أو استُعمِلَ في طهارَةٍ لم تَجِب (١)، أو في غُسْلِ كافِرٍ (٢). أو تَغَيَّرَ بمِلحٍ مائِيٍّ (٣)،
(١) قوله: (أو استُعمِل في طهارةٍ لم تجب) أي: ويكره أيضًا استعمال ماءٍ قليلٍ في طهارة لم تجب، كتجديد وضوءٍ، والغسلة الثانية والثالثة، إذا عمَّت الأولى في الوضوء، والأغسالِ المستحبَّة. صوالحي [¬١].
(٢) قوله: (أو في غُسلِ كافرٍ) ولو ذميَّة من حيض أو نفاس؛ لِحِلِّ وطءٍ لمسلم، فلا يسلبه الطهورية؛ لأنه لم يرفع حدثًا، والكافر ليس من أهل النية.
قياسه: ما استعمل في غسل مسلمة ممتنعة؛ لأنها لا تصلي به كما يأتي، وإنما أبيح الوطء لأنه حقُّ آدميٍّ، وهو مبني على المشاحَّةِ. وما استعمل في غُسل المجنونة من حيض أو نفاس، فالظاهر أنه كالمستعمل في غَسل الميت؛ لأنه ينوي عنها عند غير أبي المعالي، كما يأتي في الغسل. ش ع.
(٣) قوله: (أو تغيَّر بملحٍ مائيٍّ) هذا هو القسم الثامن مما يكره استعماله مع عدم الاحتياج إليه، أي: وكذا يكره استعمالُ الماء المتغيِّر بالملح المائي نسبةً إلى الماء لأنه ماءٌ أرسل على أرض سبخة فيصير ملحًا. وإنما كان مكروهًا فقط، ولو وضع قصدًا؛ لأنه منعقد من الماء، أشبه ذوبَ الثلج. ومحلُّ ذلك ما لم يكن مستعملًا قبل انعقاده. واحترز بالمائي: عن المعدنيِّ وهو النابت في الأرض، والجبليِّ وهو النطرون، فإنهما يسلبانه الطهوريَّة، هذا إذا تغير بهما تغيرًا كثيرًا؛ لأنه غيرُ منعقد من الماء، أشبه الزعفران، هذا إذا لم يكن الملح المعدني في مقرِّ الماء، كالآبار المالحة جدًّا، فإنه لا يضر ولا يسلبه الطهورية. دنوشري بإيضاح.
стр. 72
أو بِمَا لا يُمازِجُهُ (١)، كتَغَيُّرِه بالعُودِ القَمَارِيِّ (٢)، وقِطَعِ الكافُورِ، والدُّهْن (٣). ولا يُكرَهُ مَاءُ زَمزَمَ إلَّا في إزالَةِ الخَبَثِ (٤).
(١) قوله: (أو بما لا يُمازِجُه) هذا هو القسم التاسع، أي: ويكره أيضًا استعمالُ الماء المتغيِّر بما لا يمازجه، أي: بما لا تَختَلِطُ [¬١] أجزاؤه في الماءَ. صوالحي [¬٢].
(٢) قوله: (كتغيُّره بالعودِ القَماريِّ) والقَماريُّ، بفتح القاف، نسبة إلى بلدة قَمَار، قاله في «شرح المنتهى» [¬٣]. وقال في «المطلع» [¬٤]: بكسر القاف، منسوب إلى قِمَار، موضعٌ ببلاد الهند، عن أبي عبيد البكريِّ.
(٣) قوله: (وقطعِ الكافورِ والدُّهن) فإنَّ التغيُّرَ بذلك تغيُّر مجاورةٍ، لا ممازجة واختلاط، وينضبط المجاورُ بما يمكن فصلُه، والمخالطُ والممازجُ بما لا يمكن فصله. ومفهوم قوله: «قطع» أنه إذا سُحِقَ ووقع في الماء، فإنه يسلبه الطهوريَّة، لتغيُّره تغيَّر ممازجة ومخالطة؛ لتحلُّل أجزائه فيه. دنوشري بإيضاح.
(٤) قوله: (ولا يكره ماءُ زمزمَ إلا في إزالةِ الخبثِ) تعظيمًا له واحترامًا؛ لأن استعماله في إزالة الخبث يؤدي إلى إهانته وعدم احترامه، بخلاف استعماله في رفع الحدث؛ لأنه عبادة، وهو غير مكروه الاستعمال فيه، كما هو مقتضى كلامه.
стр. 73
ومَاءٌ لا يُكرَهُ (١). كَمَاءِ البَحْرِ (٢)، والآبَارِ، والعُيُونِ، والأنهَارِ، والحَمَّامِ (٣). والمُسَخَّنِ بالشَّمْسِ (٤). والمُتَغَيِّرِ بِطُولِ المُكْثِ (٥)، أو بالرِّيحِ (٦) مِنْ نَحوِ مَيتَةٍ، أو بِمَا يَشُقُّ صَونُ الماءِ عَنهُ (٧) كطُحْلُبٍ (٨)،
(١) قوله: (وماءٌ لا يكره) أي: لا يكره استعماله، وهو النوع الرابع.
(٢) قوله: (كماءِ البحر) لقوله ﵇: «هو الطَّهورُ ماؤه، الحلُّ ميتته» [¬١]. ولأن ملوحته بأصل خلقته، بخلاف المتغيِّر بالملح المائيِّ. دنوشري.
(٣) قوله: (والحمَّام) أي: وماء الحمَّام، يعني: أن ماء الحمَّام لا يكره استعماله؛ لما تقدم عن «المبدع».
(٤) قوله: (والمسخَّن بالشَّمس) سواء كان في آنية منطبعة كالنُحاس، أو لا كالأدم، وسواء كان في قِطرٍ حارٍّ أو باردٍ؛ خلافًا للشافعي، وسواء سُخِّن قصدًا أو اتفاقًا، حيث لم يشتدَّ حرُّه؛ لأنه يصير مكروهًا، كما تقدم فيما يكره استعماله.
(٥) قوله: (والمتغيِّرُ بطولِ المُكْثِ) في أرضٍ، أو آنيةٍ من أدمٍ أو نحاس، أو غيرها؛ لمشقة الاحتراز عنه. والمكث: هو طول الإقامة في مقرِّه.
(٦) قوله: (أو بالرِّيح) أي: أو تغيَّر الماءُ بسبب مرور الريح عليه من جهة ميتةٍ بجانبه.
(٧) قوله: (أو بما يشُقُّ صونُ) أي: أو تغيَّر الماءُ بشيءٍ يشُقُّ صونُ، أي: احتراز (الماء عنه)
(٨) قوله: (كطحلُب) بضم اللام وفتحها تخفيفًا: شيءٌ أخضر لزجٌ يُخلَق في
стр. 74
ووَرَقِ شَجَرٍ (١)، ما لَم يُوضَعَا (٢).
الثاني (٣): طاهِرٌ (٤):
الماء، ويعلوه بسببِ الشمس. م ص. [¬١].
(١) قوله: (وورقِ شجَرٍ) سقط في الماء بنفسه، أو بفعلِ غيرِ ذي قصدٍ؛ لمشقة التحرز منه، وكذا ما نبت في الماء، والسمكُ ونحوُه من دواب البحر، والجرادُ ونحوه مما لا نفس له سائلة، وما تلقيه الرياحُ والسيولُ، وما تغيَّر بممرِّه أو مقرِّه، ككبريت ونورة وزرنيخ، فكله غير مكروه؛ للمشقة. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (ما لم يوضَعا) أي: الطحلُب وورقُ الشجرِ، فإن وضعا في الماء قصدًا، انسلبت الطهورية إن تغير بهما، كسائر الطاهرات التي لا يشقُّ التحرز منها؛ لأن التغير حينئذ مُمازَجَةٌ ومُخالَطَةٌ، لا مُجاوَرَةٌ. وتقدم الفرق بينهما.
(٣) قوله: (الثاني) من أقسام الماء.
(٤) قوله: (طاهرٌ) في نفسه، غيرُ مطهِّرٍ لغيره، كالماء المستخرج بالعلاج كماء وردٍ وزهر ونحو ذلك من المُعتَصَرَاتِ؛ لأنه لا يطلق عليه اسمُ الماء بلا قيدٍ.
وحكمه أنه لا يرفع حدثًا، ولا يزيل خبثًا، ولا يستعملُ في طهارة مندوبة، وإنَّما يستعمل في العادات دون العبادات. وجعَله المصنفُ في الوسط؛ لسلب أحدِ الوصفين منه وبقاء الآخر، وبينه وبين الطهور عمومٌ وخصوصٌ مطلقٌ؛ لاجتماعهما في جواز الاستعمال في العادات، وينفرد الطَّهور
стр. 75
يَجُوزُ استِعمَالُهُ في غَيرِ رَفعِ الحَدَثِ (١)، وزَوَالِ الخَبَثِ (٢). وهُو: ما تَغَيَّرَ كَثِيرٌ مِنْ لَونِهِ أو طَعمِهِ أو رِيحِهِ (٣)،
بالاستعمال في العبادات، بخلاف الطاهر.
حاصل ما ذكره المصنف في الطاهر أنه ذكر حكمَه وتعريفَه وكيفيةَ تطهيره إن تغيَّر بشيء طاهر. لا يقال: فيما ذكره الحكمُ على الشيء قبلَ تصوُّره؛ لأنا نقول: المقام يُعيِّن؛ لأنه في مَعرِضِ التقسيم. وقوله: «ومن الطاهر .. إلخ»: المتقدم تعريفُه، أو أنَّه من تتمة التعريف، فكأنه قال: الطاهر ما تغير كثير من .. إلخ .. بشيء طاهر أو كان قليلًا واستعمل في رفع حدث .. إلخ. قالوا: وللتقسيم، فقسمٌ من الطاهر ما تغير بشيء طاهر. وقسمٌ لم يتغير بشيء أصلًا، وكيفية تطهير ما تغير بشيء كذا. ولم يصنع المصنف هكذا ملاحظًا في ذلك الإيضاح، لأنه التزم في خطبته أنه يبيِّن الأحكامَ أحسنَ بيان، أي إيضاح. دنوشري وزيادة.
(١) قوله: (يجوز استعمالُه في غيرِ رفعِ الحدثِ) كشرب، وطبخ، وعجن، ونحوه.
(٢) قوله: (وزوالِ الخبثِ) أي: ويجوز استعماله في غير زوال الخبث؛ لأنه لا يرفع الحدث، ولا يزيل الخبث، فحذف من الثاني لدلالة الأول.
(٣) قوله: (وهو ما تغيَّر .. إلخ) أي: والطاهر هو الذي تغير كثيرٌ .. إلخ. في غيرِ محلِّ تطهيرٍ. واحترز بالكثير عن: تغيُّرِ يسيرٍ من أحدِ هذه الأوصاف، فإنه لا يضر، وأما اليسيرُ من الأوصافِ الثلاثة بحيث لو ضُمَّ لكان كثيرًا من صفةٍ واحدة، فإنه يضرُّ.
стр. 76
بشَيءٍ طاهِرٍ (١). فإن زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفسِهِ (٢): عادَ إلى طَهُورِيَّتِهِ (٣).
ومِن الطَّاهِرِ: ما كانَ قَلِيلًا (٤) واستُعمِلَ في رَفعِ حَدَثٍ (٥)،
(١) قوله: (بشيءٍ طاهرٍ) متعلق ب «تغير» من غير جنس الماء، مما لا يشقُّ صَونُ الماءِ عنه، سواء طبخ فيه كمرَقِ الباقِلَّا والحمص ونحوهما، أو لم يطبخ، كما لو سقط فيه زعفران أو نحوه من كلِّ طاهرٍ مخالطٍ فتغيَّر به تغيرًا كثيرًا، فيسلبه الطهورية؛ لأنه زال إطلاق اسم الماء عنه بلا قيد؛ بأن يقال فيه: ماء زَعفران، ماء باقلَّا ونحوه؛ ولأن الكثيرَ من صفةٍ بمنزلةِ كلِّها. ع [¬١].
(٢) قوله: (فإن زال تغيُّره بنفسه) أي: فإن زال تغيُّر الماءِ الطهورِ قليلًا كان أو كثيرًا، بنفسه، أو ضَمِّ شَيءٍ إليهِ، عادَت طهوريتُه، لأن السلب للتغير وقد زال، فعاد إلى أصله. وإن زال تغير بعضه عادت طهورية ما زال تغيره، فإن تغير به بعضه فما لم يتغير منه طهور على أصله؛ لعدم ما يزيله عنه. ش ع [¬٢].
(٣) قوله: (عاد إلى طَهوريَّته) أي: رجع إلى ما كان عليه من الطهورية، فيرفع الحدث، ويزيل الخبث.
(٤) قوله: (ومن الطاهرِ ما كان قليلًا) أي: دون القُلَّتين، أي: ومن مسائل الطاهر الذي لا يرفع الحدث، ولا يزيل الخبث ما كان … إلى آخره.
(٥) قوله: (واستُعمل في رفعِ حدثٍ) أكبر أو أصغر، فإنه يكون طاهرًا غيرَ مطهر، وكذا يسيرٌ استُعمل في غَسل ميِّتٍ، لكن ما دام الماء مترددًا على الأعضاء فطهور، ولا يصير الماء مستعملًا في الطهارتين إلا بانفصاله.
وعُلم مما تقدم أنه لو كان الماء في الصور الثلاث أعني: الأكبر، والأصغر،
стр. 77
أو انغَمَسَتْ فيهِ (١)
وغسل الميت كثيرًا، كما لو انغمس الجنبُ، أو غمس المتوضئُ أعضاء وضوئه واحدًا بعد واحد، أو غُمس الميِّتُ في كثيرٍ، لم تنسلب طهوريته.
وأنه لو استُعمل اليسيرُ في طهارةٍ مستحبة، كتجديدِ وضوءٍ وغُسل جمعة وغسلة ثانية وثالثة، لم تنسلب طهوريته أيضًا، لكن صرَّح في «الإقناع» بكراهة هذا النوع. وظاهر «المنتهى» ك «التنقيح» و «الفروع» و «المبدع» و «الإنصاف» وغيرها: عدم الكراهة، واستوجه المصنف ما ذكره صاحب «الإقناع»؛ لأن الظاهر لا يعارض الصريح؛ لقوته، فلعل كلامهم غيرُ مراد. عثمان بإيضاح [¬١].
(١) قوله: (أو انغمَست فيه .. إلخ) أي: الماء الطهور القليل، فهو معطوف على قوله: «واستعمل» أي: ومن الطاهر ما كان قليلًا وانغمست فيه .. إلخ. قال في «شرح الإقناع»: ولو بلا نية تطهير، ولو غمسها ناسيًا أو جاهلًا أو مكرهًا، أو حصل في كلها من غير غمسٍ؛ بأن صَبَّ على جميع يده من الكوع إلى أطراف الأصابع، ولو باتت مكتوفة، أو بجراب ونحوه؛ لأنهم لم يفرقوا بين كون اليد نُوي غسلُها بالغمس أو الحصول، ولم يفرقوا أيضًا بين المطلقة والمشدودة بنحو جراب؛ لعموم الخبر، ولأن الحكم إذا عُلِّق على مظنَّةٍ، لم تعتبر حقيقةُ الحكمةِ فيه، كالعِدَّة لاستبراءِ الرحم من الصغيرة والآيسة.
والذي تلخص من هذه المسألة: أن غسل يد القائمِ من نومِ الليل لا يسلبه
стр. 78
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الطهورية إلا إذا استوفى سبعة شروط، أشار للأول بقوله: «كل». وللثاني بقوله: «يد». وللثالث بقوله: «المسلم». وللرابع بقوله: «المكلف». وللخامس بقوله: «النائم ليلًا». وللسادس بقوله: «ينقض الوضوء». وللسابع بقوله: «قبل غسلها ثلاثًا بنية [¬١]».
والمراد باليد هنا إلى الكوع؛ لأنه المفهومُ عند الإطلاقِ في لغةِ العرب، والإجماعُ على ذلك في قوله تعالى: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾ [المَائدة: ٣٨]. وخُصَّ الحكمُ بالمسلم المكلف لأن الصحابة المكلفين هم المخاطبون بذلك. وبنومِ الليل من قوله في الحديث: «لا يدري أين باتت يدُه» [¬٢]. والمبيت لا يكون إلا بالليل. وخُصَّ النومُ بما ينقض؛ لأن غيره لا أثر له، والمراد بالليل إلى طلوع الفجر، وخص الحكم بنوم الليل؛ لأنه يطول فيكون احتمال النجاسة.
ومحترزاتها ظاهرةٌ لا تَسلبُ الماءَ الطهوريَّةَ، فمحترز قوله: «كل» ما إذا غمس بعض اليد بلا نية، ويحترز ب: «يد» عن الرِّجل ونحوها، وب: «المسلم» عن الكافر، وب: «المكلف» عن غير البالغ، والمجنون، وب: «نوم الليل» عن نوم النهار، وب: «الكثير» عن النوم اليسير من قائمٍ وجالس، وب: «قبل غسلها ثلاثًا» عما لو غمس يده في الماء القليل بعد غسلها ثلاثًا، فلا يكفي مرة أو مرتين، وكون هذا الماء يستعمل أو لا؟ مع عدم الاحتياج
стр. 79
كُلُّ يَدِ المُسلِمِ المُكَلَّفِ، النَّائِمِ لَيلًا نَومًا يَنقُضُ الوُضُوءَ، قَبلَ غَسلِها (١) ثَلاثًا، بنِيَّةٍ، وتَسمِيَةٍ، وذلِكَ واجِبٌ (٢).
الثَّالِثُ: نَجِسٌ (٣):
إليه أو لا؟. انظر «شرح المنتهى» [¬١].
(١) قوله: (قبل غسلِها) ظرف لقوله: «أو انغمست». أما لو غسلها ثلاثًا بنية شُرِطت وتسميةٍ وجَبت؛ بأن قال: نويتُ غَسلَ اليدينِ من نومِ الليل، خارجَ الإناء الذي فيه الماءُ القليل، ثم غَمَس يديه فيه، لا يضر؛ لأن غسل اليدين من نوم الليل طهارةٌ مستقلة.
(٢) قوله: (بنيةٍ) شُرطت. وقوله: (وتسميةٍ) أي: عند أول الغَسل وجبت. وقوله: (وذلك واجبٌ) أي: غسل اليدين لقائمٍ من نوم ليل على هذه الكيفية، واجب.
قال م ص: وتسقط التسميةُ سهوًا وجهلًا، وأما النية فهي شرط في غسل اليدين، فلا تسقط.
(٣) قوله: (الثالثُ نجسٌ) أي: القسم الثالث نجس، بتثليث الجيم وسكونها أي متنجِّس؛ لأن نجسَ العين كالبول لا يمكن تطهيرُه، فهو من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول.
وهو لغة: المستقذر. وعرَّفه صاحب «المنتهى» [¬٢] بالعدِّ بقوله: وهو قسمان؛ الأول: ما تغيَّر بمخالطة نجاسةٍ أحدُ أوصافه، عن ممازجة أو
стр. 80
يَحرُمُ استِعمَالُهُ (١) إلَّا لِضَرُورَةٍ (٢)، ولا يَرفَعُ الحَدَثَ، ولا يُزِيلُ الخَبَثَ. وهُو: ما وَقَعَت فِيهِ نَجاسَةٌ (٣) وهُو قَلِيلٌ (٤)،
مجاورةٍ، تغيرًا كثيرًا أو يسيرًا، ولا ينجس ما تغير بنجاسةٍ بمحلِّ تطهير. الثاني ذكره بقوله: وكذا قليلٌ لاقاها.
وحكمه أنه يحرم استعماله، كما ذكر، إلا لعطشِ معصومٍ، أو طَفْي حريقٍ متلفٍ، ولا طاهر، ويجوز بلُّ التراب به وجعله طينًا يطيَّن به ما لا يصلى عليه لأنه مسجد.
حاصل ما تكلم المصنف على هذا القسم أنه ذكر حكمه، وتعريفه، وكيفية تطهيره، وذكَر قدرَ الماء الذي يدفع النجاسةَ عن نفسه وما يسعه، وذكَرَ مسائلَ تتعلقُ بذلك.
(١) قوله: (يحرم استعماله .. إلخ) هذا حكمه. لا يقال: هذا من باب الحكم على الشيء قبل تصوره، وهو معيب عندهم، وجوابه كسابقه.
(٢) قوله: (إلا لضرورةٍ) التنوينُ عوضٌ عن المضاف إليه. أي: لضرورة لقمةٍ غصَّ بها، ولا طاهر، أو عطش .. إلخ.
(٣) قوله: (وهو ما وقعت فيه نجاسةٌ) ولو كانت صغيرة لا يدركها طرفٌ، أو لم يمض زمنٌ تسري فيه، كمائع وطاهر ولو كثيرًا. وهذا تعريف الماء النجس، وجعله قسمين ك «المنتهى» قليلًا أو كثيرًا، وحكم الأول: أنه ينجس بمجرد الملاقاة. والثاني، كثيرٌ قلتان فأكثر: أنه ينجس إذا تغير أحدُ أوصافه، فأوفى التعريف للتقسيم وهو يرجع لما سلكه «المنتهى».
(٤) قوله: (وهو قليلٌ) أي: الماء المتنجس الذي يحرم استعماله قليلٌ دون قلتين، فينجس بمجرَّد ذلك، ولو لم يتغير بها.
стр. 81
أو كانَ كَثِيرًا وتَغَيَّرَ بها أحَدُ أوصَافِه (١).
فإنْ زالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفسِهِ (٢). أو: بإضَافَةِ طَهُورٍ (٣) إليهِ (٤). أو: بنَزحٍ (٥)(١) قوله: (أو كان كثيرًا) يبلغ قلتين (وتغيَّر بها أحدُ أوصافِه) الثلاثة؛ طعمه أو لونه أو ريحه، ولو تغيرًا يسيرًا، كما هو ظاهر إطلاقه؛ لاستقذار النجاسة، بخلافه في الطاهر، فإنه لا بد من التغير الكثير، كما تقدم.
هذا إن كان في محلٍ غير قابل للتطهير، وفيه [¬١]، طهورٌ إن كان الماءُ واردًا، فإن كان مورودًا؛ بأن غُمِس متنجسٌ في ماءٍ، فإن كان قليلًا، نجس بمجرد الملاقاة، أو كثيرًا وتغير، نجس أيضًا، وإلا فلا. فإن تغير بعضه، فما تغير فنجس، وغيره طهور إن كثر، بأن كان قلتين فأكثر. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (فإن زال تغيُّره بنفسه) هذا كيفية تطهير المتغير منه، أي: من غير إضافة؛ بأن يقصُرَه [¬٣] الهواء فيزول تغيره بطول مكثه، وكالخمر تنقلب خلًّا، لا بوضع شيء فيه من تراب، أو مِسكٍ، أو جامد، أو مائع، أو غير ذلك، فإنه لا يطهر.
(٣) قوله: (أو بإضافةِ طهورٍ) عطف على قوله: «بنفسه» أي: أو زوالُ تغيُّره بإضافة ماءٍ طهورٍ كثير.
(٤) قوله: (إليه) أي: إلى الماء الطهور المتغير بالنجاسة بحسب الإمكان عرفًا، بصبِّ الماء الكثير، وإن لم يتصل الصبُّ، مع زوال تغيره إن كان متغيرًا.
(٥) قوله: (أو بنزحٍ) عطف على «بنفسه»، أي: أو زوال تغيره بنزحٍ، أي:
стр. 82
مِنهُ ويَبقَى بَعدَهُ كَثِيرٌ: طَهُرَ (١).
والكَثِيرُ: قُلَّتَانِ (٢) تَقرِيبًا (٣).
إخراج بعض الماء النجس، قلَّ النزحُ أو كثُر، فيصير طهورًا إن بقي بعد النزح كثيرٌ يبلغ قلتين.
والحاصل: أن طهورية الماء المتنجس تحصل بثلاثة أشياء: بزوال تغيره بنفسه، أو بإضافة ماء كثير إليه، أو زوال [¬١] تغيره بنزح منه بشرط أن يبقى بعده كثير.
(١) (طهُر) جواب إنْ، أي: طهر به. ولا يجب تطهير جوانب بئر نزحت؛ للمشقة. صوالحي [¬٢].
(٢) قوله: (والكثيرُ) عند فقهائنا (قُلَّتانِ) فصاعدًا، أي: فما فوقهما. وحكمهما أنهما لا يَنجُسان إلا بالتغير بالنَّجاسة، والمراد: من قِلال هَجَر، بفتح الهاء والجيم، وهي قرية كانت بالقرب من المدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، تنسب القلال إليها. والقُلَّتان: تثنية قلة، وهي اسمٌ لكلِّ ما علا وارتفع، ومنه: قُلَّة الجبل، والمراد هنا: الجرة الكبيرة. سميت قُلَّة؛ لعلوها وارتفاعها. وقيل: لأن الرجل العظيم يقلُّها بيده، أي: يرفعها. م ص. بإيضاح [¬٣].
(٣) قوله: (تقريبًا) أي: لا تحديدًا، فلا يضر نقصٌ يسير كرطلٍ أو رطلين عراقيين؛ لأن ما قارب الشيء يُعطى حكمُه، فيكون حكمهما ناقصتين هذا
стр. 83
واليَسِيرُ (١): ما دُونَهُمَا (٢). وهُمَا: خَمسُ مِئَةِ رِطْلٍ (٣) بالعِرَاقِيِّ، وثَمانُونَ رِطلًا وسُبُعانٍ ونِصفُ سُبُعِ رِطْلٍ بالقُدسِيِّ. ومِسَاحَتُهُمَا (٤): ذِرَاعٌ ورُبعٌ (٥)، طُولًا، وعَرْضًا، وعُمْقًا (٦).
المقدار حكم القلتين التامَّتين. فإذا وقعت فيهما نجاسة ولم تتغيرا، فهما باقيتان على طَهوريتهما، وهو الأصح؛ لأنه لا يظهر لهذا النقص تفاوت في القدر ولا في التغير، فاغتفر.
ويتفرع على التحديد والتقريب أنه لو وقعت نجاسةٌ في ماءٍ قدره قلتان فقط فغرف منه بإناء، فالذي في الإناء طهور، والباقي نجس، إن قلنا: تحديدًا، لأنه ماء يسيرٌ فيه نجاسة. وإن قلنا بالتقريب لم ينجس إلا أن يكون الإناء كبيرًا يخرجه عن التقريب. وإن ارتفعت النجاسة في الإناء، فالماء الذي في الإناء نجس، والباقي طهور. دنوشري وزيادة.
(١) قوله: (واليسيرُ) من الماء في عرف الفقهاء.
(٢) قوله: (ما دونهما) أي: دون القلتين.
(٣) قوله: (رِطلٍ) بكسر الراء أفصح من فتحها.
(٤) قوله: (ومساحتُهما) أي: القلتين، مما يسعهما مُرَبَّعًا. صوالحي [¬١].
(٥) قوله: (ذراعٌ) أي: بذراع اليد، وهو من رأس المرفق إلى رؤوس الأصابع، لا بذراع المهندسين؛ لأنه ذراع وربع، ولا بذراع الأقمشة. دنوشري.
(٦) قوله: (وعمقًا) أي: ذراع وربع عرضًا، وذراع وربع عمقًا. قاله ابن حمدان وغيره.
стр. 84
فإذَا كانَ المَاءُ الطَّهُورُ كَثِيرًا (١)، ولَم يَتغَيَّر بالنَّجاسَةِ (٢): فَهُو طَهُورٌ، ولَو مَعَ بَقَائِها (٣)
والمساحة: طلب كمية ما في السطح والجسم من أمثال [¬١] مربع المقدار الممسوح أو مكعبه. وهذا في الموضع المربع المستوي الأبعاد الثلاثة طولًا وعرضًا وعمقًا. قال في «المنتهى» [¬٢]: فَيَسعُ كلُّ قيراطٍ عشرةَ أرطالٍ وثلثي رطلٍ عراقي. اه. هذا في المربع، وطريق معرفة ذلك: أن تضرب البسطَ في البسطِ، والمخرجَ في المخرجِ، وتقسمَ حاصلَ البسط على حاصلِ المخرج، يخرج ذرعه، فتحفظ قراريطه، وتقسم عليها [¬٣] الخمسمائة، يخرج ما ذكره، فبسط الذراع والربع خمسة، وقد تكرر ثلاثًا، طولًا وعرضًا وعمقًا، فإذا ضربتَ خمسةً في خمسة، والحاصلَ في خمسة، تبلغ مائةً وخمسة وعشرين، والمخرج أربعة، وقد تكرر أيضًا ثلاثًا، فإذا ضربته كما تقدم، بلغ أربعة وستين وهي سهام الذراع فتقسم عليها الحاصل الأول، يخرج ذراع وسبعة أثمان ذراع، وخمسة أثمان ثمن ذراع.
(١) قوله: (فإذا كان الماءُ الطهورُ كثيرًا) يبلغ قلتين، محتزر قوله: «أو كان كثيرًا، وتغير بها»
(٢) قوله: (ولم يتغيَّر بالنجاسة) لأن حكم المتغيِّر تقدم. صوالحي [¬٤].
(٣) قوله: (ولو مع بقائها) أي: بقاء النجاسة.
стр. 85
فِيهِ (١). وإنْ شَكَّ (٢) في كَثرَتِهِ (٣): فَهُو نَجِسٌ.
وإنْ اشتَبَهَ ما تَجُوزُ بهِ الطَّهارَةُ (٤) بِمَا لا تَجُوزُ (٥): لَم يَتَحَرَّ (٦)، ويَتَيَمَّمُ (٧)(١) قوله: (فيه) أي: في الماء الطهور.
(٢) قوله: (وإن شَكَّ) أي: تردد، فالمراد بالشك معناه اللغوي.
(٣) قوله: (في كثرته) أي: إذا وقعت في الماء نجاسةٌ ولم تغيِّرْه، فإن كان متيقِّنًا للكثرة وشَكَّ في القِلَّة، فلا عبرة بهذا الشَكِّ، وهو باقٍ على طَهوريَّتِه، وإن كان متيقِّنًا للقِلَّة وشَكَّ في الكثرة، فهو نجس ولو لم يتغير، وأما إذا لم يعلم هل هو قليلٌ أو كثير؟ يعمل باليقين وهو جعلُه قليلًا، فينجُسُ الماءُ بما سقط فيه؛ لأن الأصل تغير الماء. دنوشري وزيادة.
(٤) قوله: (وإن اشتبه ما .. إلخ) كما لو اشتبه ماءٌ مباحٌ طهورٌ بماءٍ محرمٍ، أو اشتبه ماءٌ طهورٌ بماء نجسٍ لم يمكن تطهيره به، وإلا بأن كان الطهور قلتين وعنده إناء يسعهما، وجب عليه ذلك. ش ع. [¬١]
(٥) قوله: (بما لا تجوز) أي: اشتبه ماء طهور تجوز به الطهارة بماء نجس أو مغصوب لا تجوز به الطهارة، فحذف من الثاني لدلالة الأول.
(٦) قوله: (لم يتحرَّ) جواب إنْ. أي: لم يجب عليه أن ينظر أيهما يغلبُ على ظنه أنه الطهورُ فيستعمله، بل لا يجوز له التحري للطهارة؛ لأنه قد اشتبه المباح بالمحظور في موضع لا تبيحه الضرورة، فيتركهما وجوبًا.
(٧) قوله: (ويتيمَّم) أي: لعدم غيرهما، أي: غير المشتبهَينِ.
стр. 86
بِلا إرَاقَةٍ (١). ويَلزَمُ مَنْ عَلِمَ بنَجاسَةِ شَيءٍ (٢): إعلامُ مَنْ أرَادَ أن يَستَعمِلَهُ (٣).
(١) قوله: (بلا إراقةٍ) أي: بلا إراقة للماءين المشتبهين، وإن صلى، لم يعد.
وإن شكَّ في نجاسة الساقط في الماء القليل، فهو طاهر؛ لعدم التنجيس بالشكِّ. وإن شكَّ في طَهورٍ وطاهرٍ، توضأ واحدًا منهما، من كلٍّ غَرفة، وكذا حكم الاغتسال. صوالحي [¬١].
(٢) قوله: (بنجاسة شيءٍ) من ماءٍ وغيره.
(٣) قوله: (من أراد أن يستعمله) ولو لم يسأله، فيحرم عليه تركُ الإعلام؛ لأنه تركَ ما يلزمه شرعًا مع قدرته عليه، لما يلزم عليه من إيقاع غيره في التضمخ بالنجاسة. ومن أصابه ماءٌ ولا أمارة على نجاسته، كُرِهَ سؤالُه عنه. نقله صالح. دنوشري وزيادة.
стр. 87
بَابُ الآنِيَةِ
يُبَاحُ: اتِّخَاذُ كُلِّ إنَاءٍ طاهِرٍ، و: استِعمَالُهُ (١)، ولو ثَمِينًا (٢)،
باب الآنية
أعقبه للمياه؛ لأن الماء لا يقوم إلا بها. وبابٌ: بالتنوين، خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ تقديره: هذا باب يُذكر فيه أقسامُ الآنية. والباب، لغة: فرجة في ساتر. وفي الاصطلاح: اسم للألفاظِ المخصوصة من حيث دلالتها على المعاني المخصوصة، مشتملة على فصول ومسائل غالبًا. والبابُ ما يُدخل منه إلى المقصود، ويتوصل منه إليه، وهو قسمان: حسيٌّ ومعنويٌّ، فالحسيُّ: كباب الدار والمسجد، وما يدرك بالحواس. والمعنوي: ما ذكره في الاصطلاح.
والآنية: جمع إناء، كالأوعية: جمع وعاء، كسقاء وأسقية. وجمعهما أواني وأواعي. وأصل أوانٍ: أآني، أبدلت الهمزة الثانية واوًا؛ كراهة اجتماع همزتين وطلبًا للتخفيف. فمعناها لغة وعرفًا.: الأوعية، وهي ظرف للماء ونحوه.
(١) قوله: (واستعمالُه) أي: يباح اتخاذ كلِّ إناءٍ طاهر، ويباح استعمالُه.
(٢) قوله: (ولو ثمينًا) أي: يباح اتخاذ .. إلخ، ولو كان الإناء الطاهرُ ثمينًا، فهو غاية لقوله: «يباح اتخاذ». أي: غالي الثمن، كجوهر وبلور وياقوت وزمرد. وغيرُ الثمين، كخشب وزجاج وجلود وصفر وحديد؛ وذلك لفقد العلة التي لأجلها حرمت آنية الذهب والفضة؛ لأن كثيرًا من الفقراء لا يعرف
стр. 88
إلَّا: آنِيَةَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ (١)، والمُمَوَّهَ بِهِمَا (٢). وتَصِحُّ: الطَّهارَةُ (٣) بها (٤)، و: بالإنَاءِ المَغصُوبِ.
الجوهر، وإنما يعرفه خواص الناس، ولأنه ليس من النقدين، فجاز استعماله وجعله آنية، ولو زاد ثمنه على ألف مثقال ذهبًا. ويجوز جعلُ فصٍّ من ذهبٍ إذا كان يسيرًا عرفًا. ولا يجوز اتخاذ خاتمٍ من ذهب مطلقًا. دنوشري. [¬١]
(١) قوله: (إلا آنيةَ الذهبِ والفضَّةِ) مستثنى من قوله: «يباح». فيحرم اتخاذها، واستعمالها، وتحصيلها بشراء أو اتهاب أو غيرهما، وإن لم يقصد استعمالها، على الذكر والأنثى والخنثى بخلاف الحلي، فيباح للأنثى مكلفًا كان أو غيره، بمعنى أن وليَّه يأثم بفعله ذلك له، أو تمكينه منه.
(٢) قوله: (والمُمَوَّهُ بهما) أي: وإلا المموَّه بهما، فيحرم المموَّهُ بالذهب والفضة. والتمويه؛ بأن يذاب الذهب أو الفضة ويلقى فيه الإناء من نحاس ونحوه، فيكتسب من لونه، فيصير في رأي العين كأنه ذهب محض.
ونحو المموَّه المطليُّ؛ وهو أن يُجعل الذهبُ أو الفضةُ كالوَرَقِ، ويُطلى به الإناء. والمطعَّمُ والمُكَفَّتُ، فيحرم ذلك كله.
ويحرم اتخاذ واستعمال آنية من عظم آدمي أو جلده. صوالحي وزيادة [¬٢].
(٣) قوله: (وتصح الطهارة) وضوءًا أو غسلًا أو غيرهما.
(٤) قوله: (بها) أي: بآنية الذهب أو الفضة، وتصح الطهارة بإناءٍ محرَّمٍ أو ثمنُه حرام كغصبٍ أو غيره؛ بأن يغترف منه بيده، وكذا تصح به؛ بأن اغترف به
стр. 89
ويُبَاحُ: إنَاءٌ ضُبِّبَ (١) بِضَبَّةٍ يَسِيرَةٍ، مِنْ الفِضَّةِ، لِغَيرِ زِينَةٍ. وآنِيَةُ الكُفَّارِ (٢)، وثِيَابُهُم: طَاهِرَةٌ. ولا يَنجُسُ شَيءٌ: بالشَّكِّ (٣)،
وتوضأ أو اغتسل، وفيه، كما لو غصب حوضًا يسع قلتين فأكثر وملأه ماءً مباحًا، وانغمس فيه بنية رفع الحدث، وإليه؛ بأن جعله مَصَبًّا لماء الوضوء والغسل، كالطست؛ لأن الماء يقع فيه بعد رفع الحدث.
(١) قوله: (ويباح إناءٌ ضُبِّبَ .. إلخ) ولو وجد غيرها. وفهم من كلامه أن ضبَّة الذهب حرام مطلقًا، وكذا الكبيرة عرفًا من الفضة، ولو لحاجة، وأن التي لغير حاجة حرام، ولو يسيرة من فضة.
(٢) قوله: (وآنيةُ الكفار) أهل كتاب أو غيرهم، كالمجوس، وعبدة الأوثان، والمرتدين، والزنادقة، والدروز، والتيامنة، والنصيرية، فأواني هؤلاء وثيابهم طاهِرَةٌ مباحَةُ الاستِعمَالِ إن جُهِلَ حالُها؛ وفاقًا لأبي حنيفة.
وفي «الإقناع» [¬١]: تصح الصلاة في ثياب المرضعة والحائض وثياب الصبيان، مع الكراهة، ما لم تعلم نجاستها.
(٣) قوله: (ولا ينجُسُ شيءٌ بالشَّكِّ) من آنيةِ أو ثيابِ مَنْ لابَسَ النَّجاسَةَ كثيرًا، كمُدمِنِ خمرٍ، وكسَّاح السِّرَابِ [¬٢].
وبدن الكافر، وطعام أهل الكتاب، وماؤهم، وكذا ما صبغوه ونسجوه، طاهرٌ مباح الاستعمال ما لم تعلم نجاسته؛ عملًا باليقين، وطرحًا للشك؛ لأن الأصل الطهارة، فلا تزول بالشك، وحينئذ ذكرها المصنف كالدليل
стр. 90
ما لَم تُعلَم (١) نَجَاسَتُهُ.
وعَظمُ المَيتَةِ (٢)، وقَرْنُها، وظُفُرُهَا، وحافِرُها، وعَصَبُها، وجِلدُهَا: نَجِسٌ، ولا يَطهُرُ بالدِّبَاغِ (٣).
والشَّعْرُ (٤)، والصُّوفُ (٥)، والرِّيشُ (٦): طاهِرٌ، إذا كانَ مِنْ مَيتَةٍ (٧)
لطهارة آنية الكفار، وما عطف عليها.
(١) قوله: (ما لم تُعلم) أي: تتحقق. أي: توجد وتشاهد.
(٢) قوله: (وعظمُ الميتة .. إلخ) وكذا لبن الميتة؛ لأنه مائع لاقى وعاءً نجسًا فتنجَّس. هذا ليس مما نحن فيه إلا أن يقال: إنه ترجم لشيء وزاد عليه، وهو ليس بمعيب عندهم، أو أنه ذكره لعدم جواز أن يعمل منه آنية؛ لأن المقام يعيِّن.
(٣) قوله: (ولا يطهُر بالدِّباغ) أي: ولا يطهر جلدُ ميتة نجُس بموتها، ولا جلد غير مأكولة، بالدبغ، كلحمه.
(٤) (والشعرُ) من المعز.
(٥) قوله: (والصوفُ) من الضأن، وكذا الوبر من الإبل.
(٦) قوله: (والريشُ) من الطائر.
(٧) قوله: (إذا كان من ميتةٍ) شرط في الخبر أعنى: «طاهر» لأنه خبر عن قوله: «والشعر .. إلخ». فيه: أنه لم تحصل المطابقة بين المبتدأ والخبر في الجمع، إلا أن يقال: طَاهِرٌ كُلٌّ مِنهَا [¬١]، على التَّوزِيعِ.
стр. 91
طاهِرَةٍ في الحَيَاةِ (١)، ولو غَيرَ (٢) مأكُولَةٍ، كالهِرِّ والفَأْرِ.
ويُسنَّ: تَغطِيَةُ الآنِيَةِ (٣)، وإيكَاءُ الأَسقِيَةِ (٤).
(١) قوله: (طاهرةٍ في الحياة) لأن ذلك كله لا تُحِلُّه الحياة، فلا يحلُّه الموت.
(٢) قوله: (ولو غيرَ) بالنصب، خبر كان المحذوفة مع اسمها. والمعنى: والشعر … إلخ، طاهرٌ إذا كان من ميتةٍ طاهرةٍ في الحياة، ولو كانت الميتةُ غيرَ مأكولةٍ.
(٣) قوله: (ويسنُّ تغطيةُ الآنيةِ) أي: الأوعية، ولو أن يعرِضَ عليها عودًا، ويقول: بسم اللَّه، حين الوضع. ويسن أيضًا إغلاقُ الباب، وإطفاءُ المِصباحِ والجَمرِ عند الرُّقاد.
(٤) قوله: (وإيكاءُ الأسقيةِ) هذا زائد عما ترجم له، أي: ربطُ فَمِ الأسقيةِ إذا أمسى؛ صونًا لما فيها عن إراقته. والأسقيةُ جمع سِقاء، ككِساء؛ وهي جلدُ السخلة، يكون للماء واللبن، والحكمة في ذلك: حفظهما عما يحصل من الضرر.
ويسنُّ النظرُ في وصيته، ونفضُ فراشه، ووضعُ يده اليمنى تحت خدِّه الأيمن، ويجعل وجهه نحو القبلة على جنبه الأيمن، مع ذكر اسم اللَّه فيهن.
ويكره نومُه على بطنه، وعلى قفاه إن خاف انكشاف عورته، وبعد الفجر والعصر، وتحت السماء مجرَّدًا، وبين قومٍ مستيقظين، ونومُه وحدَه كسفرِه وحدَه، وجلوسٌ بين شمسٍ وظلٍّ، وركوبُ بحرٍ عند هيجانه، وخروجٌ ليلًا إلى ضَجَّةٍ.
стр. 92
بَابُ الاستِنجَاءِ، وآدَابِ التَّخَلِّي
الاستِنجَاءُ (١): هُو إزَالَةُ ما خَرَجَ (٢) مِنْ السَّبِيلَينِ (٣)، بِمَاءٍ طَهُورٍ (٤)،
بابُ الاستنجاءِ وآدابِ التخلِّي
الاستنجاءُ استفعالٌ مأخوذٌ من نجوتُ الشجرةَ، إذا قطعتُها، فكأن المستنجِيَ قطعَ به الأذى عن نفسِه، وهو مختص بالماء. وإزالةُ الخارج عن المَخرجِ يُسَمَّى أيضًا: استجمارًا، من الجمار، وهي الحجارة الصغار؛ لأن المستجمر يستعملها في إزالة الخارج من السبيلين. وعبَّر بعضُهم عن الاستنجاء بالاستطابة، يقال: استطاب وأطاب، إذا استنجى؛ لأن نفسه تطيبُ بإزالة الخبث. وشرعا ما ذكره المصنف.
قوله: (وآدابِ التخلِّي) الآداب جمعُ أدب، وعُرِّفَ بأنه: وضعُ الأشياء موضعَها. وقيل: الخصلةُ الحميدة. وقيل: الورعُ. وقيل: ما فِعلُه خيرٌ من تركِه. وهو هنا ما ذكره في الفصل الآتي.
(١) قوله: (الاستننجاءِ … إلخ) شرعا. وأول من استنجى بالماء سيدنا إبراهيم ﵇.
(٢) قوله: (هو إزالةُ ما خرجَ) معتادًا كان، أو غير معتادٍ كالمذي. أي: إنقاءُ ما خرج .. إلخ. ولذا فرَّع عليه قوله: «فالإنقاء .. إلخ»
(٣) قوله: (من السَّبيلينِ) القبل والدُّبر.
(٤) قوله: (بماءٍ) جار ومجرور متعلق بقوله: «إزالة .. إلخ» وقوله: «طَهورٍ» ولو غير مباح؛ بدليل صنيعه، وهو إهمال الطهور من غير قيد الإباحة، وقيَّد
стр. 93
أو حَجَرٍ (١) طَاهِرٍ (٢)، مُبَاحٍ (٣)، مُنْقٍ (٤).
فالإنقَاءُ بالحَجَرِ ونَحوِهِ: أن يَبقَى أثَرٌ لا يُزِيلُهُ إلَّا المَاءُ (٥). ولا يُجزِئُ (٦) أقَلُّ مِنْ ثَلاثِ مَسَحَاتٍ (٧)،
الحجرَ بها. وقوله: «أو حجر» عطف على «ماء». وقوله: «طاهرٍ» وما عطف عليه صفة بعد صفة لحجر.
(١) قوله: (أو حجرٍ) أي: أو إزالة حكمه بحجر ونحوه، كخرق وخشب ونحوه.
(٢) قوله: (طاهرٍ) فلا يصح بنجس.
(٣) قوله: (مباحٍ) فلا يصح بمحرَّمٍ كمغصوب، وذهب وفضة؛ لأنه رخصةٌ فلا تستباح بمعصية. ولو استجمر بعده فلا يجزئه إلا الماء. صوالحي [¬١].
(٤) قوله: (مُنقٍ) فلا يجزئ أملس، كزجاج ونحوه، ويجزئه الاستجمار بعده؛ لأنه غير معصية.
(٥) قوله: (فالإنقاءُ) أي: حدُّ الإنقاء. فالكلام على حذف مضاف، وهو مفرَّعٌ على تعريف الاستنجاء، وهو لفٌّ ونشرٌ مُشَوَّش، وهذا من باب التفصيل بعد الإجمال، وهو أوقع في النفس، فالإنقاء الذي يحصل (بالحَجَرِ ونحوِه) كالخرق والخشب: إزالة العينِ بحيث (أن يبقى) على المخرج (أثرٌ .. إلخ)
(٦) قوله: (ولا يجزئُ) في الاستجمار.
(٧) قوله: (أقلُّ من ثلاثِ مَسَحَاتٍ) مُنقِية؛ إما بحجَرٍ ذي ثلاثِ شُعَبٍ، أو بثلاثة أحجار؛ لأن المقصود تكرارُ المسح لا الممسوح به، والحاصلُ من
стр. 94
تَعُمُّ كُلُّ مَسحَةٍ المَحَلَّ (١).
والإنقاءُ (٢) بالمَاءِ: عَوْدُ خُشُونَةِ المَحَلِّ (٣) كمَا كانَ (٤). وظَنُّهُ (٥): كافٍ (٦).
وسُنَّ: الاستِنجَاءُ بالحَجَرِ (٧)،
ثلاثة أحجار حاصلٌ من ثلاثِ شُعبٍ، وكذا لو مسح ذكرَه في ثلاثِ مواضع من صخرةٍ ونحوِها. فيه: أنه بيَّن عددَ المَسَحَات في جانب الحجرِ، ولم يبيِّن عدد الغَسَلاتِ في جانب الماء؛ اتكالًا على باب إزالة النجاسة.
(١) قوله: (تعمُّ كلُّ مسحَةٍ المحلَ) بنصب المحلّ، مفعول تعمّ، وكلّ: فاعل، أي: تعمُّ كلُّ مسحةٍ محلَّ الخارج وجوبًا، وهو المَسْرَبَةُ والصفحتان.
(٢) قوله: (والإنقاءُ) أي: حدُّ الإنقاء الذي يحصل بالماء.
(٣) قوله: (عَودُ خشُونةِ المحلِّ) بالغَسل وعودُه خشنًا.
(٤) قوله: (كما كان) قبلُ، وذلك بعد الغَسلِ سَبعًا، كما يأتي في باب إزالة النجاسة، فإن لم ينق، زاد بحيث ينقي، وسُنَّ قطعُه على وتر، والخشونة لا تأتي إلا في الكبير، وأما الصغير فليس له خشونة، فيكفي عوده كما كان. صوالحي [¬١].
(٥) قوله: (وظنُّه) بالإنقاء.
(٦) قوله: (كافٍ) في الإجزاء، فإذا أتى بالعدد المعتبر في الاستنجاء، اكتفى في إزالة النجاسة بغلبة الظن لا باليقين.
(٧) قوله: (وسُنَّ الاستنجاءُ بالحجر) أولًا.
стр. 95
ثُمَّ بالمَاءِ (١). فإنْ عَكَسَ (٢): كُرِهَ (٣). ويُجزِئُ أحَدُهُمَا (٤)، والمَاءُ أفضَلُ (٥).
ويُكرَهُ: استِقبَالُ القِبلَةِ (٦) واستِدبَارُهَا (٧) في الاستِنجَاءِ.
(١) قوله: (ثم بالماء) أي: ثم بعد الاستجمار بالحجر يستنجي بالماء.
(٢) قوله: (فإن عَكَسَ) أي: استنجى ثم استجمر.
(٣) قوله: (كُرِهَ) له فعل ذلك؛ لما فيه من العبث وعدم الفائدة؛ لأن المستنجي أزال العين والأثر بالماء، فلم يبق للحجر فائدة، فكان مكروهًا. وقيل: إنه فِعْلُ الرافضة. (دنوشري)
(٤) قوله: (ويجزئ أحدُهما) أي الاستجمار. أو الاستنجاء. فيكفي الاستجمار ولو مع قدرة على ماء، وإذا أراد الاقتصار على الماء يكثر صبَّ الماء حينئذ، ويسترخي قليلًا ويدلك المخرج حتى تذهب النعومة وتأتي الخشونة. «ويُجزئ أحدُهما» بضم الياء، من أجزأ. فعل وفاعل. وقوله: «والماءُ أفضلُ» مبتدأ وخبر. وقوله: «ويُكره استقبالُ» فعل وفاعل. وقوله: «القبلة» مضاف إليه. وقوله: «واستدبارُها» عطف على الفاعل.
(٥) قوله: (والماءُ أفضل) أي: والماء إذا اقتصر عليه أفضل من اقتصاره على الحجر، لكن جمعُهما على الكيفية المسنونة أفضل. صوالحي بإيضاح [¬١].
(٦) قوله: (ويُكره استقبالُ القبلة) أي: ويكره في الفضاء استقبال … إلخ.
(٧) قوله: (واستدبارُها) أي: ويكره استدبار القبلة في الاستنجاء؛ تعظيمًا لها، بخلاف بيت المقدس في ظاهر نقل إبراهيم بن الحارث. وهو ظاهر ما في
стр. 96
ويَحرُمُ (١): برَوثٍ (٢)، وعَظمٍ (٣)، وطَعَامٍ (٤)، ولو لِبَهِيمَةٍ (٥). فإن فَعَلَ (٦): لَم يُجزِئْهُ بَعدَ ذلِكَ (٧) إلَّا المَاءُ (٨)، كما لو تَعَدَّى الخارِجُ مَوضِعَ العَادَةِ (٩).
«الخلاف». وحُمِلَ النهيُ حيث كان قبلةً. وظاهر نقل حنبل فيه: يكره. وظاهر «الإقناع» وغيره: لا يكره استدبارها إذن. م ص. [¬١]
(١) قوله: (ويحرُم) الاستجمار.
(٢) قوله: (بروث) مأكول أو غير مأكول.
(٣) قوله: (وعظمٍ) ولو من مذكى.
(٤) قوله: (وطعامٍ) لأنه ﵇ علَّل النهي عن الاستجمار بالروث والعظم بكونه: «زاد إخواننا الجن» [¬٢]. فزادنا وزاد بهائمنا من باب أولى في الحرمة، وعدم الإجزاء من زاد الجن المنهي عنه. دنوشري.
(٥) قوله: (ولو لبهيمة) أي: ولو كان الطعام لبهيمة، كحشيش ونحوه.
(٦) قوله: (فإن فَعَلَ) بأن استجمر بما ذُكر من روثٍ وما عطف عليه.
(٧) قوله: (لم يجزئْه بعدَ ذلك) أي: الاستنجاء بما ذُكر.
(٨) قوله: (إلا الماءُ) أي: لا يجزئه إلا الاستنجاء بالماء، فالماء صفة لموصوف محذوف. وإلا: أداة حصر ملغاة لا عمل لها، والماء: فاعل يجزئه.
(٩) قوله: (كما لو تعدَّى) هذا تنظير لما قبله، أي: تجاوز (الخارجُ موضعَ العادةِ).
стр. 97
ويَجِبُ الاستِنجَاءُ (١): لِكُلِّ خارِجٍ (٢)، إلَّا: الطَّاهِرَ (٣)، والنَّجِسَ الذي لَم يُلَوِّثِ المَحَلَّ (٤).
والمعنى: مثلُ الإجزاءِ في الخارجِ الذي تعدَّى موضعَ العادة في أنه لا يجزئ فيه إلا الماء، مثلُ أن ينتشر الخارجُ إلى الصفحتين، أو يمتدَّ إلى الحشفة امتدادًا غيرَ معتاد، فيجب الماء للمتعدِّي فقط؛ لأن الاستجمار في المعتاد رخصةٌ؛ لمشقة غسله لتكرُّر نجاسته، فما لا يتكرر، لا يجزئ فيه إلا الماء، ويجزئ الاستجمار في محلِّ العادةِ، كما لو لم يكن غيره. ع. [¬١]
(١) قوله: (ويجبُ الاستنجاءُ) أو الاستجمار.
(٢) قوله: (لكلِّ خارجٍ) من سبيلٍ، معتادًا كان الخارج كالبول، أو لا كالمذي.
(٣) قوله: (إلا الطاهرَ) كريحٍ ومنيٍّ وولدٍ بلا دم.
(٤) قوله: (والنجِسُ الذي لم يلوِّث المحلَّ) أي: وإلا النجس الذي .. إلخ. لا يجب له الاستنجاء أو الاستجمار، لأنه لم يلوث المحلَّ. أي: لا ينفصل منه أثرٌ في المحل يزيله الحجر، كالبعر الناشف، بأن خرج الغائط يابسًا.
стр. 98
فَصْلٌ
يُسَنُّ (١) لدَاخِلِ الخَلاءِ (٢): تَقدِيمُ اليُسرَى (٣)، وقَولُ: بِسمِ الله (٤)،
فَصْلٌ
وهو في اللغة: الحاجزُ بين الشيئين، كفصلِ الربيع الحاجزِ بين الشتاء والصيف. وفي الاصطلاح: حاجزٌ بين أجناسِ المسائل وأنواعها، يُذكر فيه آدابُ التخلي، وهي ما ينبغي فعلُه حالَ الدخول لقضاء الحاجة والخروج، وما يتعلق بذلك.
(١) قوله: (يُسنُّ) السنة، لغة: الطريقة. واصطلاحًا: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه.
(٢) قوله: (لداخلِ الخَلاءِ) بالمدِّ وفتح الخاء، وهو المكان الذي لا شيء به، والمراد هنا: المكان المعدُّ لقضاء الحاجة. قال الجوهري: سُمي بذلك؛ لأنه يتخلَّى فيه؛ بأن ينفرد لقضاء حاجته. دنوشري.
(٣) قوله: (تقديمُ اليُسرى) وهي صفة لموصوف، و «تقديم» نائب فاعل «يسن .. إلى آخره». أي: يُسنُّ لداخل الخلاء تقديمُ رجلِه اليسرى.
(٤) قوله: (وقولُ: بسم اللَّه) عطفٌ على نائب الفاعل، والمعنى: ويسن عند دخول الخلاء، وعند إرادةِ قضاءِ الحاجة بالصحراء تقديمُ قول: بسم اللَّه. ومعناه: أتحصَّنُ ببسم اللَّه من الشيطان الرجيم، وتقال ابتداءَ كلِّ فعل؛ تبركًا بها، وقُدِّمت هنا على الاستعاذة؛ لأن التعوذ هناك للقراءة، والبسملة من القرآن، فيقدّم التعوذ. وشرطُه أن لا يقصِد بالبسملة القرآنَ عند دخول
стр. 99
أعُوذُ باللَّهِ (١) مِنْ الخُبْثِ والخَبَائِثِ (٢).
وإذا خَرَجَ (٣): قَدَّم اليُمنَى، وقَالَ: غُفرَانَكَ، الحَمدُ لله الذي أذهَبَ
الخلاء، فإن قصدَه، حَرُم. قاله بعضهم. دنوشري بإيضاح. [¬١]
(١) قوله: (أعوذُ باللَّه) أي: أعتصم. قال في «المصباح» [¬٢]: استعذت باللَّه، وعذت به، معاذًا وعياذًا: اعتصمت به.
(٢) قوله: (من الخُبْثِ) بإسكان الباء. فسَّره القاضي بالشر. وقوله: (والخَبائِث) الشياطين. هذا قول القاضي عياض، وذكر أنه أكثر روايات الشيوخ، فكأنَّه استعاذ من الشرِّ وأهلِه.
وقال الخطابي: الخبُث، بضم الباء: جمع خبيث. والخبائث: جمع خبيثة، فكأنَّه استعاذ من ذُكران الشياطين وإناثِهم. وقيل الخبث: الكفر. والخبائث: الشياطين.
(٣) قوله: (وإذا خرجَ .. الخ) عطف على قوله: «يسنُّ» أي: ويسنُّ أيضًا إذا أراد الخروج أن يقدِّم رجلَه اليمنى، وأن يقول حال خروجه: «غفرانَك». منصوبٌ بفعل محذوف، أي: أسألك غفرانَك، من الغَفْر، وهو السَّتر. والسرُّ في هذا الدعاء أنه لما خَلَص من النجو والبول المثقِلَين للبدَن، سأل اللَّهَ الخلاصَ مما يُثقِلُ القلبَ وهو الذنب بالغفران؛ لتكمل له الراحةُ الحسيَّةُ والمعنويَّةُ، بغفر الذنوب وسترها. وفي تخصيصه ﷺ بقول: «غفرانَك» [¬٣]
стр. 100
عَنِّيَ الأَذَى وعافَانِي.
ويُكرَهُ في حَالِ التَّخلِّي: استِقبَالُ الشَّمسِ والقَمَرِ (١)، ومَهَبِّ الرِّيحِ (٢).
قولان؛ أحدهما: التوبة من تقصيره في شكر النعمة التي أنعم بها عليه من إطعامه وهضمه وتسهيل مخرجه؛ فلجأ إلى الاستغفار من التقصير. والثاني: أنه استغفر من تركه ذكر اللَّه تعالى مدَّةَ لُبثِه على الخلاء، أي: محل المرتفق، فإنه كان ﷺ لا يترك ذكر اللَّه تعالى بلسانه وقلبه إلا عند قضاء الحاجة، فكأنه رأى ذلك تقصيرًا فتداركه بالاستغفار.
(١) قوله: (ويُكره في حالِ التخلِّي استقبالُ .. إلخ) استقبالُ بالرفع نائب فاعل «يكره»؛ احترامًا وصونًا لهما عن مقابلتهما بالخارج من السبيلين؛ لما فيهما من نور اللَّه تعالى؛ ولأن أسماء اللَّه مكتوبةٌ عليهما، ولأنهما آيتان عظيمتان من آيات اللَّه، وبهما يستضيءُ الكون، وروي أن معهما ملائكة من ملائكة الرحمن، وأنهما يلعنانه حين استقبالهما بالخارج.
فإن قيل: اللعن؛ الطرد من رحمة اللَّه تعالى، وهو الموت على الكفر، وحينئذٍ فاعِلُ ذلك مستحقُّ اللعن، والمسلم لا يقال في حقه ذلك. إلا أن يُجابَ بأنَّ المراد باللعن: مطلق الطرد؛ أي المطرود عن العمل بالسنة، وليس المراد باللعن الموت على الكفر، والعياذ باللَّه من ذلك. وبه يجاب عن مثل هذا. دنوشري [¬١] وزيادة.
(٢) قوله: (ومهبِّ الريحِ) أي: ويكره استقبال مهبِّ الريح، فهو معطوف على
стр. 101
والكَلامُ (١). والبَولُ في إنَاءٍ (٢)، وشَقٍّ (٣)، ونَارٍ، ورَمَادٍ (٤). ولا يُكُرَهُ البَولُ قائِمًا (٥).
المضاف إليه؛ لأنه ربَّما يعود إليه رشاشُ البول فينجِّسه. ومحل الكراهة إذا كان بلا حائل.
(١) قوله: (والكلامُ) عطف على المضاف، أي: ويكره الكلامُ في محلِّ خلائه مطلقًا، سواء كان الكلام قبل ذلك واجبًا؛ كرد السلام، أو مستحبًّا، كإجابة المؤذن؛ وإنما كان مكروهًا لما قيل: إن الملكين الموكَّلينِ ينعزلان عند دخول الخلاء، فإذا تكلم أحوجهما إلى العود، فيلعنانه. وتحرم القراءة فيه. لكن يجب على داخل نحو الخلاء تحذير معصوم عن مهلكة كأعمى وغافل. أفاده ع. [¬١]
(٢) قوله: (والبولُ) عطف على الكلام. (في إناءٍ) أي: ويكره البول في إناءٍ بلا حاجة، أما إذا كان لحاجة، فلا بأس به.
(٣) قوله: (وَشَقٍّ) عطف على إناء. أي: ويكره البول في شَقٍّ، بفتح الشين: واحد الشقوق، وهو ما انشق من الأرض، ولو فَمَ بالوعةٍ، وسَرَبَ، وهو ما يتخذه الوحش والدبيب في الأرض؛ لنهيه ﷺ عن البول في الجحر [¬٢].
(٤) قوله: (ونارٍ ورمادٍ) أي: ويكره البول في نار ورماد؛ لأنه يورث السَّقم.
(٥) قوله: (ولا يُكره البولُ قائمًا) منصوب على أنه حال من الفاعل. أي: ولا يكره البول حال كونه قائمًا، ولو لغير حاجة، إن أمِنَ تلوثًا وناظرًا. وقيل:
стр. 102
ويَحرُمُ: استِقبَالُ القِبلَةِ واستِدبَارُهَا في الصَّحرَاءِ بِلا حائِلٍ (١)، ويَكفِي: إرخَاءُ ذَيلِهِ (٢). وأن يَبُولَ (٣) أو يتَغَوَّطَ بطَرِيقٍ مَسلُوكٍ، وظِلٍّ نافِعٍ (٤)، وتَحتَ شَجرَةٍ عَلَيهَا ثَمَرٌ يُقصَدُ (٥)، وبَينَ قُبُورِ المُسلِمِين (٦). وأنْ يَلبَثَ فَوقَ حاجَتِهِ (٧).
كانت العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا؛ فلعله فعله ﷺ لذلك [¬١]، أو للتشريع؛ إشارة للجواز. دنوشري بإيضاح.
(١) قوله: (في الصحراءِ بلا حائل)؛ لنهيه ﷺ عن ذلك [¬٢]، ويجوز في البنيان، وبحائلٍ في الصحراء.
(٢) قوله: (ويكفي) في الحائل (إرخاءُ ذيلِه)
(٣) قوله: (وأن يبولَ .. إلخ) أي: ويحرمُ أن يبول .. إلخ.
(٤) قوله: (وظلٍّ نافعٍ) أي: ينتفع به الناس، ويقيهم الحر، ومثله مَشْمَسٌ زمنَ شتاءٍ، ومُتحدَّثٌ لا بنحو غيبة، وإلا فيُفَرِّقُهُم بما يَستَطِيع. وخرج بقوله: «نافع» الظلُّ اليسير الذي لا ينتفع به. دنوشري.
(٥) قوله: (وتحتَ شجرةٍ عليها ثمرٌ يُقصدُ) أي: يقصد للأكل، أو غيره كالقطن؛ لأنه يُفسِدُه، فإن لم يكن عليه ثمرٌ، جاز إن لم يكن له ظِلٌّ نافع؛ لأن أثره يزول بمجيء المطر قبل مجيء الثمر. ع [¬٣]
(٦) قوله: (وبين قبور المسلمين) أي: ويحرم التخلي بين .. الخ.
(٧) قوله: (وأنْ يلبَثَ) أي: يحرم أن يلبث، أي: يجلس في نحو خلاء (فوقَ
стр. 103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حاجتِه) أي زائدًا عليها، ولو في ظلمة؛ لأنه كشفُ عورةٍ بلا حاجة، ومُضِرٌّ عند الأطباء، حتى قيل: إنه يُدمي الكبدَ بسبب الرائحة الكريهة، وأنه يورث الباسور. ع [¬١].
стр. 104
بابُ السِّوَاكِ
يُسَنُّ (١):
بابُ السِّواكِ
أي: هذا بابٌ يُذكر فيه مسائل من أحكام التسوُّك، وحكم الاكتحال والختان، ونحو ذلك.
والسِّواك والمِسواك بكسر أولهما: اسمان للعود الذي يُتَسوَّك به، ويطلق السواك على التسوك، مأخوذ من التساوك، وهو التمايل والتردد؛ لأن المتسوك يردِّده في فيه ويحركه. وشرعًا: استعمالُ عودٍ في أسنانٍ ولِثَةٍ ولسانٍ.
لا يقال: كان على المصنف رحمه اللَّه تعالى أن يأتي بهذا التعريف رعايةً لجانب المبتدئ؛ لأنا نقول: أتى بما في معنى التعريف، إذ قوله: «يسن بِعود» أي: يسن استعمالُ السواك في الأسنان واللثة واللسان، ولا ريب أن في قوله: «يسن بعود». تصريحًا باستعماله إلا في الأسنان .. إلخ. غايةُ ما فيه أنه حذف نائبَ فاعل «يسن»، أعني: استعمال السواك، وأبقى حرف الجر، أعني: «بعود»؛ ليدل على المحذوف. لا يقال: هذا لا يسهِّل على المبتدئ؛ لأنا نقول: اتكالًا على الموقف.
(١) قوله: (يُسَنُّ) السّوَاكُ باليَدِ اليُسرَى، والبُدَاءَةُ بالجانِبِ الأَيمَنِ، والسِّوَاكُ عَرْضًا بالنِّسبَةِ إلى الأسنَانِ، وتَسَوُّكُ اللِثَةِ واللِّسَانِ [¬١].
стр. 105
بِعُودٍ، رَطْبٍ (١)، لا يَتَفَتَّت (٢).
وهُو مَسنُونٌ: مُطلَقًا (٣)، إلَّا بَعدَ الزَّوَالِ للصَّائِمِ (٤)، فَيُكرَهُ (٥).
(١) قوله: (بعودٍ رَطْبٍ) أي: ليِّن، واليابس المندَّى أولى. من نحو أراك، كعُرجون. وذكر الأزَجيُّ أنه لا يعدل عنه وعن الزيتون والعرجون وهو ساعدُ النخل إلا لتعذُّره. فالأراك أفضل ما يُتسوَّك به، ثم الجريد أو الزيتون، ويُكره بقصَبٍ، وريحان، وآس ورمَّان؛ لأنهما يحرِّكان عرقَ الجُذام.
(٢) قوله: (لا يتفتَّت) في الفم.
(٣) قوله: (وهو مسنونٌ مطلقًا) أي: في جميع الأوقات، وقد اتفق العلماء على أنه سنة مؤكدة في حق الأمة. قال بعض الأطباء: إن التسوك باعتدالٍ يطيِّب الفم والنكهة، ويجلو الأسنان والبصر ويقويهما، ويشدُّ اللثة، ويخفِّف عن الرأس وفَمِ المعدة، ويصفِّي الحواس، ويُحِدُّ الذهن، ويقطع البلغم، ويُعين على الهضم، ويشهِّي الطعام، وينشِّط ويطرد النوم، ويذكِّر الشهادة عند الموت.
لا يقال: فيه تكرارٌ مع قوله: «يسن بعود .. إلخ». لأنا نقول: فيه التصريح بأنه يُسن في جميع الأوقات، ولو اقتصر على الأول؛ لفهم منه أنه يُسن في وقت دون وقت.
(٤) قوله: (إلا بعدَ الزوالِ للصَّائمِ) مستثنى من قوله: «مطلقًا» منقطعًا؛ لأنَّ حكمه ليس من جنس ما قبله؛ إذ للصائم حكم غير حكم المفطر أُخِذَ من قاعدة الاستثناء، وهو إخراج ما لولاه لوجب دخولُه لغةً بإلَّا أو أحدِ أخواتِها من متكلمٍ واحد، وهو من المخصصات، وهو قصرُ العام على بعضِ أفراده.
(٥) قوله: (فيُكره) له ذلك.
стр. 106
ويُسَنُّ لَهُ (١) قَبلَهُ (٢): بِعُودٍ يابِسٍ (٣)، ويُبَاحُ (٤) بِرَطْبٍ (٥). ولم يُصِبِ السُّنَّةَ (٦): مَنِ استَاكَ بِغَيرِ عُودٍ (٧).
ويَتَأكَّدُ (٨): عِنْدَ وُضُوءٍ (٩)،
(١) قوله: (ويُسنُّ له) أي: للصائم أن يستاك.
(٢) قوله: (قبلَه) أي: قبل الزوال.
(٣) قوله: (بعودٍ يابسٍ) مندَّى بغير خلاف؛ لأن الرَّطب مَظِنةُ التحلُّلِ، هذا في حق الصائم، وما تقدم في حق المفطر.
(٤) قوله: (ويباحُ) للصائم السواك.
الإباحة أنزل رتبة من السنة، وهي: ورودُ خطاب الشرع بتخيير بين الفعل والترك، كقوله ﷺ حين سئل عن الوضوء من لحوم الغنم: «إنْ شئت فتوضأ، وإلا فلا تتوضأ» [¬١].
والسنة: ورودُ خطاب الشرع بطلب فعلٍ ليس معه جزم، نحو: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البَقَرَة: ٢٨٢]. ففي حقِّ المفطرِ التسوُّكُ بعودٍ رطبٍ سنةٌ، وفي حقِّ الصائمِ يباحُ.
(٥) قوله: (برطْب) أي: ليِّن هشٍّ لا يتفتت؛ أخذًا مما تقدم.
(٦) قوله: (ولم يُصب السنَّة .. الخ) فهو مكروه إذا استاك بما ذُكر.
(٧) قوله: (من استاك بغيرِ عُودٍ) كأصبع وخرقة؛ لعدم وروده وإنقائه.
(٨) قوله: (ويتأكَّدُ) استحباب السواك، أي: يزداد طلبه وفضيلته.
(٩) قوله: (عندَ وُضُوءٍ) وغُسل.
стр. 107
وصَلاةٍ (١)، وقِرَاءَةٍ (٢)، وانتِبَاهٍ مِنْ نَومٍ (٣)، وتَغَيُّرِ رَائِحَةِ فَمٍ (٤). وكَذَا: عِنْدَ دُخُولِ مَسجِدٍ (٥)، ومَنزِلٍ (٦)،
(١) قوله: (وصلاةٍ) أي: وعند صلاة؛ لقوله ﵊: «صلاةٌ بسواك أفضلُ من سبعين صلاة بغير سواك» [¬١]. وهذا عام في الفرض والنفل، حتى صلاة المتيمِّم، وفاقدِ الطهورين، وصلاةِ الجنازة. والظاهر أنه لا يدخل فيه الطوافُ وسجودُ الشكر والتلاوة. دنوشري.
(٢) قوله: (وقراءةٍ) أي: وعند القراءة؛ تعظيمًا للقرآن، وفَصاحَةِ اللِّسَانِ.
(٣) قوله: (وانتباهٍ من نومٍ) أي: وعند انتباه من نوم، ليلًا كان أو نهارًا.
(٤) قوله: (وتغيُّر رائحةِ فمٍ) بالجر عطف على مدخول الظرف، أي: ويتأكد استحبابه عند تغيُّر رائحة فم بأكل أو غيره، كسكوت طويل، أو جوع أو عطش. وكان السواك واجبًا على النبي ﷺ [¬٢].
(٥) قوله: (وكذا عند دخولِ مسجدٍ) أي: ويُسَنُّ التسوُّك عند دخول مسجد، ولا يتأكد استحبابه، وكذَا فَصَلَه [¬٣] عما قبله بكذا، فهو معطوف على قوله أول الباب: «فيسن بعود .. إلخ».
(٦) قوله: (ومنزلٍ) أي: ويسنُّ عند دخول منزل.
стр. 108
وإطالَةِ سُكُوتٍ (١)، وصُفْرَةِ أسنَانٍ (٢). ولا بَأسَ: أن يَتَسَوَّكَ (٣) بالعُودِ الواحِدِ اثنَانِ، فَصَاعِدًا (٤).
(١) قوله: (وإطالةِ سُكوتٍ) أي: ويسنُّ عند إطالة سكوت.
(٢) قوله: (وصُفْرَةِ أسنانٍ) أي: ويسن عند صُفرة أسنان.
(٣) قوله: (ولا بأس أن يتسوَّك) أي: لا يضر.
(٤) قوله: (فصاعدًا) أي: فأكثر من اثنين.
стр. 109
فَصْلٌ
يُسَنُّ: حَلقُ العانَةِ (١). ونَتفُ الإبطِ (٢). وتَقلِيمُ الأظفَارِ (٣).
فَصْلٌ
(١) قوله: (يسنُّ حلقُ العانةِ) حلقُ، مصدر مضاف لمفعوله، أي: يُسَنُّ أن يحلِقَ الرجلُ عانته، وتكون إزالته بما شاء من حديدٍ ونورة وغيرها، وقد فعله النبي ﷺ من رواية ابن ماجه [¬١] عن أمِّ سلمة ﵂، وفعله الإمامُ أحمدُ ﵁. وتكره كثرة التنوير [¬٢]، وتحلق العانة كلَّ أسبوع، ولا يتركُه فوقَ أربعين يومًا عند الإمام أحمد؛ لأنه يبرد الشهوة. دنوشري وزيادة.
(٢) قوله: (ونتفُ الإبطِ) عطف على «حلق»، أي: ويسنُّ نتف [¬٣] الإبط.
والحكمة في ذلك: أن النتف يُضعِف الشعر، والحلق يهيِّجه ويقويه، فتكثر به الرائحة الكريهة المطلوب إزالتها. صوالحي بإيضاح [¬٤].
(٣) قوله: (وتقليمُ الأظفار) عطف على «حلق». أي: ويسنُّ تقليمُ الأظفار
стр. 110
والنَّظَرُ في المِرَآةِ (١). والتَّطَيُّبُ بالطِّيبِ (٢).
مخالفًا؛ لما روي: «من قص أظفاره مخالفًا، لم ير في عينيه رمدًا» [¬١] وفسَّره ابنُ بطَّة بما ذكر. ويستحب غسلها بعد قصها تكميلًا للنظافة. ويكون ذلك يومَ الجمعة قبل الصلاة، أو يوم الخميس آخر النهار. وقد أخذ بعضُهم من كلِّ أصبع الحرفَ الأوَّلَ، فرمز لليمين بقوله: خوابس، ولليسرى بقوله: أوخسب. فالخاء في خوابس للخنصر، والواو للوسطى، والألف للإبهام، والباء للبنصر، والسين للسبابة، ثم الألف للإبهام، والواو لوسطى اليسرى، والخاء لخنصرها، والسين لسبابتها، والباء لبنصرها. هذه الطريقة لإمامنا، ومشى عليها الغزالي من الشافعية. وطريقةٌ أخرى اعتمدوها السادة الشافعية، وهي أن يبتدئ بخنصر اليمنى ويختم بخنصر اليسرى. قال رسول اللَّه ﷺ : «الفطرة أي السنة خمسٌ: الختان، والاستحداد، وقصُّ الشارب، وتقليمُ الأظفار، ونتفُ الإبط». متفق عليه [¬٢].
والاستحداد حلق العانة.
(١) قوله: (والنظرُ في الِمرآة) أي: يسنُّ النظر في المرآة، ويقول ما ورد: «اللهم كما حسنت خَلقي فحسِّن خُلقي، وحرِّم وجهي على النار» [¬٣].
(٢) قوله: (والتطيُّب بالطِّيب) بالرفع، عطف على «حلق»، والطيب ما له ريحٌ