أو: شَكَّ في زِيادَةٍ وَقْتَ فِعلِها (١).
وتَبطُلُ الصَّلاةُ: بتَعَمُّدِ تَركِ سُجُودِ السَّهوِ الوَاجِبِ (٢)، إلَّا إنْ تَرَكَ ما وجَبَ بِسَلامِهِ قَبْلَ إتمَامِها (٣).
(١) قوله: (أو شكَّ في زيادةٍ وقتَ فعلِها) أي: ويجبُ أيضًا سجودُ السهو لو شكَّ في زيادةِ قولٍ أو فعلٍ، وقتَ فعلِ الصَّلاةِ؛ بأن شكَّ في سجدة وهو فيها، هل هي زائدة، أو لا؟ أو في الركعة الأخيرة كذلك، فيسجدُ؛ لأنه أدَّى جزءًا من صلاته مترددًا في كونه منها، أو زائدًا عليها، فضعُفت النية، واحتاجت للجبرِ بالسجود.
وفُهم منه: أنه لا يُشرع سجودُ سَهوٍ لشكٍّ في تركِ واجبٍ؛ لأنه شَكٌّ في سبب وجوبِ السجود. ولا يُشرعُ سجودٌ لشكٍّ في زيادةٍ، في غيرِ وقت فعله؛ بأن شكَّ، هل زادَ ركوعًا، أو سجودًا، أو شكَّ في تشهُّدِهِ الأخير، هل صلَّى أربعًا، أو خمسًا ونحوه؟ لأن الأصلَ عدمُ الزيادة، فلحِقَ بالمعدوم يقينًا. م ص. [¬١]
(٢) قوله: (وتبطُلُ الصَّلاةُ بتعمُّدِ تركِ سُجودِ السهوِ الواجبِ) بأن تَرَكَهُ تركَ إهمالٍ، لا إن تركه؛ ليأتي به بعدَ السلام، فلا تبطُلُ بتعمُّدِه؛ لأنه يكون تاركًا للسُّنة فقط. والسجودُ محلُّه كلُّه قبلَ السَّلامِ، إلا إذا سلَّم قبلَ إتمامِها، فبعدَه. ح ف.
(٣) قوله: (إلَّا إن تَرَكَ ما وَجَبَ بسلامِهِ قبلَ إتمامِها) أي: لا تبطلُ الصلاةُ إن تعمَّدَ المصلِّي تركَ ما وجَبَ من سجودِ السهو، محلُّه بعدَ السلام، وهو ما
стр. 352
وإنْ شَاءَ: سَجَدَ سَجدَتَي السَّهوِ قَبْلَ السَّلامِ، أو بَعدَهُ (١). لَكِنْ: إنْ سَجَدَهُمَا بَعدَه، تَشَهَّدَ وجُوُبًا وسَلَّم (٢).
إذا سلَّم المصلي من صلاته قبل إتمامها؛ لأنَّ محلَّ أفضليةِ سجودِ هذا السهو بعد السلام؛ لأنه خارجٌ عنها، فلم يؤثر في إبطالِها. صوالحي بإيضاح [¬١].
(١) قوله: (وإنْ شاءَ سجدَ سجدتَي السَّهوِ قَبلَ السلامِ، أو بعدَه) أي: يخُيِّرُ [¬٢] من وجَبَ عليه سجودُ السَّهوِ أنْ يسجُدَ سجدتي السَّهو قبلَ السلام، أو بعدَ السلام؛ لأن الأحاديثَ وردت بكلٍّ من الأمرين. قال القاضي: لا خلافَ في جَوازِ الأمرين، وإنَّما الكلامُ في الأَولى والأفضلِ، فالأفضلُ في صُورةِ من سلَّم سَهوًا قبلَ إتمامِ الصلاة أن يسجُد بعد سلامه. وباقي سجود السَّهو، الأفضلُ أن يسجدَ قبل السلام؛ ووجهُهُ: أنَّه من شأنِ الصلاةِ، فيقضيه قبلَ السَّلامِ، كسجودِ صُلبها، وأما ما محلُّه السجودُ بعد السلام، فإنه خارجٌ عنها، فلم يؤثِّر في إبطالِها. صوالحي باختصار [¬٣].
(٢) قوله: (لكنْ إنْ سجَدهما بعدَه، تشهَّدَ وجُوبًا، وسلَّم) هذا استدراكٌ منه على التخيير المتقدِّم، يعني: إنْ سجدَ سجدتي السهو بعد السلام، جلسَ مفترشًا في ثنائية، ومتوركًا في غيرِها، وتشهَّد وجوبًا التشهُّدَ الأخيرَ، ثم سلَّم؛ لأنه في حُكم المستقلِّ [¬٤] في نفسِه.
стр. 353
وإنْ نَسِيَ السُّجُودَ (١) حَتَّى طالَ الفَصْلُ عُرْفًا. أو: أحدَثَ. أو: خَرَجَ مِنْ المَسجدِ: سَقَطَ (٢).
ولا سُجُودَ على مَأمُومٍ دَخَلَ أوَّلَ الصَّلاةِ، إذا سَهَا في صَلاتِهِ (٣).
وسجودُ السهو، وما يقالُ فيه، وفي رَفعٍ منه، كسجودِ صُلب الصَّلاةِ؛ مِنْ تكبيرٍ، وتحميدٍ، وتسبيحٍ في السجودِ، وربِّ اغفر لي. دنوشري.
(١) قوله: (وإن نَسِىَ السُّجودَ) للسَّهو، سجَد عند تذكُّرِه، إن قرُبَ الفصلُ، ولم يُحدِث، ولم يخرُج من المسجد.
(٢) قوله: (حتَّى طالَ الفصلُ عُرفًا .... إلخ) حتى: غايةٌ لمقدرٍ [¬١] في نظم الكلام، أي: وإن كان ما تذكَّره (حتَّى طالَ الفصلُ عُرفًا أو أحدَث أو خرجَ من المسجد سَقَطَ) عنه السجود؛ لفوات محلِّه، وصحَّت صلاتُه، كسائرِ الواجبات إذا تركها سهوًا. انتهى الوالد.
(٣) قوله: (ولا سُجودَ على مأمومٍ دخلَ أوَّل الصلاةِ إذا سَهَا في صلاتِه) أي: ليس على مأمومٍ سَهَا دون إمامِه سجودُ سهوٍ، إلا أن يسهوَ إمامُه، فيسجدَ مع إمامه، ولو لم يسْهُ المأموم. وأمَّا ما على المأموم من النقص، فإنه يلزمه الإتيان به بعدَ سلامِ إمامِه. وفُهِمَ منه: أنْ يسجُدَ مأمومٌ مسبوقٌ سلَّم مع إمامِه سَهوًا، بعد أن يأتي بما فاته، ويسجُد المأمومُ المسبوقُ لسهوه دونَ إمامه، حالةَ كونِه في الصلاة مع إمامه، ولسهوه فيما انفرد به؛ لقضاء ما فاته بعد إمامه. ح ف.
стр. 354
وإن سَهَا إمَامُهُ: لَزِمَه مُتابَعَتُهُ في سُجُودِ السَّهوِ (١). فإنْ لم يَسجُد إمامُهُ: وَجَبَ علَيهِ هُوَ (٢). ومَن قَامَ لِرَكعَةٍ زَائِدَةٍ: جَلَسَ مَتَى ذَكَرَ (٣).
وإنْ نهَضَ عَنْ تَركِ التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ نَاسِيًا (٤): لَزِمَه الرُّجُوعُ لِيَتَشَهَّدَ (٥).
(١) قوله: (وإن سَها إمامُه لَزِمَه متابعتُه) أي: وإن سها إمامُه، لَزِمَ المأمومَ متابعةُ إمامه (في سجود السَّهو).
(٢) قوله: (فإن لم يسجُد إمامُه، وجَبَ عليه هوَ) أي: فإن لم يسجُد إمامُه للسهو، وجبَ سجودُ السهو على المأموم بعد إياسٍ من سجود إمامِه؛ لأنه ربَّما ذكر قريبًا، فسجدَ، وربَّما يكونُ ممن يَرى السجودَ بعد السلام. وعُلِمَ منه: أنه لا يسقُطُ السجودُ عن المأمومِ بتركِ إمامِه له؛ لأن صلاته نقصَت بنقصانِ صلاةِ إمامِه، فلزمه جَبرُها، هذا إذا كان الإمامُ لا يرى وجوبَه؛ أو تَرَكَه سهوًا، أو كان محلُّه بعد السلام، وإلا فتبطلُ صلاتُه. وتقدَّم: تبطلُ صلاةُ المأمومِ ببطلانِ صلاةِ إمامِه. م ص. [¬١]
(٣) قوله: (ومَنْ قامَ لركعةٍ زائدةٍ جَلَسَ) بلا تكبير (متَى ذَكَرَ) أنَّها زائدةٌ وجوبًا؛ لئلا يغيِّر هيئةَ الصلاة، ولا يتشهَّدُ إن كان تشهَّدَ، وسجدَ، وسلَّم. الوالد.
(٤) قوله: (وإنْ نَهَضَ عن تركِ التشهُّدِ الأوَّلِ ناسيًا) أي: وإن نهضَ المصلِّي إلى ركعةٍ ثالثةٍ عن تركِ التشهُّدِ سهوًا، كثالثة في فجر، ورابعةٍ في مغرب، وخامسةٍ في رباعية.
(٥) قوله: (لَزِمَه الرجوعُ ليتشهَّدَ) جوابُ الشَّرطِ. إن ذكَر قبلَ أن يستتمَّ قائمًا؛
стр. 355
وكُرِهَ: إنْ استَتَمَّ قائِمًا (١)، وتَلزَمُ المَأمُومَ مُتَابَعَتُه (٢). ولا يَرجِعُ: إن شَرَعَ في القِرَاءَةِ (٣).
لتَدارُكِ الواجب، ويتابعُه مأمومٌ، ولو اعتدَلَ. وظاهره: أن يرجِعَ، ولو كان إلى القيامِ أقربَ. م ص. [¬١] وإيضاح.
(١) قوله: (وكُرِهَ إنْ استتمَّ قائمًا) أي: كُرِهَ رجوعُه؛ بأن يأتي بالتشهُّد، مع أن الرجوعَ بعد التذكُّرِ واجبٌ قبلَ أن يستتمَّ قائمًا. لا يقالُ: عدمُ وجوبِ رجوعِه بعد أن يستتمَّ قائمًا، فيه تركُ الواجب عمدًا، فَحِينَئذٍ تبطلُ صلاتُه بذلِك!! إلا أن يقالَ: بعد استِتْمامِه قائمًا فاتَ محلُّ الواجب، فكُرِهَ الرُّجوعُ لذلك، وأما قبلَه، فهو في محلِّه، يجبُ عليه الرجوعُ له.
(٢) قوله: (وتلزمُ المأمومَ متابعتُه) أي الإمامِ في قيامِه ناسيًا؛ لحديث: «إنما جعل الإمامُ ليؤتمَّ به» [¬٢]. ولمَّا قامَ ﵊ عن التشهُّد، قامَ الناسُ معه. وفعلَه جماعةٌ من أصحَابه.
ولا يلزمُه الرجوعُ إن سبَّحوا له بعد قيامِه. وإن سبَّحوا به قبلَ قيامه، ولم يرجِع، تشهَّدوا لأنفسهم، ولم يتابعوه؛ لتركِه واجبًا. وإن رَجَعَ قبلَ شروعِه في القراءة، لزِمهم متابعتُه، ولو شرعُوا فيها، لا إن رَجَعَ بعدَها لخطَئِه، وينوونَ مفارقته. م ص. [¬٣]
(٣) قوله: (ولا يَرجِعُ إنْ شَرَعَ في القِراءةِ) بل يحرمُ عليه الرجوعُ بعد الشروعِ
стр. 356
ومَنْ شَكَّ في رُكْنٍ (١)، أو عَدَدِ رَكَعَاتٍ (٢)، وهُوُ في الصَّلاةِ: بَنَى على اليَقِينِ، وهُو الأَقَلُّ، وسَجَدَ للسَّهو. وبَعدَ فَرَاغِها: لا أثَرَ للشَّكِّ (٣).
في القراءة؛ لأن القراءة رُكنٌ مقصودٌ في نفسه، بخلافِ القيامِ، وبطلَت صلاتُه برجوعه إذن، عالمًا عمدًا؛ لزيادته فعلًا من جنسِها عمدًا، لا إنْ رجَع ناسيًا، أو جاهِلًا، ويلزمُ المأمومَ متابعتُه إذن. عثمان. [¬١]
(١) قوله: (ومَنْ شَكَّ في رُكنٍ) أي: تردَّد؛ إمامًا كان، أو منفرِدًا، في تركِ رُكن من أركانِ الصلاة، بنَى على اليقين، فيُجعل كمن تيقَّن تركَه؛ لأن الأصل عدمُه، وكما لو شكَّ في أصل الصلاة. م ص. [¬٢]
(٢) قوله: (أو عدَدِ ركعَاتٍ) أي: أو [¬٣] شكَّ في عددِ ركَعَاتِ الصلاة، فإذا شكَّ، أصلَّى ركعةً، أو ركعتين؟ بَنَى على ركعة. وثِنتينِ، أو ثلاثًا؟ بنى على ثِنتين، وهكذا. وهذا هو الأقلُّ الذي أشار إليه المصنف، ويسجُد للسَّهو فيما ذُكر.
(٣) قوله: (وبَعدَ فراغِها لا أثرَ للشكِّ) أي: وبعدَ فراغِ الصَّلاةِ، لا أثرَ للشكِّ. وكذا سائر العبادات؛ لأن الظاهرَ أنه أتى بها على الوجه المشروع.
تنبيه: إن تعدَّد السهوُ كفاه سجدتا السهو عن الكلِّ، ولو اختلف محلُّ السهوين. وإن سَجَدَ لسهوٍ، ثم تبيَّن أنه لم يكن سَهَا، سجَدَ سجدتين؛ لسهوِه من إتيانه بهذه السجدتين في غير محلِّها. صوالحي [¬٤].
стр. 357
بابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ
وهِي: أفضَلُ تَطَوُّعِ البَدَنِ بَعدَ الجِهَادِ (١)،
بابُ صلاةِ التَّطوُّعِ
التَّطوُّعُ في الأصلِ: فعلُ الطاعة.
وشرعًا وعُرفًا: طاعةٌ غيرُ واجبةٍ. والنَّفلُ، والنَّافِلةُ: الزيادة. والتنفُّل: التطوُّع.
قال في «الاختيارات» [¬١]: التطوُّعُ تُكمل به صلاةُ الفرض يومَ القيامة إن لم يكن المصلِّي أتمَّها. وفيه حديثٌ مرفوع، رواه الإمامُ أحمدُ في «المسند» [¬٢]، وكذلِك الزكاةُ، وبقيةُ الأعمال.
وهذا البابُ معقودٌ لذكرِ أفضلِ التَّطوُّعِ؛ من صلاةٍ وغيرِها من العبادات، وما يُلحَقُ بذلك من تفصيلِ [¬٣] أحكامِ نوافلِ الصلاة، والمحلِّ والوقتِ التي تكونُ فيه، وذكرِ أوقاتِ النهي، وشيءٍ من أحكامِ قِراءةِ القرآن. دنوشري.
(١) قوله: (وهي أفضلُ تطوُّعِ البدَنِ بعدَ الجِهاد) أي: صَلاةُ التطوع أفضلُ تطوُّعِ البدن بعد الجهاد وتوابعِه ونحوِها، قال اللَّه تعالى: ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة﴾ [النِّساء: ٩٥]. ثم العِلمُ؛
стр. 358
والعِلْمِ (١).
تعلُّمه وتعليمُه، من حديثٍ، وفقهٍ، وتفسيرٍ. ثم يلي ذلك في الفضيلة الصلاةُ؛ لقوله ﵊: «استقيموا ولن تُحصوا، واعلَموا أن خيرَ أعمالِكم الصلاة» [¬١]. ولأن فرضَها آكدُ الفروض، فتطوُّعُها آكدُ التطوُّعات، ولأنها تجمعُ أنواعًا من العبادات؛ الإخلاصِ، والخشوعِ، والقراءةِ، والركوعِ، والسجودِ، ومناجاةِ الرب، والتوجُّهِ إلى القِبلَةِ، والتسبيحِ، والتكبيرِ، والصلاةِ على البشيرِ النذيرِ. دنوشري.
(١) قوله: (والعلم) أي: وبعدَ [¬٢] العِلمِ، قال الشِّهابُ الفُتوحي: العلمُ باللَّه وصفاتِه أفضلُ من العِلم بالأحكامِ الشَّرعيةِ، لأن العلم يشرُفُ بشرَفِ معلومِه، ويليه في الفضيلة التفسيرُ، ثم الحديثُ، ثم أصولُ الفقه، ثم الفِقهُ. انتهى.
قال أبو الدرداء: العالِمُ والمتعلِّم في الأجرِ سواء، وسائرُ النَّاس هَمَجٌ لا خيرَ فيهم [¬٣]. وقال أيضًا: مذاكرةُ العِلم خيرٌ من قِيامِ اللَّيل [¬٤].
وفي «الحلية» [¬٥] عن سلمان الفارسي أن النبي ﷺ قال: «نومٌ مع عِلم، خيرٌ من صلاةٍ مَعَ جهلٍ». وقال الإمامُ الشافعيُّ: من لا يحِبُّ العِلمَ لا خيرَ
стр. 359
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيه [¬١]. وقال عليٌّ لكُمَيل بن زياد: يا كُمَيل، العلمُ خيرٌ لكَ من المال، العلمُ يحرُسُكُ، وأنت تحرُسُ المالَ، والمالُ تَنقُصُه النفقةُ، والعِلمُ يزكُو بالإنفاق [¬٢].
عن ابن عباس: عليكَ بالعلمِ، فإنَّ العلمَ خليلُ المؤمنِ، والحِلمُ وزيرُه، والعقلُ دليلُه، والعملُ قيِّمُه، والرِّفقُ أبوه، واللِّين أخوه، والصبرُ أميرُ جنودِه [¬٣].
نقل مُهَنَّا: طلبُ العلمِ أفضلُ الأعمالِ لمن صحَّت نيَّتُه. قيل له: فأي شيء تصحيحُ النية؟ قال: ينوي أنه يتواضع فيه، وينفي عنه الجهلَ.
ولأن نفعَ العلمِ مُتَعدٍ، والتطوعَ قاصرٌ، والنفعُ المتعدِّي أفضلُ من القاصِرِ.
وسأل الإمامَ ابنُ هانئ: يطلبُ الحديثَ بقدرِ ما يظنُّ أنه قد انتفَعَ؟ فقال: العلمُ لا يعدِلُه شيءٌ.
وإنَّ العلمَ يحفظُ صاحبَه، والمالَ يحفظُه صاحبُه. وليحذرِ العالِمُ، ويجتَهِدَ في أمرِ دينه، فإنَّ دينه أشدُّ. نقل المرُّوذي: العالمُ يقتدَى به، وليس العالِم مِثلُ الجاهل.
وقال الفضيل بن عياض: يُغفر لسبعين جاهلًا قبل أن يُغفر لعالمٍ واحدٍ، وأقربُ العلماءِ إلى اللَّه، وأولاهم به، أكثرُهم له خشيةً.
стр. 360
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونقل ابن منصور: أن تذاكُرَ بعضِ ليلةٍ أحبُّ إلى أحمدَ من إحيائها، وإن العِلم الذي ينتفعُ به النَّاسُ في أمرِ دينِهم؛ الصلاةُ، والصومُ، والزكاةُ، والحجُّ، والطلاقُ، ونحو هذا.
والأشهرُ عن الإمام أحمدَ الاعتناءُ بالحديث والفقه، والتحريضُ على ذلك. وقال: ليس قومٌ خيرًا من أهل الحديث. وعابَ على محدِّثٍ لم يتفقه.
وقال الإمامُ أحمدُ: يعجِبُني أن يكونَ الرجلُ فَهِمًا في الفقه. وقال: معرفةُ الحديثِ، والفقِهِ فيه، أعجبُ إليَّ مِنْ حِفظِه.
وفي خطبة «مُذْهَبِ» ابن الجوزي: بضاعةُ الفِقه أربحُ البضائعِ. وفي كتاب «العلم» له: الفقهُ عُمدةُ العلوم. وفي «صيد الخاطر» له: الفقه عليه مدارُ العلوم.
وعن أنس أن النبي ﷺ قال: «التفقه حقٌّ على كلِّ مُسلِمٍ ومُسلِمة» [¬١]. وقال الإمام الشافعي، وأبو حنيفة: إن لم تكن الفقهاءُ أولياءَ للَّه، فليس للَّه وليٌّ. وقال إمامنا أحمدُ: هذا في أهلِ الحديث.
وقد أمر عمرُ بالتفقه فقال: تفقَّهوا قبلَ تُسوَّدوا [¬٢]. انتهى. ما رأيته بخط الوالد رحمه اللَّه تعالى.
стр. 361
وأفضَلُها (١): ما سُنَّ جَمَاعَةً (٢). وآكَدُهَا (٣): الكُسُوفُ (٤). فالاستِسْقَاءُ (٥). فالتَّرَاوِيحُ (٦). فالوِتُر (٧):
(١) قوله: (وأفضَلُها) أي: صلاة التطوع.
(٢) قوله: (ما سُنَّ جماعةً) لأنه أشبهَ بالفرائِض. ثم الرواتب. م ص [¬١].
(٣) قوله: (وآكدُها) أي: آكدُ ما يُسنُّ جماعةً. م ص [¬٢].
(٤) قوله: (الكُسوفُ) لأنه ﵇ فعلَها، وأمرَ بها [¬٣]. وجهُ تقدُّمه على الاستسقاءِ: خوفُ فوتِها بالانجلاءِ، كالوقت بالزمان. وكذا وجهُ تقديمِ الاستسقاءِ على الوتر.
(٥) قوله: (فالاسْتِسقَاءُ) لأنه ﵇ كان يستسقي تارةً، ويترك أخرى، بخلافِ الكسوفِ، فلم يترك صلاتَه عنده فيما نُقِل عنه. م ص [¬٤] باختصار.
(٦) قوله: (فالتراويحُ) لأنها تُسنُّ لها الجماعة.
(٧) قوله: (فالوِترُ) لأنه تشرعُ له الجماعةُ بعد التراويح، وهو سنَّةٌ مؤكدة. روي عن الإمام أحمد ﵁: من ترك الوتر عمدًا، فهو رجلُ سُوءٍ، لا ينبغي أن تُقبلَ له شهادة. م ص [¬٥].
стр. 362
وأقَلُّهُ: رَكعَةٌ (١). وأكثَرُهُ: إحدَى عَشرَةَ (٢). وأدنَى الكَمَالِ: ثَلاثٌ بسَلامَينِ (٣)، ويَجُوزُ بِوَاحِدٍ سَرْدًا (٤).
(١) قوله: (وأقلُّهُ ركعةٌ) لقوله ﵇: «الوِترُ ركعةٌ من آخِرِ اللَّيل». رواه مسلم [¬١]. ولا يُكره الاقتصارُ عليها؛ لثبوته عن عًشًرة من الصحابة؛ منهم أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعائشةُ، رضي اللَّه تعالى عنهم.
(٢) قوله: (وأكثرُه إحدَى عشرَةَ) ركعة، أي: أكثرُ الوترِ إحدَى عشرةَ ركعةً، يسلِّم من كلِّ ثِنتَين، ويوترُ بركعة؛ لحديث عائشة: كان رسول اللَّه ﷺ يصلِّي بالليل إحدَى عشرة ركعةً، يوتر منها بواحدة [¬٢]. وهذا أفضلُ من سَردِهَا؛ لأنها أكثرُ عملًا؛ لزيادةِ النية، والتكبيرِ والتسليم. م ص [¬٣] باختصار.
(٣) قوله: (وأدنَى الكمالِ ثلاثٌ بسلامَين) بأن يصلِّي ثِنتَين ويسلِّمَ، ثمَّ ركعةً ويسلِّم؛ لأنه أكثرُ عملًا.
(٤) قوله: (ويجوزُ بواحدٍ سَردًا) راجعٌ للمسألتين قبلَه، فيجوزُ أن يصلِّي الإحدَى عشرَةَ ركعةً سَردًا، بسلامٍ واحدٍ؛ بأن يسرُدَ عشرًا، ثم يجلِس فيتشهَّد، ولا يُسلِّم، ثم يأتي بالأخيرة، ويتشهَّد ويسلِّم. ويجوزُ أن يصلِّي الثلاثَ بسلامٍ واحد سَردًا، من غيرِ جُلوسٍ عَقِبَ الثانيةِ؛ لتخالِفَ المغرب. انتهى.
стр. 363
ووَقتُه (١): ما بَينَ صَلاةِ العِشَاءِ وطُلُوعِ الفَجْرِ (٢).
ويَقنُتُ فيهِ: بَعدَ الرُّكُوعِ؛ نَدْبًا (٣). فلو كبَّر ورَفَعَ يَدَيهِ، ثمَّ قنَتَ قَبلَ الرُّكُوعِ: جاز (٤).
ولا بَأسَ أن يَدْعُوَ في قُنُوتِهِ بمَا شَاءَ. ومِمَّا ورَدَ (٥): «اللَّهُمَّ اهدِنا فِيمَن
(١) قوله: (ووقتُه) أي: وقتُ الوتر.
(٢) قوله: (ما بين صلاةِ العِشَاءِ وطلوعِ الفَجرِ) قال «م ص» في شرحه ل «لإقناع» [¬١]: وفُهِمَ منه: أنه يصحُّ بعدَ العِشاء قبلَ سنَّتِها، لكنَّه خلافُ الأولى. انتهى.
(٣) قوله: (ويَقنُتُ فيهِ بعدَ الرُّكُوع) القنوتُ: يطلَق على طُول القيام، وبه فُسِّر قولُه تعالى: ﴿أمن هو قانت آنا الليل﴾ [الزُّمَر: ٩]. وقوله ﷺ : «أفضلُ الصلاةِ طولُ القنوت» [¬٢]. وعلى الطاعةِ والدُّعاء. والمشهورُ الدعاءُ هنا. وقولُهم: دعاءُ القنوتِ. الإضافة بيانية. وهو في الوتر معناه: الدعاءُ دونَ القِيام، أي: دعاءُ القُنوتِ، كما علَّمه جبريلُ للنبيِّ ﷺ .
(٤) قوله: (فلو كبَّر ورفَع يديه ثمَّ قنَتَ قبلَ الركوعِ، جازَ). لأن الأحاديث كلَّها معلولةٌ، لكن يجوزُ العملُ بالحديثِ الضعيف في فضائلِ الأعمَال، بشرطِ أن لا يشتدَّ ضعفُه، وأن لا ينويَ سنَّة، وأن يعمَلَ به لنفسِهِ. م خ [¬٣].
(٥) قوله: (وممَّا ورَدَ) فيرفعُ يديه إلى صدرِه، يبسطهما، وبطونُهما نحوَ السماءِ، ولو مأمومًا، ويقول: (اللَّهم … إلخ).
стр. 364
هَدَيتَ (١)، وعافِنَا فِيْمَن عافَيْتَ (٢)، وتَوَلَّنا فِيمَن توَلَّيتَ (٣)، وبارِكْ لَنا (٤) فيِمَا أعطَيتَ (٥)،
(١) قوله: (اهدِنا فيمَنْ هديتَ) الظرفُ بمعنى: مَعَ، أي: مَعَ مَنْ هَدَيتَ [¬١]، أي: ثَبِّتنا على الهِدايةِ.
فلا يُقال: طلبَ النبيُّ ﷺ الهدايةَ من جِهةِ المُؤْمنين، مع كونِهم مهتَدين، فهو تحصيلُ الحاصل، وهو باطل.
وحاصل الجواب: أنه بمعنى طلبِ التَّثبيتِ [¬٢]، أو بمعنى المزيدِ منها.
(٢) قوله: (وعافِنا فيمَن عافَيتَ) صيغةُ أمر من: عافاه عافيةً؛ من الأسقامِ والبلاءِ. والمعافاةُ: أن يعافيك اللَّه من النَّاس، ويعافيهِم منِكَ. م ص [¬٣].
(٣) قوله: (وتولنَّا فيِمَن تولَّيتَ) الوليُّ: ضِدُّ العدوِّ، من تليتَ الشيءَ، اعتنيتَ به، كما ينظرُ الوليُّ في مالِ اليتيم؛ لأن اللَّه تعالى ينظُر في أمرِ ولِيِّه بالعناية. ويجوزُ أن يكون من وليتَ الشيء، إذا لم يكن بينَك وبينه واسطة، بمعنى: أن الوليَّ يقطع الوسائط بينه وبين اللَّه، حتى يصيَر فى مقامِ المُراقبةِ والمشاهَدة، وهو مقامُ الإحسان. م ص [¬٤].
(٤) قوله: (وباركْ لَنا) البركةُ: الزيادة، أو حلولُ الخير الإلهيِّ في الشيء.
(٥) قوله: (فيما أعطيتَ) أي: أنعَمتَ به، والعطيةُ: الهِبةُ. م ص [¬٥].
стр. 365
وقِنَا شَرَّ ما قَضَيتَ، إنَّكَ تَقضِى (١) ولا يُقْضَى علَيكَ (٢)، إنَّه لا يَذِلُّ مَنْ والَيتَ (٣)، ولا يَعِزُّ (٤) مَنْ عادَيتَ (٥)، تَبارَكتَ (٦) رَبَّنا وتَعَالَيتَ (٧)، اللَّهُمَّ
(١) قوله: (وقِنَا) من الوِقايةِ، وهي الحفظُ بالعنايةِ بدَفعِ (شرِّ ما قضيتَ) بواسطةِ الالتجاءِ إليك في دفعِه، فلا خُلْفَ لِوَعدِك، كما قُلتَ في مُحكَم كتابِك: ﴿ادعوني استجب لكم﴾ [غَافر: ٦٠].
وليس هذا من قَبيلِ ردِّ القضاءِ المُبرَم، بل المعلَّق على نحوِ الدُّعاءِ، وصلةِ الرحم، وصلةِ غيرِه بالإحسان. أشار إليه المصنِّفُ على لسانه ﷺ بقوله مؤكِّدًا: (إنَّك تقضِي) بما شئتَ، لا رادَّ لأمرك، ولا مُعقِّبَ لحُكمِكَ.
(٢) قوله: (ولا يُقضَى عليكَ) لأنك الواحدُ الأحد، لا شريكَ لك في المُلكِ، فنطلبُ موالاتَك.
(٣) قوله: (لا يَذِلُّ مَنْ واليتَ) لعِزتكَ، وسلطانِ قَهْرِكَ [¬١].
(٤) قوله: (ولا يَعِزُّ) بفتح الياءِ، وكسرِ العَين.
(٥) قوله: (من عادَيتَ) أي: لا ناصرَ له؛ لقوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله مولى الذين أمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم﴾ [محَمَّد: ١١].
(٦) قوله: (تباركتَ) تقدَّستَ وتنزَّهت، قال في «القاموس» [¬٢]: تبارك اللَّه: تقدَّسَ وتنزَّه، صفةٌ خاصةٌ باللَّه تعالى. وقال البيضاوي [¬٣]: لا تستعمل إلا للَّه.
(٧) قوله: (ربَّنا) أي: يا سيدنا ومالكَنا، ومعبودَنا ومُصلِحنا. وقال البيضاوي [¬٤]:
стр. 366
إنَّا نَعُوذُ بِرضَاكَ مِنْ سَخَطِك، وبِعَفوِك مِنْ عُقُوبَتِكَ (١)، وبِكَ مِنْكَ (٢)، لا نُحصِي ثَنَاءً علَيكَ (٣)، أنتَ كمَا أثنَيتَ على نَفسِكَ» (٤).
تبارك اللَّه: تعالى شأنُه في قُدرَتِه وحكِمتَهِ. انتهى. فهو معنى: (وتعاليت) ووجهُ تقديمِ «تباركتَ»: الاختصاصُ به . وفي «المصباح» [¬١]: تعالى تعاليًا، من الارتفاع. انتهى.
وتبارك: تكاثَر خيرُه؛ من البركة، وهي: كثرةُ الخير، أو تزايدَ على كلِّ شيءٍ، وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، فإنَّ البركةَ تتضمَّن معنى الزيادة.
(١) قوله: (اللَّهمَّ إنَّا نعوذُ بِرضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ … إلخ) قال الخطابيُّ [¬٢]: في هذا معنى لطيف، وذلك أنه سأل اللَّهَ تعالى أن يُجيرَه برضاه من سَخَطِه، وبمعافاتِه مِنْ عِقَابِه. والرِّضا والسخَطُ ضدَّان متقابِلان، وكذا المعافاة والمؤاخذة بالعقوبة، فلمَّا لجأَ إلى ما لا ضدَّ له، وهو اللَّه تعالى، أظهرَ العَجزَ، والانقطاعَ، وفزعَ منه إليه، فاستعاذَ به منه.
(٢) وقوله: (منك). أي: من مكروهاتِكَ. م ص.
(٣) قوله: (لا نُحصِي ثناءً عليكَ) أي: لا تُعَدُّ نعمُك، ولا تُضبطُ، ولا يُحفظُ الثناءُ بها عليك، ولا نبلغه، ولا تنتهي غايته. والإحصاء: العدُّ، والضَبطُ، والحِفظُ. م ص [¬٣] بإيضاح.
(٤) قوله: (كما أثنيتَ على نَفسِكَ) اعترافٌ بالعجز عن الثناءِ، وردٌّ إلى المُحيطِ
стр. 367
ثمَّ يُصَلِّي علَى النَّبيِّ ﷺ (١)، ويُؤَمِّنُ المَأمُومُ (٢). ثُمَّ يَمسَحُ وَجهَهُ بِيَدَيهِ: هُنَا (٣)، وخارِجَ الصَّلاةِ (٤). وكُرِهَ: القُنُوتُ في غَيرِ الوِتْرِ (٥).
علمُه بكلِّ شيء جملةً وتفصيلًا، كما أنَّه لا نهايةَ لسُلطانِه وعَظَمتِه، لا نهايةَ للثناءِ عليه؛ لأنه تابعٌ للمُثنَى عليه. م ص [¬١].
(١) قوله: (ثمَّ يُصلِّي على النَّبي ﷺ نص عليه. ولا بأس بقوله: وعلى آله؛ لحديث: «الدعاءُ موقوفٌ بينَ السماءِ والأَرض، لا يصعدُ منه شيءٌ، حتَّى تصلِّي على نبيِّك». رواه الترمذي [¬٢].
(٢) قوله: (ويؤمِّنُ المأمُومُ) إن سمِعَه.
(٣) قوله: (ثمَّ يمسحُ وجهَهَ بيديه هنا) أي: عَقِبَ القُنوتِ.
(٤) قوله: (وخارجَ الصَّلاةِ) أي: ويمسحُ وجهَهَ أيضًا خارجَ الصَّلاة إذا دعا. ويقول المنَفرِدُ: اللهم اهدِني. بصيغة الإفراد … إلخ.
(٥) قوله: (وكُرِهَ القُنُوتُ في غيرِ الوِترِ) إلا إذا نزل بالمسلمين نازلةٌ، أي: شدَّةٌ من شدائدِ الدَّهر، كالظُّلمَةِ نَهارًا، والزِلزالِ، والصَّواعقِ، غير الطَّاعون. فيقنتُ الإمامُ الأعظمُ ندبًا في الفرائض غيرِ الجُمُعة، ويُجهَرُ به في جهريَّة.
ومن ائتم بقانتٍ في فجرٍ، تابعَ الإمامَ، وأمَّن، فيقفُ من غيرِ رفعٍ ليديه ولا دعاءٍ، ولو لم يسمعْه. ويقولُ بعد وترِه: سبحانَ الملِكِ القدُّوسِ. ثلاثًا، يمدُّ صوتَه في الثالثة. ع [¬٣].
стр. 368
وأفضَلُ الرَّوَاتِبِ: سُنَّةُ الفَجْرِ (١)، ثمَّ المَغرِبِ (٢)، ثُمَّ سَوَاءٌ (٣).
والرَّوَاتِبُ المُؤَكَّدَةُ عَشْرٌ (٤):
(١) قوله: (وأفضَلُ الرَّواتبِ سُنَّةُ الفَجرِ) لقوله: ﷺ : «صلُّوا ركعتَي الفَجرِ، ولو طردتكم الخيلُ» [¬١]. ويُسنُّ تخفيفُها، والاضطجاعُ بعدَها على جنبه الأيمن، نصَّ عليه الإمامُ أحمد.
(٢) قوله: (ثمَّ المغرِبِ) أي: ثمَّ سُنَّةُ المغرِبِ؛ لحديث عبيدٍ مولى رسولِ اللَّه ﷺ أنَّ رسول اللَّه ﷺ كان يُصلِّي بينَ المغرِبِ والعِشاء [¬٢].
ويُسنُّ أن يقرأ في ركعتي الفُجرِ، وركعتَي المَغرِبِ؛ في أُولاهما بعد الفاتحة: ﴿قل يأيها الكافرون﴾ [الكافِرون: ١]. وفي الثانيةِ بعدَ الفاتحةِ: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١]. للخبر. صوالحي [¬٣].
(٣) قوله: (ثمَّ سواءٌ) أي: ثمَّ بقيةُ الرواتب سواءٌ في الفَضيلَةِ.
(٤) قوله: (والرواتبُ المؤَكَّدةُ عشر) ركعاتٍ يتأكَّد فِعلُها، ويُكره تركُها، وتسقُطُ العدالةُ بذلك، إلا في سَفَرٍ، فيُخيَّر بين الفِعل وتركِه، إلا سُنَّة فجرٍ ووترٍ، فيُفعلان في السفرِ. قال بعضهم: والحكمةُ فيها: أنَّها تُكمِّلُ ما نَقَصَ من الفرائض نَقصًا غيرَ مُبطِلٍ، كَتركِ الخُشوعِ، وتدبُّرِ القراءة، ونحوِ ذلك. ح ف.
والتَّرَاويحُ: عِشرُونَ رَكعَةً بِرَمَضَانَ (١).
ووَقتُها (٢): ما بَينَ العِشَاءِ والوِتْرِ (٣).
(١) قوله: (والتراويحُ عِشرونَ ركعةً برمضانَ) جماعةً؛ لما روى مالكٌ عن يزيد بن رومان قال: كان الناس يقومون في زمنِ عُمَرَ في رمضانَ بثلاثٍ وعشرين ركعة [¬١].
سُمِّيت بذلك؛ لأنهم كانوا يجِلسونَ بين كلِّ أربعٍ، يستريحونَ. وقيلَ: مشتقةٌ من المراوحَةِ، وهي: التَّكرَارُ في الفِعل. والسِّرُ في أنها عشرون: أنَّ الرواتب عشر، فضوعِفَت في رمضان؛ لأنَّه وقتُ جدٍّ.
ويجهَرُ بالقراءة فيها إمامٌ. وهي سُنَّة مؤكدة، سنَّها النبيُّ ﷺ ، وليست مُحدَثَةً لعُمَرَ، وهي من أعلامِ الدِّين الظاهرة. ولا بأس بزيادةٍ عن عشرينَ ركعة نصًّا. ويُسلِّم من كلِّ ركعتين.
وفي «الآداب الكبرى» [¬٢]: التراويح: قيام الليل، واقتصر عليها خلق. قال في «الكافي» [¬٣]: وهي قيامُ رمضان.
ومن أوترَ، ثمَّ أراد التطوُّع، لم ينقُضْه، وصلَّى شَفعًا، ما شاءَ. ويُكره التطوُّع بين التراويح. ح ع [¬٤].
(٢) قوله: (ووقتُها) أي: وقتُ صلاةِ التراويح.
(٣) قوله: (ما بينَ العِشاءِ والوِترِ) وبعد صلاةِ سُنَّتها، ويصحُّ فعلُها قبلَ سنَّتها
فَصْلٌ
وصَلاةُ اللَّيلِ: أفضَلُ مِنْ صَلاةِ النَّهَارِ (١). والنِّصفُ الأَخِيرُ: أفضَلُ مِنَ الأَوَّلِ (٢). والتَّهَجُّدُ: ما كَانَ بَعدَ النَّومِ (٣).
ويُسَنُّ: قِيَامُ اللَّيلِ (٤).
فَصْلٌ: وصلاةُ اللَّيلِ ..
(١) قوله: (وصلاةُ اللَّيلِ أفضلُ من صَلاةِ النَّهارِ) أي: النَّفلُ المطلقُ فيه، أفضلُ من النَّفلِ المطلَقِ بالنهار. فخرجَ بقيدِ النفل المطلق: التراويحُ، والوترُ، والرواتبُ، وصلاةُ الضُّحى، والكسوفُ؛ لأن الرواتبَ أفضلُ صلاةً مما تسنُّ [¬١] له الجماعة. م ص [¬٢] وإيضاح.
(٢) قوله: (والنِّصفُ الأخيرُ أفضلُ مِنَ الأوُّلِ) أي: وصلاةُ نصفِ اللِّيل الأخيرِ أفضلُ من صلاة النِّصف الأول؛ لما ورد في الخبر؛ ولأنه محلُّ الغفلة. وعملُ السِّر أفضلُ من عملِ العلانية، وفيه ساعةٌ لا يوافِقها رجلٌ مسلم يسألُ اللَّهَ خيرًا من أمرِ الدنيا والآخرة، إلا أعطاهُ إياه.
(٣) قوله: (والتهجُّدُ ما كانَ بعدَ النومِ) أي: وأفضلُ التهجُّد ما كان بعد نومٍ، ولو يسيرًا؛ لأجل الناشئة.
(٤) قوله: (ويُسنُّ قيامُ اللَّيل). لحديث: «عليكم بقيامِ اللَّيل، فإنَّه دأبُ الصالحين قبلَكم، وهو قُربةٌ لكم إلى ربِّكم، ومكفِّرةٌ للسيئاتِ، ومنهاةٌ عن
стр. 373
وافتِتَاحُهُ برَكعَتَينِ خَفِيفَتَينِ (١). ونِيَّتُهُ عِنْدَ النَّومِ (٢).
ويَصِحُّ: التَّطَوُّعُ برَكْعَةٍ (٣).
وأجرُ القَاعِدِ- غَيرِ المَعْذُورِ-: نِصفُ أَجْرِ القَائِمِ (٤).
الإثم». رواه الحاكم وصححه [¬١]. م ص [¬٢].
(١) قوله: (وافتتاحُه بركعتينِ خَفيفَتينِ) أي: ويُسنُّ افتتاحُه، أي: قيام اللَّيل، بركعتينِ خفيفتين.
(٢) قوله: (ونيَّته عندَ النَّومِ) أي: وتسنُّ نيَّةُ قيامِ الليل عندَ إرادةِ النوم؛ لحديث أبي الدرداء، مرفوعًا: «من نامَ ونيتُه أن يقوَم، كُتِبَ له ما نَوى، وكان نومُه صدقةً عليه» [¬٣]. حديث حسن. م ص [¬٤].
(٣) قوله: (ويصِحُّ التَّطوعُ بركْعةٍ) ونحوِها، كثلاثٍ وخمسٍ. قال [¬٥] فى «الإقناع»: مع الكراهة. ع [¬٦].
(٤) قوله: (وأجرُ القاعدِ غيرِ المعذُورِ .. ) وأما المعذورُ، فأجرُه قاعدًا، كأجرِه قائمًا. وسُنَّ تربُّعُ المصلِّي جالسًا؛ لعذرٍ، بمحَلِّ قِيامٍ. وسُنَّ له أيضًا ثَنيُ رجليه بركوعٍ وسجودٍ.
стр. 374
وكَثرَةُ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ: أفضَلُ مِنْ طُولِ القِيَامِ (١).
وتُسَنُّ: صَلاةُ الضُّحَى غِبًّا (٢). وأقَلُّهَا: ركعَتَان (٣). وأكثَرُهَا: ثَمَانٍ. ووَقْتُها (٤): مِنْ خُرُوجِ وَقْتِ النَّهي، إلَى قُبَيلِ الزَّوَالِ. وأفضَلُهُ: إذا اشتَدَّ الحَرُّ (٥).
(١) قوله: (وكثرةُ الرُّكوعِ والسُّجودِ أفضلُ من طُولِ القِيَامِ) لقوله ﷺ : «أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربِّه وهو ساجد» [¬١]؛ ولأن السُّجودَ في نفسِه أفضلُ وآكدُ؛ بدليل أنه يجبُ في الفرضِ والنفلِ، وأنه لا يُباحُ إلا للَّه تعالى. والقيامُ يَسقُطُ في النَّفل، ويُباح في غيرِ الصلاة للوالدين، والعالِم، وسيِّد القومِ. والاستكثارُ مما هو آكدُ وأفضلُ أولى. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (وتُسنُّ صلاةُ الضُّحَى غِبًّا) بأن يصلِّيها بعضَ الأيامِ دونَ بعضٍ.
(٣) قوله: (وأقلُّهَا ركعَتَان) أي: وأقلُّ صلاةِ الضُّحى ركعتان؛ لأنَّه لم يُنقل أنَّه ﷺ صلَّاها دونَهما. وقد صلَّاها ﷺ أربعًا، وستًّا.
(٤) قوله: (ووقتُها) أي: صلاة الضُّحى.
(٥) قوله: (وأفضَلُه إذا اشتَدَّ الحرُّ) لحديث «صلاةُ الأوَّابينَ حينَ ترمضُ الفِصال» [¬٣]. يُقال: رمِضَ الفصيلُ، بالكسر، يرمِضُ: إذا وجَدَ حرَّ الشَّمسِ على الرَّمل من الرمضاء. والرمْضُ، بسكون الميم وفتحِ الراء: شدَّة وقعِ الشَّمس على الرَّمل وغيرِه. والأرضُ رمضاءُ. والفصيل: ولدُ الناقة إذا فصل عن أمِّه. وجمعه: فِصَالٌ وفِصْلان. والمعنى: أنَّ وقتَ صلاة الأوَّابين، إذا
стр. 375
وتُسَنُّ: تَحِيَّةُ المَسجِدِ (١). وسُنَّةُ الوُضُوءِ (٢).
بدأ حرُّ الشمس بعدَ طلوعِها، وتزايدَ بحيثُ ينتهي إلى أن يحتَرِقَ معه أخفافُ الفِصَال. ابن نصر اللَّه باختصار.
(١) قوله: (وتُسنُّ تحيَّةُ المَسجِدِ) ركعتانِ فأكثر لكلِّ من دخله، قَصَدَ الجلوسَ، أَوْ لا، غيرَ خطيبٍ دخل للجمعة، وغيرَ قيِّمه؛ لتكرُّر دخولِه، وغيرَ داخلِه لصلاةِ عيدٍ، أو والإمامُ [¬١] في مكتوبةٍ، أو بعدِ شروعٍ في إقامَةِ، وغيرَ داخلِ المسجد الحرام. والأصل في مشروعيتها قوله ﷺ : «إذا جاء أحدُكم يومَ الجُمُعة وقد خرجَ الإمامُ، فليصلِّ ركعتين) متفق عليه [¬٢]. وتجزئُ راتبةٌ وفريضةٌ، ولو فائتتين عنها. عثمان [¬٣].
(٢) قوله: (وسُنَّةُ الوُضُوءِ) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: قال لبلالٍ عندَ صلاةِ الفجر: «يا بلال، حدثني بأرجَى عملِ عمِلتَه في الإسلام؛ فإنِّي سمعتُ دَفَّ [¬٤] نعليكَ بين يدَيَّ في الجنة»؟ فقال: ما عملِتُ عَمَلًا أرجى عندي: أني لم أتطهَّر طُهورًا فى ساعةٍ من ليلٍ أو نهار، إلا صليِّت بذلك الطُّهور ما كَتَبَ اللَّهُ لي أن أصلِّي. متفق عليه [¬٥].
قوله: «ما كتبَ اللَّه لي أن أصلِّي» أي: ما قدَّر عليَّ. أعمُّ من النوافل والفرائض.
стр. 376
وإحيَاءُ ما بَينَ العِشَاءَينِ (١)، وهُو مِنْ قِيَامِ اللَّيلِ (٢).
(١) قوله: (وإحياءُ ما بينَ العِشاءينِ) أي: ويُسنُّ إحياءُ ما بينَ العِشاءين: المغربِ والعِشاء.
(٢) قوله: (وهو مِنْ قِيامِ اللَّيل) أي: إحياءُ ما بين العِشائين من قيامِ الليل؛ لقولِ أنس ابن مالك في قوله تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ [السَّجدَة: ١٦] الآية. قال: كانوا يتنفَّلون بينَ المغرِب والعِشاء. رواه أبو داود [¬١].
стр. 377
فَصْلٌ
ويُسَنُّ: سُجُودُ التِّلاوَةِ (١)، مَعَ قِصَرِ الفَصْلِ (٢)، للقَارِئِ والمُستَمِعِ. وهُو: كالنَّافِلَةِ فِيِمَا يُعتَبَرُ لَهَا (٣).
يُكَبِّرُ إذا سَجَدَ (٤)
فَصْلٌ
(١) قوله: (ويُسنُّ سجودُ التِّلاوةِ) وهو كنافلةٍ فيما يُعتبرُ من الشُّروط، سُمِّيت تلاوة؛ لأنه يتبعُ بعضُها بعضًا، والتالي: التابع، وتلوتُه تبعتُه. ح ف.
(٢) قوله: (مَع قِصَرِ الفَصلِ) متعلق بيُسنُّ، أي: يُسنُّ سجودُ التِّلاوة مع قِصَر الفَصلِ بين التِّلاوة والسُّجودِ، أو قَصْدِ الاستِمَاعِ والسُّجود، فيتيمَّم مُحدِثٌ بشرطِه، ويسجدُ مع قِصَرِه.
(٣) قوله: (وهو كالنَّافِلَة فيِمَا يُعتبَرُ لَها) من طهارةٍ، واجتناب النَّجاسةِ، واستقبالِ القِبلة، وسترِ العورة، والنيَّةِ. صوالحي [¬١].
(٤) قوله: (يُكبِّر إذا سَجَدَ) في سجودِ التِّلاوة تكبيرتين، سواءٌ كان في الصلاةِ أو خارجَها؛ تكبيرةً «إذا سجد» لآية.
لا سامعٌ بلا قصد، ولا مُصَلٍّ إلا متابعةً لإمامه. فلو سجَدَ المصلِّي لقراءةِ غيرِ إمامِه فهل تبطل صلاتُه؟ على وجهين؛ أحدهما: نعم، لزيادتِه ركنًا عمدًا، وبه صرَّح المصنف. والثاني: لا؛ لمحلِّ الخلاف. قاله ابن نصر اللَّه. ح ف.
стр. 378
بِلا تَكبِيرَةِ إحرَامٍ، وإذا رَفَعَ (١)، ويَجلِسُ (٢) ويُسَلِّمُ (٣) بِلا تَشهُّد (٤).
وإنْ سَجَدَ المَأمُومُ لِقِرَاءَةِ نَفسِهِ (٥)،
(١) قوله: (وإذا رَفَعَ) أي: ويكبر أيضًا إذا رفعَ من السُّجود.
(٢) قوله: (ويَجلِسُ) خارجَ الصَّلاة بعدَ رفعِه؛ ليسلِّم جالسًا. م ص [¬١].
(٣) قوله: (ويُسلِّمُ) وجوبًا، فيبطُلُ سجودُ التلاوة بترك السَّلام عَمدًا وسهوًا؛ لعموم حديث: «تحريُمها التكبيرُ، وتحليلُها التَّسليم» [¬٢]. والتسليمةُ الأُولى رُكنٌ، وتُجزئ، وكذا الرفعُ من السجود، والسجودُ على الأعضاءِ السبعة. فهذه ثلاثُة أركانٍ لا تسقُط عمدًا ولا سهوًا. وأما تكبيرة [¬٣] الانحطاط والرفع، وتسبيحةُ السُّجودِ، فواجبةٌ تسقُطُ سهوًا، وتبطلُ بتركِها عمدًا. عثمان [¬٤].
(٤) قوله: (بلا تَشهُّد) لأنه لم يُنقل. أي: لا يجبُ التشهُّدُ ولا يُسنُّ، نصَّ عليه، لكن لو تشهَّد هل يُكره، أو لا؟ قال ابنُ نصر اللَّه: لم أجد من صرَّح بذلك، فظَاهرُ قولِ المصنِّف يعني: صاحبَ «الفروع» ونصُّهُ: لا يُسنُّ. لا يقتضي الكراهة، لكنْ قُوةُ سياقِه يقتضيِها، وقولُ الإمام أحمدَ: لا أدري ما هو. يُشعِرُ به. اه. ح ف.
(٥) قوله: (وإن سَجَدَ المأمومُ لقِراءةِ نفسِهِ) عمدًا، بطَلَت صلاتُه؛ لما فيه من
стр. 379
أو لِقِرَاءَةِ غَيرِ إمامِهِ، عَمْدًا: بَطَلَت صَلاتُه (١). ويَلزَمُ المَأمُومَ مُتابَعَةُ إمامِهِ في صلاةِ الجَهْرِ (٢). فلو تَرَكَ مُتابَعَتَه عَمْدًا: بطلَت (٣).
ويُعتَبَرُ: كَونُ القَارِئِ يَصلُحُ إمامًا للمُستَمِعِ (٤). فلا يَسجُدُ إنْ لَم يَسجُد (٥)، ولا قُدَّامَهُ (٦)، ولا عَنْ يَسَارِهِ مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ.
ولا يَسجُدُ رَجُلٌ لِتِلاوَةِ امرَأةٍ وخُنثَى (٧).
الاختلاف على الإمام.
(١) قوله: (أو لقرَاءةِ غيرِ إمامِه عَمدًا، بطَلَت صلاتُه) أي: أو سَجَدَ لقراءةِ غيرِ إمامِه عمدًا، بطَلَت؛ لزيادةِ رُكنٍ فيها عَمدًا.
(٢) قوله: (ويَلزمُ المأمومَ متابعةُ إمامِه في) سجودِ التِّلاوة، إذا كانت الصلاةُ التي تُصلَّى جهرَّية.
(٣) قوله: (فلو ترَكَ متابعتَه عَمدًا، بطَلَت) مفرَّعٌ على قوله: ويلزمُ المأمومَ .. إلخ. يعني لو تَركَ المأمومُ متابعةَ إمامِه عَمدًا في سجودِ التلاوة، بطَلَت صلاتُه.
(٤) قوله: (ويُعتَبرُ كونُ القارئِ يصلُحُ إمامًا للمستَمِع) أي: ويُشترطُ لسجودِ المستَمِع كونُ القارئ يصلُح أن يكونَ إمامًا للمستَمع، ولو في النَّفل؛ لصحةِ سُجودِ البالغِ لتلاوة الصبِّي. ح ف وإيضاح.
(٥) قوله: (فلا يسجُدُ إن لم يسجُد .. ) مفرَّعٌ على قولِه: «ويعتبر». يعني: لا يسجُدُ المستَمِعُ إنْ لم يسجد القارئُ.
(٦) قوله: (ولا قُدَّامَه) أي: لا يسجدُ قدَّامَ القارئ.
(٧) قوله: (ولا يسجُدُ رجلٌ لتلاوةِ امرأةٍ وخُنثَى) أي: ولا يسجُدُ رجلٌ مستَمِعٌ
стр. 380
ويَسجُدُ لِتِلاوَةِ أُمِّيٍّ، وزَمِنٍ، ومُمَيِّزٍ (١).
ويُسَنُّ: سُجُودُ الشُّكْرِ عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعمِ، واندِفَاعِ النِّقَم (٢).
وخُنثَى لتلاوةِ امرأةٍ، أو لتِلاوةِ خُنثَى؛ لأنَّ القارئ لا يصلُح أن يكونَ إمامًا في هذه الأحوال.
(١) قوله: (ويسجُدُ لتلاوةِ أُميٍّ وزَمِنٍ ومُميِّزٍ) أي: ويسجُدُ المستمِعُ منِ رجُلٍ وامرأةٍ وخُنثى لتلاوةِ أمِّيٍّ لا يُحِسنُ الفاتِحَةَ، ولتلاوةِ زَمِنٍ لا يستطيعُ القيامَ، ولتلاوةِ مميِّزٍ لا تصلُح إمامتُه في الفرضِ؛ لأنه تَصِحُّ إمامتُهم في هذه الحالة.
والسَجَدَاتُ أربع عشرة سجدةً؛ في آخرِ «الأعراف»، وفي «الرعد» عند: ﴿بالغدو والآصال﴾ [الرعد: ١٥]، وفي «النحل» عند: ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ [النّحل: ٥٠]، وفي «الإسراء» عند: ﴿ويزيدهم خشوعًا﴾ [الإسرَاء: ١٠٩]، وفي «مريم» عند: ﴿خروا سجدًا وبكيا﴾ [مريَم: ٥٨]، وفي «الحجِّ» اثنتان؛ الأولى عند: ﴿إن الله يفعل ما يشاء﴾ [الحَجّ: ١٨]، والثانية عند: ﴿لعلكم تفلحون﴾ [الحج: ٧٧]، وفي «الفُرقان» عند: ﴿وزادهم نفورًا﴾ [الفُرقان: ٦٠]، وفي «النِّملِ» عند: ﴿رب العرش العظيم﴾ [النمل: ٢٦]، وفي «آلم السجدة» عند: ﴿وهم لا يستكبرون﴾ [السجدة: ١٥]، وفي «فصِّلت» عند: ﴿وهم لا يسأمون﴾ [فُصّلَت: ٣٨]، وفي آخرِ «النجمِ»، وفي «الانشقاق» عند: ﴿لا يسجدون﴾ [الانشقاق: ٢١]، وفي آخرِ «اقرأ»، وسجدة «ص» ليست منها. عثمان [¬١].
(٢) قوله: (ويُسنُّ سُجودُ الشُّكرِ عندَ تجدُّدِ النِّعمِ واندِفَاعِ النِّقَم) الظاهرتين،
стр. 381
وإنْ سَجَدَ لَه- عالِمًا ذاكِرًا- في صَلاةٍ (١): بطلت (٢). وصِفَتُهُ (٣)، وأحكَامُهُ: كَسُجُودِ التِّلاوَةِ (٤).
سواءٌ كانت خاصةً بالساجد، أو عامةً للناس والساجِدِ، كتجدُّد ولدٍ، ونصرةٍ على عدوٍّ؛ لحديث أبي بكرة: أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا أتاه أمرٌ يُسرُّ به خرَّ ساجدًا. رواه أبو داود، وابن ماجه [¬١]. وعُلِمَ من قوله: تجدد نعم. أنه لا يسجُدُ لدوامِها؛ لأنه لا ينقطِعُ، فلو شُرعَ السجودُ له لاستغرقَ به عمرَه. م ص [¬٢].
(١) قوله: (وإن سَجَدَ له عالمًا ذاكرًا في صلاةٍ) وفُهم منه: أنه لا تبطُلُ به مِنْ جاهلٍ وناسٍ، كما لو زادَ فيها سُجودًا كذلك.
(٢) قوله: (بَطَلَت) لأن سببه لا يتعلَّقُ بالصلاة، بخلافِ سُجودِ التِلاوة.
(٣) قوله: (وصفتُه) أي: صفةُ سجودِ الشُّكر.
(٤) قوله: (كسجودِ التِّلاوةِ) أي: كصفَةِ سُجودِ التِّلاوةِ، فيكبِّر إذا سَجَدَ وإذا رَفَع، ويقولُ فيه: سبحان ربيَ الأعلى، ويجلس إذا رفع، ويسلِّمُ، وتجزئ واحدَةٌ. ويُسنُّ سُجودُ الشكر أيضًا عندَ رؤيةِ مُبتلىً في بدنِه ودينه. الوالد.
стр. 382
فَصْلٌ في أوقَاتِ النَّهيِ
وهِيَ (١): مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ، إلى ارتِفَاعِ الشَّمْسِ قِيدَ رُمحٍ (٢). ومِنْ صَلاةِ العَصْرِ (٣)، إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ (٤).
فَصْلٌ في أوقاتِ النَّهي التي نُهيَ عن الصَّلاةِ فِيها
(١) قوله: (وهي) خمسةُ أوقات، كما عدَّها صاحبُ «المنتهى». والمصنِّفُ عدَّها ثلاثة، كما عدَّها بعضُهم. فعلى الخمسة ..
(٢) قوله: (من طُلوعِ الفَجرِ) الأول: من طلوع الفَجر، إلى شُروقِ الشَّمس. والثاني: من شُروقِ الشَّمس (إلى ارتفاعِ الشَّمس قِيدَ رُمحٍ) بكسر القاف أي: قَدْرَ رُمحٍ.
(٣) قوله: (ومِنْ صلاةِ العصرِ) أي: والثالثُ: من حين صلاةِ العصر، ولو صُلِّيت مجموعةً مع الظُّهر جمعَ تقديمٍ، حتَّى تَشرَعَ الشَّمسُ في الغُروبِ. فمَنْ لم يصلِّ العصرَ، أبيحَ له التنفُّلُ، وإن صلَّى غيرُه. وكذا لو أحرَم بها ثم قطَعَها، أو قلبها نفلًا، كما سيأتي. ومَنْ صلَّاها، فليس له التنفُّل، وإن صلَّى وحدَه. وقولنا: ولو مجموعةً. لأن النهي متعلِّق بصلاةِ العصر، سواءٌ صُليِّت في وقتِها، أو في وقتِ الظُّهر، ويعايا بها، فيقالُ: شخصٌ لا يجوزُ له النفلُ بعدَ الزوال. ح ف.
(٤) قوله: (إلى غُروبِ الشَّمس) الرابعُ: مِنْ شُروعِ الغُروبِ إلى حينِ غُروبِ الشَّمس. روى أبو سعيدٍ: أنَّ النبي ﷺ قال: «لا صلاةَ بعدَ الفجرِ حتَّى
стр. 383
وعِندَ قِيَامِهَا، حَتَّى تَزُولَ (١).
فتَحرُمُ: صَلاةُ التَّطَوُّعِ في هَذِهِ الأَوقَاتِ (٢). ولا تَنعَقِدُ (٣)، ولَو جَاهِلًا للوَقتِ والتَّحرِيمِ (٤).
تطلعَ الشمسُ، ولا صلاةَ بعدَ العَصرِ حتَّى تغيبَ الشمسُ». متفق عليه [¬١]. صوالحي [¬٢].
(١) قوله: (وعندَ قِيامِهَا حتَّى تزولَ) والخامسُ: مِنْ عندِ قيامِ الشمسِ وهي حالة الاستواء، حتَّى تزولَ، وهو وقتٌ يسيرٌ. صوالحي وإيضاح [¬٣].
(٢) قوله: (فتَحرم صلاةُ التطوُّع في هذِه الأوقاتِ) الخمسةِ، حتى ما له سببٌ من التطوع، كسُجودِ تلاوةٍ، وصلاةِ كُسوفٍ، وقضاءِ راتبةٍ، وتحيةِ مسجدٍ، إلا حالَ خُطبةٍ؛ عَلِمَ أنَّ الوقتَ وقتُ نهي أو جهِلَه، فتجوزُ التحيَّة حالَ خُطبة الجُمعة، ولو كان وقتَ قيامِ الشمسِ قبلَ الزوَّال، بلا كراهة. ومكةُ كغيرِها في أوقاتِ النَّهي. «إقناع» [¬٤].
(٣) قوله: (ولا تنعقد .. إلخ) عُلم منه: أنه إنْ دخلَ وقتُ النَّهي وهو فيه، أنه لا يبطلُ، وإن كان إتمامَه حرامٌ؛ لأنه إيقاعٌ لبعض النَّفل في وقتِ النَّهي. الوالد.
(٤) قوله: (ولو جَاهلًا للوقتِ والتحريمِ) غايةٌ لقوله: «ولا تنعقد … إلخ» ولو كان جاهلًا للوقت، أو جاهلًا للتحريم.
стр. 384
سِوَى: سُنَّةِ الفَجْرِ قَبلَهَا (١). ورَكعَتَي الطَّوَافِ (٢). وسُنَّةِ الظُّهْرِ إذا جَمَعَ (٣). وإعادَةِ جَمَاعَةٍ أُقِيمَت وهُو بالمَسجِدِ (٤).
(١) قوله: (سِوَى سُنَّة الفَجرِ) فيصحُّ فعلُها وقت النَّهي قبلَ الفَجرِ، هذا مستثنىً من تحريمِ صلاةِ التطوعِ في أوقات النُّهي. وجملةُ ذلك ستةٌ أشياء؛ هذا، وما عُطف عليه.
(٢) قوله: (وركعتي الطَّواف) أي: وسِوى رَكعتي الطَّوافِ، فرضًا كان الطوافُ، أو نفلًا. صوالحي [¬١].
(٣) قوله: (وسُنَّةِ الظُّهرِ إذا جَمَعَ) بعدها، أي: العصر المجموعة، ولو في جَمْعِ تأخير.
(٤) قوله: (وإعادةِ جَماعةٍ) أي: وسِوى صلاةٍ مع جماعةٍ. المرادُ بإعادتها: أن يُعيد الصلاةَ مع الجماعة، سواءٌ كان صلَّاها وحدَه، أو في جماعة؛ لما روى يزيدُ بن الأسود قال: صلَّيت مع النبي ﷺ ، فلمَّا قَضى صلاتَه، إذ هو برجُلين لم يُصليا معه، فقال: «ما منعَكما أن تُصليا معنا؟» فقالا: يا رسولَ اللَّه، قد صلَّينا في رحالِنا. قال: «لا تفعلا، إذا صليتمُا في رحالِكُما، ثم أتيتُما مسجدَ جماعةٍ، فصلِّيا معهم، فإنها لكما نافلةٌ». رواه الترمذي وصححه [¬٢]. ولأنه لو لم يُعد، لحقه تُهمةٌ في حقِّه، وتهمةٌ في حقِّ الإمام. واحترز بقوله: (أقيمَت وهو بالمسجدِ) عمَّا إذا دَخل وهم يُصلون، فإنها لا تجوز [¬٣] في وقتِ النهي؛ لأنَّا إنَّما جوَّزناها لمن في المسجد؛ لخوف
стр. 385
ويَجُوزُ فِيها: قَضَاءُ الفَرَائِض (١). وفِعْلُ المَنذُورَةِ، ولو نَذَرَها فِيهَا (٢).
والاعتِبَارُ في التَّحرِيمِ بَعدَ العَصْرِ: بِفَرَاغِ صَلاةِ نَفْسِهِ (٣)، لا بشُرُوعِهِ فِيها (٤)، فلَو أحرَمَ بها ثُمَّ قلَبَها نَفْلًا: لَم يُمْنَع مِنْ التَّطَوُّعِ.
وتُبَاحُ: قِرَاءَةُ القُرآنِ في الطَّرِيقِ (٥)،
التُّهمة في حقِّه وحقِّ الإمام، وذلك مفقودٌ فيمن كانَ خارجَه. ح ف. ولا يُستحبُّ له الدخولُ إذن.
(١) قوله: (ويجوزُ فيها قضاءُ الفرائِض) أي: ويجوز في أوقاتِ النَّهي المذكورة قضاءُ صلاةِ الفرائضِ الفائتة.
(٢) قوله: (وفِعلُ المنذُورة، ولو نَذَرها فيها) أي: ويجوز أيضًا [¬١] فعل صلاةِ المَنذُورَةِ [¬٢]، ولو كان نذرَها في أوقاتِ النَّهي؛ بأن قال: للَّه عليَّ أن أصلي ركعتين عند طُلوعِ الشَّمس. ونحوه؛ لأنها واجبةٌ، أشبهت الفرائضَ. انتهى. الوالد.
(٣) قوله: (والاعتبارُ في التَّحريمِ بعدَ) صلاة (العصر بفرَاغِ صلاةِ نَفَسِهِ) والاعتبارُ في التحريمِ للصلاةِ في وقت النَّهي بعدَ صلاةِ العصرِ؛ بفراغِ صلاةِ نفسِه للعصرِ.
(٤) قوله: (لا بشروعِه فيها) أي: وليسَ الاعتبارُ في تحريمِ صلاة العصرِ بشروعِه في الصلاة، كأن نَوى الصلاة، ثم قلبَها نفلًا، لا يضر كما في المِثال.
(٥) قوله: (وتُباح قِراءةُ القرآن في الطَّريقِ) من غَير كراهةٍ. قال ابنُ عقيل: تُكره
стр. 386
ومَعَ حَدَثٍ أصغَرَ (١)، ونَجَاسَةِ ثَوبٍ (٢)، وبَدَنٍ (٣)، وفَمٍ (٤).
وحِفْظُ القُرآنِ: فَرضُ كِفَايَةٍ (٥).
القراءةُ في الأسواقِ. قال صاحبُ «المنتهى» في «شرحه»: ولا يجوزُ رفعُ الصوتِ بالقرآنِ في الأسواقِ، مع اشتغالِ أهلِها بتجارَتِهم، وعدمِ استماعِهم له؛ لما فيه من الامتهان. قال في «الفروع»: ويتوجَّه: يكره. اه صوالحي [¬١].
(١) قوله: (ومَعَ حَدَثٍ أصغَرَ) أي: وتُباح القراءةُ مَع حدثٍ أصغرَ.
(٢) قوله: (ونجاسةِ ثوبٍ) أي: وتُباحُ القراءةُ أيضًا مَعَ نجاسةِ [¬٢] ثوبٍ.
(٣) قوله: (وبدَنٍ) أي: وتباح القراءةُ أيضًا مع نجاسةِ بدنٍ.
(٤) قوله: (وفَمٍ) أي: وتباحُ القراءةُ أيضًا مع نجاسةِ فمٍ.
ولا بأس بقراءة القرآن قائمًا، ونائمًا، ومُضطجعًا، وراكبًا، وماشيًا. ولا تُكره القراءةُ حالَ مسِّ الذِّكر، والزوجةِ، ونحوِها. وتكره القراءةُ في المواضعِ القذِرة، وحالَ خروجِ الريحِ من الدُّبر، فإذا خَرجَ الريحُ أمسكَ عن القراءة حتَّى ينقطع. صوالحي [¬٣].
(٥) قوله: (وحفظُ القُرآن فرضُ كفايةٍ) إذا قامَ به البعضُ سَقَطَ عن الباقين. ويبدأُ الرَّجُلُ ابنَه بالقرآن؛ ليتعوَّد القراءةَ، ويَلزمها، ويتعلمُه كلَّه إلا أن يعسُر، نصًّا.
قال في «الفروع»: يتوجَّه أن يُقدم بعد القراءةِ الواجبةِ العلمَ، كما يقدمُ
стр. 387
ويَتَعَيَّنُ: حِفظُ ما يَجِبُ في الصَّلاةِ (١).
الكبيرُ نفلَ العلمِ على نفلِ القراءة.
والقرآنُ أفضلُ من سائرِ الذِّكرِ. لكن الاشتغالُ بالمأثورِ في زمانٍ أو مكانٍ أفضلُ من الاشتغالِ بالقراءةِ غيرِ المأثورةِ فيه. وأفضلُ من التوراة، والإنجيلِ، وسائرِ الصُّحفِ. وبعضُه أفضلُ من بعضٍ؛ إما باعتبارِ الثَّواب، أو باعتبارِ متعلَّقِه، كما يدلُّ عليه ما وردَ في ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١]، و «الفاتحة»، «وآية الكرسي». «إقناع» مع «شرحه» [¬١].
(١) قوله: (ويتعيَّنُ حفظُ ما يجبُ في الصَّلاة) أي: ولكن يتعيَّن، أي: يلزمُ حفظُ ما يجبُ في الصلاة؛ من الفاتحةِ فقط، على المذهب. م ص [¬٢].
стр. 388
بابُ صَلاةِ الجَمَاعَةِ
تَجِبُ (١):
بابٌ صلاةُ الجماعةِ
بالتَّنوينِ. أي: هذا بابٌ في (صَلاةِ الجماعَةِ).
فقوله: «صلاة الجماعة» مبتدأ، خبرُه قوله: «تجب على الرجال … إلخ» وتجوزُ إضافةُ «باب» إلى «صلاة الجماعة» فجملة: «تجب .. » مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب. أي: تجبُ صلاةُ الجماعةِ على الرجالِ الأحرار .. إلخ.
وهي لغةً: الاجتماع. واصطلاحًا: الارتباطُ الحاصلُ بين الإمامِ والمأمومِ. وفي «الإحياء» في آخرِ كتابِ التوبة: عن أبي سُليمانَ الداراني: لا تفوتُ أحدًا الجماعةُ إلا بذنب أذنبَه. قال: وكان السلفُ يُعزون أنفسَهم ثلاثةَ أيامٍ، إذا فاتتهُم التكبيرةُ الأُولى، ويعزُّون أنفسَهم سبعةَ أيامٍ، إذا فاتتُهم الجماعةُ [¬١].
(١) قوله: (تجبُ) الجماعةُ في الصلوات الخمس، وجوبَ عينٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة معك﴾ [النِّساء: ١٠٢]. فأمرَ بالجماعةِ حالَ الخوفِ، فمعَ الأمنِ أولى. وليست الجماعةُ شَرطًا للصحَّة، فتصحُّ من منفردٍ لغير عُذرٍ، إلا في جمعةٍ وعيدٍ. وتفضلُ
стр. 389
علَى الرِّجَالِ (١)، الأحرَارِ (٢)، القَادِرِينَ (٣)، حَضَرًا وسَفَرًا (٤).
وأقَلُّهَا: إمَامٌ ومَأمُومٌ (٥)، ولَو أُنثَى (٦). ولا تَنعَقِدُ: بالمُمَيِّزِ، في الفَرْضِ (٧).
صلاةُ الجماعةِ على صلاةِ المُنفردِ بسبعٍ وعشرينَ دَرجة [¬١]، ولا ينقصُ أجر المنفردِ؛ لعذر، عن أجرِ الجماعةِ. صوالحي [¬٢].
(١) قوله: (على الرِّجالِ) لا النساء، والخناثَى. م ص [¬٣].
(٢) قوله: (الأحرارِ) دونَ العبيد، والمبعَّضين. م ص [¬٤].
(٣) قوله: (القادرِينَ) عليها، دونَ ذوي الأعذار. م ص [¬٥].
(٤) قوله: (حَضرًا وسَفَرًا) حالان من فاعل «تجبُ» أي: تجبُ صلاةُ الجماعةِ حالَ كونِ الصلاة في الحضرِ والسفرِ.
(٥) قوله: (وأقلُّها) أي: الجماعة: اثنان. (إمامٌ ومأمومٌ) لحديث: «الاثنان فما فوقهما جماعة». رواه ابن ماجه [¬٦].
(٦) قوله: (ولو أُنثى) أي: ولو كانَ المأمومُ أنثى، والإمامُ رجلٌ، أو خُنثى، أو أُنثى.
(٧) قوله: (ولا تنعقدُ بالمميِّزِ في الفرضِ) أي: ولا تنعقدُ الجماعةُ بالمميزِ في صلاةِ الفرضِ، وتصحُّ في النَّفل.
стр. 390
وتُسَنُّ الجَمَاعَةُ: بالمَسجِدِ (١). ولِلنِّسَاءِ مُنفَرِدَاتٍ عَنْ الرِّجَالِ (٢).
وحَرُمَ: أنْ يَؤُمَّ بِمَسجِدٍ لَهُ إمَامٌ راتِبٌ (٣). فَلا تَصِحُّ (٤): إلَّا مَعَ إذْنِهِ (٥)، إنْ كَرِهَ ذلِكَ (٦)،
(١) قوله: (وتُسنُّ الجماعةُ بالمسجدِ) للأخبارِ، وإظهار الشِّعارِ، وكثرةِ الجماعةِ. وقريبٌ منه: إقامتُها بالرُّبط والمدارسِ ونحوِها. قاله بعضهم. وله فعلُها ببيتٍ وصحراءَ، لحديث: «جُعلت لي الأرضُ مسجِدًا وطَهورًا» [¬١]. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (وللنِّساءِ منفرِدَاتٍ عن الرِّجال) أي: وتسنُّ صلاةُ الجماعةِ للنِّساءِ منفرِدات عن الرجال، سواء كان أمَّهُنَّ رجلٌ، أو امرأة.
(٣) قوله: (وحرُمَ أن يُؤمَّ .. إلخ) بالبناء للمفعول. الذي صرَّحوا به: أنه يحرُم أن يُؤَمَّ قبلَه. فظاهره: لا تحرمُ المعيَّة، لكن قال في «الإقناع»: لا بعدَه. فظاهرُه: تحرُم المعيَّةُ أيضًا. وظاهرُ كلامِهم: تحريمُ الصلاةِ قبلَه، حتَّى في غيرِ موضِعه؛ لأن الحق له في الإمامة في جميع المسجِد. انتهى حفيد.
(٤) قوله: (فلا تصحُّ) إمامةُ غير الراتِب قبلَه، في ظاهر كلامهم؛ للنهي.
(٥) قوله: (إلا مع إذنه) أي: لا تصحُّ صلاةُ غيرِ الراتب إلا بإذنه، فيُباح للمأذونِ أن يؤمَّ، وتصحُّ إمامتُه. م ص [¬٣].
(٦) قوله: (إن كَرِهَ ذَلِكَ) قيدٌ لعدَمِ الصِّحة، أي: لا تصحُّ إمامةُ غيرِ الراتبِ، إلا إنْ عُلِمَ أنه يَكره أن يُصلي قبلَه أحدٌ، وإن ظُن أنه لا يَكرهُ أن يُصلي قبلَه أحدٌ