الثَّاني: أنْ تَكُونَ بِقَرْيَةٍ (١)، ولَو مِنْ قَصَبٍ (٢)، يَستَوطِنُهَا (٣) أربَعُونَ (٤)، استِيطَانَ إقامَةٍ (٥)،
(١) قوله: (الثاني: أن تكونَ بقريةٍ) الشرطُ الثاني: أن تكونَ صلاةُ الجُمعَةِ بقريةٍ مبنيَّةٍ بما جرت العادةُ به من آجُرٍّ، أو لَبِنٍ، أو خشبٍ. فلا تُتَمَّمُ من مكانين متقاربَيَن لم يشمله اسمٌ واحدٌ. صوالحي وزيادة [¬١].
(٢) قوله: (ولو مِنْ قَصَبٍ) أي: ولو كانت القريةُ من قَصَبٍ. وأمَّا أهلُ الخِيامِ وبُيوتِ الشعر، فلا جمعةَ عليهم؛ لأن العرب كانوا حولَ المدينة، وكانوا لا يصلُّون الجمعةَ، ولا أمرهم ﵇ بها، ولأنهم على هيئة المُستَوفِزِين. م ص.
(٣) قوله: (يستوطِنُها) أي: القرية.
(٤) قوله: (أربعون) رجلًا بالإمام؛ لما رواه أبو داود، عن كعب بن مالك، قال: أول من صلَّى بنا الجمعة في نقيعِ الخَضِمات [¬٢] أسعد بن زرارة، وكنا أربعين. صححه ابن حبان [¬٣]. ولم ينقل عمن يقتدى به أنها صليت بدون ذلك. صوالحي [¬٤].
(٥) قوله: (استيطانَ) منصوبٌ على المصدرية، وهو مضاف، و (إقامةٍ) مضافٌ إليه.
стр. 457
لا يَظعَنُونَ صَيفًا ولا شِتَاءً (١). وتَصِحُّ: فِيمَا قارَبَ البُنيَانَ (٢) مِنْ الصَّحرَاءِ (٣).
الثَّالِثُ: حُضُورُ أربَعِينَ (٤).
(١) قوله: (لا يَظعنُونَ) أي: بحيثُ لا يرتحِلون عن القرية (صَيفًا ولا شِتاءً) ولو فراسخ، فلا جُمعة على أهلِ خَرْكٍ وخِيامٍ … إلخ كما تقدم.
(٢) قوله: (وتصِحُّ فيما قاربَ البُنيان) يعني: تصحُّ صلاةُ الجمعة في مكانٍ قاربَ البنيان.
(٣) قوله: (مِنْ الصَّحراء) ولو بلا عُذر. بيان ل «ما»، أي: وتصح إقامةُ الجُمعَة بمكانِ من الصحراء قريبٍ من البلَد؛ بأن يكون بينهما فرسخٌ فأقلُّ. فالاستيطانُ بموضعٍ قريبٍ من مَوضِعِ إقامتِها كالاستيطانِ بموضعِ إقامتها. وقيَّد بالصحراء؛ لأن الجُمَعَ كانت تقامُ بها في الصدر الأول، فلا يُشترط لها المسجد، ولا البُنيان، ولا يُشترط لها المصر أيضًا، خلافًا لأبي حنيفة. ح ف وزيادة.
(٤) قوله: (الثالثُ: حضورُ أربعين) رجلًا الخُطبةَ والصَّلاةَ من أهلِ وجوبِها صفة لأربعين، أي: أربعين كائنين ممَّن تلزمُهم الجمعةُ.
قال الصوالحي [¬١]: ولو كان فيهم خُرْسٌ غيرُ الخطيب صحَّت، أو صُمٌّ؛ لوجودِ الشرط. فإن كانوا كلُّهم خُرسًا حتى الخطيب أو كانوا كلُّهم صُمًّا، لم تصحَّ جمعتُهم؛ لفوات الخُطبة في صورة الخُرسِ، ولفواتِ سماعِها في صورة الصُّمِّ. قال شيخنا في «حاشية الإقناع»: لكن إذا كان كلُّهم طُرشًا
стр. 458
فإنْ نقَصُوا (١) قَبْلَ إتمَامِهَا: استَأنَفُوا ظُهرًا (٢).
الرَّابِعُ: تَقَدُّمُ خُطبَتَينِ (٣).
غيرُ الإمام، لم يحصُل مقصودُ الخُطبة، فلا ينبغي أن تصِحَّ على مقتضى تعليلِهم. اه.
(١) قوله: (فإن نقصوا) الأربعون.
(٢) قوله: (استأنفوا ظُهرًا) لأن العددَ شرطٌ، فاعتُبر في جميعِها، كالطَّهارة. والمسبوقُ إنَّما صحت منه؛ تبعًا لصحتها ممن لم يحضر الخطبة، إن لم تمكن إعادتها جمعة بشروطها. فإن أمكنت، وجبت؛ لأنها فرضُ الوقت. م ص [¬١].
(٣) قوله: (الرابُع: تَقدُّم خُطبتَين) الرابع من الشروط: تقدُّمُ خطبتين؛ لقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجُمُعَة: ٩]. والذِّكر هو الخطبة. والأمر بالسعي إليه دليلُ وجوبه، ولمواظبته ﵊ على ذلك. قال ابنُ عمر: كان ﵊ يخطُبُ خُطبتَين وهو قائمٌ، يفصِلُ بينهما بجلوس. متفق عليه [¬٢]. والخطبتان بدلُ ركعتين؛ لقول عمر وعائشة رضي اللَّه تعالى عنهما: قُصِرَت الصلاةُ من أجلِ الخُطبة [¬٣]. لا بدلُ ركعتين من الظُّهر؛ لأن الجُمعةَ ليست بدلًا عن الظُّهر، بل مستقِلَّة، كما تقدَّمَ. صوالحي [¬٤].
стр. 459
مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِمَا (١) خَمسَةُ أشيَاءَ: الوَقْتُ (٢). والنِّيَّةُ (٣). ووُقُوعُهُمَا حَضَرًا (٤). وحُضُورُ الأَربَعِينَ (٥). وأن يَكُونَا (٦) مِمَّنْ تَصِحُّ إمامَتُهُ فِيهَا (٧).
(١) قوله: (مِنْ شَرطِ صِحَّتِهمَا) أي: من شروطِ صحَّةِ الخُطبتَين. والمرادُ بالشرط هنا: ما تتوقفُ عليه الصِحَّة، أعمُّ من أن يكونَ داخلًا أو خارجًا. عثمان [¬١].
(٢) قوله: (الوقتُ) أحدُها: الوقت. فلا تصِحُّ واحدةٌ منهما قبلَه.
(٣) قوله: (والنيَّةُ) والثاني من الخمسةِ أشياء: النيَّةُ للخُطبتين.
(٤) قوله: (ووقوعُهما حَضَرًا) والثالث: وقوعُهما أي: الخُطبتين في الحضَرِ دونَ السفر.
(٥) قوله: (وحضورُ الأربعين) والرابع: حضورُ الأربعين الخطبتين لسماعِ العددِ الواجب؛ لأنه ذِكرٌ اشتُرِط للصلاة؛ فاشتُرط له العدد، كتكبيرةِ الإحرام. فإن نقَصوا، وعادوا قبل فَوتِ رُكنٍ منها، بنوا. وإن كثُر التفريقُ، أو فاتَ منها ركنٌ، أو أحدَث فتطهَّر، استأنف مع سَعَةِ الوقت. عثمان [¬٢].
(٦) قوله: (وأن يكونا) الخامِسُ: أن يكونا. أي: الخطبتان.
(٧) قوله: (ممَّن تصِحُّ إمامتُه) بأن يكون مستوفيًا للشروط السابقة، فلا تصِح خُطبةُ من لا تجبُ عليه بنفسِه، كعبدٍ، ومسافرٍ، ولو أقامَ لعلمٍ أو شُغلٍ بلا استيطان؛ لما تقدم. م ص [¬٣].
стр. 460
وأركانُهُما (١) سِتَّةٌ: حَمدُ الله (٢). والصَّلاةُ على رَسُولِ الله (٣). وقِرَاءَةُ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ (٤). والوَصِيَّةُ بتَقوَى اللَّهِ (٥).
(١) قوله: (وأركانُهما) أي: الخطبتين.
(٢) قوله: (سِتَّةٌ: حمدُ اللَّه) تعالى، أي: سِتَّةُ أركانٍ، أحدُها: حمدُ اللَّه تعالى، أي: بلفظ «الحمدُ للَّه»؛ لحديث ابن مسعود، وحديث أبي هريرة [¬١].
(٣) قوله: (والصلاةُ على رسولِ اللَّه) لأن كلَّ عبادةٍ افتقرت إلى ذِكر اللَّه، افتقرت إلى ذكر رسوله، كالأذان. ويتعيَّن لفظُ الصلاة. والظاهِرُ أن المجزئَ منها ما يُجزئُ في تشهُّد الصلاة، كما أفتى به بعضُ مشايخنا، وهو الشيخ محمد بن بلبان. عثمان [¬٢].
(٤) قوله: (وقراءةُ آيةٍ من كِتابِ اللَّه) والثالثُ: قراءةُ آية من كتاب اللَّه تعالى كاملة. ولا تُجزئ آيةٌ لا تَستقِلُّ بمعنًى أو حُكم، كقوله: ﴿ثم نظر﴾ [المدَّثِّر: ٢١]. أو: ﴿مدهامتان﴾ [الرَّحمن: ٦٤]. ذكره أبو المعالي وغيرُه.
والمذهبُ: لابدَّ من قراءةِ آيةٍ، ولو جُنُبًا مع تحريمِها. فلو قرأ ما تضمَّن الحمدَ والموعِظَة، ثمَّ صلَّى على [¬٣] النبي ﷺ ، أجزأ. عثمان [¬٤].
(٥) قوله: (والوصيَّةُ بتقوى اللَّه) والرابع: الوصيةُ بتقوى اللَّه ؛ لأنه المقصودُ، قال في «المبدع» [¬٥]: ويبدأ بالحمد للَّه، ثم الصلاة، ثم
стр. 461
ومُوالاتُهُمَا (١) مَعَ الصَّلاةِ (٢). والجَهْرُ بِحَيثُ يُسمِعُ العَدَدَ المُعتَبَرَ، حَيثُ لا مانِعَ (٣).
الموعظة، ثم القراءة؛ في ظاهر كلام جماعة. ولابد في كل واحدة من الخطبتين من هذه الأركان.
قال في «التلخيص»: ولا يتعين لفظها [¬١]، وأقلها: اتقوا اللَّه، وأطيعوا اللَّه، ونحوه. وذكر أبو المعالي، والشيخُ تقي الدين: لا يكفي ذكرُ الموت، وذمُّ الدنيا، ولابدَّ أن يحركَ القلوبَ، ويبعثَ بها إلى الخير، فلو اقتصر على: أطيعوا اللَّه واجتنبوا معاصيه. فالأظهر: لا يكفي، ولو كان فيه وصية؛ لأنه لابدَّ من اسم الخُطبة عرفًا. ش ع [¬٢].
(١) قوله: (وموالاتُهما) والخامس: موالاتهما، أي: الخطبتين، فتُشترط الموالاةُ بين أجزاءِ الخُطبتين، وبينَهما وبينَ الصلاة؛ لأنه لم يُنقل عنه ﵇ خلافُه. م ص [¬٣].
(٢) قوله: (معَ الصَّلاةِ) فلا يفصِلُ بينَ شيءٍ منهما، ولا بينَ الصلاةِ فصْلًا طويلًا. صوالحي [¬٤].
(٣) قوله: (والجهرُ، بحيث يُسمِعُ العددَ) والسادسُ: الجهرُ بالخطبتين، «بحيث يُسمع … إلخ» بضم أوله، أي: يُسمع الخطيبُ الجماعةَ المعتبرَ حضورُهم القدرَ الواجب من الخطبتين، وقوله: (حيثُ لا مانِع) أي: لهم
стр. 462
وسُنَنُهُما (١): الطَّهارَةُ (٢). وسَتْرُ العَورَةِ (٣). وإزالَةُ النَّجَاسَةِ (٤). والدُّعَاءُ للمُسلِمِينَ (٥). وأنْ يَتَوَلَّاهُمَا، معَ الصَّلاةِ، واحِدٌ (٦).
من سماعِه، كنومٍ، أو غفلةٍ، أو صمَمِ بعضِهم. فإن لم يسمَعوا؛ لخفضِ صوتِه، أو بُعدِهم عنه، ونحوه، لم يصحُّ؛ لعدم حصولِ المقصودِ. عثمان [¬١].
(١) قوله: (وسُننهُما) أي: الخُطبتين، تسعةُ أشياء.
(٢) قوله: (الطَّهارةُ) من الحدثين. فتصِحُّ من محدِثٍ حدثًا أصغر، أو أكبر. صوالحي [¬٢].
(٣) قوله: (وسَترُ العورَة) فتصِحُّ من مكشُوفِها.
(٤) قوله: (وإزالةُ النَّجاسَةِ) من بدنٍ، وثوبٍ.
(٥) قوله: (والدعاءُ للمسلمين) ذكورًا وإناثًا؛ لأنه مسنونٌ في غير الخُطبة، ففيها أولى. وهو يشملُ المسلماتِ تغليبًا؛ لما رواه حربٌ، أنه ﷺ كان إذا خَطَبَ يومَ الجُمعة دعا وأشار بإصبعه، وأمَّن الناس [¬٣]. صوالحي [¬٤].
(٦) قوله: (وأن يتولَّاهُما مع الصَّلاةِ واحدٌ) فلو خَطَبَ واحدٌ الأولى، وآخرُ الثانيةَ، أجزأتا. وسُنَّ أن يتولَّاهما من تولَّى الصلاة؛ لأنَّ كلًّا منهما عبادةٌ بمفردِها. ولا يُشترطُ حضوُر متولِّي الصلاةِ الخُطبة، ما لم يكن من تَمام
стр. 463
ورَفعُ الصَّوتِ بهِمَا حَسَبَ الطَّاقَةِ (١). وأنْ يَخطُبَ قائِمًا على مُرتَفَعٍ (٢)، مُعتَمِدًا على سَيفٍ، أو عَصًا (٣).
الأربعين، فلا بدَّ من حضورِه. ويُبطِلهما كلامٌ محرمٌ، ولو يسيرًا، كغيبةٍ، ونميمةٍ، وقذفٍ. ولا تُجزئ بغيرِ العربية مع القدرة. انتهى الوالد.
(١) قوله: (ورفعُ الصَّوتِ بهمَا حسَبَ الطَّاقةِ) لأنه أبلغُ في الإعلان.
(٢) قوله: (وأن يخطُب قائمًا على مرتَفَعٍ) كمِنبَرٍ؛ لفعله ﵇ وهو بكسر الميم من النَّبر وهو: الارتفاع. واتخاذه سُنَّة مجمعٌ عليها. قاله في «شرح مسلم» [¬١] ويصعدُ على تؤدة إلى الدرجة التي تلي السَّطح. وكان مِنبره ﵇ من أثلِ [¬٢] الغابة، اتخذه سنةَ سبعٍ بعد الهجرة. وقيل: سنةَ ثمان. وكان ثلاثَ درجٍ. وفي رواية البخاري: «من طرفاء الغابة» [¬٣]. والطَّرفاء، بالمد: الأثل. والغابة: موضع معروف من عوالي المدينة. قاله النووي [¬٤].
(٣) قوله: (معتمِدًا على سيفٍ أو عصا) أو قوسٍ؛ لفعله ﵇ [¬٥]، ولأنه أمكن له. وفيه إشارةٌ إلى أنَّ هذا الدِّينَ فُتح به. ويكونُ بيدِه اليُسرى،
стр. 464
وأن يَجلِسَ بَينَهُما (١) قَلِيلًا. فإنْ أبَى (٢)، أو خَطَبَ جالِسًا: فَصَلَ بَينَهُمَا بسَكتَةٍ (٣).
وسُنَّ: قَصْرُهُما (٤)، والثَّانِيَةُ أقصَرُ (٥).
والأخرى بحرفِ المِنبَر. ذكره في «الفروع» [¬١] توجيهًا. فإن لم يعتمد، أمسَك شمالَه بيمينه، أو أرسلَهُما. وأن يقصِدَ تِلقاءَ وجهِه؛ لفعله ﵇. «أو عصا» [¬٢] مقصور، ولا يقال: عصاة. قال ابن السكيت: أول لحن سمع: هذه عَصاتي. ح ف.
(١) قوله: (وأن يجلِسَ بينَهما) أي: بينَ الخُطبتين. قال في «التلخيص»: بقدِرِ سُورة الإخلاص. صوالحي [¬٣].
(٢) قوله: (فإن أَبَى) أن يجلس.
(٣) قوله: (فَصَلَ بينَهُما بسَكتَةٍ) خفيفةٍ؛ ليحصل التمييز.
(٤) قوله: (وسُنَّ قصرُهُما) أي: الخطبتين.
(٥) قوله: (والثانيةُ أقصَرُ) من الأولى؛ لحديث: «إن طولَ صَلاةِ الرَّجُل وقِصَرَ خُطبته مئنةٌ [¬٤] من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة» [¬٥]. م ص [¬٦].
стр. 465
ولا بأسَ: أن يَخطُبَ مِنْ صَحِيفَةٍ (١).
(١) قوله: (ولا بأسَ أن يخطُبَ من صَحيفَةٍ) كقراءةٍ في الصلاة من مُصحَفٍ. قال في «المبدع»: وينزلُ مسرِعًا.
وإذا غلَبَ الخوارجُ على بلدٍ، فأقاموا فيه الجُمعةَ، جاز اتِّباعُهم، نصًّا. وقال ابن أبي موسى: يصلي معهم الجمعة، ويعيدُها ظهرًا. عثمان [¬١].
تتمة: يُسنُّ أن يسلِّم الإمامُ على المأمومين، إذا خرجَ عليهم، وإذا أقبلَ عليهم بعدَ صُعودِه على المِنبر؛ لحديث جابر [¬٢]. ويجبُ على المأمومين ردُّه.
ويُسنُّ أن يجعلَ خطبته تلقاء وجهه، فلا يلتفت يمينًا ولا شمالًا؛ لفعله ﵇. ويُسنُّ أن يعربهما بلا تمطيط، كالأذان، ويستقبلُ المأمومين، وينحرفون إليه فيستقبلونَه، ويتربَّعون فيها. ويُسنُّ دعاؤه عَقِبَ صُعودِه. ويُستَحبُّ أن ينزلَ الإمامُ عندَ قولِ المؤذن: قد قامت الصلاة. ويُسنُّ إذا صعدَ أن يتأنَّى، وإذا نزلَ نزلَ مُسرعًا. قاله ابن عقيل وغيره.
стр. 466
فَصْلٌ
يَحرُمُ: الكلامُ والإمامُ يَخْطُبُ (١)، وهُو مِنهُ (٢) بِحَيثُ يَسْمَعُهُ (٣). ويُبَاحُ: إذا سَكَتَ بَينَهُمَا (٤)،
فَصْلٌ
(١) قوله: (يحرمُ الكلامُ والإمامُ يخطُبُ) لقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [الأعرَاف: ٢٠٤]. قال أكثرُ المفسِّرين: نزلت في الخُطبة. ولخبر الصحيحين، عن أبي هريرة، مرفوعًا: «إذا قلتَ لصاحِبِكَ: أنصِت يومَ الجمعة [¬١]، والإمامُ يخطب، فقد لغوتَ» [¬٢]. واللغو: الإثم. إلا الكلامَ للإمام، أو لمن كلَّمهُ الإمامُ؛ لمصلَحَةٍ، فلا يحرم.
(٢) قوله: (وهُو) أي: المتكلمِّ. (منه) أي: الإمام.
(٣) قوله: (بحيثُ يسمَعُهُ) أي: يسمعُ الإمامَ. فإن كان الإمامُ بعيدًا بحيثُ لا يسمعُه، لم يحرم عليه الكلام. ويجبُ كلامٌ والإمامُ يخطب؛ لتحذيرِ [¬٣] ضريرٍ وغافلٍ عن هلكة أو بئرٍ، ونحِوه، كقَطعِ الصَّلاةِ لذلك، وأولى. انتهى الوالد.
(٤) قوله: (ويُباح إذا سَكَت بينَهما) أي: ويباحُ الكلام إذا سَكَت الإمامُ بين الخُطبتين.
стр. 467
أو شَرَعَ في دُعَاءٍ (١).
وتَحُرمُ: إقامَةُ الجُمُعَةِ- وإقامَةُ العِيدِ- في أكثَرَ مِنْ مَوضِعٍ (٢) مِنَ البَلَدِ، إلَّا لِحَاجَةٍ (٣)، كَضِيقٍ (٤)، وبُعْدٍ، وخَوفِ فِتنَةٍ (٥).
فإنْ تَعَدَّدَت لِغَيرِ ذلِكَ: فالسَّابِقَةُ بالإحرَامِ هِيَ الصَّحِيحَةُ (٦).
(١) قوله: (أو شَرَعَ في دعاءٍ) أي: ويباحُ الكلامُ إذا شَرَعَ الإمام في الدَّعاء؛ لأنه غيرُ واجب، فلا يجبُ الإنصاتُ له. وله الصلاةُ على النبيِّ ﷺ إذا سمِعها من الخطيبِ، ويُسنَّ سِرًّا كدعاء.
(٢) قوله: (وتحُرمُ إقامةُ الجُمُعة … إلخ) أي: وتحرمُ إقامةُ صَلاةِ الجُمُعَةِ (وإقامةُ) صلاةِ (العيد في أكثر من موضع) واحد.
(٣) قوله: (إلا لحاجة) أي: ولا يجوزُ تعدُّدها، إلا إذا دعتِ الحاجةُ لذلك، كسَعَةِ البلدِ، وتباعُد أقطارِه.
(٤) قوله: (كضِيقِ) المصلَّى أي: مسجدِ البلد عمَّن تصحُّ منه الجُمُعة، وإن لم تجب عليه، كما فَهِمَه الشيخُ منصور من كلامِ صاحبِ «المنتهى» في «شرحه» قال: وحينئذ فالتعدُّدُ [¬١] في مِصر لحاجةٍ. انتهى. عثمان [¬٢].
(٥) قوله: (وخَوفِ فِتنةٍ) لعداوةٍ بين أهل البلد؛ يُخشى باجتماعهم إثارتُها، فيجوزُ التعدُّدُ عند الحاجةِ بحسبها فقط، فإن حصَل الغِنى باثنين، لم تجز إقامتُها في ثالثٍ، وكذا ما زاد. عثمان.
(٦) قوله: (فإن تعدَّدت لغيرِ ذلك فالسابِقَةُ … إلخ) هذا تفريعٌ على ما قبله. أي: فإن تعدَّدت صلاةُ الجمعة لغيرِ حاجة مما ذُكر، فالصحيحةُ من جُمَعٍ
стр. 468
ومَنْ أحرَمَ بالجُمُعَةِ في وَقتِهَا (١)، وأدرَكَ معَ الإمَامِ رَكعَةً (٢): أتَمَّ جُمُعَةً.
وإن أدرَكَ أقلَّ: نَوَى ظُهرًا (٣).
وأقلُّ السُّنَّةِ بَعدَها: رَكعَتَانِ (٤).
وأعيادٍ ما باشرَها الإمامُ، أو أذِنَ فيها ولو تأخَّرت. فإن استوتا في الإذن أو عدمِه، فالسابِقَةُ هي الصحيحة، والمتخلِّفةُ تعيدُها ظهرًا. وإن وقَعَتا معًا، فإن أمكَن اجتماعُهم مع بقاءِ الوقت، صلَّوا جمعةً، وإلا فظُهرًا. وإن جُهِلَ كيفَ وقعتا صلَّوا ظهرًا. انتهى صوالحي وزيادة [¬١].
(١) قوله: (ومن أحرَمَ بالجُمُعةِ في وقتِهَا) احترز به عمَّا لو خَرَجَ والإمامُ فيها، فأحرمَ بها المأمومُ بعدَ خروجِه، فإنها لا تنعقِدُ له جمعةً، ولا ظُهرًا. ح ف.
(٢) قوله: (وأدَركَ مع الإمامِ ركعةً) قال في «شرح المنتهى» [¬٢] لمؤلفه: بسجدتَيها.
(٣) قوله: (وإن أدركَ أقلَّ نوَى ظُهرًا) أي: وإن أدركَ أقلَّ من ركعةٍ، نوىَ خَلْفَ الإمامِ ظُهرًا، بأن رفعَ الإمامُ رأسَه من الثانية، أتمَّها ظُهرًا إن كان دخَل وقتُه، ونواه عندَ إحرامِه، وإلا؛ بأن لم يدخُل وقتُ الظُّهر، أو دخلَ ولم ينوِه، بل نوى جُمعة، فتكونُ صلاتُه نفلًا. عثمان [¬٣].
(٤) قوله: (وأقلُّ السنَّةِ بعدَهَا ركعتَان) أي: وأقلُّ السنَّة الراتبةِ بعدَ صلاةِ الجُمعة ركعتان.
стр. 469
وأكثَرُهَا: سِتَّةٌ (١).
وسُنَّ: قِرَاءَةُ سُورَةِ الكَهْفِ في يَومِهَا (٢)، وأن يَقرَأَ في فَجرِهَا: «الم» السَّجدَةَ (٣)،
(١) قوله: (وأكثرُها سِتَّةٌ) ولا راتبةَ لها قبلَها، وسُنَّ أربعٌ. صوالحي [¬١].
(٢) قوله: (وسُنَّ قراءةُ سُورَةِ الكَهفِ في يَومِهَا) أي: في يوم الجُمعة. اقتصرَ عليه الأكثرُ؛ لحديث أبي سعيد، مرفوعًا: «من قرأ سورةَ الكَهف في يومِ الجُمعة، أضاءَ له من النورِ ما بينَ الجُمُعتين». رواه البيهقي بإسناد حسن [¬٢]. وفي خبر آخر [¬٣]: «من قرأ سورةَ الكهف في يوم الجمعة، أو ليلته، وقي فتنةَ الدجال» [¬٤].
والحكمةُ في ذلك: أن اللَّه تعالى ذكرَ فيها أهوالَ يومِ القيامة. تشبهُهَا، لما فيها من اجتماع الخَلق، وقيامِ الخَطيب، ولأن القيامةَ تقومُ يومَ الجُمعة. والكهف: هو الغارُ في الجَبل. ح ف.
(٣) قوله: (وأن يقرأَ في فجرها [¬٥] «الم» السجدة) أي: وسُنَّ أن يقرأ في صلاةِ فجرِها؛ في الركعة الأولى ب «الم» السجدة. قال الشيخ تقي الدين: لتضمُّنها خَلقَ السمواتِ والأرض، وخَلقَ الإنسانِ إلى أن يدخُل الجنَّة أو النار.
стр. 470
وفي الثَّانِيَةِ: ﴿هل أتى﴾ (١). وتُكرَهُ: مُدَاوَمَتُهُ عَلَيهِمَا (٢).
(١) قوله: (وفي الثانية: ﴿هل أتى﴾) أي: ويقرأ في الركعة الثانية ب ﴿هل أتى على الإنسان﴾ [الإنسَان: ١].
(٢) قوله: (وتُكرَهُ مداومَتُهُ عليهِمَا) أي: «الم» السجدة، و ﴿هل أتى﴾، في فجرها. قال الإمام أحمد: لئلا يُظنَّ أنها مفضَّلة بسجدة. وقال جماعة: لئلا يُظنَّ الوجوب.
«تتمة»: إذا وقع [¬١] عيدٌ في يومِ جُمعة، سقطَت الجمعةُ عمَّن حضرَ العيدَ مع الإمام؛ لأنه ﷺ صلَّى العيد، وقال: «من شاءَ أن يُجمِّع، فليجمِّع». رواه أحمد من حديث زيد بن أرقم [¬٢]. سُقوط حضورٍ لا سُقوط وجوب، كمريضٍ، كما مرَّ. فمن حضرَها منهم وجبت عليه، وانعقدَت به. وأمَّا من لم يُصلِّ العيدَ، أوصلاه [¬٣] بعد الإمام، لزمه الحضورُ للجُمعة، إلا الإمام الذي صلَّى العيدَ، فلا يسقُط عنه حضورُ الجُمُعة. فإن اجتمعَ مع الإمام العددُ المعتبرُ، ولو ممَّن حضر العيدَ، أقامَها، وإلا صلَّوا ظُهرًا. وكذا سقوط عيد بها [¬٤]. صوالحي وزيادة [¬٥].
стр. 471
بابُ صَلاةِ العِيدَينِ
وهيَ: فَرضُ كِفايَةٍ (١).
بابُ صلاةِ العيدين
«عيد الفطر، وعيد الأضحى».
وهو لغةً: ما اعتادكَ، أي: تردَّد عليكَ مرةً بعد أُخرى. اسم مصدرٍ من: عاد. سُمِّي به اليومُ المعروف؛ لأنه يعودُ ويتكرَّر، أو لأنَّه يعودُ بالفرحِ والسُّرور. جُمِعَ بالياء وأصلُه الواو؛ للفَرقِ بينه وبينَ أعوادِ الخَشَب، أو للزومِها في الواحد ..
أي: صفتُها، وأحكامُها، وما يتعلَّقُ بذلك. يُروى أنَّ أوَّل صلاةِ عيدٍ صلَّاها رسولُ اللَّه ﷺ عيد الفطر، في السنة الثانيةِ من الهجرة، وواظبَ على صلاتِها حتى مات. ش ع [¬١].
(١) قوله: (وهيَ فرضُ كِفاية) أي: صلاةُ العيدين فرضُ كِفاية، إذا قامَ به البعضُ سقَطَ عن الباقين؛ لقوله تعالى: ﴿فصل لربك وأنحر﴾ [الكَوثَر: ٢]. هي صلاةُ العيدِ في قولِ عِكرمَة، وعطاء، وقتادة [¬٢]. وكان النبيُّ ﷺ والخلفاءُ بعدَه يداوِمون عليها. إذا تركها أهلُ بلدٍ من أهلِ وجوبِها يبلغُون أربعين، بلا عذرٍ، متفقين على ذلك، قاتلهم الإمامُ؛ لأنها من أعلام الدِّين الظاهرة، وفي
стр. 472
وشُرُوطُها (١): كالجُمُعَةِ (٢)، ما عدَا الخُطْبَتَينِ. وتُسَنُّ: بالصَّحرَاءِ (٣).
ويُكرَهُ: النَّفلُ قَبلَها، وبَعدَها قَبْلَ مُفارَقَةِ المُصَلَّى (٤).
وَوَقتُها: كصَلاةِ الضُّحَى (٥).
تركِها تهاونٌ بالدين. انتهى. ما رأيته بخط الوالد.
(١) قوله: (وشروطُها) أي: شروطُ صلاةِ العيدين.
(٢) قوله: (كالجُمُعة) أي: كشروطِ صلاةِ الجُمُعة؛ من دخولِ الوقت، والاستيطانِ، وحضورِ الأربعين، والرجالِ الأحرارِ المستوطنين. فلا تُقام صلاةُ العيدِ إلا حيثُ تُقامُ الجُمعة. ولا بأسَ بحضورِها النساءُ غيرُ مُطيباتِ، ولا لابساتٍ ثيابَ زينةٍ، ولا شُهرة، ويعتزلنَ الرِّجال. وفرضُ الكفاية، إذا سَقط بفعلِ الغَيرِ، هل يقعُ فعلُه ثانيًا واجبًا، أو تطوعًا؟ فيه وجهان. ح ف.
(٣) قوله: (وتُسنُّ بالصحراء) أي: وتسنُّ صلاةُ العيدِ بالصحراء، إن كانت قريبةً من البنيان عُرفًا؛ لأنه أوقعُ هيبةً، وأظهرُ شعارًا، ولا يشُقُّ؛ لعدمِ تكرُّره، بخلافِ الجمُعة، إلا بمكةَ المشرَّفةِ فتُصلَّى بالمسجدِ الحرام؛ لفضيلة البُقعة، ومشاهدةِ الكعبةِ. الوالد.
(٤) قوله: (ويُكرَهُ النَّفلُ قبلَها، وبعدَها قبلَ مُفارقَةِ المُصلَّى) لئلا يُتوهَّم أن لها راتبةً قبلَها أو بعدَها، ولئلا يُقتدَى به. فإن خرجَ فصلَّى بمنزلهِ، أو عادَ للمصلَّى فصلَّى به، فلا بأس. م ص [¬١].
(٥) قوله: (ووقتُها كصلاةِ الضُّحَى) أي: ووقتها كوقتِ صلاةِ الضُّحى؛ من
стр. 473
فإن لم يُعْلَم بالعِيدِ إلَّا بَعدَ الزَّوَالِ: صَلَّوا مِنْ الغَدِ قَضَاءً (١).
وسُنَّ: تَبكِيرُ المَأمُومِ (٢). وتَأَخُّرُ الإمَامِ إلى وَقتِ الصَّلاةِ (٣). وإذا مَضَى في طَريقٍ رَجَعَ في أُخرَى (٤). وكَذَا: الجُمُعَةُ.
ارتفاعِ الشمسِ قِيدَ رُمحٍ إلى قُبيل الزَّوال. صوالحي [¬١].
(١) قوله: (فإن لم يُعلَم بالعيدِ إلا بعدَ الزَّوال) أي: فإن لم يُعلم بالعيدِ إلا بعدَ خُروج وقتهِ؛ بعدَ الزوال (صلوا) العيدَ. (من الغَدِ قَضاءً) سواء كان التأخير لعذرٍ، أو لا؛ لما رواه عمير بن أنس [¬٢]. صوالحي [¬٣].
(٢) قوله: (وسُنَّ تبكيرُ المأمومِ) من بعدِ صلاةِ الفَجرِ؛ ليكثُرَ أجرُه، وليدنُوَ من الإمام. صوالحي وزيادة [¬٤].
(٣) قوله: (وتأخُّرُ الإمَامِ) أي: وسُنَّ تأخُّرُ الإمام (إلى) دخولِ (وقتِ الصلاة)؛ لأن الإمام يُنتَظَر.
(٤) قوله: (وإذا مَضَى في طريقٍ رجَعَ في أُخرى) وعِلَّتُه: شهادةُ الطريقين له، أو تسويتُه بينهما في التبرُّك بمرورِه، أو سرورُهما بمرورِه، أو الصدقُة على فقرائِهما، ونحوه؛ ولذا قال: (وكذا الجُمُعة) ولا يمتنعُ أيضًا في غيرِ الجُمُعة. م ص [¬٥].
стр. 474
وصلاةُ العيدِ: رَكعَتَانِ (١). يُكَبِّرُ في الأُولَى، بَعدَ تَكبيَرَةِ الإحرَامِ (٢) وقَبْلَ التَّعَوُّذِ: سِتًّا (٣)، وفي الثَّانِيَةِ، قَبلَ القِرَاءَةِ: خَمْسًا. يَرفَعُ يَدَيهِ: مَعَ كُلِّ تَكبِيرَةٍ. ويَقُولُ بينَهُمَا (٤): «اللَّهُ أكبَرُ كَبِيرًا، والحَمدُ للَّهِ كَثِيرًا،
(١) قوله: (وصلاةُ العيدِ ركعتان) أي: قبلَ الخُطبة؛ لقول ابن عمر: كان النبي ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، يصلُّون العيدَ قبلَ الخُطبة. متفق عليه [¬١]. فلو قدَّم الخطبةَ، لم يُعتدَّ بها.
وحِكمةُ التأخيرِ هُنا للخطبة، وتقديمِها في الجمعة: أنَّ الخُطبة في الجُمعة شرطٌ لصحةِ الصلاة، والشرطُ يقدَّم على المشروط، بخلافِ خُطبةِ العيد. وأيضًا: صلاة العيدِ فرضٌ، وخُطبتهُ سُنَّةٌ، والفرضُ أهمُّ. فلا يُعتدُّ بها قبلَ الصلاة، بل تُعاد. عثمان [¬٢].
(٢) قوله: (يُكبِّرُ في الأُولَى بعدَ تكبيَرةِ الإحرَامِ) أي: يُكبِّر في الركعة الأولى بعد تكبيرةِ الإحرام، والاستفتاحِ.
(٣) قوله: (وقبلَ التَّعوُّذِ سِتًّا) أي: سِتَّ تكبيراتٍ زوائد، غيرَ تكبيرةِ الإحرام، وفاقًا لمالك. وقال الشافعيُّ: سبعًا في الأولى، وخمسًا في الثانية. وقال أبو حنيفة: ثلاثًا في الأولى قبل القراءة، وثلاثًا في الثانية بعدَها؛ ليوالي بين القراءتين. م ص [¬٣].
(٤) قوله: (ويقول بينهما) أي: بينَ كلِّ تكبيرةٍ.
стр. 475
وسُبحَانَ اللَّهِ بُكرَةً وأصيلًا (١)، وصَلَّى اللَّهُ على مُحَمَّدٍ النبيِّ وآلهِ وسَلَّمَ تَسلِيمًا (٢)».
ثُمَّ يَستَعِيذُ، ثُمَّ يَقرَأُ جَهرًا الفاتِحَةَ، ثُمَّ بِ «سَبِّح»: في الأُولَى، و «الغاشِيَةِ»: في الثَّانِيَة (٣).
(١) قوله: (وسُبحانَ اللَّهِ بُكرةً وأصيلًا) «بكرة» [¬١] عبارة عن أول النهار. «وأصيلا» الوقتُ مِنْ بَعدِ العصرِ إلى الغُروب، وجمعُه: أُصُلٌ، وآصالٌ، وأصايلٌ، وأُصْلانٌ، كبَعيرٍ، وبُعرَان. كلُّه عن الجوهري. «مطلع» [¬٢].
(٢) قوله: (وصلَّى اللَّهُ على محمَّدٍ النبيِّ وآلهِ وسلَّمَ تسليمًا) وإن أحبَّ قال غيرَ ذلك، أي: غيرَ ما ذُكر من الأذكار، كسبحان اللَّه، والحمدُ للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر؛ لأن الغرضَ الذكرُ بعد التكبير. وإذا شكَّ في عددِ التكبير، بنَى على اليقين. وإذا نَسِيَ التكبيرَ حتَّى قرأ، سقط؛ لأنه سُنَّةٌ فاتَ محلُّها. فإن أدركَ الإمامَ راكعًا، أحرم، ثم ركَعَ، ولا يشتغلُ بقضاءِ التكبير. وإذا أدركَه قائمًا بعدَ فراغِه من التكبير، لم يقضِه. وكذا إن أدرَكه في أثنائه، سقَطَ ما فات. عثمان [¬٣].
(٣) قوله: (والغاشيةِ في) الركعة (الثانية) لقول سمُرة: إن النبيَّ ﷺ كان يقرأ في العيدين ب ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١]، و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ [الغَاشِيَة: ١]. رواه أحمد [¬٤]. عثمان [¬٥].
стр. 476
فإذا سَلَّمَ: خَطَبَ خُطبَتَينِ. وأحكَامُهُمَا: كَخُطْبَتَي الجُمُعَةِ (١). لَكِنْ يُسَنُّ: أن يَستَفتِحَ الأُولَى بِتِسْعِ تَكبِيرَاتٍ، والثَّانِيَةَ بِسَبعٍ (٢).
وإنْ صَلَّى العِيدَ كالنَّافِلَةِ: صحَّ (٣)؛ لأنَّ التَّكبيرَاتِ الزَّوائِدَ، والذِّكرَ
(١) قوله: (وأحكامُهُما) أي: الخُطبتين (كخُطبَتَي الجُمُعةِ)، أي: كأحكامِ خُطبَتي الجُمعة، حتَّى في الكلام، فيحرمُ حيثُ يحرمُ في خطبتي الجُمعة، إلا التكبيرُ مع الخاطب، فيُسَن. فيشتَرطُ لهما ما يُشترطُ لخُطبتي الجُمعة؛ من الحمدِ، والصلاةِ على رسول اللَّه ﷺ ، وقراءةِ آية، والوصيَّةِ بتقوى اللَّه، وإن كانتا مسنونتين، إلا حضور العدد، واستماعهما. ح ف.
(٢) قوله: (لكنْ يُسنُّ أن يستفتحَ الأُولَى بتسعِ تكبيرَاتٍ، والثانيةَ بسبع) تكبيرات، نَسَقًا بفتح السين بمعنى: منسوقة، أي: متتابعة. يحثُّهم في خُطبة عيدِ الفطرِ على الصدقة؛ لحديث: «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم» [¬١]. ويبيِّن لهم ما يُخرِجُون؛ جِنسًا، وقَدْرًا، ووقتَ وجوبه، وإخراجِه، ومن تجبُ فطرتُه، ومن تدفَعُ إليه. ويرغِّبُهم بخطبةِ عيدِ الأضحى في الأضحِية، ويبيِّن لهم حكمَها، أي: ما يُجزئ في الأضحية، وما لا يجزئ، وما الأفضل، ووقتَ الذبح، وما يُخرجه منها. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (وإن صلَّى العيدَ كالنَّافلةِ، صحَّ) أي: وإن صلَّى العيدَ كصلاةِ النَّافلة، صَحَّ العيدُ.
стр. 477
بَينَهُما، والخُطبتَينِ، سُنَّةٌ (١).
وسُنُّ لِمَنْ فاتَتهُ (٢): قَضَاؤُهَا (٣)، ولو بَعدَ الزَّوَالِ (٤).
(١) قوله: (لأنَّ التكبيرَاتِ الزوائِدَ، والذِّكرَ بينَهُما، والخُطبتَينِ [¬١]، سُنَّةٌ) لأنه ذِكرٌ مشروعٌ بين التحريمةِ والقِراءة؛ هذا دليلُ الصحة.
(٢) قوله: (وسُنَّ لمن فاتته) صلاةُ العيدِ مع الإمام.
(٣) قوله: (قضاؤها) في يومِها؛ منفردًا، أو جماعة، ولو أقل من أربعين؛ لأنها صارت تطوعًا؛ لسقوط فرض الكفاية. صوالحي [¬٢].
(٤) قوله: (ولو بعدَ الزَّوال) لفعل أنس [¬٣]، كسائر الصلوات. صوالحي [¬٤].
стр. 478
فَصْلٌ
يُسَنُّ: التَّكبيرُ المُطلَقُ (١)، والجَهرُ بهِ: في لَيلَتَي العِيدَين إلى فَرَاغِ الخُطبَةِ (٢)، وفي كُلِّ عَشرِ ذِي الحِجَّةِ (٣).
والتَّكبِيرُ المُقَيَّدُ: فِي الأضْحَى، عَقِبَ كُلِّ فَرِيضَةٍ صَلَّاها في جَمَاعَةٍ، مِنْ صلاةِ فَجرِ يَومِ عَرفَةَ إلى عَصْرِ آخِرِ أيَّامِ التَّشريقِ (٤)، إلَّا المُحرِمَ فيُكَبِّرُ
فَصْلٌ
(١) قوله: (يُسنُّ التكبيرُ المُطلَقُ) وهو الذي غيرُ مقيدٍ بأدبارِ الصلوات، في حَقِّ ذَكَرٍ وأنثى، حُرٍّ أو عبدٍ، أو مميِّز. م ص [¬١].
(٢) قوله: (والجَهرُ به في ليلَتَي العِيدَين) أي: ويُسنُّ الجهرُ به، لغيرِ أنثى، في ليلَتَي العيدين، في البيُوتِ، والأسواقِ، والمساجدِ، وغيرِها. ويُجهَرُ به في الخُروج إلى المصلَّى (إلى فراغِ) الإمامِ من (الخُطبة)
والتكبيرُ في عيدِ فِطرٍ آكدُ؛ لقوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة﴾ [البَقَرَة: ١٨٥]. أي: عِدَّةَ رمضان: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البَقَرَة: ١٨٥]. أي: عند إكمالها. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (وفي كلِّ [¬٣] عشرِ ذِي الحِجَّة) ولو لم يرَ بهيمةَ الأنعام.
(٤) قوله: (مِنْ صَلاةِ فجرِ يومِ عَرفةَ إلى عَصرِ آخِرِ أيَّامِ التَّشريقِ) أي: إلى بعدَ
стр. 479
مِنْ صَلاةِ ظُهرِ يَومِ النَّحرِ (١).
ويُكبَّرُ الإمامُ مُستَقبِلَ النَّاسِ (٢).
صلاةِ العصر الذي هو الرابعُ من يوم عيدِ الأضحى. والجهرُ به مسنونٌ، إلا للمرأة. ويأتي به كالذِّكر عَقِبَ الصلاة. وإذا فاتته صلاةٌ من عامِه، فقضاها فيها [¬١] جماعةً، كبَّرَ. فيكون تكبيرُ المُحِلِّ عقِبَ ثلاثٍ وعشرين فريضةً، وتكبيرُ المحرِمِ عقِبَ سبعةَ عشرَ؛ لأن التكبيرَ مشروعٌ في الصلاة، فكان أشبهَ بها. قال م ص: يؤخذُ منه: تقديمُ التكبيرِ على الاستغفار، وقول: اللهم أنت السلام … إلخ. انتهى. عثمان [¬٢].
(١) قوله: (إلا المُحرِمَ فيُكبِّر من صَلاةِ ظُهرِ يومِ النَّحرِ) لأنه قبلَ ذلك مشغولٌ بالتلبية، وهي في حقِّه أفضل. فلو رمَى جمرةَ العقبةِ قبلَ الفجر، لم يكبِّر؛ لأن التلبيةَ تنقطع برمي جمرةِ العقبة، ولو أخَّر الرمي إلى بعدِ الظُّهر، كبَّر، ولبَّى. والمسافرُ، والممَيِّز، في التكبير عَقِبَ المكتوباتِ سواءٌ. صوالحي وزيادة [¬٣].
(٢) قوله: (ويكبِّر الإمامُ مستقبِلَ النَّاسِ) أي: ويكبِّر الإمامُ بعدَ فراغِه من الصَّلاة، حالَ كونه مستقبلَ الناس.
وسُنَّ لمن نَسيَ التكبيرَ قضاؤهُ مكانَه إن ذكَره. فإن قامَ أو ذهب، عادَ جالسًا وكبَّر، ما لم يُحدِث، أو يخرُج من المسجدِ، أو يَطُلِ الفَصلُ؛ لأنه سُنَّة فاتَ محلُّها. وإن قَضَاها لا بأس. ويُكبِّر إن نسيَه إمامهُ، وكذا إن قضَى فائتةً
стр. 480
وصِفَتُهُ شَفْعًا (١): «اللَّه أكبَرُ اللَّهُ أكبَرُ، لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ واللَّهُ أكبَرُ، اللَّهُ أكبَرُ وللَّه الحَمْدُ» (٢).
ولا بَأسَ: بِقَولِهِ لِغَيرِه: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا ومِنكَ (٣).
جماعةً في عامِه. صوالحي [¬١].
(١) قوله: (وصفِتُه شفعًا) أي: وصِفةُ التكبيرِ حالَ كونِه شَفعًا، أي: مكرِّرًا التكبيرَ مرتين مرتين. عثمان [¬٢].
(٢) قوله: (اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ … إلخ) لأنه ﷺ كان يقول ذلك. رواه الدارقطني [¬٣]. ويُجزئ مرةً، وإن زادَ عن ثنتين فكرَّره ثلاثًا، فحسن. صوالحي [¬٤].
(٣) قوله: (ولا بأسَ بقولِه … إلخ) أي: ولا بأسَ بتهنئةِ الناسِ بعضِهم بعضًا، بما يحصُل بينهم من الأدعية، ومنه قوله (لغيره: تقبَّل اللَّهُ منَّا ومنِكَ) كالجواب. نقلَه جماعة. ويُستحبُّ عَملُ الخيرِ في أيام عشرِ ذي الحِجَّة من صلاةٍ، وصدقةٍ، وصومٍ، خصوصًا يوم عرفة، وسائر أعمال البر؛ لأنها أفضل الأيام؛ لحديث: «ما من أيام العملُ الصالحُ فيها أحبُّ إلى اللَّه من عَشرِ ذي الحِجَّة» [¬٥].
بابُ صَلاةِ الكُسُوفِ
وهيَ: سُنَّةٌ (١)،
بابُ صلاةِ الكُسُوفِ
الإضافةُ على نوعين؛ إضافة تعريف، وإضافة تقييد. فكلُّ ما كانت الماهيةُ كاملةً فيه تكونُ إضافتُه للتعريفِ، وما كانت الماهيةُ ناقصةً، فإضافته للتقييد. نظيرُ الأول: ماءُ البئر، وصلاةُ الكسوفِ. ونظيرُ الثاني: ماءُ الباقلاءِ، وصلاةُ الجنازةِ.
وهو من قبيل إضافةِ الشيءِ إلى سببه؛ لأن سببَها الكسوفُ.
ثم إنَّ الكسُوفَ والخُسوفَ بمعنى واحد. يقال: كسَفَت الشمس، بضم الكاف وفتحها، وكذا: خسَفَت. وقيل: الكسوفُ للشمس، والخسوفُ للقمر. وقيل: الكسوفُ لذهاب ضَوئهِ، والخسوفُ لذهابِ كلِّه. صوالحي وزيادة [¬١].
(١) قوله: (وهي سُنَّةٌ) مؤكدةٌ؛ جماعةً وفُرادى. وإنِّما سُنت الصلاةُ لها؛ لأن الساعةَ تقومُ والشمسُ والقمرُ كاسِفان، فأُمِرَ بالصلاة؛ خوفًا من أن يكونَ الكسوفُ لذلك.
والحكمةُ في كُسوف الشمسِ والقمرِ دونَ غيرِهما من الكواكب: التكبيتُ، والتقريعُ لمن يعبدُهما؛ لأنَّهما لو كانا إلهين لدفعا عن نفسِهما هذا النَّقص. ح ف.
стр. 483
مِنْ غَيرِ خُطبَةٍ (١). وَوَقتُها: مِنْ ابتِدَاءِ الكُسُوفِ إلى ذَهَابِه.
ولا تُقضَى إنْ فاتَت (٢).
وهِي: رَكعَتَانِ (٣)، يَقرَأُ في الأُولَى (٤) جَهرًا: الفاتِحَةَ (٥)، وسُورَةً طَويلَةً (٦). ثُمَّ: يَركَعُ طَويلًا. ثُمَّ: يَرفَعُ فيُسَمِّعُ ويَحْمَدُ (٧)، ولا يَسجُدُ (٨)،
(١) قوله: (مِنْ غَيرِ خُطبة) لأنه ﵇ أمرَ بالصلاة دونَ الخُطبة.
(٢) قوله: (ولا تُقضَى إن فاتَت) بالتجلِّي، كاستسقاءٍ، وتحيةِ مسجدٍ. وهل المرادُ لا يصِحُّ قضاؤها، أو يُكره، أو لا يستحب؟ فيه نظر. انتهى. الوالد.
(٣) قوله: (وهيَ ركعَتانِ) أي: صلاةُ الكسوفِ ركعتان. وفِعلُها جماعةً أفضلُ. صوالحي [¬١].
(٤) قوله: (يقرأُ في الأولى) أي: يقرأُ في الركعةِ الأُولى بعدَ الاستفتاح والتعوَّذِ والبسملة. ح ف.
(٥) قوله: (جَهرًا الفاتحةَ) ولو في كُسوفِ الشَّمس. وقال مالك، والشافعي: لا يُجهرُ في الصلاةِ لكسوفها. ح ف.
(٦) قوله: (وسورةً طويلةً) من غيرِ تعيين. م ص [¬٢].
(٧) قوله: (ثمَّ يرفعُ فيُسَمِّعُ) قائلًا: سَمِعَ اللَّه لمن حمِدَه. وقوله: (ويُحمِّد) أي: ويقولُ إذا اعتدل: ربنا ولك الحمد، ملءَ السماء … إلخ.
(٨) قوله: (ولا يسجدُ) بل يقرأُ الفاتحةَ أيضًا، وسورةً طويلةً. ويطيلُ قيامَه، لكن دون الأول.
стр. 484
بَلْ يَقرَأُ «الفَاتِحَةَ»، وسُورَةً طَوِيلَةً. ثُمَّ: يَركَعُ (١). ثُمَّ: يَرفَعُ (٢). ثُمَّ: يَسجُدُ سَجدَتَينِ طَوِيلَتَين (٣). ثُمَّ: يُصَلِّي الثَّانِيَةَ كالأُولَى (٤). ثُمَّ: يَتشَهَّدُ، ويُسَلِّمُ (٥).
(١) قوله: (ثمَّ يركَعُ) فيطيلُ دونَ الأول، مُسبِّحًا. صوالحي [¬١].
(٢) قوله: (ثمَّ يرفعُ) رأسَه، ويُسمِّع ويُحمِّد، ولا يُطيلُ. صوالحي [¬٢].
(٣) قوله: (ثمَّ يسجُدُ سجدَتَين طَويلَتين) يُسبِّح فيهما.
(٤) قوله: (ثمَّ يصلِّي الثانيةَ كالأُولى) أي: ثمَّ يصلِّي الركعةَ الثانيةَ كالركعةِ الأُولى بركوعينِ طويلين، وسجودَين طويلين، لكن دون الأُولى في كلِّ ما يُفعل من القيامين، والركوعين، والسجودين. صوالحي. بإيضاح [¬٣].
(٥) قوله: (ثمَّ يتشهَّدُ ويُسلِّمُ) لحديث جابر [¬٤] في صلاتهِ ﷺ صلَّى [¬٥] صلاةَ الكُسوف على هذا الحكم.
ولا تُعادُ إن فرغَت الصلاةُ قبلَ التجلِّي، لكن يذكُر اللَّه تعالى، ويدعو. وإن تجلَّى وهو في الصلاة، أتمَّها خفيفةً.
وإذا عَلِمَ الكسوفَ، فحصَلَ غيمٌ، فشكَّ في التجلِّي، صلَّى. ولا يصلِّي لكسوفٍ في وقتِ نَهي، بل يذكُر اللَّه، ويدعو. ويُستحبُّ العِتقُ في الكُسوف. صوالحي [¬٦].
стр. 485
وإنْ أتَى في كُلِّ رَكعَةٍ بِثَلاثِ رُكُوعَاتٍ، أو أربَعٍ، أو خَمْسٍ: فلا بأسَ. وما بَعدَ الأَوَّلِ: سُنَّةٌ (١)، لا تُدرَكُ بهِ الرَّكعَةُ (٢).
ويَصِحُّ: أن يُصَلِّيَها كالنَّافِلَةِ (٣).
(١) قوله: (وما بعدَ الأوَّلِ سُنَّةٌ) أي: وما بعدَ الرُّكوعِ الأوَّل.
(٢) قوله: (لا تُدركُ به الركعةُ) للمسبوقِ إذا دَخَل في هذهِ الحالةِ مع الإمام.
(٣) قوله: (ويَصحُّ أن يُصلِّيها كالنَّافلَة) ولا يزيدُ على خمسِ رُكوعاتٍ في كلِّ ركعة؛ لأنه لم يُنقل. وإن تَجلَّى قبلَ الشروعِ في الصَّلاة، لم يُصلِّ، وإن غابت الشمسُ كاسفةً، أو طلَع الفجرُ والقمرُ خاسفٌ، أو كانت آيةٌ غيرُ الزلزلة، لم يُصلِّ.
وأما الزلزلةُ الدائمةُ فككسوفٍ، فيصلي لها. والزلزلةُ: رجفةُ الأرض واضطرابُها، وعدمُ سُكونها. م ص [¬١].
стр. 486
بابُ صَلاةِ الاسْتِسْقَاءِ
وهِي: سُنَّةٌ (١).
باب صلاة الاستسقاء
الاستسقاءُ: هو استفعالٌ من السُّقيا. أي: باب الصلاةِ؛ لأجل الاستسقاءِ. وهو الدعاءُ بطلبِ السُّقيا على صفةٍ مخصُوصةٍ. يقال: سقاهُ اللَّه، وأسقاه. وقد جاء في القرآن: ﴿وسقاهم ربهم شرابًا طهورًا﴾ [الإنسَان: ٢١]. ﴿وأسقيناكم ماءً فراتا﴾ [المُرسَلات: ٢٧]. وقيل: سَقاهُ: ناولَه ليشربَ. وأسقاهُ، أي: جعلَ له سُقيا. وقيل: سَقاه، لشفتِه. وأسقاه، لماشيته وأرضِه. وقيل: أسقاه: دلَّه على الماءِ. والسُّقيا: مصدر، وطلبُ الماءِ يكونُ في ضِمنه، كالاستغفار: طلبُ المغفرة، وغفرُ الذنوبِ يكونُ في ضِمنه.
فهو شرعًا: طلبُ السُّقيا من اللَّه تعالى بالثناء عليه، والرجوعِ إليه بالتوبة والاستغفار.
فإذا ضَرَّ الناسَ إجدابُ أرض يقال: أجدَبَ القومُ: إذا أمحلوا. وعُلِمَ منه: أنه إذا خِيفَ مِنْ جَدبِها، لا يُصلَّى. قاله في «الإنصاف». وهو المذهب. وقيل: يصلى أو ضرَّهم قحطُ مطَرْ، أي: احتباسه. أو غَورُ ماءِ عُيونٍ أو أنهار، صلَّوا جماعةً وفرادى صلاةَ الاستسقاء. صوالحي وزيادة [¬١].
(١) قوله: (وهي سُنَّةٌ) أي: صلاة الاستسقاء سُنةٌ مؤكدةٌ، حَضَرًا وسَفَرًا، إذا
стр. 487
وَوَقتُها، وصِفَتُها، وأحَكَامُها: كَصَلاةِ العِيدِ (١).
وإذَا أرَادَ الإمامُ الخُرُوجَ لَهَا: وَعَظَ النَّاسَ (٢)، وأمَرَهُم بالتَّوبَةِ، والخُرُوجِ مِنْ المَظَالِمِ (٣).
أجدبت الأرض وهو ضِدُّ الخَصب وقَحَطَ المطرُ، وهو احتباسُه. صوالحي [¬١].
(١) قوله: (كصلاةِ العيدِ) فتُسَنُّ قَبلَ الخُطبة بصحراءَ قريبةٍ عرفًا، بلا أذان ولا إقامة. ويقرأ في الركعة الأولى بسبِّح، وفي الثانية بالغاشية. ويكبِّر في الأُولى سَبعًا، وفي الثانية خَمسًا قبلَ القراءة. ويُسنُّ فعلُها أوَّلَ النَّهار وقتَ صلاةِ العيد. انتهى. الوالد.
(٢) قوله: (وإذا أرادَ الإمامُ الخُروجَ لَها وعَظَ الناسَ) أي: خوَّفهم، وذكَّرهم بالخير؛ لترِقَّ قلوبُهم، وينصحُهم ويخوِّفُهم بالعواقب؛ بأن يذكرهم ذلك. صوالحي وإيضاح [¬٢].
(٣) قوله: (وأمَرهم بالتَّوبةِ) أي: الرجوعِ عن المعاصي (والخُروجِ من المظالِمِ) بردِّها إلى مستحقيها. وأمرَهم بترك التشاحُن، من الشحناء، وهي: العداوة؛ لأنها تحمِلُ على المعصيةِ والبُهت، وتمنعُ نزولَ الخير. وأمرهم بالصِّيام؛ لأنه وسيلةٌ إلى نزولِ الغيث؛ لحديث: «دعوة الصائم لا تُردُّ» [¬٣]. وأمرَهم
стр. 488
ويَتَنَظَّفُ لَهَا (١)، ولا يَتَطَيَّبُ (٢). ويَخرُجُ مُتَوَاضِعًا (٣)، مُتخَشِّعًا (٤)، مُتَذَلِّلًا (٥)، مُتَضَرِّعًا (٦). ومَعَهُ أهلُ الدِّينِ والصَّلاحِ، والشُّيُوخُ (٧).
ويُبَاحُ: خُرُوجُ الأَطفَالِ، والعَجَائِزِ والبَهائِمِ (٨)،
بالصدقة؛ لتضمُّنِها الرحمة، فيُرحَمونَ بنزول الغيث. م ص [¬١].
(١) قوله: (ويتنظَّفُ لها) أي: لصلاة الاستسقاء بالغُسلِ، وتقليمِ الأظفَار، وإزالةِ الرائحة الكريهة؛ لئلا يؤذي غيرَه. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (ولا يَتطيَّبُ) لأنه يومُ استكانةٍ وخُضوعٍ، وهي: السكينةُ، والخشوعُ، والتذلُّلُ في المشي، وغضُّ الطرف.
(٣) قوله: (ويخرجُ متواضِعًا) أي: يخرج الإمامُ كغيرهِ، حالَة كونه متواضعًا. فهو حالٌ من فاعل «يخرج»
(٤) قوله: (متخشعًا) أي: خاضعًا.
(٥) قوله: (متذَلِّلًا) من الذلة، أي: الهوان. قال ابن نصر اللَّه: متواضعًا ببدنه، متخشِّعًا بقلبِه وعينهِ، متذللًا في ثيابهِ. انتهى.
(٦) قوله: (مُتضرِّعًا) بلسانه.
(٧) قوله: (ومعه أهلُ الدِّينِ والصَّلاحِ، والشيوخُ) أي: ويُستحب أن يكونَ مع الإمام أهلُ الدين والصلاح، والشيوخُ؛ لسرعة إجابةِ دعوتهم. والصبيانُ المميزون؛ لأنه لا ذنوبَ لهم، فدعاؤهم مستجاب. صوالحي وإيضاح [¬٣].
(٨) قوله: (ويُباحُ خروجُ الأطفالِ والعجائزِ والبهائمِ) لأنَّ الرِّزقَ مشتركٌ بين
стр. 489
والتَّوسُّلُ بالصَّالحِينَ (١).
الكلِّ. وروى البزار، مرفوعًا: «لولا أطفالٌ رضَّع، وعُبَّاد ركَّعٌ، وبهائمُ رتَّع؛ لصُبَّ عليكم العذابُ صبًّا» [¬١]. ورُوي أن سيدَنا سُليمان ﵊ خَرجَ يستسقِي، فرأى نملةً مستلقيةً، وهي تقولُ: اللهم إنَّا خلقٌ من خَلقِكَ، ليس بنا غِنًى عن رِزقِك. فقال سليمان: ارجِعوا، فقد سُقِيتم بدعوةِ غيرِكم [¬٢].
ويؤمر سادةُ العبيدِ بإخراج عبيدهم؛ لما عندَهم من الانكسار بسبب الرِّقِّ [¬٣]. ويكره خروجُ النساء الحسنات، وأهلِ الذمَّة. فإن خرَج أهلُ الذمة لأنفسهم، لم يُمنعوا، وأمروا بالانفراد عن المسلمين؛ لئلا يصيبَهم عذابٌ فيعمُّ من حضرَهم، قال تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ [الأنفَال: ٢٥]. صوالحي [¬٤].
(١) قوله: (والتوسُّلُ بالصَّالحين) أي: التشفُّع بهم عند اللَّه في قضاءِ الحوائج [¬٥]؛ رجاءَ الإجابة. والصالحُ: القائمُ بحقوقِ اللَّه تعالى وحقوقِ
стр. 490
فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَخْطُبُ خُطبَةً واحِدَةً (١)، يَفتَتِحُهَا بالتَّكبِيرِ (٢) كخُطبَةِ
العباد؛ لأن عمر استسقى بالعباس، ومعاويةَ بيزيدَ بن الأسود. واستسقى به الضحاك بن قيس مرةً أخرى. ذكره الموفق.
قال السامريُّ، وصاحبُ «التلخيص»: لا بأس بالتوسل في الاستسقاء بالشيوخ، والعلماءِ المتَّقين. وقال في «المُذهِب»: يجوز أن يستشفع برجل صالح. وقيل: يُستحبُّ.
قال الإمام أحمد في منسكِه الذي كتبه للمرُّوذي: إنه يتوسل بالنبي ﷺ في دعائه [¬١]. وجزم به في «المستوعب» وغيره. قاله في «المبدع». «حاشية الإقناع» [¬٢].
(١) قوله: (ثم يَخطُبُ خطبةَ [¬٣] واحدةً) أي: ثم يصلِّي الإمامُ بالمسلمينَ ركعتين، ويخطُب خُطبةً واحدة؛ لأنه لم يُنقل أنَّ النبيَّ ﷺ خطبَ بأكثر منها. ويخطُبُ على مِنبرٍ، ويجلسُ للاستراحة ذكره الأكثر، كالعيد في الأحكام والناسُ جلوسٌ. قاله في المبدع. عثمان [¬٤].
(٢) قوله: (يفتتحُها بالتَكبيرِ) نسَقًا، تِسعًا.
стр. 491
العِيدِ. ويُكثِرُ فِيها الاستِغفَارَ (١)، وقِرَاءَةَ آيَاتٍ فِيها الأَمرُ بهِ (٢). ويَرْفَعُ يَدَيهِ (٣) وَظُهورُهُما نَحوَ السَّمَاءِ (٤). فَيَدعُو بِدُعَاءِ النَّبيِّ ﷺ (٥)،
(١) قوله: (ويكثرُ فيها الاستغفارَ) أي: ويكثرُ في الخُطبة من الصَّلاة على النبي ﷺ ؛ لإجابةِ الدُّعاء، ويكثرُ فيها من الاستغفار؛ لقوله تعالى: ﴿استغفروا ربكم إنه كان غفارًا يرسل السماء عليكم مدرارًا ويمددكم بأموال وبنبن﴾.
(٢) قوله: (وقراءةُ آياتٍ فيها الأمرُ به) أي: بالاستغفار؛ لقوله: ﴿ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارًا﴾ [هُود: ٥٢]. انتهى صوالحي [¬١].
(٣) قوله: (ويرفَعُ يديه) في دعائه؛ لقول أنس: كان النبيُّ ﷺ لا يرفعُ يديه في شيء من دعائه إلَّا في الاستسقاء، فكان يرفعُ يديه حتَّى يُرى بياضُ إبطيه. متفق عليه [¬٢].
(٤) قوله: (وظُهورُهُما نحوَ السماء) قال العلماء: السَّنةُ لمن دعا برفعِ البلاءِ: أن يجعلَ ظهرَ كفيه إلى السماء؛ إشارةً إلى الدفع. ولمن دعا بطلبِ شيءٍ: أن يجعلَ بطنَ كفيه إلى السماء؛ إشارةً إلى الأخذ. قاله الشيشيني.
(٥) قوله: (فيدعُو بدُعَاءِ النبيِّ ﷺ تأسيًا به. وهو: «اللهم اسقنا غيثًا مُغيثًا»: منقذًا من الشدة «هنيئًا»: حاصلًا بلا مشقة «مريئًا»: نافعًا، محمود العاقبة «غَدَقًا»: كثيرَ الماء والخير «مجللًا»: يعم العباد والبلاد نفعُه «سحَّا» أي:
стр. 492
ويُؤَمِّنُ المَأمُومُ (١).
ثمَّ يَستَقْبِلُ القِبلَةَ (٢) في أثنَاءِ الخُطبَةِ، فَيَقُولُ (٣)
صبًّا «عامًّا» أي: شامِلًا «طبقًا دائمًا، اللهم اسقنا الغيثَ، ولا تجعلنا من القانطين»: الآيسين من الرحمة «اللهم سُقيا رحمةٍ لا سقيا عذابٍ، ولا بلاءٍ، ولا هَدمٍ، ولا غَرق، اللهم بالعباد والبلاد من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرعَ، وأدرَّ لنا الضَّرع، واسقنا من بركاتِ السماء، وأنزل علينا من بركاتك، اللهم ارفع عنا الجوع، والجَهْدَ، والعُرْيَ، واكشِف عنا من البلاءِ ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفَّارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا» [¬١].
ويُكثر في الخُطبة من الدعاء، والصلاة على النبيِّ ﷺ . رواه ابن عمر؛ إعانةً على الإجابة. وعن عمر: الدعاءُ موقوفٌ بين السماءِ والأرضِ حتى تصلي على نبيك. رواه الترمذي [¬٢]. انتهى ما رأيته بخط الوالد.
(١) قوله: (ويؤمِّنُ المأمومُ) أي: ويؤمِّنُ على الدعاءِ الحاضِرُ من المأمومين.
(٢) قوله: (ثمَّ يستقبِلُ القِبلَة) ثم يستقبل الإمامُ القبلَة ندبًا.
(٣) قوله: (فيقول) الإمامُ كالقنوت. ولا يكره قول: اللهم أمطرنا [¬٣].
стр. 493
سِرًّا (١): «اللَّهُم إنَّكَ أمرتَنَا بِدُعَائِكَ، ووَعَدْتَنَا إجابَتَكَ، وقَد دَعَونَاكَ كَمَا أمَرْتَنَا، فاستَجِبْ لنَا كَمَا وَعَدْتَنَا (٢)».
ثُمَّ يُحَوِّلُ رِدَاءَهُ، فَيَجعَلُ الأَيمَنَ على الأَيسَرِ، والأَيسَرَ على الأَيمَنِ. وكَذَا: النَّاسُ (٣). ويَترُكُونَهُ (٤) حَتَّى يَنزِعُوهُ مَعَ ثِيَابِهم (٥).
فإنْ سُقُوا (٦): وإلَّا عادُوا ثانِيًا، وثَالِثًا (٧).
(١) قوله: (سِرًّا) لأنه أقربُ إلى الإخلاص، وأسرعُ إلى الإجابة.
(٢) قوله: (فاستجِبْ لنا كَمَا وعدَّتنا) قال تعالى: ﴿ادعوني استجب لكم﴾ [غَافر: ٦٠]. لأن في ذلك استنجازًا لما وعدَ من فضلِه.
(٣) قوله: (ثم يحوِّلُ رداءهَ … إلخ) لفعله ﷺ لِمَا رواه أحمد [¬١] من حديث أبي هريرة، (وكذا) يفعلُ (الناسُ) والمعنى فيه التفاؤلُ بالتحوُّلِ من الجَدب إلى الخَصب.
(٤) قوله: (ويتركُونَه) أي: الرِّداءَ محوَّلًا.
(٥) قوله: (حتَّى ينزِعُوهُ معَ ثيابِهم) عندَ المنام؛ لعدم ورودِ إعادته. فإذا فرغَ من الدعاء استقبلَهم، ثم حثَّهم على الصَّدقة والخيرِ، ويصلِّي على النبيِّ ﷺ ، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات، ويقرأ ما تيسَّر من القرآن، ثم يقولُ: أستغفر اللَّه لي ولكم، ولجميعِ المسلمين. ذكره السامريُّ. صوالحي [¬٢].
(٦) قوله: (فإن سُقُوا) في أوَّل مرَّةٍ، ففضلٌ من اللَّه ونِعمَةٌ.
(٧) قوله: (وإلَّا عادُوا ثانيًا، وثالثًا) أي: عودًا ثانيًا وثالثًا، صفةٌ لمصدر
стр. 494
ويُسَنُّ: الوُقُوفُ في أَوَّلِ المَطَرِ. والوُضُوءُ والاغتِسَالُ مِنهُ (١). وإخرَاجُ رَحْلِهِ (٢) وثِيَابِهِ لِيُصِيبَهَا (٣).
وإنْ كَثُرَ المَطَرُ حَتَّى خِيفَ مِنُهُ: سُنَّ قَولُ: «اللَّهُمَّ حَوَالَينَا ولا عَلَينَا (٤)، اللَّهُمَّ على الآكَامِ (٥)
محذوف، أي: في اليومِ الثاني والثالث، وألحّوا في الدعاء؛ لحديث: «إن اللَّه يُحبُّ الملحِّين في الدُّعاء» [¬١]. ولأنه أبلغُ في التضرع. قال أصبغُ: استُسِقي للنِّيلِ بمصرَ خمسةً وعشرين مرةً متواليةً، وحضره ابن [¬٢] وهب، وابنُ القاسم، وجمعٌ. «مطلع» وزيادة.
(١) قوله: (ويُسَنُّ الوقوفُ في أوَّلِ المَطَر … إلخ) ظاهرُه: استحبابُ الجمعِ بينهما [¬٣]. وينبغي الجواز دون الاستحباب. ح ف.
(٢) قوله: (وإخراجُ رحلِهِ) أي: ما يصحبهُ من الأثاث.
(٣) قوله: (وثيابِه ليُصيبَها) أي: وإخراجُ ثيابِه؛ لصيبَها المطرُ.
(٤) قوله: (حوَالينا ولا علَينا) بفتح اللام، أي: اجعله في الأودية، والمَرْعى التي لا يضرها، لا الأبنية والطرق.
وقوله: «ولا علينا» أي: في المدينة، ولا في غيرِها من البُنيان. م ص [¬٤].
(٥) قوله: (على الآكَامِ) بفتح الهمزة تليها مَدَّة، على وزن آصال، وبالكسر بلا
стр. 495
والظِّرَابِ (١)، وبُطُونِ الأَودِيَةِ (٢)، ومَنابِتِ الشَّجَرِ (٣)»، ﴿ربنا ولا تحملنا﴾ (٤)
مدٍّ، كجِبال. والأولُ: جمعُ أُكُم، بضمتين: جمعُ إكام، ككتاب: جمعُ أَكَم، بفتحتين: جمعُ أكَمَة. فهو مفردٌ جُمِعَ أربعَ مرات. قال عياض: وهو: ما غَلَظَ من الأرض، ولم يبلُغ أن يكونَ جبلًا، وكان أكثر ارتفاعًا مما حوله، كالتلول ونحوِها. م ص [¬١].
(١) قوله: (والظِّرابِ) بالظاء المُشالة، ووهِم من قال: بالضاد الساقطة [¬٢]. جمعُ ظَرْبٍ، بفتح فسكون: الجبلُ الصغيرُ. وفيه إشارةٌ لتعليمِنا الأدبَ في الدُّعاء، حيثُ لم يدعُ برفعِه مطلقًا؛ لأنه يُحتاج إليه مستمرًا بالنسبة لبعضِ الأودية، والمزارِع، إلى حصولِ الكِفاية التي يعلمُها اللَّه، فَطُلِبَ منعُ ضررِه، وبقاءُ نفعِه. وفيه إعلامٌ بأنه إذا قارن النِّعمةَ عارضٌ، لا يتَسخَّط منه، فيسألُ اللَّهَ رفعَ العارِض وبقاءَ النِّعمة. والدعاءُ برفعِ المضارِّ لا يُنافي التوكُّلَ والتفويضَ.
(٢) قوله: (وبُطُونِ الأوديةِ) أي: بالأماكنِ المُنخفِضَة.
(٣) قوله: (ومَنابِتِ الشَّجر) أصولها؛ لأنه أنفعُ لها.
(٤) قوله: (لا تُحَمِّلنَا) هكذا بخطِّ المصنف بإسقاطِ الواو، والتلاوةُ بإثباتِها؛ ولعلَّ وجهَ إسقاطِها: عدمُ ما يَعْطِفُ عليه: «لا تحملنا» في هذا الدعاء، بخلافِه في الآية الكريمة. قاله شيخنا عثمان [¬٣].