فإذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا، اشْتُرِطَ: كَوْنُ الدَّعْوَى (١) مَعْلُومَةً (٢). وَكَوْنُهَا مُنْفَكَّةً عَمَّا يُكَذِّبُهَا (٣).
(١) قوله: (اشْتَرَطَ كَوْنَ الدَّعْوَى) يعني: يُشترطُ لصحَّةِ الدَّعوَى شُروطٌ، ذَكَرَ صاحبُ «المنتَهى» [¬١] خمسة شُروطٍ، وهنا اقتصرَ المصنفُ على اثنينِ منها، لعلَّ إسقاطَه الثلاثةَ؛ للاختصَار. وهي:
تحريرُ الدَّعَوى؛ لترتُّبِ الحُكمِ عليها. فإن كانَت الدَّعوى بدينٍ على مَيتٍ، ذَكَرَ موتَه وحرَّر الدَّينَ، فإن كانَ أثمانًا، ذَكَرَ جنسَه، ونوعَه، وقدرَه، وحرَّر التركَةَ.
الثاني: كونُ المدَّعِي مُصَرِّحًا بها، فلا يَكفِي قولُ مدَّعٍ: لي عندَه كَذَا، حتَّى يقولَ: وأنا مطالِبٌ به.
الشرط الثالث: أن تكونَ الدَّعوى متعلِّقَةً بالحَالِ، فلا تصحُّ الدَّعوى بدينٍ مؤجَّلٍ؛ لإثباتِه؛ لأنه لا يَملِكُ الطلبَ به قبلَ أجلِهِ. وتصحُّ الدعوى بتدبيرٍ وكتابةٍ واستيلادٍ؛ لصحَّةِ الحُكمِ بها، وإن تأخَّرَ أثرُها. «منتهى وشرحه» [¬٢].
(٢) قوله: (كَوْنُ الدَّعْوَى مَعْلُومَةً) أي: بشيءٍ معلومٍ؛ ليتمكَّنَ الحاكِمُ من الإلزامِ به إذا ثَبَتَ، إلَّا في بعضِ مسائِل استثناها صاحِبُ «المنتهى» [¬٣]، فتُسمَعُ الدَّعوى به معَ جهالَتِه. انظره إن شئتَ.
(٣) قوله: (وَكَوْنُهَا مُنْفَكَّةً عَمَّا يُكَذِّبُهَا) أي: ويُشترطُ لصحَّةِ الدَّعوى كونُها
стр. 2102
ثُمَّ إنْ كَانَتْ بِدَيْنٍ (١)، اشْتُرِطَ: كَوْنُهُ حَالًّا (٢). وَإِنْ كَانَتْ بِعَيْنٍ، اشْتُرِطَ: حُضُورُهَا لِمَجْلِسِ الحُكْمِ (٣)؛ لِتُعَيَّنَ بِالإشَارَةِ.
فَإنْ كَانَتْ غَائِبَةً عَنْ البَلَدِ (٤):
خاليةً عمَّا يكذِّبُها، فلا تصحُّ الدعوى على شخصٍ بأنه قَتَلَ أو سَرَقَ من عِشرينَ سَنةً، وسِنُّه دونَها.
ويُشترطُ أيضًا أن يكون المدَّعِي جائز التصرُّفِ، ولا يُشترطُ لصحةِ الدَّعوى ذِكرُ سَببِ الاستحقَاقِ لعَينٍ أو دَينٍ؛ لِكَثْرَةِ سَببِه، وقد يخفَى على المدَّعِي. م ص [¬١] وزيادة.
(١) قوله: (ثُمَّ إنْ كَانَتْ) الدَّعوى (بدَيْنٍ … إلخ).
(٢) قوله: (اشْتُرِطَ كَوْنُهُ) أي: الدَّين (حَالًّا) خرجَ المؤجَّلُ مدَّةً معلومةً، فتؤخَّرُ الدعوى إليها؛ لأنه لا يملكُ الطلبَ به قَبلَ أجلِه. هذا هو الشرطُ الثالثُ لصحةِ الدعوى. وتصحُّ الدعوى بتدبيرٍ وكِتابةٍ واستيلادٍ؛ لصحةِ الحُكمِ بها، وإن تأخرَ أثرُها. م ص [¬٢] وزيادة.
(٣) قوله: (اشْتُرِطَ حُضُورُهَا لِمَجْلِسِ الحُكْمِ) يعني: أنه يُعتبر تَعيينُ مدعًى به إنْ حَضَرَ بالمَجلِس؛ لنَفي الَّلبس بالتَّعيينِ. ويُعتبر إحضارُ عينٍ مدعًى بها إن كانَت بالبلدِ؛ لتُعينَ بمجلسِ الحُكمِ؛ نفيًا للبسِ. م ص [¬٣] وزيادة.
(٤) قوله: (فَإنْ كَانَتْ غَائِبَةً) أي: فإن كانَت العينُ المدَّعى بها غائبةً (عَنْ البَلَدِ)، أو كانَت تالفةً، أو كانَت في الذمَّةِ، ولو غيرَ مثليَّةٍ، كالمَبيعِ في
стр. 2103
وَصَفَهَا (١) كَصِفَاتِ السَّلَمِ (٢).
فإذَا أَتَمَّ المُدَّعِي دَعْوَاهُ (٣): فَإنْ أَقَرَّ خَصْمُهُ بِمَا ادَّعَاهُ (٤)، أوْ: اعْتَرَفَ بِسَبَبِ الحَقِّ ثُمَّ ادَّعَى البَرَاءَةَ: لَمْ يُلْتَفَتْ لِقَوْلِهِ، بَلْ يَحْلِفُ المُدَّعِي عَلَى نَفْيِ مَا ادَّعَاهُ (٥)، وَيُلْزِمُهُ بِالحَقِّ، إلَّا أنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً بِبَرَاءَتِهِ (٦).
الذمَّةِ بالصِّفَةِ. م ص [¬١] وزيادة.
(١) قوله: (وَصَفَهَا) مُدَّعٍ.
(٢) قوله: (كَصِفَاتِ السَّلَمِ) بأن يذكرَ ما يضبطُها من الصِّفاتِ، والأَولَى ذكرُ قِيمتها أيضًا مَعَ وصفِها.
(٣) قوله: (فإذَا أَتَمَّ المُدَّعِي دَعْوَاهُ) أي: فإذا حرَّر المدَّعي الدعوَى. مفرَّعٌ على شروطِ صحةِ الدعوى، فللحَاكِم سؤالُ خصمِه؛ لأنَّ شاهدَ الحالِ يدلُّ على ذَلِكَ؛ لأنَّ إحضارَه والدَّعوى عليه إنما تُرادُ لذَلِكَ. م ص [¬٢] وزيادة.
(٤) قوله: (فَإنْ أَقَرَّ خَصْمُهُ بِمَا ادَّعَاهُ) أي: فإن أقرَّ مدَّعًى عليه بالدَّعوى، لم يُحكم للمدَّعِي على المدَّعى عليه الحُكم إلَّا بسؤالِه الحكمَ على المدَّعَى عليه؛ لأنَّ الحقَّ له، فلا يَستوفيه الحَاكمُ إلَّا بمسألتِه. م ص [¬٣] وإيضاح.
(٥) قوله: (عَلَى نَفْيِ مَا ادَّعَاهُ) أي: ما ادَّعاهُ المدَّعَى عليه.
(٦) قوله: (إلَّا أنْ يُقِيمَ) المدَّعَى عليه بينةً بثبوتِ ما ادَّعاه. وعلى قياس المدَّعِي أنَّ المدعى عليه يسألُ الحاكمَ الحُكمَ له بأنه لا حقَّ عليه للمدَّعِي.
стр. 2104
وَإِنْ أنْكَرَ الخَصْمُ ابْتِدَاءً؛ بِأَنْ قَالَ لِمُدَّعٍ قَرْضًا أوْ ثَمَنًا (١): مَا أقْرَضَنِي، أوْ: مَا بَاعَنِي، أوْ: لا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا (٢) مِمَّا ادَّعَاهُ (٣)، أوْ: لا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ: صَحَّ الجَوَابُ (٤).
(١) قوله: (بِأَنْ قَالَ لِمُدَّعٍ قَرْضًا … إلخ) تصويرٌ للإنكَار.
(٢) قوله: (مَا أقْرَضَنِي … إلخ) في الثمن والقَرضِ، لفٌّ ونشرٌ مرتبٌ، فقولُه: «ما أقرضني». راجعٌ لدعوى القرضِ. وقوله: (أوْ مَا بَاعَنِي) يرجعُ إلى دعوَى الثمنِ. وقولُه: (أوْ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا) راجعٌ إلى كلٍّ منهُما. ح ف.
(٣) قوله: (مِمَّا ادَّعَاهُ) يشيرُ بذَلِكَ إلى أنه لا يَكفي في الجَواب قولُه: لا يستحقُّ عليَّ ما ادَّعاه، بمعنى: أنه لا يكونُ منكرًا لجميعِه، إلَّا إن قالَ: ولا شيئًا مِنها، ولا بعضَه؛ لاحتمالِ استحقاقهِ لبعضِه. ح ف.
(٤) قوله: (صَحَّ الجَوَابُ) لنفَيهِ عينَ ما ادَّعى به عليه؛ لأنَّ قولَه: لا حقَّ له، نكرةٌ في سياقِ النفي، فيعمُّ كلَّ حقٍّ، ما لم يَعتِرف بسببِ الحقِّ، فلا يكونُ قولُه: ما يستحقُّ عليَّ ما ادَّعاه [¬١] ولا شيئًا منه، وما بعدَه جوابًا. فلو ادَّعت امرأةٌ مهرَها على معترفٍ بزوجَّيتهِا، فقالَ: لا تستحقُّ عليه شَيئًا، لم يصحَّ الجوابُ، ولزمهُ المهرُ إن لم يُقِم بينتَه بإسقاطِه. وكذا لو ادَّعت عليه نفقةً أو كسوةً، وكذا لو ادَّعى عليه قرضًا، فاعترفَ به وقال: لا يستحقُّ؛ لثبوتِ سببِ الحقِّ، والأصلُ بقاؤه، ولم يُعلم مزيلُه. م ص [¬٢].
стр. 2105
فيَقُولُ الحاكِمُ للمُدَّعِي: هَلْ لكَ بَيِّنَةٌ؟ فإنْ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ لَهُ: إنْ شِئْتَ فَأَحْضِرْهَا، فإذَا أحْضَرَهَا وشَهِدَتْ: سَمِعَهَا (١). وحَرُمَ: تَرْدِيدُهَا (٢).
(١) قوله: (فإذَا أحْضَرَهَا وشَهِدَتْ سَمِعَهَا) وجُوبًا، ولا يُعتبر في أدائها قولُه: إنَّ الدَّين باقٍ في ذمَّة الغَريم إلى الآن، بل يحكُم باستصحابِ الأصل إذا ثبتَ عندَه سببُ الحقِّ إجماعًا. وإنْ شَهِدَت للمدَّعِي، فقال الحاكمُ [¬١]: أحلفُوه أنه يستحقُّ ما شَهِدَت به البينةُ، لم يُحلَّف. ح ف.
(٢) قوله: (وحَرُمَ تَرْدِيدُهَا) أي: بأنْ يطلبَ منه الحاكمُ إعادةَ الشهادةِ ثانيًا وثالِثًا، ويُكرَه له تَعنتُهَا، أي: طلبُ زلَّتِها، وانتهارُها، أي: زَجرُها؛ لئلا يكونَ وسيلةً إلى الكتمانِ. ح ف وزيادة.
стр. 2106
فَصْلٌ
ويُعْتَبَرُ في البَيِّنَةِ: العَدَالَةُ (١)، ظَاهِرًا وَبَاطِنًا (٢).
ولِلحَاكِمِ: أنْ يَعْمَلَ بِعِلْمِهِ: فِيمَا أُقِرَّ بِهِ في مَجْلِسِ حُكْمِهِ (٣).
فَصْلٌ
(١) قوله: (ويُعْتَبَرُ فِي البَيِّنَةِ … إلخ) أي: فلا بدَّ من العِلمِ بها؛ لأنَّ الغالب الخروجُ عنها. قال الشيخ تقي الدين: من قالَ: إن الأصلَ في الإنسانِ العدالةُ، فقَد أخطأَ، وإنما الأصلُ فيه الجهلُ والظلمُ؛ لقوله تعالى: ﴿إنه كان ظلومًا جهولًا﴾ [الأحزَاب: ٧٢]. فالفِسقُ والعدالةُ كلٌّ منهما يَطرأُ. وإن رَضِيَ أن يَحكُمَ له بشهادةِ فاسقٍ، لم يَجُزْ؛ لأن التزكيةَ حَقٌّ للشَّرعِ. ح ف.
(٢) قوله: (ظَاهِرًا وَبَاطِنًا) في غيرِ نكاحٍ، فتكفِي فيه العدالةُ ظاهرًا، كما تقدَّم، فلا يبطلُ لو بانَا فاسقينِ. واختارَ الخرقيُّ، وأبو بكر وصاحبُ «الروضة»: تُقبلُ شهادةُ كلِّ مسلمٍ لم تظهَر منهُ ريبةٌ؛ لقبوله ﵇ شهادةَ الأعرابيِّ برؤيةِ الهلال [¬١]. والعملُ على ما فِي المتنِ. وأجابَ م ص في «شرحه للمنتهى» [¬٢] عن الرواياتِ المقابلةِ لما في المتن، فارجِع إليه إن شئتَ.
(٣) قوله: (ولِلحَاكِمِ أنْ يَعْمَلَ بعلمِهِ فِيمَا أَقَرَّ … إلخ) أي: وللقَاضِي أن يحكُمَ بعلمه فيما أقرَّ به أحدُ الخصمينِ في مجلس حُكمِه، وإن لم يسمَعْهُ غَيرُه
стр. 2107
وفي عَدَالَةِ البَيِّنَةِ، وفِسْقِهَا (١). فَإِنْ ارْتَابَ مِنْهَا (٢): فلا بُدَّ مِنْ المُزَكِّينَ لَهَا (٣).
نصًّا، نقلَه حربٌ؛ لأنَّ مستند قضاءِ القَاضِي هو الحجَّةُ الشرعيةُ، وهي البينةُ والإقرارُ، فجازَ له الحكمُ بهما إذا سَمعهُما في مجلِسِه، وإن لم يسمعُه أحدٌ؛ لأنه إذا جَازَ الحكمُ بشهادةِ غيرِه، فسماعُه أولَى، ولئلا يُؤدِّيَ إلى ضياعِ الحقوقِ. م ص [¬١].
(١) قوله: (وفِي عَدالةِ البَيِّنةِ … إلخ) عطفٌ على قوله: «فيما أقرَّ». أي: ويعملُ القَاضي بعلمِه في عدالةِ بينةٍ وجَرحِها بغيرِ خلافٍ. قاله صاحبُ «المنتهى» في «شرحه»؛ لئلا يتسلسلَ لاحتياجِه إلى معرفةِ عدالةِ المزكِّين أو جَرحِهم، فلو لم يعمَل بعلمِه في ذَلِكَ، لاحتاجَ كلٌّ من المزكِّين إلى مزكِّين [¬٢]، ثم يحتاجونَ أيضًا إلى مزكِّين، وهكَذا. م ص [¬٣] بإيضاح.
(٢) قوله: (فَإِنْ ارْتَابَ) ارتابَ افتعَلَ، من الرَّيبِ، وهو: الشكُّ، والريبُ أيضًا: ما رابكَ من أمرٍ. أي: فإن شكَّ القَاضِي في البيِّنةِ.
(٣) قوله: (فلا بُدَّ مِنْ المُزَكِّينَ لَهَا … إلخ) أي: للبينةِ ولابدَّ للمزكِّين من معرفةِ حاكمٍ خبرةَ باطنهمَا، بصُحبةٍ أو معاملةٍ ونحوهِما، ككونهِ جارًا لهُما. ويُعتبرُ معرفةُ المزكينَ لِمَنْ يزكونَه من الشُّهودِ. ويكفِي في تزكيةِ الشاهدِ عَدلانِ، يقولُ كلٌّ منهُما: أشهدُ أنه عدلٌ، ولو لم يَقُلْ: أرضاه لي وعَليَّ؛ لأنه إذا كانَ عَدلًا، لزِمَ قبولُه على مُزكِّيهِ وغيرِه. ولا يكفِي قولُه: لا أعلمُ إلَّا
стр. 2108
فَإنْ طَلَبَ المُدَّعِي مِنْ الحَاكِمِ (١) أَنْ يَحْبِسَ غَرِيمَهُ حَتَّى يَأتِيَ بِمَنْ يُزَكِّي بَيِّنَتَه: أَجَابَه لِمَا سَأَلَ، وَانْتَظَرَهُ ثَلاثَةَ أيَّامٍ (٢).
فَإنْ أَتَى بِالمُزَكِّينَ (٣): اعْتُبِرَ مَعْرِفَتُهم لِمَنْ يُزَكُّونَهُ؛ بِالصُّحْبَةِ وَالمُعامَلَةِ.
فَإِنْ ادَّعَى الغَرِيمُ (٤) فِسْقَ المُزَكِّينَ، أوْ فِسْقَ البَيِّنَةِ المُزَكَّاةِ، وَأقَامَ بِذَلكَ (٥) بَيِّنَةً: سُمِعَتْ (٦)، وبَطَلَتِ الشَّهَادَةُ.
خَيرًا. م ص [¬١] وزيادة.
(١) قوله: (فَإنْ طَلَبَ المُدَّعِي … إلخ) يعني: ومَن أقامَ بينةً بدعواه، وسألَ حَبسَ خصمِه في غيرِ حَدٍّ حتَّى تُزكَّى بينتُه، أجيبَ ثلاثةَ أيامٍ، ويقالُ له: إن جئتَ بالمزكِّين فيها، وإلا أطلَقنَاه. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (وَانْتَظَرَهُ ثَلاثَةَ أيَّامٍ) وللمدَّعِي ملازمةُ خَصمٍ في مدَّةِ إمهالٍ؛ لئلا يهرُبَ، فيضيعَ حقهُ. وظاهِرُه: أنه لا يُحبسُ فيها. م ص [¬٣].
(٣) قوله: (فَإنْ أَتَى بِالمُزَكِّينَ اعْتُبِرَ … إلخ) تقدم توضيحُه في القَولَةِ السابقةِ.
(٤) قوله: (فَإِنْ ادَّعَى الغَرِيمُ … إلخ) أي: الخصمُ، وهو المدَّعَى عليه.
(٥) قوله: (وَأقَامَ) الغَريمُ (بِذَلكَ) أي: بفسقِ المزكِّين، أو فِسقِ البينةِ.
(٦) قوله: (بَيِّنَةً، سُمِعَتْ) أي: سَمِعَها الحاكمُ وأبطلَ شهادةَ البينةِ التي أقامَها المدَّعِي، فإن لم يأتِ بالبينةِ ولو بعدَ ثلاثةِ أيامٍ، حَكَمَ على المدَّعَى عليه؛
стр. 2109
ولا يُقْبَلُ مِنْ النِّسَاءِ: تَعْدِيلٌ ولا تَجْرِيحٌ (١).
وحَيْثُ ظَهَرَ (٢) فِسْقُ بَيِّنَةِ المُدَّعِي،
لأن عجزَه عن إقامةِ البينةِ فيها دَليلٌ على عَدمِ ما ادعاه من الجرحِ. م ص [¬١] بإيضاح.
(١) قوله: (ولا يُقْبَلُ مِنْ النِّسَاءِ … إلخ) يعني: ولا يُقبلُ في جرح وفي تعديلٍ وفي رسالةٍ أي: من يُرسلُه الحاكِمُ يبحثُ عن حالِ الشُّهودِ في حدِّ زنًى ولواط، إلَّا أربعةُ رجالٍ عدولٍ، كشُهودِ الأصلِ. ولا يُقبلُ في جرحٍ وما عُطِفَ عليه في غيرِ مالٍ كنكاحٍ ونسبٍ وطلاقٍ وقذفٍ وقصاصٍ، إلَّا رجُلان. ولا يُقبلُ في ذَلِكَ في مالٍ وما يُقصدُ به المالُ إلَّا رجُلان، أو رجلٌ وامرأتان؛ لأنه نَقْلُ ما يخفَى على الحاكِم بما استند الحاكِمُ إليه، أشبهَ الشهادةَ.
ويُعتبر فيمَن يَجرحُ أو يُعدِّلُ أو يُرسَلُ شروطُ الشهادةِ الآتيةِ؛ لأن ذَلِكَ شهادةٌ. وتجبُ المشافهةُ فيمَن يعدِّلُ ويجرحُ ونحوه، فلا تكفي كتابتُه أنه عدلٌ أو ضدُّه ونحوه، كالشهادةِ. وإذا رتَّبَ الحاكِمُ من يسأل [¬٢] عن الشهودِ، كتبَ أسماءَهم، وصنائِعَهم ومعايشَهم وموضعَ مساكنِهم … إلخ ما ذكره م ص في «شرح المنتهى» [¬٣].
(٢) قوله: (وحَيْثُ ظَهَرَ) «حيث» ظرفُ زمانٍ بمعنَى إذا، أي: وإذا ثبتَ بالبينةِ الشرعيةِ فسقُ بينةِ المُدَّعِي.
стр. 2110
أوْ: قَالَ ابْتِدَاءً (١): لَيْسَ لِي بَيِّنَةٌ: قَالَ لَهُ الحَاكِمُ (٢): لَيْسَ لَكَ عَلَى غَرِيمِكَ إلَّا اليَمِينُ. فَيَحْلِفُ الغَرِيمُ عَلَى صِفَةِ جَوَابِهِ (٣) في الدَّعْوَى، ويُخَلِّي سَبِيلَهُ (٤). ويَحْرُمُ: تَحْلِيفُهُ بَعْدَ ذَلِكَ (٥).
(١) قوله: (أوْ قَالَ ابْتَداءً) بأن قال المدَّعِي من أوَّل وهلةٍ: ليسَ لي بينةٌ. وإن قال مدَّع سُئِلَ عن البينةِ وقد أنكَرَ خصمُه: لا أعلمُ لي [¬١] بينةً، ثم أتى بها، أي: بالبينةِ، سُمِعَت؛ لأنه يجوزُ أن تكونَ له بينةٌ لا يعلمُها، ثم علِمَها، ونَفيُ العِلمِ لا ينفِيها، فلا تكذيبَ لنفسِه. أو قالَ عدلانِ: نحنُ نشهدُ لكَ، فقالَ: هذه بيِّنتي، سُمِعَت. ولا تسمعُ إن قال مدَّعٍ: ما لي بينةٌ، ثم أتَى بها؛ لأنه مكذِّبٌ لها. م ص [¬٢] وزيادة.
(٢) قوله: (قَالَ لَهُ الحاكِمُ) أي: قال الحاكِمُ للمدَّعِي: ليسَ لك على خصمِك إلَّا اليمين. ويُعلمه بأنَّ القولَ قولُ خصمه المُنكرِ بيمينه. م ص [¬٣].
(٣) قوله: (فَيَحْلِفُ الغَرِيمُ عَلَى صِفَةِ جَوَابِهِ) نصًّا. لا على صِفةِ الدَّعوى؛ لأنه لا يلزمه أكثرُ من ذَلِكَ الجوابِ، فيحلفُ عليه. م ص [¬٤].
(٤) قوله: (ويُخَلِّي سَبِيلَهُ) لانقطاعِ الخصُومةِ.
(٥) قوله: (ويَحْرُمُ تَحْلِيفُهُ بَعْدَ ذَلِكَ) أي: وتحرمُ دعواه أي: المدَّعِي ثانيًا، وتحليفُه أيضًا، كبَرِيءٍ، أي: كما تحرمُ دعواه على بريءٍ وتحليفُه؛ لأنه ظلمٌ له. ولا يعتدُّ بيمينِ مُنكرٍ إلَّا إن كانت بأمرِ حاكمٍ، وبسؤالِ مدَّعٍ
стр. 2111
وإنْ كَانَ للمُدَّعِي بَيِّنةٌ (١): فَلَهُ أَنْ يُقِيمَهَا بَعدَ ذَلِكَ (٢).
طَوعًا، فإن حَلفَ بلا أمرِ حاكمٍ، أو حلَّفه حاكِمٌ بلا سؤالِ مدعٍ، أو لسؤالِه كُرهًا، لم تسقُط عنه اليمينُ، فإذا سألَ المدَّعِي الحاكِمَ إعادتَها، أعادَها. م ص [¬١].
(١) قوله: (وإنْ كَانَ للمُدَّعِي بَيِّنةٌ … إلخ) يعني: وإن حلفَ المنكرُ مع غيبةِ البينةِ، ثم أحضرَ المدَّعي بينتهُ، حكمَ له بها، ولم تكنُ اليمينُ مزيلةً للحقِّ؛ لقولِ عمر: البينةُ [¬٢] الصادقةُ أحبُّ إليَّ من اليمينِ الفاجرةِ [¬٣].
ولو سأل المدَّعِي إحلافَ المدَّعِى عليه ولا يُقيم البينةَ، فحلفَ، كانَ للمدَّعِي إقامتُها؛ لأن البينةَ لا تبطلُ بالاستحلافِ، كما لو كانت غائبةً عن البلد.
وإن كانَ له شاهدٌ واحدٌ، في المال وما قُصد منه المالُ، كالوكالةِ في المالِ، عرَّفه الحاكمُ أن له أن يحلفَ مع شاهدِهِ ويستحقَّ بلا رِضا خصمِه؛ لما يأتي في الشهاداتِ من أنه ﵇ قضى باليمينِ والشاهدِ [¬٤]. «إقناع وشرحه» [¬٥].
(٢) قوله: (بَعْدَ ذَلِكَ) أي: بعد تحليفِ الغريمِ على صفةِ جوابِه.
стр. 2112
وَإِنْ لَمْ يَحْلِفِ الغَرِيمُ (١): قَالَ لَهُ الحاكِمُ: إنْ لَمْ تَحْلِفْ، وإلَّا حَكَمْتُ عَلَيْكَ بالنُّكُولِ. ويُسَنُّ: تَكْرَارُهُ ثَلاثًا (٢). فَإنْ لَمْ يَحْلِفْ: حَكَمَ عَلَيْهِ بالنُّكُولِ، وَلَزِمَهُ الحَقُّ.
(١) قوله: (وَإِنْ لَمْ يَحْلِفِ الغَرِيمُ) أي: المدَّعَى عليه، عندَ عدمِ بينةِ المدَّعِي. وهذا محترزُ قولِه: «فيحلفُ الغريمُ».
(٢) قوله: (ويُسَنُّ تَكْرَارُهُ ثَلاثًا) قطعًا للحجةِ. أي: قوله: إن لم تحلِف، وإلَّا قضيتُ عليكَ بالنكولِ. فإن أجابَ، وإلا قضَى عليه؛ لأنه ناكلٌ عمَّا توجَّه إليه من الجوابِ، فيحكمُ عليه بالنكول عنه. م ص [¬١].
стр. 2113
فَصْلٌ
وحُكْمُ الحَاكِمِ: يَرْفَعُ الخِلافَ (١). لَكِنْ (٢): لا يُزِيلُ الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ بَاطِنًا (٣).
فَمَتَى حَكَمَ لَهُ- بِبَيِّنَةِ زُورٍ- بِزَوْجِيَّةِ امْرَأةٍ (٤)، وَوَطِئَ مَعَ العِلْمِ (٥): فكَالزِّنَى (٦).
فَصْلٌ
(١) قوله: (وحُكْمُ الحَاكِمِ يَرْفَعُ الخِلافَ) يعني تصيرُ الحادثةُ المختلفُ فيها كالمجمعِ عليها، إذا كانَ الحكمُ مستوفيًا لشَرائِطه.
(٢) قوله: (لَكِنْ لا يُزِيلُ … إلخ) استدراكٌ على قوله: «وحكمُ الحاكِمِ». دفعَ به ما يُتوهم ثبوتُه.
(٣) قوله: (بَاطِنًا) ولو عقدًا أو فسخًا.
(٤) قوله: (بِزَوْجِيَّةِ امْرَأةٍ) متعلق ب «حكمُ» لم تحلَّ له باطنًا.
(٥) قوله: (وَوَطِئَ مَعَ العِلْمِ) أي: علمِه بالحالِ.
(٦) قوله: (فكَالزِّنَى) فيجبُ عليه الحدُّ بذَلِكَ، وعليها الامتناعُ منه ما أمكنَها، فإن أكرههَا، فالإثم عليه دونَها. ويصحُّ نكاحُها غيرَه؛ لأن نكاحَه كعدمِه. وقال الموفق: لا يصحُّ؛ لإفضائِه إلى وَطئِها من اثنينِ، أحدُهما بحُكمِ الظاهِرِ، والآخرُ بحكمِ الباطنِ.
وإن حكَمَ حاكمٌ بطلاقِها ثلاثًا، بشُهودِ زُورٍ، فهي زوجتُه باطنًا، ويُكره له الاجتماعُ بها ظاهِرًا؛ لأنه طعنٌ على الحاكمِ، ولا يصحُّ نكاحُها غيرَه ممَّن
стр. 2114
وإنْ بَاعَ حَنْبَلِيٌّ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ (١)، فحَكَمَ بِصِحَّتِهِ (٢) شَافِعِيٌّ: نَفَذَ (٣).
وَمَنْ قَلَّدَ (٤) في صِحَّةِ نِكَاحٍ: صَحَّ، وَلَمْ يُفارِقْ (٥) بتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ (٦)،
يعلمُ بالحال من الشاهدَين أو غيرهِما؛ لبقائِها في عصمةِ الأول. وقال أبو حنيفة: يحلُّ [¬١] لها أن تتزوَّجَ، وحلَّ لأحدِ الشاهدَينِ نكاحُها. م ص [¬٢].
(١) قوله: (وإنْ بَاعَ حَنْبَلِيٌّ) لحمًا (مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ) عمدًا [¬٣]. وضابطُه أنه إذا حَكَمَ الحاكِمُ بخلافِ مذهبِ المقلِّدِ، فالعبرةُ بمذهبِ الحاكِم، لا بمذهبِ المحكومِ له أو عليه. قال ابن نصر اللَّه: لكن في جَوازِ إقدامِ الحاكِم على الحُكمِ بذَلِكَ لمن يعتقدُ تحريمَه عليه نظرٌ؛ لأنه إلزامٌ له بفعل المحرَّمِ، لاسيَّما على قول مَنْ يقولُ: كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ. ح ف.
(٢) قوله: (فحَكَمَ بِصِحَّتِهِ) أي البيعِ، حاكمٌ شافعيٌّ.
(٣) قوله: (نْفَذَ) حكمُه، فيدخلُ الحكمُ بالطهارةِ أو النجاسةِ تَبعًا؛ لا استقلالًا. م ص [¬٤].
(٤) قوله: (وَمَنْ قَلَّدَ) مُجتهدًا.
(٥) قوله: (وَلَمْ يُفارِقْ) زوجتَه.
(٦) قوله: (بتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ) أي: المجتهدِ الذي قلَّده في صحَّتِه.
стр. 2115
كالحُكْمِ بِذَلكَ (١).
(١) قوله: (كالحُكْمِ بِذَلكَ)، أي: كما لو حكَمَ مجتهدٌ بصحةِ نكاحٍ ثم تغيَّرَ اجتهادُه، فلا يُفارق. م ص [¬١].
стр. 2116
فَصْلٌ
وتَصِحُّ الدَّعْوَى بِحُقُوقِ الآدَمِيِّينَ (١): عَلَى المَيِّتِ (٢). وَعَلَى غَيْرِ المُكَلَّفِ (٣).
فَصْلٌ
(١) قوله: (وتَصِحُّ الدَّعْوَى بِحُقُوقِ الآدَمِيِّينَ) ولا تسمعُ بينةٌ، ولا يُحكمُ على غائبٍ، ونحوِه، في حقِّ اللَّه تعالى، فيُقضى في سرقةٍ ثبتت على غائبٍ بغرمِ مالٍ مسروقٍ فقط دونَ قطعٍ. م ص [¬١] وزيادة.
(٢) قوله: (عَلَى المَيِّتِ) متعلق ب «تصحُّ الدَّعوى .. إلخ». وله بينةٌ على دَعواه، ولو شاهِدًا ويَمينًا فيما يُقبل منه، سُمعت، وحُكم له بها [¬٢] بشرطِ سؤالِ المدَّعِي الحكمَ. قال في «الإقناع» [¬٣]: والمقصودُ سماعُ القَاضِي البينةَ، وحكمُه بمُوجبِها من غيرِ وجودِ مُدَّعًى عليه، ومن غيرِ مدَّعٍ على أحد؛ خوفًا مِنْ حُدوثِ خصمٍ مستقبلٍ، وحاجةِ الناس إليه، خصُوصًا فيما فيه شُبهةٌ أو خلافٌ لرفعِه.
(٣) قوله: (وَعَلَى غَيْرِ المُكَلَّفِ) كالدَّعوى على صغيرٍ ومجنونٍ وللمدعِي بينةٌ، ولو شاهدًا ويمينًا فيما يُقبلُ منه، سُمعت، وحُكم بها بشَرطِ أن يسألَ المدَّعِي الحاكِمَ الحُكمَ. ثم إذا كلِّف غيرُ مكلَّفٍ ورَشَدَ بعدَ الحكمِ عليه،
стр. 2117
وَعَلَى الغَائِبِ مَسَافَةَ قَصْرٍ (١). وَكَذَا: دُونَهَا، إذَا كَانَ مُسْتَتِرًا (٢). بشَرْطِ: البَيِّنةِ في الكُلِّ.
فهو على حجتهِ. «منتهى وشرحه» [¬١].
(١) قوله: (وَعَلَى الغَائِبِ مَسَافَةَ قَصْرٍ) عطف على «الميِّت»، أي: وتصحُّ الدَّعوى بحقوقِ الآدميِّين على الغائبِ عن البلدِ مسافةَ قصرٍ بغيرِ عملِ القَاضِي المدَّعى عندَه، وله بينةٌ، ولو شاهدًا ويمينًا فيما يُقبلُ منهُ، سُمِعَت، وحُكم بها بشَرط أن يسأل المدَّعِي الحاكمَ الحكمَ، ثم إذا حضرَ الغائبُ فهو على حُجَّتِه. م ص [¬٢] وزيادة.
(٢) قوله: (وَكَذَا دُونَهَا إذَا كَانَ مُسْتَتِرًا) بالبلَدِ، أو بدُونِ مسافةِ قصرٍ. أي: وتصحُّ الدَّعوى بحقوقِ الآدميِّين على الغائبِ دونَ مسافةِ القصرِ إذا كانَ مُستترًا والمراد بالاستتار: الامتناعُ عن الحضورِ وللمدَّعِي بينةٌ، ولو شاهِدًا ويمينًا فيما يُقبلُ منه، سُمعت، وحُكم له بها بشرطِ أن يسأل المدَّعِي الحاكِمَ الحُكمَ، ثم إذا ظهَرَ المستترُ فهو على حجتهِ. قال ابن نصر اللَّه: ومعنى بقاءِ الغائِب على حجتَّهِ: أن الغائبَ مَثَلًا لو حضَرَ فأثبتَ فسقَ الشهُودِ حالَ الشهادةِ، لا بعدَ أدائِها، فإنه لا يقبلُ، أو لو ادعَى أنه كانَ دفَعَ الحقَّ، وأثبتَ ذَلِكَ، بطلَ الحكمُ، كما صرَّحَ بالأول في «المغني» وبالثاني في «الرعاية». ح ف.
قوله: (إذَا كَانَ مُسْتَتِرًا) شرطٌ في الغائبِ دونَ المسافةِ. يعني: أن الغائبَ
стр. 2118
ويَصِحُّ: أنْ يَكْتُبَ القَاضِي (١) الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَهُ الحَقُّ إلَى قاضٍ آخَرَ- مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ- بِصُورَةِ الدَّعْوَى الوَاقِعَةِ عَلَى الغَائِبِ.
بِشَرْطِ: أَنْ يَقْرَأَ ذَلِكَ عَلَى عَدْلَيْنِ (٢)،
دونَ مسافةِ القصرِ، لم تُسمَع دَعوى عليه، ولا بينةٌ عليه حتَّى يحضُرَ مجلِسَ الحُكمِ، كحاضِرٍ، إلَّا أنْ يمتنعَ الحاضرُ بالبلدِ والغائبُ دونَ المسافةِ عن الحضُور، فيُسمعَا، أي: الدَّعوى والبينةُ، على ما تقدَّم.
ثم إن كانَ المحكومُ به على الغائبِ عينًا، سلَّمها القَاضِي للمدَّعِي، كما لو حضر المدَّعَى عليه، وإن كانَ دَينًا، فإن وجَد الحاكمُ له مالًا، وفَّاه منه دينَه؛ لأنَّ تأخيرَه بعدَ ثبوتِه ظُلمٌ. م ص [¬١] وزيادة.
(١) قوله: (ويَصِحُّ أنْ يَكْتُبَ القَاضِي … إلخ) قال في «المنتهى وشرحه» [¬٢] م ص: وللقاضِي أن يكتبَ إلى معينٍ، وإلى مَنْ يصلُ إليه مِنْ قُضاة المسلِمين وحُكَّامِهم بلا تَعيينٍ، ويلزمُ من وصَلَ إليه قبولُه؛ لأنه كتابُ حاكمٍ مِنْ ولايتِه وصَلَ إلى حاكمٍ، فيلزم قبولُه، كما لو كانَ إليه بعينِه.
(٢) قوله: (بِشَرْطِ [¬٣] أَنْ يَقْرَأَ … إلخ) يعني: يُشترطُ لقبولِ كتابِ القَاضي والعَملِ به أن يُقرأ الكتابُ على عَدَلينِ، ويُعتبر ضبطُهما لمعناهُ، وما يتعلقُ به الحكم منه دونَ ما لا يتعلَّق الحكم؛ لعدَم الحاجةِ إليه. ثم يقولُ القَاضِي الكاتبُ بعدَ القراءةِ عليهما: هذا كِتابي إلى فُلانِ ابنِ فلانٍ، وإلى مَنْ يصلُ إليه من القُضاِة، ويدفعُه إلى العَدلَين المقروءِ عليهما، فإذَا وصَلا بالكتابِ إلى
стр. 2119
ثُمَّ يَدْفَعُهُ لَهُمَا، وَيَقُولُ فِيهِ (١): وَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ ثَبَتَ عِنْدِي، وَإِنَّكَ تَأخُذُ الحَقَّ للمُسْتَحِقِّ.
فَيَلْزَمُ القَاضِي الوَاصِلَ إِلَيْهِ ذَلِكَ: العَمَلُ بِهِ.
عملِ المكتوب إليه، دفعاه إلى المكتوبِ إليه [¬١]، وقالا: نشهدُ أن هذا الكتابَ كتابُ القَاضِي فلان إليكَ، كتبهُ بعملهِ، وأشهدنَا عليه. انظر كتابَ القَاضِي إلى القَاضِي في «المنتهى» [¬٢] فإنه تكفَّلَ بذَلِكَ.
قوله: «بشَرْطِ» متعلق بقوله: «ويصحُّ أن يكتُبَ … إلخ». بشرطِ أن يَقَرأ القَاضِي صورةَ ما كتبهُ على عدلَينِ يشهدانِ بحكمِ الحاكمِ.
(١) قوله: (وَيَقُولُ) أي: القَاضي (فِيهِ) أي: فيما كتبهُ.
стр. 2120
بَابُ القِسْمَةِ
وَهِيَ نَوْعَانِ: قِسْمَةُ تَرَاضٍ (١)، وَقِسْمَةُ إِجْبَارٍ.
فلا قِسْمَةَ في مُشْتَرَكٍ (٢): إلَّا بِرِضَا الشُّرَكَاءِ كُلِّهِمْ، حَيْثُ كَانَ في القِسْمَةِ ضَرَرٌ يَنْقُصُ القِيمَةَ (٣)،
بابُ القِسمةِ
بكسرِ القافِ، اسم مصدرِ قسمتُ الشيءَ، جعلتُه أقسامًا. والقِسمُ، بِكَسرِ القاف: النصيبُ المقسوُم، وبفتحِها: مصدر قسمتُ الشيءَ فانقسَمَ، وقاسمَهُ المالَ، وتقاسماهُ، واقتسَماه. وعَرفًا: تمييزُ بعض الأنصباءِ عن بعضٍ، وإفرازُها عنها. وأجمعُوا عليها. م ص [¬١].
(١) قوله: (قِسْمَةُ تَرَاضٍ) بأن يتفقَ عليه جميعُ الشُّركاءِ. وسُميت بذَلِكَ؛ لتراضِي الشريكَينِ أو الشُّركاءِ بها. ح ف.
(٢) قوله: (فلا قِسْمَةَ … إلخ) أي: وتحرمُ القسمةُ في مشتركٍ لا ينقسمُ إلَّا بضررٍ على الشركاءِ أو أحدِهم، أو بردِّ عوضٍ منهُم أو مِنْ أحدِهم، يأخذُه شَريكُه لتكمُلَ به حصَّتُه؛ لأنها معاوضةٌ بغيرِ الرضا. م ص [¬٢] وزيادة.
(٣) قوله: (حَيْثُ كَانَ فِي القِسْمَةِ … إلخ) الحيثيةُ تعليليةٌ، أي: فلا قِسمةَ في مشتركٍ؛ لأنَّ في قسمته ضَررًا. قال في «المنتهى» [¬٣]: والضررُ المانعُ من
стр. 2121
كحَمَّامٍ (١)، وَدُورٍ صِغَارٍ، وشَجَرٍ مُفْرَدٍ، وحَيَوَانٍ.
وَحَيْثُ تَرَاضَيَا: صَحَّتْ، وَكَانَتْ بَيْعًا (٢)، يَثْبُتُ فِيهَا مَا يَثْبُتُ فِيهِ (٣) مِنْ الأحْكَامِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَرَاضَيَا، فَدَعَا أَحَدُهُمَا (٤) شَرِيكَهُ إلَى البَيْعِ في ذَلكَ (٥)، أوْ إلَى بَيْعِ عَبْدٍ أوْ بَهِيمَةٍ أوْ سَيْفٍ، وَنَحْوِهِ مِمَّا هُوَ شَرِكَةٌ بَيْنَهُمَا: أُجْبِرَ (٦) إِنِ
قسمةِ الإجبار نقصُ القيمةِ بها؛ بأن ينقُصَ قيمتَه مقسُومًا عن قيمتِه غيرَ مقسُومٍ. وإن انفردَ أحدُهُما بالضَّررِ، كرَبِّ ثلُثٍ معَ ربِّ ثلُثُين، فكما لو تضرَّرا، فالضررُ هنا ينفردُ به ربُّ الثلثِ؛ لكونِ حصَّتِه صغيرةً يَنقُصُ قِيمَتَها مقسومةً عن قيمَتِها غيرَ مقسومةٍ، بخلافِ رَبِّ الثلُثين.
(١) قوله: (كحَمَّامٍ) فحمَّام وما عُطف عليه مثالٌ لما في قسمتِه ضررٌ.
(٢) قوله: (وَكَانَتْ بَيْعًا) فعلَى هذا يُشترط لها شروطُ البيع من الرِّضا كما تقدَّم والرُّشدِ، ومعرفةِ المقسومِ، والقُدرةِ على تسليمه، ومعرفةِ العِوَضِ المجعولِ في أحدِ الجانبَين. ومقتضاهُ: أنه لا تصحُّ القسمةُ فيها إن كانت مرهونةً أو موقوفةً، أو بعضهُا. ح ف.
(٣) قوله: (مَا يَثْبُتُ [¬١] فِيهِ) من ردٍّ بعيبٍ، وخيارِ مجلسٍ وشرطٍ وغبنٍ، وغيرِ ذَلِكَ. م ص.
(٤) قوله: (فَدَعَا أَحَدُهُمَا) أي: طلبَ أحد الشُّركاءِ.
(٥) قوله: (فِي ذَلكَ) أي: في قسمةِ التراضِي.
(٦) قوله: (أُجْبِرَ) شريكُه على البيع معهُ.
стр. 2122
امْتَنَعَ. فَإِنْ أَبَى (١): بِيعَ (٢) عَلَيْهِمَا وقُسِّمَ الثَّمَنُ (٣).
ولا إجْبَارَ: في قِسْمَةِ المَنَافِعِ (٤). فَإِنِ اقْتَسَمَاهَا بِالزَّمَنِ (٥)، كَ: هَذَا
(١) قوله: (فَإِنْ أَبَى) أي: امتنع شريكُه من البيعِ معَه. م ص [¬١].
(٢) قوله: (بِيْعَ) أي: باعَه حاكمٌ. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (وقُسِّمَ الثَّمَنُ) بينهُما على قدر حصَّتيهِما، نصًّا. وكذا لو طلَبَ الإجارةَ، أي: أن يؤجِّرَ شريكُه معه في قسمةِ التراضِي، فيُجبرُ المُمتنعُ، ولو شريكًا في وقفٍ، فإن أبَى، أجبرهُ حاكمٌ عليهمَا، وقُسمت الأُجرةُ بينهُما على قدر حصَّتيهما. وقال الشيخ تقي الدين: لو طلبَ أحدُهما [¬٣] العُلوَّ [¬٤]، لم يُجَبْ، بل يُكرَى عليهِما، على مذهبِ جماهيرِ العُلماءِ، كمالك وأبي حنيفة وأحمد. ح ف.
(٤) قوله: (ولا إجْبَارَ فِي قِسْمَةِ المَنَافِعِ) كأن يكُون بينهُما دارٌ مستأجرةٌ بينهُما، ويؤجِّرُها الحاكمُ عليهِما، إن لم يتراضَيا على المُهايأةِ. ح ف.
(٥) قوله: (فَإِنِ اقْتَسَمَاهَا بِالزَّمَنِ) أي: بأن تُجعل بيدِ أحدهما شَهرًا أو عامًا ونحوه، وفي يدِ الآخرِ مثل ذَلِكَ، فإن اتفقَا على المُهايأةِ وطلبَ أحدُهما تطويلَ الزمنِ، وطلبَ الآخرُ التقصيرَ، أُجيب مَنْ طلَبه؛ لأنه أقربُ للاستيفاءِ. ح ف.
стр. 2123
شَهْرًا، والآخَرُ مِثْلُهُ، أَوْ بِالمَكَانِ (١)، كَ: هَذَا في بَيْتٍ، وَالآخَرُ في بَيْتٍ: صَحَّ جَائِزًا (٢)، ولِكُلٍّ الرُّجُوعُ (٣).
(١) قوله: (أَوْ بِالمَكَانِ) أي: أو اقتسَمَاها بالمَكان، أي: بأن يُجعَلَ لكلِّ واحدٍ منهُما من الدَّارِ مكانٌ ينتَفِعُ به دونَ صاحبِه. قال في «الإقناع» [¬١]: فإذا تهايآ، اختصَّ كلُّ واحدٍ بمنفعتِه وكسبِه، لكن لا يدخلُ النادرُ في وجهٍ كاللقطةِ، والهبةِ، والرِّكازِ.
وقدَّم في «الكافي» الدُّخولَ؛ لأنها كسبٌ أشبه المُعتادَ. ثم قالَ: والثاني: لا يدخلُ؛ لأنَّ المهايأة كالبيعِ، فلا يدخلُ فيها إلَّا ما يقدرُ عليه في العادةِ، والنادرُ ليسَ كذَلِكَ. ولو تَهايآ في الحيوانِ اللَّبُونِ؛ ليحتلبَ هذا يومًا، وهذا يومًا، أو في الشَّجرةِ المثمرةِ؛ لتكونَ ثمرتُها لهذا عامًا، وهذا عامًا، لم يصحَّ؛ لما فيه من التَّفاوتِ الظاهر، لكنَّ طريقَه أن يُبيحَ كلُّ واحدٍ منُهما نصيبَه لصَاحِبه في المدَّةِ. ح ف.
(٢) قوله: (جَائِزًا) أي: غيرَ لازم، سواءٌ عيَّنا مدَّةً أو لا، كالعاريَّةِ من الجِهتينِ.
(٣) قوله: (ولِكُلٍّ) مِنهما (الرُّجُوعُ) متَى شاءَ، فلو رجعَ أحدُهما بعدَ استيفاءِ نوبتِه، ولم يكُن الآخرُ قد استوفَى نظيرَها، غَرِمَ ما انفردَ به، أي: أجرةَ مثلِ حصةِ شريكِه مدَّةَ امتناعِه، وكذا لو استوفَى أحدُهما نوبتَه ثم تلفَت المنافعُ في مدَّةِ الآخرِ، فإنه يرجعُ على الأولِ ببدلِ حصَّتهِ من تلكَ المدَّةِ التي استوفَاها [¬٢]، ما لم يكُن قد رَضِيَ بمنفعةِ الزمنِ المتأخرِ على أيِّ حالٍ كان. قاله الشيخ تقي الدين. ح ف.
стр. 2124
فَصْلٌ
النَّوْعُ الثَّانِي: قِسْمَةُ إجْبَارٍ. وَهِيَ: مَا لا ضَرَرَ فِيهَا (١)، وَلا رَدَّ عِوَضٍ (٢).
وَتَتَأَتَّى: في كُلِّ مَكِيلٍ (٣)، وَمَوْزُونٍ (٤)، وَفي دارٍ كَبِيرةٍ، وَأَرْضٍ وَاسِعَةٍ، ويَدْخُلُ الشَّجَرُ تَبَعًا.
فَصْلٌ
(١) قوله: (وَهِيَ مَا لا ضَرَرَ فِيهَا) على الشُّركاءِ.
(٢) قوله: (وَلا رَدَّ عِوَضٍ) من واحدٍ على غيره، سمِّيت بذَلِكَ؛ لإجبارِ الممتنعِ منهُما، إذا كمُلَت شروطُه. م ص [¬١].
(٣) قوله: (وَتَتَأَتَّى فِي كُلِّ مَكِيلٍ) جنسٍ، كحُبوبٍ، ومائعٍ، وتمرٍ، وزبيبٍ، ولوز، وفستُقٍ، وبندُقٍ، ونحوِه مما يُكالُ من الثمارِ، وكذَا أشنانٌ ونحوُه. م ص [¬٢].
(٤) قوله: (وَمَوْزُونٍ) أي: الجنسِ، كذهبٍ، وفِضةٍ، ونُحاسٍ، ورصَاصٍ، ونحوِه مما مسَّته النارُ، كدبسٍ وخَلِّ تمر وسُكرٍ، أو لا، كدُهنٍ مِنْ سَمنٍ [¬٣] وزيتٍ ونحوِهما، ولبنٍ وخَلِّ عنبٍ. م ص [¬٤].
стр. 2125
وَهَذَا النَّوْعُ: لَيْسَ بَيْعًا (١). فيُجبِرُ الحَاكِمُ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ إِذَا امْتَنَعَ.
وَيَصِحُّ أَنْ يَتَقَاسَمَا بِأَنْفُسِهِمَا (٢)، وَأَنْ يَنْصِبَا قَاسِمًا بَيْنَهُمَا. وَيُشْتَرَطُ: إسْلامُهُ (٣)،
(١) قوله: (وَهَذَا النَّوْعُ لَيْسَ بَيْعًا) أي: قِسمَةُ الإجبارِ ليسَ بيعًا، بل إفرازُ حقِّ أحَدِ الشريكينِ من حَقِّ الآخرِ. يقالُ: فرزتُ الشيءَ وأفرزتُه، إذا عزلتُه، من الفَرزةِ وهي: القِطعةُ، فكأنَّ الإفرازَ اقتِطاع لحَقِّ أحدِهما من الآخرِ، وليسَت بَيعًا؛ لمُخالفَتِها له في الأحكامِ والأسبابِ، كسائِر العقودِ، ولو كانَت بيعًا، لم تصحَّ بغيرِ رضا الشريكِ، ولوجبت فيها الشفعةُ، ولما لزِمَتْ بالقُرعةِ. م ص [¬١].
(٢) قوله: (وَيَصِحُّ أَنْ يَتَقَاسَمَا بِأَنْفُسِهِمَا) لأنَّ الحقَّ لا يعدوهُما. ولهُما أن يسألا حاكمًا نصْبَه، أي: القاسِم؛ لأنه أعلَمُ بمن يصلُحُ للقسمةِ. وإذا سألُوه، وجَبَت إجابتُهم لقَطعِ النَّزاعِ. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (وَيُشْتَرَطُ إسْلَامُهُ) أي: القاسم إذا نصبَهَ الحاكمُ. قال في «المغني»: فإن نصب الحاكمُ قاسمًا لهما، فمن شَرطه العدالةُ، ومعرفةُ الحسابِ والقسمةِ. وإن نصَبَا قاسمًا بينهما، فكانَ على صفةِ قاسمِ الحَاكِم في العدالةِ والمعرفةِ، فهو كقاسمِ الحاكمِ في لُزوم قِسمتِه بالقُرعةِ. وإن كانَ كافرًا أو فاسقًا، أو غيرَ عارفٍ بالقسمةِ، لم تلزَم قسمتُه إلَّا بتراضيهِما، ويكونُ وجودُه فيما يرجعُ إلى لُزومِ القِسمةِ كعدمهِ. ح ف.
стр. 2126
وَعَدَالَتُهُ (١)، وَتَكْلِيفُهُ، ومَعْرِفَتُهُ بِالقِسْمَةِ (٢). وَأُجْرَتُهُ: بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ أمْلاكِهِمَا (٣).
وَإِنْ تَقَاسَمَا بِالقُرْعَةِ (٤): جَازَ، وَلَزِمَتِ القِسْمَةُ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِ القُرْعَةِ (٥)،
(١) قوله: (وَعَدَالَتُهُ) ليقبلَ قولُه في القسمةِ. م ص [¬١].
(٢) قوله: (ومَعْرِفَتُه بِالقِسْمَةِ) ليحصُل المقصودُ؛ لأنَّ غيرَ العارفِ لا يُمكنه تعديلُ السِّهامِ. لا حُريتُه، فتصح من عبدٍ. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (وَأُجْرَتُهُ بَيْنَهُمَا … إلخ) لا على عددِ الرؤوس؛ لأنَّ القسمةَ من مُؤنةِ الملَّاك، فوجبت على قَدر الأملاكِ [¬٣]، كنفقةِ العبدِ، وأُجرةِ المَخزنِ. وتُسمَّى أُجرةُ القاسِمِ: القُسامةَ، بضم القاف. ح ف وزيادة.
(٤) قوله: (وَإِنْ تَقَاسَمَا بِالقُرْعَةِ) بينَ الشركاءِ؛ لإزالةِ الإبهامِ، فمَن خَرَجَ له سَهمٌ، صارَ له. وللقُرعة طرقٌ ذكَرَها صاحبُ «المنتهى» [¬٤]. انظره إن شئت.
(٥) قوله: (وَلَزِمَتِ القِسْمَةُ … إلخ) إذا تراضَيا علَيها، وخرجَت القُرعةُ؛ إذ القاسمُ يجتهدُ في تعديلِ السهامِ كاجتهادِ الحاكِم في طلبِ الحقِّ، فوجَبَ أن تلزم قرعته كقسمَةِ الإجبار. وتقدَّم أن قسمةَ التراضِي يثبتُ فيها خيارُ المجلسِ، فلعلَّه إذا لم يكُن ثَمَّ قاسمٌ، بدليل قوله: «وإن خيَّر أحدهُما الآخرَ».
стр. 2127
وَلَوْ فِيمَا فِيهِ رَدٌّ (١)، أَوْ ضَرَرٌ.
وَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا (٢) الآخَرَ بِلا قُرْعَةٍ وَتَرَاضَيَا: لَزِمَتْ بِالتَّفْرُّقِ.
وَإِنْ خَرَجَ في نَصِيبِ أَحَدِهِمَا عَيْبٌ جَهِلَهُ (٣): خُيِّرَ بَيْنِ فَسْخٍ، أَوْ إِمْسَاكٍ (٤) وَيَأْخُذُ الأَرْشَ. وَإِنْ غُبِنَ غَبْنًا فَاحِشًا: بَطَلَتْ.
وَإِنِ ادَّعَى كُلٌّ أنَّ هَذَا مِنْ سَهْمِهِ: تَحَالَفَا (٥) وَنُقِضَتْ.
وَإِنْ حَصَلَتِ الطَّرِيقُ في حِصَّةِ أَحَدِهِمَا، وَلا مَنْفَذَ للآخَرِ (٦):
(١) قوله: (وَلَوْ فِيمَا فِيهِ رَدٌّ) أي: لزِمت القسمةُ، ولو كانت القسمةُ فيما فيه رَدُّ عِوضٍ. م ص [¬١].
قوله: «ولو». غاية لقوله: «ولزمت».
(٢) قوله: (وَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا) أي: الشَّريكَينِ الآخرَ؛ بأن قال له: اختَر أيَّ القسمين شئتَ بلا قُرعَةٍ، ولم يَكُنْ ثَمَّ قاسم، فالقسمةُ تلزمُ برضاهُما فقولُ المصنف: «وتراضيا» قيدٌ لقوله: «ولَزِمَت» ولقوله: «وإن خيَّرَ أحدُهُما .. إلخ» وبتفرُّقِهما بأبدَانهما، كتفرُّقِ متبايعينِ. م ص [¬٢] وإيضاح.
(٣) قوله: (جَهِلَهُ) وقتَ القِسمةِ.
(٤) قوله: (أَوْ إِمْسَاك) نصيبه المَعيبِ مَعَ أخذِ أرشِ العيبِ من شَريكِه.
(٥) قوله: (تحالفًا) أي: حَلَفَ كلٌّ على نفي ما ادَّعاه الآخرُ. م ص [¬٣].
(٦) قوله: (وَإِنْ حَصَلَتِ الطَّرِيقُ فِي حِصَّةِ أَحَدِهِمَا) بأن حصلَ لأحدِهما ما يلِي
стр. 2128
بَطَلَتْ (١).
البابَ، وللآخرِ النصفُ الداخلُ (وَلا مَنْفَذَ للآخَرِ) الذي حصلَ له الداخلُ؛ بأن لم يكُن له طريقٌ مِنْ جهةٍ أخرى، ولا مِلكَ له بجوارِه ينفذُ إليه، بطلَت القسمةُ؛ لعدَمٍ تمكُّنِ الداخِلِ من الانتفاع بما حصَلَ له من القسمةِ، فلا تكونُ السهامُ معدلةً؛ لوجُوبِ التعديلِ في جَميعِ الحقوقِ. م ص [¬١].
(١) قوله: (بَطَلَتْ) لعدَمِ تمكُّنِ الداخلِ الذي حصلَ له ما وراء، مما يلي بابَ الدَّارِ من الانتفِاع، ما لم يكُن راضيًا عالمًا بأنه لا طريقَ له، كما صرَّح به ابنُ قندس. ح ف.
стр. 2129
بَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِ
لا تَصِحُّ الدَّعْوَى: إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ (١).
بَابُ الدَّعاوى والبِّيناتِ
الدَّعاوى، جمعُ دعوى، من الدُّعاء، وهي: الطلبُ. والدَّعاوِي، بكسر الواو وفتحها، وهي لغة: الاسمُ من الادِّعاء.
واصطلاحًا: إضافةُ الإنسانِ إلى نفسِه استحقاقَ شيءٍ في يدِ غيرِه، إن كانَ المدَّعى به عينًا، أو في ذِمته، أي: الغير، إن كانَ دَينًا من قَرض أو غَصبٍ ونحوِه. والمدَّعي: مَنْ يطالِبُ غيره بحقٍّ [¬١] مِنْ عَينٍ أو دينٍ، يذكرُ [¬٢] استحقاقَه عليه. والمدَّعى عليه: المطالبُ، بفتح اللام، أي: من يطالِبُه غيرُه بحقٍّ، يذكرُ استحقاقَه عليه. ويقالُ: من إذا تركَ، لا يُترك. والبينةُ، واحدةُ البيناتِ: العلامةُ الواضحةُ، كالشاهدِ فأكثَر. م ص [¬٣] وزيادة.
(١) قوله: (لا تَصِحُّ الدَّعْوَى [¬٤] إلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ) أي: وهو الحُر، البالغُ، العاقلُ، الرشيدُ. ويلحقُ بذَلِكَ العبدُ المميزُ إذا أذنَ له سيدُه فيها، وكذا الحرُّ [¬٥] المميزُ والسفيهُ إذا أذنَ لهُما وليُّهُما. ح ف.
стр. 2130
وإذَا تَدَاعَيَا عَيْنًا، لَمْ تَخْلُ مِنْ أَرْبَعَةِ أحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ لا تَكُونَ بِيَدِ أَحَدٍ (١)، وَلا ثَمَّ (٢) ظَاهِرٌ (٣)، وَلا بَيِّنَةٌ (٤): فَيَتَحالَفَانِ، وَيَتَناصَفَاهَا (٥). وَإِنْ وُجِدَ ظَاهِرٌ (٦) لأحَدِهِمَا: عُمِلَ بِهِ (٧).
الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا (٨): فَهِي لَهُ بِيَمِينِهِ (٩).
(١) قوله: (أَنْ لا تَكُونَ بِيَدِ أَحَدٍ) أي: بأن لا تكونَ بيد المدَّعيينِ ولا غَيرهما. ح ف.
(٢) قوله: (وَلَا ثَمَّ) بفتح المثلَّثة.
(٣) قوله: (ظَاهِرٌ) يُعملُ بهِ.
(٤) قوله: (وَلا بَيِّنَةٌ) لأحدِهما، وادَّعى كُلٌّ منهُما أنها كلَّها له. م ص [¬١].
(٥) قوله: (فَيَتَحالَفَانِ وَيَتَناصَفَاهَا) فلو نكَلَ أحدُهما، حُكِمَ بها كلِّها للآخرِ، فلو نكَلا تناصَفَاها أيضًا. ح ف.
(٦) قوله: (وَإِنْ وُجِدَ ظَاهِرٌ) أي: وإن وُجِدَ أمرٌ ظاهرٌ يرجِّحُ أنها لأحدهما. م ص [¬٢].
(٧) قوله: (عُمِلَ بِهِ) أي: بهذا الظاهرِ، فيحلفُ ويأخذُها، أي: فيُحكمُ له بها بيمينِه. وإن كانَ لأحدهما بينةٌ، حُكم له بها بلا يمينٍ، وتُقدمُ على مَنْ الظاهرُ معهُ. ح ف وزيادة.
(٨) قوله: (الثَّانِي أَنْ تَكُونَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا) أي: ولا بينةَ للآخرِ. ح ف.
(٩) قوله: (فَهِي لَهُ بِيَمِينِهِ) إن لم تكُن بينةٌ، وكذا إن كانت بينةُ الآخرِ غائبةً
стр. 2131
فَإنْ لَمْ يَحْلِفْ: قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً.
الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ بِيَدَيْهِمَا (١)، كَشَيْءٍ كُلٌّ مُمْسِكٌ لِبَعْضِهِ: فَيَتَحَالَفَانِ (٢)، ويَتنَاصَفَاهُ. فَإِنْ قَوِيَتْ يَدُ أَحَدِهِمَا (٣)، كَحَيَوانٍ، وَاحِدٌ سَائِقُهُ وَآخَرُ رَاكِبُهُ (٤)، أَوْ قَمِيصٍ (٥)، وَاحِدٌ آخِذٌ بِكُمِّهِ وَآخَرُ لابِسُهُ:
وطُلب يمينُه. ولو ادَّعى كَفنًا على ميِّتٍ ولا بينةَ، فهو للميتِ، ولا يمينَ على أحدٍ. ح ف.
(١) قوله: (الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ بِيَدَيْهِمَا) أي: ولا بينةَ. ح ف.
(٢) قوله: (فَيَتَحالَفَانِ) أي: يحلفُ كلٌّ منهما، فإن نكل أحدُهما وحلفَ الآخرُ، قُضي له بجميعِها، فإن نكَلا، تناصفَاهَا أيضًا. ح ف.
(٣) قوله: (فَإِنْ قَوِيَتْ يَدُ … إلخ) أي: المتنازعينِ، كطفلٍ مجهولِ النَّسبِ وادَّعى كلٌّ منهما رِقَّه ولا بينةَ. وحيثُ حُكم به، لم تُقبل دعواهُ الحريةَ إذا بلغَ بلا بينةٍ، إلَّا أن يُعرف أن سببَ اليدِ غيرُ الملكِ، مثلُ الالتقاطِ، فلا تُقبلُ دعوَى رقِّهِ؛ لأنَّ اللقيطَ محكومٌ بحريتِه. ح ف.
(٤) قوله: (وَآخَرُ رَاكِبُهُ) أو عليهِ حملُه، فهو للثاني الراكِبِ وصاحبِ [¬١] الحملِ بيمينهِ؛ لأنَّ تصرُّفَه أقوَى، ويده آكدُ، وهو المستَوفي لمنفعةِ الحيوانِ. م ص [¬٢].
(٥) قوله: (أَوْ قَمِيصٍ) أي: أو كقميصٍ.
стр. 2132
فَلِلثَّانِي (١) بِيَمِينِهِ (٢).
وَإِنْ تَنَازَعَ صَانِعَانِ في آلَةِ دُكَّانِهِمَا: فَآلَةُ كُلِّ صَنْعَةٍ لِصَانِعِهَا (٣). وَمَتَى كَانَ لأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ (٤):
(١) قوله: (فللثَّانِي) اللابسِ له.
(٢) قوله: (بِيَمِينِهِ) لأنَّ تصرُّفَه أقوى، ويدَه آكُد، وهو المستَوفي لمنفعتِه. فإن كانَ كُمُّهُ بيدِ أحدِهما، وباقيهِ بيدِ الآخرِ، أو تنازَعا عمامةً، طرفُها بيدِ أحدِهما، وباقيها بيد الآخَر، فهما سواءٌ فيهمَا؛ لأن يدَ [¬١] الممسكِ للطرفِ عليها، بدليلِ أنها لو كانَ باقيها على الأرض فنازعهُ غيرُه فيها، كانت له. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (فَآلَةُ كُلِّ صَنْعَةٍ لِصَانِعِهَا) أي: لصاحِبها، كنجَّارٍ وحدادٍ بدكَّانٍ، وتنازَعا في آلتِهِما أو بعضِها، فآلةُ النجارِ للنجارِ، وآلةُ الحدَّاد للحدَّادِ، سواءٌ كانت أيديهِما على الآلةِ من طريقِ الحُكمِ، أو طريقِ المَشاهدةِ؛ عَملًا بالظاهرِ. م ص [¬٣].
(٤) قوله: (وَمَتَى كَانَ لأَحَدِهِمَا بَيِّنةٌ … إلخ) سواء كانت للمدَّعِي أو المدَّعى عليه، فيُحكمُ له بها بلا يمينٍ على المذهبِ. قاله في «الإنصاف». لكنْ يردُ عليه ما صرَّح به في «المنتهى» من قوله: ولا تُسمعُ بينةُ داخلٍ مع عَدَمِ بينةِ الخارِج. قال في «شرحه»: لعدَم حاجتِه إليها. وفي التعليل نظرٌ، بل هو مُحتاجٌ إليها؛ لدرءِ اليمينِ ودفع التُّهمةِ. وقد يقالُ: لا يَرِدُ ذَلِكَ؛ لأنَّ كل
стр. 2133
فَالعَيْنُ لَهُ. فَإِنْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، وَتَسَاوَتَا (١) مِنْ كُلِّ وَجْهٍ: تَعَارَضَتَا، وَتَسَاقَطَتَا (٢)، فَيَتَحالَفَانِ وَيَتَنَاصَفَانِ مَا بِأَيْدِيهِمَا، وَيَقْتَرِعَانِ (٣) فِيمَا عَدَاهُ (٤)، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ القُرْعَةُ، فَهُو لَهُ بِيَمِينِهِ (٥).
واحدٍ منهُما واضعٌ يدهُ، فليسَ داخلًا مَحضًا. م ص [¬١].
(١) قوله: (وَتَساوَتَا) ولعل المراد بالتَّساوِي: أن يشهدَ كلٌّ منهُما باليد والملكِ، فلو شَهِدَت إحداهُما بالمِلك والأخرى باليدِ، قُدِّمَت الأُولى. ح ف.
(٢) قوله: (وَتَسَاقَطَتَا) لأنَّ كلًّا منهُما تنفِي ما أثبتتهُ الأُخرَى، فلا يُمكنُ العملُ بهمَا ولا بأحدِهِما، فيسقُطانِ ويَصيرانِ كَمَنْ لا بينةَ لهُما. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (وَيَقْتَرِعَانِ [¬٣]) أي: يُقرَعُ بينَ المتنازعَين إذا أقامَ كلٌّ منهُما بينةً.
(٤) قوله: (فِيمَا عَدَاهُ) أي: فيما ليس بيدِ أحَدٍ، أو بيدِ ثالثٍ ولم ينازِع المتداعِيين فيه. قال م خ [¬٤]: هذا ضعيفٌ، والصحيحُ ما سبقَ من أنَّهُما يتحَالَفَانِ ويَتنَاصَفَان. فليحررَّ. انتهى.
(٥) قوله: (فَهُو لَهُ بِيَمِينِهِ) كما لو لم يكُن لواحدٍ منهُما بينةٌ. روي عن ابن عمر وابن الزبير [¬٥]. م ص [¬٦].
стр. 2134
وَإِنْ كَانَتْ العَيْنُ بِيَدِ أَحَدِهِمَا (١): فَهُوَ (٢) دَاخِلٌ، وَالآخَرُ خَارِجٌ، وَبَيِّنَةُ الخَارِجِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ. لَكِنْ: لَوْ أَقَامَ الخَارِجُ (٣) بَيِّنَةً أنَّها مِلْكُهُ، وَالدَّاخِلُ بَيِّنَةً أنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ (٤): قُدِّمَتِ بَيِّنَتُه (٥) هُنَا؛ لِمَا مَعَهَا مِنْ زِيَادَةِ العِلْمِ.
أوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا (٦) بَيِّنَةً أنَّه اشْتَرَاهَا مِنْ فُلانٍ، وَأَقَامَ الآخَرُ بَيِّنَةً كَذلِكَ:
(١) قوله: (وَإِنْ كَانَتْ العَيْنُ بِيَدِ أَحَدِهِمَا) أي: أحدِ المتنازِعَين فيهِ، وأقام كلٌّ منهُما بينةً أنه له. الوالد.
(٢) قوله: (فَهُو) أي: الذي بيده العينُ المدَّعى بها، يُسمَّى: داخِلًا. والذي لم يكُن بيدِه العينُ المدَّعى بها، يسمَّى: خارِجًا. والحاصلُ: أنَّ بينةَ الخارجِ هي بينةُ المدَّعِي، وبينةَ الداخلِ هي بينةُ المنكرِ، وأن بينةَ الخارجِ مقدَّمةٌ على بينةِ الداخل، سواءٌ أُقيمت بينةُ منكرٍ وهو الداخلُ بعدَ رَفع يَده، أو لا. يُشيرُ بهذا التعميمِ إلى أنه لا يكونُ خارجًا إذا أقامَها بعدَ رَفع يدِه، فلا يُحكم له بها. الوالد.
(٣) قوله: (لَكِنْ لَوْ أَقَامَ الخَارِجُ) غيرُ واضع اليدِ. فالاستدراك من: «وبينةُ الخارجِ مقدمةٌ».
(٤) قوله: (أنَّه اشْتَرَاهَا مِنْهُ) أي: من الخارجِ.
(٥) قوله: (قُدِّمَتِ بَيِّنَتُه) أي: الداخلِ؛ لأنه الخارِج معنًى؛ لإثباتِ البينةِ أنَّ المدَّعِي صاحبُ اليدِ، وأن يدَ الداخلِ نائبةٌ عنه. م ص [¬١].
(٦) قوله: (أوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا) أي: المتنازعَينِ في العينِ، وهو الخارجُ.
стр. 2135
عُمِلَ بِأَسْبَقِهِمَا تَارِيخًا.
الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ (١) بِيَدِ ثَالِثٍ. فَإِنِ ادَّعَاهَا (٢) لِنَفْسِهِ (٣): حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا (٤) وأخَذَهَا. فَإِنْ نَكَلَ (٥): أَخَذَاهَا مِنْهُ مَعَ بَدَلِهَا (٦)، وَاقْتَرَعَا عَلَيْهِمَا (٧).
(١) قوله: (الرَّابِعُ أَنْ تَكُونَ) العينُ المتنازعُ فيها.
(٢) قوله: (فَإِنْ ادَّعَاهَا) أي: الثالثُ.
(٣) قوله: (لِنَفْسِهِ) أي: ولا بينةَ لأحدهِما، أو لكلٍّ منهما بينةٌ بملكه لها. ح ف.
(٤) قوله: (حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا) واحدةً. أي: وبَقيت العينُ بيدِه. قال ابن نصر اللَّه في «حاشية المحرر»: هذا يشترط [¬١] أن لا يَرضيا منه بيمينٍ واحدةٍ، فإنه قد توجَّه عليه الحَلِفُ بحقٍّ جماعةٍ، فإذا رضُوا منه بيمَينٍ واحدةٍ، جازَ، كما صرَّح به المصنفُ وغيرُه في هذا الباب. ح ف.
(٥) قوله: (فَإِنْ نَكَلَ) عن اليَمينَين [¬٢]. أما لو نكلَ عن إحدَى اليمينَين، فإنه يُحكم بها كُلِّها لمن نكَلَ عن الحَلِفِ له. ح ف.
(٦) قوله: (أَخَذَاهَا مِنْهُ مَعَ بَدَلِهَا) إن كانت مثليةً، وقيمتِها إن كانَت متقوَّمةً؛ لتلفِ العينِ بتفريطِه، وهو تركُ اليمينِ للأولِ، أشبهَ ما لو أتلفَها. م ص [¬٣].
(٧) قوله: (وَاقْتَرَعَا عَلَيْهِمَا) أي: على العَينِ وبدَلِها؛ لأنَّ المحكُومَ له بالعينِ غيرُ معينٍ.
стр. 2136
وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لَهُمَا: اقْتَسَمَاهَا، وحَلَفَ لكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا (١)، وَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ عَلَى النِّصْفِ المَحْكُومِ لَهُ بِهِ (٢).
وَإِنْ قَالَ (٣): هِي لأَحَدِهِمَا (٤) وَأَجْهَلُهُ، فصَدَّقَاهُ (٥): لَمْ يَحْلِفْ (٦)، وإلَّا حَلَفَ (٧)
وإن نكَلَ عن أحدهِما، وحلَفَ للآخرِ، أخذَ العينَ منه، وحلَفَ مَنْ أَخَذَ العَينَ لصاحبِه أيضًا. عثمان [¬١].
(١) قوله: (وحَلَفَ لكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا) بالنسبةِ إلى النصفِ الذي أقرَّ به لِصاحِبه؛ لأنه يدَّعيه له، كما لو أقرَّ بها لأحدهِما، فإنه يحلفُ للآخرِ.
فإن أقامَ أحدُهما بينةً أنها لهُ بعدَ حلفِ صاحبِه، فالظاهرُ: أنه يحكمُ له بها، ويَرجِعُ من انْتُزِعَ منه النِّصفُ على المقرِّ بذَلِكَ، على قِياسِ ما يأتي. عثمان [¬٢].
(٢) قوله: (المَحْكُومِ لَهُ بِهِ) كما لو كانت العينُ بأيدِيهِما ابتداءً. م ص [¬٣].
(٣) قوله: (وَإِنْ قَالَ) مَنْ العينُ بيدِه.
(٤) قوله: (هِي لأَحَدِهِمَا) أي: لأحَدِ المدَّعيينِ.
(٥) قوله: (فصَدَّقَاهُ) على جهلهِ به.
(٦) قوله: (لَمْ يَحْلِفِ) لتَصديقِهما له في دَعواهُ.
(٧) قوله: (وإلَّا حَلَفَ) أي: وإلَّا يصدقاهُ، حلَفَ؛ بأنْ كذَّباه، أو كذَّبه أحدُهُما. ح ف.
стр. 2137
يَمِينًا وَاحِدَةً (١)، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا (٢)، فَمَنْ قَرَعَ، حَلَفَ وَأَخَذَهَا (٣).
(١) قوله: (يَمِينًا وَاحِدَةً) لأنَّ صاحبَ الحقِّ منهُما واحدٌ غيرُ معيَّنٍ، ولا يلزمُه اليمينُ إلَّا بطلبهما جَميعًا؛ لأنَّ المستحقَّ منُهما لليمينِ غيرُ معيَّنٍ، ولأنه يحلِفُ على نَفي العِلم، وهو شيءٌ واحدٌ: أنه لا يعرفُ عَينَ مَنْ هي له مِنهُما. ح ف.
(٢) قوله: (وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا) في حالتَي التصديقِ والتَّكذيبِ. عثمان [¬١].
(٣) قوله: (فَمَنْ قَرَعَ، حَلَفَ وَأَخَذَهَا) لأنَّ خروجَ القُرعَةِ بمنزلةِ اليدِ. عثمان [¬٢] عليه رحمة اللَّه.
стр. 2138
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ (١) في حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ (٢):
كِتاب الشَّهاداتِ
واحدُها شهادةٌ، مشتقة من المشاهدَةِ؛ لإخبار الشاهِد عمَّا شاهدَه. يقال: شَهِدَ الشيء، إذا رآه، ومن ثمَّ قيلَ لمَحضرِ الناسِ: مَشهَدٌ؛ لأنهم يرَونَ فيه ما يُحضِّرونَه.
وهي أي: الشهادةُ حجةٌ شرعيةٌ، تبيِّنُ الحقَّ المدَّعى به؛ ولهذا سُمِّيت بينةً، ولا تُوجبه، أي: الحُكم، بل القَاضِي يُوجبُه بها.
فالشهادةُ بمعنى الأداءِ: الإخبارُ بما علِمَه الشاهدُ بلفظٍ خاصٍّ، ك: شَهِدتُ، أو: أشهدُ.
قال شريحٌ: القضاءُ جمرٌ، فنحِّه عنكَ بعودينِ يعني: الشاهدَين وإنما الخصم داءٌ، والشاهدُ شفاءٌ، فأفرِغ الشِّفاءَ على الداء [¬١]. م ص [¬٢] وزيادة.
(١) قوله: (تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ) مبتدأ. على المشهُود به.
(٢) قوله: (فِي حُقُوقِ [¬٣] الآدَمِيِّينَ) دون حقِّ اللَّه تعالى، كالبيع، والقرضِ، والغَصبِ، وغَيرِه، كحدِّ قذفٍ. م ص [¬٤].
стр. 2139
فَرْضُ كِفَايَةٍ (١). وَأَدَاؤُهَا (٢): فَرْضُ عَيْنٍ (٣). وَمَتَى تَحَمَّلَهَا: وَجَبَتْ كِتَابَتُهَا (٤).
(١) قوله: (فَرْضُ كِفَايَةٍ) إذا قامَ به مَنْ يكفي، سقطَ عن غَيره، فإن لم يُوجَد إلَّا مَنْ يكفِي، تعيَّن عليه ولو عَبدًا، وليس لسيدهِ منعُه؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]. قال ابن عباس، وقتادةُ، والربيعُ: المراد به التحمُّلُ للشهادةِ وإثباتُها عندَ الحَاكِم [¬١]. ولدُعاءِ الحاجةِ إلى ذَلِكَ في إثباتِ الحقوقِ والعُقودِ، كالأمر بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ، ولئلا يؤدِّيَ إلى امتناعِ الناسِ من تحمُّلِها، فيؤدِّي إلى ضَياعِ الحقوقِ. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (وَأَدَاؤُهَا) أي: الشهادة.
(٣) قوله: (فَرْضُ عَيْنٍ) على من تحمَّل وأدَّاها. قال في «المنتهى»: ويَجِبَان أي: التحملُ والأداءُ إذا دُعِي إليهِمَا.
فلا تجبُ عليه من غَيرِ أن يُدعَى إليها؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]. وقَدَرَ على السَّعي إلى التحملِ والأداءِ؛ بأن لم يكُن مريضًا ولا محبُوسًا، بلا ضررٍ في بدنهِ، أو عرضِه، أو مالِه، أو أهلِه، وكان بدونِ مسافةِ قصرٍ، ولو عندَ سُلطانٍ لا يخاف ضررَه، فإن كانَ عليه ضررٌ في التحملِ أو الأداءِ، في بدَنهِ أو غيرِه ممَّا ذُكر، لم يلزمهُ. عثمان [¬٣].
(٤) قوله: (وَجَبَتْ كِتَابَتُهَا) على مَنْ وجَبَت عليه؛ لئلا ينسَاهَا. ح ف.
стр. 2140
وَيَحْرُمُ: أَخْذُ أُجْرَةٍ وَجُعْلٍ عَلَيْهَا (١). لَكِنْ: إِنْ عَجَزَ عَنْ المَشْيِ (٢)، أَوْ تَأَذَّى بِهِ: فَلَهُ أَخْذُ أُجْرَةِ مَرْكُوبٍ (٣).
ويَحْرُمُ (٤): كَتْمُ الشَّهَادَةِ (٥)، وَلا ضَمَانَ (٦).
(١) قوله: (وَيَحْرُمُ أَخْذُ أُجْرَةٍ وَجُعْلٍ عَلَيْهَا) أي: على تحمُّلها وأدائِها. ح ف.
(٢) قوله: (عَنْ المَشْيِ) إلى محلِّها.
(٣) قوله: (فَلَهُ أَخْذُ أُجْرَةِ … إلخ) أي: من ربِّ الشهادةِ. قال في «الرعاية»: فأجرُ مركوبٍ، والنفقةُ، على ربِّها. ثم قال: قلتُ: هذا إن تعذَّرَ حضورُ المشهودِ عليه إلى محلِّ الشاهِدِ لمرضٍ، أو كبرٍ، أو حَبسٍ، أو جَاهٍ، أو خَفْرٍ [¬١]. وقال أيضًا: وكذا حُكمُ مزكٍّ، ومعرِّفٍ، ومُترجمٍ، ومُفتٍ، ومقيمِ حَدٍّ وقودٍ، وحافظِ بيتِ المالِ، ومُحتسبٍ، والخليفةٍ. انتهى.
(٤) قوله: (وَيَحْرُمُ) على من عندَه شهادةٌ بحقِّ آدميٍّ لا يعلمُها.
(٥) قوله: (كَتْمُ الشَّهَادَةِ [¬٢])؛ للآية، فيقيمُها بطلبِ المشهودِ له، ولو لم يطلبْها حاكمٌ منهُ. ولا يُقدحُ في أداءِ الشهادةِ بلا طلبِ حاكمٍ، وبلا طلبِ مشهودٍ له لم يعلم به فيهِ، كشهادةٍ حسبةً [¬٣] بحقِّ اللَّه تعالى من غيرِ تقدُّمِ دعوى. م ص [¬٤] وزيادة.
(٦) قوله: (وَلا ضَمَانَ) أي: لا يضمنُ من بانَ فسقُه من الشهُودِ، ويتوجَّه التحريمُ عندَ من ضمَّنه، ويكونُ علةً لتضمينه. ش ع [¬٥].