٌ) أي: وإن كانَ عبادةً. ح ف. (٣) قوله: (لا يَأْتِي بِخَيْرٍ) أي: لا يجلبُ نعمةً، وإنما يُستخرجُ به من البخيلِ. م ص [¬٢]. (٤) قوله: (ولا يَرُدُّ قَضَاءً) أي: لا يدفعُ نقمةً، ولا يملِكُ به شيئًا مُحدثًا. (٥) قوله: (ولا يَصِحُّ إلَّا بِالقَوْلِ) أي: ولا يصحُّ النذرُ بغير قولٍ، كاليمينِ؛ لأنه

стр. 2073

وأَنْواعُهُ المُنْعَقِدَةُ سِتَّةٌ (١)، أَحْكَامُهَا مُخْتَلِفَةٌ: أَحَدُهَا: النَّذْرُ المُطْلَقُ. كقَوْلِه: للَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ. فيَلْزَمُهُ: كَفَّارَةُ يَمِينٍ (٢). وَكَذَا: إنْ قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ فَعَلْتُ كَذَا، ثُمَّ يَفْعَلُهُ. الثَّانِي: نَذْرُ لَجَاجٍ وغَضَبٍ (٣). ك: إنْ كَلَّمْتُكَ (٤)، التزامٌ، فلم ينعقدِ بغيرِ القولِ، كالنكاح والطلاق. قاله في «المبدع». ومقتَضَى تشبيهه بالطلاقِ صحتُه بالكتَابةِ [¬١]، ومقتضى تشبيهِه بالنكاح عدمُ انعقاده بها، لكنَّ النكاحَ أضيقُ؛ لأنه لا يصحُّ إلَّا بلفظٍ مخصوصٍ، بخلافِ النذرِ. ش ع [¬٢]. (١) قوله: (وأَنْواعُهُ المُنْعَقِدَةُ … إلخ) أي: أقسامُه سِتَّةٌ. (٢) قوله: (للَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ … إلخ) أو للَّه عليَّ نذرٌ [¬٣]، سواءٌ أطلقَ، أو قال: إن فعلتُ كذا. وفعلَه، ولم ينوِ بنذرِه شيئًا مُعينًا (فيَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) بمجرَّدِ النذرِ في الأولى، وبفعلِ المعلَّقِ عليه في الثانيةِ. (٣) قوله: (نَذْرُ لَجَاجٍ وغَضَبٍ) وهو تعليقُ نذرِه بشرطٍ، يقصدُ المنع من فِعلِ شيءٍ، أو الحَملَ عليه؛ بأن يُلزِمَ نفسَه بفعلِه، أو يقصدُ التصديقَ أو التكذيبَ. عثمان [¬٤]. (٤) قوله: (ك: إنْ كَلَّمْتُكَ) هذا مثال لقوله: بشرطٍ يقصدُ المنع من فعل شيءٍ «فعليَّ الحجُّ أو العتقُ .. إلخ».

стр. 2074

أوْ: إنْ لَمْ أُعْطِكَ (١)، أوْ: إنْ كَانَ هَذَا كَذَا، فَعَلَيَّ الحَجُّ، أو: العِتْقُ، أوْ: صَوْمُ سَنَةٍ، أو: مَالِي صَدَقَةٌ. فيُخَيَّرُ: بَيْنَ الفِعْلِ (٢)، أوْ كَفَّارَةِ يَمِينٍ. الثَّالِثُ: نَذْرُ مُبَاحٍ (٣). ك: للَّهِ عَلَيَّ أنْ ألبَسَ ثَوْبِي (٤)، أوْ: أرْكَبَ دَابَّتِي. فيُخَيَّرُ أيضًا (٥). الرَّابِعُ: نَذْرُ مَكْرُوهٍ (٦). ك: طَلاقٍ (٧)، (١) قوله: (أوْ إنْ لَمْ أعْطِكَ كذا … إلخ) مثالٌ لقولِه: أو الحَملَ .. إلخ. «فعليَّ الحجُّ .. إلخ». (٢) قوله: (فيُخَيَّرُ بَيْنَ الفِعْلِ) أي: بأن يمتنعَ منه في المنعِ، ويفعلَه في الحملِ. ح ف. (٣) قوله: (الثَّالِثُ: نَذْرُ مُبَاحٍ) وانعقادُه من المُفرداتِ. ح ف. قوله: «نذر مباح». أي: فِعلِ مُباحٍ، فهو صفةٌ لموصُوفٍ محذوفٍ. (٤) قوله: (ك: للَّهِ) أي: كقوله: للَّه (عَلَيَّ أنْ ألْبِسَ ثَوْبِي). (٥) قوله: (فيُخَيَّرُ أيضًا) بينَ فعلِه وكفارةِ يمينٍ، كما لو حَلَفَ عليه. وروى أبو داود: أنَّ امرأةً أتتِ النبيَّ ﷺ فقالت: إني نذرتُ أن أضرب على رأسكَ بالدُّفِّ. فقال لها رسولُ اللَّه ﷺ : «أوفِ بنذرِكِ» [¬١]. م ص [¬٢]. (٦) قوله: (نَذْرُ مَكْرُوهٍ) أي: نذرُ فعلِ مكروهٍ. (٧) قوله: (كطَلاقٍ) أي: كنذر طلاقِ زوجتِه في حالِ عدمِ الحاجةِ إليه. ح ف.

стр. 2075

وَنَحْوِهِ (١). فَيُسَنُّ: أنْ يُكَفِّرَ ولا يَفْعَلَهُ (٢). الخَامِسُ: نَذْرُ مَعْصِيَةٍ (٣). كشُرْبِ الخَمْرِ، وصَوْمِ يَوْمِ العِيدِ، وَنَحْوِهِ (٤). (١) قوله: (وَنَحْوِهِ) كأكل ثُومٍ وبَصلٍ نَيءٍ. (٢) قوله: (ولا يَفْعَلُهُ) كما لو حَلَفَ. م ص [¬١]. (٣) قوله: (الخَامِسُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ) أي: نذرٌ على فعل معصيةٍ، أي: سواءٌ كانَ مطلقًا، أو معلقًا بشرطٍ. وانعقادُه من المُفردات، ومن ذلك: إسراجُ القبرِ والشجرةِ، والنذرُ لها، أو للمغارةِ، أو القبرِ، إذا نذر لذَلِكَ، أو لسُكانِه، أو المُضافين لذَلِكَ المكان. قاله الشيخ تقي الدين. وقال أيضًا: والنذرُ للقبورِ، كالنذرِ لإبراهيمَ الخليلِ، والشيخِ فلانٍ، نذرُ معصيةٍ لا يجوزُ الوفاءُ به. وإذا تصدَّق بما نذرَه من ذَلِكَ على من يستحقُه من الفقراءِ والصالِحين، كانَ خيرًا له عند اللَّه وأنفع. وقال فيمَن نذرَ قنديلَ نقدٍ للنبيِّ ﷺ : يُصرفُ لجيرانِ النبيِّ ﷺ قيمتُه، وأنه أفضلُ من الختمةِ. قوله: إنه أفضلُ من الختمةِ، لعلَّ وجهَ ذَلِكَ: أن النفعَ في الأول مُتعدٍّ، وفي الختمةِ قاصرٌ. وقال: وأما مَنْ نذرَ للمساجدِ ما تنوَّر به، أو يُصرفُ في مصالِحها، فهذا نذرُ برٍّ، فيوفي بنذرِه. ح ف. (٤) قوله: (وَنَحْوِهِ) كأيام تَشريقٍ.

стр. 2076

فيَحْرُمُ: الوَفَاءُ (١)، ويُكَفِّرُ (٢)، ويَقْضِي الصَّوْمَ (٣). السَّادِسُ: نَذْرُ تَبَرُّرٍ (٤). كصَلاةٍ وصِيَامٍ، ولَوْ وَاجِبَيْنِ، وَاعْتِكَافٍ، وصَدَقَةٍ (٥)، وحَجٍّ، وعُمْرَةٍ (٦)؛ بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ (٧). (١) قوله: (فيَحْرُمُ الوَفَاءُ) به؛ لأن النذرَ كاليمين، واليمينُ يُفعلُ فيها كذَلِكَ، فكذَلِكَ النذرُ. ح ف. (٢) قوله: (ويُكَفِّرُ) مَنْ لم يفعلْه أي: نذرَ المعصيةِ كفارةَ يمينٍ. (٣) قوله: (ويَقْضِي الصَّوْمَ) يعني: أنه لو كانَ المنذورُ صيامًا محرمًا كعيدٍ وأيامِ تشريقٍ، ويجبُ صيامٌ بدله بعدَه، ولا يجوزُ صومُه، فلو نذرَ صوم يومِ حَيضٍ أو نفاس، فإنه لا يجوز صومُه، ولا بدَله، ويلزمُه كفارةُ يمينٍ إن لم يصمهُ. ح ف. (٤) قوله: (السَّادِسُ: نَذْرُ تَبَرُّرٍ) أي: تقربٍ؛ لأنه نذرُ ما يُتقربُ به إلى اللَّه تعالى مِنْ القُربِ، وهو نذرٌ مستحبٌّ، فلو جمعَ بينه وبينَ نذرِ المُباحِ، لزمه الوفاءُ بنذرِ التبررِ وهو في المُباح، كما لو انفردَ، ولو جَمَعَ مع التبررِ نذرَ معصيةٍ، لزمهُ وفاءُ التبررِ، وكَفَّرَ للمعصيةِ. ح ف. (٥) قوله: (وَاعْتِكَافٍ وصَدَقَةٍ) بما [¬١] لا يضرُّه ولا عيالَه ولا غَريمه. م ص [¬٢]. (٦) قوله: (وحَجٍّ وعُمْرَةٍ) وزيارةِ أخٍ في اللَّه، وعيادةِ مريضٍ، وشهودِ جنازةٍ. م ص [¬٣]. (٧) قوله: (بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ) مُطلقًا. أي: غيرَ معلقٍ بشرطٍ.

стр. 2077

أوْ يُعلِّقُ ذَلكَ بِشَرْطِ حُصُولِ نِعْمَةٍ، أوْ دَفْعِ نِقْمَةٍ (١)، ك: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي (٢)، أو سَلِمَ مالِي، فعَلَيَّ كذَا. فهَذَا: يَجِبُ الوَفَاءُ بِهِ (٣). (١) قوله: (أوْ يَعلِّقَ ذَلكَ بشَرْطِ حُصُولِ) أي: وجُود (نعمةٍ) يرجُوها. قوله: (أوْ دَفْعِ نِقْمَةٍ) يخافها. (٢) قوله: (ك: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي … إلخ) أي: كقوله: إن شفى اللَّه مريضي … إلخ، لأتصدَّقنَّ بكَذَا. (٣) قوله: (فهَذَا يَجِبُ الوَفَاءُ بِهِ) أي: فهذا نذرٌ صحيحٌ، وإن لم يصرِّح بذكرِ النذر؛ لأن دلالة الحالِ تدلُّ على إرادةِ النذرِ، فمتَى وُجِدَ شَرطُه، إن كانَ النذر معلقًا، انعقدَ نذرُه، ولزمُه فعلُه. أما غيرُ المعلَّقِ فيلزمُ بمجرَّد النذرِ. قال الشيخ تقي الدين: قولُ القائل: لئن ابتلاني اللَّه لأصبرنَّ. ولئن لَقيتُ العدو لأجاهِدَنَّ. ولو عَلمتُ أيَّ العملِ أحبَّ إلى اللَّه لعملتُه، نذرٌ معلق بشرطٍ، كقول الآخر: ﴿لئن أتانا من فضله لنصدقن﴾ [التّوبَة: ٧٥] الآية. ونظيرُ ابتداءِ الإيجاب تمني [¬١] لقاء العدو، ويشبهُه سؤالُ الإمارةِ، فإيجابُ [¬٢] المؤمنِ على نفسِه إيجابًا لم يحتج إليه بنذرٍ وعهدٍ وطلبٍ وسؤالٍ، جَهلٌ منه وظُلمٌ. وقوله: لو ابتلاني اللَّه، لصبرتُ، ونحو ذَلِكَ، إن كانَ وَعدًا أو التزامًا، فنذرٌ، وإن كانَ خبرًا عن الحال، ففيه تزكيةُ النفسِ، وجهلٌ بحقيقةِ حالها. انتهى. ويجوزُ إخراجُ ما نذرهُ من الصدقةِ، وفعلُ ما نذَره من الطَّاعةِ قبلَ وجُود ما عُلِّقَ عليه؛ لوجُودِ سببِه وهو النذرُ، كإخراج كفَّارةِ يمينٍ قبل الحِنث. ح ف وزيادة.

стр. 2078

فَصْلٌ وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ (١): لَزِمَهُ صَوْمُهُ مُتتَابِعًا (٢). فَإنْ أفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ: حَرُمَ، ولَزِمَهُ اسْتِئْنافُ الصَّوْمِ (٣)، مَعَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ؛ لِفَوَاتِ المَحِلِّ (٤). ولعُذْرٍ (٥): بَنَى، ويُكَفِّرُ؛ لِفَوَاتِ التَّتَابُعِ. ولَوْ نَذَرَ شَهْرًا مُطْلَقًا (٦)، أوْ: صَوْمًا مُتَتابِعًا، غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِزَمَنٍ: فَصْلٌ (١) قوله: (وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ) كالمُحرَّمِ. (٢) قوله: (لَزِمَه صَوْمُهُ مُتتابِعًا) لأنه أوجبَه على نفسِه كذَلِكَ بتعبيرِه بالشَّهر؛ إذ القضاءُ يكونُ بصفةِ الأداءِ فيما يمكنُ. م ص [¬١]. (٣) قوله: (ولَزِمَهُ اسْتِئْنافُ الصَّوْمِ) أي: ولزمه أن يستأنفَ صومَ شهرٍ مِنْ عَقِبِ اليومِ الذي أفطَره وجُوبًا. ح ف. (٤) قوله: (لفَوَاتِ المَحِلِّ) فيما يصومُه بعد الشهر. م ص [¬٢]. (٥) قوله: (ولعُذْرٍ) أي: وإن أفطر منه يومًا فأكثَرَ لعُذرٍ، كمرضٍ وسفرٍ وحيضٍ، بنَى على ما صامَه، وقضى ما أفطرَه متتابِعًا مُتصلًا بتمامِه، وكفّر؛ لفواتِ المحلِّ. م ص [¬٣] وزيادة. (٦) قوله: (ولَوْ نَذَرَ شَهْرًا مُطْلَقًا) بأن أطلَق نذرَه، فلم يقيِّده بشهرٍ معينٍ بالقول

стр. 2079

لَزِمَهُ التَّتَابُعُ (١). فَإنْ أفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ: لَزِمَهُ اسْتِئْنافُهُ بِلا كَفَّارَةٍ (٢). ولعُذْرٍ: خُيِّرَ بَيْنَ اسْتِئنَافِهِ ولا شَيْءَ عَلَيْهِ (٣)، وبَيْنَ البِنَاءِ (٤) وَيُكَفِّرُ (٥). وَلِمَنْ نَذَرَ صَلاةً جَالِسًا: أنْ يُصَلِّيَهَا قَائِمًا (٦). أو النية. ح ف. (١) قوله: (لَزِمَهُ التَّتَابُعُ) لأن إطلاقَ الشهرِ يقتَضي التتابعَ، ثم هو مخيَّر في ابتدائِه، فإن شاء صامَ شهرًا هلاليًّا من أوَّلِه، ولو ناقِصًا، وإن شاءَ ابتدأ من أثناءِ شهرٍ، فيصومُ ثلاثينَ يومًا. ح ف. (٢) قوله: (فَإنْ أفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، لَزِمَهُ اسْتِئْنافُهُ) أي: فإن قطع الصومَ بغيرِ عُذرٍ، لزمهُ استئنافُه؛ لئلا يفوت التتابعُ. ولا كفَّارةَ، كما في «المغني» و «المستوعب» لأنها لفواتِ المحلِّ. وغيرُ المعينِ يجوزُ فعلُه في كلِّ الأوقاتِ. ح ف. (٣) قوله: (ولا شَيْءَ عَلَيْهِ) أي: ولا كفارةَ عليه؛ لفعلِه المنذورَ على وجهِه. م ص [¬١]. (٤) قوله: (وبَيْنَ البِنَاءِ) على ما مضَى، ويتمُّ ثلاثينَ يومًا. (٥) قوله: (ويُكَفِّرُ) لما حلَفَ عليه؛ لأنه لم يأتِ بالنذر على وَجهِه. م ص [¬٢]. (٦) قوله: (أنْ يُصَلِّيَهَا قَائِمًا) لإتيانه بأفضلَ ممَّا نذَرَ. وظاهِرُه: ولا كفارةَ. م ص [¬٣].

стр. 2080

كِتَابُ القَضَاءِ وَهُوَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ (١). كتابُ القَضَاءِ وهو فيَ اللَّغة: إحكامُ الشيءِ، والفراغُ منه، ومنه: ﴿فقضاهن سبع سموات في يومين﴾ [فُصّلَت: ١٢]. وقوله تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم﴾ [البَقَرَة: ٢٠٠]. أي: أدَّيتُموها وفرغتُم مِنها. واصطلاحًا: تبيينُ الحُكمِ الشَّرعيِّ، والإلزامُ به، وفصلُ الخصوماتِ. وجمعه أقضيةٌ. وإذا أجمعَ أهلُ بلدٍ على تَركِه أَثمُوا. وولايتُه رتبةٌ [¬١] دينيةٌ ونصبةٌ شرعيةٌ، وفيه فضلٌ عظيمٌ لمن قَويَ على القيامِ به وأداءِ الحقِّ. قال الشيخ: والواجبُ اتخاذُها دينًا وقُربةً، فإنها من أفضلِ القرباتِ، وإنما فَسَدَ حالُ الأكثَر لطلبِ الرياسةِ والمالِ بها. انتهى. وفيه خطرٌ عظيم، ووزرٌ كبير لمن لم يؤدِّ الحقَّ فيه. فمن عَرَفَ الحقَّ ولم يَقض به، أو قَضَى على جَهلٍ، ففي النار، ومن عَرَفَ الحقَّ وقضَى به، ففي الجنةِ. وأركانُه خمسةٌ: القاضِي، والمَقضيُّ به، والمقضيُّ فيه، والمقضيُّ له، والمقضيُّ عليه. «إقناع» وزيادة. (١) قوله: (وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ) كالإمامةِ.

стр. 2081

فَيَجِبُ عَلَى الإمَامِ (١): أَنْ يَنْصِبَ بِكُلِّ إقْلِيمٍ قَاضِيًا. ومن فرض الكفاية: دفعُ ضررِ المسلمين، كسترِ العارِي وإشباعِ الجائعِ على القادرين إن عَجَزَ بيتُ المال، أو تعذَّر الأخذُ منه. والصنائِعِ المُباحةِ المُحتاجِ إليها، ومنها الزرع والغرسُ، وسدُّ البثوقِ، وحفرُ الأنهارِ والآبارِ، وكريهِا وهو تنظيفُها وعمل القناطرِ والجسورِ والأسوارِ، وإصلاحِها، وإصلاحِ الطُّرقِ والجوامِع والمساجدِ [¬١]. وتعليمِ الكتابِ والسنةِ، وسائرِ العُلوم الشرعيةِ، وما يتعلقُ بها من حسابٍ ونحوِه، ولغةٍ، وصرفٍ، وقراءاتٍ، وتجويدِها. ح ف. (١) قوله: (فَيَجِبُ عَلَى الإمَامِ … إلخ) لأنَّ الإمامَ هو القائمُ بأمرِ الرعيَّةِ، المتكلمُ بمصلحتِهم، المسؤولُ عنهم، فيبعثُ القضاةَ إلى الأمصارِ، كفعل النبيِّ ﷺ والصحابةِ، وللحاجةِ إلى ذَلِكَ؛ لئلا يتوقفَ الأمرُ على السفرِ إلى الإمام، فتضيع الحقوقُ؛ لما في السفر إليه من المشقةِ. وبعثَ ﵇ عليًّا قاضيًا إلى اليمن، وولَّى عمرُ شُريحًا قضاءَ الكوفةِ، وكعبَ بن سُور قضاءَ البصرةِ، وغيرِ ذَلِكَ. والإقليم، بكسر الهمزةِ: أحدُ الأقاليمِ السبعةِ، وهي: إقليمُ السِّندِ، والحجازِ، وإقليمُ مصرَ، وإقليمُ بابلَ، وإقليمُ الرومِ

стр. 2082

وَيَخْتَارُ لِذَلكَ (١) أفْضَلَ مَنْ يَجِدُ عِلْمًا وَوَرَعًا (٢). وَيَأْمُرُهُ بالتَّقْوَى (٣) وتَحَرِّي العَدْلِ (٤). وَتَصِحُّ وِلايَةُ القَضَاءِ وَالإمَارَةِ (٥): مُنَجَّزَةً، وَمُعَلَّقَةً (٦). والشامِ، وإقليمُ بلادِ الترك، وإقليمُ بلاد الصينِ؛ لأن الإمامَ لا يُمكنه مباشرةُ الخُصوماتِ في جميعِ البلدان بنفسِه. ح ف وزيادة. (١) قوله: (وَيَخْتَارُ) أي: ويجبُ على الإمامِ أن يختار (لِذَلكَ) أي: نصب القُضاةِ. (٢) قوله: (أفْضَلَ مَنْ يَجِدُ عِلْمًا وَوَرَعًا) لأنَّ الإمامَ ينظُر للمسلمين، فوجبَ عليه تحري الأصلحِ لهم. م ص [¬١]. (٣) قوله: (وَيَأْمُرُهُ بالتَّقْوَى) أي: الإمام إذا ولَّاهُ «بالتقوى»؛ لأنها رأسُ الأمر وملاكُه. م ص [¬٢]. (٤) قوله: (وتَحَرِّي العَدْلِ) أي: ويأمرُه بتحرَّي العدلِ، أي: إعطاء الحقِّ لمستحقِّه بلا ميلٍ؛ لأنه المقصودُ من القَضاء. م ص [¬٣]. (٥) قوله: (وَالإمَارَةِ) أي: وتصحُّ توليةُ إمارة [¬٤] بلد أو جَيشٍ، أو سريةٍ. م ص [¬٥]. (٦) قوله: (وَمُعَلَّقَةً) بشرطٍ، نحو قولِ الإمامِ: إن ماتَ فلانٌ القاضِي، أو الأميرُ،

стр. 2083

وشُرِطَ لصِحَّةِ التَّوْلِيَةِ: كَوْنُهَا مِنْ إِمَامٍ، أوْ نَائِبِهِ (١) فِيهِ (٢). وَأَنْ يُعَيِّنَ لَهُ مَا يُوَلِّيهِ فِيهِ الحُكْمَ مِنْ عَمَلٍ وَبَلَدٍ (٣). ففلانٌ عوضُه؛ لحديث: «أميركم زيد، فإن قُتِلَ فجعفر، فإن قتل فعبد اللَّه بن رواحة» [¬١]. م ص [¬٢]. (١) قوله: (كَوْنُهَا مِنْ إِمَامٍ أوْ نَائِبِهِ) فلو خَلِيَ البلدُ من قاضٍ، فأجمعَ أهلُ البلدِ وقلَّدوا قاضِيًا عليهم، فإن كانَ الإمام مفقودًا، صح ونفذَتْ أحكامُه عليهم، وإن كانَ موجُودًا، لم يصحَّ، فإن لم يكُن، فيجدَّدُ بعد ذَلِكَ لم يَستدِمْ هذا القَاضي النظرَ إلَّا بعدَ إذنِه، ولا يُنقض ما تقدَّم مِنْ حُكمه. ويُستثنَى من اشتراط تولية الإمام أو نائبه توليةُ المُحكم، فإنها تصحُّ من غَيرِ توليتِهما. ح ف. قوله: «أو نائبه». أي: بأن يفوِّض إلى إنسان توليةَ القَضاء؛ لأن للإمام تولِّي ذَلِكَ، فجَازَ له التوكيلُ فيه، كالبيع، فإن فوَّضَ له اختيارَ قاضٍ، جازَ، ولا يجوزُ له اختيارُ نفسِه، ولا ولدِه، ولا والدِه. ح ف. (٢) قوله: (فِيهِ) أي: القضاءِ؛ لأنها من المصالح العامَّةِ، كعقَدِ الذمَّةِ. فالظرفُ متعلِّق بقولِه: «وشُرِطَ لصحَّة .. إلخ». (٣) قوله: (وَأَنْ يُعَيِّنَ) عطف على الكونِ بعدَ سبكِه بمصدرٍ، أي: وشُرِطَ لصحةِ التوليةِ كونُها .. الخ، وتَعيينُ ما يولِّيه الإمامُ أو نائبُه. وقوله: «مِنْ عَمَلٍ وَبَلَدٍ» بيانٌ ل: «ما» في قوله: «ما يولِّيه فيه». أي: ما

стр. 2084

وَألْفَاظُ التَّوْلِيَةِ الصَّرِيحَةُ سَبْعَةٌ: ولَّيْتُكَ الحُكْمَ، أوْ: قَلَّدْتُكَهُ (١). و: فَوَّضْتُ (٢)، أوْ: رَدَدْتُ (٣)، أوْ: جَعَلْتُ إلَيْكَ الحُكْمَ. و: استَخْلَفْتُكَ (٤)، و: اسْتَنَبْتُكَ في الحُكْمِ. وَالكِنَايَةُ (٥) نَحْوُ: اعتَمَدْتُ، أوْ: عَوَّلْتُ عَلَيْكَ. و: وكَّلْتُ، أوْ: أسْنَدْتُ إلَيْكَ. يَجمَع بلاداً وقُرى متفرِّقة، كمِصرَ ونَواحِيها؛ ليعلَم محلَّ ولايتِه، فيحكُم فيه دُون غيرِه. م ص [¬١]. (١) قوله: (أوْ قَلَّدْتُكَهُ) أي: قلدتُكَ الحُكمَ. (٢) قوله: (وفَوَّضْتُ) إليكَ الحُكمَ. (٣) قوله: (أوْ رَدَدْتُ) إليك الحُكمَ. (٤) قوله: (واستَخْلَفْتُكَ) في الحُكم. فإذا وُجِدَت هذه الألفاظُ السبعةُ، وقَبِلَ مولَّى، بفتح اللام، حاضرٌ بالمجلس، انعقدَت الولايةُ، أو قَبِلَ التوليةَ غائبٌ عن المجلس بعدَ بلوغِ الولايةِ له، أو شرَع الغائبُ في العَملِ، انعقدَت؛ لدلالةِ شُروعِه في العملِ على القبولِ، كالوكالةِ. ولابدَّ في القبول أن يكون على الفَور في التوليةِ مُشافهةً، أما في الغيبة فيكونُ على التراخي، ويكونُ بالفعلِ أيضًا، وهو الشروعُ في العَمل، أي: الحُكمِ. قال في «المبدع»: ويصحُّ القبولُ بالشُّروعِ في العملِ في الأصحِّ. ح ف وزيادة. (٥) قوله: (وَالكِنَايَةُ) من ألفاظِ التوليةِ.

стр. 2085

لا تَنْعَقِدُ بِهَا (١): إلَّا بقَرِينَةٍ نَحْوَ: فاحْكُمْ (٢)، أوْ: فَتَوَلَّ مَا عَوَّلْتُ عَلَيْكَ فِيهِ (٣). (١) قوله: (لا تَنْعَقِدُ بِهَا) أي: الكنايةِ. (٢) قوله: (نَحْوُ فاحْكُمْ) أي: اقضِ فيه. (٣) قوله: (أوْ فتَوَلَّ مَا عَوَّلْتُ عَلَيْكَ فِيهِ) لأن هذه الألفاظَ تحتملُ الولايةَ وغيرَها، كالأخذِ برأيهِ ونحوِه، فلا تنصرفُ إلى التوليةِ إلَّا بقرينةٍ تنفي الاحتمالَ. م ص [¬١].

стр. 2086

فَصْلٌ وتُفِيدُ وِلايَةُ الحُكْمِ العَامَّةُ (١): فَصْلَ الخُصُومَاتِ، وأخْذَ الحَقِّ، ودَفْعَهُ للمُسْتَحِقِّ. والنَّظَرَ في مَالِ اليَتِيمِ (٢)، والمَجْنُونِ (٣)، والسَّفِيهِ (٤)، وَالغَائِبِ (٥). والحَجْرَ لِسَفَهٍ، وفَلَسٍ. والنَّظَرَ في الأَوْقَافِ (٦)؛ فَصْلٌ (١) قوله: (وتُفِيدُ وِلايَةُ الحُكْمِ العَامَّةُ) أي: لم تُقيَّد بحالٍ دُونَ أُخرى: النَّظَر في أشياء، والإلزامَ بالأشياءِ، وهي «فصل .. إلخ». وللمولِّي، بكسر اللام، أن يولي قاضيًا من غير مذهبه، فإن نهاهُ عن الحُكمِ في مسألة، ففي «الرعاية»: احتمَلَ وجهَين. قال في «الإنصاف»: الصوابُ الجوازُ. م ص [¬١]. (٢) قوله: (والنَّظَرَ فِي مَالِ اليَتِيمِ) أي: يتيمٍ لا وصيَّ له. ح ف. (٣) قوله: (والمَجْنُونِ) أي: مجنونٍ لا أب له بالغًا رشيدًا، ولا وصيَّ. ح ف. (٤) قوله: (والسَّفِيهِ) أي: سفيهٍ سَفَهَ بعدَ بلوغهِ ورُشده، أو بلَغَ سفيهًا ولا أبَ له، أو كانَ له أبٌ سَفيهٌ. ح ف. (٥) قوله: (وَالغَائِبِ) أي: غائبٍ لا وكيل له حاضرٌ. ح ف. (٦) قوله: (والنَّظَرَ فِي الأوْقَافِ) أي: ويباشرُ ذَلِكَ بنفسِه إن لم يكُن له ناظرٌ، وإن كانَ ثَمَّ ناظرٌ خاصٌّ، فإنَّ له عليه النظرَ العامَّ، فيعترضُ عليه إن فَعلَ ما لا يسوغُ. ح ف.

стр. 2087

لِتَجْرِيَ علَى شَرْطِهَا (١). وتَزْوِيجَ مَنْ لا وَلِيَّ لَهَا (٢). وَلا يَسْتَفِيدُ (٣): الاحْتِسَابَ عَلَى البَاعَةِ (٤)، (١) قوله: (لتَجْرِي) الأوقافُ على شرطِ واقفِها. (٢) قوله: (وتَزْوِيجَ مَنْ لا وَلِيَّ لَهَا) من النساء. أي: وتُفيدُ ولاية الحُكمِ العامةِ تزويجَ مَنْ لا وليَّ لها، وتنفيذَ الوصَايا، أي: إجراؤها على ما أمر به الموصِي، فإن كانتَ لمُعيَّنٍ أنفذَها بالإقباضِ، وإن كانَت لغيرِ معينٍ كانَ إلى اجتهادِهِ. ح ف. (٣) قوله: (وَلا يَسْتَفِيدُ) القَاضي بولايةِ الحكمِ العامَّة. (٤) قوله: (الاحْتِسَابُ عَلَى البَاعَةِ) والمشتَرين، أي: بسبب توفيةِ الكيلِ والوزنِ والذرعِ في السعرِ؛ لأن العادةَ لم تجرِ بتولِّي القُضاةِ لذَلِكَ. أما إن تخاصَمُوا في صحَّة البيعِ وفسادِه وقبضِ الثمن والمثمنِ، فله النظرُ في ذَلِكَ. وللقاضي طلبُ رزقٍ من بيتِ المالِ لنفسِه وأُمنائِه وخُلفائه، أي: نُوَّابِهِ في الحُكم، حتَّى مع عدم الحاجةِ. فإن لم يُجعل له شيءٌ من بيت المالِ، وليس له ما يكفيهِ ويَكفي عيالَه في بيتِ المالِ، أو من غلةِ وقفٍ، أو أُجرةِ متجرٍ، وقال للخَصمين: لا أقضِي بينكُما إلَّا بجُعْل، جاز له أخذُ [¬١] الجُعلِ لا الأُجرةِ. وعُلِمَ منه: أنه إن كانَ له ما يكفِيه، ليس له أخذُ الجُعلِ أيضًا. لا مَنْ تعيَّن عليه أن يُفتِي وله كفايةٌ، فليس له أن يأخذَ عليها رَزقًا من مُستفتٍ، بخلافِ ما إذا كانَ لا كفايةَ له، كما في «مختصر التحرير». ومفهومُه: أنَّ من لم تتعيَّن عليه الفُتيا؛ بأن كانَ بالبلدِ عالمٌ يقومُ مقامَه، له الأخذُ مطلقًا،

стр. 2088

ولا إلْزَامَهُم بالشَّرْعِ. ولا يَنْفُذُ: حُكْمُهُ في غَيْرِ مَحَلِّ عَمَلِهِ (١). وأن الكِفايةَ لا تختصُّ أن تكونَ من بيتِ المال. ومَنْ يأخذُ من بيتِ المالِ كفايتَه، لم يأخُذ أجرةً لفتياهُ، ولا لخطِّه. وعلى الإمام أن يفرضَ منه لمَن نصَّب نفسَه لتدريسِ العلمِ والفَتوى في الأحكَامِ ما يُغنيه عن التكسُّبِ، وله قبولُ هديةٍ لا ليفُتيه بما يُريد، وإلَّا حرُمت. ح ف وزيادة. (١) قوله: (ولا يَنْفُذُ حُكْمُهُ فِي غَيْرِ مَحِلِّ عَمَلِهِ) وعملُه محلُّ نفوذِ حُكمِه، فمَن وُلِّي القضاءَ بمجلسٍ معينٍ من مَسجدٍ أو غَيرِه، لم ينفُذ حكمُه إلَّا فيهِ، وكذا لا يولِّي ولا يحكُم في غيرِه. قال القاضِي: فإن قُلد جميعَ البُلدان، كانَ له أن يحكُمَ في أيِّ موضع شَاء مِنه، فإن شُرط عليه في عقدِ الولاية مَوضعًا مخصُوصًا، إمَّا في دارِه أو في مسجدٍ، بطلَت الولايةُ؛ لأنَّ الولايةَ عامةٌ، فلا يجوزُ الحجرُ عليه في موضع جُلوسِه. فإن قُلِّدَ الحُكم بينَ مَنْ وَرد إليه في دَاره أو مَسجدِه، صَحَّ، ولم يجُز أنْ يحكُم في غَير دَارِه، ولا في غَيرِ مَسجِده؛ لأنه جعلَ ولايتَه مقصورةً على مَنْ وَرَدَ إلى دَارِه ومَسجِده، وهم لا يتعيَّنون إلَّا بالورُود إليها. ح ف.

стр. 2089

فَصْلٌ ويُشْتَرَطُ في القاضِي عَشْرُ خِصَالٍ (١): كَوْنُهُ بَالِغًا، عَاقِلًا (٢)، ذَكَرًا (٣)، حُرًّا (٤)، فَصْلٌ (١) قوله: (ويُشْتَرَطُ فِي القاضِي عَشْرُ خِصَالٍ) أي: ولا يُشترطُ غيرُها. والشابُّ المتصفُ بالصفاتِ المذكورةِ كغيرِه، لكن الأسنُّ أَوْلَى معَ التساوي. ويُرجحُ أيضًا بحُسنِ الخُلقِ، وغيرِ ذَلِكَ، ومَنْ كانَ أكملَ في الصِّفاتِ. ح ف. (٢) قوله: (كَوْنُهُ بَالِغًا، عَاقِلًا) لأنَّ غيرهُما لا ينفذُ قولُه في نفسِه، فلأن لا ينفذُ في غيره أَوْلَى، وهُما يستحقانِ الحجرَ عليهِما، والقَاضي يستحقُّه على غيرِه، وبينَ الحالتين مُنافاةٌ. ش ع [¬١]. (٣) قوله: (ذَكَرًا) لقوله ﵇: «لن يُفلِحَ قومٌ وَلَّوا أمرهُم امرأةً» [¬٢]. ولأن المرأةَ ناقصةُ العقلِ، قليلةُ الرأي، ليسَت أهلًا لحُضُورِ الرجالِ. ش ع [¬٣]. (٤) قوله: (حُرًّا) لأنَّ العبدَ منقوصٌ برقِّه، مشغولٌ بحقوقِ سيدِه، لكن تصحُّ ولايةُ عبدٍ إمارةَ سريَّةٍ، وقسْمَ صدقةٍ، وقسمَ فَيءٍ، وإمامةَ صَلاةٍ غَيرِ جُمُعةٍ وعيدٍ. «إقناع وشرحه» [¬٤].

стр. 2090

مُسْلِمًا (١)، عَدْلًا (٢)، سَمِيعًا (٣)، بَصِيرًا (٤)، مُتَكَلِّمًا (٥)، مُجْتَهِدًا (٦)، (١) قوله: (مُسْلِمًا) لأنَّ الكفرَ يقتَضِي إذلالَ صَاحِبه، والقضاءَ يقتَضِي احترامَه، وبينهُما منافاةٌ. ش ع [¬١]. (٢) قوله: (عَدْلًا) ولو تائبًا من قذفٍ، فلا تجوزُ توليةُ فاسقٍ، ولا مَنْ فيه نقصٌ يمنَعُ قبولَ الشهادةِ، لقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ [الحُجرَات: ٦]. ش ع [¬٢]. (٣) قوله: (سَميعًا) لأنَّ الأصمَّ لا يسمعُ كلامَ الخَصمينِ. (٤) قوله: (بصيرًا) لأنَّ الأعمى لا يميزُ المدَّعِي من المدَّعَى عليه، والمُقِرَّ من المُقَرِّ له. ش ع [¬٣]. (٥) قوله: (متكلمًا) أي: ناطقًا؛ لأنَّ الأخرسَ لا يُمكنه النطقُ بالحُكمِ، ولا يفهمُ جَميعُ الناس إشارتَه. ش ع [¬٤]. (٦) قوله: (مُجتهدًا) قال في «الفروع»: إجماعًا. ذكره ابنُ حزمٍ. لكِنْ في «الإفصاح»: أن الإجماعَ انعقدَ على تقليدِ كلٍّ من المذاهِب الأربعةِ، وأن الحقَّ لا يخرجُ عنهم، ثم ذَكَرَ أن الصحيح في هذه المسألةِ أنَّ قول مَنْ قال: إنه لا يجوزُ إلَّا توليةُ مجتهدٍ، فإنه إنَّما عنَى به ما كانَت الحالُ عليه قبلَ استقرارِ ما استقرَّت عليه هذه المذاهبُ. وقال الموفق في خطبة «المغني»: النسبةُ إلى إمامٍ في الفُروع كالأئمةِ الأربعةِ ليسَت بمذمومةٍ، فإن اختلافَهم

стр. 2091

وَلَوْ في مَذْهَبِ إمَامِهِ؛ للضَّرُورَةٍ (١). فلَوْ حَكَّمَ اثْنَانِ فَأكْثَرُ بَيْنَهُمَا شَخْصًا صالِحًا للقَضَاءِ: نَفَذَ حُكْمُهُ في كُلِّ مَا يَنْفُذُ فِيهِ حُكْمُ مَنْ وَلَّاهُ الإمَامُ أوْ نَائِبُهُ. ويَرْفَعُ الخِلافَ، فَلا يَحِلُّ لأَحَدٍ نَقْضُهُ حَيْثُ أصَابَ الحَقَّ. رحمةٌ، واتفاقَهم حجةٌ قاطعةٌ. ش ع [¬١]. (١) قوله: (للضَّرُورَةٍ) بأن لم يُوجد مجتهدٌ مطلقٌ في ذَلِكَ المكانِ، والمجتهدُ المذكورُ: هو العارفُ بمدارِك المذهَب [¬٢]، القادرُ على تقريرِ قواعدِه، والجمعِ والفرقِ. واختار في «الإفصاح» و «الرعاية»: أو مقلِّدًا. وفي «الإنصاف»: قلتُ: وعليه العملُ من مدَّةٍ طويلةٍ، وإلَّا لتعطَّلت أحكامُ الناس. انتهى. فيراعي المجتهدُ في مذهب إمامِه ألفاظَ أمامِه، فيعملُ بها في الاجتهادِ دونَ ألفاظِ غيره، ويراعِي متأخرَها، ويقلِّد كبارَ مذهبِه في ذَلِكَ، أي: في كَونِ ذَلِكَ لفظُ إمامه، وفي المتأخِّر منه؛ لأنهم أدرى به. ويحكُم به، ولو اعتقَدَ خلافَه؛ لأنه مقلِّد، ولا يخرجُ عن الظاهرِ منه. ويحرُم الحكمُ والفَتوى بالهَوى، إجماعًا. م ص [¬٣] وزيادة.

стр. 2092

فَصْلٌ وَيُسَنُّ كَوْنُ الحَاكِمِ: قَوِيًّا بِلا عُنْفٍ (١)، فَصْلٌ هذا الفصلُ معقودٌ في أدَبِ القَاضي. الأدبُ، بفتح الهمزة والدال. يقالُ: أدِبَ الرجلُ، بكسر الدال وضمِّها، أي: صار أديبًا في خُلقٍ وعِلْمٍ. وهو: أخلاقُه التي ينبَغي له التخلُّقُ بها. والمقصودُ من هذا الباب: بيانُ ما يجب على القاضِي، أو يُسنُّ له أن يأخذَ به نفسَه وأعوانَه من الآدابِ والقوانينِ التي تنضبطُ بها أمورُ القُضاةِ [¬١]، وتحفظُهم من الميلِ والزَّيغِ. وهي الصفاتُ التي ذكرَها المصنفُ. ش ع [¬٢] وإيضاح. (١) قوله: (قَوِيًّا بلَا عُنْفٍ) العنفُ، مثلثةٌ، ضِدُّ الرِّفقِ. والرفقُ، بالكسرِ: ما استُعين به، واللطفُ: وهو لينُ الجانب. «قاموس» [¬٣]. العنفُ، بضم العين على المشهور، وحَكَى القَاضي عياضٌ في «المشارق» ضمَّها وفتحَها وكسرَها. وينبغي له أن يكونَ عارفًا بلُغاتِ أهلِ ولايتهِ، بعيدًا من الطمَع، صدوقَ اللهجةِ، لا يهزلُ، له وفاءٌ إذا وَعَدَ، ولا يكونُ جبّارًا. ح ف.

стр. 2093

لَيِّنًا بلا ضَعْفٍ (١)، حَلِيمًا (٢)، مُتَأَنِّيًا (٣)، مُتَفَطِّنًا (٤)، عَفِيفًا (٥)، بَصِيرًا بأحْكَامِ الحُكَّامِ قَبْلَهُ (٦). (١) قوله: (لَيِّنًا بلَا ضَعْفٍ) هو بفتح الضاد وضمِّها والمرادُ به [¬١]: أنه لا يبالغُ في اللِّينِ لئلا يهابَه صاحبُ الحقِّ. ح ف بإيضاح. (٢) قوله: (حَلِيمًا) لئلا يغضَبَ من كلامِ الخصمِ، فيمنَعهُ الحكمَ. وهو الحليم هو: من لا يستنفِرُه غضبٌ، ولا يستخفُّه جهلُ جاهلٍ ولا عصيانُ عاصٍ. ولا يستحقُّ الصافحُ مع العجزِ اسم الحلمِ. ح ف. (٣) قوله: (مُتَأَنِّيًا) من التأنِّي، وهو ضدُّ العجلةِ؛ لئلا تُؤدي عجلتُه إلى ما لا ينبَغي. م ص [¬٢]. (٤) قوله: (مُتَفَطِّنًا) لئلا يُخدع من بَعضِ الخُصوم، أي: حاذقًا في الأمور. م ص [¬٣]. (٥) قوله: (عَفِيفًا) أي: كافًّا نفسه عن الحَرام. يقالُ: عَفَّ يعفُّ عِفَّةً وعفافًا، فهو عفيفٌ عمَّا لا يحلُّ. ح ف وإيضاح. (٦) قوله: (بَصِيرًا بأحْكَامِ الحُكَّامِ قَبْلَهُ) ليعتبر بهم في بعض المُهمات؛ لقول عليّ: لا ينبغي للقاضِي أن يكون قاضيًا حتَّى تكملَ فيه خمسُ خصالٍ: عفيفٌ، حليمٌ، عالمٌ بما كانَ قبلَه، يستشيرُ ذوي الألبابِ، لا يخافُ في اللهِ لومةَ لائم [¬٤]. ويسهلُ عليه الحكمُ وتتضحُ له طريقهُ. م ص [¬٥].

стр. 2094

وَيَجِبُ عَلَيْه: العَدْلُ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ (١)؛ في لَحْظِهِ، ولَفْظِهِ، ومَجْلِسِهِ، والدُّخُولِ عَلَيْهِ. إلَّا: المُسْلِمَ مَعَ الكَافِرِ (٢)، فيُقَدَّمُ دُخُولًا (٣)، (١) قوله: (وَيَجِبُ عَلَيْهِ [¬١] العَدْلُ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ … إلخ) بأن ينظرَ إلى كلٍّ منهُما ويكلمَه، ويُجلسهما، ويُدخلهما معًا. فيحرمُ أن ينظر إلى أحدِهما في الحكُومةِ دون الآخرِ، أو ينهرَ أحدهُما، أو يرفع صوتَه عليه ما لا يرفعُه على الآخرِ، إلَّا إذا فعلَ ما يقتضيهِ، كأنْ يفتاتَ عليهِ، أو يلتَوي عن الحقِّ. وأن يُجلس أحدَهُما ويُقيم الآخرَ، أو يجلِسَه بينَ يديه والآخرَ بجانبِه، إلَّا أن يأذنَ أحدُ الخصمينِ في رفعِ الآخرِ عليه في المجلِس، وأن يُدخِلَ أحدهُما قبلَ الآخر. ح ف. (٢) قوله: (إلَّا المُسْلِمَ مَعَ الكَافِرِ) فالرفعُ في الجلوسِ: أن يُجلسَ المُسلمَ بجانِبهِ والكافرَ بَينَ يَدَيه، أو يُجلس المسلمَ أرفعَ منه والكافرَ تحته؛ لما روى إبراهيم التيميُّ قال: وجَدَ عليٌّ دِرَعه مع يهوديٍّ، فقال: دِرعي سَقَطَ وقتَ كَذا. فقال اليهوديُّ: دِرعي في يَدي، وبيني وبينَك قاضِي المسلِمين، فارتفعَا إلى شُريحٍ، فلمَّا رآه شُريحٌ قامَ من مجلسِه وأجلسَه في مَوضعهِ، وجَلَسَ مع اليهوديِّ بينَ يَديه، فقالَ عليٌّ: لو كانَ خصمِي مُسلمًا لجلستُ معه بينَ يديكَ، ولكنِّي سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ قال: «لا تُساووهُم في المَجلِس» [¬٢]. ولما فيه من إظهار شَرفِ الإسلامِ. ح ف. (٣) قوله: (فيُقَدَّمُ) المسلمُ (دُخُولًا) أي: في حالِ الدُّخولِ على القَاضِي. فهو

стр. 2095

ويُرْفَعُ جُلُوسًا (١). وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ (٢): أَخْذُ الرِّشْوَةِ (٣). منصوبٌ بنَزعِ الخافضِ، وكذا يقالُ فيما بعدَه. (١) قوله: (ويُرْفَعُ جُلُوسًا) لحُرمةِ الإسلام. (٢) قوله: (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ) أي: ويحرُم على القَاضِي. (٣) قوله: (أَخْذُ الرِّشْوَةِ) بتثليث الراء والرشوةُ: ما يُعطى بعدَ طلَبه لها. ويحرُمُ بذلُها من الراشِي ليحكُمَ له بباطِل، أو يدفعَ عنه حقًّا. وإن رشاهُ ليدفعَ عنه ظُلمه، ويُجريه على واجبِه، فلا بأَسَ به في حَقِّه «إقناع» [¬١] لحديث ابن عمر قال: لعنَ رسولُ اللَّه الراشِيَ والمُرتَشِي [¬٢]. وكذا يحرمُ على القَاضي قبولُ هديةٍ؛ لقوله ﵇: «هدايا العُمَّالِ غُلول» [¬٣]. إلَّا إذا كانت الهديةُ ممَّن كانَ يُهادِيه قبلَ ولايتِه، فتجُوز، إن لم يكُن له حكومةٌ فتحرُم. فإذا أحسَّ [¬٤] منه أن يقدِّمها بينَ يدي خصُومةٍ، أو دفَعَها حالَ الخُصومة، فإنه لا يجوزُ قبولُها. ويجوزُ قبولُها مِنْ عَمودي نَسبهِ؛ لأنه لا يصحُّ أن يحكُمَ له. وقال ابن نصر اللَّه: ولا يبعدُ أنَّ ذَلِكَ بشَرطِ أن تكونَ هديتُه بعدَ ولايتِه كما كانَت قبلَها، أما إن كثَّرها أو كرَّرها، فالظاهرُ أنه كغيرِه. ح ف.

стр. 2096

وَأَنْ يُسَارَّ أَحَدَ الخَصْمَيْنِ، أَوْ يُضِيفَهُ (١)، أوْ يَقُومَ لَهُ (٢) دُونَ الآخَرِ. وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ (٣): الحُكْمُ وَهُو غَضْبَانُ كَثِيرًا (٤)، (١) قوله: (وَأَنْ يُسَارَّ أَحَدَ الخَصْمَيْنِ) أو يلقِّنَه حجته. (أَوْ يُضِيفَهُ) أي: ويحرمُ أن يُسارَّ أحدَ الخَصمين .. إلخ؛ لأنه إعانةٌ له على خصمِه، وكسرٌ لقلبِه. م ص [¬١]. (٢) قوله: (أوْ يَقُومَ لَهُ) أي: ويحرمُ أن يقومَ لأحدِ الخَصمينِ. قال في «المنتهى» [¬٢]: ولا يُكره قيامُه للخصمينِ. قال ح ف: «الخصمين» بفتح الخاء، يقعُ على الرجُلِ والمرأةِ والجماعةِ بلفظٍ واحدٍ. قال الجوهري: ومن العربِ من يُثنيهِ ويجمعُه، فيقولُ: خصمانِ وخصومٌ. فائدة في القيام: ويُستحبُّ القيامُ للإمامِ العَادلِ، والوالدينِ، وأهلِ الدِّينِ والورع، وكِرَام الناس، وأهل الحَسَب. ورد أنه ﵇ لمَّا جاءه سعدٌ قال: «قومُوا لسيدكم» [¬٣]. ولا يُستحبُّ القيامُ لغيرِ هؤلاء، ولكن يُكرهُ لأهلِ المَعاصِي والفُجورِ. وقال أبو بكر: إذا وقعَ لغيرِ الدِّينِ، أو لزينةِ الدنيا، فهو المكروهُ والمنهيُّ عنه. والذي يُقام له ينبَغي أن لا يستكبر نفسه إليه. ولا يُستحبُّ القيامُ لمَن يتكرَّر مجيئُه في الأيام، كإمامِ المسجدِ، والسلطانِ والعَالِم في مَجلِسِهِما. ح ف. (٣) قوله: (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ) أي: على القَاضي. (٤) قوله: (وَهُو غَضْبَانُ كَثِيرًا) بخلافِ غضَبٍ يسيرٍ لا يمنع فهمَ

стр. 2097

أوْ: حَاقِنٌ (١)، أوْ: في شِدَّةِ جُوعٍ، أوْ: عَطَشٍ، أو: هَمٍّ، أو: مَلَلٍ، أوْ: كَسَلٍ، أو: نُعَاسٍ، أو: بَرْدٍ مُؤلِمٍ، أو: حَرٍّ مُزْعِجٍ (٢). فإنْ خَالَفَ، وحَكَمَ: صَحَّ (٣) إنْ أصَابَ الحَقَّ (٤). ويَحْرُمُ عَلَيْهِ: أنْ يَحْكُمَ بِالجَهْلِ، أَوْ: وَهُو مُترَدِّدٌ. فَإنْ خَالَفَ وَحَكَمَ: لَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ أَصَابَ الحَقَّ. ويُوصِي الوُكَلاءَ (٥) والأعْوَانَ (٦) بِبَابِهِ: بِالرِّفْقِ بِالخُصُومِ، الحُكمِ. م ص [¬١]. (١) قوله: (أوْ حَاقِنٌ) أي: حابِسٌ [¬٢] بالبول، وكذا لو كانَ حاقِبًا، أو به غَمٌّ، أو وجَعٌ، أو تَوقانُ جماعٍ، أو فرحٌ غالبٌ، أو خوفٌ، ونحوُ ذَلِكَ. ح ف. (٢) قوله: (أوْ فِي شِدَّةِ جُوعٍ … إلخ) لأنَّ ذَلِكَ كلَّه في معنى الغَضَبِ؛ لأنه يُشغلُ الفكرَ الموصلَ إلى إصابة الحقِّ غالبًا. م ص [¬٣]. (٣) قوله: (فإنْ خَالَفَ وحَكَمَ) في حالٍ من تلكَ الأحوالِ (صَحَّ) ونَفَذَ، بالمعجَمة، أي: مضَى. ح ف. (٤) قوله: (إنْ أصَابَ الحَقَّ) وإلا لم يَنفُذ. (٥) قوله: (ويُوصِي) القَاضِي وجُوبًا (الوُكَلاءَ). (٦) قوله: (والأعْوَانَ) وهم الذينَ يُحضِرُونَ الخصُومَ. ح ف.

стр. 2098

وَقِلَّةِ الطَّمَعِ (١). وَيَجْتَهِدُ: أنْ يَكُونُوا شُيُوخًا، أو كُهُولًا، مِنْ أهْلِ الدِّينِ والعِفَّةِ والصِّيَانَةِ. وَيُباحُ لَهُ: أنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا (٢) يَكْتُبُ الوَقَائِعَ. ويُشْتَرَطُ: كَوْنُهُ مُسْلِمًا (٣)، مُكَلَّفًا، عَدْلًا. ويُسَنُّ: كَوْنُهُ حَافِظًا عَالِمًا (٤). (١) قوله: (وَقِلَّةِ الطَّمَعِ) لئلا يُضِرُّوا بالنَّاسِ. ويَجتهدُ أن يكونُوا شُيوخًا؛ ليُكونوا أقلَّ شرًّا، فإن الشباب شُعبةٌ من الجُنونِ، والحاكِمَ تأتيه النساءُ، وفي اجتماعِ الشبابِ بهنَّ مفسدةٌ. م ص [¬١]. (٢) قوله: (وَيُباحُ لَهُ أنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا) لأنه ﵇ استكتبَ زيدَ بن ثابتٍ ومُعاويةَ ابنَ أبي سُفيانَ وغيرهُما [¬٢]، ولكثرةِ اشتغالِ الحاكمِ، ونظرِه في أمرِ الناسِ، فلا يُمكنُه تولِّي الكتابةِ بنفسِه. م ص [¬٣]. (٣) قوله: (مُسْلِمًا) لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا﴾ [آل عِمرَان: ١١٨]. وقال عمرُ: لا تُؤمِّنوهُم وقد خوَّنَهم اللَّه، ولا تُقربوهُم وقد أبعدهُم اللهُ، ولا تُعِزُّوهُم وقد أذلَّهم الله [¬٤]. م ص [¬٥]. (٤) قوله: (ويُسَنُّ كَوْنُهُ حَافِظًا عَالِمًا) لأن فيه إعانةً على أمرِه. وكونُه حُرًّا؛

стр. 2099

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . خُروجًا من الخِلاف. وكونُه جيدَ الخطِّ؛ لأنه أكملُ. وكونُه عارِفًا؛ لئلا يُفسِدَ ما يكتبُه بجَهلهِ، ويُفرِّقَ بينَ الواجبِ والجائزِ. م ص [¬١].

стр. 2100

بَابُ طَرِيقِ الحُكْمِ وَصِفَتِهِ إذَا حَضَرَ إلَى الحَاكِمِ خَصْمَانِ (١): فَلَهُ أنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَبْتَدِئَا (٢). ولَهُ أَنْ يَقُولَ: أَيُّكُمَا المُدَّعِي (٣)؟. بابُ طَريقِ الحُكمِ وصِفَتِه الطريقُ: السبيلُ، يُذكَّر ويؤنَّثُ؛ لقوله تعالى: ﴿ويذهب بطريقتكم المثلى﴾ [طه: ٦٣]. وطريقُ كلِّ شيءٍ: ما تُوصِّلَ به إلى ذَلِكَ الشيءِ. فالطريقُ غيرُ الشيءِ. وهنا طريقُ الحكمِ: دليلُهُ مِنْ الكتابِ والسنَّةِ. والطريقُ في الُّلغَةِ: ما يُطرقُ بالنِّعالِ، ففيه استعارةٌ مصرحةٌ؛ بأنْ شبَّه الدليلَ الموصلَ للحُكمِ بالطريقِ، والجامعُ بينهُما مطلقُ الوصولِ، واستعارَ لها اسمَه على جهةِ الاستعارةِ المصرحةِ، والقرينةُ إضافةُ الطريقِ للحُكمِ. وصفةُ الحُكمِ كيفيَّتُه، والصفةُ غيرُ الموصوفِ، والكيفيةُ غيرُ المكيفِ، فعطفُها على الطريقِ مغايرٌ؛ إذ الدليلُ غيرُ كيفيةِ الحُكمِ. (١) قوله: (إذَا حَضَرَ إلَى الحَاكِمِ) أي: القَاضِي (خَصْمَانِ … إلخ) أجلسهُما ندبًا بينَ يدَيه، ولا يقولُ لأحدِهما: تكلَّم؛ لأنَّ في إفرادِه بذَلِكَ تفضيلًا له، وتَرْكًا للإنصَاف. ح ف وزيادة. (٢) قوله: (حَتَّى يَبْتَدِئَا) أي: حتَّى تكونَ البداءةُ من جهةِ الخصمينِ. م ص [¬١]. (٣) قوله: (ولَهُ أَنْ يَقُولَ أَيُّكُمَا المُدَّعِي) لأنه لا تخصيصَ لأحدهِما، وقُدِّمَ من سَبَقَ منهُما بالدَّعوى.

стр. 2101

فإذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا، اشْتُرِطَ: كَوْنُ الدَّعْوَى (١) مَعْلُومَةً (٢). وَكَوْنُهَا مُنْفَكَّةً عَمَّا يُكَذِّبُهَا (٣). (١) قوله: (اشْتَرَطَ كَوْنَ الدَّعْوَى) يعني: يُشترطُ لصحَّةِ الدَّعوَى شُروطٌ، ذَكَرَ صاحبُ «المنتَهى» [¬١] خمسة شُروطٍ، وهنا اقتصرَ المصنفُ على اثنينِ منها، لعلَّ إسقاطَه الثلاثةَ؛ للاختصَار. وهي: تحريرُ الدَّعَوى؛ لترتُّبِ الحُكمِ عليها. فإن كانَت الدَّعوى بدينٍ على مَيتٍ، ذَكَرَ موتَه وحرَّر الدَّينَ، فإن كانَ أثمانًا، ذَكَرَ جنسَه، ونوعَه، وقدرَه، وحرَّر التركَةَ. الثاني: كونُ المدَّعِي مُصَرِّحًا بها، فلا يَكفِي قولُ مدَّعٍ: لي عندَه كَذَا، حتَّى يقولَ: وأنا مطالِبٌ به. الشرط الثالث: أن تكونَ الدَّعوى متعلِّقَةً بالحَالِ، فلا تصحُّ الدَّعوى بدينٍ مؤجَّلٍ؛ لإثباتِه؛ لأنه لا يَملِكُ الطلبَ به قبلَ أجلِهِ. وتصحُّ الدعوى بتدبيرٍ وكتابةٍ واستيلادٍ؛ لصحَّةِ الحُكمِ بها، وإن تأخَّرَ أثرُها. «منتهى وشرحه» [¬٢]. (٢) قوله: (كَوْنُ الدَّعْوَى مَعْلُومَةً) أي: بشيءٍ معلومٍ؛ ليتمكَّنَ الحاكِمُ من الإلزامِ به إذا ثَبَتَ، إلَّا في بعضِ مسائِل استثناها صاحِبُ «المنتهى» [¬٣]، فتُسمَعُ الدَّعوى به معَ جهالَتِه. انظره إن شئتَ. (٣) قوله: (وَكَوْنُهَا مُنْفَكَّةً عَمَّا يُكَذِّبُهَا) أي: ويُشترطُ لصحَّةِ الدَّعوى كونُها

стр. 2102

ثُمَّ إنْ كَانَتْ بِدَيْنٍ (١)، اشْتُرِطَ: كَوْنُهُ حَالًّا (٢). وَإِنْ كَانَتْ بِعَيْنٍ، اشْتُرِطَ: حُضُورُهَا لِمَجْلِسِ الحُكْمِ (٣)؛ لِتُعَيَّنَ بِالإشَارَةِ. فَإنْ كَانَتْ غَائِبَةً عَنْ البَلَدِ (٤): خاليةً عمَّا يكذِّبُها، فلا تصحُّ الدعوى على شخصٍ بأنه قَتَلَ أو سَرَقَ من عِشرينَ سَنةً، وسِنُّه دونَها. ويُشترطُ أيضًا أن يكون المدَّعِي جائز التصرُّفِ، ولا يُشترطُ لصحةِ الدَّعوى ذِكرُ سَببِ الاستحقَاقِ لعَينٍ أو دَينٍ؛ لِكَثْرَةِ سَببِه، وقد يخفَى على المدَّعِي. م ص [¬١] وزيادة. (١) قوله: (ثُمَّ إنْ كَانَتْ) الدَّعوى (بدَيْنٍ … إلخ). (٢) قوله: (اشْتُرِطَ كَوْنُهُ) أي: الدَّين (حَالًّا) خرجَ المؤجَّلُ مدَّةً معلومةً، فتؤخَّرُ الدعوى إليها؛ لأنه لا يملكُ الطلبَ به قَبلَ أجلِه. هذا هو الشرطُ الثالثُ لصحةِ الدعوى. وتصحُّ الدعوى بتدبيرٍ وكِتابةٍ واستيلادٍ؛ لصحةِ الحُكمِ بها، وإن تأخرَ أثرُها. م ص [¬٢] وزيادة. (٣) قوله: (اشْتُرِطَ حُضُورُهَا لِمَجْلِسِ الحُكْمِ) يعني: أنه يُعتبر تَعيينُ مدعًى به إنْ حَضَرَ بالمَجلِس؛ لنَفي الَّلبس بالتَّعيينِ. ويُعتبر إحضارُ عينٍ مدعًى بها إن كانَت بالبلدِ؛ لتُعينَ بمجلسِ الحُكمِ؛ نفيًا للبسِ. م ص [¬٣] وزيادة. (٤) قوله: (فَإنْ كَانَتْ غَائِبَةً) أي: فإن كانَت العينُ المدَّعى بها غائبةً (عَنْ البَلَدِ)، أو كانَت تالفةً، أو كانَت في الذمَّةِ، ولو غيرَ مثليَّةٍ، كالمَبيعِ في

стр. 2103

وَصَفَهَا (١) كَصِفَاتِ السَّلَمِ (٢). فإذَا أَتَمَّ المُدَّعِي دَعْوَاهُ (٣): فَإنْ أَقَرَّ خَصْمُهُ بِمَا ادَّعَاهُ (٤)، أوْ: اعْتَرَفَ بِسَبَبِ الحَقِّ ثُمَّ ادَّعَى البَرَاءَةَ: لَمْ يُلْتَفَتْ لِقَوْلِهِ، بَلْ يَحْلِفُ المُدَّعِي عَلَى نَفْيِ مَا ادَّعَاهُ (٥)، وَيُلْزِمُهُ بِالحَقِّ، إلَّا أنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً بِبَرَاءَتِهِ (٦). الذمَّةِ بالصِّفَةِ. م ص [¬١] وزيادة. (١) قوله: (وَصَفَهَا) مُدَّعٍ. (٢) قوله: (كَصِفَاتِ السَّلَمِ) بأن يذكرَ ما يضبطُها من الصِّفاتِ، والأَولَى ذكرُ قِيمتها أيضًا مَعَ وصفِها. (٣) قوله: (فإذَا أَتَمَّ المُدَّعِي دَعْوَاهُ) أي: فإذا حرَّر المدَّعي الدعوَى. مفرَّعٌ على شروطِ صحةِ الدعوى، فللحَاكِم سؤالُ خصمِه؛ لأنَّ شاهدَ الحالِ يدلُّ على ذَلِكَ؛ لأنَّ إحضارَه والدَّعوى عليه إنما تُرادُ لذَلِكَ. م ص [¬٢] وزيادة. (٤) قوله: (فَإنْ أَقَرَّ خَصْمُهُ بِمَا ادَّعَاهُ) أي: فإن أقرَّ مدَّعًى عليه بالدَّعوى، لم يُحكم للمدَّعِي على المدَّعى عليه الحُكم إلَّا بسؤالِه الحكمَ على المدَّعَى عليه؛ لأنَّ الحقَّ له، فلا يَستوفيه الحَاكمُ إلَّا بمسألتِه. م ص [¬٣] وإيضاح. (٥) قوله: (عَلَى نَفْيِ مَا ادَّعَاهُ) أي: ما ادَّعاهُ المدَّعَى عليه. (٦) قوله: (إلَّا أنْ يُقِيمَ) المدَّعَى عليه بينةً بثبوتِ ما ادَّعاه. وعلى قياس المدَّعِي أنَّ المدعى عليه يسألُ الحاكمَ الحُكمَ له بأنه لا حقَّ عليه للمدَّعِي.

стр. 2104

وَإِنْ أنْكَرَ الخَصْمُ ابْتِدَاءً؛ بِأَنْ قَالَ لِمُدَّعٍ قَرْضًا أوْ ثَمَنًا (١): مَا أقْرَضَنِي، أوْ: مَا بَاعَنِي، أوْ: لا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا (٢) مِمَّا ادَّعَاهُ (٣)، أوْ: لا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ: صَحَّ الجَوَابُ (٤). (١) قوله: (بِأَنْ قَالَ لِمُدَّعٍ قَرْضًا … إلخ) تصويرٌ للإنكَار. (٢) قوله: (مَا أقْرَضَنِي … إلخ) في الثمن والقَرضِ، لفٌّ ونشرٌ مرتبٌ، فقولُه: «ما أقرضني». راجعٌ لدعوى القرضِ. وقوله: (أوْ مَا بَاعَنِي) يرجعُ إلى دعوَى الثمنِ. وقولُه: (أوْ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا) راجعٌ إلى كلٍّ منهُما. ح ف. (٣) قوله: (مِمَّا ادَّعَاهُ) يشيرُ بذَلِكَ إلى أنه لا يَكفي في الجَواب قولُه: لا يستحقُّ عليَّ ما ادَّعاه، بمعنى: أنه لا يكونُ منكرًا لجميعِه، إلَّا إن قالَ: ولا شيئًا مِنها، ولا بعضَه؛ لاحتمالِ استحقاقهِ لبعضِه. ح ف. (٤) قوله: (صَحَّ الجَوَابُ) لنفَيهِ عينَ ما ادَّعى به عليه؛ لأنَّ قولَه: لا حقَّ له، نكرةٌ في سياقِ النفي، فيعمُّ كلَّ حقٍّ، ما لم يَعتِرف بسببِ الحقِّ، فلا يكونُ قولُه: ما يستحقُّ عليَّ ما ادَّعاه [¬١] ولا شيئًا منه، وما بعدَه جوابًا. فلو ادَّعت امرأةٌ مهرَها على معترفٍ بزوجَّيتهِا، فقالَ: لا تستحقُّ عليه شَيئًا، لم يصحَّ الجوابُ، ولزمهُ المهرُ إن لم يُقِم بينتَه بإسقاطِه. وكذا لو ادَّعت عليه نفقةً أو كسوةً، وكذا لو ادَّعى عليه قرضًا، فاعترفَ به وقال: لا يستحقُّ؛ لثبوتِ سببِ الحقِّ، والأصلُ بقاؤه، ولم يُعلم مزيلُه. م ص [¬٢].

стр. 2105

فيَقُولُ الحاكِمُ للمُدَّعِي: هَلْ لكَ بَيِّنَةٌ؟ فإنْ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ لَهُ: إنْ شِئْتَ فَأَحْضِرْهَا، فإذَا أحْضَرَهَا وشَهِدَتْ: سَمِعَهَا (١). وحَرُمَ: تَرْدِيدُهَا (٢). (١) قوله: (فإذَا أحْضَرَهَا وشَهِدَتْ سَمِعَهَا) وجُوبًا، ولا يُعتبر في أدائها قولُه: إنَّ الدَّين باقٍ في ذمَّة الغَريم إلى الآن، بل يحكُم باستصحابِ الأصل إذا ثبتَ عندَه سببُ الحقِّ إجماعًا. وإنْ شَهِدَت للمدَّعِي، فقال الحاكمُ [¬١]: أحلفُوه أنه يستحقُّ ما شَهِدَت به البينةُ، لم يُحلَّف. ح ف. (٢) قوله: (وحَرُمَ تَرْدِيدُهَا) أي: بأنْ يطلبَ منه الحاكمُ إعادةَ الشهادةِ ثانيًا وثالِثًا، ويُكرَه له تَعنتُهَا، أي: طلبُ زلَّتِها، وانتهارُها، أي: زَجرُها؛ لئلا يكونَ وسيلةً إلى الكتمانِ. ح ف وزيادة.
следующие страницы →