وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا لَهُمَا: اقْتَسَمَاهَا، وحَلَفَ لكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا (١)، وَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ عَلَى النِّصْفِ المَحْكُومِ لَهُ بِهِ (٢).
وَإِنْ قَالَ (٣): هِي لأَحَدِهِمَا (٤) وَأَجْهَلُهُ، فصَدَّقَاهُ (٥): لَمْ يَحْلِفْ (٦)، وإلَّا حَلَفَ (٧)
وإن نكَلَ عن أحدهِما، وحلَفَ للآخرِ، أخذَ العينَ منه، وحلَفَ مَنْ أَخَذَ العَينَ لصاحبِه أيضًا. عثمان [¬١].
(١) قوله: (وحَلَفَ لكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا) بالنسبةِ إلى النصفِ الذي أقرَّ به لِصاحِبه؛ لأنه يدَّعيه له، كما لو أقرَّ بها لأحدهِما، فإنه يحلفُ للآخرِ.
فإن أقامَ أحدُهما بينةً أنها لهُ بعدَ حلفِ صاحبِه، فالظاهرُ: أنه يحكمُ له بها، ويَرجِعُ من انْتُزِعَ منه النِّصفُ على المقرِّ بذَلِكَ، على قِياسِ ما يأتي. عثمان [¬٢].
(٢) قوله: (المَحْكُومِ لَهُ بِهِ) كما لو كانت العينُ بأيدِيهِما ابتداءً. م ص [¬٣].
(٣) قوله: (وَإِنْ قَالَ) مَنْ العينُ بيدِه.
(٤) قوله: (هِي لأَحَدِهِمَا) أي: لأحَدِ المدَّعيينِ.
(٥) قوله: (فصَدَّقَاهُ) على جهلهِ به.
(٦) قوله: (لَمْ يَحْلِفِ) لتَصديقِهما له في دَعواهُ.
(٧) قوله: (وإلَّا حَلَفَ) أي: وإلَّا يصدقاهُ، حلَفَ؛ بأنْ كذَّباه، أو كذَّبه أحدُهُما. ح ف.
стр. 2137
يَمِينًا وَاحِدَةً (١)، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا (٢)، فَمَنْ قَرَعَ، حَلَفَ وَأَخَذَهَا (٣).
(١) قوله: (يَمِينًا وَاحِدَةً) لأنَّ صاحبَ الحقِّ منهُما واحدٌ غيرُ معيَّنٍ، ولا يلزمُه اليمينُ إلَّا بطلبهما جَميعًا؛ لأنَّ المستحقَّ منُهما لليمينِ غيرُ معيَّنٍ، ولأنه يحلِفُ على نَفي العِلم، وهو شيءٌ واحدٌ: أنه لا يعرفُ عَينَ مَنْ هي له مِنهُما. ح ف.
(٢) قوله: (وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا) في حالتَي التصديقِ والتَّكذيبِ. عثمان [¬١].
(٣) قوله: (فَمَنْ قَرَعَ، حَلَفَ وَأَخَذَهَا) لأنَّ خروجَ القُرعَةِ بمنزلةِ اليدِ. عثمان [¬٢] عليه رحمة اللَّه.
стр. 2138
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ (١) في حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ (٢):
كِتاب الشَّهاداتِ
واحدُها شهادةٌ، مشتقة من المشاهدَةِ؛ لإخبار الشاهِد عمَّا شاهدَه. يقال: شَهِدَ الشيء، إذا رآه، ومن ثمَّ قيلَ لمَحضرِ الناسِ: مَشهَدٌ؛ لأنهم يرَونَ فيه ما يُحضِّرونَه.
وهي أي: الشهادةُ حجةٌ شرعيةٌ، تبيِّنُ الحقَّ المدَّعى به؛ ولهذا سُمِّيت بينةً، ولا تُوجبه، أي: الحُكم، بل القَاضِي يُوجبُه بها.
فالشهادةُ بمعنى الأداءِ: الإخبارُ بما علِمَه الشاهدُ بلفظٍ خاصٍّ، ك: شَهِدتُ، أو: أشهدُ.
قال شريحٌ: القضاءُ جمرٌ، فنحِّه عنكَ بعودينِ يعني: الشاهدَين وإنما الخصم داءٌ، والشاهدُ شفاءٌ، فأفرِغ الشِّفاءَ على الداء [¬١]. م ص [¬٢] وزيادة.
(١) قوله: (تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ) مبتدأ. على المشهُود به.
(٢) قوله: (فِي حُقُوقِ [¬٣] الآدَمِيِّينَ) دون حقِّ اللَّه تعالى، كالبيع، والقرضِ، والغَصبِ، وغَيرِه، كحدِّ قذفٍ. م ص [¬٤].
стр. 2139
فَرْضُ كِفَايَةٍ (١). وَأَدَاؤُهَا (٢): فَرْضُ عَيْنٍ (٣). وَمَتَى تَحَمَّلَهَا: وَجَبَتْ كِتَابَتُهَا (٤).
(١) قوله: (فَرْضُ كِفَايَةٍ) إذا قامَ به مَنْ يكفي، سقطَ عن غَيره، فإن لم يُوجَد إلَّا مَنْ يكفِي، تعيَّن عليه ولو عَبدًا، وليس لسيدهِ منعُه؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]. قال ابن عباس، وقتادةُ، والربيعُ: المراد به التحمُّلُ للشهادةِ وإثباتُها عندَ الحَاكِم [¬١]. ولدُعاءِ الحاجةِ إلى ذَلِكَ في إثباتِ الحقوقِ والعُقودِ، كالأمر بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ، ولئلا يؤدِّيَ إلى امتناعِ الناسِ من تحمُّلِها، فيؤدِّي إلى ضَياعِ الحقوقِ. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (وَأَدَاؤُهَا) أي: الشهادة.
(٣) قوله: (فَرْضُ عَيْنٍ) على من تحمَّل وأدَّاها. قال في «المنتهى»: ويَجِبَان أي: التحملُ والأداءُ إذا دُعِي إليهِمَا.
فلا تجبُ عليه من غَيرِ أن يُدعَى إليها؛ لقوله تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]. وقَدَرَ على السَّعي إلى التحملِ والأداءِ؛ بأن لم يكُن مريضًا ولا محبُوسًا، بلا ضررٍ في بدنهِ، أو عرضِه، أو مالِه، أو أهلِه، وكان بدونِ مسافةِ قصرٍ، ولو عندَ سُلطانٍ لا يخاف ضررَه، فإن كانَ عليه ضررٌ في التحملِ أو الأداءِ، في بدَنهِ أو غيرِه ممَّا ذُكر، لم يلزمهُ. عثمان [¬٣].
(٤) قوله: (وَجَبَتْ كِتَابَتُهَا) على مَنْ وجَبَت عليه؛ لئلا ينسَاهَا. ح ف.
стр. 2140
وَيَحْرُمُ: أَخْذُ أُجْرَةٍ وَجُعْلٍ عَلَيْهَا (١). لَكِنْ: إِنْ عَجَزَ عَنْ المَشْيِ (٢)، أَوْ تَأَذَّى بِهِ: فَلَهُ أَخْذُ أُجْرَةِ مَرْكُوبٍ (٣).
ويَحْرُمُ (٤): كَتْمُ الشَّهَادَةِ (٥)، وَلا ضَمَانَ (٦).
(١) قوله: (وَيَحْرُمُ أَخْذُ أُجْرَةٍ وَجُعْلٍ عَلَيْهَا) أي: على تحمُّلها وأدائِها. ح ف.
(٢) قوله: (عَنْ المَشْيِ) إلى محلِّها.
(٣) قوله: (فَلَهُ أَخْذُ أُجْرَةِ … إلخ) أي: من ربِّ الشهادةِ. قال في «الرعاية»: فأجرُ مركوبٍ، والنفقةُ، على ربِّها. ثم قال: قلتُ: هذا إن تعذَّرَ حضورُ المشهودِ عليه إلى محلِّ الشاهِدِ لمرضٍ، أو كبرٍ، أو حَبسٍ، أو جَاهٍ، أو خَفْرٍ [¬١]. وقال أيضًا: وكذا حُكمُ مزكٍّ، ومعرِّفٍ، ومُترجمٍ، ومُفتٍ، ومقيمِ حَدٍّ وقودٍ، وحافظِ بيتِ المالِ، ومُحتسبٍ، والخليفةٍ. انتهى.
(٤) قوله: (وَيَحْرُمُ) على من عندَه شهادةٌ بحقِّ آدميٍّ لا يعلمُها.
(٥) قوله: (كَتْمُ الشَّهَادَةِ [¬٢])؛ للآية، فيقيمُها بطلبِ المشهودِ له، ولو لم يطلبْها حاكمٌ منهُ. ولا يُقدحُ في أداءِ الشهادةِ بلا طلبِ حاكمٍ، وبلا طلبِ مشهودٍ له لم يعلم به فيهِ، كشهادةٍ حسبةً [¬٣] بحقِّ اللَّه تعالى من غيرِ تقدُّمِ دعوى. م ص [¬٤] وزيادة.
(٦) قوله: (وَلا ضَمَانَ) أي: لا يضمنُ من بانَ فسقُه من الشهُودِ، ويتوجَّه التحريمُ عندَ من ضمَّنه، ويكونُ علةً لتضمينه. ش ع [¬٥].
стр. 2141
وَيَجِبُ: الإشْهَادُ في عَقْدِ النِّكَاحِ (١) خَاصَّةً. وَيُسَنُّ: في كُلِّ عَقْدٍ سِوَاهُ (٢).
ويَحْرُمُ: أَنْ يَشْهَدَ إلَّا بِمَا يَعْلَمُهُ (٣)(١) قوله: (وَيَجِبُ الإشْهَادُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ) أي: ويجبُ. إشهادُ اثنينِ على نكاحٍ؛ لأنه شرطٌ فيه، فلا ينعقدُ بدُونها. وتقدَّم. م ص [¬١].
(٢) قوله: (وَيُسَنُّ) الإشهادُ (فِي كُلِّ عَقْدِ سِوَاهُ) من بيعٍ، وإجارةٍ، وصلحٍ، وغيره؛ لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]. وحُمِلَ على [¬٢] الاستحباب. م ص [¬٣].
(٣) قوله: (ويَحْرُمُ أَنْ يَشْهَدَ) أي: ويحرمُ أن يَشهَدَ أحدٌ (إلَّا بِمَا يَعْلَمُهُ)؛ لقوله تعالى: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾ [الزّخرُف: ٨٦]. قال المفسرون هنا: وهو يعلمُ ما شَهِدَ به عن بصيرةٍ وإتقانٍ. وقال ابن عباس: سُئِلَ النبيُّ ﷺ عن الشهادةِ؟ قال: «تَرَىَ الشمسَ؟». قال: نعمَ [¬٤]. قال: «على مِثلها فاشهدْ، أو دع» [¬٥]. رواه الخلال في «جامعه». والمرادُ: العلمُ في أصل المدركِ لا دوامِه؛ ولذَلِكَ يُشهدُ بالدينِ، أي: بقضائِه، معَ جوازِ دفعِ المدينِ لهُ. م ص [¬٦].
стр. 2142
بِرُؤْيَةٍ (١) أَوْ سَمَاعٍ (٢).
وَمَنْ رَأَى شَيْئًا (٣) بِيَدِ إنْسَانٍ يَتَصَرَّفُ فِيهِ مُدَّةً طَوِيلَةً كَتَصَرُّفِ المُلَّاكِ، مِنْ نَقْضٍ وبِنَاءٍ وَإِجَارَةٍ وَإِعَارَةٍ: فَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِالمِلْكِ (٤).
(١) قوله: (برُؤْيَةٍ) أي: فمدركُ العلم الذي تقعُ به الشهادةُ يكونُ برؤيةٍ، أو سَمَاعٍ غالبًا؛ لجوازِ الشهادةِ ببقية الحواس، كالذَّوقِ والَّلمسِ. م ص [¬١] وزيادة.
(٢) قوله: (أَوْ سَمَاعٍ) من مشهُودٍ عليه، أي: فيصحُّ إذا رآه يقرُّ بحقٍّ لآخرَ أن يشهدَ عليه بذَلِكَ، إذَا رآه تيقَّنَ أنه هو، وإن لم يرهُ. قال في «الشرح الكبير»: وقد اعتبرهُ الشرعُ بتَجْويزِ الروايةِ مِنْ غيرِ رُؤيةٍ، ولهذا قُبِلَت روايةُ الأعمَى، وروايةُ مَنْ روَى عن أزواج النبيِّ ﷺ من غيرِ محارمهنَّ. ح ف.
(٣) قوله: (وَمَنْ رَأَى شَيْئًا … إلخ) أي: له الشهادة فيه بالملكِ. قال في «الشرح الكبير»: واحتمالُ كونِها من غصبٍ أو إجارةٍ أو نحو ذَلِكَ، يعارضُه استمرارٌ إليه من غيرِ منازعٍ، فلا يبقَى مانِعًا، كما لو شاهَدَ سببَ اليَدِ، فإنَّ احتمال كونِ كلٍّ من البائعِ والوارثِ والواهِب غيرَ مالكٍ، غيرُ مانعٍ للشهادةِ، كذا هاهُنا. فإن قيلَ: فإذا بقي الاحتمالُ، لم يحصُل العلمُ، ولا تجوزُ الشهادةُ إلَّا معَ العلمِ؟. قلنا: الظنُّ يُسمى عِلمًا؛ قال تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات﴾ [المُمتَحنَة: ١٠]. ولا سبيلَ إلى العلمِ اليقينيِّ ها هُنا، فجازَ بالظنِّ. ح ف.
(٤) قوله: (فَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِالملْكِ) جوابُ الشرطِ. لأن تصرُّفَه فيه على هذا
стр. 2143
والوَرَعُ: أنْ يَشْهَدَ بِاليَدِ والتَّصَرُّفِ.
الوجهِ بلا منازعٍ، دليلُ صحةِ الملكِ. م ص [¬١].
стр. 2144
فَصْلٌ
وَإِنْ شَهِدَا (١) أَنَّهُ طَلَّقَ وَاحِدَةً، وَنَسِيَا عَيْنَهَا (٢): لَمْ تُقْبَلْ (٣).
وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّه أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفٍ، وَالآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِألفَيْنِ: كَمُلَت (٤) بِأَلْفٍ. وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ (٥) عَلَى الألْفِ الآخَرِ مَعَ شَاهِدِهِ
فَصْلٌ
(١) قوله: (وَإِنْ شَهِدَا) أي: العَدلانِ.
(٢) قوله: (أَنَّهُ طَلَّقَ) مِنْ نسائِه (وَاحِدَةً وَنَسِيَا عَيْنَهَا). م ص [¬١].
(٣) قوله: (لَمْ تُقْبَلْ) شهادتُهما؛ لأنها بغيرِ معيَّنٍ، فلا يمكنُ العملُ بها. ولو شَهِدَت بينةٌ أنه ماتَ وهذا مِلكُه، وبينةٌ أنه وَقَفَه أو وهَبَه، قُدِّمت بينةُ وقفِه أو هبتِه؛ لأن معَها زيادةَ علمٍ. ولو قال: استثنيتُ في طلاقِي، فشهِدَت بينةٌ أنه لم يستثنِ، لم يُقبل قولُه؛ لأنَّ شهادتَها عليه بتركِ الاستثناءِ وهو فِعلٌ فيقدَّم على دعواه، بخلافِ ما لو شهدَت بقولِها: لم نسمَعهُ يستثنِ، فإنَّ قولَه يُقبلُ؛ لأنها لم تشهَد عليهِ بتركِ الاستثناءِ، بل على نفسِها بعدَمِ السماعِ، ولا يلزمُ منه عدمُ المَسموعِ. أما لو شهدت بينةٌ أنه استثنَى، وبينةٌ أنه لم يَستَثنِ، فالظاهِرُ التعارضُ، ويتوجَّه تقديمُ بينةِ الاستثناءِ؛ لأن معها زيادةَ علمٍ. ابن نصر اللَّه.
(٤) قوله: (كَملَت) البينة، وثبتَ الإقرارُ بالألف.
(٥) قوله: (وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ) أي: للمشهودِ له أن يحلفَ.
стр. 2145
وَيَسْتَحِقُّهُ (١).
وَإِنْ شَهِدَا (٢) أَنَّ عَلَيْهِ ألْفًا (٣)، وَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَضَاهُ بَعْضَهُ: بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ (٤).
وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ أقْرَضَهُ أَلْفًا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا: قَضَاهُ نِصْفَهُ: صَحَّتْ شَهَادَتُهُمَا (٥).
(١) قوله: (وَيَسْتَحِقُّهُ) حيثُ لم يختلِف السببُ ولا الصفةُ؛ لأنها دعوةٌ واحدةٌ. م ص [¬١].
(٢) قوله: (وَإِنْ شَهِدَا) أي: العَدلان.
(٣) قوله: (أَنَّ عَلَيْهِ) أي: المدَّعَى عليه (ألْفًا). للمدَّعِي.
(٤) قوله: (بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ) نصًّا؛ لأن قوله: «قضاهُ بعضهُ» يناقضُ شهادتَه عليه بالألف، فأفسَدَها. م ص [¬٢].
وبيَّن ابنُ قندسٍ وجهَ التناقضِ بقولِه: إنَّ قولَه: «عليه». يقتضِي أنها عَليه حالَ الشهادةِ. وقوله: «قضاهُ» يقتضِي أنها ليسَت عليه، وهذا تناقضٌ، فبطلَت لذَلِكَ. انتهى.
قال م خ [¬٣]: وللمدَّعِي أن يحلفَ مع الآخر ويَستَحِقُّ الأَلْفَ؛ على قياسِ ما تقدَّم. انتهى.
(٥) قوله: (صَحَّتْ شَهَادَتُهُمَا) لأنَّ قولَ أحدِ الشاهدَين «قضاهُ بعضَه» رجوعٌ
стр. 2146
وَلا يَحِلُّ لِمَنْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِاقْتِضَاءِ الحَقِّ (١): أَنْ يَشْهَدَ بِهِ (٢).
وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ في جَمْعٍ (٣) مِنَ النَّاسِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّه طَلَّقَ، أَوْ أَعْتَقَ، أَوْ: شَهِدَا عَلَى خَطِيبٍ أَنَّه قَالَ (٤) أَوْ فَعَلَ عَلَى المِنْبَرِ في الخُطْبَةِ شَيْئًا (٥)، وَلَمْ يَشْهَدْ بِهِ أَحَدٌ غَيْرُهُمَا:
عن الشهادةِ بخمسمائة. م ص [¬١].
وبين ابنُ قندُس وجَه الصحةِ أيضًا: أن قوله: «أقرضَه». شهادةٌ بحالِ القرضِ، وقوله: إنه أعطاهُ بعدَ ذَلِكَ، لا يناقضُه. انتهى.
(١) قوله: (وَلا يَحِلُّ لِمَنْ أَخْبَرَهُ … إلخ) عدلٌ، أي: ولا يجوزُ لمَن تحملَ شهادةً بحقٍّ، وأخبرَه باقتضاءِ الحقِّ أو انتقالِه بنحوِ حوالةٍ. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (أَنْ يَشْهَدَ بِهِ) أي: بالحقِّ الذي تحمَّله، نصًّا. ولو قضاهُ نصفَه، ثم جحد [¬٣] بقيتَه، فقال الإمامُ أحمدُ: يدَّعيه كلَّه، وتقوم البينةُ، فتشهدُ على حقِّه كلِّه، ثم يقولُ للحاكِم: قضَانِي نصفَه. م ص [¬٤].
(٣) قوله: (فِي جَمْعٍ) أي: مَحفلٍ [¬٥]، أي: مجتَمع مِنْ النَّاسِ.
(٤) قوله: (أَوْ شَهِدَا عَلَى خَطِيبٍ أَنَّه قَالَ) أي: كما لو شَهِدا أنه سبَّ صحابيًّا. ح ف.
(٥) قوله: (أَوْ فَعَلَ عَلَى المِنْبَرِ … إلخ) كما لو شَهِدا أنه ضَرَبَ آخرَ وهو على المنبرِ في حالِ الخطبةِ. ح ف.
بَابُ شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ
وهِي سِتَّةٌ (١):
أحَدُهَا: البُلُوغُ، فَلا شَهَادَةَ لِصَغِيرٍ (٢)، وَلَوْ اتَّصَفَ بالعَدَالَةِ (٣).
الثَّانِي: العَقْلُ (٤)،
بَابُ شُروطِ مَنْ تُقبلُ شَهادتُه
(١) قوله: (وهِي سِتَّةٌ) بالاستقراءِ. واعتبر في الشاهدِ خلوُّه عمَّا يوجبُ التهمةَ فيه ووجودُ ما يوجب تيقظهُ، وتحرزَه؛ ليغلبَ على الظنِّ صِدقُه؛ حَذَرًا من أنْ يشهدَ بعضُ الفجارِ لبعضٍ، فتؤخذُ الأنفسُ والأموالُ والأعراضُ بغيرِ حقٍّ. م ص [¬١].
(٢) قوله: (فَلا شَهَادَةَ) أي: فلا تُقبلُ الشهادةُ من صغيرٍ، ذكرٍ أو أُنثى، ولو كانَ الصغيرُ في حالِ أهل العدالةِ؛ بأن كانَ متَّصفًا بما يتَّصفُ به المُكلَّفُ العدلُ. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (وَلَوْ اتَّصَفَ بالعَدَالَةِ) أي: وهي أن يكونَ مُسلمًا، عاقلًا، عدلًا، عالمًا بما يشهدُ به، غير متَّهم. قال في «الرعاية»: وقيل: تقبلُ مع بقيةِ شروطِ العدالةِ، والمرادُ إذا كانَ ابن عشرٍ، كما في «الشرح الكبير». ح ف.
(٤) قوله: (الثَّانِي) أي: الشرط الثاني: (العَقْلُ). وهو: نوعٌ من العلومِ الضروريةِ، أي: غريزةٌ ينشأ عنها ذَلِكَ. وليس مُكتسبًا، بل خلَقَه اللَّه تعالى
стр. 2149
فَلا شَهَادَةَ لِمَعْتُوهٍ (١) وَمَجْنُونٍ (٢).
يُفارقُ به الإنسانُ البهيمةَ، ويستعدُّ به لفَهمِ [¬١] دقيقِ العلُوم، وتدبيرِ الصنائعِ الفكريَّةِ. والعلمُ الضروريُّ: هو الذي لا يُمكنُ ورودُ الشكِّ عليه. وقولُهم نوعٌ منها لا جَميعِها، وإلَّا لوجبَ أن يكونَ الفاقدُ للعلمِ بالمُدركاتِ لعدمِ إدراكِها، غيرَ عاقلٍ. وقال الشيخُ تقيُّ الدين: فهو القوةُ المدركةُ، كما يدلُّ عليه كلامُ الإمامِ أحمد، لا الإدراكُ. ومحلُّه القلبُ، وله اتِّصالٌ بالدِّماغِ.
وفي «القاموس» [¬٢]: والحقُّ أنه نورٌ روحانيٌّ به تُدركُ النفسُ العلومَ الضروريةَ والنظريةَ. وابتداءُ وجوده عندَ اختلافِ المولودِ، ثم لا يزالُ ينمو إلى أن يكملَ عندَ البلوغ. انتهى.
والعاقل: مَنْ عَرفَ الواجِبَ عقلًا، كوجُودِ الباري تعالى، وكونِ الواحدِ أقلَّ [¬٣] من الاثنين، والممكنَ، كوُجود العَالَم، والممتنِعَ، وهو المُستحيلُ، كاجتِماع الضدَّين، وكونِ الجسمِ في مكانَين. ح ف وزيادة.
(١) قوله: (فَلا شَهَادَةَ لِمَعْتُوهٍ) في «القاموس»: عته، فهو معتُوهٌ: نقصَ عقلُه، أو فسَدَ، أو دَهَشَ. ح ف.
(٢) قوله: (وَمَجْنُونٍ) إلَّا من يُخنَق أحيانًا، فتُقبلُ شهادتُه إذا شَهِدَ، أي: تحمَّل وأدَّى في حال إفاقتِه؛ لأنها شهادةٌ مِنْ عاقِلٍ. عثمان [¬٤].
стр. 2150
الثَّالِثُ: النُّطْقُ، فَلا شَهَادَةَ لأَخْرَسَ (١)، إلَّا إِذَا أَدَّاهَا بِخَطِّهِ (٢).
الرَّابِعُ: الحِفْظُ، فَلا شَهَادَةَ لِمُغَفَّلٍ (٣)، وَمَعْرُوفٍ بِكَثْرَةِ غَلَطٍ وَسَهْوٍ (٤).
(١) قوله: (فَلا شَهَادَةَ لِأَخْرَسَ) ولو فُهِمَت إشارتُه؛ لأن الشهادةَ يُعتبرُ فيها التحققُ واليقينُ، والإشارةُ لا يحصُلُ بها [¬١] ذَلِكَ. ح ف.
(٢) قوله: (إلَّا إِذَا أَدَّاهَا بِخَطِّهِ) فتقبل؛ لدلالَةِ الخطِّ على الألفاظِ؛ لأن الكتابةَ عندنا بمنزلَةِ الصَّريح، ولهذا صحَّ نكاحُ القادرِ على النُّطقِ. ح ف.
(٣) قوله: (لِمُغَفَّلٍ … إلخ) غَفَلَ عنه غُفُولًا: تركَه وسَها عنه كأغفَلَهُ، أو غَفَّلَ. كمعظَّم: من لا فِطنةَ له. انتهى. «قاموس» [¬٢].
(٤) قوله: (بِكَثْرَةِ غَلَطٍ وَسَهْوٍ) الغلطُ مصدرُ غَلِطَ، إذا أخطأ الصَّوابَ في كلامِه. عن السَّعديِّ، والعربُ تقولُ: غَلِطَ في مَنطقِه، وغَلِطَ في الحِسابِ. وحَكَى الجوهريُّ عن بعضِهم: أنَّهما لُغتانِ بمَعنى واحدٍ؛ لأنه لا [¬٣] تحصلُ الثقةُ بقولِه.
وتقييدُه بالكثرةِ يحترزُ به عن القلةِ في ذَلِكَ. قال ابنُ ظهيرة: ومعنَى كلامِ المصنِّفِ وغيرِه: أنه لو تَساوى حالُه، قُبِلَت شهادتُه. وكلامُ الشيخ في «المغني» يحتَمِلُ خلاف هذا؛ لأنه قال: لا يَمنعُ من الشهادةِ غلطٌ نادرٌ، وغفلةٌ نادرةٌ. ح ف.
стр. 2151
الخَامِسُ: الإسْلامُ، فَلا شَهَادَةَ لكَافِرٍ، وَلَوْ عَلَى مِثْلِهِ (١).
السَّادِسُ: العَدَالَةُ (٢). وَيُعْتَبَرُ لَهَا شَيْئَانِ (٣): الصَّلاحُ في الدِّينِ. وَهُوَ (٤): أَدَاءُ الفَرَائِضِ (٥) بِرَوَاتِبِهَا (٦)، وَاجْتِنَابُ المُحَرَّمِ (٧)؛ بِأَنْ لا يَأْتِيَ كَبِيرةً، وَلا يُدْمِنَ (٨)(١) قوله: (الخَامِسُ: الإسْلامُ، فَلا شَهَادَةَ لكَافِرٍ) قال أبو حنيفة: تُقبل شهادةُ الكفَّارِ بعضهم على بعضٍ. والكفرُ عندَه ملةٌ واحدةٌ، فتقبلُ شهادةُ اليهوديِّ على النصرانيِّ، وعكسُه. ح ف.
(٢) قوله: (السَّادِسُ العَدَالَةُ) وهي في اللغة: الاستقامةُ والاستواءُ، مصدرُ عَدُلَ، بضم الدال؛ إذ العدلُ ضِدُّ الجَورِ، أي: الميلِ. وشرعًا: استواءُ أحوالِه في دينِه، واعتدالِ أقوالِه وأفعالِه. م ص [¬١].
(٣) قوله: (وَيُعْتَبَرُ لَهَا) أي: العدالةِ، شَرطان.
(٤) قوله: (الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ وَهُوَ) نوعَان: أحدُهُما: «أداءُ الفرائضِ .. إلخ».
(٥) قوله: (أَدَاءُ الفَرَائِضِ) أي: كلِّ فريضةٍ من صلاةٍ، وحجٍّ، وصومٍ، وغيرِها. عثمان [¬٢].
(٦) قوله: (بِرَوَاتِبِهَا) أي: رواتبِ ما له راتبةٌ، كالصلاةِ. عثمان [¬٣].
(٧) قوله: (وَاجْتِنَابُ المُحَرَّمِ) والنوعُ الثاني: اجتنابُ.
(٨) قوله: (وَلا يُدْمِنُ) أي: يداومُ.
стр. 2152
عَلَى صَغِيرَةٍ (١). الثَّانِي: اسْتِعْمَالُ المُرُوءَةِ (٢).
(١) قوله: (عَلَى صَغِيرةٍ) وفي «الترغيب»: بأن لا يُكثرَ منها، ولا يُصرَّ على واحدةٍ منها. وقال الشيخ تقي الدين: يُعتبرُ العدُل في كلِّ زمنٍ بحَسَبِه؛ لئلا تَضيعَ الحقُوقُ.
والكذِبُ صغيرةٌ، فلا تُردُّ الشهادةُ به، إن لم يُداوِم عليه والكذبُ: هو الإخبارُ بالشيءِ بخلافِ ما هو عليه إلَّا الكذب في شهادةِ زورٍ، وكذبٌ على نبيٍّ من الأنبياءِ، وكذبٌ في فتنٍ ونحوه، ككذبٍ بأحدِ الرعيةِ عند ظالمٍ، فكبيرةٌ. قال الإمامَ أحمد: يُعرَفُ الكذابُ بخُلفِ المَواعيدِ.
ويجبُ الكذبُ لتخليصِ مُسلمٍ من قتلٍ. قال ابنُ الجوزي: وكلِّ مقصودٍ محمودٍ لا يتوصلُ إليه إلَّا بهِ. قال في «الفروع»: وظاهرُ «الكافي» أنَّ العدلَ من رجَحَ خيرُه، ولم يأتِ كبيرةً؛ لأنَّ الصغائِرَ تقع مُكفَّرةً أوَّلًا فأولا، فلا تجتمعُ. ويُباحُ الكذبُ لإصلاحٍ، وحربٍ، وزوجةٍ فقَط.
والكبيرةُ: ما فيه حدٌّ في الدنيا، كالزِّنى وشُربِ الخَمرِ، أو وَعيدٌ في الآخرة، كأكلِ مالِ اليتيمِ، والرِّبا، وشهادةِ [¬١] الزورِ، وعقوقِ الوالدَين، ونحوِها. والغيبةُ والنميمةُ مِنْ الكبائرِ.
والصغيرة: ما دُونَ ذَلِكَ من المحرَّمات، كسبِّ الناسِ بما دُونَ القذفِ، واستماعِ كلامِ النساءِ الأجانبِ على التلذُّذِ، والنظرِ المحرمِ. عثمان [¬٢].
(٢) قوله: (الثَّانِي) أي: الشيء الثاني: (اسْتِعْمَالُ المُرُوءَةِ) المروءةُ، بالهمزِ،
стр. 2153
بِفِعْلِ (١) مَا يُجَمِّلُهُ وَيَزِينُهُ (٢)، وَتَرْكِ مَا يُدَنِّسُهُ ويَشِينُهُ (٣).
فَلا شَهَادَةَ (٤): لِمُتَمَسْخِرٍ (٥)، وَرَقَّاصٍ (٦)، ومُشَعْبِذٍ (٧)،
بوزنِ سهولَة، ويجوزُ تشديدُ الواو وتركَ الهمز هي الإنسانيةُ. وهي: كيفيةٌ نفسانيةٌ تحملُ المرءَ على مُلازمةِ التَّقوى، وتَركِ الرذائِلِ. عثمان [¬١] وزيادة.
(١) قوله: (بِفِعْلِ) متعلِّق ب «استعمَال».
(٢) قوله: (مَا يُجَمِّلُهُ وَيُزَيِّنُه) عادةً، كحسنِ الخُلُقِ، والسَّخَاءِ، وبذلِ الجاهِ، وحُسنِ الجوارِ، ونَحوه. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (وَتَرْكِ مَا يُدَنِّسُهُ ويُشِينُهُ) أي: يعيبُه من الأمُورِ الدَّنيئة المُزريَةِ به. م ص [¬٣].
(٤) قوله: (فَلا شَهَادَةَ … إلخ) مفَّرعٌ على قوله: «وتَرِكِ ما يدنِّسُه .. إلخ»؛ لأن معنَى المفرَّع معنَى المفرَّع عَليه، ومن صحَّةِ التفريعِ أن يكونَ المفرَّعُ نشأَ عن المفرَّعِ عليه؛ بأن يكونَ علةً فيه، فيكونُ مغايرًا له.
(٥) قوله: (لِمُتَمَسْخِرٍ) يقال: سَخِرَ منه، وبه، كفَرِحَ، وسَخِرَ: هَزِئَ، كاستَسخرَ. م ص [¬٤].
(٦) قوله: (وَرَقَّاصٍ) كثيرِ الرَّقصِ.
(٧) قوله: (ومُشَعْبِذٍ) والشَّعبذةُ: خِفَّةٌ في اليدين. ويحرُم ذَلِكَ؛ لأنها نوعٌ من السِّحرِ. ح ف وزيادة.
стр. 2154
وَلاعِبٍ بِشِطْرَنْجٍ (١)، وَنَحْوِهِ. ولا: لِمَنْ يَمُدُّ رِجْلَيْهِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، أوْ يَكْشِفُ مِنْ بَدَنِهِ مَا جَرَتِ العَادَةُ بِتَغْطِيَتِهِ (٢). وَلا: لِمَنْ يَحْكِي المُضْحِكَاتِ. وَلا: لِمَنْ يَأكُلُ بِالسُّوقِ (٣). وَيُغْتَفَرُ اليَسِيرُ كَاللُّقْمَةِ وَالتُّفَاحَةِ.
(١) قوله: (وَلاعِبٍ بشَطْرَنْجٍ) أي: إن داومَ عليه؛ لأنه صغيرةٌ. وهو فارسيٌّ معربٌ، وهو بالشين المعجَمة مفتوحةً ومكسورةً، قال الحريري: يجوزُ أن يكونَ اشتقاقُه من المشاطرةِ. قال أبو منصور اللغوي: وبعضُهم يكسرُ شِينَه ليكونَ على مثالٍ من أمثلةِ العربِ، كجِردَحْلٍ، وهو: البعيرُ الشديدُ الضخمُ. وفي «القاموس»: ولا يُفتحُ أولُه. ونقل عن الحريري أنه يجوزُ بالسينِ المهملةِ. ح ف.
(٢) قوله: (مَا جَرَتِ العَادَةُ بِتَغْطِيَتِهِ) كظَهرٍ وصدرٍ.
(٣) قوله: (وَلا لِمَنْ يَأكُلُ) أي: ولا شهادةَ لِمَنْ يأكلُ (بِالسُّوقِ). قال في «المغني»: يعني به الذي ينصب مائدةً في السوقِ، ثم يأكلُ والناسُ ينظرونَ إليه، ولهذا عبَّر في «المقنع»: كالذي يتغدَّى في السُّوقِ، وكَذَا مَنْ يأكُل بالطَّريق. ح ف.
стр. 2155
فَصْلٌ
وَمَتَى وُجِدَ الشَّرْطُ (١)؛ بِأَنْ بَلَغَ الصَّغِيرُ، وعَقَلَ المَجْنُونُ، وأسْلَمَ الكَافِرُ، وَتَابَ الفاسِقُ (٢): قُبِلَتِ الشَّهَادَةُ بِمُجَرَّدِ ذَلكَ (٣).
وَلا تُشْتَرَطُ: الحُرِّيَّةُ، فتُقْبَلُ شَهَادَةُ العَبْدِ (٤) وَالأَمَةِ، في كُلِّ مَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الحُرِّ وَالحُرَّةِ.
فَصْلٌ
(١) قوله: (وَمَتَى وُجِدَ الشَّرْطُ) أي: شرطُ قبول الشهادةِ، فيمن لم يكُن متَّصفًا به قَبْلُ. م ص [¬١].
(٢) قوله: (وَتَابَ الفاسِقُ) قبلَ أداءِ الفاسقِ شهادتَه، قُبِلَت شهادةُ من ذُكِرَ؛ لزوالِ المانِع. فإن شَهِدَ الفاسقُ فرُدَّت شهادتُه، ثُمَّ تَابَ وأعادَ تلك الشهادةَ بعينِها، لم تُقبل؛ للتهمةِ.
فتوبةُ القاذفِ تكذيبُ نفسِه ولو كانَ صَادقًا، فيقولُ: كذبتُ فيما قُلْتُ. وتوبةُ غيرِ القاذفِ، نَدمٌ بقلبِه على ما مَضى من ذَنبه، وإقلاعٌ؛ بأن يتركَ فِعلَ الذنبِ الذي تابَ منه، وعزمٌ على أن لا يعُود إلى ذَلِكَ الذنبِ الذي تابَ منه، ولا يُعتبر مع ذَلِكَ إصلاحُ العَمَل. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (بِمُجَرَّدِ ذَلكَ) لزوالِ المانِع.
(٤) قوله: (فتُقْبَلُ شَهَادَةُ العَبْدِ) والمُكاتبِ، وأمِّ الولدِ، والمُدبرِ، والمبعَّضِ.
стр. 2156
ولا يُشْتَرَطُ: كَوْنُ الصِّنَاعَةِ غَيْرَ دَنِيئَةٍ (١).
(١) قوله: (ولا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الصِّنَاعَةِ غَيْرَ دَنِيئَةٍ) عُرفًا، فتقبلُ شَهادةُ حَجَّامٍ، وحدَّادٍ، وزبَّالٍ: يجمعُ الزبلَ، وقمَّامٍ: يَقُمُّ المكانَ من زِبلٍ وغيره، وكنَّاسٍ: يكنسُ الأسواقَ وغيرها، وكبَّاشٍ: يربِّي الكِباشَ، وقرَّادٍ: يربِّي القُرود، ويطوفُ بها للتكسبِ، ودبَّابٍ: يفعلُ بالدبِّ كما يَفعلُ القرَّادُ، ونفَّاطٍ: يَلْعَبُ بالنِّفطِ حَرقِ البارُودِ ونخَّالٍ: يُغربلُ في الطريقِ على فُلوسٍ وغَيرها، وتُسمِّيه العامةُ: المُقلِّش، وصبَّاغ، ودبَّاغٍ، وجمَّالٍ، وجزَّارٍ، وكسَّاحٍ: يُنظفُ الحُشوشَ، وحائكٍ، وحارسٍ، وصائغٍ، ومُكارٍ، وقيِّمٍ، أي: خدَّامٍ، إذا حَسُنَت طريقتهُم؛ لحاجةِ الناسِ إلى هذه الصنائِع؛ لأنَّ كلَّ أحدٍ لا يليَها بنفسِه، فلو رُدَّت بها الشهادةُ، أفضَى إلى تَركِ الناسِ لها، فيشُقُّ ذَلِكَ عليهم. «منتهى وشرحه الصغير» [¬١].
قوله: إذا حَسُنَت طريقتُهم؛ بأن كانُوا محافِظين على [¬٢] الصلواتِ، واجتنابِ المعاصِي. فلا تقبلُ شهادةُ من كانَ منهم يؤخِّرُ الصلاةَ عن أوقاتِها، أو يَعِدُ ويُخلِفُ وغَلَبَ عليه ذَلِكَ، أو كانَ لا يتنزَّه عن النجاسَات.
وأما مَنْ كانَت صناعتُه محرمةً، كصانِع المَزاميرِ والطنابيرِ، ومن كانَت صناعتُه يكثُر فيها الرِّبا، كالصائِغ والصَّيرفي، ولم يتَقِّ ذَلِكَ، رُدَّتْ شهادتُه، وكذا مَنْ يسألُ من غَيرِ أن تحلَّ له المسألةُ، أو يبني حمَّامًا للنِّساءِ إذا أكثَرَ [¬٣]. ح ف.
стр. 2157
وَلا: كَوْنُهُ بَصِيرًا، فتُقْبَلُ شَهَادَةُ الأَعْمَى بِمَا سَمِعَهُ (١)، حَيْثُ تَيَقَّنَ الصَّوْتَ، وَبِمَا رَآهُ قَبْلَ عَمَاهُ (٢).
(١) قوله: (فتُقْبَلُ شَهَادَةُ الأَعْمَى بِمَا سَمِعَهُ) أي: تقبلُ شهادتُه إذا تيقَّن الصوتَ حال التحمُّلِ والأداءِ. ح ف.
(٢) قوله: (وَبِمَا رَآه قَبْلَ عَمَاهُ) عطف على «بما سَمِعَه». أي: فتقبلُ شهادةُ الأعمَى بما سمِعَه وبما رآه قبلَ عمَاه، إذا عرَفَ الفاعِلَ باسمِه ونسَبِه؛ لأن العمَى فقدُ حاسةٍ لا تُخلُّ بالتكليف، فلا يَمنعُ قبولَ الشهادَةِ، كالصَّمَمِ فيما طريقُه السمعُ. م ص [¬١] وإيضاح.
стр. 2158
بابُ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ
وَهِيَ سِتَّةٌ (١):
أَحَدُهَا: كَوْنُ الشَّاهِدِ أَوْ بَعْضِهِ مِلْكًا لِمَنْ شَهِدَ لَهُ (٢). وَكَذَا: لَوْ كَانَ زَوْجًا لَهُ، وَلَوْ في المَاضِي (٣).
بابُ مَوانِع الشَّهادَةِ
الموانعُ، جمعُ مانِع، وهو: ما يحولُ بينَ الشيءِ ومقصُودِه، وهذه الموانعُ تحولُ بينَ الشهادةِ والمقصُودِ منها، وهو قبولُها والحُكمُ بها. م ص [¬١].
(١) قوله: (وهِي سِتَّةٌ) بالاستِقراءِ.
(٢) قوله: (كَوْنُ الشَّاهِدِ) اسم ل «كون» بالجر مضافٌ له (أَوْ بَعْضِهِ) عطف عليه، والمعطوفُ على الاسمِ اسمٌ، و (مِلْكًا) خبرُ كانَ، يعني: أنَّ الشاهدَ إذا كانَ مِلكًا للمشهُودِ له، أو يملِكُ بعضَه، لا تُقبلُ شهادتُه؛ إذ القنُّ يتبسَّطُ في مالِ سيدِه، وتجبُ نفقتُه عليه، كالأبِ مع ابنِه. م ص [¬٢] بإيضاح.
(٣) قوله: (وَكَذَا لَوْ كَانَ زَوْجًا لَهُ … إلخ) أي: وكَذا لو كانَ شاهدٌ زَوجًا لمشهودٍ له، كشَهادتِه لزوجتِه وشهادتِها له، ولو بعدَ الطلاقِ؛ بأنْ شهِدَ أحدُهُما للآخرِ بعدَ البينُونَةِ، فلا تُقبلُ، ولو لم يتقدَّم ردُّها حالَ الزوجيَّةِ؛ خلافًا للإقناع حيثُ قيَّدَ عدم قَبولِها بعدَ الفِراق بما إذا رُدَّت قَبلَه. واستغرَب
стр. 2159
أَوْ: كَانَ مِنْ فُرُوعِهِ (١)، وَإِنْ سَفَلُوا، مِنْ وَلَدِ البَنِينَ والبَنَاتِ.
أَوْ: مِنْ أُصُولِهِ (٢)، وَإِنْ عَلَوْا. وَتُقْبَلُ: لِبَاقِي أَقَارِبِهِ، كَأَخِيهِ (٣). وَكُلُّ مَنْ لا تُقْبَلُ لَهُ: فَإِنَّهَا تُقْبَلُ عَلَيْهِ (٤).
في «الحاشية» على المنقِّح إطلاقَ عدَمِ قبولِها بعدَ الفِراق، مع أن المنقِّح لم ينفَرِد بذَلِكَ، بل سبَقَه إليه في «المبدع». فظاهرُ كلامهمَا عدمُه مُطلقًا. ويؤيدُه تعليلُ الشارحِ لذَلِكَ بقوله: لعلَّه لتمكُّنِه من بَينُونتِها، ثم يعُيدُها. ولذَلِكَ نظائرٌ، وهي عدمُ قبولِ شهادةِ الوكيلِ بعدَ العزلِ، والأجيرِ بعدَ فراغِ العملِ، والشريكِ بعدَ الانفصالِ فيما يتعلَّقُ بذَلِكَ. ح ف.
(١) قوله: (أَوْ كَانَ مِنْ فُرُوعِهِ) عطف على «كَانَ» أي: أو كانَ الشاهِدُ من فُروعِ المشهُودِ له.
(٢) قوله: (أَوْ مِنْ أُصُولِهِ) عطفٌ على «مِنْ فُروعِه».
(٣) قوله: (وَتُقْبَلُ لِبَاقِي أَقَارِبِهِ كَأَخِيهِ) وعَمِّه. وتُقبلُ شهادةُ العَدلِ لولَدِه من الزِّنَى أو الرَّضَاعِ، ولوالِدِه من زِنًى أو رَضَاعٍ؛ لعَدمِ وجوبِ الإنفاقِ، والصِّلةِ، وعتقِ أحدهِما على الآخر. وتُقبلُ شهادةُ العدلِ لصَديقِه وعتيقِه. ولا يَمنَعُ من ذَلِكَ تهمةُ الإرثِ؛ بدليل شَهادتِه لأخيه ومَولاهُ؛ بأن يشهَدَ العتيقُ لمُعتِقِهِ. م ص [¬١] وزيادة.
(٤) قوله: (فَإِنَّهَا تُقْبَلُ عَلَيْهِ) أي: على مَنْ ذُكِرَ مِنْ عَمودَي النَّسَبِ وأَحَدِ الزَّوجَينِ، فلو شَهِدَ على أبيهِ، أو ابنهِ، أو زوجَتهِ، أو شَهِدَت عليه، قُبِلَت، إلَّا على زَوجَتِه بالزِّنَى فلا تُقبلُ؛ لأنه يُقرُّ على نَفِسه بعدَاوتِه لها؛ لإفسادِها
стр. 2160
الثَّانِي (١): كَوْنُهُ (٢) يَجُرُّ بِهَا (٣) نَفْعًا لِنَفْسِهِ. فَلا تُقْبَلُ: شَهَادَتُهُ لِرَقِيقِهِ (٤) وَمُكَاتَبِهِ (٥).
ولا: لِمُوَرِّثِهِ (٦)،
فراشَه. عثمان [¬١] بإيضاح.
(١) قوله: (الثَّانِي) مِنَ المَوانِع.
(٢) قوله: (كَوْنُهَ) أي: الشاهِدِ.
(٣) قوله: (يَجُرُّ بِهَا) أي: بالشهادةِ.
(٤) قوله: (فَلا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِرَقِيقِهِ) شَمِلَ ذَلِكَ القِنَّ، والمدبَّرَ، وأمَّ الولَدِ، والمعلَّق عِتقُه بصفةٍ. ح ف.
(٥) قوله: (وَمُكَاتَبِهِ) قال في «الإقناع» في بابِ الوكالةِ: وإن ادَّعَى مكاتبٌ الوكالةَ، فَشَهِدَ له سيدُه، أو ابنا سيدِه، أو أبواهُ، لم تُقبل. فيؤخذُ منه: أنه لو شهد له ابنا سيدِه أو أبواهُ بمالٍ، أنه لا تُقبل شهادتهُما من بابِ أولَى، ويؤخذُ منه أيضًا: أن شهادةَ السيدِ له بغيرِ المالِ لا تُقبلُ أيضًا، مع أنه لا نفعَ فيه للسيدِ. ح ف.
(٦) قوله: (ولا لِمُوَرِّثِهِ) أي: ولا تقبلُ شهادةُ أحدٍ لمُورثِه؛ لجرِّه بها نَفعًا لِنفسِه. والاعتبارُ بكَونِه وارِثًا أو لا، عندَ أداءِ الشهادةِ، ولهذا قال في «المبدع»: لو شَهِدَ غيرُ وارِثٍ، فصارَ عندَ المَوتِ وارِثًا، دونَ عكسِه؛ لأنَّ المانِعَ يحصُلُ له به نفعٌ حالَ الشهادةِ. ولهذا جازَ شهادةُ الوارثِ لمورثِه مع أنه إذا ماتَ ورثَه، وشهادتُه لامرأةٍ يحتملُ أن يتزوجَها، وشهادتُه لغَريمٍ له
стр. 2161
بِجُرْحٍ قَبْلَ انْدِمَالِهِ (١). وَلا: لِشَرِيكِهِ فِيمَا هُو شَرِيكٌ فِيهِ (٢). ولا: لِمُسْتَأْجِرِهِ فِيمَا اسْتَأْجَرَهُ فِيهِ (٣).
الثَّالِثُ: أَنْ يَدْفَعَ بِهَا ضَرَرًا عَنْ نَفْسِهِ. فَلا تُقْبَلُ: شَهَادَةُ العَاقِلَةِ بِجَرْحِ شُهُودِ قَتْلِ الخَطَأِ (٤).
يحتملُ أن يوفِّيه منه، أو لفلسٍ فيتعلقُ حقُّه به. وعُلِمَ منه: أنه لو شَهِدَ له الوارثُ بجرحٍ بعدَ اندمالِه أنها تُقبلُ، وهو كذَلِكَ؛ لأنَّ السرايةَ قد أُمنت، فكانَت الشهادةُ بذَلِكَ شهادةً بحقٍّ مختصٍّ بالمورِّث، فقُبِلَت، كسائر حقُوقِه. ح ف.
(١) قوله: (بِجُرْحٍ قَبْلَ انْدِمَالِهِ) الظرفُ متعلِّقٌ بالفعلِ المقدَّر في ضِمنِ الكلامِ، أي: ولا تُقبلُ شهادةٌ لمُورثه بجُرحٍ قبلَ اندمالِه؛ لأنه ربَّما يَسرِي الجُرحُ إلى النفس، فتجبُ الديةُ للشاهدِ بشهادتِه، فكأنه شَهِدَ لنفسِه. م ص [¬١] وإيضاح.
(٢) قوله: (وَلا لِشَرِيكِهِ فِيمَا هُو شَرِيكٌ فِيهِ) لأنه شهادةٌ لنفسِه بحصتِه، وإذا بطلتْ في البعضِ بطلَت في الكُلِّ. والمرادُ: ولو بعدَ الانفصَال، كما في «الإقناع» لا إن شَهِدَ له بغيرِ مال للشَّرِكةِ. وكذا لا تُقبلُ شَهادةُ مضاربٍ بمالِ المضاربةِ. قاله في «المبدع». ح ف وزيادة.
(٣) قوله: (ولا لِمُسْتَأْجِرِهِ [¬٢] فِيمَا اسْتَأْجَرَهُ فِيهِ) أي: ولو بعدَ تمامِ العملِ؛ لأنه يشهدُ لنفسِه باستحقَاقِ الأُجرَةِ، لا إن شَهِدَ له بغيرِ ذَلِكَ. ح ف.
(٤) قوله: (فَلا تُقْبَلُ شَهَادَةُ العَاقِلَةِ … إلخ) أو شِبهِ العمدِ؛ لأنهم متَّهمُون في
стр. 2162
وَلا: شَهَادَةُ الغُرَمَاءِ بِجَرْحِ شُهُودِ دَيْنٍ عَلَى مُفْلِسٍ (١). ولا: شَهَادَةُ الضَّامِنِ (٢) لِمَنْ ضَمِنَه بقَضَاءِ الحَقِّ، أوْ الإِبْرَاءِ مِنْهُ.
وَكُلُّ مَنْ لا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ (٣): لا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِجَرْحِ شَاهِدٍ عَلَيْهِ.
دفعِ الدِّيةِ عن أنفسِهم، ولو كانَ الشاهدُ فقيرًا أو بعَيدًا؛ لجوازِ أن يُوسِرَ، أو يَموتَ من هو أقربُ منه، لا إن شَهِدَت بجَرحِ شُهودِ العَمدِ؛ لِعدَمِ التهمةِ. م ص وزيادة [¬١].
(١) قوله: (وَلا شَهَادَةُ الغُرَمَاءِ بِجَرْحِ شُهُودِ دَيْنٍ عَلَى مُفْلِسٍ) أو ميِّتٍ تضيقُ تركتُه عن دُيونهم؛ لما فيهِ من توفيرِ المَال عليهِم، وكشهادةِ الوليِّ بجرحِ شاهدٍ على محجورهِ. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (ولا شَهَادَةُ الضَّامِنِ) أي: ولا تقبلُ شهادةُ الضامِنِ للمضمُونِ عنه بقضاءِ الحقِّ، أو الإبراءِ من الحقِّ؛ لأنها شهادةٌ لنفسه ببراءتِه. ش ع [¬٣].
(٣) قوله: (وَكُلُّ مَنْ لا تُقْبَلُ شَهَادَتُه لَهُ) أي: كسيدٍ يشهدُ بجرحِ شاهدٍ على قِنِّه أو مُكاتبِه، وكالأبِ يشهدُ بجرحِ الشاهدِ على ولَدِه وعَكسِه؛ لأن كلًّا منهُما متهمٌ بدفعِ الضررِ عن نفسِه. قال الزهري: مضَت السنةُ في الإسلامِ أن لا تجوزَ شهادةُ خصمٍ، ولا ظنينٍ [¬٤]، وهو: المتهمُ. م ص [¬٥].
стр. 2163
الرَّابِعُ (١): العَدَاوَةُ (٢) لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى (٣). كَفَرَحِهِ بِمَسَاءَتِهِ، أَوْ غَمِّهِ لِفَرَحِهِ، وَطَلَبِهِ لَهُ الشَّرَّ. فَلا تُقْبَلُ: شَهَادَتُهُ عَلَى عَدُوِّهِ (٤)، إلَّا في عَقْدِ النِّكَاحِ (٥).
الخَامِسُ: العَصَبِيَّةُ (٦). فَلا شَهَادَةَ: لِمَنْ عُرِفَ بِهَا، كتَعَصُّبِ جَمَاعَةٍ
(١) قوله: (الرَّابِعُ) المانِعُ الرابِعُ.
(٢) قوله: (العَدَاوَةُ) سواءٌ كانت موروثةً؛ بأن كانَت بينَ الآباءِ والأجدادِ، أو مُكتسبةً. أما المخاصمةُ في الأموالِ بدُونِ عداوةٍ ظاهرةٍ، فإنها لا تمنعُ قبولَ الشهادةِ في غير ما حُكِمَ فيه؛ لأنها لو لم تقبل لاتَّخذَ الناسُ ذَلِكَ وسيلةً إلى إبطالِ الشهادةِ والحقُوقِ. ح ف.
(٣) قوله: (لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى) احترز به عن العداوةِ التي للَّه تعالى، وهي العداوةُ في الدِّينِ، كالمُسلِم يشهدُ على الكافرِ، والمُحِقِّ من أهل السنَّةِ يشهدُ على المبتَدِع، فإنها تُقبل؛ لأنَّ الدِّينَ يَمنَعُه من ارتكابِ محظورٍ في دِينِه، وتقبلُ شهادةُ العدوِّ لِعَدوِّه؛ لِعدَمِ التهمةِ. «إقناع وشرحه» [¬١].
(٤) قوله: (فَلا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى عَدُوِّهِ) فلا تقبلُ شهادةُ مقذوفٍ على قاذفهِ، وشهادةُ شخصٍ على قاطعِ الطريقِ عَليه. «إقناع» [¬٢].
(٥) قوله: (إلَّا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ) أي: وتقبلُ شهادةُ العدوِّ على عدوِّه في عَقدِ نكاحٍ؛ بأن يكونَ الشاهدُ عدوًا للزَّوجَين، أو أحدهِما أو الوليِّ. ش ع [¬٣].
(٦) قوله: (الخَامِسُ: العَصَبِيَّةُ) وجزمَ به في «المنتهى». فلا شهادَة مقبولةً لِمَنْ
стр. 2164
عَلَى جَمَاعَةٍ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ رُتْبَةَ العَدَاوَةِ.
السَّادِسُ: أنْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ لِفِسْقِهِ، ثُمَّ يَتُوبُ وَيُعِيدُهَا (١). أَوْ: يَشْهَدَ لِمُوَرِّثِه بِجُرْحٍ قَبْلَ بُرْئِهِ (٢)، ثُمَّ يَبْرَأُ وَيُعِيدُهَا. أَوْ: تُرَدَّ (٣) لِدَفْعِ ضَرَرٍ، أَوْ جَلْبِ نَفْعٍ، أَوْ عَدَاوَةٍ، أوْ مُلْكٍ، أوْ زَوْجَيَّةٍ، ثُمَّ يَزُولُ ذَلكَ (٤) وَتُعَادُ (٥).
عُرِف بها، وبالإفراطِ في الحميَّةِ، كتعصُّبِ قبيلةٍ على قبيلةٍ، وإن لم تبلُغ العصبيةُ رتبةَ العداوةِ. «إقناع وشرحه» [¬١].
(١) قوله: (أنْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ لِفِسْقِهِ، ثُمَّ يَتُوبُ وَيُعِيدُهَا) فلا تُقبلُ؛ للتهمَةِ في أنه إنَّما تابَ لتُقبلَ شهادتُه، ولإزالَةِ العارِ الذي لحقَه بردِّها، ولأنَّ ردَّه لفسقِه حُكمٌ، فلا يُنقَض بقبوله. م ص [¬٢] وزيادة.
قوله: ويُعيدُهَا، فلا تُقبلُ؛ للتهمة. ولو لم يُؤدِّها حتَّى تابَ، قُبِلَت؛ لأنَّ العدالةَ [¬٣] ليسَت شَرطًا للتحمُّل، ولا تُهمةَ. م ص [¬٤].
(٢) قوله: (قَبْلَ بُرْئِهِ) ورُدَّت. «أو يشهدَ» بالنصب عطفٌ على «تُردَّ» بأنْ مضمرة.
(٣) قوله: (أَوْ تُرَدَّ) بالنصب أيضًا عطف على «تُردَّ» بأن مضمرة.
(٤) قوله: (ثُمَّ يَزُولُ ذَلكَ) من دفعِ ضررٍ، وجلبِ نفعٍ، وعداوةٍ. م ص [¬٥].
(٥) قوله: (وَتُعَادُ) أي: الشهادةُ.
стр. 2165
فَلا تُقْبَلُ: في الجَمِيعِ (١). بِخَلافِ: مَا لَوْ شَهِدَ وَهُوَ كَافِرٌ، أَوْ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، أَوْ أخْرَسُ (٢)، ثُمَّ زَالَ ذَلكَ وَأَعَادُوهَا (٣).
(١) قوله: (فَلا تُقْبَلُ فِي الجَمِيعِ) قال الشيخ م ص في حاشيته على «المنتهى» [¬١]: هذا أحدُ الوجهَين. وقطعَ به في «التنقيح»؛ لأن ردَّها كانَ باجتهادِ الحاكمِ، فلا يُنقض باجتهادِ الثاني، ولأنها رُدَّت للتهمةِ، أشبهتِ المردُودةَ للفسقِ. والوجهُ الثاني: تُقبلُ. قال في «الإنصاف»: وهو المذهبُ، صحَّحه المصنف، والشارح، وابن مُنَجَّا في «شرحه» وصاحبُ «التصحيح» وغيرُهم. وجزمَ به في «الوجيز» ومنتخَب الآدمي. ورَدَّ في «المغني» التعليلَ السابقَ؛ بأنَّ قياسَ الشاهدِ على المردُودِ الشهادةِ بالفسقِ لا يصِحُّ؛ لوجود التهمةِ في حقِّ الفاسقِ وانتفائِها هُنا. وأما نقضُ الاجتهادِ بالاجتهادِ، فهو جائزٌ بالنسبةِ إلى المُستقبلِ، غيرُ جائزٍ بالنسبةِ إلى ما مَضَى، ولذَلِكَ لما قَضَى عمرُ في قِصَّةٍ بقضايا مُختلفَة قالَ: ذَلِكَ على ما قَضَينا، وهذا ما نَقضِي. وقبولُ الشهادةِ هُنا من النقضِ في المُستقبلِ.
(٢) قوله: (أَوْ أخْرَسُ) وينبَغي أن يلحقَ بالخرسِ العَمَى والصَّمَمُ. قاله ابن نصر اللَّه.
(٣) قوله: (ثُمَّ زَالَ ذَلكَ وَأَعَادُوهَا) قُبِلَت؛ لأنَّ ردَّها بهذِه المَوانِع لا غَضَاضَة فيه، فلا تُهمةَ، بخِلافِ ردِّها للفسقِ. عثمان [¬٢].
стр. 2166
بابُ أقْسَامِ المَشْهُودِ بِهِ
وَهُو سِتَّةٌ (١):
أَحَدُهَا: الزِّنَى (٢). فلا بُدَّ: مِنْ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ (٣) يَشْهَدُونَ بِهِ (٤)، وَأَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ في فَرْجِهَا. أَوْ: يَشْهَدُونَ أَنَّهُ أَقَرَّ أَرْبَعًا (٥).
بابُ أقسَامِ المَشهُودِ بِهِ
مِنْ حيثُ عددُ شُهودهِ؛ لاختلافِ عددِ الشهودِ باختلافِ المشهودِ بِهِ. م ص [¬١].
(١) قوله: (وَهُو) أي: المشهودُ به (سِتَّةٌ) بالاستِقراء.
(٢) قوله: (أَحَدُهَا الزِّنَى) أي: والِّلواطُ.
(٣) قوله: (فلابُدَّ مِنْ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ) أي: فلابدَّ في ثُبوته مِنْ أربعةِ رِجَالٍ.
(٤) قوله: (يَشْهَدُونَ بِهِ) أي: الزنى أو الِّلواط. م ص [¬٢].
(٥) قوله: (أَوْ يَشْهَدُونَ أَنَّهُ) أي: المشهودَ عليه بذَلِكَ (أَقَرَّ) به (أَرْبَعًا) بأن أقرَّ أنه زنَى بفُلانةَ، قال ذَلِكَ أربعَ مراتٍ. واعتبارُ الأربعةِ في الإقرارِ به؛ لأنه إثباتٌ له، فاعتُبروا فيه، كشُهودِ الفعلِ، لكن لو شَهِدَ الأربعةُ عليه بالإقرارِ به، فأنكَرَ أو صدَّقهم دُونَ أربع [¬٣]، لم يُقَمْ عليه الحدُّ، وتقدَّم في الزنى. م ص [¬٤].
стр. 2167
الثَّانِي: إِذَا ادَّعَى مَنْ عُرِفَ بِغِنًى أَنَّه فَقِيرٌ؛ لِيَأْخُذَ مِنَ الزَّكَاةِ. فلا بُدَّ: مِنْ ثَلاثَةِ رِجَالٍ (١).
الثَّالِثُ (٢): القَوَدُ (٣)، والإعْسَارُ، وَمَا يُوجِبُ الحَدَّ (٤) وَالتَّعْزِيرَ (٥). فلا بُدَّ: مِنْ رَجُلَيْنِ. ومِثْلُه: النِّكَاحُ (٦)، والرَّجْعَةُ، وَالخُلْعُ (٧)،
(١) قوله: (فلابُدَّ مِنْ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ) يشهدُونَ له؛ لحديثِ مسلم: «ثلاثةٌ من ذَوي الحِجَا من قَومِه: لقد أصابَت فُلانًا فاقةٌ» [¬١]. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (الثَّالِثُ) أي: القِسمُ الثالثُ.
(٣) قوله: (القَوَدُ) أي: مُوجبُه، سواءٌ كانَ في النفسِ أو دَونَها، إذا شُهِدَ عليه بالجنايةِ، أو بالإقرار بها مرَّةً. ح ف.
(٤) قوله: (وَمَا يُوجِبُ الحَدَّ) كحدِّ القذفِ والسرقةِ وقطعِ الطَّريقِ، وكذَا الردةُ. ح ف.
(٥) قوله: (وَالتَّعْزِيرَ) أي: وطءٌ يوجبُ التعزيرَ، كإتيانِ البهيمةِ، ووطءِ الأَمةِ المشتركةِ، ووطءِ أَمتِه أو زوجتِه في دُبرِها، أو في الصَّومِ، وكذَا مباشرةُ الأجنبيةِ دُونَ الفَرج، وكذا كلُّ ما يُوجِبُ التعزيرَ. ح ف.
(٦) قوله: (ومِثْلُه النِّكَاحُ) وكذا الظهارُ، والإيلاءُ، والولايةُ، والعزلُ، والإسلامُ، إلَّا إذا ادَّعاه الأسيرُ ليمنعَ رقهُ. وكذا الاستيلادُ إن ادَّعته الأمةُ. ح ف.
(٧) قوله: (والرَّجْعَةُ وَالخُلْعُ) أي: إذا ادَّعته الزوجةُ، أما إن ادَّعاه الزوجُ،
стр. 2168
والطَّلاقُ (١)، والنَّسَبُ، وَالوَلاءُ، والتَّوْكِيلُ (٢) في غَيْرِ المَالِ.
الرَّابِعُ: المَالُ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ المَالُ. كَالقَرْضِ، وَالرَّهْنِ، وَالوَدِيعَةِ، وَالعِتْقِ (٣)، والتَّدْبِيرِ، وَالوَقْفِ (٤)، وَالبَيْعِ، وجِنَايَةِ الخَطَأ (٥). فيَكْفي فِيهِ: رَجُلانِ، أَوْ: رَجُلٌ وامْرَأتَانِ، أوْ: رَجُلٌ وَيَمِينٌ (٦)،
فكالمالِ، كما سيَأتي. فتنبَّه. عثمان [¬١].
(١) قوله: (والطَّلاقُ) بلا مالٍ إذا ادعاهُ زوجٌ.
(٢) قوله: (والتَّوْكِيلُ) أي: كالتوكيلِ في النكاحِ، والطلاقِ، والخُلعِ، والرَّجعةِ، والقصاصِ، والإيصاءِ في النكاح بنيةٍ. ح ف.
(٣) قوله: (وَالعِتْقِ) لأن الشارعَ متشوفٌ إليه، وفي قبولِ شاهدٍ ويمين العبدِ، أو رجلٍ وامرأتينٍ توسعةٌ في ثُبوتِه، ولأنه إتلافُ مالٍ، فكانَ كباقِي الإتلافَات. ح ف.
(٤) قوله: (وَالوَقْفِ) أي: على معينٍ، كما قيَّدَ به في «المنتهى». قال ابن قندس: احترزَ به على غير المعيَّنِ؛ لأن الوصيةَ والوقفَ إذا كانا لغيرِ معينينِ لا يُتصورُ فيهما اليمينُ، فلا يُمكنُ فيهما رجلٌ ويمينٌ؛ لأن اليمينَ لا يوجدُ من غيرِ معينٍ، فلا يثبتُ إلَّا برجُلينِ، أو رجلٍ وامرأتينِ، وإذا كانَ لمعينٍ ازدادَ الرجلُ واليمينُ. ح ف.
(٥) قوله: (وجِنَايَةِ الخَطَأِ) وكذا شبه العمدِ. ح ف.
(٦) قوله: (أوْ رَجُلٌ وَيَمِين) مُدَّعٍ. ويجبُ تقديمُ الشهادةِ على اليمينِ؛ لأنه لا يقوى جانبُه إلَّا بشهادتِه، فظاهرُ كلامِه كغَيرِه: أن الكفالةَ بالبدنِ،
стр. 2169
لا: امْرَأَتانِ وَيَمِينٌ (١).
وَلَوْ كَانَ لِجَماعَةٍ حَقٌّ بِشَاهِدٍ، فَأَقَامُوهُ، فَمَنْ حَلَف: أَخَذَ نَصِيبَهُ (٢)، وَلا يُشارِكُهُ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ (٣).
الخَامِسُ: دَاءُ دابَّةٍ، ومُوضِحَةٍ (٤)، وَنَحْوِهِمَا. فَيُقْبَلُ: قَوْلُ طَبِيبٍ وَبَيْطَارٍ وَاحِدٍ (٥) لِعَدَمِ غَيْرِهِ في مَعْرِفَتِهِ (٦).
والإيصاءِ، والوقفِ على غيرِ معينٍ، لا يثبتُ إلَّا برجلينِ. م ص [¬١].
(١) قوله: (لا امْرَأَتانِ وَيَمِينٌ) أي: ولا يثبتُ المالُ ونحوُه بشهادةِ امرأتينِ ويمينٍ؛ لأن النساءَ لا تُقبلُ شهادتهنَّ في ذَلِكَ منفرداتٍ، كذَلِكَ لو شهدَ أربعةُ نسوةٍ، لم يُقبل. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (فَمَنْ حَلَف، أَخَذَ نَصِيبَهُ) لِكمالِ النصابِ في حقِّهِ. م ص [¬٣].
(٣) قوله: (وَلا يُشارِكُهُ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ) لأنه لا حقَّ له فيه، لأنه لم يجب له شيءٌ قبلَ حلفِهِ. ش ع [¬٤].
(٤) قوله: (ومُوضِحَةٍ) أي: وداءُ مُوضحةٍ تسببَ عنها، لا نفسُ الموضحةِ؛ لئلا يخالفَ ما سَبَقَ. م خ.
(٥) قوله: (فَيُقْبَلُ قَوْلُ طَبِيبٍ وَبَيْطَارٍ وَاحِدٍ) أي: شهادتُه في ذَلِكَ، لا إخبارُه، كما قد يُتوهم. ح ف.
(٦) قوله: (لِعَدَمِ غَيْرِهِ فِي مَعْرَفَتِهِ) أي: بأنْ لا يوجد إلَّا واحدٌ. ح ف.
стр. 2170
وَإِنْ اخْتَلَفَ اثْنَانِ (١): قُدِّمَ قَوْلُ المُثْبِتِ (٢).
السَّادِسُ: مَا لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا. كَعُيُوبِ النِّسَاءِ تَحْتَ الثِّيَابِ (٣)، وَالرَّضَاعِ، وَالبَكَارَةِ (٤)، والثُّيُوبَةِ، والحَيْضِ (٥). وَكَذَا: جِرَاحَةٌ وَغَيْرُهَا (٦)،
(١) قوله: (وَإِنْ اخْتَلَفَ اثْنَانِ) بأن قال أحدُهُما بوجودِ الداءِ، والآخرُ بعَدَمِه. ش ع [¬١].
(٢) قوله: (قُدِّمَ قَوْلُ المُثْبِتِ) لأنه يشهدُ بزيادةٍ لم يُدرِكْها الثاني. ش ع [¬٢].
(٣) قوله: (كَعُيُوبِ النِّسَاءِ تَحْتَ الثِّيَابِ) احترزَ به عن عُيوبهنَّ التي في الوَجهِ والكفَّينِ والقَدمينِ، كبَخْرِ الفَمِ، والجُذَامِ، والبَرَصِ في الوَجهِ والكفَّينِ والقدمَين. ح ف.
(٤) قوله: (وَالبَكَارَةِ) والاستهلالِ. أي: صُراخِ المَولُودِ عندَ الولادةِ. عثمان [¬٣].
(٥) قوله: (والحَيْضِ) ونحوه، كبَرصٍ بظهرِ امرأةٍ أو بطنِها، ورتقٍ ونحوِه، وكحَملٍ، وسقطٍ، وولادَةٍ، وعدَّةٍ بأقراءٍ أو وَضعِ حملٍ. ح ف.
(٦) قوله: (وَغَيْرُهَا) كعاريةٍ ووديعةٍ، وقرضٍ، وكسرِ عظمٍ، ومُوجبِ تعزيرٍ. م ص وزيادة [¬٤].
стр. 2171
في حَمَّامٍ (١) وَعُرْسٍ وَنَحْوِهِمَا، مِمَّا لا يَحْضُرُهُ الرِّجَالُ (٢). فَيَكْفي فِيهِ: امْرَأَةٌ عَدْلٌ. وَالأحْوَطُ: اثْنَتَانِ (٣).
(١) قوله: (فِي حَمَّامٍ) أي: حَمَّامٍ للنساءِ. قال الإمام أحمدُ في روايةِ بُكير بن محمد، عن أبيه في المرأةِ تشهدُ على ما لا يحضُره الرِّجالُ من إثباتِ إهلالِ الصبيِّ، وفي الحَمَّامِ يدخلُه النساءُ: فيكونُ بينهُنَّ الجِراحَاتُ. فظاهرٌ أنه لو كانَ المجروحُ في الحمَّامِ ونحوِها رجُلًا أنه لا تُقبلُ شهادةُ المرأةِ الواحدَةِ فيه، ولا المرأتينِ، ولا الرجُلِ الواحِدِ، مع أنَّ ظاهِرَ المتنِ: القَبولُ؛ لإطلاقِ الجراحةِ. وأما قولُ الإمامِ: فيكونُ بينهنَّ الجراحاتُ، فقَد يُقال: هو جريٌ على الغَالِب، فلا حصرَ فيه. ح ف.
(٢) قوله: (مِمَّا لا يَحْضُرُهُ الرِّجَالُ) غالبًا. بيانٌ للنَّحو.
(٣) قوله: (وَالأحْوَطُ اثْنَتَانِ) خُروجًا من الخلافِ. ح ف.
стр. 2172
فَصْلٌ
فَلَوْ شَهِدَ بِقَتْلِ العَمْدِ رَجَلٌ وَامْرَأَتَانِ (١): لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ (٢). وَإِنْ شَهِدُوا (٣)
فَصْلٌ
(١) قوله: (فَلَوْ شَهِدَ بِقَتْلِ العَمْدِ رَجَلٌ وَامْرَأَتَانِ) وكذا لو شهِدَ رجلٌ، وحلَفَ معه المدَّعِي. ح ف.
لا يصحُّ أن تكونَ الفاء للتفريع؛ لفَقدِ شَرطِه، ولا بمنزلَةِ الاستدِراكِ؛ لفقدِ شرطه. لعلَّها تكونُ الفصيحةَ؛ لإفصَاحِها عن شرطٍ مقدرٍ في نظمِ الكلامِ: إذا أردتَ معرفةَ عددِ شُهودِ جنايةِ العمدِ، فلو شَهِدَ .. إلخ، صحَّ. أو أنه محترزُ قوله: «القِسمُ الثالثُ: القَوَدُ .. إلخ».
(٢) قوله: (لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ) أي: لا قِصاصَ، ولا دِيةَ؛ لأنَّ العمدَ يوجبُ القِصاصَ، والمالُ بدلٌ عنه، فإذا لم يثبُت الأصلُ، لم يجِب بدلُه، وإن قُلنا: مُوجِبُه أحدُ شَيئينِ، وهو بدُونِ اختيار [¬١]. م ص. قوله: وإن قلنا … إلخ. غايةٌ لعَدَمِ الوجُوبِ.
(٣) قوله: (وَإِنْ شَهِدُوا) أي: الرجلُ والمرأتان. م ص [¬٢].
стр. 2173
بِسَرِقَةٍ: ثَبَتَ المَالُ (١) دُونَ القَطْعِ (٢).
وَمَنْ حَلَفَ بالطَّلاقِ أَنَّهُ مَا سَرَقَ، أَوْ مَا غَصَبَ وَنَحْوَهُ (٣)، فَثَبَتَ فِعْلُهُ بِرَجُلٍ وَامْرَأتَيْنِ، أوْ رَجُلٍ وَيَمِينٍ: ثَبَتَ المَالُ، وَلَمْ تَطْلُقْ (٤).
(١) قوله: (بِسَرِقَةٍ، ثَبَتَ المَالُ) لكمالِ نصابِه. م ص [¬١].
(٢) قوله: (دُونَ القَطْعِ) للسرقةِ؛ لأنه حدٌّ، فلا يثبتُ إلَّا برَجُلَين، والسرقةُ توجبُ المالَ والقطعَ، وقصورُ البينةِ عن أحدِهِما لا يمنعُ ثُبوتَ الآخرِ. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (أَوْ مَا غَصَبَ وَنَحْوَهُ) نحو: ما باعَ، أو ما اشتَرى، أو وهَبَ، أو قَتَلَ. م ص [¬٣].
(٤) قوله: (ثَبَتَ المَالُ، وَلَمْ تَطْلُقْ) قال في «الإقناع» [¬٤]: ولو ادَّعى شخصٌ على رجُلٍ أنه سرقَ منه مالًا، أو غصبَه مالًا، فحلف المدَّعَى عليه بالطلاق والعَتاقِ: ما سَرقَ منه ولا غَصَبَ، وأقامَ المدَّعِي شاهِدًا وامرأتين شهدا بالسرقةِ والغصبِ، أو أقامَ بذَلِكَ شاهدًا وحلَفَ معهُ، استحقَّ المدَّعِي المسروقَ والمغصوبَ؛ لكمالِ بينته، ولم يثبُت طلاقٌ ولا عتاقٌ. قال شارحه م ص [¬٥]: لأنه لم تكمُل البينةُ له، لكنَّ العتقَ ثبتَ بالشاهدِ والمرأتينِ، أو واليمينِ، فيثبتُ العتقُ، بخلافِ الطلاقِ، فإنه تقدَّم أنه لا يثبُتُ إلَّا برجلينِ، ولذَلِكَ اقتصرَ في «المنتهى» على الطلاقِ. اه. وتبعهُ المصنفُ.
стр. 2174
بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَصِفَةِ أَدَائِهَا (١)
الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ (٢): أَنْ يَقُولَ: اشْهَدْ يَا فُلانُ عَلَى شَهَادَتِي (٣):
بابُ الشهادةِ على الشهادةِ وصفةِ أدائِها
(١) قوله: (وَصِفَةِ أَدَائِهَا) أي: الألفاظ التي تُؤدَّى بها الشهادةُ.
قال أبو عبيد: أجمَعت العلماءُ من أهلِ الحجازِ والعراقِ على إمضاءِ الشهادةِ على الشهادةِ في الأموالِ، ولدُعاءِ الحاجةِ إليها؛ لأنها وثيقةٌ مُستدامةٌ لِحفظِ الأموالِ؛ لما قَدْ يطرأ على الشاهِدِ من اخِترامِ المنيَّةِ، والعجز عن الشهادَةِ؛ لِمَرضٍ، أو غَيبةٍ، أو نسيانٍ ونحوِه مما يوجبُ ضياعَ حَقِّ المشهودِ له، فاستُدرِكَ ذَلِكَ بتجويزِ الشهادةِ على الشهادَةِ؛ لتدومَ الوثيقةُ. م ص [¬١].
(٢) قوله: (الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ) أي: استرعاءِ شاهدِ الأصلِ شاهدَ الفرعِ، أو استرعاءِ غَيره، والفرعُ يسمعُ. فشاهدُ الأصلِ يَستَرعِي شاهِدَ الفَرعِ، أي: يَسَتحفِظُه بشهادتِه؛ بأن يطلُبَ من شاهدِ الفرعِ الشاهدِ عليه حِفظَ الشهادةِ. وصفةُ الاسترعاءِ: ما ذكرَه بقولِه: «أَنْ يَقُولَ … إلخ».
(٣) قوله: (أَنْ يَقُولَ … إلخ) شاهدُ الأصلِ لِمَنْ يستَرعيه: اشَهد على شَهادَتِي أني أشهدُ. م ص [¬٢] وزيادة.
стр. 2175
أَنِّي أشْهَدُ (١) أنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ (٢) أشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ (٣)، أَوْ: شَهِدْتُ عَلَيْهِ، أَوْ: أَقَرَّ عِنْدِي بِكَذَا (٤).
وَيَصِحُّ: أنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَةِ الرَّجُلَيْنِ: رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ (٥).
(١) قوله: (أنِّي أشْهَدُ) أي: وأن يقولَ شاهدُ الأصل لمِن يسترعِيه: اشهَد أني أشهدُ أنَّ فلانَ .. إلخ.
(٢) قوله: (أنَّ فُلانَ بنَ فُلانٍ … إلخ) قال العلامة أحمدُ الغُنَيمِيُّ في حاشيته على «الأزهرية» عندَ الكلامِ على حَذفِ ألِفِ «ابن» إذا وقَعَ صِفةٌ لِعَلَمٍ، أو مُضَافٌ إلى علَمٍ آخرَ، ما نَصُّهُ: قَولُه: إذا كانَ في عَلَمٍ. أي: أو ما هُو كنايةٌ عنه، نحوَ فُلانُ بنُ فلانٍ. م خ [¬١].
(٣) قوله: (أشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ) ولو لم يقُل: على شَهادَتِي. ولفظُ «الرعاية»: أُشهِدُكَ، أو: اشهَدْ على شَهادَتِي. ح ف.
(٤) قوله: (أَوْ شَهِدْتُ عَلَيْهِ، أَوْ أَقَرَّ عِنْدِي) وإن لم يَستَرعِ الأصلُ شُهودَ الفَرعِ ولا غيرِه مَعَ سَماعِه، لم يَجُز له أن يشهَدَ على شَهادتِه؛ لأنَّ الشهادةَ على الشهادةِ فيها معنى النيابةِ، ولا ينوبُ عنه إلَّا بإذنه. م ص [¬٢] وإيضاح.
(٥) قوله: (وَيَصِحُّ أنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَةِ … إلخ) يعني: أنه تثبتُ شهادةُ شاهِدَي الأصل بفَرعينِ ولو على كُلِّ شاهد أصل شاهدُ فَرعٍ، نصًّا، كما لو شهدَا بنفسِ الحقِّ، ولأن الفرعَ بدلُ الأصلِ، فاكتفَى بمثلِ عَددَهِ. وأنه يثبتُ الحقُّ بشهادةِ فرعٍ واحدٍ معَ أصلٍ [¬٣] آخر، بخلافِ شهادةِ فرعٍ مع