العَبدُ الفَقِيرُ (١)
واعلم أن القول وما تصرف منه لا ينصبُ إلا جملةً، أو مفردًا بمعناها، أو مرادًا به لفظُه، كقوله تعالى: ﴿قال إني عبد الله﴾ [مريَم: ٣٠]، وقلت قصيدةً وكلمةً.
(١) قوله: (العبدُ الفقيرُ) العبدُ له إطلاقات: عبدٌ بحُكم الشرع، وهو الذي يصح شراؤه وبيعه. وعبدٌ بالإيجاد: ﴿إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا﴾ [مريَم: ٩٣]، وعبد بالعبادة: ﴿واذكر عبدنا أيوب﴾ [ص: ٤١]، ﴿فوجدا عبدا من عبادنا﴾ [الكهف: ٦٥]، ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ [الإسرَاء: ١]، وإضافته للتشريف. والعبدُ في الأصل صفةٌ واستُعمل استعمالَ الأسماء، وفي الحديث: «ولكن قولوا: عبدُ اللَّه ورسوله» [¬١]. «وأحبُّ الأسماء وأشرفُها .. » [¬٢]. ولذا أطلق في مقام الإسراء، وتنزيل الوحي: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب﴾ [الكهف: ١]، ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده﴾ [الفُرقان: ١]
وخُيِّر نبيُّنا ﷺ بين أن يكونَ نبيًا ملِكًا أو نبيًا عبدًا، فاختار الثاني [¬٣]، وسيِّدُنا سليمانُ اختار الأول فقال: ﴿وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ [ص: ٣٥]
стр. 37
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وسبب أشرفيةِ العُبودية: أن السِّيادة في الحقيقة للَّه تعالى، والعبودية وصف لغيره، فالوصف بها إشارة إلى سيادة اللَّه تعالى، واحتياج غيره إليه لاحتياج العبد إلى سيِّده.
والعبوديةُ: إظهارُ التَّذلل، والعبادةُ أبلغُ منها؛ لأنها غايةُ التَّذلل، فلا يستحقها إلا من له غايةُ الإفضال.
وأما عبدُ الدنيا، فهو المعتَكِفُ على خِدمَتها ومُراعاتِها، وهو المرادُ بحديث: «تعِسَ عبدُ الدِّرهم والدينار» [¬١].
و (الفقير): يحتمل أنه صيغةُ مبالغة، أي: كثيرُ الفَقر، ويَحتملُ أنه صِفةٌ مشبهة، معناه: الدائمُ الفقر، من فَقَر بالفتح أو الكسر، كضَرَب أو سَمِعَ، أصله من كُسِرَ فقارُ ظهرِه، و المرادُ به هنا: المحتاجُ إلى عفوِ ربه ورحمته، لا المحتاجُ مطلقًا، ولا قليلُ المال، ولا فقيرُ القلب المشار إليه بقوله ﷺ : «كاد الفقرُ أن يكونَ كفرًا» [¬٢].
وآثر الفقيرَ على المُحتاج مع أنه بمعناه؛ لأن الفقير مأخوذٌ من الفقر، والفقرُ أخصُّ من الاحتياج، ألا ترى أن ابنَ السبيل محتاجٌ غيرُ فقير، فالعبدُ مفتقر إلى اللَّه في جميع أحواله، حتى قبلَ وجودِه، فإنه مُفتقر لمن أوجَدَه. والفقيرُ يناسب العبدَ؛ لأن العبدَ لا يملِك شيئًا، فهو خاضِعٌ ذليل: ﴿ياأيها الناس
стр. 38
إلى اللَّهِ تَعالى (١)، مَرعِيُّ بنُ يُوسُفَ (٢) الحَنبليُّ (٣)
أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾ [فَاطِر: ١٥].
(١) قوله: (إلى اللَّه) أي: العبدُ الفقير إلى رحمةِ اللَّه تعالى، فالكلامُ فيه حذف. أو: العبدُ المفتقِر في سائر أحوالِه إلى اللَّه خَلقًا وإيجادًا؛ ردًّا على القائل: بأن العبدَ يخلُق أفعالَ نفسِه. وقوله: (تعالى) أي: تنزَّه اللَّه تعالى عمَّا يقولُ الجاحِدُ.
(٢) قوله: (مرعيُّ): اسم المؤلف (بنُ يوسفَ) اسم أبيه.
(٣) قوله: (الحنبليُّ) نسبة للإمام أحمد بن عبد اللَّه [¬١] بن حنبل؛ لكونه يعبدُ اللَّه على مذهبه، وأما المنسوبُ للإمام الشافعي فشافعيٌّ، لا شفعويّ، كما قيل به؛ إذ القاعدة: أن المنسوبَ يُؤتى به على صُورة المنسوبِ إليه، لكن بعد حذف الياء من المنسوب إليه، وإثبات بدلها في المنسوب، كما أفاده بعضهم.
وفي «القاموس» [¬٢]: الحنبل: القصيرُ، والخُفُّ الخَلِق، والضخمُ البطينُ واللَّحيم، وروضةٌ بديارِ تميم. وأحمدُ بن عبد الله [¬٣] بن حنبل: إمامُ السُّنة. وبضم الحاء: طلعُ أمِّ غيلان، واللُّوبياء. وحَنْبَل: لبِسَ الحنبلَ. والحِنبالة، بالكسر: كثير الكلام.
هذا باعتبار الأصل، وأما الآن فهو علمٌ على جدِّه ﵃.
стр. 39
المَقدِسِيُّ (١):
الحمدُ للَّهِ (٢) رَبِّ العالَمِينَ (٣)،
(١) قوله: (المقدسيُّ) نسبةً للأرض المقدَّسة، لا لخصوصِ بيتِ المقدس، وإلا فبلدُه: «طولُ الكرْم» قريةٌ من قُرى نابلس.
(٢) قوله: (الحمدُ للَّه) حقيقةُ الحمدِ اللَّفظي في اللغة: الثناءُ بالجميل على الجميل الاختياري، حقيقةً أو حكمًا، على جهةِ التعظيم والتبجيل، ظاهرًا وباطنًا، وسواء تعلَّق بالفضائل أم بالفواضل.
وأما معناه اصطلاحًا: فهو فعلٌ يُنبئ عن تعظيمِ المُنعم بسببِ كونِه منعمًا.
والشكر لغة: هو الحمدُ اصطلاحًا. وأما الشُّكر اصطلاحًا: فهو صرفُ العبد جميعَ ما أنعم اللَّه به عليه من سمع وبصر وغيرِهما إلى ما خُلق له.
وأما المدحُ فهو لغة: الثناء باللسان على الجميل مطلقًا على جهة التعظيم.
واصطلاحًا: اختصاصُ الممدوح بنوعٍ من الفضائل أو الفواضل. وإن أردت المزيد على ذلك انظر: «حواشي هدايا الواهب» [¬١].
(٣) قوله: (ربِّ العالمين) أصلُ التربية: نقلُ الشيء من أمر إلى آخر، حتَّى يصلَ إلى غاية أرادها المُربِّي، ثم نُقِل إلى المالِكِ والمُصلِحِ؛ للزوم التربية لهما غالبًا. والعالمين: جمع سلامة لعالَم على غير قياس، والعالَم في اللغة: كلُّ جنسٍ أو نَوعٍ فيه علامةٌ يمتاز بها عن سائر الأنواع والأجناس الحادثة.
وذكرُ هذا الوصف أعني: رب العالمين بعد «الحمد للَّه» شبهُ البرهان بعد
стр. 40
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدَّعوى؛ لأنه لمَّا ادَّعى في الجملة الأولى أعني: الحمد للَّه أن كلَّ كمال فهو للَّه تعالى وحده، لا يُمدح عليه في الحقيقة سواه، وقد عُلم أن الكمال إما قديمٌ، وإما حادثٌ، أتى بما يدل على أن كلا الكمالين له تعالى، بمعنى أن الأول: وصفُه، والثاني: فِعلُه، والدليلُ على ذلك العوالمُ؛ لقيام البرهان القطعيِّ على حدوثها من جهة تغيُّرِها الذي أَذِنت به التربيةُ المأخوذةُ من لفظِ الرَّبِّ، ومن جهة احتياجها إلى المخصِّص في اختصاصها ببعض ما تقبله من مقدارٍ وصفةٍ وغيرهما، وقد أشعر أيضًا بالاحتياج في المقادير والصِّفات، والأزمنة والأمكنة، مع قبولِ كلٍّ مقدارَ غيرِه وصفتَه وزمانَه ومكانَه، فلو وقع ذلك من غير فاعل، لزمَ الجمعُ بين متنافيين، وهو مساواة أحد الأمرين لصاحبه، ورُجحانُه عليه بلا سبب، وذلك معلومُ الاستحالة.
فإذن هذا الوصف، وهو: «رب العالمين» يؤذِنُ بحدوثِ جميعِ العوالِم من جهة المُضاف؛ لإشعاره بعموم التربية للعوالم المستلزمة للتغير في جميعها، وهو دليل على الحدوث والافتقار للمُحدِث، ومن جهة المضاف إليه؛ لإشعاره بسبب جمعيته وعمومه باختلاف أصناف العوالم وأنواعها وأجناسها، في مقاديرها وصفاتها وأزمنتها وأمكنتها وجهاتها، مع قبول مادة كلِّ واحدٍ منها لما حصل لغيره، وذلك يستلزِمُ حدوثَه وافتقارَه إلى المخصِّص.
ولما كان الإحداثُ والإيجاد موقوفين على كمال ألوهية الموجِد، واتصافه بوجوب الوجود والقِدَم والبقاءِ والقيام بالنفس، والمخالفة للحوادث، والوحدانية، والحياة، وعموم القدرة والإرادة لجميع الممكنات، وعموم العلم لجميع الواجبات والجائزات والمستحيلات، لزم أن كلَّ حادثٍ يدلُّ
стр. 41
وأشهدُ (١) أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وحدَه (٢)
على وجوب هذه الكمالات لمولانا جلَّ وعلا.
(١) قوله: (وأشهدُ) الواو للعطف من حيث إنها للرَّبط بين المتعاطفَين أو المتعاطفات. أي: أُذعِنُ وأتيقَّن. وتفسيرُها بمطلق الإعلام ليس بنافعٍ في الدُّخول في الإسلام، وإنما هو بيان للمعنى الأصليِّ للفظ الشهادة.
ثم إن في الشهادة خاصيتين؛ الأولى: أن جميعَ حروفِها جوفيَّةٌ ليست شَفَويَّةً؛ إشارةً إلى أنها من خالص الجوف، وهو القلب. الثانية: أنها ليس فيها حرف معجم [¬١]، بل جميعها مجردة عن النقط؛ إشارة التجرُّدِ عن كلِّ ما سواه.
وأشهدُ: فعل وفاعل. وجملة (أن لا إله .. إلى آخره) في محل نصب مفعول أشهد؛ لأنَّ لا: نافية للجنس تعمل عمل إنَّ، تنصب الاسم وترفع الخبر. إله: اسمها مبني معها على الفتح في محل نصب.
وقوله: (إلا اللَّه) بدل من الضمير المستتر في الخبر المحذوف، والتقدير: لا إلهَ معبودٌ بحقٍّ إلا اللَّه. وإلا: أداةُ حصرٍ بمعنَى: غير. وهو بدل كلٍّ من كلٍّ بهذا الاعتبار.
(٢) قوله: (وحدَه) أي: حال كونه منفردًا عن المُشابه والمُماثل، فلا مُشابهةَ بينه وبين غيرِه بوجه، لا في ذاتِه، ولا في صفاتِه، ولا في أفعالِه؛ لأن الوحدَةَ عبارةٌ عن وحدَةِ الذَّات والصفات والأفعال.
فوحدة الذات: عبارةٌ عن نفي الكمِّ المتصل، وهي الكثرة في ذاته تعالى،
стр. 42
لا شريكَ لَهُ (١)، مالِكُ يَومِ الدِّينِ (٢).
والكمِّ المنفصلِ، وهي الكثرة في النظير له تعالى في ذاته أو صفاته.
ووحدة الصفات: عبارةٌ عن الانفراد بالاتصاف بها، فلا يشاركه غيرُه في ذلك.
ووحدة الأفعال: عبارة عن عدم المشاركة له في أفعاله.
(١) قوله: (لا شريكَ له) حالٌ بعد حالٍ، أي: حالَ كونه لا شريكَ له في شيءٍ ممَّا يتعلق بعليِّ ذاته، وسنيِّ صفاته، فهو تأكيدٌ لمُفاد الأول.
(٢) قوله: (مالكُ يومِ الدينِ) المالك: هو المتصرِّفُ في الأعيان المملوكة كيفَ شاء من المِلك. والمَلِكُ: هو المتصرِّفُ بالأمر والنهي في المأمورين. ومالِكُ: يصح أن يكون بالرفع منونًا، ومضافًا، على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، وبالجر صفة للَّه بعد صفة أعني رب وهو مضاف، والعالمين: مضاف إليه، ومالك: مضاف، ويوم: مضاف إليه، وهو مضاف، والدِّين: مضاف إليه.
لا يقال: فيه الفصل بين الصفة الأولى والثانية بجملة؛ وهي أشهد .. إلخ. وهو لا يناسب العربية؛ لأنا نقول: أتى بها لأكبر الفوائد، وهو حصر الألوهية في الذات العليَّة المفيدة للتوحيد، فلا مؤاخذةَ عليه.
و «يوم الدين»: يوم الجزاء، وهو يوم القيامة، سُمِّي به لأنه محلُّ المُجازاة، أو لأنه لا ينفعُ فيه إلا الدِّينُ الحقُّ ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت﴾ [آل عِمرَان: ٣٠] من دانه يدينه: جازاه، ومنه: «كما تدينُ تدان» [¬١]. وأولُ يوم القيامة
стр. 43
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قيل: من النَّفخةِ الأولى. وقيل: من الثانية. وآخِرُه قيل: إلى دخول الجنة والنار. وقيل: إلى ما لا نهاية له.
وأضافَ اسمَ الفاعل إلى الظَّرف؛ إجراءً له مجرى المفعول به على الاتِّساع، كقولهم: يا سارقَ الليلةَ أهلَ الدَّارِ. ومعناه: ملكُ الأمورِ يومَ الدين. على طريقة: ﴿ونادى أصحاب الجنة﴾ [الأعرَاف: ٤٤] أو: له الملك في هذا اليوم على وجه الاستمرار؛ لتكون الإضافة حقيقية معدة؛ لوقوعه صفة للمعرفة.
وقيل: الدِّين: الشريعة. وقيل: الطاعة. والمعنى: يومُ جزاء الدِّين. وتخصيص اليوم بالإضافة؛ إما لتعظيمه، أو لتفرُّده تعالى بنفوذ الأمر فيه.
وإجراءُ هذه الأوصاف على اللَّه تعالى من كونه موجدًا للعالمين، ربًّا لهم، منعمًا عليهم بالنعم كلِّها، ظاهرها وباطنها، عاجلها وآجلها، مالكًا لأمورهم يوم الثواب والعقاب؛ للدلالة على أنه الحقيقيُّ بالحمد، لا أحدَ أحقَّ به منه، بل لا يستحقُّه على الحقيقةِ سِواه، فإنَّ ترتُّبَ الحُكمِ على الوصف يُشعرُ بعليته له، فالحمدُ حينئذ واجبٌ؛ لوقوعه في مقابلة نعمة، وللإشعار من طريق المفهوم على أنَّ من لم يتَّصف بتلك الأوصاف لا يستأهل لأنْ يُحمد، فضلًا عن أن يُعبد، ليكون دليلًا على ما بعده. فالوصف الأول أعنى: رب العالمين لبيان ما هو المُوجبُ للحمد، وهو الإيجادُ والتربيةُ. والثاني: وهو مالك يوم الدين؛ لتحقيق الاختصاص، فإنه ممَّا لا يقبل الشركة فيه بوجه ما، وتضمين الوعد للحامدين والوعيد للمعرضين.
стр. 44
وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا (١) عَبدُهُ (٢) ورَسُولُهُ (٣)،
(١) قوله: (وأشهدُ أنَّ محمَّدًا) علمٌ على نبيِّنا ﷺ ، منقولٌ من اسم مفعولِ الفعل المضعَّف، أي: المكرر العين، وهو حمَّد، بالتشديد. وهذا في اصطلاح علماء الصرف بأنَّ المضعَّفَ المشدَّدُ. وفي اللغة: ما كان عينُه ولامُه من جنسٍ واحدٍ. «وأشهدُ»: فعل وفاعل. وجملة: «أن محمدًا .. إلخ». في محل نصب مفعول أشهد.
(٢) قوله: (عبدُه) خبر أنَّ، وكذا قوله: «ورسوله». و «المبين» و «الفائز»: خبر بعد خبر. قال ابن مالك: وأخبروا باثنين أو بأكثرَ .. إلخ.
وعبد: من الصفات التي غَلبت عليها الاسميَّةُ؛ من العبوديَّة، التي هي: تركُ الاختيار، والثقةُ بالفاعل المُختار، والتسليمُ لأمر الواحد القهار، وعدمُ منازعة الأقدار، حتى لا يبقى له مع اللَّه مرادٌ إلا ما أراد. وإنما وصفَه بالعبودية؛ لأنها أكملُ المقامات السَّنيَّة، وأجملُ المراتب المَرضيَّة، كيف لا وقد وُصِف بها ﷺ في أشرف المواطن العليَّة.
وقال العلامة الحلبيُّ: وقد حُقق أن عبوديةَ الرسولِ أكملُ من رسالته؛ لكونها انصرافًا من الخلق إلى الحقِّ، والرسالة بالعكس؛ ولأن العبدَ تكفَّل مولاهُ بإصلاحِ [¬١] شأنه، والرسول تكفَّل بإصلاح شأنِ الأمة، وكم بينهما؟! انظر: ابن حجر على «الأربعين» في هذا الموطن.
(٣) قوله: (ورسولُه) هو على المشهور: إنسان أُوحي إليه بشرعٍ وأُمر بتبليغه، أَخصُّ من النبيِّ.
стр. 45
المُبَيِّنُ (١) لأحكَامِ (٢) شَرَائِعِ الدِّينِ (٣)،
(١) قوله: (المبيِّنُ) أي: المُوضِّحُ والمُظهِر. وهذه الفقرة وما بعدها موطئة للسِّر في طلب الصلاة والسلام على من ذُكر؛ إذ هو [¬١] ﷺ سبب في حصول سعادة الدارين للعباد، وذلك لأنَّ السعادةَ منوطةٌ بمعرفةِ الأحكام والعمل بها، والأحكامُ إنَّما تؤخذُ من جهتِه ﷺ ، ووصولُها إلينا إنَّما هو من جهة آلِه وأصحابِه.
(٢) قوله: (لأحكام) الأحكامُ: جمعُ حكم، وهو في اللغة: القضاءُ والحِكمَةُ. وفي الاصطلاح: خطابُ اللَّه تعالى المفيدُ فائدةً شرعيَّةً.
(٣) قوله: (شرائعِ الدِّين) شرائع: جمع شريعة، فعيلة، بمعنى: مشروعة، أي: ما شرعه اللَّه من الأحكام، فالإضافة بيانية، أي: شرائع هي الدين، والدين ما شرعه اللَّه من الأحكام، أي: بيَّنه لعباده، وهو علومُ الشرع من تفسيرٍ وحديثٍ وفقه.
ويقال أيضًا: وضعٌ إلهيٌّ سائِقٌ لِذَوي العقولِ باختيارِهم المحمود إلى ما هو خيرٌ لهم بالذات.
وأما أمورُ الدِّين، فقال الإمامُ النوويُّ: الصِّحةُ بالعقدِ، والصِّدقُ بالقَصدِ، والوفاءُ بالعهد، واجتنابُ الحدِّ.
أما الصحة بالعقد؛ فالاعتقادُ الصحيح السالمُ من التشبيهِ والتعطيل والتَّجسيم في صفات اللَّه تعالى.
وأما الصِّدقُ بالقصد؛ فالعبادات بالنية، والعمل بالإخلاص. وأما الوفاءُ
стр. 46
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالعهد؛ فأداءُ الفرائض الخمس في أوقاتها.
وأما اجتنابُ الحدِّ؛ فاجتناب محارم اللَّه ، قال تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحَشر: ٧]
وأمور الدين على ما قاله صاحب «المنتهى» في مختصره الأصولي: دال، ودليل، ومبيِّن ومستدل [¬١]. فالدال: اللَّه، والدليل: القرآن، والمبيِّن: الرسول، والمستدل: أولو العلم. هذه قواعد الإسلام.
قال في «شرحه» [¬٢]: قال ذلك الإمام أحمد ﵁. وإنما أخَّر ذلك بعضُ المصنفين؛ ليستدلَّ به على صحة ما تقدم ذكرُه، وتبركًا بنص الإمام. وقوله: هذه قواعد الإسلام. قال في «شرح التحرير»: الذي يظهرُ أن معناه أن قواعدَ الإسلام ترجِعُ إلى اللَّه تعالى، وإلى قولِه وهو القرآن، وإلى رسولِه ﷺ ، وإلى علماءِ الأمة، لم يخرج شيءٌ من أحكام المسلمين والإسلام عنها.
والمُستدَلُّ عليه أي: على الشيء بكونه حلالًا، أو حرامًا، أو واجبًا، أو مستحبًّا؛ الحكمُ بذلك. والمستدَلُّ به: ما يوجِبه، أي: العِلَّة التي تُوجِبُ الحكمَ. والمستدَلُّ له، أي: لخلافِه وقطعِ جدالِه؛ الخصمُ. وقيل: الحُكْمُ. انتهى.
قال م خ: وعليه فيكون المعنى: المستدَلُّ لأجل ثبوتِه. انتهى.
стр. 47
الفائِزُ «بمُنتَهى الإرادَات» (١) مِنْ رَبِّه، فمَنْ تمَسَّك بشَريعَتِه (٢)،
وبين يوم الدِّين والدِّين الجناسُ التامُّ مع اختلاف المعنى، وهو كما في «التلخيص»: أن يتَّفِقَ اللَّفظَانِ في أنواع الحُرُوفِ، وفي أعدادِها، وفي هيئاتِها، وفي ترتيبِها. وهو من المُحسِّنات البديعيَّة.
(١) قوله: (الفائزُ) أي: الظافرُ (بمنتهى الإرادات) أي: المقاصد المنتهية. مصدر ميمي بمعنى: الانتهاء، من إضافة الحال في المحل؛ لأن الانتهاء حال في المرادات، أو من إضافة الصفة للموصوف، أي: المرادات المنتهية؛ من نظرِه ﷺ لربه بعيني رأسه الشريف [¬١]، والشفاعة العظمى، وغيرهما مما لا يحصى.
والمراد هنا: أن هذا الكتابَ ظفر باختصارِه من «مُنتهى الإرادات» من قَبيلِ التورية وهي: إطلاقُ لفظٍ له معنيان، قريب وبعيد، فأطلق منتهى الإرادات، وأراد معناه البعيد.
ثم إنَّ في هذه الفِقرَةِ وما قبلَها براعةَ استهلالٍ؛ لِمَا في ذلك من الإعلام بالفنِّ الذي سيشرعُ فيه، وهي أن يأتي المتكلِّمُ في ابتداء كلامه بما يلوحُ بمقصودِه بإشارةٍ تَعذِبُ حلاوتُها على الذَّوقِ السليمِ.
(٢) قوله: (فمن تمسَّك بشريعته) باتباع الأوامر واجتناب النواهي. الفاء: للتعليل، أي: لأن من تمسك .. إلخ. «فمن»: مبتدأ، وجملة «فهو من الفائزين»: خبر. وجملة المبتدأ والخبر جملة كبرى؛ لوقوع الخبر فيها جملة.
стр. 48
فهوَ مِنْ الفَائِزِين (١)، صلى اللَّه وسلَّم علَيهِ (٢) وعلى جَميعِ الأنبيَاءِ
(١) قوله: (فهو من الفائزين) أي: الناجين الظافرين. هذا نتيجة ما قبله، وفيه من المُحسِّنات اللَّفظية: ردُّ الصَّدرِ على العجْز؛ بأن يأتي بما يوافق الصدر، وهو كما في «التلخيص»: إذا كان في النثر؛ أن يجعل أحد اللفظين المكررين أعني المتفقين في اللفظ والمعنى في أوَّل الفِقرَةِ، واللفظ الآخر في آخر الفِقرَةِ، نحو: ﴿وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ [الأحزَاب: ٣٧].
(٢) قوله: ﷺ أي: ارحمه رحمة تليق بجنابه الشريف، ومقامه المُنيف؛ زيادةً في شرفه؛ إذ الكاملُ يقبل الترقِّي في غايات الكمال، فلا ينافي أنه ﷺ أُفرغت عليه سائرُ الكمالات، فالجملة إنشائية معنًى، خبرية لفظًا؛ لأنَّ القصد بها إيجادُ الصلاة.
وتكره الرحمةُ في حقِّه، وإن كانت بمعنى الصلاة، فلا يجوز إذا ذُكِر النبيُّ ﷺ أن يقال: ﵀. لأن لفظ الرَّحمة صار شعارًا لغير الأنبياء والملائكة ممَّن شأنُه أن يرتكب الذنوب. فلا يقال: لِمَ جازت الصلاةُ دون الرحمة مع أنهما بمعنًى واحد؟
وما فعل المصنف من الجمع بين الصلاة والسلام، أولى من إفراد أحدِهما عن الآخر، وإن جاز عندنا من غير كراهة. قال ابن الجوزي: إن الجمع بين الصلاة والسلام هو الأولى، ولو اقتصر على أحدهما جاز من غير كراهة، فقد جرى على ذلك جماعة من السلف والخلف، منهم الإمام مسلم في أول صحيحه، والإمام أبو قاسم الشاطبي في قصيدتيه؛ الرائية واللامية.
стр. 49
والمُرسَلَين، وعلى آلِ (١) كُلٍّ وصَحبِهِ (٢)(١) قوله: (وعلى آلِ كلٍّ) أي: أتباعه على دينه. نص عليه الإمام أحمد، وعليه أكثر الأصحاب. ذكره في «شرح التحرير». وقدمهم للأمر بالصلاة عليهم، وإضافته إلى الضمير جائزة عند الأكثر، وعمل أكثر المصنفين عليه، ومنعه جمع منهم: الكسائي، وابن النحاس، والزبيدي. م ص [¬١]
(٢) قوله: (وصحبه) جمع صاحب، أو جمع صَحْب تخفيف صَحِبَ بمعنى: صاحب. قال في «المطول»، كالزمخشري: إنه جمع صاحب. وأُورِد عليه: أن الجوهري منع جمعَ فاعلٍ على أفعال؛ ولهذا قال السعد في «حواشي الكشاف»: الحق عدم ثبوته.
والمراد بصحبه هنا: الصحابي، وهو من لقيه ﷺ أو رآه يقظة، حيًّا مسلمًا، ولو ارتد ثم أسلم ولم يره ومات مسلمًا، ولو جنِّيًّا. والمراد: باللقيِّ: اللقيُّ المتعارف بالأبدان، وهو يشتمل: لقاء البصير والأعمى كابن أم مكتوم، وغير المميِّز كعبد اللَّه بن الحارث، فإنه جيء به للنبي ﷺ فحنكه، وكمحمود بن الربيع، تَفَلَ في فِيه. واحتُرز بيقظة: عمَّن رآه منامًا، وبقولهم: حيًّا: عمَّن رآه ميتًا كأبي ذئب الشاعر خالد بن خويلد الهذلي، فإنه لما أسلم وأخبر بمرضه ﷺ فسافر ليراه، فوجده ميتًا. وبقولهم: مسلمًا: عمَّن اجتمع به قبل النبوة ولم يره بعد ذلك كزيد بن عمرو بن نفيل، فإنه مات قبل البعثة، ومن رآه وهو كافر ثم أسلم بعد موته. وبقولهم: ولو ارتد .. إلخ: عمَّن ارتد في زمنه ﷺ أو بعد موته، وقتل على
стр. 50
أجمَعِين (١).
الردة كابن خَطَلٍ وغيره. ويدخل من ارتد ثم رجع إلى الإسلام ومات مسلمًا كالأشعث بن قيس. وقولهم: ولو جنيًا. يدخل فيه من لقي النبي ﷺ من الجنِّ الذين قدموا عليه من نصيبين وأسلموا، وهم تسعة أو سبعة من اليهود.
فيشتمل التعريف: المميِّز، وكذا من اجتمع به ﵊ ولم يعلم أنه هو ﵊، ومن اجتمع به حيث لم يشعر واحدٌ منهما بالآخر، أو لم ير واحدٌ منهما الآخرَ، ومن اجتمع به من وراء سِترٍ رقيقٍ كثوب، وعَلِمَ به وخاطَبه أو لا، ومن لقيه مارًا مع مروره أيضًا إلى غير جهته من غير مكث عند الوصول إليه، وعَلِمَ به وخاطَبه أو لا. ولو رآه من كَوَّةٍ في جدار بينهما، فهل يعد اجتماعًا؟ نظر فيه الشنواني على بسملة شيخ الإسلام، ونصه: فيه نظر، نعم إن خاطبه مع رؤيته من الكَوَّةِ، فينبغي أنه اجتماع أو في حكمه، فليراجع ذلك. انتهى.
وعطفهم على الآل من عطف الخاص على العام. وفي الجمع بين الصحب [¬١] والآل مخالفة للمبتدعة؛ لأنهم يوالون الآل دون الصحب. م ص [¬٢]
(١) قوله: (أجمعين) مفيدٌ للإحاطة والشمول، فهو تأكيدٌ لذلك.
فائدة تتعلق بالخطبة من حيث الفِقَرِ: فإنها من البسملة إلى قوله: «وبعد»، سِتُّ سَجَعَاتٍ، اثنتانِ متعلِّقَتَانِ باللَّه، وثلاثٌ متعلقةٌ بالنبيِّ ﷺ ، وسجعَةٌ
стр. 51
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واحِدةٌ متعلِّقَةٌ بالآلِ والأصحاب، ولا يخفى أنَّ كلَّ واحدةٍ أشرفُ ممَّا بعدها، وأشارَ لذلِكَ بالترتيب.
ومعنى السجع: تَوافُقُ الفاصِلتَينِ من النَّثرِ على حرفٍ واحدٍ في الآخِر، وهو معنَى قَولِ السَّكَّاكِيِّ: السجعُ في النثرِ كالقافية في الشعر. ثم هو أقسام؛ لأنه إن اختلفتا في الوزن فمُطَرَّفٌ، أي: وقع في الطَّرَف، كوَقَارٍ، أو أطوَارٍ. وإن لم يختَلِفا، فإن كان جَميعُ ما في الفِقرَةِ ما عدا الفاصِلتَينِ الثانيةِ أو أكثَرُهُ يُوافِقُ ما في الأولى، فَمُرَصَّعٌ. مثالُ الأول: قول الحريري: فهو يطبعُ الأسماعَ بجواهر لفظِه، ويَقرعُ الأسماعَ بزواجرِ وعظِه. ومثال الثاني: ما لو أبدلت الأسماع بالآذان. وإن لم يكن جميع ما في الثانية ولا أكثره كذلك، فالمتوازي.
والمراد بالوزن: الوزن الشعري، وهو مقابلة ساكنٍ بساكن، ومتحركٍ بمتحرك، من غير نظرٍ لخصوص الحركة والساكن، كما ذكره ابن يعقوب في شرحه للتلخيص.
وأحسن السجع ما تساوت فِقَرُه، كقوله تعالى: ﴿في سدر مخضود * وطلح منضود * وظل ممدود﴾، ثم ما طالت فيه الثانية والثالثة مثال الأول: ﴿والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى﴾. ومثال الثاني: ﴿خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه﴾.
ثم إن المصنف سلك في خُطبته أحسنَ السَّجع، وهو طولُ الثانيةِ على الأولى وتساوي الفِقَرِ، وفيه الازدواج، ووجه أفضلية التساوي كما ذكره المجدولي في «حواشي عصام الدين» أن السمع أَلِفَ الانتهاء، فإذا زادت
стр. 52
وبَعدُ (١):
الثانية ثقل على السمع الزائد، فيكون عند وصوله إلى مقدار الأولى كمن توقع الظفر بمقصوده من فهم المراد فوجد أمامه مانعًا. وأما تطويل الأولى زائدًا على الثانية، فهو عيب فاحش عندهم؛ لأن السمع إذا استوفى غاية الأولى وكانت الثانية أقصر بكثير، كان السمع كمن يريد الانتهاء إلى غاية فيعثر دونها، وأما الطول الغير الكثير، فمغتفر عندهم على المشهور، نحو: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل﴾ [الفيل: ١، ٢]، قال: ويشترط في تطويل الثانية أو الثالثة على الأولى عدم التطويل الكثير؛ لئلا يبعُدُ على السامع وجودُ القافية فتذهب اللَّذة، وقال أهل الفن: قصر الفقرات تدل على قوة المنشئ، وأقله كلمتان، نحو: ﴿ياأيها المدثر * قم فأنذر﴾ الآيات [المدثر: ١، ٢]. وكلما كانت كلماته أقلَّ، كانَ أحسَنَ. إلى غير ذلك مما هو مبيَّن في محله، مع بيان أنواعه وأسمائها، وما يتعلق بذلك. انتهى.
(١) قوله: (وبعدُ) أتى بها المصنف اقتداءً بالنبي ﷺ لإتيانه بها في خُطَبه وكتبه كما ثبت في صحيح الأخبار عن الأئمة الأخيار، بل رواه عبد القادر الرهاوي عن أربعين صحابيًّا، لكن الثابت إنما هو إتيانه بأصلها كما نبه عليه شيخ الإسلام الشيخ عثمان في شرحه «لعمدة الطالب» [¬١] وهو: «أما بعد» [¬٢]. وأما «وبعد» فهل يُسنُّ الإتيان بها أيضًا قياسًا؛ لأن ما ثبت للأصل
стр. 53
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يثبت لفرعه أو لا؛ اقتصارًا على ما ورد؟
وفي شرح ابن عبد الحق لبسملة شيخ الإسلام ما يفيد التفرقة بينهما، حيث قال عند قولِ المتن: «وبعد»: وأتى بها اقتداءً بغيره، وقد كان ﵇ يأتي بأصلها في خُطَبِه وهو: أما بعد. انتهى.
وهي كلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر، فلا يسوغ الإتيان بها في أوَّل الكلام ولا في آخره، بل بين كلامين متغايرين. ثمَّ إذا كان بين الكلامين تناسبٌ سُمِّي الانتقال من الكلام [¬١] الأول للثاني: تخلُّصًا، وإذا كان بينهما نوع مناسبة، سُمِّي ذلك الانتقال: اقتضابًا، قريبًا من التخلص، كقول المؤلف في أثناء الخطب: أما بعد. حيث انتقل من الحمد وما بعده إلى كلام آخر من غير ملائمة، فهو من الاقتضاب لكنه يقرب من التخلص من حيث إنه لم يأت به فجأة من غير نوع من الارتباط؛ لأن ما بعده له تعلُّق وارتباط بما قبله من حيث الترتب والتوقف، وإذا لم يكن بينهما مناسبة أصلًا، سُمِّي: اقتضابًا. والاقتضاب: القطع، سُمِّي بذلك؛ لأن المتكلم قطع الكلامَ الأوَّل وأتى بكلامٍ آخرَ مغايرٍ للكلام الأول.
وهي فصل الخطاب الذي آتاه اللَّه لنبيه داود ﵊. قال تعالى: ﴿وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾ [ص: ٢٠]. قال ابن الأثير: والذي أجمع عليه المحققون من علماء البيان أن فصل الخطاب هو: أما بعد؛ لأن المتكلم يفتتح كلامه في كل أمر ذي شأن بذكر اللَّه تعالى بقوله:
стр. 54
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أما بعد. انتهى.
ولهذا ذهب بعضهم إلى أنه أول من نطق بها. وقيل: يعقوب ﵇ لمَّا جاءه مَلَكُ الموت وقال: أما بعد، فإنَّا أهلَ بيتٍ موكَّلٌ بنا البلاءُ.
«إنَّا»: أصلها: إنَّنا، ف «نا» اسمُها، و «أهلَ» بالنصب، مفعول لفعل محذوف: نخصُّ أهلَ. و «بيت» مضاف إليه، و «موكل» خبر إنَّ منه.
وقيل: قِسُّ بنُ ساعدة. وقيل: كعب بن لُؤي. وقيل: يعرب بن قحطان. وقيل: سَحبان وائل [¬١].
وجُمع بين الأوليَّة: بالنسبة للأول: حقيقية، ولغيره: نسبية، أي بالنسبة للعرب أو القبائل.
هذا والحقُّ أنَّ أول من نطق بها على الإطلاق آدمُ ﵇، وإن لم يذكروه فيما أعلم. كذا ذكره بعضُ الإخوان.
وأصلها: أما بعد. وأصل أما بعد: مهما يكن من شيءٍ بعد ما ذُكر من البسملةِ والحمدلةِ والصلاةِ على رسول اللَّه ﷺ ؛ لأن المراد من ذلك تعليقُ وجودِ هذا المؤلَّف على وجود شيء في الكون، ووجوده محقق، فوجودُ هذا المؤلَّف محقق، بدليل ما ذكره ياسين في تفسير: «أما زيد فذاهب»: مهما يكن مِنْ شيءٍ فزيدٌ ذاهبٌ. فأفاد بهذا التفسير أن «ما» دالة على الشرط، والتأكيد. ولهذا قال الزمخشري [¬٢]: فائدة «أما» في الكلام: أن تُعطيه فضلَ
стр. 55
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
توكيدٍ. تقول: زيد ذاهب. فإذا قصدتَ توكيده قلتَ: أما زيد فذاهب.
فمهما: مبتدأ، والاسمية لازمة له، ويكن: فعل الشرط، والفاء لازمة له، وهي تامة وفاعلها «شيء» بجعل «مِنْ» زائدةً في الإثبات على رأي، أو ضمير مستتر عائد على: «مهما». والمجرور بيان للجنس على حدِّ قوله تعالى: ﴿مهما تأتنا به من آية﴾ [الأعرَاف: ١٣٢]. فلما حذفت «مهما» و «يكن»؛ لأجل الاختصار، وأقيمت «أما» مقامهما، وتضمنت معنى الابتداء والشرط اللذين في «مهما» و «يكن» فلزمها ما لزمهما من الفاء، ولصوق الاسمية؛ قضاءً لحق ما كان وإبقاء له بقدر الإمكان.
وهي ظرف زمان أو مكان باعتبار اللفظ والرقم، تقول: جاء زيد بعد عمرو. وهنا يصح أن تكون ظرف زمان وظرف مكان. والزمان الأول زمان البسملة وما بعدها، إلى قوله: وبعد. وبالزمان الثاني فقط زمان تأليف، فهذا مختصر. وبالمكان الأول المكان المرقوم فيه البسملة وما بعده، إلى قوله: وبعد. وبالمكان الثاني المكان المرقوم فيه، فهذا مختصر هذا، والأولى كونها ظرف زمان؛ لأن أكثرية استعمالها فيه يدل على رجحانه أنه الفصل بين الحق والباطل.
وهي معربة بلا تنوين إذا ذُكر المضافُ إليه أو نوي لفظُه، ومبنيَّة على الضم إذا حُذف ونوي معناه؛ لأنها أشبهت الحرف من حيث الافتقار لا لافتقارها إلى معنى المحذوف. لا يقال: هي [¬١] محتاجة إليه أيضًا عند ذكره أو نية
стр. 56
فهَذَا مُختَصَرٌ (١)
لفظه فهي مبنية أيضًا؛ لأن ظهور الإضافة أضعفَ الشَّبَهَ، فلا تُبنَى حِينَئذٍ؛ لأنَّ المَنويَّ كالثابت. ولا يرد «حيث»، و «إذ» حيث بُنِيَا مع ظهور الإضافة؛ لأنها في الحقيقة إلى صدر الجملة، فكأنَّ المُضافَ إليه محذُوفٌ. ومعربةٌ منونة إن حذف، ولم يُنو شيءٌ، لا يقال: القياس بناؤها؛ لأنها مفتقرة مع عدم وجود المضعف؛ لأنه وُجد بدل المضاف إليه، وهو التنوين، والبدل له حكم مبدله، فكما أنها تعرب مع وجود المضاف إليه، تعرب مع وجود بدله؛ ولهذا أعرب «كلٌّ» و «بعضٌّ» حيث جعل التنوين بدلًا من المضاف إليه، إذ المضاف إليه كأنه ثابت بثبوت بدله.
(١) قوله: (فهذا مختصر) جواب الشرط الذي نابَتْ عَنهُ «أمَّا» النَّائِبُ عنها الواو كما مَرَّ. وههنا استُشكِلَ الحَملُ بأنَّ ما في الذِّهنِ مُجمَلٌ، والمختصر اسمٌ للمفصَّل، فلم توجد العينية التي اشترطها علماء العربية.
وأُجيبَ بأنَّ ما في الذهن مُفصَّلٌ أيضًا على صحة قيام المفصَّلِ به، لاسيما وقد ذهب إليه الإمام الشافعي في تكبيرة الإحرام، وعلى القول بعدَ قيامِ المفصَّلِ بالذهن يُقدَّرُ مضاف: أي مفصلُ هذا مختصرٌ.
ثم اعترض هذا الجواب بأن هذا المؤلَّف الذي عبِّر عنه بالمختصر اسمٌ لنوع هذا المفصَّل الموجود في أيِّ ذهنٍ، وفي أيِّ عبارة، وفي أيِّ نقوش، فليس غرض المصنِّف تسمية هذا الفرد الموجود في ذهن المؤلَّف، ونقوش المؤلَّف الذي بخطه، ولا بالأوصاف الآتية، بل الغرض تسميته ووصف نوعه الموجود في أي ذهن؛ إذ الموجود في ذهن غير المصنف من هذا المؤلف مثلًا يسمى ويوصف بما ذكر، ومن ثَمَّ كانت أسماء الكتب من
стр. 57
في الفِقهِ (١)،
حيِّز أعلام الأجناس، فلا إشكال. أو يقال: بحذف المضاف أيضًا. أي: نوعُ مفصَّلِ هذا مختصرٌ، على أن أسماء الكتب من حيِّز عَلَمِ الشخص، كأسماء العلوم.
والحاصل: أن الاعتراض مبني على الثاني لا الأول. والمختصر: ما قل لفظُه وكثُر معناه، والاختصار: تجريد اللفظ اليسير من اللفظ الكثير مع بقاء المعنى. والإيجاز تجريد المعنى من غير رعاية اللفظ.
(١) قوله: (في الفقه) جار ومجرور، وقع بعد معرفة، فيكون حالًا من الخبرِ على مذهب من جوز مجيء الحال من الخبر فإن فيه خلافًا ذكره السعد في «شرح تذنيب التلخيص». وقول بعضهم: إن الحال يجيء من الخبر باتفاقٍ غيرُ مسلَّمٍ.
والفقه لغة: الفهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسرَاء: ٤٤]. أي: لا تَفهَمُونَهُ. وقيل: معناه فهم ما دقَّ وخفي.
وشرعًا: العلم بالأحكام الشرعيَّة العمليَّة، المكتسب من أدلتها التفصيليَّة.
هذا التعريف اشتمل على جنس، وفصول خمسة، ولا بأس بالتعرض لشرح ذلك، وبيان محترزاته.
فالعلم: قد يراد به معرفةُ المعلوم على ما فيه، وقد يراد به الملكةُ الحاصلة بالجدِّ والاجتهاد، وقد يراد الإحاطةُ بالمسائل، وهو كما قال الإمام مالك: نورٌ يقذفه اللَّه تعالى في القلب يُلهمه اللَّهُ السعداءَ ويحرمه الأشقياءَ [¬١]. وعن
стр. 58
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
علي ﵁: كفى بالعلم شرفًا أن يدَّعيه من لا يُحسنه، وبالجهلِ قُبحًا أن يتبرَّأ منه من هو فيه [¬١].
وضده الجهل، وهو عدمُ التصوُّرِ والإدراكِ، أو تصورُ الشيء على خلاف ما هو عليه. والأول: البسيط، والثاني: المركَّب.
والأحكام: جمع حُكمٍ، وهو لغةً: القضاءُ والحِكمةُ، والمراد به هنا: خِطابُ اللَّه تعالى المتعلِّق بأفعال المكلفين من حيث إنهم مكلفون.
وقوله: الشرعية أي: المأخوذة من جهة الشرع المبعوثِ به النبيُّ ﷺ ، وهي خمسة: واجب، ومندوب، وحرام، ومكروه، ومباح.
وقوله: العملية أي: المتعلقة بكيفية عملٍ قلبيٍّ أو غيره، كالعلم بأنَّ النيَّةَ شرطٌ، وأنَّ الترتيبَ في الوضوء فرضٌ.
وقوله: المكتسب أي: الحاصلة بالاستنباط والاجتهاد.
من أدلتها أي: أدلة الأحكام المخصوصة، وهي الكتاب والسنة والقياس والإجماع.
وقوله: التفصيلية أي: من حيث تفصيلها، وهو الأنسب بالمقام.
فخرج بقيد الأحكام: العلمُ بغيرها من الذوات والصفات، كتصور الإنسان، والبياض.
وبقيد الشرعية: العقليةُ والحسيةُ، كالواحد نصف الاثنين، والنار محرقة،
стр. 59
على المَذهَبِ الأَحمَدِ (١)، مَذهَبِ (٢)
والعالم مُحدَث، والنظرية، كالعلم بأن الإجماع حجة، فإنَّ هذا من أصول الفقه. وبقيد العملية: الاعتقاديةُ، كالعلم بأن اللَّه واحد، وأنه يُرى في الآخرة. وبقيد: التفصيلية: يخرج التقليد؛ لأن المقلد وإنْ كان قول المجتهد دليلًا لكنه ليس من تلك الأدلة المخصوصة. ويخرج الإجمالية، كالمقتضى والنافي المثبت بهما ما يأخذه الفقيه ليحفظه عن إبطال قول خصمه، فعلمه بوجوب النية في الوضوء، أو بعدم وجوب الوتر، وهو النافي، ليس من الفقه، وإنما هو من أصوله.
وموضوع الفقه: أفعال المكلفين من حيث تعاور الأحكام عليها؛ لأنه يبحث فيه عنها.
واستمداده: من الكتاب والسنة والقياس والإجماع.
وفائدته: امتثالُ أوامر اللَّه، واجتنابُ نواهيه المُحصِّلَيْنِ لسعادة الدارين.
وغايته: انتظام أمر المعاش والمعاد مع الفوز بكل خير دنيوي وأخروي.
ومسائله: كلُّ مطلوبٍ خبريٍّ يبرهَنُ عليه فيه، أي: يقام الدليل والبرهان في العلم من واجب، وحرام، ومكروه، ومباح. م ص.
(١) قوله: (على المذهبِ الأحمدِ) أي: المعتقد. أي: المحمود المرتضى للَّه ، ولرسوله محمد ﷺ .
وهو مذهبُ أهلِ الحقِّ وأهلِ السنَّةِ والجماعة رضي اللَّه تعالى عنهم أجمعين. لا يقال: إن غيره من المذاهب ليس بمرتضى للَّه، لأنا نقول: ينبغي للمقلِّد أن يرجح مذهبَه على غيره، على أن يقال: إنه بيانٌ للواقع.
(٢) قوله: (مذهب) بدلٌ من «المذهب» مُفَصَّلٌ، مَصدَرٌ مِيمِيٌّ يَصلُح للزمان
стр. 60
الإمامِ أحمَدَ (١)،
والمكانِ، أي: زمان الذهاب أو مكانه، ثم نُقِلَ إلى ما قاله الإنسان بدليلٍ ومات قائلًا به، فهو حقيقة عرفية، وقد يُطلق عند المتأخرين على ما به الفتيا من إطلاق الشيء على جزئه الأهمِّ، كقوله ﵇: «الحج عرفة» [¬١]. دنوشري وزيادة.
(١) قوله: (الإمام أحمد) أي: المجتهد، المقتدى به في الدين، المبجَّل المعظَّم، أبي عبد اللَّه إمامِ السنَّةِ الصابر على المحنة. وفي «الأحمد» و «أحمد» الجناس التامُّ؛ إذ الأول: صفة، والثاني: علم.
روى أبو الحسن بن جهضم عن أبي بكر بن أحمد بن محمد بن الحجاج، قال: حدثني رجل من أهل طرسوس، قال: دعوتُ اللَّه أن يُريَني أهل القبور حتى أسألهم عن أحمد بن حنبل، ما فعل اللَّه به؟ فرأيت بعد عشرين سنة فيما يرى النائم كأن أهل القبور قد قاموا على قبورهم، فبادروني بالكلام فقالوا لي: يا هذا كم تدعُ اللَّهَ أن يريك إيانا تسألنا عن رجل منذ فارقكم بحلية الملائكة تحت شجرة طوبى.
وقال محمد بن أحمد الكندي: رأيت أحمد بن حنبل ﵁ في النوم، فقلت له: يا أبا عبد اللَّه ما فعل اللَّهُ بك؟ قال: غَفَر لي، ثم قال: يا أحمد، ضُربتَ فيَّ ستين سوطًا. قلت: نعم يا رب. قال: هذا وجهي قد أبحتك النظرَ إليه [¬٢].
стр. 61
بالَغتُ (١) في إيضَاحِهِ (٢)؛ رَجَاءَ (٣) الغُفرَانَ (٤)، وبَيَّنتُ (٥) فيهِ (٦) الأحكَامَ (٧) أحسَنَ بَيان (٨)، لم أذكُرْ فيهِ (٩) إلَّا ما جزَمَ (١٠) بِصحَّتِهِ أهلُ التَّصحِيحِ (١١) والعِرفَانِ (١٢)، وعليهِ الفَتوَى فيما بَينَ (١٣) أهلِ
وبالجملة فمناقبه لا تحصى ولا تستقصى.
(١) قوله: (بالغتُ) أي: بذلتُ وسعي؛ إذ المبالغةُ ضدُّ التقصير، أي: ما قصرت.
(٢) قوله: (في إيضاحه) متعلق ب: «بالغت» أي: في بيانه.
(٣) قوله: (رجاءَ) منصوب على أنه مفعول لأجله، أي: مؤمِّلًا من اللَّه تعالى.
(٤) قوله: (الغفران) أي: تغطية الذنب وستره.
(٥) قوله: (وبيَّنتُ) أي: أظهرت.
(٦) قوله: (فيه) أي: في المختصر.
(٧) قوله: (الأحكام) جمع حكم، وتقدم معناه.
(٨) قوله: (أحسنَ بيان) أي: أظهر بيان.
(٩) قوله: (لم أذكر فيه) أي: لم أضع فيه؛ إذ الذكر بمعنى الوضع، والتلفظ، والخط.
(١٠) قوله: (إلا ما جزم) أي: قطع الأصحاب.
(١١) قوله: (بصحته) من الأقوال الصحيحة مع ترك الضعيف، وذلك ما صحَّحه (أهلُ التصحيح) للمذهب، كالمُنقِّح.
(١٢) قوله: (والعرفان) أي: وجزم بصحته أهلُ المعرفة يعني: أهل العلم قال في «الصحاح»: العارف: بمعنى؛ عليم وعالم.
(١٣) قوله: (فيما بين) أي: عند.
стр. 62
التَّرجِيحِ (١) والإتقَانِ (٢)، وسَمَّيتهُ ب «دَلِيلِ (٣) الطَّالِبِ لِنَيلِ (٤) المَطالِبِ» (٥).
واللَّهَ أسألُ (٦)(١) قوله: (أهل الترجيح) قال في «الصحاح»: رَجَحَ بمعنى: مال، وهو ما مال إليه الأصحاب في الصحة من الفتوى به على قول واحد.
(٢) قوله: (والإتقان) أي: إحكام الأمر.
(٣) قوله: (وسميته) من الوسم، وهو العلامة. (بدليل) وهو ما يستدل به من الكتاب والسنة، هذا بحسب الأصل، وإلَّا فالآن عَلَمٌ على هذا المختصر.
(٤) قوله: (الطالب)، أي القاصد.
(٥) قوله: (لنيل المطالب) جمع مطلب، وهو الشيء المتباعد، الذي لم ينل إلا بطلب.
(٦) قوله: (واللَّهَ أسألُ .. إلخ) قدَّم المفعولَ لإفادة الاهتمام والحصر، أو مبتدأ، وأسأل خبر، والعائد محذوف. أي: واللَّهَ أسأله، والجملة على الأول فعلية تفيد التجدد والحدوث، وعلى الثاني: اسميَّة تفيد ما ذُكر من أجل كون الخبر جملة فعلية. فإذن الأفضل: الوجه الأول؛ لدلالته على الحصر مع إفادة التجدد والحدوث المتحقق في الأمرين، وخلو الثاني منه، فقولهم: الاسمية تدل على الدوام والثبات ما لم يكن الخبر فيها جملة فعلية.
ثم إن المصنف بدأ بالدعاء بالنفع بكتابه لعود ثوابه إليه؛ لحديث: «من سنَّ سنة حسنة، فله أجرُها وأجرُ من عمل بها» [¬١]. وثنى بالدعاء لنفسه، وختم بالدعاء للمسلمين؛ تعميمًا للدعاء، للأمر به.
стр. 63
أن يَنفَعَ بهِ مَنْ اشتَغَلَ بهِ (١)، وأن يَرحَمَني (٢) والمُسلِمِينَ،
(١) قوله: (أن ينفع به من اشتغل به) أي: من تلبس بطلبه، مفعول ثان لأسأل، والتقدير: أسأل اللَّه النفع به. أي يوصل الناس خيرًا بسببه، أو أن الباء للتعدية، بجعل المختصر آلة للنفع. فإن قيل: هلا عبر بتلك العبارة لأنها أخصر؟ أجيب بأنه عدل عنها إلى ما قاله لأمرين؛ الأول: أنَّ هذا مقامُ دعاء فينبغي فيه الإطناب. الثاني: تحصيل البركة بوجود الضمير الراجع إلى اسم اللَّه المتقرر في الفعل دون المصدر. وأشار بقوله: من اشتغل به، إلى أنه عام مخصوص، أو أُريدَ به الخصوص.
(٢) قوله: (وأن يرحمني) عطفٌ على جملة «أن ينفع به»، من عطف الجُمل، أي: يجعلني في رحمته الواسعة التي وسعت كلَّ شيء، جملةٌ دُعائيَّةٌ قَصَدَ بها الدعاءَ لنفسه ولما ذكر؛ لما ورد في ذلك من الأخبار. وهي خبريَّة لفظًا إنشائية معنى، إلَّا أن المعنى واضحٌ على أن الرحمة صفةُ فعل بمعنى: الإنعام. وأمَّا على أنها صفةُ ذاتٍ بمعنى: إرادةُ الإنعام، فالدعاء باعتبار تعلُّقها التنجيزي الحادث؛ لأن لها تعلقاتٍ ثلاثة: تنجيزيان قديم وحادث، وصلوحيٌّ قديم، على ما هو مقرَّر عندهم.
ثم ما ذُكر من أنها بمعنى الإنعام أو إرادته، ليس على طريق الحقيقة، بل مجازٌ مرسلٌ من استعمال اسم الملزوم في اللَّازم؛ وذلك لأن معناها الحقيقي: رقَّةٌ في القلب وانعطافٌ، وهي مستحيلة على اللَّه تعالى، فيراد منها لازمها القريب، وهو إرادته [¬١].
стр. 64
إنَّه أرحَمُ الرَّاحِمِين (١).
وفي الشيخ عثمان «وحواشيه» [¬١] ما يردُّ ذلك، فارجع إليه إن خُضتَ هذه المسالِكَ.
(١) قوله: (إنه أرحم الراحمين) يقرأ بالفتح على حذف الجار. أي لأنه، أي: إنما حصرتُ سؤال [¬٢] ما ذُكر فيه لأنه .. إلخ. ومَنْ كان قادرًا على ما ذكر من رحمتِه للراحمين يناسب أن يحصر فيه السؤال، أو بالكسر استئنافا لفظًا تعليلًا معنى، فيكون جوابًا عن سؤال مقدَّر كأنَّ قائلًا قال: لأي شيء قَصَرت سؤالَك عليه؟ فأجاب بقوله: لأنه … إلى آخره.
стр. 65
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
وهِي: رَفْعُ الحَدَثِ (١)،
كتاب الطهارة
فكتاب خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا كتاب، أو مبتدأ خبره محذوف، أي: مما يذكر كتابٌ، أو أن يكون مفعولًا لفعل محذوف تقديره: اقرأ، أو خذ، وكذا يقال في نظائره الآتية من الأبواب.
والكتاب مصدر كتب بمعنى: جمع، كنصر ينصر، كتب كتابًا وكتبًا وكتابة، وسمي به المكتوب مجازًا، كالخلق بمعنى المخلوق.
ومعناه في اللغة: الضم والجمع؛ لأنه يجمع جملة من مسائل العلم.
واصطلاحًا: اسم لجملةٍ من العلمِ مشتملةٍ على أبوابٍ وفصولٍ غالبًا.
والطهارة: مصدر طَهُرَ يطهُر، بضم الهاء فيهما، وهي في اللغة: النظافة والنزاهة، والخلوص من الأقذار الحسيَّة كالأنجاس، والمعنوية كالذنوب المُنقصةِ للإنسان المدنِّسة لعرضِه. وشرعًا: ما ذكره المصنف.
(١) قوله: (وهي: رفعُ الحدثِ) أكبَرَ أو أصغَرَ. أي: زوالُ الوَصفِ المانعِ مِنْ صحة الصلاة ونحوها باستعمال الماء في جميع البدن، أو في الأعضاء الأربعة، على وجه مخصوص. والحدث ليس بنجاسة.
ثم إن الأَولى للمصنف أن يعبر بالارتفاع، كما عبَّر به في «المنتهى» و «الإقناع» ليطابق بين المفسِّر وهو الارتفاع والمفسَّر وهو الطهارة في اللزوم في فعليهما، بخلاف الرفع؛ لأنه تعريف للتطهير لا للطهارة، لكن سهَّله
стр. 66
وزَوَالُ الخَبَثِ (١).
وأقسَامُ المَاءِ (٢) ثَلاثَةٌ: (٣)
أحَدُها: طَهُورٌ (٤):
كونُ الطهارةِ أثرَهُ وناشِئَةً عنه. وسمي الوضوء والغسل طهارة؛ لكونه ينقي الذنوب والآثام كما في الأخبار. ش ع وإيضاح [¬١].
(١) قوله: (وزوالُ الخبَثِ) أي: النجس الطارئ، أي: النجاسة الحادثة في محل طاهر.
(٢) قوله: (وأقسامُ الماءِ .. إلخ) أصل ماء مَوَهٌ، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفًا، ثم أبدلت الهاء همزة فصار ماء، وهو: جوهر بسيط لطيف سيَّال بطبعه. والمراد بالبسيط ما لم يتركب من أجزاء مختلفة الطبائع، كالعناصر الأربعة، وخرج به ما تركب منها وبلطيف: الكثيف كالتراب، وبسيَّال: نحو الهواء، وبطبعه: بقية المائعات، فإنها إنما تسيل بالمعالجة، وله لون على المشهور، لا أنه لا لون له، وإنما يتلون بلون إنائه، ويدل للأول قوله ﵇ في ماء الحوض: «إنه أشد بياضًا من اللبن» [¬٢]. ش ع [¬٣].
(٣) قوله: (ثلاثة) هذا تقسيم للماء باعتبار ذاته، اعتبارًا بتنويع الشارع له.
(٤) قوله: (أحدُها طهورٌ) قدمه؛ لمزيته على الصنفين الآخرين؛ لاستعماله في العادات والعبادات، وهو: الطاهر في نفسه المطهر لغيره. دنوشري [¬٤].
стр. 67
وهُو: البَاقِي على خِلْقَتِه (١). يَرفَعُ الحَدَثَ (٢)، ويُزِيلُ الخَبَثَ (٣).
وهُو أربَعَةُ أنوَاعٍ (٤):
مَاءٌ يَحرُمُ استِعمَالُه (٥)، ولا يَرفَعُ الحَدَثَ ويُزِيلُ الخَبَثَ (٦). وهُو: ما لَيسَ مُبَاحًا (٧).
(١) قوله: (وهو الباقي على خِلْقَتِهِ) التي خُلِق عليها من حرارة أو برودة، أو عذوبة أو ملوحة، أو غيرها. ثم إنه تارة يكون على صفته حقيقة؛ بأن لم يطرأ عليه شيء، أو حكمًا وهو الذي يطرأ عليه شيء، لكن لا يسلبه الطهوريَّة، كالمتغيِّر بطول المُكث والطُحلُبِ ونحوه، كما سينبِّه عليه المصنف.
(٢) قوله: (يرفعُ الحدثَ) وحدَه دون غيره، أي: يزيل الوصفَ القائمَ بالبدن المانعَ من نحو الصلاة.
(٣) قوله: (ويُزيلُ الخبَثَ) أي: النجاسةَ الحادثةَ.
(٤) قوله: (وهو أربعةُ أنواعٍ) أي: الماء الطهور أربعة أقسام. هذا تقسيمٌ له باعتبارِ الأوصاف، وباعتبارِ محلِّها التي يخرج منه، وهذا السبكُ والتلخيصُ على هذا الأسلوب لم يُر لغيره.
(٥) قوله: (ماءٌ يحرم استعمالُه) هذا هو النوعُ الأوَّلُ.
(٦) قوله: (ويزيلُ الخبثَ) فتزول النجاسةُ بنحو مغصوبٍ؛ لأن إزالتها من قسم التروك، بخلاف رفع الحدث.
(٧) قوله: (وهو ما ليس مُباحًا) شمل المحرَّمَ بأنواعه، كالمسروق، والمغصوب، والمُودَعِ المجحود، والماء المسبَّلِ للشُّرب، فإن ذلك كلَّه لا يرفع حدثًا أصغرَ أو أكبرَ. دنوشري.
стр. 68
وماءٌ يَرفَعُ حَدَثَ الأُنثَى (١)، لا الرَّجُلِ (٢) البَالِغِ، والخُنثَى (٣). وهُو: ما خَلَتْ بهِ المَرأَةُ (٤)، المُكلَّفَةُ (٥)، لِطَهارَةٍ كامِلَةٍ (٦)، عَنْ حَدَثٍ (٧).
(١) قوله: (وماءٌ يرفعُ حدثَ الأنثى .. إلخ) أي: الماء الطَّهور الذي يرفع .. إلخ. وهو النوع الثاني.
(٢) قوله: (لا الرجلِ) بجر رجلٍ، بحرف جرٍّ مقدر، أي: لا يرفع الحدثَ الصادرَ من الرَّجلِ البالغ.
(٣) قوله: (والخُنثى) أي: المُشكل البالغ. ففيه حذفٌ من الثواني لدلالة الأوائل، وأما إذا كانت الخنثى متَّضح، فالأمر واضح، يُعطى حكمُه.
(٤) قوله: (وهو ما خلتْ به المرأةُ) والمراد بالخلوة المذكورة أن لا يشاركها ولا يحضرها حالة الاستعمال من تزولُ به خلوةُ النكاح، ولو مميزًا، أو أعمى، أو كافرًا، أو أنثى. فمتى شاهدها أو شاركها أحدُ من ذُكِرَ، في الطهارة كلها، أو بعضها، لم يؤثر ذلك في استعمال الماء.
(٥) قوله: (المكلفةُ) أي: العاقلة البالغة، ولو كافرة، حرة أو أمة، بماء يسير دون قُلتين.
(٦) قوله: (لطهارةٍ كاملةٍ) أي: مستجمعة لشروطها وفروضها، استعملته فيها عن حدث أصغر أو أكبر، بل ليس للرجل والخنثى استعماله أيضًا في وُضوءٍ وغُسلٍ مستحبين، ولا في غَسلِهما ميِّتين، كما هو مقتضى كلام غيره.
(٧) قوله: (عن حدثٍ) تعبُّدًا؛ لأمر الشارع به، وعدم عقلِ معناه؛ لأنه لا يظهر لنا وجهه، لا أنه الذي لا معنى له؛ لأن لكلِّ حكمٍ معنى. وأما الخبث فيزيله، ويرفع حدثَ المرأةِ والصبيِّ. والرجلُ إذا لم يجد غيرَه استعمله وتيمَّم.
стр. 69
ومَاءٌ يُكرَهُ استِعمَالُهُ (١) مَعَ عدَمِ الاحتِيَاجِ إليهِ (٢). وهُو: ماءُ بِئرٍ بِمَقبَرَةٍ (٣).
هذه المسألة اشتملت على قيودٍ ثمانية: الأول: خلوة. والثاني: بالماء. والثالث: القليل. الرابع: المرأة. الخامس: المكلفة. السادس: الطهارة. السابع: كاملة. الثامن: عن حدث.
يحترز بالخلوة عن: عدم الخلوة. وبالماء: عن التراب. وبالقليل: عن الماء الكثير. وبالمرأة: عن الرجل، والخنثى لاحتمال أنه رجل. وبالمكلفة: عن المجنونة والمراهقة. وبالطهارة: عن غير الطهارة. وبالكاملة: عن غير المستجمعة للشروط والواجبات. وبالحدث: عن زوال الخبث.
(١) قوله: (وماءٌ يكره استعمالُه) مصدوقُ ماءٍ طَهور كره استعماله؛ لصفات عرضت له، فهذا هو النوع الثالث.
(٢) قوله: (معَ عدمِ الاحتياجِ إليه) متعلق ب «يكره»؛ بأن وجد غيره، فإن احتيج إليه بأن لم يوجد غيره، تعين بلا كراهة؛ لأن الواجب لا يكون مكروهًا، وكذا كلُّ مكروه. عثمان [¬١].
(٣) قوله: (وهو ماءُ بئرٍ بمقبَرةٍ) أي: الماء الطهور الذي يكره استعماله مع عدم الاحتياج إليه تسعة أشياء: ماء بئر بمقبرة، بتثليث الباء مع فتح الميم، وبفتح الباء مع كسر الميم. قال في «الفروع» في الأطعمة: وكره أحمدُ ماءَ بئرٍ بين القبورِ، وشوكَها وبقلَها. قال ابن عقيل: كما سُمِّد بنجس، والجلَّالة [¬٢].
стр. 70
ومَاءٌ اشتَدَّ حَرُّهُ أو بَرْدُهُ (١). أو سُخِّنَ بنَجاسَةٍ (٢)، أو سُخِّنَ بمَغصُوبٍ (٣).
وظاهره: يكره استعمال مائِها في أكلٍ وشرب وطهارة، وغير ذلك. م ص [¬١]
لعلَّ الماء الذي يُسمَّد بنجس؛ بأن تكون بركة بجنبها من داخلها نجاسة، والماءُ الطهورُ الكثيرُ ملاصقٌ له. قال م ص على «المنتهى» [¬٢] في قسم الماء الطاهر: وإن تغيَّر بعضُ الماءِ دون بعض، فلكلٍّ حكمُه، ومتى زال تغيُّرُه عادت طهوريتُه. انتهى.
(١) قوله: (وماءٌ اشتدَّ حرُّه أو بردُه) لأذاه ومنعه كمال الطهارة.
(٢) قوله: (أو سُخِّن بنجاسةٍ) ما لم يتحقق وصول دخان النجاسة إلى الماء، وكان قليلًا، فإنه ينجس به؛ لأن الاستحالة لا تطهِّر على المذهب. وكره إيقادُ النجاسة في تسخين ماءٍ وغيرِه، ويستثنى من كراهة المسخن بنجسٍ الحَمَّامُ. قال في «المبدع» [¬٣]: لأن الرخصة في دخول الحمام تشمل الموقودةَ بالطاهِر والنَّجِسِ. انتهى.
(٣) قوله: (أو سخِّن بمغصُوبٍ) أي: بشيء مغصوب ونحوه، وكذا ماءُ بئرٍ في موضعِ غصبٍ، أو حفرُها، أو أجرتُه غصبٌ، فيكره الماء؛ لأنه أثرُ محرَّمٍ. م ص [¬٤].
стр. 71
أو استُعمِلَ في طهارَةٍ لم تَجِب (١)، أو في غُسْلِ كافِرٍ (٢). أو تَغَيَّرَ بمِلحٍ مائِيٍّ (٣)،
(١) قوله: (أو استُعمِل في طهارةٍ لم تجب) أي: ويكره أيضًا استعمال ماءٍ قليلٍ في طهارة لم تجب، كتجديد وضوءٍ، والغسلة الثانية والثالثة، إذا عمَّت الأولى في الوضوء، والأغسالِ المستحبَّة. صوالحي [¬١].
(٢) قوله: (أو في غُسلِ كافرٍ) ولو ذميَّة من حيض أو نفاس؛ لِحِلِّ وطءٍ لمسلم، فلا يسلبه الطهورية؛ لأنه لم يرفع حدثًا، والكافر ليس من أهل النية.
قياسه: ما استعمل في غسل مسلمة ممتنعة؛ لأنها لا تصلي به كما يأتي، وإنما أبيح الوطء لأنه حقُّ آدميٍّ، وهو مبني على المشاحَّةِ. وما استعمل في غُسل المجنونة من حيض أو نفاس، فالظاهر أنه كالمستعمل في غَسل الميت؛ لأنه ينوي عنها عند غير أبي المعالي، كما يأتي في الغسل. ش ع.
(٣) قوله: (أو تغيَّر بملحٍ مائيٍّ) هذا هو القسم الثامن مما يكره استعماله مع عدم الاحتياج إليه، أي: وكذا يكره استعمالُ الماء المتغيِّر بالملح المائي نسبةً إلى الماء لأنه ماءٌ أرسل على أرض سبخة فيصير ملحًا. وإنما كان مكروهًا فقط، ولو وضع قصدًا؛ لأنه منعقد من الماء، أشبه ذوبَ الثلج. ومحلُّ ذلك ما لم يكن مستعملًا قبل انعقاده. واحترز بالمائي: عن المعدنيِّ وهو النابت في الأرض، والجبليِّ وهو النطرون، فإنهما يسلبانه الطهوريَّة، هذا إذا تغير بهما تغيرًا كثيرًا؛ لأنه غيرُ منعقد من الماء، أشبه الزعفران، هذا إذا لم يكن الملح المعدني في مقرِّ الماء، كالآبار المالحة جدًّا، فإنه لا يضر ولا يسلبه الطهورية. دنوشري بإيضاح.
стр. 72
أو بِمَا لا يُمازِجُهُ (١)، كتَغَيُّرِه بالعُودِ القَمَارِيِّ (٢)، وقِطَعِ الكافُورِ، والدُّهْن (٣). ولا يُكرَهُ مَاءُ زَمزَمَ إلَّا في إزالَةِ الخَبَثِ (٤).
(١) قوله: (أو بما لا يُمازِجُه) هذا هو القسم التاسع، أي: ويكره أيضًا استعمالُ الماء المتغيِّر بما لا يمازجه، أي: بما لا تَختَلِطُ [¬١] أجزاؤه في الماءَ. صوالحي [¬٢].
(٢) قوله: (كتغيُّره بالعودِ القَماريِّ) والقَماريُّ، بفتح القاف، نسبة إلى بلدة قَمَار، قاله في «شرح المنتهى» [¬٣]. وقال في «المطلع» [¬٤]: بكسر القاف، منسوب إلى قِمَار، موضعٌ ببلاد الهند، عن أبي عبيد البكريِّ.
(٣) قوله: (وقطعِ الكافورِ والدُّهن) فإنَّ التغيُّرَ بذلك تغيُّر مجاورةٍ، لا ممازجة واختلاط، وينضبط المجاورُ بما يمكن فصلُه، والمخالطُ والممازجُ بما لا يمكن فصله. ومفهوم قوله: «قطع» أنه إذا سُحِقَ ووقع في الماء، فإنه يسلبه الطهوريَّة، لتغيُّره تغيَّر ممازجة ومخالطة؛ لتحلُّل أجزائه فيه. دنوشري بإيضاح.
(٤) قوله: (ولا يكره ماءُ زمزمَ إلا في إزالةِ الخبثِ) تعظيمًا له واحترامًا؛ لأن استعماله في إزالة الخبث يؤدي إلى إهانته وعدم احترامه، بخلاف استعماله في رفع الحدث؛ لأنه عبادة، وهو غير مكروه الاستعمال فيه، كما هو مقتضى كلامه.
стр. 73
ومَاءٌ لا يُكرَهُ (١). كَمَاءِ البَحْرِ (٢)، والآبَارِ، والعُيُونِ، والأنهَارِ، والحَمَّامِ (٣). والمُسَخَّنِ بالشَّمْسِ (٤). والمُتَغَيِّرِ بِطُولِ المُكْثِ (٥)، أو بالرِّيحِ (٦) مِنْ نَحوِ مَيتَةٍ، أو بِمَا يَشُقُّ صَونُ الماءِ عَنهُ (٧) كطُحْلُبٍ (٨)،
(١) قوله: (وماءٌ لا يكره) أي: لا يكره استعماله، وهو النوع الرابع.
(٢) قوله: (كماءِ البحر) لقوله ﵇: «هو الطَّهورُ ماؤه، الحلُّ ميتته» [¬١]. ولأن ملوحته بأصل خلقته، بخلاف المتغيِّر بالملح المائيِّ. دنوشري.
(٣) قوله: (والحمَّام) أي: وماء الحمَّام، يعني: أن ماء الحمَّام لا يكره استعماله؛ لما تقدم عن «المبدع».
(٤) قوله: (والمسخَّن بالشَّمس) سواء كان في آنية منطبعة كالنُحاس، أو لا كالأدم، وسواء كان في قِطرٍ حارٍّ أو باردٍ؛ خلافًا للشافعي، وسواء سُخِّن قصدًا أو اتفاقًا، حيث لم يشتدَّ حرُّه؛ لأنه يصير مكروهًا، كما تقدم فيما يكره استعماله.
(٥) قوله: (والمتغيِّرُ بطولِ المُكْثِ) في أرضٍ، أو آنيةٍ من أدمٍ أو نحاس، أو غيرها؛ لمشقة الاحتراز عنه. والمكث: هو طول الإقامة في مقرِّه.
(٦) قوله: (أو بالرِّيح) أي: أو تغيَّر الماءُ بسبب مرور الريح عليه من جهة ميتةٍ بجانبه.
(٧) قوله: (أو بما يشُقُّ صونُ) أي: أو تغيَّر الماءُ بشيءٍ يشُقُّ صونُ، أي: احتراز (الماء عنه)
(٨) قوله: (كطحلُب) بضم اللام وفتحها تخفيفًا: شيءٌ أخضر لزجٌ يُخلَق في
стр. 74
ووَرَقِ شَجَرٍ (١)، ما لَم يُوضَعَا (٢).
الثاني (٣): طاهِرٌ (٤):
الماء، ويعلوه بسببِ الشمس. م ص. [¬١].
(١) قوله: (وورقِ شجَرٍ) سقط في الماء بنفسه، أو بفعلِ غيرِ ذي قصدٍ؛ لمشقة التحرز منه، وكذا ما نبت في الماء، والسمكُ ونحوُه من دواب البحر، والجرادُ ونحوه مما لا نفس له سائلة، وما تلقيه الرياحُ والسيولُ، وما تغيَّر بممرِّه أو مقرِّه، ككبريت ونورة وزرنيخ، فكله غير مكروه؛ للمشقة. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (ما لم يوضَعا) أي: الطحلُب وورقُ الشجرِ، فإن وضعا في الماء قصدًا، انسلبت الطهورية إن تغير بهما، كسائر الطاهرات التي لا يشقُّ التحرز منها؛ لأن التغير حينئذ مُمازَجَةٌ ومُخالَطَةٌ، لا مُجاوَرَةٌ. وتقدم الفرق بينهما.
(٣) قوله: (الثاني) من أقسام الماء.
(٤) قوله: (طاهرٌ) في نفسه، غيرُ مطهِّرٍ لغيره، كالماء المستخرج بالعلاج كماء وردٍ وزهر ونحو ذلك من المُعتَصَرَاتِ؛ لأنه لا يطلق عليه اسمُ الماء بلا قيدٍ.
وحكمه أنه لا يرفع حدثًا، ولا يزيل خبثًا، ولا يستعملُ في طهارة مندوبة، وإنَّما يستعمل في العادات دون العبادات. وجعَله المصنفُ في الوسط؛ لسلب أحدِ الوصفين منه وبقاء الآخر، وبينه وبين الطهور عمومٌ وخصوصٌ مطلقٌ؛ لاجتماعهما في جواز الاستعمال في العادات، وينفرد الطَّهور
стр. 75
يَجُوزُ استِعمَالُهُ في غَيرِ رَفعِ الحَدَثِ (١)، وزَوَالِ الخَبَثِ (٢). وهُو: ما تَغَيَّرَ كَثِيرٌ مِنْ لَونِهِ أو طَعمِهِ أو رِيحِهِ (٣)،
بالاستعمال في العبادات، بخلاف الطاهر.
حاصل ما ذكره المصنف في الطاهر أنه ذكر حكمَه وتعريفَه وكيفيةَ تطهيره إن تغيَّر بشيء طاهر. لا يقال: فيما ذكره الحكمُ على الشيء قبلَ تصوُّره؛ لأنا نقول: المقام يُعيِّن؛ لأنه في مَعرِضِ التقسيم. وقوله: «ومن الطاهر .. إلخ»: المتقدم تعريفُه، أو أنَّه من تتمة التعريف، فكأنه قال: الطاهر ما تغير كثير من .. إلخ .. بشيء طاهر أو كان قليلًا واستعمل في رفع حدث .. إلخ. قالوا: وللتقسيم، فقسمٌ من الطاهر ما تغير بشيء طاهر. وقسمٌ لم يتغير بشيء أصلًا، وكيفية تطهير ما تغير بشيء كذا. ولم يصنع المصنف هكذا ملاحظًا في ذلك الإيضاح، لأنه التزم في خطبته أنه يبيِّن الأحكامَ أحسنَ بيان، أي إيضاح. دنوشري وزيادة.
(١) قوله: (يجوز استعمالُه في غيرِ رفعِ الحدثِ) كشرب، وطبخ، وعجن، ونحوه.
(٢) قوله: (وزوالِ الخبثِ) أي: ويجوز استعماله في غير زوال الخبث؛ لأنه لا يرفع الحدث، ولا يزيل الخبث، فحذف من الثاني لدلالة الأول.
(٣) قوله: (وهو ما تغيَّر .. إلخ) أي: والطاهر هو الذي تغير كثيرٌ .. إلخ. في غيرِ محلِّ تطهيرٍ. واحترز بالكثير عن: تغيُّرِ يسيرٍ من أحدِ هذه الأوصاف، فإنه لا يضر، وأما اليسيرُ من الأوصافِ الثلاثة بحيث لو ضُمَّ لكان كثيرًا من صفةٍ واحدة، فإنه يضرُّ.