ناطِقًا (١)، عَدْلًا (٢)، ولَو ظاهِرًا (٣).
ولا يَصِحَّانِ: قَبلَ الوَقتِ (٤)، إلَّا: أذَانَ الفَجْرِ، فَيَصِحُّ بَعدَ نِصفِ اللَّيلِ (٥).
فلا يصحُّ ممن هو دون التمييز، والبلوغُ ليس بشرطٍ فيهِما، ويُلغزُ به فيقالُ: ما تقولُ في شخصٍ صحَّ أذانُه ولم تصحَّ إمامتُه؟ وهو المميِّز.
(١) قوله: (ناطقًا) الشرطُ الخامسُ: كونُه ناطقًا، فلا يصحُّ من أخرس.
(٢) قوله: (عدلًا) الشرطُ السادسُ: كونه عدلًا، فلا يعتدُّ بأذانِ فاسقٍ؛ لأنه ﵊ وصفَ المؤذنين بالأمانة، والفاسقُ غيرُ أمينٍ، وهذا في ظاهرِ الفسقِ، وأما مستورُ الحال، فيصحُّ أذانُه، قال في «الشرح»: بغير خلافٍ علمناهُ. م ص. [¬١]
(٣) قوله: (ولو ظاهرًا) أي: ويكفي ولو كان ظاهرَ العدالةِ.
(٤) قوله: (ولا يصحَّانِ) أي: الأذانُ والإقامةُ (قبلَ الوقتِ) لأنهما شُرعا للإعلام بدخولِ الوقت، وحثٍّ على الصلاة المؤدَّاة في وقتها، فلا يصحان في وقتٍ لا تصحُّ فيه. دنوشري.
(٥) قوله: (إلا أذانَ الفجرِ، فيصحُّ بعدَ نصفِ اللَّيل) وفاقًا لمالك والشافعي؛ لقوله ﷺ : «إن بلالًا يؤذنُ بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّنَ ابنُ أمِّ مكتوم». متفق عليه [¬٢].
وإنما جاز الأذان للفجر قبل دخولِ وقتِه؛ لأنه يدخلُ على النَّاس، وفيهم
стр. 247
ورَفعُ الصَّوتِ: رُكنٌ (١)، ما لَم يُؤذِّن لِحَاضِرٍ (٢).
وسُنَّ كَونُهُ: صَيِّتًا (٣)، أَمِينًا (٤)، عالِمًا بالوَقتِ (٥)،
الجُنُبُ والنائمُ، فاستُحبَّ تقديمُ أذانِه حتى يتهيئوا لها، فيدركوا فضيلةَ أوَّلِ الوقت. ويُستَحبُّ لمن يؤذن قبل الفجر أن يكونَ معه من يؤذِّن في الوقتِ، وأن [¬١] يتخذ ذلكَ عادةً؛ لئلا يغرَّ الناسَ. م ص. [¬٢]
(١) قوله: (ورفعُ الصَّوتِ ركنٌ) أي: ورفعُ الصَّوتِ بالأذانِ للمؤذِّن ركنٌ؛ ليحصُلَ السماعُ المقصودُ للإعلام. صوالحي [¬٣].
(٢) قوله: (ما لم يؤذِّن لحاضِر) فإن أذَّن المؤذنُ لحاضرٍ، فيؤذنُ بقدرِ ما يُسمعُه، وإن رَفَعَ صوتَه أفضل.
(٣) قوله: (وسُنَّ كونُه صيِّتًا) بالبناء للمفعول. كونُ المؤذِّن صيتًا، أي: رفيعَ الصوت؛ لأنه أبلغُ في الإعلام المقصودِ من الأذان. زاد في «المغني» وغيرِه: وأن يكون حَسَنَ الصوتِ؛ لأنه أرقُّ لسامعيه. انتهى. م ص. [¬٤]
(٤) قوله: (أمينًا) أي: وسُنَّ كونُه أمينًا، أي: زائدَ العدالة؛ ليؤمَنَ على الأوقاتِ، ونساءِ الجيران، ولقوله ﵇: «أمناءُ الناسِ على صلاتِهم وسُحورِهم المؤذِّنون» [¬٥]. دنوشري.
(٥) قوله: (عالمًا بالوَقتِ) أي: وسُنَّ كونُه عالمًا بالوقت، لا يؤذِّن في أوَّله؛
стр. 248
مُتَطَهِّرًا (١)، قائِمًا فِيهِمَا (٢). لكِنْ لا يُكرَهُ: أذَانُ المُحْدِثِ (٣)، بَلْ: إقامَتُهُ (٤).
وليؤمَنَ خطؤُه. ويصحُّ أذانُ الجاهلِ بهِ إذا قلَّد عالِمًا. انتهى. حفيد.
(١) قوله: (متطهرًا) أي: وسُنَّ كونه متطهرًا من الحدثَين، وكذا من نجاسةِ ثوبٍ وبدنٍ. «رعاية».
(٢) قوله: (قائمًا فيهِمَا) أي: وسُنَّ كونُه قائمًا في الأذان والإقامة؛ لقوله ﵇ لبلال: «قُم فأذِّن» [¬١]. فيُكرهان من قاعدٍ، لغير مسافرٍ ومعذورٍ؛ لمخالفةِ السنة، وكذا راكبًا، وماشيًا، ومضطجعًا. وصَحَّا من نحوِ قاعدٍ؛ لأنهما ليسا بآكدَ من الخطبة. م ص [¬٢] وزيادة.
(٣) قوله: (لكنْ لا يُكرَهُ أذانُ المحدِثِ) استدراك من قوله: «متطهرًا». دَفَعَ به ما يُتوهَّم ثبوتُه، يعني: لا يُكره أذانُ المحدِثُ حَدَثًا أصغرَ، بخلاف أذان الجنب، فإنه يكره، نصًّا. والفرق بين كراهةِ أذانِ الجُنُبِ وعدَمِ كراهةِ أذانِ المُحدِثِ؛ أنَّ للأذانِ شَبَهًا بالصلاة من حيثُ إنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُشترَطُ له دخولُ الوَقتِ، واستقبالُ القِبلةِ، وشَبَهًا بغيرِها من حيثُ الحقيقةُ، فتشترطُ الطهارةُ عن أغلظِ الحدثين دون أخفِّهما؛ عملًا بالشَّبَهَين.
(٤) قوله: (بل إقامتُه) إضرابٌ إبطاليٌّ. يعني: تكره إقامةُ المحدِثِ حدثًا أصغر، أو أكبر؛ لما فيه من الدعاءِ إلى ما لا يجيب بِنفسِه، وللفصلِ بين الإقامةِ والصَّلاةِ بالوضوء، ولأن الإقامةَ آكدُ من الأذان؛ لأنها أقربُ إلى الصلاة.
стр. 249
ويُسَنُّ: الأَذَانُ أَوَّلَ الوَقتِ (١). والتَّرَسُّلُ فِيهِ (٢). وأنْ يَكُونَ علَى عُلُوٍّ (٣). رافِعًا وَجْهَهَ (٤). جاعِلًا سَبَّابَتَيهِ في أُذُنَيهِ (٥). مُستَقْبِلَ القِبلَةِ (٦).
صوالحي وزيادة [¬١].
(١) قوله: (ويُسنُّ الأذانُ أوَّلَ الوقتِ) أي: يُسنُّ الأذانُ في أوَّلِ الوقتِ؛ ليصلي المتعجِّل. وظاهره: أنه يجوزُ مطلقًا ما دامَ الوقتُ. ويتوجَّه: سقوطُ مشروعيتِه بفعلِ الصلاة. ذكره في «المبدع» م ص. [¬٢]
(٢) قوله: (والترسُّلُ فيه) أي: ويُسنُّ الترسُّلُ في الأذان؛ بأن يتمهَّل فيه، ويتأنى. من قولهم: جاء على رِسله، بكسر الراء، أي: تؤدةٌ وتمهُّلٌ؛ بأن يفصِلَ بين كلِّ كلمتين بسكتة. م ص. [¬٣]
(٣) قوله: (وأن يكونَ على علوٍّ) أي: ويُسنُّ أن يكون الأذانُ والإقامةُ على علوٍّ، أي: موضعٍ عالٍ، كمنارَةٍ؛ لأنه أبلغُ في الإعلام. م ص. [¬٤]
(٤) قوله: (رافعًا وجهَهُ) أي: ويُسنُّ أن يكونَ المؤذِّنُ والمقيمُ رافعًا وجهَهُ إلى السماء في أذانِه كلِّه.
(٥) قوله: (جاعلًا سبَّابتيه في أُذنيه) لأمره ﷺ لبلال: «أن يضع إصبعيه في أذنيه» [¬٥].
(٦) قوله: (مُستقبِلَ القِبلةِ) ويُسَنُّ أيضًا أن يكون مستقبلَ القبلةِ؛ لفعل مؤذني
стр. 250
يَلتَفِتُ (١) يَمِينًا ل: «حَيَّ علَى الصَّلاةِ»، وشِمَالًا ل: «حَيَّ على الفَلاحِ (٢)» ولا يُزِيلُ قَدَمَيهِ (٣)، ما لَمْ يَكُنْ بِمَنَارَةٍ (٤). وأنْ يَقُولَ بَعدَ حَيعَلَةِ أذَانِ
رسول اللَّه ﷺ ، فإن أخلَّ به، صح وكره؛ لأن القبلة أشرفُ الجهات. م ص [¬١] بإيضاح.
(١) قوله: (يلتفتُ) برأسِه وعنقِه وصدرِه في الأذان فقط؛ بأن يقولَ يمينًا: «حي على الصلاة» مرتين، ويسارًا: «حي على الفلاح» مرتين. دنوشري.
(٢) قوله: (يمينًا لحَيَّ على الصلاةِ وشمالًا لحَيَّ على الفلاح) ومعنى حَيَّ: أقبِلوا وتعالَوا. والفلاحُ: الفوزُ والرضا والبقاء؛ لأن المصلي يدخلُ الجنَّةَ إن شاء اللَّه تعالى، فيبقى فيها ويخلُدُ. وقيل: هو الرُّشدُ والخيرُ، وطالبُهما مُفلِحٌ؛ لأنه يصيرُ إلى الفلاح، ومعناه: هلمُّوا إلى سبب ذلك. وختم ب «لا إله إلا اللَّه» كما بدأ به؛ ليختِمَ بالتوحيد، وباسم اللَّه تعالى. وشُرعت «لا إله إلا اللَّه» مرةً واحدةً؛ إشارة إلى وحدانيةِ المعبودِ . دنوشري.
(٣) قوله: (ولا يُزيلُ قدمَيه) من موضعِ أذانه إلى حين فراغِه. وأن لا يستندَ، سواءٌ أذَّن على منارةٍ أو غيرِها، أو على الأرض. قال في «الإنصاف»: وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وجزمَ به أكثرُهم. دنوشري.
(٤) قوله: (ما لمْ يكنْ بمنارَةٍ) فيحتاجُ ذلكَ؛ لأجل التبليغ. تَبِعَ في ذلك القاضيَ، والمجدَ، وجمعًا [¬٢]. قال في «الإنصاف» [¬٣]: وهو الصواب؛
стр. 251
الفَجْرِ: «الصَّلاةُ خَيرٌ مِنْ النَّومِ (١)»، مَرَّتَينِ، ويُسمَّى: التَّثْوِيبَ (٢).
لأنه أبلغ في الإعلام. وعبارة «المنتهى» [¬١] وغيره: ولا يزيلُ قدميه. قال الشيخ [¬٢]: وسواءٌ كان على منارة، أو غيرها.
(١) قوله: (وأن يقولَ بعدَ حيعلةِ أذانِ الفجرِ: الصلاةُ خيرٌ من النَّومِ) وظاهره: ولو قبل طلوعِه؛ لأنه وقتٌ ينامُ الناسُ فيه غالبًا. ويُكرَهُ في غيرِ أذانِ فجرٍ، وبينَ أذانٍ وإقامة.
وقال الدنوشري: قلتُ: وظاهرُ قولِ الأصحابِ: «بعد حيعلة أذان الفجر» أنه لا يقولُه للأذان الأوَّل الذي قَبلَ الفَجْرِ. انتهى.
ومعنى «حيعَلَة»: حكايةٌ عن حَيَّ على الصلاة، حي على الفلاح. و «حَسْبَلَ»: قولُ: حسبُنا اللَّهُ ونِعمَ الوكيل. و «سَبْحَلَ»: قولُ: سبحانَ اللَّهِ. و «حَوْقَلَ»: قول: لا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللَّه. و «بَسْمَلَ»: قول: بسم اللَّه.
(٢) قوله: (ويُسَمَّى التثويبَ) أي: ويُسمَّى قولُ المؤذن: «الصلاةُ خيرٌ منَ النَّوم»: التثويب. من ثابَ، إذا رَجَعَ؛ لأن المؤذن دعَا إلى الصلاةِ بالحيعلَتين، ثم عاد [¬٣] إليها بالتثويب؛ لأن معناه لغةً: العودُ، ومنه: المثابة ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس﴾ [البَقَرَة: ١٢٥]. لأن الناس يعودون إليه. وسُمِّيت المرأةُ: ثيبًا؛ لأنها ترجِعُ إلى أهلها بوجهٍ غيرِ الأول. وهو هنا: العودُ إلى الإعلام، بعدَ الإعلامِ الأول، كما نبَّه عليه في «شرح المنتهى الصغير» [¬٤].
стр. 252
ويُسنُّ: أن يَتَوَلَّى الأذَانَ والإقامَةَ واحِدٌ (١)، ما لم يَشُقَّ (٢).
وحكمةُ ذلك: ظهورُ التواني في الأمورِ الدينيةِ، وقلَّما يقومون عندَ سَماعِ الأذان، فيزيدُ؛ للمبالغةِ في الإعلام لجميع الناس، لا يختص به أحد.
وقد يكون المثوِّبُ هو المؤذن. كما أنه لا ينبغي لأحدٍ أن يقولَ لمن فوقَه في العلمِ والجاهِ: حان وقتُ الصلاةِ سِوَى المؤذن؛ لأنه استفضالٌ لنفسِه. انتهى. م ص [¬١] وزيادة.
(١) قوله: (ويُسنُّ أن يتولَّى الأذانَ والإقامةَ واحدٌ) أي: رجلٌ واحدٌ، فيسن أن يتولى الإقامة من يتولَّى الأذان؛ لأنهما ذِكْرانِ يتقدمان الصلاة، فيسنُّ أن يتولَّاهما واحدٌ، كالخطبتين. بمحلٍّ واحدٍ؛ بأن يقيمَ بالموضِعِ الذي أذَّن فيه؛ لقولِ بلالٍ للنبي ﷺ : لا تسبقني بآمين [¬٢]. لأنه لو كان يقيمُ بالمسجدِ، لما خافَ أن يسبقَه بها. كذا استنبطه الإمام أحمد، واحتجَّ به. م ص [¬٣] وزيادة.
(٢) قوله: (ما لم يَشُقَّ) ذلك على المؤذن، كمن أذَّن في منارَةٍ، أو مكانٍ بعيدٍ عن المسجِدِ، فيقيمُ فيه، أو يقيمُ في غير موضعِ الأذان، فيؤذِّن بالمنارة، ويقيمُ أسفَلَ. قال صاحب «المنتهى» في «شرحه» [¬٤]: قُلْتُ: وهو الصواب، وعليه العمل في جميع الأمصار والأعصار. انتهى.
стр. 253
ومَن جَمَعَ (١)، أو قَضَى فَوَائِتَ (٢): أذَّنَ لِلأُوْلَى (٣)، وأقَامَ لِلكُلِّ (٤).
وسُنَّ لِمَنْ سَمِعَ المُؤَذِّنَ، أو المُقِيمَ: أنْ يَقُولَ مِثلَهُ (٥)،
لكن لا يقيمُ إلا بإذنِ الإمام. ولا تُعتبرُ الموالاةُ بين الإقامةِ والصلاةِ إن أقامَ عندَ إرادَةِ الدُّخولِ فيها. ويجوز الكلام بعد الإقامة قبل الدخول فيها. أفاده م ص [¬١].
(١) قوله: (ومَن جَمَعَ) أي: أرادَ الجمعَ بين صلاتين؛ لعذرٍ، أذَّن للأُولى، وأقامَ لكلٍّ منهما، سواءٌ كان جمعَ تقديمٍ، أو تأخيرٍ؛ لأن ما بعدَ الأولى من المجموعتين، أو الفوائت، أُذِّن لمماثلتها، فلم يُشرع لها أذان. دنوشري وزيادة.
(٢) قوله: (أو قَضَى فوائتَ) أي: أو قضى صلاةَ فرائضَ كانت فوائتَ عليه.
(٣) قوله: (أذَّن للأُولى) من المجموعتين، أو الفوائت.
(٤) قوله: (وأقامَ للكلِّ) أي: لكلِّ صلاةٍ صلَّاها من المجموعتين، أو الفوائت. قال في «المبدع» [¬٢]: جزم به أكثر الأصحاب.
وإن كانت واحدة، أذَّن لها وأقام، ثم إن خافَ تلبيسًا مِنْ رفع صوتِه، أسرَّ، وإلَّا جَهَرَ، فلو ترك الأذان لها، فلا بأس. وعنه: يكفي إقامةٌ واحدةٌ للكلِّ، كالأذان. دنوشري.
(٥) قوله: (وسُنَّ لمن سَمِعَ المؤذنَ أو المقيمَ أن يقولَ مثلَه) أي: يقول السامعُ سرًّا مثلَ ما يقولُ المؤذِّن والمقيمُ. وتكونُ متابعةُ الإجابةِ عَقِبَ كلِّ جُملةٍ، فلا تقارِن، ولا تتأخر. ولو في طوافٍ، أو قراءةٍ. ويقضيه مصلٍّ ومُتَخَلٍّ.
стр. 254
إلَّا في الحَيعَلَةِ، فيَقُولُ: «لا حَولَ وَلا قُوَّةَ إلَّا باللَّه (١)»، وفي التَّثوِيبِ: «صَدَقتَ وبَرِرْتَ (٢)»،
(١) قوله: (إلا في الحيعَلَةِ فيقولُ: لا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللَّه) أي: فيقول من سَمِعَ المؤذِّنَ أو المقيمَ. زاد بعضُهم: «العليِّ العظِيم» وتبعه في «المبدع» [¬١] متمسكًا بما في «المسند» [¬٢].
قال بعضهم: ومعنى «لا حول ولا قوة إلا باللَّه» إظهارُه العجزَ، والافتقارَ، وطلبُ المعونةِ من اللَّه في كلِّ الأمورِ، وهو حقيقةُ العبوديَّةِ. وقال الهيثم: أصلُ «لا حول»: من حالَ الشيءُ، إذا تحرَّك، يقول: لا حركة ولا استطاعة إلا باللَّه.
وقال ابن مسعود: معناه: لا حول عن معصيةِ اللَّه إلا بعصمة اللَّه، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته [¬٣]. قال الخطابي: هذا أحسنُ ما جاءَ فيه. وعبَّر عنها الأزهريُّ بالحوقلة؛ على أخذ الحاء من «حول» والقاف من «قوة»، واللام من اسم اللَّه تعالى.
(٢) قوله: (وفي التَّثويبِ صدقتَ وبررتَ) أي: وإلَّا في التثويبِ، فيقولُ السامعُ: صدقتَ وبررتَ [¬٤]، بكسر الراءِ الأولى، وحُكي فتحُها، أي: صِرتَ ذا برٍّ، أي: خيرٍ كثيرٍ.
стр. 255
وفي لَفظِ الإقامَةِ: «أقامَها اللَّهُ وأدَامَها (١)»، ثُمَّ يُصَلِّي علَى النَّبِيِّ ﷺ إذا فَرَغَ (٢)، ويَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ هذِهِ الدَّعوَةِ التَّامَّةِ (٣)، والصَّلاةِ القَائِمَةِ (٤)،
(١) قوله: (وفي لفظِ الإقامةِ: أقامَها اللَّهُ وأدامها) أي: وإلَّا في لفظ الإقامة، وهو قول المقيم: قد قامت الصلاةُ. فيقولُ هو وسامعُه: أقامَها اللَّهُ وأدامَها [¬١]. م ص. [¬٢]
(٢) قوله: (ثمَّ يصلِّي على النبي ﷺ إذا فرغَ) أي: يصلِّي المؤذِّنُ وسامعُه بعدَ فراغِه من الأذان والإقامة. وفي «الرعاية»: يرفعُ بصرَه إلى السماءِ، ويدعو بما ورد، ويقولُ: اللهم … إلخ. دنوشري.
(٣) قوله: (اللَّهم ربَّ هذِهِ الدَّعوةِ التامَّةِ) بفتح الدال المهملة، أي: دعوةِ الأذان. سُميت تامَّة؛ لكمالِها، وعِظَم موقِعها، وسلامتِها من نَقصٍ يتطرقُ إليها؛ ولأنها ذِكرُ اللَّه تعالى إلى طاعته. وهذه الأمورُ الأخرويَّةُ هي التي تستحقُّ صفةَ التَّمامِ والكمالِ، وما سواه من أمورِ الدُّنيا، فإنه معرَّضٌ للنَّقصِ والفسادِ. وكان الإمامُ نفعنا اللَّه به [¬٣] في الدِّين والدنيا والآخرة يستدلُّ بهذا على أنَّ القرآنَ غيرُ مخلوق. قال: لأنه ما من مخلوقٍ إلا وفيه نقصٌ. دنوشري وزيادة.
(٤) قوله: (والصلاةِ القائمةِ) أي: التي ستقومُ، وتُفعَل بصفاتِها.
стр. 256
آتِ (١) مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ والفَضِيلَةَ (٢)، وابعَثهُ مَقَامًا مَحمُودًا الذي وَعَدْتَهَ (٣)»،
(١) قوله: (آتِ) بمدِّ الهمزةِ وكسرِ التاء. فعلُ دعاءٍ، مبنيٌّ على حَذفِ الياء، معناه: أعط. ع. [¬١]
(٢) قوله: (محمَّدًا الوسيلَةَ) هي أعلى منزلةٍ في الجنَّة، وهي منزلةُ رسولِ اللَّهِ ﷺ ودارُه، وهي أقربُ أمكنةِ الجنَّة إلى العرش.
وأما «الفضيلَةُ»: فهي الرتبةُ الزائدةُ على سائرِ الخلائق، ويحتمل أن تكون منزلةً أخرى، أو تفسيرًا للوسيلةِ. ذكره في «المواهب» ملخصًا. وأما: «الدرجة الرفيعة» المدرجُ فيما يُقال بعد الأذان، فلم أرَهُ في شيءٍ من الروايات. كذا قاله السخاوي في «المقاصد»، واللَّه أعلم. اه. شيخنا عثمان. [¬٢]
(٣) قوله: (وابعثهُ مقامًا مَحمودًا الذي وعدتَه) قال الشيخ منصور على «المنتهى» [¬٣]: المقامُ المحمودُ: هو الشفاعةُ العُظمى في موقفِ القيامة؛ لأنه يحمدُه فيه الأوَّلون والآخِرون. والحكمةُ في سؤالِ ذلك مع كونِه متحقق الوقوعِ بوعد اللَّه تعالى، إظهارُ كرامتِه، وعِظمُ منزلتِه. وقد وقع في الحديث مُنَكَّرًا؛ تأدبًا مع القرآن. فقوله: «الذي وعدته» نُصِبَ على البدلية، أو على إضمار فعلٍ، أو رُفِعَ على أنه خبرُ مبتدأ محذوف. انتهى.
قوله: لأنه يحمدُه. تعليلُ المحذوفِ، تقديرُه: لِمَ وصفَ المقام:
стр. 257
ثُمَّ يَدعُو هُنَا (١)،
بالمحمود؟ لأنه … إلخ. قوله: الأولون والآخِرون. حين يشفعُ لهم. وقوله: وقد وقع في الحديث مُنَكَّرًا، أي: مقامًا محمودًا. قال ابن القيم [¬١]: الذي وقع في «صحيح البخاري» [¬٢] وأكثرِ الكتبِ بالتنكير، وهو الصحيح؛ لأمور: أحدُها: اتفاقُ الرواةِ عليه. الثاني: موافقةُ القرآن. الثالث: أنَّ لفظَ التنكيرِ قد يُقصَدُ بالتعظيم. الرابع: أنَ وجودَ اللام تُعَيِّنُه، وتخصُّه بمقامٍ معيَّن، وحذفُها يقتضي إطلاقًا وتعدادًا، ومقاماته المحمودة في الموقِفِ متعدِّدة، فكان في التنكير ما ليس في التعريف. الخامس: أنه ﵇ كان يُحافظُ على ألفاظِ القرآن تعريفًا وتنكيرًا، وتقديمًا وتأخيرًا، كما يحافظ على معانيه. انتهى.
وقوله: فقوله: «الذي وعدته» مفرَّع على قوله: مع كونه متحقِّقَ الوقوع. عطفُ بيانٍ على «مقامًا» أو منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ، تقديرُه: أعني الذي وعدته. أو مرفوعٌ على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، تقديره: هو الذي وعدته. حفيد.
(١) قوله: (ثمَّ يدعو هُنا) أي: بعد الأذان؛ لحديثِ أنسٍ مرفوعًا: «الدعاءُ لا يُردُّ بين الأذان والإقامة» [¬٣]. وعندَ صعودِ الخطيبِ المنبرَ، وبينَ الخُطبتين، وعندَ نزولِ الغيثِ، وبعدَ العصرِ يومَ الجمعةِ. فجملتها ستةٌ. م خ [¬٤].
стр. 258
وعِندَ الإقامَةِ (١).
ويَحرُمُ بَعدَ الأَذَانِ: الخُرُوجُ مِنْ المَسجِدِ بِلا عُذرٍ (٢)، أو نِيَّةِ رُجُوعٍ (٣).
(١) قوله: (وعندَ الإقامةِ) فعلَهُ الإمامُ أحمدُ، ورفعَ يديهِ ويقولُ عندَ أذانِ المغربِ: «اللهم هذا إقبالُ ليلِك، وإدبارُ نهارِكَ، وأصواتُ دعاتِك، فاغفر لي» [¬١]. كما ورد في الخبر. م ص. [¬٢]
(٢) قوله: (ويحرُمُ بعدَ الأذانِ الخروجُ من المسجِدِ) أي: ويحرُمُ على مَنْ وجبت عليه صلاةٌ مع صحَّتها منه، بعدَ الأذانِ وهو في المسجِدِ، الخروجُ منه قبلَ أدائها فيه. لكنْ إن كانَ لعذرٍ، جازَ الخروجُ بنيَّةِ الرجوعِ إلى المسجد. صوالحي [¬٣].
(٣) قوله: (أو نيَّةِ رجُوعٍ) إلى المسجدِ، فلو كان الأذان لفجرٍ قبلَ وقته [¬٤]، أو خرجَ لعذرٍ، أو بنيَّةِ رجوعٍ قبلَ فوتِ الجماعة، لم يحرم. ع. [¬٥]
تتمَّة: يُسنُّ أن يُنادى: الصلاة جامعة. عندَ كُسوفٍ، واستسقاءٍ؛ بأن يقال: الصلاةَ جامعة.
ويحرُمُ أخذُ الأُجرةِ على الأذان والإقامةِ، فإن لم يوجَد من يتطوَّعُ بهما، عَيَّن الإمامُ لمن يقومُ بِهما رزقًا من بيتِ المال.
стр. 259
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والبصيرُ أولى بالأذان من الأعمى.
والأذانُ خمسةَ عشرَ كلمةً: التكبيرُ في أوله أربعٌ، والشهادتان أربعٌ، بلا ترجيع الشهادتين. والترجيع: بأن يخفِضَ المؤذنُ بهما صوتَه، ثم يعيدُهما رافعًا بهما صوتَه. والحيعلتان أربعٌ، وبعدَه التكبيرُ اثنان، والخامسَ عشرَ: لا إله إلا اللَّه مرةً واحدة.
وإن رجَّع، وهو عند إتيانه بالشهادتين في الأذان؛ يأتي بالشهادتين مرتينِ سِرًّا، فيكون تسعةَ عشرَ كلمةً، وكذلك إن رجَّع في الإقامة فتكون سبعةَ عشرَ كلمةً.
والإقامةُ أحدَ عشرَ كلمةً: التكبيرتان في أوله، والشهادتان، والحيعلتان، وقد قامت الصلاةُ، قد قامت الصلاة، والتكبيرتان، ولا إله إلا اللَّه مرةً واحدةً.
ولا يصح الأذان بغيرِ العربية مطلقًا. صوالحي [¬١].
стр. 260
بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ
وهِيَ تِسعَةٌ: الإسلامُ، والعَقْلُ، والتَّميِيِزُ (١)، وكذَا: الطَّهارَةُ (٢) معَ القُدرَةِ.
بابٌ: شروطُ الصلاةِ
بتنوين «بابٌ»؛ أي: هذا بابٌ يُذكرُ فيه شروطُ الصلاةِ وأوقاتُها. والشروطُ: جمعُ شرطٍ، وهو لغةً: العلامة. وعُرفًا: ما يلزم من عدمِه العدمُ، ولا يلزمُ من وجودِه وجودٌ ولا عدمٌ لذاته.
وشروطُ الصلاة: ما يتوقَّف عليها صحتُها، إن لم يكن عُذر، وليست منها. وخرجَ به الأركانُ، فإنها داخلُ الماهيَّةِ. وتجبُ الشروطُ لها قبلَها، فتتقدمُها وتسبِقُها، إلا النية، فيضرُّ تقدُّمها كثيرًا، والأفضلُ مقارنتُها لتكبيرةِ الإحرام، كما يأتي. عثمان [¬١] وإيضاح.
(١) قوله: (الإسلامُ، والعقلُ، والتَّمييزُ) وهذه الثلاثةُ شروطٌ لكلِّ عبادةٍ، إلا التمييزَ في الحجِّ، فإنه يصحُّ ممَّن لم يميِّز، ولو أنه ابنُ ساعةٍ، ويُحرمُ عنه وليُّه، كما يأتي؛ ولذا لم يذكرها كثيرٌ من الأصحاب. صوالحي وزيادة [¬٢].
(٢) قوله: (وكذا الطهارةُ) من الحَدَثِ والنَّجَسِ، من بدنٍ وثوبٍ، وتقدَّم الكلامُ عليها في «باب إزالة النجاسة».
стр. 261
الخَامسُ: دخُولُ الوَقتِ (١).
فَوَقتُ الظُّهرِ (٢): مِنَ الزَّوالِ (٣)،
(١) قوله: (الخامسُ: دخولُ الوقت) للصلاة المؤقتة، وهو المقصودُ هنا. والوقتُ أيضًا سببُ وجوبِ الصلاةِ؛ لأنها تضافُ إليه، والإضافةُ تدلُّ على السببيَّة، وتتكرَّرُ بتكرُّره، وهو سببُ نفسِ الوجوب، إذ سببُ وجوب الأداء الخطابُ، والخطابُ بدخولِ الوقت.
قال في «الإنصاف»: السببُ قد يجتمعُ مع الشرط، وإن كان ينفَكُّ عنه، فهو هنا سببٌ للوجوب، فترتَّب عليه حُكمُه عندَ وجودِه، وشرطٌ للوجوبِ والأداءِ، بخلاف غيره من الشروط، فإنها شرطٌ للأداء فقط. دنوشري.
(٢) قوله: (فوقت الظهر) وهو لغةً: الوقتُ بعدَ الزوالِ. وشرعًا: صلاةُ هذَا الوَقتِ؛ من باب: تسمية الشيء باسم وقته. قال في «المُبدع» [¬١]: واشتقاقُها من الظهور؛ لأنها تُفعلُ ظاهرةً من وسَطِ النَّهارِ. وتسمى أيضًا: الهجير؛ لفعلِها في وقت الهاجرة. وهي الأولى؛ لبداءةِ جبريلَ بها لمَّا صلَّى بالنبي ﷺ .
قال في «المبدع»: وحكمةُ البداءةِ بها؛ إشارةٌ منه إلى أن هذا الدين ظهرَ أمرُه، وسطعَ نورُه من غير خَفَاءٍ، وفي الختمِ بالفجرِ؛ إشارةٌ إلى أنَّ هذا الدينَ في آخرِ الزمانِ يضعُفُ. دنوشري.
(٣) قوله: (من الزوال) وهو ميلُ الشمسِ إلى المغرِبِ.
стр. 262
إلى أنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيءٍ مِثلَهُ، سِوَى ظِلِّ الزَّوَالِ (١).
ثُمَّ يَلِيهِ (٢): الوَقتُ المُختَارُ للعَصرِ (٣)،
(١) قوله: (إلى أن يصيرَ ظِلُّ كلِّ شيءٍ مِثلَه سِوَى ظِلِّ الزَّوال) أي: ويستمرُّ ظِلُّ الزوالِ إلى أن يصيرَ ظِلُّ كلِّ شيءٍ مِثلَه سوى ظِلِّ الزوال، أي: غيرَ ظِلِّ الزوال الذي زالت عليه الشمس، إن كان ثَمَّ ظِلٌّ، فتَضْبطُ ما زالتْ عليه الشمسُ من الظِلِّ، ثم تنظرُ إلى الزيادةِ عليه، فإذا بَلَغَتْ قدرَ الشاخِصِ فقد انتهى وقتُ الظهر.
ويُسنُّ تعجيلُ الظُّهر؛ لفعله ﷺ ذلك من أول الوقت، إلا مَعَ حرٍّ مطلقًا، فتؤخَّر؛ لعموم حديث: «إذا اشتدَّ الحرُّ فأبرِدوا بالظُّهر، فإن شدَّة الحرِّ من فَيحِ جهنَّم» [¬١]. متفق عليه. وفيحُها: غليانُها، وانتشارُ لهَبِها ووَهَجِها. فتؤخَّر مع حَرٍّ، حتى ينكسرَ الحرُّ؛ لقُربِ وقتِ العصر. وتؤخَّر الظُّهر أيضًا في غيمٍ إلى قُربِ وقتِ العَصرِ، لمن يصلِّي جماعةً. انتهى. صوالحي [¬٢].
(٢) قوله: (ثم يليه) أي: يلي وقتَ الظهر.
(٣) قوله: (الوقتُ المختارُ للعصرِ) وهي الصلاة الوسطى؛ للخبرِ [¬٣]، بلا خلافٍ عند [¬٤] الإمامِ والأصحابِ فيما أعلمُه. ذكره في «الإنصاف». فهي
стр. 263
حتَّى يَصيِرَ ظِلُّ كُلِّ شيءٍ مِثلَيهِ، سِوَى ظِلِّ الزَّوَالِ (١). ثُمَّ هُو (٢) وَقتُ ضَرُورَةٍ، إلى الغُرُوبِ (٣).
بمعنى: الفُضلَى، أو المتوسِّطة بين صلاةٍ نهاريةٍ وصلاةٍ ليلية، أو بينَ رباعيَّتين. انتهى. م ص. [¬١]
(١) قوله: (حتى يَصيرَ ظِلُّ كلِّ شيءٍ مثلَيه، سِوَى ظِلِّ الزَّوالِ)، أي: ويمتد الوقت المختارُ للعصرِ حتى يصيرَ ظل كلِّ شيءٍ مثلَيه سِوَى ظِلِّ الزَّوال، أي: ظِلِّ الشاخِصِ الذي زالتِ الشمسُ عليه، إن كان؛ لأن جبريلَ صلَّاها بالنبي ﷺ في اليوم الثاني، حين صارَ ظِلُّ كلِّ شيءٍ مثلَيه، وقال: «الوقت فيما بين هذين» [¬٢]. م ص. [¬٣]
(٢) قوله: (ثم هو) أي: الوقتُ بعدَ أن يصيرَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثليه، سِوَى ظلِّ الزوال. م ص. [¬٤]
(٣) قوله: (وقتُ ضرورةٍ إلى الغُروب) وهو سقوطُ قُرصِ الشَّمسِ، وتقعُ الصَّلاةُ في وقتِ الضرورة أداءً، لكنْ يأثم بالتأخير إلى وقتِ الضرورة لغير عُذرٍ. وعنه: أن وقتَ الاختيارِ يمتدُّ إلى اصفرارِ الشمس. اختاره المجدُ، وجمعٌ.
ويُسنُّ تعجيلُها مطلقًا، مع حرٍّ، أو غيمٍ، أو غيرِهما؛ لما روى الترمذيُّ أنه
стр. 264
ثُمَّ يَلِيهِ (١): وَقتُ المَغرِبِ (٢)، حَتَّى يَغِيبَ الشَفَقُ الأَحمَرُ (٣).
قال: «الوقت الأول من الصلاةِ رضوانُ اللَّه، والوقتُ الآخر عفوُ اللَّه». [¬١] دنوشري.
(١) قوله: (ثم يليه) أي: وقتَ الضرورةِ للعصر.
(٢) قوله: (وقتُ المغرِبِ) وأصلُه وقتُ الغُروب، أو مكانُ الغروب، وهو نفسُه، ثم صار علمًا لصلاة ذلك الوقت، كنظائره. وهي وترُ النهار؛ لقربها منه واتصالِها به. وتسمى بالعشاء، وتسميتها بالمغرب أفضل. وتعجيلها أفضل، إلا في غيم لمن يصلي جماعة، فيؤخرها إلى قرب وقت العشاء. م ص [¬٢] وزيادة.
(٣) قوله: (حتى يغيبَ الشفقُ الأحمرُ) أي: ويمتدُّ وقتُها إلى أن يغيب الشفق الأحمر، في الحضر والسفر، وخرج بالأحمرِ الأصفرُ والأبيضُ، إذِ الشمسُ أوَّلَ ما تغربُ يعقُبُها شعاعٌ، فإذا بعُدت عن الأفقِ قليلًا، زالَ الشعاعُ، وبقيتْ حُمرةٌ، ثم تَرِقُّ الحمرةُ وتتقلب صفرةً ثم بياضًا، على حَسَبِ البعد.
قال في «المبدع»: قد استُفيدَ من كلامِهم أن من الصلواتِ ما ليسِ له إلا وقتٌ واحدٌ، كالظهرِ، والمغربِ، والفجرِ على المُختار، وما له ثلاثةُ أوقات، كالعصر، والعشاء: وقتُ فضيلةٍ، وجوازٍ، وضرورةٍ. وفي كلام بعضهم: أن لها وقتَ تحريمٍ، أي: يحرُمُ التأخيرُ إليه، ومعناه: أن يبقى ما لا يسع الصلاة. اه.
стр. 265
ثُمَّ يَلِيهِ (١): الوَقتُ المُختَارُ للعِشَاءِ (٢)، إلى ثُلُثِ اللَّيلِ (٣). ثُمَّ هُوَ (٤)
وكلامه لا ينافي قول «الإنصاف»: «للمغرب [¬١] وقتان على الصحيح من المذهب». بأن قوله: «للمغرب وقتان». أي: وقتُ فضيلةٍ، وجوازٍ. ومرادُ [¬٢] صاحب «المبدع» أن لها وقتًا واحدًا، نفىُ وقتِ الضرورةِ فقط. فوقتُ الفضيلة والجوازِ واحدٌ. ش ع [¬٣] مع زيادة وإيضاح.
(١) قوله: (ثم يليه) أي: وقتَ المغربِ.
(٢) قوله: (الوقتُ المختارُ للعشاءِ) بالكسرِ والمدِّ، اسمٌ لأوَّلِ الظَّلامِ، سُمِّيت بذلك؛ لأنها تُفعل فيه، ويقال لها: عشاءُ الآخِرة. وأنكره الأصمعي، وغلَّطوه.
(٣) قوله: (إلى ثُلُثِ الليل) أي: ويمتدُّ وقتُها إلى ثلثِ الليل الأول. قال في «المنتهى وشرَحَه» [¬٤] م ص: وصلاتُها آخرَ الثلثِ الأوَّلِ من الليل أفضلُ، ما لم يؤخِّر المغربَ، حيث جازَ تأخيرُها لنحو جمعٍ، فتُقَدَّمُ العشاءُ، ويُكرهُ التأخيرُ إن شقَّ ولو على بعضِ المصلين. ويُكرَهُ النومُ قبلَها، والحديثُ بعدَها [¬٥]، إلا حديثًا يسيرًا. انتهى.
(٤) قوله: (ثم هو) أي: الوقتُ بعد ثلثِ الليلِ الأول.
стр. 266
وَقتُ ضَرُورَةٍ، إلى طُلُوعِ الفَجْرِ (١).
ثُمَّ يَلِيهِ (٢): وَقتُ الفَجْرِ، إلى شُرُوقِ الشَّمْسِ (٣).
ويُدْرَكُ الوَقتُ: بِتَكبِيرَةِ الإحرَامِ (٤).
ويَحرُمُ: تَأخِيرُ الصَّلاةِ عن وَقتِ الجَوَازِ (٥).
(١) قوله: (وقتُ ضرورةٍ إلى طلوعِ الفجر) الثاني؛ لأنه وقتٌ للوتر، وهو من توابع العشاء.
(٢) قوله: (ثم يليه) أي: يلي وقتَ الضرورةِ للعشاءِ.
(٣) قوله: (وقتُ الفجرِ إلى شُروقِ الشَّمس) وتعجيلها أفضل مطلقًا، أي: صيفًا وشتاءً. «منتهى وشرحه» [¬١].
(٤) قوله: (ويُدركُ الوقتُ بتكبيرةِ الإحرام) بالبناء للمجهول، أي: ويُدرِكُ المصلِّي أداءَ صلاةٍ حتى جمعة بتكبيرةِ الإحرامِ في وقتِها، فإذا كبَّر للإحرامِ قبلَ طلوع الشمس أو غُروبها، كانت كلُّها أداءً، حتى ولو كان التأخيرُ لغيرِ عذرٍ، لكن يأثم. عثمان. [¬٢]
(٥) قوله: (ويحرمُ تأخيرُ الصلاةِ عن وقتِ الجوازِ) على من وجبت عليهِ فريضةٌ من الصلوات، بحيثُ يخرجُ وقتُها.
ومن جَهِلَ الوقتَ، ولم يمكنه مشاهدةُ دليلٍ؛ لعمىً، أو لمانعِ اجتِهادٍ بتقديرِ شيءٍ من قراءةٍ ونحوِها، فيَكتَفِي فيهِ بغَلبةِ الظَّنِّ. ويستحب تأخيرُه حتى يتيقن الوقتَ. قاله [¬٣] ابن تميم، وغيره. فإن صلى مع الشكِّ، أعادَ مطلقًا.
стр. 267
ويَجُوزُ: تَأخِيرُ فِعْلِها في الوَقتِ (١) مَعَ العَزْمِ عَلَيهِ (٢).
وإن أمكنه المشاهدةُ، أو مخبرٌ عن يقينٍ عملَ به دون الظن. ومن اجتهد، وتبين أنه أخطأ، أعاد، وإلا فلا.
والأعمى العاجزُ عن معرفة الوقتِ، مع عدمِ المقلَّد بفتح اللام إذا اجتهدَ، وصلَّى، أعاد مطلقًا، أخطأ أو أصاب.
قال شيخنا في شرحه على «المنتهى»: وفُهم منه: أنه لو قدرَ الأعمى على الاستدلالِ للوقتِ، ففعلَ، لا إعادة عليه، ما لم يتبين له الخطأ.
ويعملُ بأذانِ ثقةٍ عارفٍ بأوقاتِ الصلاة، أو بإخباره من غير أذانٍ، أو بمن يقلِّد العارف. قاله المجد، وغيره. ولا يُعمل بإخبارٍ عن ظنٍّ.
ومن دخل عليه وقت صلاة مكتوبة بقدرِ تكبيرةِ الإحرام، ثم طرأ عليه جنونٌ ونحوُه، أو مانعٌ، كحيضٍ ونحوِه، ثم زال المانعُ، وجبَ عليه قضاؤها، وإن كانت في وقت الثانية مجموعةً، قضاهما. انتهى. صوالحي [¬١].
(١) قوله: (ويجوزُ تأخير فعلِها في الوقتِ) وهو وقتُها المعلوم مما تقدم فيما له وقتٌ واحدٌ، والوقتُ المختارُ فيما لها وقتان، ومحلُّه إذا كان ذاكرًا قادرًا على فعلها، بخلاف ناسٍ، ونحو نائم. ع. [¬٢]
(٢) قوله: (مع العزمِ عليه) أي: على فعلِها فيه، فإن لم يعزِم على فعلِها فيه، أثم، وإن مات، مات عاصيًا، ما لم يظن مانعًا من فعلها في الوقت، كموتٍ، وقتلٍ، وحيضٍ، فيتعين فعلُها أولَ الوقتِ. م ص. [¬٣]
стр. 268
والصَّلاةُ أوَّلَ الوَقتِ: أفضَلُ (١). وتَحصُلُ الفَضِيلَةُ (٢): بالتَّأَهُّبِ أوَّلَ الوَقتِ (٣).
ويَجِبُ: قَضَاءُ الصَّلاةِ الفائِتَةِ مُرَتَّبَةً (٤)(١) قوله: (والصلاةُ أولَ الوقتِ أفضلُ) لأن المبادرةَ إلى امتثال أوامرِ اللَّه أولى عند العقلاء، وأحوطُ في تحصيلِ المأمورِ به؛ لكثرة آفاتِ التأخير، إلا الظُّهر في الحرِّ، فتؤخر، كما تقدم، وإلا العشاء، فالأفضل تأخيرُها إلى الثلث الأول من الليل إن سهل، كما تقدم، وإلا المغرب، فالأفضلُ تأخيرُها لمُحْرمٍ يباح له الجمع، قاصدًا مزدلفةَ إن لم يوافها. [¬١] صوالحي وزيادة [¬٢].
(٢) قوله: (وتحصُلُ الفضيلةُ) أي: فضيلةُ التعجيلِ.
(٣) قوله: (بالتَّأَهُّبِ أوَّلَ الوَقتِ) أي: وتَحصُلُ فَضيلَةُ التَّعجِيلِ بالتَّأهُّبِ للصلاةِ أوَّلَ الوَقتِ؛ بأَن يشتَغِلَ بالطَّهارَة، ونحوِها، عندَ دُخُولِه؛ لأنَّه لا إعراضَ مِنهُ. م ص. [¬٣]
(٤) قوله: (ويجبُ قضاءُ الصلاةِ الفائتةِ مرتَّبةً) أي: ويجبُ على مكلَّفٍ، لا مانعَ به، قضاءُ الصلاةِ الفائتةِ مرتبةً، ولو كثُرت، وسُنَّ صلاتُها جماعة، فإنْ ترك الترتيبَ بلا عذر، لم تصح؛ لأنه شرطٌ، كترتيبِ الركوع والسجودِ. انتهى. م ص. [¬٤]
قوله: بلا عذر. لأنه شرطٌ، وهذا مفهومُ قولِه: يجب؛ إذ علم منه أن الترتيب
стр. 269
فَورًا (١). ولا يَصِحُّ: النَّفلُ المُطلَقُ إذَنْ (٢). ويَسقُطُ التَّرتِيبُ:
مع تذكُّرِهِ شرطٌ للصحة، فلو أخلَّ به، لم يصحَّ، كترتيبِ الركوعِ والسجودِ. دنوشري.
(١) قوله: (فورًا) منصوبٌ على الحال، ك: «مرتبًا»، أي: يجب عليه قضاؤها مرتبة، فورًا، أي: في الحال، من غير تراخٍ، ما لم يحصُلْ له ضررٌ في بدنِه بضعفٍ، أو في معيشة يحتاجها، له أو لعياله، أو ما لم يحضر لصلاةِ عيدٍ، أو لانتظارِ رفقته، أو جماعة لها؛ لفعله ﵊ يومَ الخندَقِ. صوالحي وإيضاح [¬١].
(٢) قوله: (ولا يصِحُّ النفلُ المطلقُ إذَنْ) أي: حيثُ لم يقضِ الفائتة؛ لتراخيه، أو لعذر مما ذكر؛ من حصول الضرر في بدنه، وما عُطف عليه. ويصحُّ صلاة النفل المقيد، كالرواتب، والوتر.
وإن قلَّت الفوائتُ قَضَى سننَها، والرواتبَ معها؛ لأن النبي ﷺ لمَّا فاتته الفجرُ، صلَّى سنَّتَها قبلها [¬٢]. وإن كثُرَتِ الفوائتُ، الأفضلُ تركُ السنن. صوالحي [¬٣].
يعني: إذا كان عليه فوائتُ، وله قدرةٌ على قضائِها، يقضيها فورًا، ويصلِّي النَّفلَ المطلَق، وإذا لم يكن له قدرةٌ على قضائِها؛ لعذر، أو تراخٍ، لم يصحَّ منه النفلُ المطلق. والحاصل: إذا كان عليه فوائتُ، لا يصحُّ منه النفلُ المطلق، إلا بعد قضاء ما عليه من الفوائت، مطلقًا، سواءٌ أخَّر قضاءَ ما
стр. 270
بالنِّسيَانِ (١)، وبِضِيِقِ الوَقتِ (٢)، ولو لِلاختِيَارِ (٣).
السَّادِسُ: سَتْرُ العَورَةِ (٤) -
عليه؛ لتراخٍ منه، أو لعذرٍ مما ذُكر.
(١) قوله: (ويسقُطُ الترتيبُ بالنسيان) أي: إذا نسي الترتيبَ بينَ الفوائتِ حالَ قضائِها، أو بينَ حاضِرَةٍ وفائتةٍ حتى فرغ من الحاضِرَةِ، فيسقُطُ الترتيبُ بالنسيانِ؛ للعذرِ، ولا يسقط بجهلِ وجوبِه [¬١]. عثمان.
وظاهره: أنه لا فرقَ بين أن يكونَ ذَكَرَ الفائتةَ ثم نسيها، أو لم يسبِق لها ذِكرٌ. والد.
(٢) قوله: (وبضيقِ الوقتِ) أي: ويسقط الترتيبُ، أيضًا، بضيقِ الوقتِ، إذا خشيِ فواتَ الحاضِرةِ بخروجِ وقتِها. صوالحي [¬٢].
(٣) قوله: (ولو للاختيار) غاية لقوله: «ويسقط الترتيبُ» أي: وكذا يسقطُ الترتيبُ لو خشيَ خروجَ وقتِ الاختيارِ لصلاةٍ ذاتِ وقتين، فيصلي الحاضرة في وقتِها المختار.
ولا تصحُّ نافلةٌ، ولو راتبةً، مع ضِيقِ الوقتِ، فلا تنعقد؛ لتحريمِها. وهكذا إذا استيقظ، وشكَّ في طلوعِ الشمس، بدأ بالفريضة. نصَّ عليه. لأن الأصلَ بقاءُ الوقتِ. صوالحي وإيضاح [¬٣].
(٤) قوله: (سَترُ العورةِ) السَّترُ، بفتح السين: التغطيةُ، وبكسرِها: ما يُسترُ به. والعورة، لغة: النقصانُ، والشيء المستقبح. ومنه «كلمةٌ عوراءُ» أي:
стр. 271
معَ القُدرَةِ- بِشَيءٍ لا يَصِفُ البَشَرَةَ (١).
فعَورَةُ الذَّكَرِ (٢) البَالِغِ عَشْرًا (٣)، والحُرَّةِ المُمَيِّزَةِ (٤)، والأَمَةِ (٥)،
قبيحة. وفي الشرع: القبل، والدبر، وكلُّ ما يُستقبح منه، حتى عن نفسه، كما يأتي بيانُه. صوالحي [¬١].
(١) قوله: (مع القُدرَةِ بشيءٍ لا يَصِفُ البشرَةَ) أي: ويُشترطُ سترُ العورةِ، مع القدرة، بشيءٍ لا يصف البشرةَ، أي: لونَ البشرةِ من بياضِها، أو سوادِها. ويكفي السترُ بغيرِ منسوجٍ، كنباتٍ، وورقٍ، وجلدٍ، ونحوِه. ولا يجبُ سترُها ببارِيَّةٍ وهي شِبْهُ الحصيرِ من قَصَبٍ ولا بحصيرٍ، ونحوِهما مما يضرُّه، ولا بحُفيرةٍ، وطينٍ، ونحوِهما؛ لأنه ليس بسترةٍ.
ويباح كشفُها؛ لتداوٍ، وتخلٍّ، واغتسالٍ، وحَلْقِ عانةٍ، وختانٍ، ومعرفةِ بلوغٍ وبكارةٍ، وثيوبةٍ؛ لدعاءِ الحاجة إليه، ولزوجٍ، وسيدٍ، وزوجةٍ، وأمةٍ. صوالحي [¬٢].
(٢) قوله: (فعورةُ الذَّكَرِ … إلخ) هذا تفصيلٌ للعورة من حيثُ هي، وكذا عورة الخنثى، سواءٌ كانا حُرَّين، أو مُبَعَّضَين، أو رقيقين. صوالحي [¬٣].
(٣) قوله: (البالغِ عَشْرًا) أي: عشرَ سنين.
(٤) قوله: (والحُرَّةِ المميِّزةِ) مَنْ لها سبعُ سنين، والمراهِقَةِ.
(٥) قوله: (والأمةِ) أي: وعورةُ الأمةِ، وأمِّ الولد، والمُكاتبَةِ، والمُدَبَّرة.
стр. 272
ولو مُبَعَّضَةً (١): ما بينَ السُّرَّةِ والرُّكبَةِ (٢). وعَورَةُ ابنِ سَبعٍ إلى عَشرٍ: الفَرجَانِ (٣). والحُرَّةُ البَالِغَةُ: كُلُّهَا عَورَةٌ في الصَّلاةِ (٤)، إلَّا وَجْهَهَا (٥).
(١) قوله: (ولو مبعَّضةً) غاية لقوله: «الأمة».
(٢) قوله: (ما بين السُّرَّةِ والرُّكبَةِ) وليسا من العورة.
(٣) قوله: (وعورةُ ابنِ سبعٍ إلى عَشرٍ الفرجَان) أي: وعورةُ ذَكَرٍ، وخُنثى، ابنِ سبعِ سنينَ إلى عشرِ سنينَ، الفرجان.
وعُلم مِنه: أن من سنُّه دون ذلك لا حُكمَ لعورتِه في السَّتر؛ لأن حكمَ الطفوليَّةِ منسحبٌ عليه إلى التمييز. صوالحي وزيادة [¬١].
(٤) قوله: (والحَّرةُ البالِغَةُ كلُّها عورةٌ في الصلَّاة) «فَحُرَّة» مبتدأ أول. وقوله: «البالغة» صفة له. وقوله: «كلُّها» مبتدأ ثانٍ. وقوله: «عورةٌ» خبر عن الثاني. والجملة من المبتدأ الثاني وخبرِه خبرٌ عن الأول. و «كلُّها» توكيدٌ للحرة. والمعنى: أنه يجب على الحرة البالغة أن تستُرَ في كلِّ صلاةٍ فرضًا أو نفلًا جميعَ بدنِها؛ لأنه عورةٌ. انتهى. الوالد.
(٥) قوله: (إلا وجهَهَا) بالنصب على الاستثناء؛ لحديث: «المرأةُ عورةٌ». رواه الترمذي [¬٢]. وقال: حسنٌ صحيح. وهو عامٌّ في جميعِها، تُرِكَ في الوجه؛ للإجماع، فيبقى العمومُ فيما عداه. وأما عورتها خارجَ الصلاة، فإنها كلَّها عورةٌ، حتى وجهها، بالنسبة إلى الذكور الأجانب؛ الرجالِ والخنَاثى. وبالنسبة إلى مثلِها، عورتُها ما بين السُّرَّة والركبة. م ص [¬٣] بإيضاح.
стр. 273
وشُرِطَ في فَرضِ الرَّجُلِ البَالِغِ: سَتْرُ أحَدِ عاتِقَيهِ بِشَيءٍ مِنَ اللِّبَاسِ (١).
ومَن صَلَّى في مَغصُوبٍ (٢)، أو حَرِيرٍ (٣)،
(١) قوله: (وشُرِطَ في فرضِ الرجلِ البالغِ سترُ أحَدِ عاتقَيه بشيءٍ من اللِّباس) أي: وشُرط في صلاةِ فرضِ الرجل والخنثى البالغِ، سترُ جميعِ أحدِ عاتقيه بشيءٍ من اللِّباس، ولو بما يصفُ البشرَةَ.
ويكفي في صلاةِ النَّفلِ سَترُ العورةِ، من غيرِ سترِ العاتقِ، والمرادُ بالعاتق: موضعُ الرِّداءِ من المنكِبِ. وقوله: «من اللباس» أي: سواءٌ كان من الثوبِ الذي سَتَر به عورتَه، أم من غيره، ومحلُّه إذا قدر عليه، وإلا فأي شيءٍ سَتَر به عاتقَه، أجزأ.
وإذا انكشفَ بلا قصدٍ في صلاةٍ من عَورةٍ يسيرٌ لا يفحُشُ عرفًا؛ لعدم تحديده في الشرع [¬١]، فإن فحُش، وطالَ الزمن، بطلت، ولو كان الانكشاف يسيرًا في زمنٍ طويلٍ، لم تبطل. صوالحي وزيادة [¬٢].
(٢) قوله: (ومن صلَّى في مغصوبٍ) أي: ومن صلَّى، من ذكرٍ أو أنثى، في ثوبٍ، أو بقعةٍ، أو ثمنِهما، مغصوب أو بعضه عينًا أو منفعة ومثلُه مسروقٌ، وما ثمنه المعيَّنُ أو بعضُه حرامٌ، معينًا أو مشاعًا؛ لأنه يتبع بعضُه بعضًا في البيع. الوالد.
(٣) قوله: (حريرٍ) أي: أو صلَّى الذكرُ في حريرٍ كلِّه، أو [¬٣] فيما غالبه، أو في منسوجٍ بذهبٍ أو فضة. صوالحي [¬٤].
стр. 274
عالِمًا ذاكِرًا: لَم تَصِحَّ (١).
ويُصَلِّى عُريانًا مَعَ غَصْبٍ (٢)، وفي حَرَيرٍ؛ لِعَدَمٍ (٣)،
(١) قوله: (عالمًا ذاكرًا) أي: الحكمَ والعينَ، فلو نَسي أو جَهِلَ أنه محرم، أو كونَه غصبًا، أو حريرًا، مثلًا، صحَّت. فقوله: «عالمًا ذاكرًا» حالان من فاعل «صلى»
ولو كان عليه ثوبان، أحدُهما محرمٌ، والآخرُ مباحٌ، لم تصح صلاته أيضًا؛ لأن المباح لم يتعين ساترًا، تحتانيًّا كان أو فوقانيًّا؛ لأنه إذا قُدِّرَ عدمُ أحدِهما، كان الآخرُ ساترًا.
ولا تبطل الصلاة بلبس الحرير من غير ثوب كعمامة، وتِكَّةٍ [¬١]، وخُفٍّ غير ممسوحٍ عليه؛ لأنه لا يصحُّ المسحُ عليه لذَكَرٍ، وكخاتم ذهبٍ أو فِضَّةٍ.
وتصحُّ صلاةُ من حُبِسَ ببقعةِ غصبٍ. والبقعةُ النجِسةُ يأتي حكمُها في الشرط السابع.
قال شيخنا في شرحه على «المنتهى»: وعلم منه: صحةُ صلاتِه؛ لعجزه عن شرطِها، وهو إباحةُ البقعةِ وطهارتُها. وفيما يأتي في حكم نجاسة البقعة. صوالحي وإيضاح [¬٢].
(٢) قوله: (ويصلِّي عُريانًا مع غَصْبٍ) أي: ويصلِّي عُريانًا مع وجودِ ثوبٍ غصبٍ، أي: مغصوب؛ لعدم إباحةِ استعمالِه مطلقًا. صوالحي وإيضاح [¬٣].
(٣) قوله: (وفي حريرٍ؛ لعدم) أي: ويصلِّي في ثوبِ حرير؛ لعدم وجودِ غيرِه،
стр. 275
ولا يُعيدُ (١). وفي نَجِسٍ؛ لِعَدَمٍ، ويُعِيدُ (٢).
إذا كان يملِكُ التصرُّفَ فيه، ولو عاريَّةً؛ لأنه مأذونٌ في لُبسهِ في بعضِ الأحوال؛ للضرورة، كحكَّةٍ، وجربٍ، وبَرْدٍ، وعدمِ سُترةٍ غيرِه؛ لأن علة فساد الصلاة تحريمٌ، وقد زال في هذه الحالة. دنو شري وإيضاح.
(١) قوله: (ولا يعيدُ) الصلاةَ من صلَّى عُريانًا، أو صلَّى في حريرٍ؛ لعدمِ ثوبٍ مباحٍ في الأُولى، وعدمِ [¬١] غيرِ الحريرِ في الثانية. فقولُه: «لعدمٍ» متعلق بهما.
(٢) قوله: (وفي نَجِسٍ؛ لعدَمٍ، ويُعيدُ) أي: ويصلِّي في ثوبٍ نَجِسٍ؛ لعدمِ غيرِه، مع عجزٍ عن تطهيرِه في الوقتِ، ولكنْ يعيدُ الصلاةَ.
ومن لم يجدْ إلا ما يسترُ عورتَه، أو منكِبَه فقط، سترَ عورتَه. ومن لم يجدْ إلا ما يسترُ الفرجين، سترَهما، أو أحدَهما، سترَه، ولكنْ الدبرُ أَولَى، ما لم يكفِ منكبَه وعُجْزَهُ فقط، فيسترهما، ويصلِّي جالسًا.
ويلزم العُريانَ تحصيلُ سُترةٍ بثمنِ المِثْلِ في مكانِ القدرةِ، ولو بزيادةٍ يسيرةٍ، وكذا لو وجدَها تؤجرُ، مع القدرة على الأجرة، فاضلةً عن احتياجه. وكذا يلزمه قبولُها عاريَّة، ولا يلزمه القبولُ هبةً. فإن عَدِمَ ذلك جميعًا، صلَّى جالسًا ندبًا؛ يُومئُ بالركوعِ والسجودِ، ولا يتربَّع، بل ينضامُّ؛ بأن يضمَّ إحدى فَخِذَيه إلى الأخرى.
ومن صلَّى عُريانًا ووجدَ في صلاتِه سُترةً قريبةً منه عُرفًا، أخذَها وَسَتَرَ بها، وبنَى على ما مضى من صلاته وكذا الأمةُ إذا عَتَقت في الصَّلاة، واحتاجت
стр. 276
ويَحرُمُ على الذُّكُورِ، لا الإنَاثِ (١):
لها فإن كانت السترةُ بعيدةً، لا يمكنه السُّترةُ بها إلا بعملٍ كثيرٍ، بطلتِ الصلاةُ، وابتدأَها.
والعراةُ يصلُّون جماعةً، وإمامُهم وسطهم، وجوبًا. فإن كانوا رجالًا ونساءً، صلَّى كلُّ نوعٍ وحدَه، فإن شقَّ، صلَّى الرجالُ، واستدبرَهم النِّساءُ، ثم عَكَسُوا.
ويسنُّ إعارةُ السُّترةِ، إذا كان ربُّها يُعيرُها صلَّى ربُّها، ثم يصلِّي بعدَه العراةُ واحدًا بعد واحد، ويُقَدَّمُ بها إمامٌ مع ضِيقِ الوقتِ، ويقفُ أَمَامَهم. والمرأة أولى بالعارية.
ويُكرهُ للمصلِّي سدلُ ثوبٍ، وهو طرحُه على كتفِهِ، من غيرِ ردِّ طرَفِه على كتفه الآخر.
ويُكره أيضًا الاضطباعُ بثوبٍ ليس عليه غيرُه. وكذا تغطيةُ فمٍ وأنفٍ، ولفِّ كُمٍّ بغيرِ سببٍ.
ويكره للرجل شدُّ وسَطِهِ بما يُشبهُ الزُّنَّار، والأنثى مطلقًا، يكره شدُّ وسَطِهَا.
ويُكرهُ لُبسُ معصفَرٍ، ومزعفَرٍ، وأحمرَ صامتٍ. ويُكره لُبسُ ثيابٍ فوقَ ساقٍ، وتحتَ كعبٍ بلا حاجةٍ. ويحرُم إسبالُه خيلاءَ، ويباحُ للمرأةِ بزيادةِ ذِراعٍ. أفاده الصوالحي [¬١].
(١) قوله: (ويحرمُ على الذُّكورِ [¬٢] لا الإناث) أي: ويحرمُ على الذكرِ والخُنثى، لا الإناث، حتى على الكافر؛ لأنَّ الكفَّارَ مخاطبون بفروعِ الشريعة.
стр. 277
لُبْسُ مَنسُوجٍ (١)، ومُمَوَّهٍ بِذَهَبٍ أو فِضَّةٍ (٢). ولُبْسُ ما كُلُّهُ (٣)، أو غالِبُهُ، حَرِيرٌ (٤).
(١) قوله: (لُبسُ منسوجٍ) من حريرٍ وغيره، و «لبسُ» فاعلُ «يحرمُ» وهو مضافٌ، «ومنسوج» مضافٌ إليه.
(٢) قوله: (ومموَّهٍ بذهَبٍ، أو فِضَّةٍ) والتمويهُ؛ بأن يُذابَ الذهبُ أو الفضةُ، ويُلقى فيها الإناءُ من نُحاسٍ ونحوِه، فيَكتَسبُ من لونِه، فيصيرُ في رأي العينِ كأنه ذهبٌ محضٌ. وكذا ما طُلِيَ، أو كُفِّت، أو طُعِّمَ بأحدِهما؛ لما تقدم في الآنية. ولا يحرُمُ ما استحيلَ لونُه، ذهَبٌ أو فِضَّةٌ، ولم يتحصَّل منه شيءٌ لو عُرِضَ على النَّار؛ لزوال عِلَّةِ التحريم. صوالحي [¬١].
(٣) قوله: (ولُبسُ) بالرفع، عطفٌ على الفاعل. (ما كلُّه) أي: ويحرمُ لُبسُ ما كلُّه حريرٌ، أي: جميعُه.
(٤) قوله: (أو غالبُه حريرٌ) أي: ويحرمُ لُبسُ ما غالبُهُ حرير، أي: أكثرُه حريرٌ ظهورًا.
ويحرم، حتى على أنثى، لُبسُ ما فيه صُورةُ حيوانٍ، وتعليقُه، وسَترُ جُدُرٍ به، وتصويرُه؛ لما نَهى رسولُ اللَّه ﷺ عن ذلك [¬٢].
ويحرُمُ على غيرِ الأنثى افتراشُ الحرير؛ لنهيه ﵇ عن الجلوسِ عليه [¬٣]، وكذا استنادٌ إليه، وتعليقُه، حتى البشخانة، وهي: الناموسيَّة.
стр. 278
ويُبَاحُ: ما سُدِّيَ بالحَرِيرِ وأُلحِمَ بِغَيرِه (١)، أو كانَ الحَرِيرُ وغَيرُهُ (٢) في الظُّهُورِ سِيَّانِ (٣).
ودخل فيه تِكَّةٌ، وشَرَّابةٌ [¬١] مفردة، وخيطُ سَبْحَةٍ، ونحوِ ذلك.
قال في «الآداب» [¬٢]: اختار الآمديُّ إباحةَ يسيرِ الحريرِ مفردًا.
قال في حاشية «الإقناع» عند قوله: «ويباحُ عَلَمُ حريرٍ»: عن أبي بكر أنه قال: يباحُ وإن كان مُذَهَّبًا؛ لأنه يسيرٌ، أشبهَ الحريرَ ويسيرَ [¬٣] الفِضَّةِ. وقال شيخنا: قلت: وقياسُه الشاشُ المقَصَّبُ. انتهى.
ويجوز من الحريرِ طِرازُ الثَّوبِ؛ قدرَ أربعِ أصابع، وكذا السِّجافُ [¬٤]، لا أكثر من ذلك. صوالحي [¬٥].
(١) قوله: (ويباح ما سُدِّيَ بالحريرِ وأُلحِمَ بغيرِه) أي: ويباحُ لُبسُ ما سُدِّيَ بالحريرِ وأُلحِمَ بغيرِه، أي: غير الحرير، كصوفٍ، أو وبرٍ، أو قُطنٍ، أو كَتَّانٍ، لكن بشرطِ أن يكونَ الحريرُ مستترًا، وغيرُ الحريرِ هو الظاهر.
(٢) قوله: (أو كان الحرير وغيره) أي: ويباح لبس ما كان الحرير وغير المنسوج معه؛ من قطن، وكتان، وصوف، ونحوه.
(٣) قوله: (في الظُّهُورِ سِيَّان) أي: سواءٌ، ولو زاد الحريرُ وزنًا، أو كان الغالبُ
стр. 279
السَّابِعُ: اجتِنَابُ النَّجاسَةِ (١)، لِبَدَنِهِ، وثَوبِهِ، وبُقعَتِه (٢)، مَعَ القُدرَةِ (٣).
غير الحرير، ولا عبرةَ بالوزن.
ويجوز لبسُ الحريرِ الخالِصِ؛ لضرورةٍ، أو حَكَّةٍ، أو قَمْلٍ، أو في حالةِ حَربٍ، ولو بلا حاجة. ويجوزُ إذا كان حَشوَ فِراشٍ وجبَابٍ، ونحوه.
ويحرم على الولي إلباسُ الصغيرِ ما يحرُمُ على الرَّجلِ. صوالحي وزيادة [¬١].
(١) قوله: (السابعُ: اجتنابُ النَّجاسةِ) شرطٌ في الصلاة، وهي في اللغة: ضدُّ الطَّهارةِ. وشرعًا: عينٌ، كالميتة ونحوه، أو صفةٌ، كأثر بولٍ ونحوِه بمحلٍّ طاهرٍ، منعَ الشرعُ منها بلا ضرورةٍ، لا لأذًى فيها طبعًا، كالسميات، ولا لحقِّ اللَّهِ تعالى، كصيد الحرم، وصيدِ البرِّ للمحرم. أو لحقِّ غيرِ اللَّهِ تعالى، كمالِ الغيرِ إذا غصَبه. ولا لحُرمتِها، كميتة الآدمي. ولا لاستقذارها، كنحو منيٍّ ومخاط. صوالحي [¬٢].
(٢) قوله: (لبدنه) أي: بدن مصلٍّ، متعلق ب «اجتناب» (وثوبه وبقعته) التي يُصلي فيها، معطوفٌ على «بدنه»
(٣) قوله: (مع القدرَة) جار ومجرور، متعلق ب «اجتناب» أيضًا، والمعنى: اجتنابُ النجاسةِ في الصلاة لبدنِ المصلِّي، وثوبِه، وبقعتِه، شرطٌ مع القدرَة لتطهيرِ بدنِه بالماء الموجودِ، أو تيمم له مع عدمِه، وغَسلِ الثوبِ والبقعةِ بالماءِ.
стр. 280
فإن حُبِسَ بِبُقُعَةٍ نَجِسَةٍ وصَلَّى: صَحَّتْ (١). لَكِنْ: يُومِئُ بالنَّجاسَةِ الرَّطْبَةِ غَايَةَ ما يُمْكِنُهُ (٢)، ويَجلِسُ على قَدَمَيهِ.
وإنْ مَسَّ ثَوبُهُ ثَوبًا نَجِسًا، أو حائِطًا لم يَستَنِدْ إليهِ (٣)، أو: صَلَّى على طاهِرٍ طَرَفُهُ مُتَنَجِّسٌ (٤)، أو: سَقَطَت علَيهِ النَّجاسَةُ فَزَالَت، أو أزالَها
(١) قوله: (فإن حُبسَ ببقعةٍ … إلخ) هذا مفرَّعٌ على قولِه: «مع القدرَةِ».
(٢) قوله: (لكن) إن كانت النجاسةُ يابسةً رَكَعَ وسَجَدَ عليها، و (يومئُ بالنجاسةِ) إن كانت النجاسةُ رطبةً (غايةَ ما يمكنه) من الإيماء.
(٣) قوله: (وإن مس ثوبُه ثوبًا نجِسًا أو حائطًا [¬١] لم يستند إليه) صحَّت صلاتُه؛ لأنَّ ذلك ليس بمحلٍّ لبدنِه، ولا لثوبِه، وليس هو في بُقعتِه، وليس حاملًا له. وفُهم من قوله: «لم يستند إليه» أنه إذا استند إليه لا تصحُّ صلاتُه؛ لأنه كالبُقعةِ في هذهِ الحالةِ. دنوشري.
(٤) قوله: (أو صلَّى على طاهرٍ طرفُه متنجِّسٌ) أي: أو صلَّى على محلٍّ طاهرٍ [¬٢] كبساط، وحصيرٍ، ورداءٍ، متنجِّس طرفُه، ولو تحرَّك بحركتِه إذا مَشَى. ويُعلم منه: أنه لو كان النَّجسُ متعلِّقًا بالمصلِّي، بحيثُ ينجرُّ معه إذا مَشى، كما لو كان في يدِه، أو وسطِه حبلٌ مشدودٌ في نجاسةٍ، أو حيوانٍ نجسٍ، ككلبٍ وبغلٍ وحمارٍ، ينجرُّ معه إذا مشى، أو أمسَكَ حبلًا، أو غيرَه، ملقىً على نجاسةٍ، فلا تصح. م ص [¬٣] باختصار.
стр. 281
سَرِيعًا: صَحَّتْ (١). وتَبطُلُ (٢): إنْ عَجَزَ عَنْ إزالَتِها (٣) في الحَالِ، أو نَسيَهَا (٤)، ثُمَّ عَلِمَ (٥).
ولا تَصِحُّ الصَّلاةُ (٦):
(١) قوله: (أو سَقَطَت عليه النجاسةُ فزالَت، أو أزالَها سريعًا، صحَّت) صلاةُ المصلي إذا سقطت عليه نجاسةٌ، فزالت سريعًا، أو أزالها عن نفسِهَ سريعًا؛ لأن من النجاسة ما يُعفى عن يسيرِها، فعُفي عن يسيرِ زَمَنِها، ككشفِ العورةِ. دنوشري.
(٢) قوله: (وتبطل) أي: الصلاةُ.
(٣) قوله: (إن عَجَزَ عن إزالتِها) أي: النجاسة سريعًا، فلا تصحُّ صلاتُه.
(٤) قوله: (أو نَسِيَها) أو جَهِلَ عينَها؛ بأن أصابه شيءٌ لا يعلمُه طاهرًا، أو نجسًا، ثم عَلِمَ. أو جَهِلَ حكمَها؛ بأن لم يعلم أنَّ إزالتها شرطٌ للصلاة. أو جَهِلَ أنها كانت في الصلاة، ثم عَلِمَ، فلا تصح صلاتُه في هذه الصور كلِّها، وتلزمُه الإعادةُ؛ لأن اجتنابَ النجاسة في الصلاة شرطٌ لصحتها، فلم يسقُطْ بالنسيان، ولا بالجهل، كطهارةِ الحدث. وعنه: تصح صلاتُه إذا نَسِيَ، أو جَهِلَ النجاسة. قال في «الإنصاف»: وهي الصحيحةُ عندَ أكثرِ المتأخرين. م ص. [¬١]
(٥) قوله: (ثم عَلِمَ) أنها كانت في الصلاة.
(٦) قوله: (ولا تصحُّ الصلاةُ) في تسعة أماكن فرضًا كانت أو نفلًا. تعبدًا في سبعة أماكنَ منها، غير الأرض المغصوبةِ، والكعبةِ، إلا في داخلِ الكعبةِ،
стр. 282
في الأَرضِ المَغصُوبَةِ (١). وكذَا: المَقبَرَةُ (٢)، والمَجزَرَةُ (٣)، والمَزبَلَةُ (٤)، والحُشُّ (٥)،
يصحُّ النفلُ دون الفرض، كما سيأتي مفصَّلًا.
(١) قوله: (في الأرضِ المغصوبةِ) فلا تصح الصلاة فيها مطلقًا لضرورة، أو لغير ضرورة. قال في «الإقناع» [¬١]: سوى جمعة وعيد، وجنازة، ونحوها بطريقٍ وغصبٍ؛ لضرورة.
(٢) قوله: (وكذا المقبَرةُ) قديمةً كانت المقبرةُ أو حديثةً، تقلبت، أو لا. وهي: مدفنُ الموتَى، وهي بتثليثِ الميمِ والباءِ، لكنْ فتحُها هو القياس، وضمُّها المشهورُ، وكسرُها قليلٌ. ولا يضرُّ قبرانِ، ولا ما دُفِنَ بدارِه. وأما الخَشْخَاشَةُ وتُسمى الفسقيةَ فيها أمواتٌ كثيرون، فهيَ قبرٌ واحدٌ. قاله في «الفروع». بحثًا. م ص. [¬٢]
(٣) قوله: (والمجزَرَةُ) وهي مكانُ الذبح.
(٤) قوله: (والمزبَلَةُ) بفتح الباء وضمِّها. مرمى النجاسة، والكناسة، والزبالة، وإن كانت طاهرة؛ لأن هذه المواضع مظانٌّ للنجاسة، فعُلِّق الحكمُ بمظنَّتها، وإن لم يوجد حقيقةً، كما انتقضت الطهارةُ بالنَّوم لمظِنَّةِ الحدَث. م ص.
(٥) قوله: (والحُشُّ) بضم الحاءِ المهملة وفتحِها، وهو محلُّ قضاءِ الحاجةِ، فيُمنع من الصلاة من داخل بابه؛ لأنه لمَّا منع الشرعُ من الكلام فيه، فمنعُ
стр. 283
وأعطَانُ الإبِلِ (١)، وقارِعَةُ الطَّرِيقِ (٢)، والحَمَّامُ (٣).
الصلاةِ فيه أولى؛ لكونها متضمنةً ذكرَ اللَّه تعالى، ولو مع الطهارة من النجاسة. صوالحي وزيادة [¬١].
(١) قوله: (وأعطَانُ الإبلِ) بفتح الطاء، جمع عَطَن بفتحها أيضًا، وهي: المعاطِنُ، جمع معطِن، بكسر الطاء، وهي ما تقيمُ فيها، وتأوي إليها، طاهرةً كانت أو نجسةً، فيها إبلٌ حالَ الصلاةِ، أو لا؛ لعموم الخبر [¬٢]. وأما ما تبيتُ فيه الإبلُ في مسيرها، أو تُناخُ فيه لعلفِها أو سقيِها، فلا يُمنعُ من الصلاة فيه؛ لأنه ليس بعطن. م ص. [¬٣]
(٢) قوله: (وقارعةُ الطريقِ) من إضافةِ الصفة إلى موصوفها، أي: الطريق المقروعة بالأقدام، أي المسلوكة سلوكًا عامًا، كالأسواق، والشوارع العامة، وطريق المسافرين، دون ما علا عن جادَّة المسافرين، وعن جادَّة المارَّة يمنةً ويسرةً. واحترز بقارعة الطريق عن الطريق التي يقلُّ المشي فيها، إذ لا يخلو موضعٌ من المشي فيه. ح ف.
(٣) قوله: (والحمَّامُ) داخلَه وخارجَه، وجميعُ ما يتبعه في بيعِه؛ لتناولِ الاسم له، فلا فرق بين مكانِ الغَسْلِ، والمُشَلَّحِ [¬٤]، والأتونِ، وهو المستوقَد، وكلِّ ما يُغلَق عليه بابُه. م ص [¬٥] بإيضاح.
стр. 284
وأسطِحَةُ هذِهِ: مِثْلُهَا (١).
ولا يَصِحُّ الفَرضُ: في الكَعبَةِ- والحِجْرُ مِنها- ولا عَلَى ظَهرِهَا (٢)، إلَّا إذَا لَم يَبْقَ ورَاءَهُ شَيءٌ (٣).
(١) قوله: (وأسطحةُ هذه مثلُها) أي: أسطحةُ هذه الثمانيةِ مواضع التي لا تصح الصلاة فيها، مثلُها؛ لأن الهواءَ تابعٌ للقرارِ؛ بدليل منعِ الجنب من اللُّبثِ بسطحِ المسجدِ، وحِنْثِ مَنْ حَلَفَ لا يدخلُ دارًا بدخولِ سطحها. م ص [¬١] وزيادة.
(٢) قوله: (ولا يصحُّ الفرضُ في الكعبةِ، والحِجرُ مِنها، ولا على ظَهرِها) التاسعُ من المواطن التي لا تصحُّ الصلاةُ فيها: في داخلِ الكعبة، وداخلِ الحِجْرِ. ولا تصح الصلاة أيضًا على ظهرها؛ لقوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البَقَرَة: ١٤٤]. والشطر: الجهة. والمصلِّي فيها، أو على سطحِها، غيرُ مستقبلٍ لجهتها. ولأنه يستدبِرُ من الكعبةِ ما لو استقبلَه منها خارجها، صحت. ولأن النهي عن الصلاةِ على ظهرِها وردَ صريحًا في حديث ابن عمر [¬٢]. م ص. [¬٣]
(٣) قوله: (إلَّا إذا لمْ يبقَ وراءَه شيءٌ) منها؛ بأن وقفَ على منتهاها، أو وقفَ خارجَها. مستثنى من عدمِ صحةِ صلاةِ الفرضِ على ظهرِها، فإن صلاةَ الفرض صحيحةٌ في هاتين المسألتين على الصحيحِ من المذهب؛ لأنه مستقبلٌ للكعبةِ، غيرُ مستدبرٍ لشيءٍ منها، فصحَّت، كما لو صلَّى خارجَها
стр. 285
ويَصِحُّ النَّذرُ فِيهَا، وعَلَيها (١). وكذَا: النَّفلُ، بَلْ يُسَنُّ فِيهَا (٢).
الثَّامِنُ: استِقبَالُ القِبلَةِ (٣)
إلى أحدِ أركانها. دنوشري باختصار.
(١) قوله: (ويصحُّ النَّذرُ فيها) أي: ويصحُّ أيضًا ما نَذَرَ من صلاةٍ فيها، (وعليها) أي: على سطحها. صوالحي [¬١].
(٢) قوله: (بل يُسَنُّ فيها) إضرابٌ انتقاليٌّ، أي: يُسنُّ صلاةُ النافلةِ في الكعبة، وعليها، بين الساريتين، عن يساره إذا دَخل؛ لفعله ﵇ [¬٢]. عثمان. [¬٣]
(٣) قوله: (الثامنُ: استقبالُ القِبلَةِ) أي: الكعبة، أي: جهتها؛ لقوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البَقَرَة: ١٤٤]. قال عليٌّ ﵁: شطرُه: قِبَلَه [¬٤]. ولقوله ﵊: «إذا قمتَ إلى الصلاة، فأسبغِ الوضوءَ، ثم استقبل القبلة» [¬٥].
وأصلُ القِبلةِ، لغةً: الحالةُ التي يقابِلُ الشيءُ غيرَه عليها، كالجلسة؛ للحالة التي يجلس عليها. وقد صارت الآن كالعَلَم للجهة التي تُستقبلُ في الصلاةِ، وسُميت بذلك؛ لأن الناس يقابلونَها في صلاتهم، وتقابِلُهم. فهو شرطٌ بالكتابِ، والسنةِ، والإجماع. صوالحي بإيضاح [¬٦].