الخَامِسُ: المُكاتَبُ (١).
السَّادِسُ: الغَارِمُ (٢).
(١) قوله: (الخامسُ: المُكاتَبُ) وهو الذي في قوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾ [التوبة: ٦٠]. ولو قبلَ حلولِ مالِ الكِتابة، ولو مع القُوة والكَسب.
قال في «الإقناع»: ولو تلفت في يدهِ أجزأت، كالغارم، وابن السبيل.
ويُجزئُ من عليه زكاةٌ أن يشتري بالزكاة رقبةً، لا تَعِتقُ برَحِمٍ وتعليقٍ، ويُعتِقُها؛ لعموم الآية. ويُجزئُ السيَّدَ دفعُ زكاته لمكاتبه، نصًّا. لأنه معه كالأجنبي. وقيَّد في «الوجيز»، وغيرِه: بأن لا يكون حيلةً. ويجوز أن يفدي بالزكاة أسيرًا مُسلمًا، نصًّا. ولا يُجزئُ إن عَتَقَ قنًا عندَه عن الزكاة أو مكاتَبَهُ. صوالحي وزيادة [¬١].
(٢) قوله: (السادِسُ: الغارِمُ .. إلخ) وهو ضربان:
الأول: من تديَّن لأجل الإصلاحِ بينَ النَّاس من أهل القُرى أو القبائِل، ولو من أهل الذمَّة، سواءٌ كان التشاجر في دماءٍ أو أموالٍ؛ خيفَ منه التي يحدُث بسببِها الشحناءُ والعداوةُ، ويُخافُ من ذلك الفتنُ، وذهابُ النفوس والأموالِ، فيتوسَّطَ الرَّجلُ بينَهما؛ لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله أصلحوا ذات بينكم﴾ [الأنفَال: ١]. والبينُ: الوصلُ. وكذا من تديَّن ديةً بسببِ إتلافِ نفسٍ، أو مالًا بسبب إتلافِ مالٍ أو نهبٍ؛ لتسكينِ الفِتنةِ، ولو كان غنيًا، ما لم يكن دفعَها من مالِه، فليسَ له الأخذُ منها. وكذا من ضَمِنَ غيرَه، وأعسرَ كلٌّ منهما. صوالحي باختصار [¬٢].
стр. 632
وهُوَ: مَنْ تَديَّنَ للإِصلاحِ بَينَ النَّاسِ. أو تَديَّنَ لِنَفسِهِ وأَعسَرَ (١).
السَّابِعُ: الغَازِي في سَبيلِ اللَّهِ (٢).
(١) قوله: (أو تديَّن لنفسهِ وأعسَر).
الضربُ الثاني: من تديَّن لنفسِه في شيءٍ مُباح، أو محرَّمٍ وتابَ منه، أو تديَّن لشراءِ نفسِه من كُفَّارٍ وأعسَر بالدَّين؛ لقوله تعالى: ﴿والغارمين﴾ [التّوبَة: ٦٠]. ويُعطى لوفاءِ دَينِ كتابةٍ لا قدرةَ له على وفائِه. ولا يُعطى لدينٍ على ميِّتٍ؛ لأنه يُشتَرطُ [¬١] التمليكُ، والميِّت لا مِلك له. صوالحي [¬٢].
(٢) قوله: (السابِعُ: الغازي في سبيل اللَّه) تعالى؛ للنص. لأنَّ السبيلَ عند الإطلاق هو الغزو؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا﴾ [الصَّف: ٤]. وهو الذي لاحقَّ له من تعيينِ شيءٍ فى الديوان؛ لأنَّ من له شيءٌ معيَّن في الديوانِ يكفِيه فهو مُستَغنٍ به، ومن له ما لا يكفِيه، فيُعطَى ما يحتاجُ إلى كفايتَه.
ويجوز أن يُعطى من الزكاة لحَجِّ فرضِ فقيرٍ وعمرَتِه، على الأصح [¬٣]؛ لما روى أبو داود، عن ابن عمر: أن رجلًا جعَلَ ناقةً في سبيل اللَّه، فأرادت امرأتُه الحجَّ، فقال النبي ﷺ : «اركبيها، فإن الحجَّ من سَبيل اللَّه» [¬٤].
ولا يجوزُ لربِّ المالِ شراءُ شيءٍ مما يحتاجه من آلةِ الغَزوِ لنفسِه من زكاتِه. صوالحي باختصار [¬٥].
стр. 633
الثامِنُ: ابنُ السَّبيلِ (١). وهُو: الغَرِيبُ المُنقَطِعُ بِغَيرِ بَلَدِهِ (٢).
فيُعُطِي للجَمِيعِ مِنَ الزَّكاةِ: بِقَدْرِ الحَاجَةِ (٣).
(١) قوله: (الثامِنُ: ابنُ السَّبيل) وسُمِّي ابنَ السَّبيل؛ لأنَّ السبيل: الطريق. وسُمِّي المسافر ابنًا له؛ لملازَمتِه له. صوالحي [¬١].
(٢) قوله: (وهو الغريبُ المُنقَطِعُ بغيرِ بلَدِه) في سفرٍ مُباحٍ، أو مُحرَّم وتابَ منه، لا سفر مكروه، ونزهة؛ في الأصح. ويُعطَى ابنُ السبيل إذا لم يكن معه ما يُوصِلُه إلى بلَده، أو إلى مُنتهَى قصدِه، وعودِه إلى بلَده، ولو مع غِناه ببلَدِه، ولو وَجَد من يُقرِضُه. صوالحي [¬٢].
(٣) قوله: (فيعُطى للجميع .. إلخ) أي: للأصنافِ الثمانيةِ المذكورَة (مِنْ الزَّكاةِ، بقدِرِ الحاجَة) لا زيادةً عن الحاجة. فيعطَى مؤلَّفٌ ما يحصُلُ به تأليفُه عندَ الحاجةِ إليه. ويُعطَى المكاتبُ وفاءَ دينه؛ لعجزِه عنه، ولو قبلَ حُلولِ نَجْمٍ، أو مع قُدَرته على كَسبٍ. ويُعطَى الغازي [¬٣] ما يحتاجُه في غَزوِه ذَهابًا وإيابًا. ويُعطَى ابنُ السبيل ما يوصِلُه لبلده، ولو وجَدَ مُقرِضًا. وإن قصَدَ بلدًا، أو احتاجَ قبل وصولِها، أُعطي ما يُوصِلُه إلى البلَد الذي قَصَدَه، وما يرجِعُ به إلى بلَدِه.
وإن فَضلَ مع ابنِ السبيل، أو غازٍ، أو غارمٍ، أو مكاتَبٍ، شيءٌ، ردَّه. وغيرُهم يتصرَّفُ بما شاء؛ لملكه له مِلكًا مُستقرًّا؛ لأن اللَّه تعالى أضافَ
стр. 634
إلَّا العَامِلَ، فَيُعُطَى (١): بقَدْرِ أُجرَتِهِ، ولو غَنِيًّا (٢)، أو قِنًّا.
ويُجزِئُ: دَفْعُها إلى الخَوَارِجِ، والبُغَاةِ (٣). وكذلِكَ: مَنْ أخَذَهَا مِنَ
الزكاةَ إليهم بلام المِلك، ثم قال في الأربعة الأخرى: ﴿وفي الرقاب﴾ .. إلخ.
ولأنهم يأخذون لمعنًى يحصُلُ بأخذِهم، وهو: إغناءُ الفقراءِ والمساكين، وأداءُ أجر العاملين، وتأليفُ المؤلفَة. والأربعةُ الآخرون يأخذون بمعنًى لا [¬١] يحصُل بأخذِ الزكاة، فافترقوا.
وتُجزئُ الزكاةُ لشَخصٍ واحدٍ، ولو غريمِه أو مُكاتَبِهِ، إن لم يكن حِيلَةً؛ بأن يقصد إحياءَ مالِه، كما يدل عليه نصُّ الإمام. وقال القاضي وغيرُه: ومعنى الحيلة: أن يُعطيَه بشرطِ أن يردَّها عليه من دينه؛ لأنَّ من شَرطِها تملُّكًا صحيحًا، فإذا شرطَ الرجوعَ لم يوجد، فإن لم يشترط جاز له الأخذ. ولا يجزئُ أن يستخدِمَ بالزكاة قريبًا ولا غيره.
(١) قوله: (إلا العامِلُ فيعُطَى) من الزكاة.
(٢) قوله: (ولو غنِيًّا) أي: ولو كانَ العامِلُ غنيًّا.
(٣) قوله: (ويُجزِئُ دفعُها إلى الخَوارِج والبُغاةِ) إذا غَلَبوا على البلَد.
ويُجزئُ دفعها لصغيرٍ، ولو لم يأكُل الطعام، ويَقبَلُ ويَقبِضُ له وليُّه، فإن لم يكن وليٌّ، فمن يليه من أمٍّ أو غيرِها. صوالحي [¬٢].
стр. 635
السَّلاطِينِ، قَهرًا (١) أو اختَيارًا، عَدَلَ فِيها أو جَارَ (٢).
(١) قوله: (وكذلك مَنْ أخذَها مِنْ السَّلاطِين قهرًا) أي: ومثلما يُجزئُ دفعُها للخوارِج والبغاةِ يجزئُ دفعُها لمن أخذَها من السَّلاطين قهرًا على ربِّ المال.
(٢) قوله: (أو اختيارًا، عدلَ فيها أو جارَ) أي: أو أخذَها السُّلطان اختيارًا منه، عدلَ السلطانُ فيها أو جارَ.
قال في «الشرح الكبير» [¬١]: لا يختلف المذهب أنَّ دفعَها للإمام جائزٌ، سواءٌ كان عدلًا أو غير عدل، وسواءٌ كان من الأموالِ الظَّاهرة أو الباطنة. ويبرأُ بدفِعها، سواءٌ تلِفَت في يدِ الإمام، أو لا، وسواءٌ صرَفَها في مصرِفِها، أو لم يَصرفها. انتهى.
ويُشتَرطُ لإجزاءِ الزَّكاة تمليكُ المُعطَى له، فلا يَكفي إبراءُ فقيرٍ من دَينِه، ولا حوالتُه بها.
ومن أبيحَ له أخذُ شيءٍ من الزكاة، أبيحَ له سؤالُه. وإعطاءُ السائل، مع صِدقه، فرضُ كفاية؛ لحديث: «لو صدَق، ما أفلَح من ردَّه» [¬٢]. احتجَّ به الإمامُ أحمد، وأجاب بأنَّ السائلَ إذا قال: أنا جائعٌ، وظَهر صدقُه، وجبَ إطعامُه. وإن سألوا مطلقًا لغير مُعيَّن، لم يجب إعطاؤهم، ولو أقسَموا؛ لأن إبرارَ القَسم إنِّما هو إذا أقسَم على معيَّن، وإن جُهل حالُ السائِل، فالأصلُ عدمُ الوجوب. وإطعامُ جائعٍ، فرضُ كِفاية.
стр. 636
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويجبُ قبولُ مالٍ طيِّب، أتى بلا مسألة، ولا استشرافِ نفس.
وسُنَّ تعميمُ الأصنافِ الثمانية بلا تفضيل بينهم إن وُجِدت. وسُنَّ تفرقتُه في أقاربه الذينَ لا تلزمهُ نفقتُهم، كذَوِي رحِمِه، ومن لا يرِثُه لحجبٍ، كأخٍ وعمٍّ حُجِبَ بابنٍ وإن سَفَل أو أبٍ ونحوِه، على قدرِ حاجتِهم.
ويجوزُ الاقتصارُ على إنسانٍ واحدٍ في دفعِ الزكاة له، ولو غريمه أو مكاتبه؛ لقوله تعالى: ﴿إن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البَقَرَة: ٢٧١]. صوالحي وزيادة [¬١].
стр. 637
فَصْلٌ
ولا يُجزِئُ: دَفعُ الزَّكاةِ للِكَافِرِ (١). ولا: للِرَّقِيقِ (٢). ولا: للِغَنيِّ بِمَالٍ (٣) أو كَسْبٍ (٤). ولا: لِمَنْ تَلزَمُهُ نَفَقَتُهُ (٥).
فَصْلٌ
(١) قوله: (ولا يُجزِئُ دفعُ الزَّكاةِ للكافِر) غير مؤلَّفٍ. حكاه ابنُ المُنِذر إجماعًا.
(٢) قوله: (ولا للِرَّقِيق) أي: ولا يُجزئُ دفعُ الزكاة لكامِل الرِّقِّ؛ مِنْ قِنٍّ، ومُدَبَّرٍ، ومُعلَّقٍ عِتقُه بصفَةٍ، ولو كان سيِّدُه فقيرًا ونحوه؛ لاستغنائِه بنفقةِ سيِّده، غيرِ عامِلٍ؛ لأنَّ ما يأخذُه أُجرةُ عَمَلٍ يستحقُّها سيِّدُه، وغيرِ مكاتَبٍ. م ص [¬١].
(٣) قوله: (ولا للغَنيِّ بمَال) أي: ولا يُجزئُ الدَّفعُ للغنيٍّ بمالٍ يملِكُه.
(٤) قوله: (أو كَسْب) أي: ولا يُجزئُ الدَّفع للغنيِّ بكسبٍ من صَنعَةٍ ونحوِها تكفيه. ويحرمُ على الغني الذي له ما يكفيه أن يأخذَ شيئًا من الزكاة، وأن يسأل منها. صوالحي بإيضاح [¬٢].
(٥) قوله: (ولا لِمَنْ تلزمُه نفقَتُه) أي: ولا يُجزئُ الدفعُ لمن تلزمهُ نفقتُه، ولو كان فقيرًا أو مسكينًا، ممَّن يرثُه بفرضٍ أو تَعصِيبٍ، من عَمُودَي النَّسب، من أصلٍ وإن علا، أو فرعٍ وإن سَفَل، ذَكرًا كان أو أنثى. والوارثُ والممنوعُ
стр. 638
ولا: للِزَّوجِ (١). ولا: لِبَنِي هَاشمٍ (٢).
من الإرث بسببٍ فيه سواءٌ، ما لم يكونا عمودي النسب [¬١] عمالًا، أو مؤلَّفين، أو غُزاةً، أو غارِمين، غيرَ غارمٍ لنفسِه، ولا لمن تلزمُه نفقتُه من غيرِ عَمودَي النَّسب، ما لم يكن عاملًا، أو غازيًا [¬٢]، أو مؤلفًا، أو مكاتبًا، أو ابن سبيل. صوالحي [¬٣].
(١) قوله: (ولا للزَّوجِ) أي: ولا يُجزئُ دفعُها للزَّوج؛ لأنه يعودُ عليها بالنَّفقةِ منه، ولا من الزوج لها؛ لأنه يلزمُه نفقتُها، فتستغِني بها عن الزكاة. م ص [¬٤].
(٢) قوله: (ولا لبَنِي هاشمٍ) أي: ولا يُجزئ دفعُها لبَني هاشم، وهم: سُلالَةُ هاشِمٍ، ذكورًا كانوا أو إناثًا. فدخل آلُ عباس بن عبد المطلب، وآلُ عليٍّ، وآلُ جعفَرٍ، وآلُ عقيل، أولادُ أبي طالبِ بن عبد المطلب، وآلُ الحارث، وآلُ أبي لهب بن عبد المطلب. لكن تُجزِئُ إليه إن كانَ غازيًا، أو غارِمًا لإصلاح ذات بَينٍ، أو مؤلَّفًا.
ولا إلى مواليه، أي: الهاشِمي. وعُلِم منه: أنَّها تُجزئُ إلى بني المطَّلب ومواليهم، كما هو الأصحُّ. عثمان [¬٥].
стр. 639
فإن دفَعَها لِغَيرِ مُستَحِقِّهَا (١) وهُو يَجهَلُ (٢)، ثُمَّ عَلِمَ: لَم يُجزِئْهُ (٣)، ويَستَرِدُّها مِنهُ (٤) بنَمَائِها (٥). وإن دَفَعَها لِمَنْ يَظُنُّه فَقِيرًا، فبَانَ غَنِيًّا: أجزَأَ (٦).
وسُنَّ: أن يُفَرِّقَ الزَّكاةَ على أقارِبِهِ، الذِين لا تَلزَمُهُ نَفَقَتُهُم، على قَدرِ
(١) قوله: (فإن دفعَها لغيرِ مُستحِقِّهَا) أي: فإن دفعَ الزكاةَ ربُّ المال لغيرِ مُستحقِّها، كما لو دفعَها لكافر، أو رَقيق، أو غَنيٍّ، أو لعمودَي نسبِه، أو من [¬١] تلزمُه نفقتُه غيرهما، أو لزوج، أو لزوجة، أو لبني هاشم. صوالحي [¬٢].
(٢) قوله: (وهو يجهَلُ) أي: والمزكِّي يجهلُ أنَّها لا تُجزئُ؛ لاعتقاده الجواز.
(٣) قوله: (ثمَّ عَلِمَ لم يُجزئه) أي: ثم بعدَ الدفعِ عِلم حالَ المدفوعِ إليه، لم يجزئْه؛ لأنه لا يخفَى حالُه غالبًا.
(٤) قوله: (ويَستَرِدُّها مِنه) أي: وله أن يستردَّها من قابِضِها، فإن تلِفَت، ضمِنَها قابضٌ. وإن كانَ الدافعُ الإمام أو نائبَه، فعليه الضَّمان. م ص [¬٣].
(٥) قوله: (بنمائِها) المتَّصِلِ كالسِّمَن، والمنفَصِل كالدَّرِ. صوالحي [¬٤].
(٦) قوله: (فبانَ غَنيًا، أجزأَ) لأن الغِنَى ممَّا يَخفَى، ولذلك اكتُفيَ فيه بقولِ الآخذ. انتهى الوالد.
стр. 640
حاجَتِهِم (١)، وعلى ذَوِي أرحَامِهِ (٢)، كعَمَّتِه، وبِنتِ أخِيهِ.
وتُجزِئُ: إن دَفَعها لِمَنْ تَبَرَّعَ بِنَفَقَتِه بِضَمِّه إلى عِيَالِهِ (٣).
(١) قوله: (على قَدرِ حاجتِهم) كما تقدَّم في محلِّه. صوالحي [¬١].
(٢) قوله: (وعلى ذوِي أرحامِه) أي: وسُنَّ تفرقتُه على ذوِي أرحامِه، غيرِ عمودَي نسبِه، كأخواله، وأولادِ أخته، ولو ورِثوا؛ ولأن قرابتَهم ضَعيفةٌ. بأن يُسنَّ تفرِقتُها في نحوِ هؤلاءِ على قدرِ حاجتِهم، الأقرب فالأقرب؛ لقوله ﵊: «صدقتك على ذوي القرابةِ صدقةٌ وصِلَةٌ» [¬٢].
وعُلِمَ منه: أنها لا تُجزئُ إلى أصلِه، كأبيه وأمِّه، وجدِّه وجدَّته من قِبلِهما، وإن علوا، ولا إلى فَرعِه، كولدِهِ، وإن سفل، من ولدِ الابنِ والبنتِ، إلَّا أن يكونوا عُمَّالًا، أو مؤلَّفين، أو غُزاةً، أو غارمين لذاتِ بينٍ. وأنَّها لا تُجزئُ أيضًا إلى سائرِ من تلزمُه نفقتُه، ممَّن يرثُ لفرضٍ أو تعصيب، كأختٍ، وعَمٍّ، وعتيقٍ، حيث لا حاجب، ما لم يكن عامِلًا، أو غازيًا، أو مؤلَّفًا، أو مكاتبًا، أو ابنَ سبيل، أو غارِمًا لإصلاحِ ذات بين. م ص [¬٣].
(٣) قوله: (وتُجزِئُ إن دفعَها لمن تبرَّع بنفقتِه بضَمِّه إلى عيالِه) أي: وتُجزئُ إن دَفعَ الزكاة لقريبٍ لا تلزمُه نفقتُه، أو يتيمٍ غيرِ وارث، أو مِنْ الأجانِب، لمن تبرَّع بنفقتِه بضمِّ المتبرِّع له إلى عيالِ نفسِه. روى البخاري [¬٤]: أن امرأة
стр. 641
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عبدِ اللَّه سألت النبيَّ ﷺ عن بني أخٍ لها أيتامٍ في حجرها، فتعطيهم زكاتَها؟. قال: «نعم». انتهى صوالحي [¬١].
стр. 642
فَصْلٌ
وتُسَنُّ: صَدَقَةُ التَّطوُّع (١)، في كُلِّ وَقتٍ (٢)، لا سِيَّمَا سِرًّا (٣)،
فَصْلٌ
(١) قوله: (وتُسنُّ صدقةُ التَّطوُّعِ) بما يفضُل عن كفايتِه وكفايةِ من تلزمُه نفقتُه كفايةً دائمةً بمتجرٍ، أو غلَّة، أو صَنعَةٍ؛ لأن اللَّه تعالى حثَّ عليها في كتابه العزيز في آيات كثيرة، قال تعالى: ﴿وأقرضوا الله قرضًا حسنًا يضاعفه لكم ولهم أجر كريم﴾ [الحَديد: ١٨]. وقال ﷺ : «إن الصدقةَ لتطفئُ غضبَ الربِّ، وتدفعُ ميتةَ السُّوء». رواه الترمذي وحسنه [¬١]. وقال ﵊: «اليدُ العُليا خيرٌ من اليد السُّفلَى، وابدأ بمن تعول، وخيرُ الصدقة عن ظَهرِ غِنًى» [¬٢]. عثمان [¬٣] وإيضاح.
(٢) قوله: (في كلِّ وقتٍ) لإطلاقِ الحث عليها في الكتاب والأخبار. وكونُها بطيبِ نفسٍ في صحَّةٍ أفضلُ.
(٣) قوله: (لا سِيَّمَا سِرًّا) حكى الأخفشُ أنه يقال: «لا سِيَمَا» مخففًا، ومعنى «لا سيما سرًّا»: التعجبُ من فضلِ الصدقة الواقعَةِ سِرًّا من الصَّدقة الواقعةِ جَهرًا. «لا»: نافيه تعمل عمل «إن» و «سيَ»: اسمُها منصوب بالفتَحة
стр. 643
وفي الزَّمَانِ (١) أو المَكَانِ الفَاضِلِ (٢)، وعلى جارِهِ (٣)، وذَوِيِ رَحِمِهِ، فَهِيَ: صَدَقَةٌ، وصِلَةٌ (٤).
الظَّاهرة «وما»: زائدة. وخبرُها مستترٌ تقديُره: لا سيما الصدقَةُ في السرِّ. ف «سِرًّا» منصوبٌ بنزعِ الخَافِضِ.
(١) قوله: (وفي الزَّمان) أي: والصدقةُ في الزمان الفاضِل، كرمضانَ، ويومِ عرفةَ، ويوِم العيد، ويومِ الجُمعة، ونحو ذلك. صوالحي [¬١].
(٢) قوله: (أو المكان [¬٢] الفاضِل) كمكَّةَ، والمدينةِ، والمسجدِ الأقصى. أفضلُ من غيره، وفي أوقات الحاجةِ أفضلُ منها في غيرِها.
(٣) قوله: (وعلى جارِه) أفضلُ منها على غيرِه؛ لقوله تعالى: ﴿والجار ذي القربى والجار الجنب﴾ [النِّساء: ٣٦]. ولحديث: «ما زال جبريلُ يوصيني بالجارِ حتَّى ظننتُ أنَّه سيورِّثه» [¬٣]. صوالحي [¬٤].
(٤) قوله: (وذَوِي رحِمِه فهِيَ صَدَقةٌ وصِلَةٌ) أي: والصدقةُ على ذوي رحمه، أفضلُ من كونها على غيرِ ذُوي رحِمه؛ لأنها عليهم صدقة وصلة.
وكونُها على ذَوي رحِمِه مع عداوةٍ بينهما أفضلُ؛ لحديث: «أفضلُ الصدقةِ، الصدقةُ على الرحم الكاشِح» [¬٥]. أي: مضمِرُ العداوَةِ. والكشح:
стр. 644
ومَن تَصَدَّقَ بما يَنقُصُ مُؤْنَةً تَلزَمُهُ (١)، أو أضَرَّ بنَفسِهِ (٢)، أو غَرِيمِهِ (٣): أَثِمَ بذلِكَ (٤).
ما بين الخاصِرة إلى الضِّلع. صوالحي وزيادة [¬١].
(١) قوله: (ومن تصدَّقَ بما يَنقُصُ مُؤْنَةً) أي: مؤنةَ مَنْ (تَلزُمُه). فالتنوين عِوضٌ عن المضاف إليه. كمؤُنَةِ زوجةٍ أو قَرِيبٍ، أَثِمَ؛ لحديث: «كفَى بالمرءِ إثمًا أن يضيِّعَ من يقوتُ» [¬٢]. م ص [¬٣].
(٢) قوله: (أو أضرَّ بنفسِهِ) أي: أو تصدَّق بما يضُرُّ بنفسِه، كمن تصدَّق بجميعِ مالِه، أو بما يحتاجُه لنفسِه. صوالحي [¬٤].
(٣) قوله: (أو غَريمِه) أي: أو تصدَّق بما يضُرُّ بغريمِه، أو كفيلِه، بسببِ صدقتِه، أَثِمَ؛ لحديث: «لا ضررَ ولا ضِرار». انتهى الوالد.
(٤) قوله: (أثم بذلك) لحديث أبي هريرة، قال: أَمَرَ رسولُ اللَّه ﷺ بالصَّدقة، فقام رجلٌ فقال: يا رسول اللَّه، عندِي دينار. فقال: «تصدَّق به على نفسِك». فقال: عندي آخر. فقال: «تصدَّق به على ولدِك». قال: عندي آخر. قال: «تصدق به على زوجتك». قال: عندي آخر. قال: «تصدق به على خادِمِكَ». قال: عندي آخر. قال: «أنت أبصرُ» رواه أبو داود [¬٥]. وإن
стр. 645
وكُرِه لِمَنْ لا صَبْرَ لَهُ، أو لا عَادَةَ لَهُ على الضِّيقِ: أن يَنْقُصَ نَفسَهُ عن الكِفَايَةِ التَّامَّةِ (١).
والمَنُّ بالصَّدَقَةِ: كَبيرَةٌ (٢). ويَبطُلُ بهِ الثَّوابُ (٣).
وافقه عيالُه على الإيثارِ فَهو أفضلُ في حقِّهم؛ لقوله تعالى: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ [الحَشر: ٩]. صوالحي باختصار [¬١].
(١) (وكُرِه لِمَنْ لا صبرَ له) على الضِّيق (أو لا عادةَ له على الضِّيقِ أن) يتصدق بما (يَنقُصُ نَفسَهُ عن الكفايَةِ التامَّةِ) نصَّ عليه. لأنه نوعُ إضرارٍ به. وعُلِمَ منه: أن الفقير لا يقترِضُ ليتصدَّق. ووفاءُ الدَّين يقدم على الصَّدقة.
وتجوزُ صدقةُ التَّطوعِ على الكافر، والغنيِّ. ويُستحبُّ تعفُّفُ الغنيِّ، فإن أخذَها الغنيُّ مُظهِرًا للفاقةِ، حَرُمَ عليه. صوالحي بإيضاح [¬٢].
(٢) قوله: (والمَنُّ بالصَّدقَةِ كبيرةٌ) فَيحرمُ المَنُّ بها، وكذا بغيرِها. صرَّح به في «الإقناع»، وإنما اقتصَر المصنف على الصَّدقة؛ لأنها المذكورة في الآية، والمحلُّ لها. والكبيرة: ما فيه حدٌّ في الدنيا، أو وعيدٌ في الآخرة. عثمان [¬٣].
(٣) قوله: (ويبطلُ به الثَّوابُ) أي: ويبطُلُ بالمَنِّ الثَّوَابُ؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ [البَقَرَة: ٢٦٤]. قال في «الفروع»: ولأصحابِنا خِلافٌ فيه، وفي بُطلانِ طاعةٍ بمعصية .. وقال: اختارَ شيخُنا رحمه اللَّه تعالى: الإحباط [¬٤] بمعنى الموازَنة، وذكَر أنَّه قولُ أكثرِ السَّلف. صوالحي [¬٥].
стр. 646
كِتَابُ الصِّيامِ
يَجِبُ صَومُ رَمَضَانَ: بِرُؤيَةِ هِلالِهِ (١)،
كِتابُ الصِّيَامِ
مصدر صام، وهو لغةً: مجرَّدُ الإمساك، يقال للسَّاكتِ: صائمٌ؛ لإمساكِه عن الكلام. ومنه: ﴿إني نذرت للرحمن صومًا﴾ [مريَم: ٢٦]. الآية.
وشرعًا: إمساكٌ بنيةٍ عن أشياءَ مخصوصَة، وهي مُفسِداتُه، وتأتي، في زمنٍ معيَّنٍ، وهو: من طلوعِ الفجرِ الثاني إلى غُروبِ الشمس. من شخصٍ مخصوصٍ، وهو المسلم العاقل، غير الحائض والنفساء.
وفُرِضَ صومُ رمضان في السنة الثانية من الهجرة. قال ابنُ حجر: في شعبان. فصامَ ﵊ تِسْعَ رمَضَانات إجماعًا. منها رمضانان ثلاثون، وسبعُ رمضاناتٍ تِسْعٌ وعِشرون. قاله الدَّمِيريُّ، وابنُ حجر في شرحيهما على «المنهاج».
(١) قوله: (يجِبُ صومُ رمضَانَ برؤيةِ هِلالِه) أي: يجبُ صومُ رمضانَ في كلِّ عامٍ برؤية هلاله؛ لقوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام﴾. إلى قوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البَقَرَة: ١٨٥]. ولحديث: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته» [¬١]. وهو خطابٌ للأمة جميعًا، ولو اختلف المَطالِعُ. قال الإمام أحمد: الزوالُ في الدُّنيا واحدٌ. والإجماعُ منعقِدٌ على وجوبِه.
стр. 647
علَى جَمِيعِ النَّاسِ (١)، وعلَى: مَنْ حَالَ دُونَهُم ودُونَ مَطلَعِهِ (٢)
ويُستحبُّ ترائي الهلال، وقولُ ما ورَدَ، ومنه ما روى ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ إذا رأى الهلال، قال: «اللَّه أكبر، اللُّهم أهلَّه علينا بالأمن والإيمان، والسَّلامةِ والإسلام، والتوفيقِ لما تُحبُّ وترضَى، ربي وربُّك اللَّه» [¬١]. ويقولُ ثلاثًا: «هلال خيرٍ ورُشد» [¬٢]. ويقولُ: «آمنتُ بالذي خلقَك». ثم يقول: «الحمدُ للَّه الذي أذهب شهرَ كذا، وجاءَ بشهر كذا». قاله في «الآداب» [¬٣].
وهو أحدُ أركانِ الإسلام؛ لحديث ابن عمر المتفق عليه: «بُني الإسلامُ على خمس … » [¬٤]. الحديث.
وسُمِّي رمضان؛ لحَرِّ جوفِ الصائم فيه ورَمَضِه. والرَّمضاءُ: شِدَّةُ الحَرِّ. فعطفُه مرادِفٌ. وقيل: لأنه يُحرِق الذُّنوب. وقيلَ غيرُ ذلك.
والمستحبُّ قولُ: شَهرُ رمضان. ولا يُكره قولُ: رمضان. صوالحي وزيادة [¬٥].
(١) قوله: (على جميع الناس) ممن يلزمُهم. صوالحي [¬٦].
(٢) قوله: (وعلى مَنْ حالَ دونَهُم ودونَ مطلَعِه) أي: ويجبُ صومُ رمضانَ على
стр. 648
غَيمٌ، أو قَتَرٌ (١)، لَيلَةَ الثَّلاثِينَ مِنْ شَعبَانَ؛ احتِيَاطًا، بِنِيَّةِ رَمَضَانَ (٢).
من حالَ دونهُم ودونَ مطلَعه، أي: مطلعِ الهلال، ليلةَ الثلاثين مِنْ شعبان. انتهى الوالد.
(١) قوله: (غيمٌ، أو قَتَرٌ) بالتحريك: الغبَرَةُ، كالقَتَرَةِ. أو غيرُهما. أي: الغيمِ والقتَرِ، كالدُّخانِ. وكذا البُعُد عند ابن عقيل. قال المجدُ: فيجبُ على كلِّ حنبليِّ يصومُ مع الغيمِ أن يصومَ مع البُعدِ. انتهى. قال ابنُ قُندُسٍ: أي: البُعدُ الذي يحولُ بينَه وبين الهلال، كالمطمورِ، والمَسجُونِ، ومن بينَه وبينَ المَطلَعِ شيءٌ يحولُ عن النَّظَرِ، كجبَلٍ ونحوِه. انتهى. ح ف.
(٢) قوله: (احتياطًا بنيَّةِ رمضان) أي: حُكمًا ظنيًّا، يعني: حُكِمَ بوجوبِه بطريقِ الظَنِّ، لا بطريقِ القَطعِ واليقين؛ وللخُروجِ من عُهدَةِ الوجوبِ. اختاره الخِرَقيُّ، وأكثرُ شُيوخِ أصحابِنا، وهو المَذهَبُ. رُويَ عن ابن عمر مرفوعًا، قال: «إذا رأيتموهُ فصوموا، وإذا رأيتموهُ فأفطِروا، فإن غُمَّ عليكم، فاقدُروا لهُ». متفق عليه [¬١]. ومعنَى «فاقدُروا له» أي: ضيِّقوا، وهو أن يجعل شعبان تسعًا وعشرين يومًا. ويؤكِّده قولُ عليٍّ، وأبي هريرة، وعائشةَ: لأنْ أصومَ يومًا من شعبان، أحبُّ إليَّ من أن أُفطِرَ يومًا من رمضان [¬٢]. صوالحي وزيادة [¬٣].
стр. 649
ويُجزِئُ (١): إنْ ظَهَر مِنهُ (٢). وتُصَلَّى التَّرَاوِيحُ (٣). ولا تَثبُتُ: بَقِيَّةُ الأَحكَامِ (٤)، كوُقُوعِ الطَّلاقِ، والعِتْقِ (٥)، وحُلُولِ الأَجَلِ (٦).
(١) قوله: (ويُجزئُ) صومُ يومِ الثَّلاثين من شعبان.
(٢) قوله: (إن ظَهَر منه) أي: بَانَ أنَّه من رمضانَ؛ بأن ثبتت رؤيتُه بموضِعٍ آخر؛ لأن صومَه قد وقعَ بنية رمضان لمستندٍ شرعيٍّ من رؤيةِ هلاله، أو إكمالِ [¬١] شعبان، أو حيلولةِ غَيمٍ أو قَتَرٍ ونحوه، أشبهَ الصومَ للرؤية. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (وتصلَّى التَّراويحُ) أي: وتثبتُ بقية توابعِ رمضان؛ بأن تُصلَّى في ليلتِه التراويحُ احتياطًا، وتثبتُ بقيةُ توابعِ الصَّوم من وجوبِ كفارةٍ بوطءٍ فيه، ونحوه، كوجوبِ إمساكٍ على مَنْ أكلَ فيه جاهلًا. والظاهرُ أنَّ من توابعِ الصوم: وجوبَ القضاءِ على من لم يبيِّت النية، ما لم يُتحقَّق أنه من شعبان؛ بأن لم يُر مع صَحوٍ بعدَ الثلاثين ليلةً من اللَّيلة التي غُمَّ فيها هلالُ رمضان، فيتبيَّن أنه لا كفَّارة بالوطءِ في ذلك اليومِ، ولا قضاء. م ص [¬٣].
(٤) قوله: (ولا تثبتُ بقيَّةُ الأحكَامِ) احتياطًا.
(٥) قوله: (كوقوعِ الطلاقِ والعِتقِ) المعلَّقَينِ به.
(٦) قوله: (وحُلُولِ الأجَل) وانقضاءِ العِدَّةِ، ومدَّةِ الإيلاءِ؛ عملًا بأصلٍ خولِفَ للنَّص، واحتياطًا لعبادةٍ عامَّةٍ. م ص [¬٤]
стр. 650
وتَثبُتُ رُؤيَةُ هِلالِهِ: بِخَبَرِ مُسلِمٍ (١)، مُكَلَّفٍ، عَدْلٍ (٢)، ولو عَبْدًا، أو
(١) قوله: (وتثبتُ رؤيةُ هلالِه بخبَرِ مُسلِمٍ) أي: تثبتُ رؤيةُ هلالِ رمَضانَ بخبرِ مُسلِمٍ واحدٍ؛ لأنه دخولٌ في عِبادَةٍ، ولأن النبيَّ ﷺ صوَّم النَّاس بقولِ ابن عمر. رواه أبو داود [¬١]. ولا يعتبر لفظُ الشَّهادَة، ولا حُكمُ الحَاكم. صوالحي [¬٢].
(٢) قوله: (مكلَّفٍ) لا مميِّزٍ (عَدلٍ) لا فاسقٍ، ولا مستورِ الحالِ. قال عثمان [¬٣]: ولعل المراد به: مجهولُ الحَالِ.
ومن رأى هلالَ رمضَان وحدَه، وردَّت شهادتُه لفِسقٍ أو غيرِه، لزمِهُ الصومُ، وجميعُ أحكامِ الشَّهر من طلاقٍ، وعِتقٍ، وغيرِهما مما يتعلَّق به؛ لعموم حديث: «صوموا لرؤيته» ولا يُفطِرُ [¬٤] إلَّا معَ النَّاس؛ لأنَّ الفِطرَ لا يُباحُ إلا بشهادةِ عَدلَينِ.
وإن رآه وحدَه، لم يُفطِر؛ لحديث: «الفطرُ يومَ يفطِرونَ .. إلخ» [¬٥]. وقال ابنُ عِقيلٍ: يجبُ الفِطر سِرًّا. وهو حَسَنٌ؛ لتيقُّنه أنَّه يومُ عيدٍ، وهو منهيٌّ عن صومِه. وأُجيبَ: بأنه لا يثبتُ به اليقينُ في نَفسِ الأمر؛ إذ يجوزُ أنه خُيِّل إليه، فينبغي أن يُتمِّمَ؛ احتياطًا للصَّوم، وموافقةً للجماعة. انتهى. صوالحي [¬٦].
стр. 651
أُنثَى (١). وتَثبُتُ: بَقِيَّةُ الأحكَامِ تَبَعًا (٢). ولا يُقبَلُ في بَقِيَّةِ الشُّهُورِ: إلَّا رَجُلانِ عَدْلانِ (٣).
(١) قوله: (ولو عبدًا أو أنثى) أي: ولو كان المُخبِرُ عبدًا أو أُنثى؛ لأنه دخولٌ في عِبادَةٍ كالرِّوايةِ. ولا يَختَصُّ ثبوتُه بحاكِم، فيلزمُ الصَّومُ من سَمِعَ عدلًا يُخبِرُ برؤيةِ هلالِه، ولو ردَّه الحاكِم؛ لجوازِ أن يكونَ لعدَم عِلمه بحالِ المُخبِرِ. وقد يجهلُ الحاكمُ من يعلمُ غيرُه عدالتَه. م ص [¬١].
(٢) قوله: (وتثبُتُ بقيَّةُ الأحكَامِ) أي: وتثبتُ بثُبوتِ شهرِ رمضانَ بخبرِ الواحدِ بقيَّةُ الأحكامِ (تَبعًا) كوقوع الطَّلاق، والعِتقِ، وحُلولِ الأجَل، ونحوِ ذلك. صوالحي [¬٢].
(٣) قوله: (ولا يُقبَلُ في بقيَّة الشُّهورِ إلا رجُلانِ عدلَان) أي: وتثبتُ رؤيةُ هلالِه بخبرِ مسلِم … إلخ، بخلافِ بقيَّةِ الشُّهور، فلا يُقبل فيها إلا رجُلانِ عدلان بلفظ الشَّهادة. والفرقُ: الاحتياطُ للعبادَةِ.
فإن صامُوا بشهادةِ واحدٍ ثلاثينَ يومًا ولم يروه، لا يفطرون، فيُتِمُّونَ رمضانَ، ثمَّ يُفطِرونَ. صوالحي باختصار [¬٣].
стр. 652
فَصْلٌ
وشُرُوطُ وجُوبِ الصَّومِ أربَعَةُ أشيَاءَ: الإسلامُ (١). والبُلُوغُ (٢). والعَقلُ (٣). والقُدرَةُ علَيهِ (٤).
فمَن عَجَزَ (٥) عَنهُ لِكِبَرٍ (٦)،
فَصْلٌ
(١) قوله: (الإسلامُ) فلا يجِبُ على الكافِر، ولو أسلَم في أثنائِه، لم يلزمهُ ما مَضَى من الأيام، ويجِبُ عليه إمسَاكُ ذلِكَ اليومِ، والقضاءُ، كما يأتي في الفصل بعدَه.
(٢) قوله: (والبُلوغُ) فلا يجِبُ على صغيرٍ؛ لحديث: «رُفع القلم عن ثلاثة» [¬١]. صوالحي [¬٢].
(٣) قوله: (والعقلُ) فلا يَجِبُ على مجنونٍ؛ للحديث المتقدم.
(٤) قوله: (والقدرةُ عليه) أي: على الصَّوم.
(٥) قوله: (فمن عَجَزَ عنهُ) أي: عن الصَّوم. فهو مفرَّعٌ على «القدرة».
(٦) قوله: (لِكِبَرٍ) كشيخٍ هَرِمٍ وعَجوزٍ يُجهِدهُما الصَّومُ، ويَشقُّ عليهما مشقةً شديدةً. صوالحي [¬٣].
стр. 653
أو مَرَضٍ لا يُرجَى زَوَالُه: أَفطَرَ (١)، وأطعَمَ عَنْ كُلِّ يَومٍ مِسكِينًا (٢)؛ مُدَّ بُرٍّ، أو نِصْفَ صَاعٍ مِنْ غَيرِهِ (٣).
وشَرْطُ صِحَّتِهِ (٤) سِتَّةٌ: الإسلامُ (٥). وانقِطَاعُ دَمِ الحَيْضِ، والنِّفَاسِ (٦).
(١) قوله: (أو مَرضٍ لا يرُجَى زوالُه، أفطَر) أي: أو عَجَزَ عنه لمرضٍ لا يُرجَى زوالُه، أفطَرَ إجماعًا. فهو جوابُ الشرط.
(٢) قوله: (وأطعمَ عن كلِّ يومٍ مِسكينًا) أي: وأطعمَ عن كلِّ يومٍ أفطَره مِسكينًا؛ لقول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية﴾ [البَقَرَة: ١٨٤]. ليست بمنسوخة، هيَ للكبيرِ الذي لا يستطيعُ الصَّوم. رواه البخاري [¬١]. صوالحي [¬٢].
(٣) قوله: (مُدَّ بُرٍّ أو نِصْفَ صاعٍ من غَيرِه) بيانٌ لما يُجزئُ في الإطعام، وهو ما يُجزئُ في كفَّارةٍ. لكن إن كان الكبيرُ والمريضُ الذي لا يُرجَى برؤه، مسافرًا، فلا فِديةَ؛ لفطِره بُعذرٍ مُعتادٍ، ولا قضاءَ؛ لعجزِه عنه. فيُلغَزُ بها، ويقال: ما تقولُ في رجل أفطَرَ شهرَ رمضَان، ولا قَضاءَ عليه، ولا فِدية. الوالد بإيضاح.
(٤) قوله: (وشرطُ صِحَّته) أي: صِحَّةِ الصَّومِ.
(٥) قوله: (سِتَّة) أشياءَ: أحدُها: (الإسلامُ) فلا يصِحُّ الصَّومُ من كافرٍ.
(٦) قوله: (وانقطاعُ دمِ الحَيضِ والنِّفاسِ) والثاني من شرط صحَّةِ الصَّوم: انقطاعُ دَمِ الحيضِ. والثالث من الشروط: انقطاعُ دَمِ النِّفاس.
стр. 654
الرَّابِعُ: التَّمييزُ (١). فَيَجِبُ على وَلِيِّ المُمَيِّزِ المُطِيقِ للصَّومِ (٢): أَمرُهُ بِهِ (٣)، وضَربُهُ علَيهِ لِيَعتَادَهُ (٤).
الخَامِسُ: العَقْلُ (٥). لكِنْ: لو نَوَى لَيلًا ثُمَّ جُنَّ، أُو أُغمِيَ علَيهِ جَمِيعَ النَّهارِ (٦)، وأفَاقَ مِنهُ قَلِيلًا: صَحَّ (٧).
(١) قوله: (الرابع) من الشروط: (التمييزُ) فيصح منه، ولا يجِبُ عليه.
(٢) قوله: (فيجب على وليِّ المميِّز) من ذكرٍ أو أُنثى (المطيقِ للصَّومِ) أي: يقدِرُ عليه.
(٣) قوله: (أمرُه به) أي: بالصَّوم.
(٤) قوله: (وضربُه عليهِ .. إلخ) أي: على الصَّوم إن امتَنعَ؛ لأجلِ أن يعتادَه. فقوله: (ليعتادَه) مفعول لأجله. أي: الصوم كالصلاة، إلا أن [¬١] الصومَ أشقُّ، فاعُتبرت له الطاقةُ؛ لأنَّه يُطيقُ الصلاةَ من لا يطيقُ الصِّيام. وقال المجد: لا يؤخذُ به، ويُضرَب عليه فيما دونَ العَشرِ، كالصَّلاة. م ص [¬٢].
(٥) قوله: (الخامِسُ: العقلُ) فلا يصحُّ من مجنونٍ.
(٦) قوله: (لكنْ لو نَوى ليلًا ثمَّ جُنَّ، أو أُغمِيَ عليه جميعَ النَّهار) بأن لم يُفِق جُزءًا منه، لم يصحَّ صومُه؛ لأن الصوم الشرعي الإمساكُ مع النية، فلا يضافُ للمجنون، ولا للمغمى عليه. عثمان [¬٣].
(٧) قوله: (وأفاقَ منه قليلًا، صَحَّ) أي: والنيةُ وحدَها لا تُجزئُ. فإن أفاقَ المجنونُ، أو المُغمَى عليه جُزءًا من النَّهار؛ من أيِّ وقت، سواءٌ كان من أوَّل
стр. 655
السَّادِسُ: النيَّةُ مِنْ اللَّيلِ لِكُلِّ يَومٍ واجِبٍ (١). فمَن خَطَر بقَلبِهِ لَيلًا أنَّهُ صَائِمٌ: فَقَد نَوى (٢). وكذَا: الأَكلُ والشُّربُ بِنِيَّةِ الصَّومِ (٣).
النَّهار أو آخِره، ولو قليلًا، صحَّ الصوم، حيثُ تقدَّمت النيةُ ليلًا. ويصِحُّ صومُ من نامَ جميعَ النَّهارِ؛ لأن النومَ عادةٌ، ولا يزولُ به الإحساسُ بالكليَّة. ويقضي المغمىَ عليه، لا المجنون.
وإذا ثبتَ رمضانُ في أثناء النهار، لِزمَ الصومُ. وكذا إذا طهُرت الحائضُ والنُّفساءُ، أو بلغَ الصَّغيرُ، أو عَقلَ المجنونُ، أو شُفِيَ المريضُ، أو لم يبيِّت النيَّة، أو قَدِمَ المُسافِر، وقضَوهُ وجوبًا، لكنْ الصغيرُ والمريضُ والمسافرُ، لو صاموا بنيةٍ من اللِّيل، فبلَغَ الصغيرُ، وزالَ عذرُ المريضِ والمُسافرِ، فلا قضاءَ عليهم. صوالحي وإيضاح [¬١].
(١) قوله: (السادِسُ: النيَّةُ من اللَّيل .. إلخ) لصومِ كلِّ يومٍ واجبٍ؛ بأنْ يعتقدَ أنه يصومُ غدًا من رمضانَ، أو مِنْ قَضَائِه، أو نذرِه، أو كفَّارتِه؛ لأن صومَ كلِّ يومٍ عبادةٌ مفردةٌ؛ لأنه لا يفسُدُ يومٌ بفسادِ يومٍ آخر، ولأنه كالقضاءِ، لحديث: «من لم يبيِّت الصيامَ من اللَّيل، فلا صِيام له». رواه أبو داود [¬٢]. وعن الإمام: يُجزئُ في أوَّل رمضان نيةٌ واحدةٌ. صوالحي [¬٣].
(٢) قوله: (فمَنْ خَطَر بقلبِه لَيلًا .. إلخ) مفرَّعٌ على قولِه: «النية». وقوله: (فقد نَوى) الصومَ؛ لأن محلَّ النيَّةِ القلبُ.
(٣) قوله: (وكذا الأكلُ والشُّربُ بنيَّة الصوم) أي: وكذا يكونُ قد نَوىَ إذا
стр. 656
ولا يَضُرُّ: إنْ أتَى بَعدَ النيَّةِ بمُنَافٍ للصَّومِ (١)، أو: قالَ: إنْ شاءَ الله، غَيرَ مُتَرَدِّدٍ (٢). وكذَا: لَو قَالَ لَيلَةَ الثَّلاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ: إنْ كانَ غَدًا مِنْ
حصل الأكل والشربُ ليلًا بنيةِ الصوم. قال الشيخ تقي الدين: هو حين يتعشَّى عشاءَ من يريدُ الصوم، ولهذا يفرَّق بين عَشاءِ ليلة العيدِ وعَشاءِ ليالي رمضان. م ص [¬١].
(١) قوله: (ولا يضُرُّ إن أتَى بعدَ النيَّةِ بمُنَافٍ للصَّوم) هذا معطوفٌ على التَّفريع. أي: ولا يضُرُّ إن أتَى بعد النية ليلًا [¬٢] بمُنافٍ للصومِ، كالأكل والشرب والجماع. لا إن أتَى بمنافٍ للنية من زمنِها، أو تردَّد فيها، أو في أكلِ نهارٍ، أو نحوِه.
ولا يُشترطُ أن ينويَ كونَ الصوم فَرضًا؛ لأن التعيين يُجزئُ عنه. عثمان [¬٣] وزيادة.
(٢) قوله: (أو قالَ: إن شاء اللَّه، غيرَ متردِّد) هذا معطوف على قوله: «ولا يضُرُّ» إن قال عند النية: إن شاء اللَّه «غير متردِّد» فيها؛ بأن أتى بها مُتبرِّكًا، كما لا يفسُدُ إيمانُه بقوله: أنا مؤمِنٌ إن شاء اللَّه، غيرَ متردِّد في الحال [¬٤]. وإن كان قصَدَ بمشيئته التردُّدَ أي: الشكَّ فسَدَ صومُه؛ لأنه غيرُ جازمٍ. عثمان [¬٥]
стр. 657
رَمَضَانَ (١) فَفَرضِي (٢)، وإلَّا فمُفْطِرٌ (٣). ويَضُرُّ: إنْ قَالَه في أوَّلِهِ (٤).
وفَرضُهُ (٥): الإمسَاكُ عَنِ المُفَطِّرَاتِ (٦)، مِنْ طُلُوعِ الفَجرِ الثَّاني، إلى غُرُوبِ الشَّمسِ.
(١) قوله: (وكذا لو قال ليلةَ الثلاثينَ من رَمضان: إنْ كانَ غدًا) أي: وكذا لا يضُرُّ لو قال .. إلخ. و «غدًا»: بالنصب على إضمَار اسمِ كان، أي: إن كان الصيامُ غدًا. ودلَّ على تقديرِه قوةُ الكلام. ومن كلامِهم: إذا كان غدًا، فأتني [¬١]. كذا في «المطلع». وذكرَ ما يقتضي جوازَ تصرُّفِه. عثمان [¬٢].
(٢) قوله: (ففرضِي) هكذا بخط المصنف يعني: الموفَّق بياء المتكلم، أي: الذي فرضَه اللَّهُ عليَّ. انتهى «مطلع» [¬٣].
(٣) قوله: (وإلا فمُفطِرٌ) فبان من رمضان، فيصِحُّ صومُه؛ لأنه بنَى على أصلٍ لم يثبتْ زوالُه، ولا يقدَح تردُّده؛ لأنه حكمُ صومِه مع الجزمِ. م ص [¬٤].
(٤) قوله: (ويضُرُّ إن قالَه في أوَّله) أي: يفسُدُ الصومُ إن قال ما ذُكر في أوَّل رمضانَ؛ لعدمِ جزمِه بالنيَّة. م ص [¬٥].
(٥) قوله: (وفرضُه) أي: فرضُ الصَّوم.
(٦) قوله: (الإمساكُ عن المُفَطِّرات) من أكلٍ وشُربٍ وجماع ونحوِه.
стр. 658
وسُنَنُهُ سِتَّةٌ: تَعجِيلُ الفِطْرِ. وتَأخِيرُ السُّحُورِ (١). والزِّيادَةُ في أعمَالِ الخَيرِ (٢).
(١) قوله: (وسننُه سِتَّةٌ) أحدُها: (تعجيلُ الفِطرِ) إذا تحقَّق الغُروبُ؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «يقول اللَّه: إن أحبَّ عبادي إليَّ أعجلُهم فِطرًا». رواه أحمد [¬١]. وله الفِطرُ بغلَبة الظَّن.
وقوله: (وتأخيرُ السُّحور) والثاني: تأخيرُ السُّحور، إن لم يَخشَ طلوعَ الفجر الثاني. وتحصلُ فضيلتُه بشُربٍ، ولو قلَّ كجُرعةٍ ولُقمةٍ، وكمالُها بأكلٍ. وكُرِهَ جماعٌ مع شكٍّ في طلوع فجرٍ، لا سُحُور. والسُّحور، بالضَّم: اسم للفعل. وبالفتح: اسم لما يؤكلُ في السحور. وأجاز بعضُهم أن يكون للفعلِ بالوجهَين، والأولُ أشهرُ. والمرادُ هنا الفِعلُ، فيكونُ بالضَّم، على الصحيح، كما في «المطلع». ويدخلُ وقتُه من نِصفِ اللَّيل. والسَّحر: قُبيلَ الصُّبح. ح ف.
(٢) قوله: (والزيادةُ في أعمَالِ الخَيرِ) والثالثُ: الزيادةُ في أعمَالِ الخيرِ مِنْ كثرةِ قراءة، وصَدقة، وكفِّ لسانٍ عمَّا يُكره، ويجبُ كفُّه عمَّا يحرُم من كذِبٍ وغيبةٍ، ونميمةٍ وشتمٍ، وغيرِ ذلك، وذلك كلَّ وقتٍ، ولكنْ في رمضانَ ومكانٍ فاضلٍ آكدُ. وذكَر الآجُرِّي وجماعةٌ عن الزهريِّ: ولا يُفطِرُ بالغيبةِ ونحوِها. نقلَه الجماعةُ. ويأتي في «الشهادات»: أن الكذِبَ يباحُ في مواضِعَ، وتُباح الغِيبةُ للتَّظلُّم، والاستفتاءِ، والاستعانةِ على تغييرِ مُنكَرٍ، والتَّحذيرِ، والتَّعريفِ. صوالحي باختصار [¬٢].
стр. 659
وقَولُهُ جَهرًا (١) إذا شُتِمَ: إنِّي صائِمٌ (٢). وقَولُه عِنْدَ فِطرِهِ: «اللَّهُمَّ لكَ صُمْتُ، وعلى رِزْقِكَ أفطَرتُ، سُبحَانَكَ وبِحَمدِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّل مِنِّي إنَّك أنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ (٣)».
(١) قوله: (وقولُه جهرًا) والرابع: قولُ الصائمِ جهرًا، برمضانَ وغيرِه. اختارَه الشيخُ تقي الدين. وفي «الرعاية»: يقوله مع نَفسِه؛ زاجرًا لها، خوفَ الرياء. واختاره المجد، إن كان في غَيرِ رمضان. م ص [¬١].
(٢) قوله: (إذا شُتِم: إنِّي صائم) أي: إذا شتمه أحدٌ يقولُ: إني صائم؛ لحديث «الصحيحين» عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه: «إذا كان يومُ صومِ أحدِكم، فلا يرفُث يومئذٍ، ولا يصخَب، فإن شاتَمه أحدٌ، أو قاتلَه، فليقل: «إني صائم» [¬٢]. قال في «النهاية»: الصخَبُ: الضَّجَّةُ، واضطرابُ الأصوات. صوالحي [¬٣].
(٣) قوله: (وقوله) والخامس: قوله (عندَ فطره: اللَّهم لكَ صُمتُ، وعلى رِزقِكَ أفطرتُ، سبحانَكَ وبحمدِكَ، اللهمَّ تقبَّل منِّي إنَّك أنتَ السميعُ العليمُ) [¬٤]. يُحتَملُ أن هذا الدعاءَ قبلَ الفِطر، ويُحتَملُ أنه بعدَه. ومُقتضَى حديثِ ابن عباس: أنه بعدَه؛ فإنه قال: إذا أفطَر. وكذا قوله ﵊: «للصائمِ عندَ فِطرِه دعوةٌ لا تُردُّ» [¬٥]. أفاده ابنُ نصر اللَّه.
стр. 660
وفِطرُهُ على رُطَبٍ، فإن عُدِمَ فَتَمرٌ، فإن عُدِمَ فَمَاءٌ (١).
(١) قوله: (وفِطرُهُ على رُطَبٍ .. إلخ) والسادِسُ: فِطرُه على رُطَبٍ، (فإن عُدِمَ فتمرٌ، فإن عُدِمَ فماءٌ) لحديث أنس ﵁ قال: كان رسول اللَّه ﷺ يُفطِر على رُطَبَات قبلَ أن يُصلِّي، فإن لم يكن، فعلَى تمراتٍ. فإن لم تكن تمرات، حسا حسوات [¬١] من ماء. رواه الترمذي [¬٢].
وقال شيخُنا في شرحِه على «المنتهى»: وفي معنى الرُّطب والتَّمر: كلُّ حُلوٍ لم تمسَّه النَّار. صوالحي [¬٣].
стр. 661
فَصْلٌ
يَحُرُمُ على مَنْ لا عُذرَ لَهُ: الفِطْرُ بِرَمَضَانَ (١).
ويَجِبُ الفِطْرُ: على الحَائِضِ والنُّفسَاءِ. وعلَى مَنْ يَحتَاجُهُ لإنقَاذِ مَعصُومٍ مِنْ مَهلَكَةٍ (٢).
ويُسَنُّ: لِمُسَافِرٍ يُبَاحُ لهُ القَصْرُ (٣).
فَصْلٌ
(١) قوله: (يحرُم على مَنْ لا عُذرَ له) أي: يحرُم على المكلَّف القادِر الذي لا عُذرَ له (الفِطرُ برمضانَ)، وتقدَّم أصحابُ الأعذار. صوالحي [¬١].
(٢) قوله: (ويجِبُ الفِطرُ على الحائِضِ والنُّفسَاءِ) ويجبُ على من يَحتَاجُ الفِطرَ لأجل إنقاذِ آدميٍّ معصومٍ؛ لأن ما لا يتم الواجبُ إلا به، فهو واجِبٌ. صوالحي [¬٢].
(٣) قوله: (ويُسَنُّ لمسافِر … إلخ) أي: ويُسَنُّ الفِطرُ، ولو بلا مَشقَّةٍ. وكُرِهَ صومُهما، أي: المسافِرُ والمَريضُ. ولعلَّ الفرقَ بينَه وبين إتمَامِ الصلاة: زيادةُ المشقَّةِ غالبًا.
وجاز وطءٌ لمن به مَرضٌ ينتفِعُ به فيه، أو بهِ شَبَقٌ، ولم تندِفع شهوتُه بدون الوَطءِ، ويَخافُ تشقُّقَ أنثييه، ولا كفَّارةَ، ويَقْضِي ما لم يتعذَّر لشَبَقٍ،
стр. 662
ولِمَريضٍ يَخَافُ الضَّررَ (١).
ويُبَاحُ: لِحَاضِرٍ سَافَرَ في أثنَاءِ النَّهارِ (٢).
فيُطعِمُ ككبيرٍ. وإن سافَر ليُفطِرَ، حَرُما [¬١]؛ حيثُ لا عِلَّةَ لسفرِه إلا الفِطرُ. م ص [¬٢].
(١) قوله: (ولمريضٍ يخَافُ الضَّررَ) أي: ويُسنُّ الفِطرُ، ويُكرَهُ الصَّومُ أيضًا لمريضٍ يخافُ الضَّرر، أو حدوثَ المرض في يومِه، أو تزايدَه، أو طولَه، بقولِ طَبيب مُسلم ثقةٍ؛ لقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام آخر﴾ [البَقَرَة: ١٨٤].
ويُباحُ الفِطرُ لمريض قادر على الصوم يتضرر بتركِ التداوي، ولا يمكنُه التداوي في الصوم إلا بالفطر، كمن به رمَدٌ يُخَافُ بتركِه الإكتحالَ، وكاحتقانٍ، ومداواةِ مأمومةٍ وهي: الشجَّة التي تصِلُ إلى أمِّ الدِّماغ أو جائفةٍ. صوالحي [¬٣].
(٢) قوله: (ويُباحُ لحاضِرٍ سافَرَ في أثناءِ النَّهار) أي: ويُباح الفِطرُ لحاضرٍ ببلَد، قد سافر في أثناء النهار، طَوعًا أو كرهًا؛ لظاهر الآية والأخبار. وكالمرضِ الطارئ، ولو بفعلِه، بخلافِ الصَّلاة؛ لأنها حيثُ وجب إتمامُها، لم تُقصَر؛ لآكديَّتها وعدمِ مشقة إتمامها. ويكونُ فطرُه عند مفارقته بيوتَ قريته العامرة، ونحوه، كما تقدم. والأفضلُ له أن يتمَّ صومَ يومِه؛ خروجًا من
стр. 663
ولِحَامِلٍ وَمُرضِعٍ خَافَتَا على أنفُسِهِمَا (١)، أو عَلَى الوَلَدِ (٢).
لَكِنْ: لَو أفطَرتَا (٣) للخَوفِ على الوَلَدِ فَقَط: لَزِمَ وَلِيَّهُ إطعَامُ مِسكِينٍ لِكُلِّ يَومٍ (٤).
الخلاف. صوالحي [¬١].
(١) قوله: (ولحاملٍ ومُرضِعٍ خافتَا على أنفُسِهِما) أي: ويباح الفطرُ، ويكرهُ الصومُ لحاملٍ ومُرضعٍ خافتا الضررَ على أنفُسِهِما فقط، أو مع الولَد. فهو عطفٌ على قوله: «لحاضر». ويقضِيان عددَ أيامِ فطرِهما؛ لقدرتِهما على القَضاء، ولا إطعامَ عليهما؛ لأنهما بمنزلَة المريضِ الخائفِ على نفسِه.
ومتى قَبِلَ رضيعٌ ثديَ غيرِها، وقُدِرَ أن يُستأجرَ له، لم تُفطِر. وظِئْرٌ كأمٍّ فيما تقدَّم من التفصيل؛ من إباحةِ الفطر وعدمِه، والفديةِ وعدمها. والظئرُ، بظاءِ معجمة ويَاءٍ تَحتيَّةٍ، وهي: المُرضِعةُ لولدِ غيرِها. عثمان [¬٢] بإيضاح.
(٢) قوله: (أو على الولَدِ) أي: أو خافتَا الضررَ على الوالدِ.
(٣) قوله: (لكنْ لو أفطَرتَا) أي: الحاملُ والمرضِعُ.
(٤) قوله: (للخَوفِ على الولَد فقط، لزِمَ وليَّه) على الفورِ (إطعامُ مِسكِينٍ لِكُلِّ يومٍ) أفطَرَتْهُ الحَامِلُ أو المُرضِعُ؛ خوفًا على الولد، مما يُجزئُ في كفَّارةٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البَقَرَة: ١٨٤] قال ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: كانت رخصةً للشيخ الكبير والمرأةِ الكبيرة، وهما يُطيقان الصيامَ: أن يُفطِرا ويُطعِما مكانَ كلِّ يوم مسكينًا،
стр. 664
وإن أسلَمَ الكَافِرُ، وطَهُرَتِ الحَائِضُ (١)، أو بَرِئَ المَرِيضُ (٢)، وقَدِمَ المُسَافِرُ (٣)، وبَلَغَ الصَّغِيرُ، وعَقَلَ المَجنُونُ، في أثنَاءِ النَّهارِ (٤)، وهُم مُفطِرُونَ: لَزِمَهُم الإمسَاكُ (٥)، والقَضَاءُ (٦).
والحُبلى والمُرضع إذا خافتًا على أولادِهما، أفطرتَا وأطعمتَا. رواه أبو داود [¬١].
وتُجزِئُ الكفَّارةُ إذا دفعَها جُملةً إلى مِسكينٍ واحد. ويقضِيانِ عدَد أيامِ الفطر وجوبًا. صوالحي [¬٢].
(١) قوله: (وإن أسلَم الكافِرُ وطَهُرت الحائضُ) من دَمِ الحيضِ أو النِّفاس.
(٢) قوله: (أو بَريءَ المريضُ) من المرض.
(٣) قوله: (وقَدِمَ المُسافِر) من السفر.
(٤) قوله: (في أثناءِ النَّهار) أي: في بعضِ النَّهار من رمضان.
(٥) قوله: (لزمهُم الإمسَاكُ) في بقيةِ النَّهار.
(٦) قوله: (والقضاءُ) أي: ولزِمهم القضاءُ أيضًا بعدَدِ ما أفطروا على التراخي، لكن يتعيَّن إذا بقي بقدرِ ما يسعُه من شهر شعبان.
(تنبيه): إذا بلغَ الصغيرُ بسنٍّ أو احتلام وهو صائم، وكان قد نوى الصومَ من اللَّيلِ، فيُتمُّ صومَه، ويجزئُ عنه، ولا قضاءَ عليه. وإن عَلِمَ مسافر وهو برمضانَ أنه يَقدِمُ غدًا محلَّ قصدِه، لزِمه الصومُ، نصًّا. لا صغيرٌ عَلِم أنه يبلغُ غدًا برمضان، فلا يلزمُه الصوم من أول الغدِ؛ لعدم تكليفه قبل دخول الغد، بخلافِ المسافرِ، فإنه مكلَّف. صوالحي [¬٣].
стр. 665
وليسَ لِمَنْ جازَ لهُ الفِطرُ برَمَضَانَ: أنْ يَصُومَ غَيرَهُ فِيهِ (١).
(١) قوله: (وليس لمن جازَ له الفطرُ برمضانَ أنْ يصومَ غيرَه فِيهِ) أي: غيرَ رمضانَ؛ من قضاءٍ، أو نذرٍ، أو نفلٍ. فإن صامَ، فلغوٌ، ولا يقعُ عن رمضان؛ لعدم تعيين النية. صوالحي [¬١].
стр. 666
فَصْلٌ في المُفَطِّرَاتِ (١)
وهِيَ اثنَا عَشَرَ (٢): خُرُوجُ دَمِ الحَيضِ والنِّفَاسِ (٣). والمَوتُ (٤). والرِّدَّةُ (٥). والعَزمُ على الفِطْرِ. والتَّرَدُّدُ فيهِ (٦). والقَيءُ عَمْدًا (٧).
فصل في المُفطِّرَاتِ
(١) قوله: (في المفطرات) أي: في أحكام المُفسِدات للصوم، وفيما يوجِبُ الكفارةَ.
(٢) قوله: (وهي اثنا عشر) أي: المفطِّرات؛ اثنا عشرَ مفطِّر.
(٣) قوله: (خروجُ دمِ الحيضِ والنِّفاسِ) الأول: خروجُ دمِ الحيضِ، وخروجُ دمِ النِّفاس، من حائضٍ ونُفساءَ.
(٤) قوله: (والموتُ) والثاني: الموتُ؛ لزوالِ أهليته. ويُطْعَمُ مِنْ تركتِه في نذرٍ وكفَّارةِ صوم، إطعامُ مسكينٍ؛ لفساد صومه بوجود موته؛ لتعذُّر قضائه. صوالحي [¬١].
(٥) قوله: (والردَّةُ) والعياذ باللَّه تعالى. أي: يفسُد الصومُ بالردَّة مطلقًا، أي: عادَ إلى الإسلام في يومِه، أو لم يَعُد. وكذا كلُّ عبادةِ ارتدَّ في أثنائها. م ص [¬٢].
(٦) قوله: (والتردُّدُ فيه) والخامسُ: التردُّد في الفِطرِ.
(٧) قوله: (والقيءُ عمدًا) بأن استدَعى القيءَ، فقاءَ طعامًا، أو مرارًا، أو غيرَهما، فسدَ صومُه، بخلاف ما لو ذَرَعَهُ بذال معجمة، أي: غلبه وسبقه
стр. 667
والاحتِقَانُ مِنْ الدُّبُرِ (١). وبَلْعُ النُّخَامَةِ (٢)، إذا وصَلَت إلى الفَم (٣).
التَّاسِعُ: الحِجَامَةُ خاصَّةً (٤)،
القيءُ، فلا يفسُد صومُه، ولو عادَ إلى جوفِه بغيرِ اختياره؛ لخبر: «من ذرعَه القيءُ وهو صائم، فليس عليه قضاء» [¬١]. ح ف.
(١) قوله: (والاحتقانُ من الدُّبر) والسابعُ: الاحتقانُ من الدُّبر، نصًّا. وأما لو قَطَرَ في إحليلهِ، أو غيَّب فيه شيئًا، فوصَل إلى المثانة، لم يفسُد صومُه. صوالحي [¬٢].
(٢) قوله: (وبلعُ النُّخَامَةِ) والثامن: بلعُ النُّخامة، سواءٌ كانت من دِمَاغِه، أو حلقِه، أو صدرِه.
(٣) قوله: (إذا وصلَت إلى الفَم) ويحرمُ بلعُها بعدَ وصولِها إلى فَمِهِ؛ لإفساد صومه، سواءٌ كانت من دماغه … إلخ، كما تقدَّم؛ لأنه يُمكِنُه التحرُّز منها إذا وصلَت، ولأنها من غيرِ الفَم، فأشبهت الدَّمَ. واحترز به عمَّا إذا وصلت لحلقِه فقط. والحلقُ: مَخرَجُ الحروفِ الستَّة؛ الهمزةُ والهاء، والعينُ والحاء، والغينُ والخاء. والفمُ ما فوقَه. قال في «المُحكم»: نَخَمَ الرجلُ: دفعَ بشيءٍ من صدرِه أو أنفه. ح ف.
(٤) قوله: (التاسعُ: الحِجامةُ خاصَّةً) وظهرَ دمٌ، سواءٌ كان في القَفَا أو السَّاق، نص عليه. عامِدًا عالِمًا لصومِه، مُختارًا، ولو جاهلًا التحريمَ، دونَ فَصدٍ، وشَرطٍ، ورُعافٍ.
стр. 668
حاجِمًا كانَ أو مَحجُومًا (١).
العَاشِرُ: إنزَالُ المَنيِّ بِتَكرَارِ النَّظَرِ (٢). لا: بِنَظرَةٍ (٣)، ولا: بالتَّفكُّرِ (٤) والاحتِلامِ (٥)،
(١) قوله: (حاجمًا كان [¬١] أو مَحجُومًا) فسدَ صومُهُما؛ لحديث «أفطر الحاجم والمحجوم» [¬٢]. رواه عن النبي ﷺ أحدَ عشرَ نفسًا. وإن لم يظهر دمٌ، لم يُفطِر. صوالحي [¬٣].
(٢) قوله: (العاشِرُ: إنزالُ المنيِّ بتكرارِ النَّظرِ)؛ لأنه إنزالٌ بفعلٍ يتلذَّذُ به، يُمكِنُ التحرُّزُ مِنه، أشبهَ الإنزالَ باللَّمس. م ص [¬٤].
(٣) قوله: (لا بنظرَةٍ) أي: لا يُفطِر إذا أنزلَ بنظرَةٍ واحدةٍ؛ لأنه لا يُمكن التحرُّز منه. صوالحي [¬٥].
(٤) قوله: (ولا بالتَّفكُّرِ) أي: ولا يُفطِرُ إذا أنزلَ بالتَّفكُّر؛ لأنه أشبهَ الاحتلامَ؛ لقوله ﷺ : «عفي لأمتي ما حدَّثت به أنفسَها، ما لم تعمل أو تتكلَّم به» [¬٦]. صوالحي [¬٧].
(٥) قوله: (والاحتلامِ) أي: ولا يُفطِر إذا أنزلَ بالاحتلام؛ لأن ذلك ليسَ بسببٍ
стр. 669
ولا: بالمَذْيِ (١).
الحَادِيَ عَشَرَ: خُرُوجُ المَنيِّ، أو المَذْيِ، بتَقبيلٍ، أو لَمْسٍ، أو استِمنَاءٍ (٢)، أو مُباشَرَةٍ دُونَ الفَرجِ (٣).
الثانيَ عَشَرَ (٤): كُلُّ ما وَصَلَ إلى الجَوفِ (٥)، أو الحَلقِ، أو الدِّمَاغِ، مِنْ مائِعٍ وغَيرِهِ (٦).
من جهته. ولو أنزل بعدَ يقظَته بغيرِ اختياره، لم يفسُد صومُه بلا نزاع. م ص [¬١].
(١) قوله: (ولا بالمَذْيِ) أي: ولا يُفطِر بإنزال المذْي، ما لم يكن استمنَى بيده أو أمذَى، فسَدَ صومُه. صوالحي [¬٢].
(٢) قوله: (أو استِمنَاءٍ) أي: استدَعى خروجَه بيدِه أو غيرِها.
(٣) قوله: (أو مباشَرةٍ دونَ الفَرجِ) فسَدَ. أما الإمناءُ: فلمشابهتِه الإمناءَ بجماع؛ لأنه إنزالٌ بمباشرة. وأما المَذْي: فلتخلُّل الشهوةِ له وخروجِه بالمباشرة، فيشبه المنيَّ، وبهذا فارقَ البولَ. م ص [¬٣].
(٤) قوله: (الثانيَ عَشَر) من المفطِّرات.
(٥) قوله: (كُلُّ ما وصَلَ إلى الجَوف) من أيِّ محلٍّ ينفذُ إلى معدتِه، سواء كان يُماع، أو لا، كالحصَى غير إحليله فسدَ صومُه. صوالحي وزيادة [¬٤].
(٦) قوله: (من مائعٍ وغيرِه) كحصاةٍ، وقطعةِ حديدٍ ورصاصٍ، ونحوهما، ولو
стр. 670
فيُفطِرُ: إنْ قَطَرَ (١) في أُذُنِهِ ما وَصَلَ إلى دِماغِهِ (٢)، أو: دَاوَى الجَائِفَةَ، فوَصَلَ إلى جَوفِه (٣)، أو: اكتَحَلَ بما عَلِمَ وصُولَه إلى حَلْقِهِ (٤)، أو: مَضَغَ عِلْكًا (٥)،
طرف سكِّينٍ، مِنْ فِعلِه أو فِعلِ غيرِه. أو استعاطَ في أنفِه، أو استعمالٍ. م ص [¬١].
(١) قوله: (فيفطر إن قَطَر) «قَطَر» مخففًا، ويُستعملُ متعدِّيًا ولازمًا. انتهى. الوالد.
(٢) قوله: (ما وصَلَ) أي: قَطَر في أذنِه شيئًا وصلَ ممَّا قطره (إلى دمَاغِه).
(٣) قوله: (أو داوَى الجائفة، فَوصَلَ إلى جوفِه) وكذا يُفطِرُ لو دَاوَى الجائفةَ، فوصل الدواءُ إلى جوفهِ. صوالحي [¬٢].
(٤) قوله: (أو اكتحَلَ بما علِمَ وصولَه) أي: وكذا يفطر لو اكتحل بشيء عَلِم وصوله (إلى حلقِه)؛ بأن تحقَّق ذلك بوجود طعمِه بحلقه، أو خروجِه في نُخامة ونحوه، ولهذا قال في «الإنصاف» [¬٣]: يُعتبر العلمُ بالواصل، على الصحيح من المذهب. وقطع المجد في «شرحه» بأنه يكفي الظن. قال في «الفروع». كذا قال. انتهى. الوالد.
(٥) قوله: (أو مضَغَ عِلكًا) وكذا يُفطِر لو مضَغَ عِلكًا، فوجدَ طعمَه بحلقِه.
والعِلك، بكسر العين: كلُّ صمْغٍ يُعلك. قاله ابن فارس. وقال ابن سيده: هو ضربٌ من صمغِ الشجر كاللبان يُمضغ.