فَصْلٌ في المُفَطِّرَاتِ (١)
وهِيَ اثنَا عَشَرَ (٢): خُرُوجُ دَمِ الحَيضِ والنِّفَاسِ (٣). والمَوتُ (٤). والرِّدَّةُ (٥). والعَزمُ على الفِطْرِ. والتَّرَدُّدُ فيهِ (٦). والقَيءُ عَمْدًا (٧).
فصل في المُفطِّرَاتِ
(١) قوله: (في المفطرات) أي: في أحكام المُفسِدات للصوم، وفيما يوجِبُ الكفارةَ.
(٢) قوله: (وهي اثنا عشر) أي: المفطِّرات؛ اثنا عشرَ مفطِّر.
(٣) قوله: (خروجُ دمِ الحيضِ والنِّفاسِ) الأول: خروجُ دمِ الحيضِ، وخروجُ دمِ النِّفاس، من حائضٍ ونُفساءَ.
(٤) قوله: (والموتُ) والثاني: الموتُ؛ لزوالِ أهليته. ويُطْعَمُ مِنْ تركتِه في نذرٍ وكفَّارةِ صوم، إطعامُ مسكينٍ؛ لفساد صومه بوجود موته؛ لتعذُّر قضائه. صوالحي [¬١].
(٥) قوله: (والردَّةُ) والعياذ باللَّه تعالى. أي: يفسُد الصومُ بالردَّة مطلقًا، أي: عادَ إلى الإسلام في يومِه، أو لم يَعُد. وكذا كلُّ عبادةِ ارتدَّ في أثنائها. م ص [¬٢].
(٦) قوله: (والتردُّدُ فيه) والخامسُ: التردُّد في الفِطرِ.
(٧) قوله: (والقيءُ عمدًا) بأن استدَعى القيءَ، فقاءَ طعامًا، أو مرارًا، أو غيرَهما، فسدَ صومُه، بخلاف ما لو ذَرَعَهُ بذال معجمة، أي: غلبه وسبقه
стр. 667
والاحتِقَانُ مِنْ الدُّبُرِ (١). وبَلْعُ النُّخَامَةِ (٢)، إذا وصَلَت إلى الفَم (٣).
التَّاسِعُ: الحِجَامَةُ خاصَّةً (٤)،
القيءُ، فلا يفسُد صومُه، ولو عادَ إلى جوفِه بغيرِ اختياره؛ لخبر: «من ذرعَه القيءُ وهو صائم، فليس عليه قضاء» [¬١]. ح ف.
(١) قوله: (والاحتقانُ من الدُّبر) والسابعُ: الاحتقانُ من الدُّبر، نصًّا. وأما لو قَطَرَ في إحليلهِ، أو غيَّب فيه شيئًا، فوصَل إلى المثانة، لم يفسُد صومُه. صوالحي [¬٢].
(٢) قوله: (وبلعُ النُّخَامَةِ) والثامن: بلعُ النُّخامة، سواءٌ كانت من دِمَاغِه، أو حلقِه، أو صدرِه.
(٣) قوله: (إذا وصلَت إلى الفَم) ويحرمُ بلعُها بعدَ وصولِها إلى فَمِهِ؛ لإفساد صومه، سواءٌ كانت من دماغه … إلخ، كما تقدَّم؛ لأنه يُمكِنُه التحرُّز منها إذا وصلَت، ولأنها من غيرِ الفَم، فأشبهت الدَّمَ. واحترز به عمَّا إذا وصلت لحلقِه فقط. والحلقُ: مَخرَجُ الحروفِ الستَّة؛ الهمزةُ والهاء، والعينُ والحاء، والغينُ والخاء. والفمُ ما فوقَه. قال في «المُحكم»: نَخَمَ الرجلُ: دفعَ بشيءٍ من صدرِه أو أنفه. ح ف.
(٤) قوله: (التاسعُ: الحِجامةُ خاصَّةً) وظهرَ دمٌ، سواءٌ كان في القَفَا أو السَّاق، نص عليه. عامِدًا عالِمًا لصومِه، مُختارًا، ولو جاهلًا التحريمَ، دونَ فَصدٍ، وشَرطٍ، ورُعافٍ.
стр. 668
حاجِمًا كانَ أو مَحجُومًا (١).
العَاشِرُ: إنزَالُ المَنيِّ بِتَكرَارِ النَّظَرِ (٢). لا: بِنَظرَةٍ (٣)، ولا: بالتَّفكُّرِ (٤) والاحتِلامِ (٥)،
(١) قوله: (حاجمًا كان [¬١] أو مَحجُومًا) فسدَ صومُهُما؛ لحديث «أفطر الحاجم والمحجوم» [¬٢]. رواه عن النبي ﷺ أحدَ عشرَ نفسًا. وإن لم يظهر دمٌ، لم يُفطِر. صوالحي [¬٣].
(٢) قوله: (العاشِرُ: إنزالُ المنيِّ بتكرارِ النَّظرِ)؛ لأنه إنزالٌ بفعلٍ يتلذَّذُ به، يُمكِنُ التحرُّزُ مِنه، أشبهَ الإنزالَ باللَّمس. م ص [¬٤].
(٣) قوله: (لا بنظرَةٍ) أي: لا يُفطِر إذا أنزلَ بنظرَةٍ واحدةٍ؛ لأنه لا يُمكن التحرُّز منه. صوالحي [¬٥].
(٤) قوله: (ولا بالتَّفكُّرِ) أي: ولا يُفطِرُ إذا أنزلَ بالتَّفكُّر؛ لأنه أشبهَ الاحتلامَ؛ لقوله ﷺ : «عفي لأمتي ما حدَّثت به أنفسَها، ما لم تعمل أو تتكلَّم به» [¬٦]. صوالحي [¬٧].
(٥) قوله: (والاحتلامِ) أي: ولا يُفطِر إذا أنزلَ بالاحتلام؛ لأن ذلك ليسَ بسببٍ
стр. 669
ولا: بالمَذْيِ (١).
الحَادِيَ عَشَرَ: خُرُوجُ المَنيِّ، أو المَذْيِ، بتَقبيلٍ، أو لَمْسٍ، أو استِمنَاءٍ (٢)، أو مُباشَرَةٍ دُونَ الفَرجِ (٣).
الثانيَ عَشَرَ (٤): كُلُّ ما وَصَلَ إلى الجَوفِ (٥)، أو الحَلقِ، أو الدِّمَاغِ، مِنْ مائِعٍ وغَيرِهِ (٦).
من جهته. ولو أنزل بعدَ يقظَته بغيرِ اختياره، لم يفسُد صومُه بلا نزاع. م ص [¬١].
(١) قوله: (ولا بالمَذْيِ) أي: ولا يُفطِر بإنزال المذْي، ما لم يكن استمنَى بيده أو أمذَى، فسَدَ صومُه. صوالحي [¬٢].
(٢) قوله: (أو استِمنَاءٍ) أي: استدَعى خروجَه بيدِه أو غيرِها.
(٣) قوله: (أو مباشَرةٍ دونَ الفَرجِ) فسَدَ. أما الإمناءُ: فلمشابهتِه الإمناءَ بجماع؛ لأنه إنزالٌ بمباشرة. وأما المَذْي: فلتخلُّل الشهوةِ له وخروجِه بالمباشرة، فيشبه المنيَّ، وبهذا فارقَ البولَ. م ص [¬٣].
(٤) قوله: (الثانيَ عَشَر) من المفطِّرات.
(٥) قوله: (كُلُّ ما وصَلَ إلى الجَوف) من أيِّ محلٍّ ينفذُ إلى معدتِه، سواء كان يُماع، أو لا، كالحصَى غير إحليله فسدَ صومُه. صوالحي وزيادة [¬٤].
(٦) قوله: (من مائعٍ وغيرِه) كحصاةٍ، وقطعةِ حديدٍ ورصاصٍ، ونحوهما، ولو
стр. 670
فيُفطِرُ: إنْ قَطَرَ (١) في أُذُنِهِ ما وَصَلَ إلى دِماغِهِ (٢)، أو: دَاوَى الجَائِفَةَ، فوَصَلَ إلى جَوفِه (٣)، أو: اكتَحَلَ بما عَلِمَ وصُولَه إلى حَلْقِهِ (٤)، أو: مَضَغَ عِلْكًا (٥)،
طرف سكِّينٍ، مِنْ فِعلِه أو فِعلِ غيرِه. أو استعاطَ في أنفِه، أو استعمالٍ. م ص [¬١].
(١) قوله: (فيفطر إن قَطَر) «قَطَر» مخففًا، ويُستعملُ متعدِّيًا ولازمًا. انتهى. الوالد.
(٢) قوله: (ما وصَلَ) أي: قَطَر في أذنِه شيئًا وصلَ ممَّا قطره (إلى دمَاغِه).
(٣) قوله: (أو داوَى الجائفة، فَوصَلَ إلى جوفِه) وكذا يُفطِرُ لو دَاوَى الجائفةَ، فوصل الدواءُ إلى جوفهِ. صوالحي [¬٢].
(٤) قوله: (أو اكتحَلَ بما علِمَ وصولَه) أي: وكذا يفطر لو اكتحل بشيء عَلِم وصوله (إلى حلقِه)؛ بأن تحقَّق ذلك بوجود طعمِه بحلقه، أو خروجِه في نُخامة ونحوه، ولهذا قال في «الإنصاف» [¬٣]: يُعتبر العلمُ بالواصل، على الصحيح من المذهب. وقطع المجد في «شرحه» بأنه يكفي الظن. قال في «الفروع». كذا قال. انتهى. الوالد.
(٥) قوله: (أو مضَغَ عِلكًا) وكذا يُفطِر لو مضَغَ عِلكًا، فوجدَ طعمَه بحلقِه.
والعِلك، بكسر العين: كلُّ صمْغٍ يُعلك. قاله ابن فارس. وقال ابن سيده: هو ضربٌ من صمغِ الشجر كاللبان يُمضغ.
стр. 671
أو ذَاقَ طَعَامًا، وَوَجَدَ الطَّعْمَ بِحَلْقِهِ (١)، أو: بَلَعَ رِيقَهُ بَعدَ أن وَصَلَ إلى بَينَ شَفَتَيهِ (٢).
ولا يُفطِرُ: إنْ فَعَلَ شَيئًا من جَميعِ المُفَطِّراتٍ نَاسِيًا (٣)،
ويحرُم مضغُ العلك إن كان يتحلَّل منه، ويُكره إن لم يتحلَّل، نصًا؛ لأنه يجلِبُ الرِّيق ويَحلُبُ [¬١] الفَمَ، ويورِثُ العطَش. صوالحي وزيادة [¬٢].
(١) قوله: (أو ذاقَ طعامًا .. إلخ) أطلقه جماعة. وقال المجدُ: المنصوصُ عنه: لا بأس به لحاجة ومصلحة. واختاره في «التنبيه» وابن عقيل. وحكاه عن أحمدَ والبخاريَّ وابنَ عبَّاس [¬٣].
فعلَى الكراهة: متى وجدَ طعمَه بحلقِه، أفطر. ومُقتضَاه أن لا يفطرَ على القولِ بعدم الكراهة. قاله في «شرح الإقناع».
والتقييدُ بالحاجة جرَى عليه في «الإقناع»، و «مختصر المقنع». عثمان [¬٤].
(٢) قوله: (أو بلَع ريقَه بعدَ أن وصلَ إلى بينَ شفتَيه) أي: وكذا يُفطِر لو بلَع ريقَه بعد أن وصلَ ذلك إلى بين شفتيه؛ لأنه صار أجنبيًّا [¬٥]. وهذا معطوف على ما قبله.
(٣) قوله: (ولا يُفطِر إن فعلَ شيئًا من جَميع) ما ذُكر من (المُفطِّرات ناسيًا)؛
стр. 672
أو مُكرَهًا (١). ولا: إنْ دَخَلَ الغُبَارُ حَلقَهُ (٢)، أو الذُّبَابُ، بِغَيرِ قَصدِهِ (٣). ولا: إن جَمَعَ رِيقَهُ فابتَلَعَهُ (٤).
لقوله ﷺ : «عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه». صوالحي [¬١].
(١) قوله: (أو مكرهًا) أي: وكذا لا يفطِر لو فعلَ شيئًا من ذلك مُكرهًا، ولو كان الإكراه بوجُورِ مُغمى عليه؛ معالجةً لإغمائه؛ بأن وضِعَ الدواءُ في حلق المُغمى عليه لقصد معالجتِه بذلك ليفيق؛ لأنه لم يفعَل ذلك ولم يقصِدْه؛ لأنه ﵊ علَّل في الناسي بقوله: «فإنما اللَّه أطعمه وسقاه» [¬٢]. وفي لفظ: «فإنما هو رِزقٌ ساقه اللَّه إليه» [¬٣]. ح ف وزيادة.
(٢) قوله: (ولا إن دخَلَ الغُبارُ حلقَه) أي: ولا يُفطِر إذا دخَل الغُبار؛ من غبار الطريق، أو نخْلِ دقيقٍ، أو دُخان، فلا يفسُد صومه؛ لعدم إمكان التحرز من ذلك، أشبهَ النائم. عثمان [¬٤].
(٣) قوله: (أو الذُّبابُ بغيرِ قصدِه) أي: ولا يُفطِرُ إن دخَل الذُّبابُ حلقَه بغيرِ قصده؛ لأنه لا يُمكنُ التحرُّز منه. صوالحي [¬٥].
(٤) قوله: (ولا إنْ جمَعَ ريقَه فابتلَعَه) أي: ولا يفطر إن جَمَع ريقه فابتلعه؛ لأنه
стр. 673
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ليس بأجنبي، لكن يُكره له فِعلُ ذلك؛ خروجًا من خلاف من قال يُفطِر به. ولا يُفطِر ببلعِه مجموعًا؛ لأنه إذا لم يجمعه وابتلَعه قَصدًا، لا يُفطر إجماعًا، فكذا إذا جمعه. م ص [¬١].
стр. 674
فَصْلٌ
ومَنْ جامَعَ نَهارَ رَمضَانَ (١)، في قُبُلٍ أو دُبُرٍ، ولو لِمَيِّتٍ، أو بَهِيمَةٍ (٢)،
فَصْلٌ
(١) قوله: (ومن جامعَ) في (نهارِ رَمضَانَ) أي: ومن جامع في نهارِ شَهرِ رمضانَ بغير عُذرٍ؛ شبقٍ ونحوِه، كمَنْ به مرضٌ ينتفِعُ بالوطء فيه، بأن غيَّب حشفةَ ذكرِه الأصلي، أو قدرَها من مفقودِها، في فرجٍ أصلي، قُبلًا كان أو دُبرًا. قال في «الكافي» [¬١]: لأنه وطءٌ في فرجٍ يوجبُ الغُسل، أشبَهَ وطءَ الزَّوجة. قال م ص [¬٢]: فيؤخذ منه أن الوطءَ بحائلٍ لا يُوجبُ قضاءً ولا كفَّارةً، إن لم يُنزل؛ لأنه لا يُوجب الغُسْلَ، لكن تقدَّم أن وطءَ الحائِض يوجبُ الكفَّارة، ولو بحائلٍ، والظَّاهر عدمُ الفرق. وقال المصنِّف [¬٣]: ويتجه احتمالٌ: لا شيء على من جامع بحائِلٍ ولم يُنزل، كغُسلٍ.
(٢) قوله: (في قُبلٍ أو دُبُرٍ، ولو لميِّتٍ أو بهيمَةٍ) «في قُبل»: جار ومجرور متعلق: ب «جامَعَ». أي: ومن جامعَ في نهار شهر رمضان في قُبل أصليٍّ، أو دُبرٍ أصليٍّ، بذكرٍ أصليٍّ، ولو كان الجماع لميِّتٍ، أو لبهيمة، أو طير، أو سَمكةٍ، سواءٌ أنزلَ أم لا.
стр. 675
في حالَةٍ يَلزَمُهُ فيها الإمسَاكُ (١)، مُكرَهًا (٢) كانَ أو ناسِيًا (٣):
(١) قوله: (في حالةٍ يلزمُه فيها الإمسَاكُ) «في حالة»: جار ومجرور خبر كان المحذوفة مع اسمها، أي: إذا كان الجماعُ في حالةٍ يلزمُه فيها الإمساكُ، كما لو كان مسافرًا فقدِمَ، أو مريضًا فبَرِئَ، وكانا مُفطرين، أو رأى الهلالَ ليلتَه ورُدَّت شهادتُه، أو ثبتت رؤيةُ الهلال نَهارًا، حتَّى ولو كان جِماعُه قبلَ الثُّبوت، كما بحثه م ص [¬١].
(٢) قوله: (مكرَهًا كان .. إلخ) تعميمٌ لقوله: «جامع … إلخ»؛ لأن الإكراه على الوطءِ لا يُمكِن؛ لأنه لا يطأ حتى ينتشِرَ ذكرُه، ولا ينتشرُ إلا عن شَهوةٍ ورغبةٍ، فكان كغيرِ المُكرَه؛ لأن الصوم عبادةٌ يفسدُها الجماع، فاستوى في ذلك حالةُ الإكراه والاختيار، كالحجِّ. ولا يصِحُّ قياسُ الجِماعِ على غيرِه في عدَمِ الإفساد بالإكراه؛ لتأكُّده لإيجابِ الكفارة، وإفسادِه للحجِّ من بين سائرِ محظوراتِه، وإيجابِ الحدِّ به إذا كان زنَى. وقال الشافعي: لا كفَّارة عليه. وعلى المذهب: لا يرجِعُ بالكفارة على مُكِرهِهِ. وقيل: يرجِعُ. صوَّبه في «الإنصاف». ح ف.
(٣) قوله: (أو ناسيًا) للصوم، أو جاهلًا للتحريم والكفارة والقضاء؛ لأنَّ إفسادَ الصومِ والكفَّارة حُكمَان يتعلَّقان بالجِماع، لا تسقِطُهما الشُّبهةُ، فاستوى فيهما العمدُ والسهوُ كسائرِ أحكامِه. قال في «الإنصاف»: وهو من المفردات. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا قضاءَ ولا كفارةَ عليه. وقال مالك: عليه القضاءُ دونَ الكفارة. وكذا تجبُ عندَنا على الجاهِل والنائم؛
стр. 676
لزِمَهُ القَضَاءُ والكفَّارَةُ (١).
بأن تُدخِلَ ذكرَه فيها وهو نائمٌ. وكذا من جامَع يعتقدُه ليلًا فبانَ نهارًا، وهي من المفردات. وكذا من أكلَ ناسيًا، أو احتلَم ونحوه، واعتقدَ الفطر بِهِ، فجامَعَ. ح ف.
(١) قوله: (لزِمَه القضاءُ والكفَّارةُ) أي: لزِمَ [¬١] من صدَر منه ذلك القضاءُ والكفَّارةُ.
أمَّا وجوبُ الكفارة؛ فلحديث أبي هريرة، قال: بينا نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل، فقال: يا رسول اللَّه! قال: «مالك»؟. قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول اللَّه ﷺ : «هل تجد رقبة تعتقها»؟ قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين»؟ قال: لا. قال: «فهل تجدُ إطعامَ ستين مسكينًا»؟ قال: لا. فمكث النبيُّ ﷺ ، فبينا نحنُ على ذلك، أُتي النبيُّ ﷺ بفَرَقٍ فيه تمرٌ والفَرقُ: المِكيَل فقال: «أين السائلُ»؟ فقال: أنا. قال: «خذ هذا فتصدَّق به». فقال: على أفقرَ منِّي يا رسولَ اللَّه! فو اللَّه ما بين لابتَيها أهل بيت أفقرَ من أهل بيتي. فضحِك ﷺ حتى بدَت أنيابُه، ثم قال: «أطعِمه أهلَك». متفق عليه [¬٢].
وأمَّا وجوبُ القضاءِ؛ فلقوله ﷺ للمجامِع: «صُمْ يومًا مكانه». رواه أبو داود [¬٣]. صوالحي [¬٤].
стр. 677
وكَذَا: مَنْ جُومِعَ إنْ طاوَعَ (١)، غَيرَ جاهِلٍ ونَاسٍ (٢).
والكفَّارَةُ: عِتقُ رَقَبَةٍ مُؤمِنَةٍ (٣). فإنْ لَم يَجِد: فَصِيامُ شَهرَينِ مُتَتَابِعَينِ (٤). فإنْ لَم يَستَطِع (٥): فإطعَامُ سِتِّينَ مِسكِينًا (٦).
(١) قوله: (وكذا من جُومِعَ إنْ طاوَعَ) أي: وكذا يلزمُ القضاءُ والكفَّارةُ من جُومِعَ إن طاوعَ في الجِمَاع. ومن لم يُطاوِع فيلزمُه القضاءُ دونَ الكفارةِ، كمسافرٍ جامعَ في صومِه في سفرِه المُباحُ فيه القصرُ، أو في مرضٍ يبيحُ الفِطرَ، فعليه القضاءُ دون الكفارة. عثمان [¬١].
(٢) قوله: (غيرَ جاهلٍ وناسٍ) أي: غيرَ جاهلٍ للحُكمِ وناسٍ للصَّوم. فإن كان ناسيًا، أو جاهلًا، أو مكرهًا، فلا كفارة، ويلزمُه القضاءُ. ويدفَعُ المُكرَهُ بالأسهل فالأسهل، وإن أدَّى إلى القَتل. صوالحي [¬٢].
(٣) قوله: (والكفَّارةُ عِتقُ رقبةٍ) أي: والكفَّارة على الترتيب: عِتقُ رقَبةٍ (مؤمنَةٍ) سليمةٍ، على ما يأتي في الظهار.
(٤) قوله: (فإن لم يجد) رقبةً مؤمنةً تُباعُ، أو لم يجِد ثمنَها. (فصيامُ شهرينِ متتابعَين) للخبر، فلو قدر على الرَّقبةِ قبلَ الشُّروعِ في الصوم، لزمته، لا بعدَ شُروعٍ فيه. صوالحي [¬٣].
(٥) قوله: (فإن لم يستَطِع) الصوم.
(٦) قوله: (فإطعامُ ستِّينَ مِسكِينًا) للخبر، لكلِّ مسكينٍ مُدُّ بُرٍّ، أو نِصفُ صاعٍ
стр. 678
فإنْ لَم يَجِدْ: سَقَطَت (١)، بِخِلافِ غَيرِها مِنْ الكَفَّارَاتِ (٢).
ولا كفَّارةَ في رَمضَانَ بغيرِ الجِمَاعِ (٣)، والإِنزالِ بالمُسَاحَقَةِ (٤).
من غيرِه، مما يُجزئُ في الفِطرَة. صوالحي [¬١].
(١) قوله: (فإن لم يجد) ما يطعِمه للمساكين حالَ الوطء؛ لأنه وقتُ الوجوب. (سقطت) عنه كصدقة الفطر، وكفَّارة الوَطءِ في الحيض؛ لظاهِرِ خبرِ أبي هريرة؛ لأنه ﷺ أمر الأعرابي أن يطعمَه أهلَه، ولم يأمره بكفارةٍ أُخرى، ولا بيَّن له بقاءَها في ذمته. صوالحي [¬٢].
(٢) قوله: (بخلاف غيرِها من الكفَّارات) من كفارةِ حَجٍّ، وظهار، ويَمينٍ، وقَتلٍ؛ لعمومِ أدلَّتها.
ويسقُطُ الجميعُ بتكفيرِ الغَيرِ عنهُ بإذنه؛ لقيامِه مقامَه، فإن لم يأذنه، فلا؛ لعدمِ النية. ولِمَن وجبَت عليه كفَّارة، إن ملَّكَه الغيرُ كفَّارَتَه، فله أن يخرِجَها عن نفسِه، وله أن يأكَلها، إن كان أهلًا لأكلها؛ للخبر. صوالحي [¬٣].
(٣) قوله: (ولا كفَّارة في رمضانَ بغيرِ الجِمَاعِ) أي: ولا كفَّارة فيمَن أفطَر في شَهر رمضان بغيرِ الجِماع، وإنَّما يلزمه القضاءُ فقط؛ لأنه لم يَرِد فيه نصٌّ، وغيره لا يساويه، فلا كفَّارة بمباشرةٍ أو قُبلةٍ ونحوِها، ولو مع إنزالٍ، ولا بالجماع ليلًا، أو في قضاءٍ، أو نذر، أو كفارة؛ لأنَّ النصَّ إنما وردَ بالجماع في رمضان، وليس غيره في معناه، والنَّزعُ جِماعٌ. انتهى الوالد.
(٤) قوله: (والإنزال بالمُساحقة) عطف على «الجماع»، أي: ولا كفارةَ بغيرِ
стр. 679
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الإنزال بالمُساحقةِ من مجبوبٍ، أو مقطوعٍ ذكَرُه أو ممسوحٍ، أو امرأتين، كما مَشَى عليه في «المنتهى». تبعًا ل «التنقيح» من قوله: إنزالُ المجبوبِ والمرأتين بالمساحقَةِ، كالجِمَاعِ، خلافًا ل «الإقناع»؛ لأنه مشَى على أنه لا يلزمُه بالإنزال إلا القضاءُ فقط. كما صحَّحه في «المغني» و «الشرح» فيما إذا تساحقَتَا. ونقلَه في «الإنصاف» عن الأصحاب في مسألة المجبوب؛ لأنه لا نصَّ فيه، ولا يصح قياسُه على الجِماع. فإن أنزل أحدٌ منهم بالمساحقة، لزِمَه القضاءُ والكفَّارة. صوالحي باختصار [¬١].
стр. 680
فَصْلٌ
ومَن فَاتَه رَمَضَانُ (١): قَضَى عَدَدَ أيَّامِه (٢).
ويُسَنُّ: القَضَاءُ على الفَورِ (٣)، إلَّا إذا بَقِيَ مِنْ شعبَانَ بقَدرِ ما عَلَيهِ (٤): فيجِبُ (٥).
فَصْلٌ
(١) قوله: (ومن فاتَه رمضانُ) جميعُه، أو بعضُه.
(٢) قوله: (قضَى عدَد أيَّامِه) أي: قضَى وجوبًا عددَ أيامِه، أي: عددَ أيامِ ما فاتَه، تامًا أو ناقِصًا.
(٣) قوله: (ويُسنُّ القضاءُ على الفَور) مسارعةً لبراءةِ ذِمَّته متتابعًا؛ لأنَّ القضاء يَحكِي الأداءَ، سواء أفطرَ بسببٍ محرَّم، أو لَا. وإن لم يقْضِ على الفَور، وجبَ العزمُ عليه. عثمان [¬١].
(٤) قوله: (بقَدرِ ما عَليه) من الأيَّام التي فاتته من رمضَان.
(٥) قوله: (فيَجبُ) التتابعُ بالصَّوم، ويقدَّم على صومِ نذر لا يُخاف فوتُه؛ لاتساع وقتِه. فيبدأ بقضاء رمضان وجوبًا. قاله في «شرح المنتهى» [¬٢].
فإن خافَ فوتَ النَّذر لضيقِ وقتهِ، قدَّمه. قال شيخُنا في شرحِه على «الإقناع»: قلتُ: إلَّا أن يضيقَ الوقتُ عن قضاءِ رمضَان؛ بأن كان عليه مثلًا
стр. 681
ولا يَصِحُّ: ابتِدَاءُ تَطَوُّعِ مَنْ علَيهِ قَضَاءُ رمَضَانَ (١). فإن نَوَى صَومًا واجِبًا، أو قَضَاءً، ثُمَّ قَلَبَه نَفْلًا (٢): صَحَّ (٣).
عشرة أيام من رمضان، ونذر أن يصوم عشرةَ أيام من شعبان، ولم يبقَ سِوى العشرةِ، فيتعيَّن صومُها عن قضاءِ رمضان؛ لتعيين الوقت لها. وهو واضح.
ويجوز تأخيرُ القضاء مع اتِّساع الوقتِ إلى أن يبقَى قدر ما يسعه. فإن حصَلَ عذرٌ فيما بقي، جاز تأخيرُه بعد رمضان الثاني، فيقضيه بلا كفارة. وإن أخَّر القضاءَ إلى أن فاتَ رمضانات، فعليه القضاءُ والكفَّارة، عن كلِّ يوم كفارةٌ واحدة. وإن أخَّر مَنْ عليه قضاءُ رمضان أو بعضِه حتَّى مات، فإنْ كان تأخيرُه لعُذرٍ، فلا كفَّارة عليه، وإن كان لغير عُذرٍ، أُطعِم عنه فقط مِنْ تَركتِه، إن كان ثمَّ تركة، وإلا سقَط. صوالحي باختصار [¬١].
(١) قوله: (ولا يصِحُّ ابتداءُ تطوُّعِ مَنْ عليه قَضاءُ رمضانَ) أي: ولا يصح أن يبدأَ صومَ تطوعٍ مَنْ عليه صومُ قضاءِ رمضان. ظاهِرهُ: أنَّ عدمَ الصِّحةِ خاصٌّ بالتطوُّع قبلَ قضاءِ رَمضَانَ. وظاهرُ «الفروع»: عمومُ كلِّ صومِ فرضٍ. عثمان [¬٢].
(٢) قوله: (فإن نَوى .. إلخ) أي: نوىَ خارجَ رمضانَ (صومًا واجبًا) نذرًا أو كفَّارةً (أو قضاءً) فهو بمعنى الاستدراكِ على قوله: «ولا يصح ابتداء .. إلخ»؛ لأنه ابتدأ بصوم الفرض، ثم طَرأتْ عليه النفلِيَّةِ.
(٣) قوله: (صَحَّ) نفلُه. جزمَ به في «الفروع» و «التنقيح» وتبِعه في «المنتهى»
стр. 682
ويُسَنُّ: صَومُ التَطوُّع. وأفضَلُهُ: يَومٌ ويومٌ (١).
وسُنَّ: صَومُ أيَّامِ البِيضِ، وهِي: ثَلاثَ عَشرَةَ (٢)، وأربَعَ عشرَةَ، وخَمسَ عشرَةَ. وصَومُ الخَميسِ والاثنَينِ (٣).
وخالَف فيه صاحبُ «الإقناع» فقال بعدم صحة النَّفلِ أيضًا؛ لأن من عليه قضاءَ رمضانَ لا يصح تطوُّعه قبلَه. وأجاب م ص عمَّا ذُكِرَ؛ بأنه ربَّما جاز شيءٌ تبعًا وإن لم يجُزِ استقلالًا، قال: بدليلِ صحَّةِ قلب الفرضِ نفلًا في وقت النَّهي. انتهى. وفيه شيءٌ فليحرر. عثمان.
(١) قوله: (ويُسنُّ صومُ التطوُّع، وأفضلُهُ يومٌ ويومٌ) أي: أفضلُ صوم التَّطوُّع، وهو صومُ يومٍ وإفطارُ يوم، نصًّا؛ لقوله ﷺ لابن عمرو: «صم يومًا وأفطر يومًا، فذلك صيام داود، وهو أفضلُ الصيام». قلت: فإني أطيق أفضلَ من ذلك. فقال: «لا أفضلَ من ذلك». متفق عليه [¬١]. صوالحي [¬٢].
(٢) قوله: (وهي ثلاثَ عشرَةَ) أي: أيامُ البيض ثلاثةُ أيام: ثلاثَ عشرَةَ (وأربعَ عشرَةَ، وخمسَ عشرَةَ) لحديث أبي ذر: «يا أبا ذر، إذا صُمتَ من الشهر، فصُم ثلاثةَ عشرَ وأربعةَ عشرَ وخمسةَ عشرَ». رواه أحمد [¬٣]. وهو كصومِ الدَّهر؛ لأنَّ الحَسنةَ بعشَرَة أمثالِها. وسُمِّيت لياليها بالبيض؛ لبياضِ ليلِها كلِّهِ بالقَمَر. صوالحي [¬٤].
(٣) قوله: (وصومُ الخميسِ والاثنَين) عطفٌ على «صوم أيام .. إلخ». أي:
стр. 683
وسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ (١).
وسُنَّ: صَومُ المُحَرَّمِ (٢).
وسُنَّ صومُ يومِ الخميس ويومِ الاثنين؛ لأنه ﷺ كان يصومُهما، فسُئل عن ذلك، فقال: «إنَّ أعمالَ الناس تُعرضُ يوم الاثنين ويوم الخميس». رواه أبو داود عن أسامة بن زيد [¬١]، وفي لفظ: «وأُحِبُّ أن يُعرض عملي وأنا صائم» [¬٢]. صوالحي [¬٣].
(١) قوله: (وسِتَّةٍ من شوَّال) عطفٌ على «الخميس»، أي: وسُنَّ صومُ سِتَّةِ أيامٍ من شوال. والأَولى تتابعُها عَقِبَ العيد؛ لحديث أبي أيوب مرفوعًا: «من صام رمضان، وأتبعَه ستًّا من شوال، فكأنما صامَ الدَّهر». رواه أبو داود [¬٤]. لأن الحسنةَ بعشرِ أمثالِها، فرمضانُ بعشَرَة أشهُر، والسِّتَّةُ أيام بشهرين، فهو صوم الدَّهر جميعِه.
ولا تحصُل الفضيلَةُ بصيام السِّتة أيامٍ من غيرِ شوال؛ لظاهرِ الأخبار. وظاهره: أنه لا يُستحبُّ صيامُها إلا لمن صامَ رمضان. قاله الإمام أحمد والأصحاب. م ص [¬٥].
(٢) قوله: (وسُنَّ صومُ المحرَّمِ) أي: وسُنَّ صومُ شهرِ اللَّه المحرَّم؛ لحديث: «أفضلُ الصلاة بعدَ المكتوبةِ جوفُ الليلِ، وأفضلُ الصيامِ بعدَ رمضان
стр. 684
وآكدُهُ: عاشُورَاءُ، وهُو كَفَّارَةُ سَنَةٍ (١). وصَومُ عَشرِ ذِي الحِجَّةِ (٢). وآكَدُه: يَومُ عرَفَةَ، وهُو كَفَّارَةُ سَنَتَين (٣).
شهرُ اللَّه المحرَّمُ». رواه مسلم [¬١].
(١) قوله: (وآكدُه عاشُوراء، وهو كفَّارةُ سنَةٍ) وآكدُ شهر اللَّه المحرَّم، يعني: أفضلُ صومِ يومٍ فيه: صومُ يومِ عاشوراء، وهو يومُ العاشر. وصومُه كفارةُ سنةٍ؛ لحديث: «إني لأحتسب على اللَّه أن يكفِّر السَّنة التي قبلَه» [¬٢]. ثم يلي عاشوراء في الآكدية يومُ التَّاسِع من المحرَّم. م ص [¬٣].
(٢) قوله: (وصومُ عَشرِ ذيِ الحِجَّة) عطفٌ على «صوم المحرم»، أي: وسُنَّ صومُ عشرِ ذي الحِجَّة، أي: التِّسعة الأُول منه؛ لما روي عن بعض أزواج النبي ﷺ : قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يصوم تِسعَ ذي الحِجَّة، ويومَ عاشوراء [¬٤]. وسُمِّيت عشرًا: من إطلاقِ الكُلِّ على الأكثر؛ لأنَّ العاشرَ لا يُصام. وقال ابن نصر اللَّه: معناه: أيامُ عشرِ ذي الحِجَّة؛ لأن لياليه عشرٌ آخِرُها ليلة النحر، أي: الأيام المُتخَلِّلةُ بين العَشْر ح ف.
(٣) قوله: (وآكدُه يومُ [¬٥] عرفة وهو كفارة سنتين) أي: وآكدُ صومِ عشرِ ذي الحِجَّة صومُ يومِ عَرفَة، وهو كفارةُ سنتين؛ السَّنةِ التي قبلَه والسَّنةِ التي بعدَه؛ لأنه لمَّا كان بين شهرين حرامَين، كفَّر سنةً قبلَه وسنةً بعدَه، ولأنه يومٌ
стр. 685
وكُرِهَ: إفرَادُ رَجَبٍ (١)، والجُمُعَةِ (٢)،
محمَّدي، وقد وُعِدَت هذه الأمة بأن تؤتَى أجرَها مرَّتين، ولأنَّ نبينا أفضلُ الأنبياء، فكانَ بسنتين، بخلافِ عاشوراء؛ لأنه مُوسَوِيٌّ.
قال في «الفروع»: والمرادُ الصغائرُ. حكاه في [¬١] «شرح مسلم» عن العُلماء. قال بعضُهم: وهذا تحكَّمٌ لا دليلَ عليه. قال ابن المنذر: هو قولٌ عامٌ، يُرجى أن يُغفَر له جميعُ ذنوبِه؛ صغيرُها وكبيرُها. وهل مثلُه الدَّينُ، ومظالِمُ العباد؟ ظاهرُ ما ذكروه من أنَّ الشهادةَ لا تُكفِّر ذلك: أنه لا يكفِّر هذا؛ بطريق الأَولى. ح ف.
قال المصنف [¬٢]: ونقل المرُّوذِيُّ: بِرُّ الوالدين كفارةٌ للكبائر. وفي الصحيح: «العمرةُ إلى العُمرةِ كفارةٌ لما بينُهما» [¬٣]. قال ابنُ هبيرة: فيه إشارةٌ إلى أن كبار الطاعات يُكفِّر اللَّهُ ما بينهُما؛ لأنه لم يقُل: كفارةٌ لصِغارِ ذُنُوبِه، بل إطلاقُه يتناولُ الصغائرَ والكبائرَ. انتهى.
(١) قوله: (وكُرِه إفرادُ رجَب) أي: وكُرِه إفرادُ شهرِ رجب بالصوم؛ لأن فيه إحياءً لشعارِ الجاهلية. وتزولُ الكراهةُ بفطرِه فيه ولو يومًا، وبصومِه شهرًا آخر من السَّنة. عثمان وزيادة [¬٤].
(٢) قوله: (والجُمُعَة) أي: وكُرِه إفرادُ يوم الجُمُعة بالصوم، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا يصومَنَّ أحدُكم يومَ الجُمعة، إلا أن يصومَ يومًا قبلَه، أو يومًا
стр. 686
والسَّبتِ بالصَّوم (١). وكُرِهَ: صَومُ يَومِ الشَّكِّ، وهُو: الثَّلاثُونَ مِنْ شَعبَانَ، إذا لَم يَكُنْ غَيمٌ أو قَتَرٌ (٢).
بعده». متفق عليه [¬١]. م ص [¬٢].
(١) قوله: (والسَّبتِ بالصَّوم) أي: وكُرِه أفرادُ يومِ السَّبت بالصوم [¬٣]، لكن لو وافقَ عرفةُ يومَ الجُمعةِ صامَه، نصَّ عليه. قاله ابن نصر اللَّه في «حواشي الكافي» ويعايا بها في صيام الجُمعة مع السَّبت، فيقال: شيئانِ يُكرهُ الإتيانُ بكلٍّ منهما منفرِدًا، ولا يُكره الجمعُ بينهما. ح ف.
(٢) قوله: (إذا لم يكُن غيمٌ أو قتَرٌ) أي: إذا لم يكُن عندَ التَّرائي عِلَّةٌ من غَيمٍ أو قَتَرٍ، كما تقدَّم؛ لقول عمَّار بن ياسر: من صام اليومَ الذي يُشكُّ فيه، فقد عصَى أبا القاسم ﷺ [¬٤]. وقال ابنُ نصر اللَّه: قولُ عمَّار: فقد عصَى أبا القاسم. لا يتعيَّنُ للتحريم؛ لأنَّ المعصيةَ مخالفةُ الأمرِ والنهي، والمنهيُّ عنه يصلُح أن يكون للكراهة والتحريم، فلم يتعيَّن أحدُهما. بل المتعيِّن هو الكراهةُ، والتحريمُ مشكوكٌ فيه. ح ف.
стр. 687
ويحرمُ: صَومُ العِيدَين (١)، وأيَّامِ التَّشريِقِ (٢).
ومَن دخَلَ في تَطَوُّعٍ: لَم يَجِبْ إتمَامُهُ (٣). وفي فرضٍ: يَجِبُ (٤)،
(١) قوله: (ويحرُمُ صومُ العِيدَين) أي: يحرمُ ولا يصِحُّ صومُ يومي العيدين مُطلقًا، فرضًا كان أو نفلًا؛ لحديث أبي هريرة: نَهى عن صومِ يومين، يومِ فِطرٍ، ويومِ أضحَى. متفق عليه [¬١]. صوالحي [¬٢].
(٢) قوله: (وأيَّامِ التَّشريِقِ) أي: ويحرُم ولا يصح صومُ أيام التشريق؛ لحديث: «وأيامُ مِنًى أيَّامُ أكلٍ وشُرب» [¬٣] إلا إن صام عن دمِ مُتعةٍ أو دم قران لمن عَدِمَه، فيصِحُّ صومُها عنه؛ لقول ابن عمر وعائشة: لم يرخص في أيام التشريق أن يُصمْنَ، إلا لِمَنْ لم يجدِ الهدي. رواه البخاري [¬٤]. ولا يُكره صومُ الدَّهر، إن لم يترُك به حقًا، ولا خافَ منه ضررًا. صوالحي [¬٥].
(٣) قوله: (ومن دخلَ في تطوُّعٍ، لم يجِب إتمامهُ) أي: ومن دخل في صوم تطوعٍ، لم يجب عليه إتمامُ الصوم، فله أن يُفطِر غير حج أو عمرة من صومٍ، وصلاةٍ، ووضُوءٍ، وغيرِها. وكُرِه خروجُه منه بلا عُذر. انتهى الوالد.
(٤) قوله: (وفي فرضٍ يَجِب) عطف على «تطوُّعٍ»، والمعنى: أنَّ من دخَل في صيام فرضٍ، فيجبُ عليه إتمامُه، ولا يجوز له فِطرُه، سواءٌ كان الفرضُ بأصل الشرع أو بالنذر، وسواءٌ كان وقتُه موسَّعًا، كصلاةٍ، وقضاءِ رمضان،
стр. 688
ما لَم يَقلِبْهُ نَفْلًا (١).
ونذرٍ، وكفَّارة. وحرم قطعه كالمُضيَّق. فيحرُم خروجُه من فرضٍ بلا عُذر؛ لأنَّ الخروجَ من عُهدةِ الواجبِ متعيِّنٌ. انتهى الوالد.
(١) قوله: (ما لم يقلِبه نفلًا) أي: ما لم يقلب صيامَ الفرضِ نفلًا، فإن قلَبه نفلًا، لم يِجب عليه إتمامُه، وجاز له فِطرُه. صوالحي [¬١].
стр. 689
كِتابُ الاعتِكَافِ
وهُو: سُنَّةٌ (١). ويَجِبُ: بالنَّذرِ (٢).
كتابُ الاعتِكَافِ
لغةً: لزومُ الشيء. ومنه: ﴿يعكفون على أصنام لهم﴾ [الأعرَاف: ١٣٨]. بفتح الكاف في الماضِي، وضمِّها وكسرِها في المُضارع.
واصطلاحًا: لزومُ مسلِمٍ لا غُسْلَ عليه، عاقلٍ ولو مُميزًا، مسجدًا ولو ساعةً؛ لطاعة اللَّه تعالى، ولا يبطلُ بإغماء.
قوله: «لا غُسلَ عليه» لعله ما لم يحتج إلى اللُّبث؛ لجواز اللُّبث إذن. قال م ص [¬١]: فلا يصحُّ من الجُنب، ولو مُتوضِّئًا. انتهى. وقولُه: «مسجدًا». مفعول «لزوم». وقوله: «ولو ساعة». أي: أقلُّ زمن، ولو لحظةً، ولا يكفي عبورُه. ويُستحبُّ أن لا ينقص عن يوم. وقوله: «لطاعة اللَّه». متعلِّق «بلزوم». انتهى الوالد.
(١) قوله: (وهو سُنَّةٌ) أي: مسنونٌ كلَّ وقت، وفي رمضانَ آكدُ، خصوصًا عشره الأخير.
(٢) قوله: (ويِجبُ بالنَّذر) أي: ويجبُ الاعتكافُ بالنذر على صفةِ ما نذَره.
وأقلُّه ساعة إذا كان تطوعًا أو نذرًا مطلقًا، وهو ما سُمِّي به معتكِفًا لابثًا، كما قاله في «الإنصاف». قال في «الفروع»: ظاهره: ولو لحظة. وفي كلام جماعة من الأصحاب: أقلُّه ساعة، لا لحظة، وهو ظاهرُ كلامه في
стр. 690
وشَرْطُ صِحَّتِهِ (١) سِتَّةُ أشيَاءَ: النيَّةُ (٢). والإسلامُ (٣). والعَقلُ (٤). والتَّمييزُ (٥). وعَدَمُ ما يُوجِبُ الغُسْلَ (٦). وكَونُهُ بِمَسجِدٍ (٧).
«المُذْهَبِ» وغيره. وقال الزركشي: وأقلُّه أدنَى لُبثٍ. قال في «الإقناع»: ولا يكفي عبورُه. قال شيخنا في شرحه على «الإقناع»: يدلُّ على أن المرادَ بالساعة ما يتناول اللَّحظةَ.
ويصِحُّ الاعتكافُ بغيرِ صَوم. صوالحي. مختصر [¬١].
(١) قوله: (وشَرطُ صِحَّته) أي: صحة الاعتكاف.
(٢) قوله: (النيَّة) أحدُها: النيَّة، ومحلُّها القلب؛ لأنه [¬٢] عبادةٌ مُختَصَّةٌ.
(٣) قوله: (والإسلامُ) والثاني: الإسلامُ. فلا يصح من كافرٍ، ولو مرتدًّا.
(٤) قوله: (والعقلُ) والثالثُ: العقلُ. فلا يصح من مجنون؛ لفَقدِ النية.
(٥) قوله: (والتمييزُ) والرابعُ: التمييزُ. فلا يصح من طِفلٍ؛ لعدَم النية. وأما المميِّز فيصحُّ منه.
(٦) قوله: (وعدمُ ما يوجبُ الغُسلَ) والخامِسُ: عدمُ ما يوجب الغُسل. فلا يصح من الجنب والحائض والنُّفساء. ودخَلَ المستحاضةُ وغيرُ المتوضئ. ح ف.
(٧) قوله: (وكونُه بمسجِدٍ) والسادِسُ: كونُ الاعتكافِ بمسجِدٍ. فهو مصدرٌ مضافٌ لمفعوله، فلا يصح بغير مسجد؛ لقوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البَقَرَة: ١٨٧].
стр. 691
ويُزادُ في حَقِّ مَنْ تَلزَمُهُ الجَمَاعَةُ (١): أن يَكُونَ المَسجِدُ مِمَّا تُقَامُ فيهِ (٢).
ومِنَ المَسجِدِ: ما زِيدَ فيهِ (٣). ومِنه: سَطْحُهُ، ورَحَبَتُهُ المَحُوطَةُ (٤)،
(١) قوله: (ويُزادُ في حقِّ من تلزمُه الجماعةُ) وهو الرَّجلُ الحرُّ القادِرُ.
(٢) قوله: (أن يكونَ المسجِدُ ممَّا تُقامُ فيه) الجماعةُ، إذا أتى عليه فِعلُ صلاة؛ لأن الاعتكافَ إذن في غيره يُفضِي إمَّا إلى تركِ الجماعة، أو تَكرَارِ الخُروج إليها كَثيرًا، مع إمكان التحرُّز منه، وهو منافٍ للاعتكاف. وعُلِمَ منه: صِحَّةُ اعتكافِ نحوِ امرأةٍ ومعذورٍ في كلِّ مسجدٍ. واقتُصِر على الجماعة دونَ الجُمعة؛ إذ الجُمعة لا تُقام إلا في مسجدٍ يكون حولَه أربعين، لا يظعنونَ صيفًا ولا شتاءً، فيلزمُ على ذلك أنه لا يصح الاعتكاف إلا في مسجدٍ كذلك، وليس الأمرُ كذلك، فيصح في مسجدٍ، ولو ممَّا لا تقامُ فيه الجُمعة. عثمان [¬١] وإيضاح.
(٣) قوله: (ومن المسجدِ ما زِيدَ فيهِ) أي: ومن حُكمِ المسجد ما زيدَ فيه من البِناء، حتَّى في الثواب في المسجِدِ الحرام. الوالد.
(٤) قوله: (ومنه سطحُه ورحبتُه المحوطَةُ) أي: ومِن حُكمِه أيضًا سطحُه، ورحبتُه المحوطةُ به. قال في «مختار الصحاح» [¬٢]: رَحْبةُ المسجد: ساحتُه. ا. هـ قال القاضي [¬٣]: إن كان عليها حائطٌ وبابٌ، كرَحْبة جامع المهديِّ بالرُّصافةِ، فهي كالمسجد؛ لأنها منه وتابعةٌ له. وإن لم تكن
стр. 692
ومَنَارَتُه التي هِي أو بَابُها فِيهِ (١).
ومَن عَيَّن الاعتِكَافَ (٢) بمَسجِدٍ غَيرِ الثَّلاثَةِ: لَم يتَعَيَّن (٣).
محوطة، كرحبة جامع المنصور، لم يثبت لها حكم المسجد. انتهى. الوالد.
(١) قوله: (ومنارتُه التي هي أو بابُها فيه) أي: ومِنَ المسجدِ منارتُه التي في المسجد، أو باب المنارة في المسجد. وكذا المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ والمسجد الأقصى. وثوابُ الزائد حكمُ الأصلِ. صوالحي [¬١].
(٢) قوله: (ومن عيَّن الاعتِكافَ) بنذره، لاعتكافِه أو صلاتِه؛ بأن نذَر الصلاةَ بالأزهر، لم يتعيَّن به، بل يجوزُ له أن يصلِّي في غيرِه كالغُوريَّة والأشرفيَّة. تقرير. الوالد.
(٣) قوله: (بمسجدٍ) من المساجد (غيرِ) المساجد (الثلاثة، لم يتعيَّن) ذلك المسجد؛ لأن اللَّه تعالى لم يُعيِّن لعبادتِه موضِعًا، فلم يتعيَّن بالنذر، ولو تعين لاحتاج إلى شَدِّ رحلٍ، وحينئذ لا يلزمُه الاعتكافُ أو الصلاة فيما عيَّنه من غيرِ الثلاثة؛ لقوله ﷺ : «لا تُشدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجد: المسجدِ الحرام، ومسجدي هذا، والمسجدِ الأقصى» [¬٢]. قال في «المبدع»: وعلى المذهَب: يعتكفُ في غير المسجدِ الذي عيَّنه. وظاهرُه: لا كفَّارةَ، وجزمَ به في «الشرح». فإن عيَّن الاعتكافَ أو الصلاةَ في مسجدٍ من الثلاثة مساجد، تعيَّن؛ لفضل العبادةِ فيها على غيرها، وله شدُّ الرَّحْلِ إليه.
стр. 693
ويَبطُلُ الاعتِكَافُ: بالخُرُوجِ مِنْ المَسجِدِ لِغَيرِ عُذْرٍ (١). وبِنِيَّةِ الخُرُوجِ، ولَو لَم يَخرُج (٢). وبِالوَطءِ في الفَرجِ (٣). وبالإنزَالِ بالمُباشَرَةِ دُونَ الفَرجِ (٤).
وأفضلُ الثلاثةِ مساجدَ: المسجِدُ الحرام، ثم مسجِدُ النبيِّ ﷺ ، ثم المسجِدُ الأقصى، وهو مسجِدُ بيت المقدِس.
وإن عيَّن في نذرِه الأفضلَ منها، لم يُجزئه فيما دونَه. فإن عيَّن الأقصى، جاز له الاعتكافُ في الاثنين. فإن عيَّن [¬١] مسجدَ المدينة، جاز له في المسجدِ الحرام. فإن عيَّن المسجدَ الحرام، فلم يجزئه غيرُه. صوالحي [¬٢].
(١) قوله: (ويبطلُ الاعتكافُ) هذا شروعٌ في مُبطِلاتِ الاعتكاف، وهي سِتَّة أشياءَ: الأول: (الخروجُ من المسجِدِ لغيرِ عُذرٍ) ولو قلَّ.
(٢) قوله: (وبنية الخروج) والثاني: يبطلُ الاعتكافُ بنيَّةِ الخروجِ من المَسجِدِ. وقوله: (ولو لم يخرج) من محلِّ اعتكافِه. غاية لقوله: «وبنية الخروج»
(٣) قوله: (وبالوطء في الفرج) والثالِثُ: يبطل الاعتكافُ بالوطءِ في الفَرج في المسجدِ، ولو ناسيًا. ظاهره: ولو دُبرًا، أو لميِّت، أو بهيمةٍ، أو بحائلٍ. ح ف.
(٤) قوله: (وبالإنزالِ بالمُباشَرَةِ دونَ الفرجِ) والرابِعُ: يبطُل الاعتكافُ بالإنزال بالمُباشَرةِ دونَ الفرجِ، كالمُفاخَذَة؛ لقوله: تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البَقَرَة: ١٨٧]. قال شيخُنا عثمان [¬٣]: ويُكفِّرُ كفَّارةَ
стр. 694
وبالرِّدَّةِ (١). وبالسُّكْرِ (٢).
وحَيثُ بَطَلَ الاعتِكَافُ (٣): وَجَبَ استِئَنافُ النَّذْرِ المُتَتَابِعِ (٤)، غَيرِ المُقَيَّدِ بزَمَنٍ، ولا كفَّارَةَ (٥). وإنْ كانَ مُقَيَّدًا بزَمَنٍ مُعَيَّنٍ: استَأنَفَهُ (٦)،
يمينٍ، إن كان الاعتكافُ منذورًا؛ لإفسادِ نَذرِه، لا لوطئِه. انتهى.
(١) قوله: (وبالردَّةِ) والخامِسُ: يبطل الاعتكافُ بالردَّةِ، والعياذُ باللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزُّمَر: ٦٥].
(٢) قوله: (وبالسُّكر) والسادِسُ: يبطلُ الاعتكافُ بالسكر؛ لخروجِه عن كونِه من أهلِ المسجِد، كالمرأةِ إذا حاضَت. صوالحي [¬١].
(٣) قوله: (وحيثُ بطَلَ الاعتكافُ) بما ذُكر من السِّتة أشياء.
(٤) قوله: (وجبَ استئنافُ النَّذر المتتَابِع) أي: وجبَ على المعتَكِف ابتداءُ الاعتكافِ من أوله، إن كان حصلَ الاعتكافُ بالنَّذر المتتابِع، كمَن نذَرَ عشرَةَ أيام متواليةٍ، فحصَلَ منه ما يُبطِلُ الاعتكافَ، فيجِبُ عليه أن يبتدِئَ العشرَةَ من أوَّلِها، وما حصَلَ من الاعتكافِ لا يُعتدُّ به. صوالحي [¬٢].
(٥) قوله: (غيرِ المقيَّدِ بزمنٍ، ولا كفارة) هذا إذا كانَ الاعتكافُ بزمنٍ. ولا كفارةَ عليه إن ابتدأ من أوله، وإن اختارَ البِناءَ على ما مَضَى، أتَى بما بَقيَ، وكفَّر كفَّارةَ يمينٍ؛ لعدم فعله على وجهه. صوالحي [¬٣].
(٦) قوله: (وإن كان) النذر (مقيدًا بزمن معيَّن … إلخ) أي: وإن كان
стр. 695
وعَلَيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ لِفَوَاتِ المَحَلِّ (١).
ولا يَبطُلُ الاعتِكَافُ (٢): إن خَرَجَ مِنْ المَسجِدِ لِبَولٍ، أو غائِطٍ، أو طَهَارَةٍ واجِبَةٍ (٣)، أو لإزَالَةِ نَجَاسَةٍ (٤)،
الاعتكافُ مقيدًا بزمن معيَّن، كمن نذَر أن يعتكف شهرَ رمضان، أو يومَ العيد ونحوه، وحصلَ ما أبطله، وجبَ أن يستأنِفَه، ويكونُ الاستئنافُ على صِفَةِ أدائِه فيما يُمكنُ من صومٍ أو صلاةٍ نُذِرا فيه مثلًا، أو أحدِ المساجدِ الثلاثة حيثُ عيَّنه. صوالحي وزيادة [¬١].
(١) قوله: (وعليه كفَّارةُ يمينٍ، لفواتِ المحَلِّ) وإن كان النذر مطلقًا، غيرَ متتابِع، ولا مقيَّدٍ بزمنٍ معيَّن، فيُتمَّم بلا كفارة. صوالحي [¬٢].
(٢) قوله: (ولا يبطُلُ الاعتكافُ … إلخ) هذا محترز قوله: «ويبطلُ الاعتكافُ بالخروج من المسجدِ لغيرِ عُذر».
(٣) قوله: (أو طهارةٍ واجبَةٍ) أي: ولا يبطلُ إن خرجَ لأجلِ طهارة واجبة، كوضُوءٍ وغُسْلٍ، ولو كان الوضوءُ قبلَ دخولِ صلاة؛ لأنه لا بدَّ للمُحدِث منه؛ لحديث عائشة قالت: السَّنة للمعَتكِفِ أن لا يخرَج إلا لما لا بد له منه. رواه أبو داود [¬٣]. واحترز ب «واجبة» عن غُسْلِ جُمعةٍ، وتجديدِ وضُوء. عثمان [¬٤].
(٤) قوله: (أو لإزالةِ نَجاسَةٍ) أي: ولا يبطُل الاعتكافُ إن خرجَ لأجل إزالةِ
стр. 696
أو لجُمُعَةٍ تَلزَمُهُ (١). ولا: إنْ خَرَجَ للإتيانِ بِمَأكَلٍ ومَشرَبٍ؛ لِعَدَمِ خادِمٍ (٢). ولَه: المَشيُ علَى عادَتِهِ (٣).
ويَنبَغِي لِمَنْ قَصَدَ المَسجِدَ (٤):
نجاسَة بدَنٍ أو ثوبٍ ونحوه مما يحتاجُه؛ لأنه لابدَّ للمصلِّي منه. صوالحي [¬١].
(١) قوله: (أو لجُمُعةٍ تلزمُه) أي: ولا يبطُل الاعتكافُ لأجل صلاةِ جُمعة ممَّن تلزمه الجُمُعة، وهو المسلمُ الحرُّ العاقلُ البالِغُ، غير من يُعذر بتركِها من أهل الأعذار، كما تقدَّم في محلِّه. وسُنَّ أن لا يبكِّر لخروجِ الجُمعة، ويُستحبُّ له سُرعةُ الرُّجوع بعد الجُمعة إلى معتكفِه. ولا يبطُل أيضًا إن خَرج لأجل قيءٍ حصل له بغتةً. صوالحي مختصرًا [¬٢].
(٢) قوله: (ولا إن خَرَجَ للإتيانِ بمأكَلٍ .. إلخ) أي: ولا يبطلُ الاعتكافُ إن خرج؛ لأجل الإتيان بما يحتاجُه من المأكل والمَشرب؛ لعدَمِ الخادِم، نصًّا. لا خروجُه لأكلِه أو شُربه في بيته؛ لعدَمِ الحاجةِ؛ لإباحةِ ذلك في المسجدِ. صوالحي [¬٣].
(٣) قوله: (وله المشيُ على عادَته) أي: للمعتكف إذا خرجَ لما لا بدَّ له منه أن يمشيَ المشيَ المُعتاد الذي على حَسَب عادتِه من غيرِ سُرعة. صوالحي [¬٤].
(٤) قوله: (وينبغي لِمَنْ قصَد المسجِدَ) للصلاة، أو غيرِها. قال م ص: قلت:
стр. 697
أنْ يَنوِيَ (١) الاعتِكَافَ مُدَّةَ لُبْثِهِ فِيهِ، لا سِيَّمَا إن كانَ صائِمًا (٢).
إلَّا لإقراءِ قرآنٍ، أو عِلمٍ، ونحوه، إن قلنا: يُكَره للمعتَكِف. عثمان [¬١].
(١) قوله: (أن ينويَ) مفعولٌ ل «ينبغي».
(٢) قوله: (مدَّة لُبثه) أي: جلوسه في المسجد، (لا سيَّما إن كان صائمًا)؛ لأنه آكد.
ولا يجوزُ بيعٌ ولا شِراءٌ فيه لمعتكِفٍ وغيرِه، ولا يصح. ويُسنُّ لمعتكِفٍ اشتغالُه بالقُرَبِ من صلاةٍ، وقراءة، وذِكرٍ ونحوِها، واجتنابُ ما لا يعنيَه بفتح الياء أي: يهمَّه؛ لقوله ﵊: «من حُسن إسلامِ المرءِ تركُه ما لا يعنيَه» [¬٢]. يعني: من جِدالٍ، ومِراءٍ، وكثرةِ كلامٍ، وغيرِه؛ لأنه مكروهٌ في غيرِه، ففيه أولى. «إقناع» [¬٣].
стр. 698
كِتَابُ الحَجِّ
كتابُ الحَجِّ
بفتح الحاءِ في الأشهَر، عكسُ ذي الحِجَّة، أحدُ مباني الإسلامِ الخمس، وفُرِضَ [¬١] سنةَ تسع من الهجرة. ولم يحُجَّ النبيُّ ﷺ بعد هِجرته سِوَى حَجَّة واحدةٍ، وهي حجَّةُ الوداع، ولا خِلافَ أنها كانت سنةَ عشرٍ، وكان قارنًا، نصًّا. قاله في «الإقناع» [¬٢]، وإنما سُمِّيت حجة الوداع؛ لأنه ﷺ ودع الناس بها، وقال: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب» [¬٣]. قاله القاضي عياض [¬٤].
وترجم في «المقنع» [¬٥] بالمناسك، وهي: جمعُ منسَك، بفتح السين وكسرِها، فبالفتح مصدرٌ، وبالكسرِ اسمٌ لموضِع العبادة. مأخوذٌ من النسيكة، وهي: الذبيحةٌ المتقرَّبُ بها. ثم اتُّسع فيه فصارَ اسمًا للعبادةَ والطاعة، وقد غلَب إطلاقُها على أفعال الحجِّ؛ لكثرةِ أنواعِها، ولما تتضمَّنه من الذبائح المتقَرَّب بها.
والحجُّ لغةً: القصدُ إلى من تُعظِّمُهُ، أو كَثرَةُ القَصدِ إليه.
стр. 699
وهُو واجِبٌ، معَ العُمرَةِ (١): في العُمُرِ مَرَّةً (٢).
وشرعًا: قصدُ مكةَ لعملٍ مخصوصٍ، في زمنٍ مخصوص.
وقوله: لعمل أي: مع فعلِه، إذ لا يلزم من القصد الفِعلُ. والمرادُ بالعَمل المخصوصِ: الإحرامُ، والوقوفُ، والطوافُ، والسعيُ، وغيرُها. ولكن لا يشملُ الحدُّ حَجَّ المَكيِّ. وحدَّه في «المغني» بأنه: اسمٌ لأفعالٍ مخصوصة. وقال السَّعديُّ في مناسِكه: هو قصدُ البيت الشريفِ بإحرامٍ مخصوص، مع أفعالٍ مخصوصة؛ من وقوفٍ، وطوافٍ، وغيرِهما، في وقتِ مُعيَّن، على وجهٍ مخصوص. ح ف وزيادة.
(١) قوله: (وهو واجبٌ مع العُمرَةِ) أي: والحجُّ واجبٌ مع العُمرة على من يجبُ عليه.
وهي لغةً: الزيارةُ. وشرعًا: زيارةُ البيت على وجهٍ مخصوص؛ بأن تكونَ بإحرام، وطواف، وسعي، وغير ذلك. انتهى. الوالد.
(٢) قوله: (في العمر مرة) واحدة [¬١]؛ لحديث ابن عباس، قال: خطَبنَا رسولُ اللَّه ﷺ فقال: «يأيها الناس، كُتبَ عليكم الحجُّ». فقامَ الأقرعُ بن حابِس، فقال: أفي كلِّ عامٍ يا رسولَ اللَّه؟ فقال: «لو قلتُها، لوجبت، ولو وجبت لم تعملُوا بها، ولم تستطيعوا أن تعملوا بها. الحجُّ مرةٌ، فمن زاد فهو تطوُّع». رواه أحمد [¬٢]. صوالحي باختصار [¬٣].
стр. 700
وشَرطُ الوجُوبِ خَمسَةُ أشيَاءَ: الإسلامُ. والعَقْلُ. والبُلُوغُ. وكَمَالُ الحُريَّةِ (١).
لَكِن يَصِحَّانِ: مِنْ الصَّغِيرِ، والرَّقِيقِ (٢)، ولا يُجْزِئَانِ (٣)(١) قوله: (وشرطُ الوجوبِ .. إلخ) أي: وشَرطُ وجوبِ الحجِّ والعُمرةِ (خمسةُ أشياءَ؛ الإسلام … إلخ). فالإسلامُ والعقلُ شرطانِ للوجوبِ والصِّحة، فلا يصحَّان من كافرٍ ولا مجنون، ولو أحرمَ عنه وليُّه. والبلوغُ وكمالُ الحُريَّة شرطانِ للوجوب والإجزاءِ دونَ الصحَّة، فيصحَّان من الرقيقِ والصغير. وتأتي الاستطاعةُ، وهي شرطٌ للوجوبِ دونَ الإجزاء. فهذه خمسةُ شروطٍ للحجِّ والعُمرةِ، وقد جمعَها شيخنا عثمانُ [¬١] في بيتين، فقال:
الحجُّ والعُمرةُ واجبانِ … في العُمرِ مرَّةً بلا تَواني
بشرطِ إسلامٍ كذا حُريَّهْ … عقلٍ بلوغٍ قُدرةٍ جليَّهْ
قوله: بلا توان. إشارة إلى أن وجوبَهما بالشروط المذكورة على الفور، فيأثم إن أخَّره بلا عُذر [¬٢]. وقوله: قدرةٌ جليَّه. إشارةٌ إلى الاستطاعة. انتهى الوالد.
(٢) قوله: (لكنْ يصحَّانِ من الصَّغيرِ والرَّقيقِ) أي: الحجُّ والعُمرةُ يصِحَّان من الصَّغير، والرقيق، وكذا المُكاتَب، والمُبعَّض، وأمُّ الولد. فهو استدراكٌ على البُلوغ، وكمالِ الحرية. صوالحي [¬٣].
(٣) قوله: (ولا يُجزئَانِ) أي: الحجُّ والعُمرةُ، إذا فعلهما الصَّغيرُ والرَّقيق.
стр. 701
عن حَجَّةِ الإسْلامِ، وعُمْرَتِهِ (١).
فإنْ بلَغَ الصَّغِيرُ (٢)، أو: عَتَقَ الرَّقيقُ، قَبلَ الوُقُوفِ، أو بَعدَه إنْ عادَ فَوَقَفَ في وَقتِهِ: أجزَأَهُ عن حَجَّةِ الإسلامِ (٣)، ما لَمْ يَكُنْ أحرَمَ مُفْرِدًا أو قَارِنًا وسَعَى بَعدَ طَوافِ القُدُومِ (٤).
(١) قوله: (عن حجَّة الإسلام، و) عن (عُمرتِه) أي: عمرةِ الإسلام. صوالحي [¬١].
(٢) قوله: (فإن بلَغَ الصَّغيرُ) وهو حرٌّ مُسلِمٌ عاقِلٌ، مُحرمًا بحجٍّ قبلَ دَفعٍ من عَرفة، أو بعدَه، إن عادَ فوقَف في وقتِه. انتهى. الوالد.
(٣) قوله: (أو عَتَقَ الرقيقُ … إلخ) المكلَّفُ، مُحرِمًا، سواءٌ كان قبلَ الوقوفِ بعرفة، أو بعدَ الوقوفِ والدَّفعِ منها، فإن عادَ قبلَ فَوتِ وقتِه، فوقفَ في وقتِ الوقوفِ، أجزأهُما عن حجَّة الإسلام، ويلزمُ العَودُ حيثُ أمكنَه. صوالحي [¬٢].
(٤) قوله: (ما لم يكنْ أحْرمَ مُفرِدًا أو قارِنًا وسعَى بعدَ طوافِ القُدومِ) أي: فلا يُجزئُ ذلك ما ذُكِرَ عن حجةِ الإسلام؛ مدةَ إحرامِ الصَّغير أو الرقيق مَفرِدًا بالحجِّ فقط، أو قارنًا بالحج والعمرة وسَعيهما بعد طواف القُدوم، قبلَ الوقوفِ بعرَفةَ، ولو أعادَ السعيَ بعد البلوغ أو العِتق؛ لأن السَّعي لا يُشرع مجاوزةُ عدَدِه، ولا تَكرَارُه، بخلاف الوقوف فاستدامتُه مشروعةٌ ولا قَدر له محدود.
قال في «الإقناع»: لو سَعَى قِنٌّ أو صغيرٌ بعد طواف القدوم، وقبلَ الوقوف
стр. 702
وكذلِكَ: تُجزِئُ العُمرَةُ إنْ بَلَغَ أو عَتَقَ قَبْلَ طَوَافِها (١).
الخَامِسُ: الاستِطاعَةُ (٢).
والعِتق وقبلَ البلوغ، وقُلنا: السعيُ رُكنٌ وهو المذهب لم يجزئه، أي: الحجُّ عن حجة الإسلام؛ لوقوع الركن في غير وقت الوجوب، أشبهَ ما لو كبَّر للإحرام ثم بلغ، فعلَى هذا لا يُجزئه، ولو أعاد السَّعي بعد البلوغ والعتق؛ لأنه لا يُشرع مجاوزةُ عدده، ولا تكراره، وخالفَ الوقوفَ من حيث إنه إذا بلغ أو عتَقَ بعدَه وأعاده في وقته يجزئه؛ إذ هو مشروعٌ، أي: استدامته مشروعة، ولا قدر له محدود. م ص [¬١].
(١) قوله: (وكذلك تُجزِئُ العمرةُ إن بلَغَ أو عتَقَ قبلَ طوافِها) أي: كما يُجزئُ الحجُّ تُجزئُ العمرةُ الصغيرَ والعبدَ عن عُمرة الإسلام إنْ بلغَ الصغيرُ، أو عتَقَ العبدُ، قبلَ أن يكونا طافا طوَاف العُمرة، فإن كانا طافا طوافَ العُمرة، فلا تُجزئُهما، ويلزمُهما عمرةُ الإسلامِ مع الإمكان.
وعُلِمَ مما سَبقَ: أنه لو بلَغ أو عَتَقَ بعدَ دَفعٍ مِنْ عَرفةَ ولم يَعُدْ، أو عادَ بعدَ الوقتِ، لم تجزئه حجَّته. أو بلغَ أو عتقَ في أثناء طوافِ عمرةٍ، لم تجزئْه. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (الخامِسُ: الاستطاعَةُ) أي: الخامسُ لوجوبِ الحجِّ والعمرة: الاستطاعة؛ لقوله تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عِمرَان: ٩٧]. والأخبار. انتهى صوالحي [¬٣].
стр. 703
وهِي: مِلكُ زَادٍ (١)، ورَاحِلَةٍ تَصلُحُ لِمِثلِهِ (٢). أو: مِلكُ ما يَقدِرُ بهِ (٣)(١) قوله: (وهيَ): أي: الاستطاعة (مِلكُ زادٍ) يحتاجُه في سفَره ذهابًا وإيابًا من مأكولٍ ومشروب وكِسْوة. وينبغي أن يُكثر من الزَّاد والنفقة عندَ إمكانِه؛ ليُؤثِرَ مُحتاجًا ورَفيقًا، وأن تطيبَ نفسُه بما ينفقُه، ويُستحبُ أن لا يشاركَ غيرَه في الزاد وأمثالِه، واجتماعُ الرِّفاقِ كلَّ يومٍ على طعامِ أحدِهم على المُناوبةِ أليقُ بالورَعِ من المشاركة. «إقناع» [¬١].
(٢) قوله: (وراحلَةٍ تصلُحُ لمثلِه) أي: ومِلكُ راحلةٍ بشراءٍ أو كِراءٍ؛ لركوبه بآلتها، تصلح الراحلةُ لمثلِه عادةً. فإن كان ممَّن يكفيه الرَّحْلُ والقَتَبُ، ولا يخشَى السُّقوطَ، اكتفَى بذلك، وإن كان ممَّن لم تجرِ عادتُه بذلك، أو يخشَى السُّقوطَ، اعتُبِرَ وجودُ مَحْمِلٍ صالحٍ له، وما أشبهه، مما لا يُخشى سقوطُه عنه، ولا مشقته فيه.
وتعتبر الراحِلةُ في مسافةِ قصرٍ عن مكَّةَ، ولا تعتبرُ فيما دونَ المسافة، من مَكيٍّ وغيرِه؛ للقدرة على المَشي فيها غالبًا، إلا لعاجزٍ عن مشيٍ، ولا يلزمه حبوًا ولو أمكنه. وأما الزاد فيُعتَبرُ، قَرُبَت المسافةُ أو بعُدت؛ مع الحاجةِ إليه. وعُلِمَ منه: أنه إذا لم يملِك زادًا ولا راحلِةً، لم يلزمه الحج، لكن يُستحب لمن أمكنه المشيُ، والكسبُ بالصنعة، ويُكره لمن حِرفتُه المسألة.
والراحِلَةُ: الناقةُ التي تصلُح للرَّحيل. ويقالُ لكلِّ ما يُركبُ من الإبل، ذكَرًا كان أو أُثنى. حكاهُما الجوهريُّ. والثاني مرادُ الفُقهاء. ح ف وزيادة.
(٣) قوله: (أو مِلكُ ما يقدِرُ بهِ) من نقدٍ أو عَرْضٍ.
стр. 704
علَى تَحصِيلِ ذلِك (١). بِشَرطِ: كَونِهِ فاضِلًا عَمَّا يَحتَاجُهُ، مِنْ كُتُبٍ (٢)، ومَسكَنٍ، وخادِمٍ (٣). وأن يَكُونَ فاضِلًا عن مُؤْنَتِهِ ومُؤْنَةِ عِيَالِه على الدَّوَامِ (٤).
فَمَنْ كَمُلَت لَهُ هذِهِ الشُّرُوطُ: لَزِمَهُ السَّعيُ فَورًا (٥)، إنْ كانَ في الطَّريقِ أَمْنٌ (٦).
(١) قوله: (على تحصِيلِ ذلِك) أي: الزادِ والراحلةِ وآلتِهما.
(٢) قوله: (بشرطِ كونِه فاضِلًا عمَّا يحتاجُه من كُتُب) أي: بشرطِ أن يكونَ الزادُ والراحِلةُ بآلتِهما فاضلًا عمَّا يحتاجُه من كُتبِ عِلمٍ، فإن استغنَى بأحدِ نُسختين، باعَ الأخرى. صوالحي [¬١].
(٣) قوله: (ومسكَنٍ وخادِمٍ) أي: ومِن مَسكنٍ لمثلِه، ومن خادِم لنفسِه، ولباسِ مثلِه، وغطاءٍ، ووطاءٍ. ولا يصيرُ مستطيعًا ببذلِ غيرِه له، ولو أباه أو ابنه؛ للمِنَّة. وبعدَ قضاءِ دينِه الحَالِّ والمؤجل. انتهى. الوالد.
(٤) قوله: (على الدَّوام) من النَّفقات الشرعيَّة، حتَّى بعدَ رجوعه، من عقارٍ، أو بِضاعَةٍ، أو صناعة، كعطاءٍ من ديوانٍ، وإلَّا فلا يلزمه؛ لتضرُّره بإنفاقِ ما في يدِه إذَنْ. الوالد.
(٥) قوله: (فمن كَمُلَت له هذه الشُّروطُ) الخمسةُ (لزِمَه السَّعيُ) إلى الحجِّ (فَورًا) فيأثم إنْ أخَّره بلا عُذر. انتهى. الوالد.
(٦) قوله: (إن كان في الطَّريق) الذي يحجُّ منه بَرًّا أو بَحرًا (أَمنٌ) أي: يُعتبر أَمنُ الطريق بلا خَفَارةٍ، يوجدُ فيها الماءُ والعلَفُ على المعتاد، وسعةُ وقتٍ يُمكِن
стр. 705
فإن عَجَزَ عن السَّعي (١) لِعُذْرٍ، كَكِبَرٍ، أو مَرَضٍ لا يُرجَى بُرْؤُهُ (٢): لزِمَه (٣) أن يُقِيمَ نائِبًا حُرًّا، ولَو امرَأَةً، يَحُجُّ ويَعتَمِرُ عَنهُ (٤) مِنْ بَلَدِه (٥).
السيرُ فيه على العادة؛ بأن تكمُلَ الشُّروطُ، وفي الوقتِ سَعَةٌ، بحيثُ يتمكَّن من السير لأدائه، فلو أمكنه أن يسيرَ سيرًا مخالِفًا للعادة، لم يلزمه. عثمان [¬١].
(١) قوله: (فإنْ عَجَزَ عن السَّعي) للحجِّ والعُمرة مع توفُّر الشُّروط المتقدِّمة. الوالد.
(٢) قوله: (لا يُرجَى برؤُه) ونحوه، كثِقَل لا يقدِرُ معه على ركوب إلَّا بمشقَّة شديدة، أو كانَ نِضْوَ الخِلقَة بكسر النون وهو المهزُول، لا يقدِرُ الثُّبوتَ على الراحلة، إلا بمشقةٍ غيرِ محتمَلَة. صوالحي [¬٢].
(٣) قوله: (لزِمَه) من ذكرٍ أو أُنثى.
(٤) قوله: (أن يقيمَ نائبًا حُرًّا ولو) كان النائب (امرأةً، يحُجُّ ويعتَمِرُ [¬٣] عنهُ)، لحديث ابن عباس: أنَّ امرأةً من خَثعَم قالت: إنَّ أبي أدركته فريضةُ اللَّه في الحجِّ شيخًا كبيرًا، لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، أفأحُجُّ عنه؟ قال: «حُجِّي عنه». متفق عليه [¬٤]. صوالحي [¬٥].
(٥) قوله: (من بلَدِه) الذي وجبَا عليه فيه، أو قُربه، أي: أو مِنْ مكانٍ قريبٍ من