بابُ الفَوَاتِ والإحصَارِ
مَنْ طلَعَ علَيهِ فَجرُ يَومِ النَّحْرِ، ولمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ (١)؛ لِعُذْرِ حَصْرٍ (٢)، أو غَيرِهِ:
فاتَهُ الحجُّ (٣)، وانقَلَبَ إحرَامُهُ (٤)
بابُ الفَواتِ والإحصَار
الفواتُ: مصدرُ فاتَ يفوتُ فَواتًا، وهو: سبقٌ لا يدرَكُ. فهو أخصُّ من السَّبقِ. والإحصارُ: مصدر أحصرَه، إذا حَبَسه، فهو: الحَبسُ. وأصلُ الحَصْرِ: المنعُ.
(١) قوله: (ولم يقِفْ بعرفَةَ) في وقتِه.
(٢) قوله: (لعذرِ حَصر) الإضافةُ بيانيَّة. أي: لعُذرٍ وهو الحَصرُ.
(٣) قوله: (فاتَه الحجُّ) ذلك العام؛ لانقضاءِ زمنِ الوُقوفِ؛ لحديث: «الحجُّ عرفَة، فمن جاءَ قبلَ صلاةِ الفَجر ليلةَ جَمْعٍ، فقد تمَّ حجُّه» [¬١]. فإنه يدلُّ على فَواتِ الحجِّ بخروجِ ليلةِ جَمْعٍ، وسقَط عنه توابعُ الوقوفِ، كمبيتٍ بمزدَلِفة ومِنى، ورميِ جِمارٍ. صوالحي [¬٢].
(٤) قول: (وانقلَبَ إحرامُه) بالحجِّ، إن لم يختَر البقاءَ عليه؛ ليحُجَّ من العامِ القابِل بذلك الإحرام.
стр. 772
عُمرَةً (١) - ولا تُجزِئُ عن عُمرَةِ الإسلامِ (٢) - فَيَتَحَلَّلُ بِهَا. وعَلَيهِ (٣) دَمٌ، والقَضَاءُ في العَامِ القَابِلِ (٤).
(١) قوله: (عمرةً) بنفسه، مِنْ غيرِ تجديدِ نيَّة، فيلزمُه أن يأتي البيتَ، ويطوفَ، ويسعَى، ويحلِقَ أو يقصِّر. الوالد.
(٢) قوله: (ولا تُجزِئُ عن عُمرةِ الإسلام) أي: ولا تُجزئِ هذه العمرةُ المنقلِبةُ عن عمرةِ الإسلام؛ لحديث: «وإنَّما لكلِّ امرئ ما نوى» [¬١]. وهذه لم ينوِها، ولم ينو وجوبَها.
إن قيل: لو أحرمَ بعمرةِ نَفلٍ، أو منذورةٍ، وعليه عمرةُ الإسلام، أجزأت، فلم لم تُجزئ هنا؟ قلت: لأنه في الأُولى نوى العمرةَ، والتعيينُ ليس بشرطٍ فيها كالحجِّ، وأما هنا فلم ينوِ العُمرة أصلًا في ابتداءِ إحرامِه. م ص [¬٢].
(٣) قوله: (وعليه) أي: على من فاتَه الحجُّ، إن لم يكنْ اشترطَ في ابتداءِ إحرامِه، كما تقدَّم.
(٤) قوله: (دمٌّ، والقضاءُ في العَامِ القَابِل) عمَّا فاته من الحجُّ، ولو كان الحج الفائت نفلًا، خلافًا «للإقناع»؛ لحديث ابن عباس: «من فاته عرفاتُ، فقد فاتَه الحجُّ، وليتحلَّل بعمرة، وعليه الحجُّ مِنْ قابِل» [¬٣]. وعمومُه شاملٌ للفرضِ والنَّفل، والحجُّ يلزمُه بالشروع فيه، بخلافِ سائرِ التطوعات. وإذا حلَّ القارنُ للفواتِ، فيلزمُه قضاءُ النُّسكين؛ الحجِّ والعُمرةِ، ولا يتعيَّن عليه
стр. 773
لكنْ: لو صُدَّ عن الوُقُوفِ، فتَحَلَّلَ قَبلَ فَواتِهِ: فَلا قَضَاءَ (١).
ومَنْ حُصِرَ عن البَيتِ، ولو بَعدَ الوقُوفِ (٢): ذَبَحَ هَدْيًا بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ (٣).
القضاءُ قارِنًا، ويلزمُه دمان؛ لقرانِه، وفواتِه. قاله في «الشرح». صوالحي [¬١].
(١) قوله: (لكنْ لو صُدَّ عن الوقُوفِ فتحلَّل قبل فواتِه) هذا استدراكٌ على قوله: «والقضاء» دفَعَ به ما يُتوهَّم ثبوتُه، فقال: «لكنْ لو صُدَّ» أي: مُنِعَ الحاجُّ عن الوقوف بعرفة، «فتحلَّل قبلَ فواته»، أي: الوقوف. (فلا قضاءَ)؛ لظاهر الآية. لكنْ إن أمكَنه فِعلُ الحجِّ في ذلك العام، لزِمَه. وعُلِمَ منه: أنه إن لم يتحلَّل حتَّى فاته الحجُّ، لزِمه القضاءُ. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (ومن حُصِرَ عن البيتِ، ولو) كان الحصرُ (بعدَ الوقوفِ) بعرفةَ. هذا شروعٌ في حُكم الإحصار. والمرادُ بالبيتِ: الحَرَم، يعني: صُدَّ بلا حقٍّ، بخلافِ محبوسٍ يمكِنهُ الخُروجُ منه. عثمان [¬٣].
(٣) قوله: (ذبَحَ هَديًا بنيَّةِ التَّحلُّل) أي: ذبح هديًا وجوبًا بنيَّة التَّحلل؛ لقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البَقَرَة: ١٩٦]. ولأنه ﵊ أمر أصحابَه حينَ حُصِرُوا في الحُديبيةَ، أن ينحَروا ويَحلِقُوا ويَحِلُّوا [¬٤]. وسواءٌ كان الحصرُ عامًّا بالحجاج، أو خاصًّا بفردٍ أو
стр. 774
فإنْ لَم يَجِد (١): صَامَ عشرَةَ أيَّامٍ بالنيِّةِ (٢)، وقَد حَلَّ (٣).
ومَنْ حُصِرَ عن طَوافِ الإفاضَةِ فَقَط، وقَد رَمَى، وحَلَقَ: لَم يَتَحَلَّل حَتَّى يَطُوفَ (٤).
ومَنْ شَرطَ في ابتِدَاءِ إحرَامِه: أنَّ مَحِلِّي حَيثُ حَبَستَني. أو قَالَ: إن مَرِضْتُ، أو: عَجَزْتُ، أو: ذَهَبَت نَفَقَتي، فَلِيَ أنْ أحِلَّ: كانَ لَهُ أنْ يتَحَلَّلَ
أفراد. صوالحي [¬١].
(١) قوله: (فإن لم يَجِد) هَديًا.
(٢) قوله: (صامَ عشرَةَ أيامٍ بالنِّية) أي: بنيةِ التَّحلُّل؛ قياسًا على المتمتِع.
(٣) قوله: (وقد حَلَّ) ولا إطعامَ في الإحِصار. وظاهرُ كلامِه، كالخِرَقي وغيرِه: عدمُ وجوبِ الحَلقِ أو التقصير. وقدَّمه في «المُحرر»؛ لأنه من توابعِ الوقوف، كالرمي، وهو أحدُ القولين. وقدَّم الوجوبَ في «الرعاية». وجزم به في «الإقناع». عثمان [¬٢].
(٤) قوله: (وقد رَمَى وحَلَق) بعدَ وقوفِه (لم يتحلَّل حتَّى يطُوفَ) للإفاضة، ويسعَى إن لم يكن سَعَى، وكذا لو حُصِرَ عن السَّعي فقط، وإن أُحصر عن واجبٍ، لم يتحلَّل، وعليه دَمٌ بتركِه، كما لو تَركَه اختيارًا، وحجُّه صحيحٌ؛ لتمامِ أركانِه. م ص [¬٣].
стр. 775
مَتَى شاءَ (١)، مِنْ غَيرِ شَيءٍ، ولا قضَاءَ عَلَيهِ (٢).
(١) قوله: (كانَ له أنْ يتحلَّل متَى شاء) من فواتٍ، وإحصارٍ، ومرضٍ، ونحوِه.
(٢) قوله: (ولا قضاءَ عليه) لكنْ إن تحلَّل، ولم يكن حجَّ حجةَ الإسلام قبلُ، فوجوبُها باقٍ؛ لعدمِ ما يسقِطُه. انتهى. الوالد.
стр. 776
بابُ الأُضْحِيَةِ
وهِيَ: سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ (١).
بابُ الأضْحِيَةِ والعَقيقَةِ
والأُضحية، بضم الهمزة وكسرها مع تشديد الياء وتخفيفِها. ويقال: ضَحِيَّةٌ، كسرِيَّة. والجمعُ: ضحايا. ويقال: أضحاة [¬١]. والجمع: أضحَى، كأرطاة وأرطَى. نقله الجوهري عن الأزهري [¬٢]. واحدةُ الأضاحي: ما يُذبَحُ من إبلٍ وبقرٍ وغنمٍ أهليَّة، أيامَ النَّحر بسببِ العِيد؛ تقربًا إلى اللَّه تعالى.
«تنبيه»: لم يذكر المصنف الهديَ؛ لأنه في حُكم الأُضحية. والهديُ: ما يُهدى للحرم من نَعَمٍ وغيرِها. وقال ابن المُنجَّا: ما يُذبحُ بمنًى. سُمِّي بذلك؛ لأنه يُهدى إلى اللَّه تعالى.
يُسنُّ لمن أتى مكة أن يهدي هديًا؛ لفعله ﵊، وكان ﷺ يبعث بالهدي إلى مكة، وهو مقيمٌ بالمدينة [¬٣]، وأهدَى في حجة الوداع مائة بدنة [¬٤].
(١) قوله: (وهي سُنَّةٌ مؤكَّدة) أي: الأُضحية سنةٌ مؤكَّدة لمسلمٍ تام المِلك. وأجمعَ المسلمون على مشروعيتها؛ لقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾
стр. 777
وتَجِبُ: بالنَّذرِ (١)، وبِقَولِهِ: هذِهِ أُضحِيَةٌ (٢)، أو: للَّهِ (٣).
[الكَوثَر: ٢]. قال جمعٌ من المفسرين: المرادُ التضحيةُ بعد صلاة العيد. وروي أنه ﷺ ضحَّى بكبشين أملحين أقرنين، ذبحَهُما بيده، وسمَّى وكبَّر، ووضَعَ رجلَه على صِفاحِهما. متفق عليه [¬١]. صوالحي [¬٢].
(١) قوله: (وتجبُ بالنَّذر) أي: تَجبُ الأُضحيةُ بالنَّذر.
(٢) قوله: (وبقولهِ: هذه أُضحِيةٌ) أي: وتجب بتقييدِه بقولهِ: هذه أُضحية.
(٣) قوله: (أو للَّه) أي: وتجب بقوله: هذا الهديُ للَّه. أو: هذه للَّه. ونحوه، ك: للَّه عليّ ذبحُه. لاقتضائه الإيجابَ، فترتَّب عليه مُقتضاه. ويتعيَّن هديٌ بتقليدِه النَّعلَ والعُرى وآذانَ القِرَب، بنيَّةِ كونِه هديًا، أو بإشعارِه بنيَّته.
وإذا تعيَّنت أضحيةٌ أو هديٌ، لم يجز بيعُها، ولا هِبتُها؛ لتعلُّق حقِّ اللَّه تعالى بها، كالمنذور عتقُه نذرَ تبرُّر، إلا أن يُبدلَها بخيرٍ منها، وكذا لو نقَلَ المِلكَ فيها وشَرى خيرًا منها، جاز، نصًّا. واختاره الأكثر؛ لأن المقصودَ نفعُ الفقراء، وهو حاصل بالبدَل.
ويَجزُّ صوفَها وشعرَها ووبَرها، إن كان جَزُّه أنفعَ لها، ويتَصدَقُ به. وإن كان بقاؤه أنفعَ لها، لم يَجُزْ جزُّه، ولا يشربُ من لبنِها، إلا ما فضُل عن ولدها. صوالحي [¬٣].
стр. 778
والأفضَلُ (١): الإبلُ، فالبَقَرُ (٢)، فالغَنَمُ. ولا تُجزِئُ مِنْ غَيرِ هذِهِ الثَّلاثَةِ (٣).
وتُجزِئُ الشَّاةُ: عن الوَاحِدِ، وعَن أهلِ بَيتِهِ (٤)، وعِيَالِه (٥).
وتُجزِئُ البَدَنَةُ والبَقَرَةُ: عَنْ سَبْعَةٍ (٦).
(١) قوله: (والأفضلُ) في الهَدي والأُضحية.
(٢) قوله: (الإبلُ فالبقرُ) إن أُخرج كاملًا؛ فأفضل كلِّ جنسٍ أسمنه، فأغلى ثمنًا، فأشهب وهو الأملح أي: الأبيض، أو ما بياضُه أكثر من سواده، فأصفر، فأسود. الوالد.
(٣) قوله: (ولا تُجزئُ من غيرِ هذه الثَّلاثة) أي: ولا تُجزئ الأُضحيةُ ولا الهدي من غير هذه الثلاثة أصناف.
(٤) قوله: (وتجزئ الشاةُ عن الواحدِ وعن أَهلِ بيتِه) مثل امرأتِه وأولادِه.
(٥) قوله: (وعياله) مثل خدَمِه؛ لأن النبي ﷺ ذبح كبشين، فقال: «بسم اللَّه، هذا عن محمد وأهل بيته» وقرَّب الآخر، وقال: «بسم اللَّه، اللهم هذا منك ولك، وعمَّن وحَّدك من أمتي» [¬١]. صوالحي [¬٢].
(٦) قوله: (وتُجزِئُ البدنةُ والبقرةُ عن سبَعةٍ) وشاةٌ أفضلُ من سُبُعِ بدنةٍ أو بَقرةٍ؛ لحديث جابر قال: نحرنا بالحديبية مع النبي ﷺ البدنةَ عن سبعة، والبقرةَ عن سبعة. رواه مسلم [¬٣].
стр. 779
وأقَلُّ سِنِّ مَا يُجْزِئُ مِنْ الضَّأْنِ: ما لَه نِصفُ سَنَةٍ (١). ومِنَ المَعْزِ: ما لَهُ سَنَةٌ (٢). ومِنَ البَقرِ والجَامُوسِ: ما لَهُ سَنَتَانِ (٣). ومِنَ الإبِلِ: ما لَهُ خَمسُ سِنِينَ (٤).
وتُجْزِئُ (٥):
وتُعتبر نيتهم عندَ الذبح، وسواء أراد جميعُهم القربةَ، أو بعضُهم أرادَ القربة، والباقون اللَّحمَ. وكذا لو اختلفت جهاتُ القُربةِ، كما لو أرادَ بعضُهم المتعةَ، وآخر القرانَ، وآخر تركَ الواجب. وكذا لو كان بعضُ الشركاء ذميًّا، ولكلٍّ منهم ما نوى. وإن اشترك اثنان فأكثر إلى ستة، وأوجبُوها، لم يجُز أن يُشرِكوا غيرَهم. وإن ذبحها جماعةٌ على أنهم سبعة، فبانوا ثمانيةً، ذبَحوا شاةً، وأجزأهم ذلك. وإن اشتركَ اثنان في شاتين على الشُّيوع، جاز. صوالحي [¬١].
(١) قوله: (وأقلُّ سِنِّ ما يُجزِئُ) في هدي واجب وأُضحية (من الضَّأن ما له نِصفُ سَنَةٍ) أي: من الضأن، جذع، وهو ما له نِصفُ سنة كاملةٍ. ويُعرفُ الجذعُ بنومِ الصُّوفِ على ظَهره.
(٢) قوله: (ومن المَعْزِ ما لهُ سنةٌ) كاملةٌ؛ لأنه قبلَها لا يلقِّح، بخلافِ الضَّأن، فإنه ينزو، فيلقِّح، أي: تحمِلُ منه. الوالد.
(٣) قوله: (ما له سنتانِ) كاملتان.
(٤) قوله: (ومن الإبِلِ ما لهُ خمسُ سنينَ) كوامل.
(٥) قوله: (وتجزِئُ) في الأُضحيةِ والهدي.
стр. 780
الجَمَّاءُ (١). والبَتْرَاءُ (٢). والخَصِيُّ (٣). والحَامِلُ (٤). وما خُلِقَ بِلا أُذُنٍ. أو ذَهَبَ نِصفُ أليَتِهِ، أو أُذُنِهِ (٥).
لا: بَيِّنَةُ المَرَضِ (٦). ولا: بَيِّنَةُ العَوَرِ؛ بأنْ انخَسَفَت عَينُها (٧). ولا: قائِمَةُ العَينَينِ مَعَ ذَهَابِ إبصَارِهِما (٨).
(١) قوله: (الجمَّاءُ) وهي الذي لم يُخلق لها قرنٌ، أو لا أُذُن لها خِلقَةً.
(٢) قوله: (والبترَاءُ) أي: وتُجزئُ البترَاء، الذي لا ذَنَبَ لها خِلقَةً، أو مقطوعًا.
(٣) قوله: (والخَصِيُّ) أي: ويجزئ الخَصِيُّ، وهو ما قُطعت خُصيتَاه أو سُلَّتا، ومرضوضُ الخَصيَتين؛ لأنه بذهابِ الخصيتَين يَطيبُ اللَّحم ويسمَن. صوالحي [¬١].
(٤) قوله: (والحامِلُ) أي: وتُجزئ الحاملُ في ظاهرِ كلامِ الإمام والأصحاب. وصرَّح به في «الإقناع» [¬٢].
(٥) قوله: (أو ذهبَ نِصفُ أليَتهِ) بقطعٍ، أو خَرقٍ، أو شَقٍّ. (أو أُذنِه) فأقل، لكنْ مع الكراهة فيهما. عثمان [¬٣].
(٦) قوله: (لا بينةُ المرَضِ) أي: لا تُجزئ بينةُ المرض، أي: ظاهرةُ المَرض؛ بأن لا تُطيقُ مشيًا مع صحيحة. الوالد.
(٧) قوله: (ولا بينةُ العوَر) أي: ولا تُجزئ في الأُضحية والهَدِي العورَاءُ بينةُ العَور، وهي التي (انخسَفت عينُها)؛ للخبر.
(٨) قوله: (ولا قائمةُ العَينين … إلخ) أي: ولا تُجزئ العَمياءُ، وإن لم يكن
стр. 781
ولا: عَجفَاءُ (١)، وهِي: الهَزِيلَةُ التي لا مُخَّ فيها (٢).
ولا: عَرجَاءُ لا تُطيقُ مَشيًا مَعَ صَحِيحَةٍ (٣). ولا: هَتمَاءُ، وهِيَ: التي
عَماها بيِّنًا، كقائمة العينين (مع ذهابِ إبصارِهِما)؛ لأن في [¬١] النهي عن العَوراء تنبيهًا على النهي عن العَمياء. بخلافِ قائمةِ إحدَى العَينين مع بياضِها والأُخرى صحيحة، فتجزئ؛ لأن عَوَرَها ليس ببيِّن، ولا ينقُص بها لحمُها. عثمان [¬٢].
(١) قوله: (ولا عجفَاءُ) أي: ولا تجزئ العَجفاءُ التي لا تُنقِي، بضم التاء وسكون النون وكسر القاف: من أنقَت الإبلُ، إذا سَمِنَت وصارَ فيها نِقْيٌ، وهو مُخُّ العَظمِ، وشحمُ العينين من السِمَن. قاله في «المطلع» [¬٣].
(٢) قوله: (وهي) العجفاء: (الهزيلةُ التي لا مُخَّ فيها) أي: ذهَبَ. والمُخُّ: الوَدَكُ الذي في العَظم، وخالِصُ كلِّ شيء، وقد سُمِّي الدِّماغُ مُخًّا. «مصباح». عثمان [¬٤].
(٣) قوله: (ولا عرجَاءُ لا تُطيقُ مُشيًا مع صَحِيحَةٍ) أي: ولا تجزئ العرجاءُ التي لا تُطيقُ مشيًا مع صحيحة، ولا بيِّنةُ المرض؛ لحديث البراء بن عازب، قال: قام فينا رسول اللَّه ﷺ فقال: «أربعٌ لا تجوزُ في الأضَاحِي: العوراءُ البيِّن عَوَرُها، والمريضَةُ البيِّنُ مرضُها، والعرجاءُ البيِّن عرجُها، والعجفاءُ التي لا تُنقِي». رواه أبو داود [¬٥].
стр. 782
ذَهَبَت ثَنَايَاهَا مِنْ أصلِها. ولا: عَصمَاءُ، وهِي: ما انكَسَرَ غِلافُ قَرْنِها. ولا: خَصِيٌّ مَجبُوبٌ (١). ولا: عَضبَاءُ، وهِي: ما ذَهَبَ أكثَرُ أُذُنِها أو قَرنِها (٢).
ولا تجزئ جَدَّاءٌ [¬١]، وهي: الجَذْبَاءُ التي شابَ ونشَفَ ضرعُها؛ لأنها في مَعنى العَجفَاء، بل أولى. صوالحي [¬٢].
(١) قوله: (ولا خَصِيٌّ مجبوبٌ) بأن قُطعَ ذكرُه مع أُنثييِه. وظاهرُه: أنه يجزئ المجبوبُ، وهو ما قُطع ذكرُه فقط. ح ف.
(٢) قوله: (ولا عَضباءُ) أي: ولا تجزئ عَضبَاءُ، وهي: ما ذهبَ [¬٣] أكثرُ أُذنِها، أو ذَهَبَ أكثرُ قرنِها. وظاهرُهُ: ولو كان ذهابُ ذلك من أُذنٍ واحدة، أو قَرنٍ واحدة فقط. وهي من المفردات. ح ف.
стр. 783
فَصْلٌ
ويُسَنُّ: نَحرُ الإبلِ قائِمَةً (١). وذَبحُ البَقرِ والغَنَمِ، على جَنبِهَا الأيسَرِ (٢). مُوجَّهَةً إلى القِبلَةِ (٣).
ويُسَمِّي (٤): حِينَ يُحَرِّكُ يَدَهُ بالفِعْلِ (٥).
فصل
(١) قوله: (ويُسنُّ نحرُ الإبل قائمةً) معقولةً يدُها اليُسرى بأن يطعنَها بنحوِ حربةٍ في الوهْدَةِ، وهي بينَ أصلِ العُنُقِ والصَّدر. وفي قوله تعالى: ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ [الحَجّ: ٣٦] دليلٌ على أنها تُنحر قائمةً.
وإن خَشي أن تَنفِرَ، أناخَها. صوالحي [¬١].
(٢) قوله: (وذبحُ البقرِ والغَنم على جنبِها الأيسَرِ)؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ [البَقَرَة: ٦٧].
(٣) قوله: (موجَّهةً إلى القِبلَة) ويجوزُ العكسُ؛ مِنْ ذبحِ الإبِلِ، ونحرِ البقَرِ والغَنمِ؛ لأنه لم يتجاوز محلَّ الذبح، ولحديث: «ما أنهر الدمَ وذُكر اسمُ اللَّه عليه، فكُل» [¬٢]. صوالحي [¬٣].
(٤) قوله: (ويُسمِّي) وجوبًا، وتسقُط سهوًا.
(٥) قوله: (حين يحرِّكُ يدَهُ بالفِعل): بالنَّحر، أو الذَّبح.
стр. 784
ويُكَبِّرُ (١). ويَقُولُ: «اللَّهُمَّ هذَا لَكَ ومِنكَ (٢)».
وأوَّلُ وَقتِ الذَّبحِ: مِنْ بَعدِ أسبَقِ صَلاةِ العِيدِ بالبَلَدِ (٣)، أو قَدْرِهَا (٤) لِمَنْ لَم يُصَلِّ (٥).
(١) قوله: (ويُكبِّر) ندبًا؛ بأن يقول: اللَّه أكبر.
(٢) قوله: (ويقول: اللَّهمَّ هذا لكَ ومِنكَ) أي: ويُسنُّ أن يقول: اللهم هذا لك ومنك. أي: من فضلِكَ ونِعمَتِكَ، لا مِنْ حولي وقوَّتي، ولكَ التقرُّب به، لا إلى شيءٍ سواكَ، ولا رياءً وسُمعةً. ولا بأسَ بقوله: اللهم تقبَّل من فلان.
ويَذبَحُ واجبًا قبلَ نفلٍ من هَديٍ أو أُضحيةٍ. ولعلَّ المرادَ؛ استحبابًا مع سَعَةِ الوقت. وقد تقدَّم لمن عليه زكاةٌ: الصدقةُ تطوعًا قبلَ إخرِاجِها، ولا يكادُ يتحقَّق الفرقُ. م ص [¬١].
(٣) قوله: (وأوَّلُ وقتِ الذَّبحِ) لأُضحيَةٍ، وهَدي نذرٍ أو تطوُّعٍ، أو متعةٍ أو قِرانٍ (مِنْ بعدِ أسبَقِ صَلاةِ العيدِ بالبلَدِ) بعدَ دُخولِ وقتِها وهو ارتفاعُ الشَّمسِ قِيدَ رُمحٍ الذي تُصلى فيه، ولو قبلَ الخُطبة، أو ما يقومُ مقامَ صلاةِ العيد، كالجُمعة إذا وقعت يومَه، وفُعِلت قبلَ الزوال؛ إذ هي أحرى من مُضيِّ المِقدار. عثمان [¬٢].
(٤) قوله: (أو قَدرِهَا) أي: بقدرِ مُضيِّ الصَّلاة.
(٥) قوله: (لِمنْ لمْ يُصَلِّ) يعني لِمَنْ كانَ بمحَلٍّ لا تُصلى فيه، كأهل البوادي من أهل الخِيام ونحوِهم؛ لحديث: «من ذبحَ قبلَ أن يُصلي، فليُعِدْ مكانَها
стр. 785
فلا تُجزِئُ: قَبلَ ذلِكَ (١).
ويَستَمِرُّ وَقتُ الذَّبحِ (٢)،
أُخرى» [¬١]. صوالحي [¬٢].
(١) قوله: (فلا تُجزِئُ قبلَ ذلِكَ) أي: فلا تُجزئ الأُضحيةُ، وكذا هديُ النَّذرِ والتطوُّع، والمتعةِ والقِرانِ. ولو ذُبحت قبلَ صلاةِ العيد بالزوال؛ لعذرٍ أو غيرِه، في موضِع تُصلَّى فيه، كالقُرى والأمصار، ضَحَّى عندَ الزوال فمَا بعدَه؛ لفواتِ التَّبعية بخروجِ وقتِ الصَّلاة.
«تنبيه»: قد أطلقَ أكثر الأصحاب قدرَ الصَّلاة، فقال الزركشي: يُحتَملُ أن يُعتبَر ذلك بمتوَسِّطِ النَّاس. وقال أبو محمد يعني الموفَّق اعتُبر قدرُ صلاةٍ وخُطبةٍ تامتين في أخفِّ [¬٣] ما يكون. صوالحي [¬٤].
(٢) قوله: (ويَستمِرُّ وقتُ الذَّبحِ) أي: ذبحِ الأُضحيةِ، وهَدي النَّذرِ أو التطوُّع، والمُتعة والقِران. قال الإمام أحمدُ ﵁: أيامُ النَّحر ثلاثة، عن غيرِ واحدٍ من أصحابِ رسول اللَّه ﷺ . والذَّبحُ في اليوم الأوَّل عَقِبَ الصلاةِ والخُطبةِ، وذبحِ الإمامِ أفضلُ، ثمَّ ما يليه. ويُكرَه في ليلتِهما، أي: ليلتي اليومِ الثاني والثالِث؛ لأن الليل يتعذرُ فيه تفرِقةُ اللَّحم، فتذهبُ طراوتُه بتأخيرِه، فيفوتُ بعضُ المقصُود. ح ف.
стр. 786
نَهَارًا ولَيلًا: إلى آخِرِ ثَانِي أيَّامِ التَّشرِيقِ (١). فإن فاتَ الوَقتُ (٢): قَضَى الوَاجِبَ (٣)، وسَقَطَ التَّطَوُّعُ (٤).
(١) قوله: (نهارًا وليلًا، إلى آخِر ثانِي أيَّام التَّشريق) فأيام النَّحر ثلاثة؛ يومُ العيد، ويومان بعدَه.
وفي «الإيضاح»: يستمِرُّ الذَّبح إلى آخر أيام التشريق.
وأفضلُ الذبح أول يوم من دخولِ وقتِه، ثم ما يليه، ثم ما بعدَه. والأفضلُ أن يكون بعدَ الخُطبتين، وبعد ذبحِ الإمام.
ويُكرهُ ذبحُ الأضحية والهَدي ليلًا؛ خُروجًا من خِلاف من قال بعدَم الإجزاء فيهما.
ووقتُ ما وجبَ من الدِّماء بفعلِ محظورِ، كلُبسٍ، وطيب، وحلق رأس، ونحوه: مِنْ حينِ وُجوبِه. وإن أرادَ فعلَ المحظورِ لعُذرٍ، وذبحَ قبلَ الفعل، جاز. وكذا ما وجبَ لترك واجب في حجٍّ وعُمرة، وقتُه: من حينِ تركِه الواجبَ. صوالحي [¬١].
(٢) قوله: (فإن فاتَ الوقتُ) أي: وقتُ الذَّبح؛ بمُضيِّ ثاني أيامِ التشريق.
(٣) قوله: (قضَى الواجِبَ) وفعَلَ به كالأداء.
(٤) قوله: (وسقَطَ التطوُّع) بخروج وقتِ الذَّبح. صوالحي [¬٢]. لأن الأمرَ المسنونَ يفوتُ بفواتِ محلِّه.
стр. 787
وسُنَّ له (١): الأَكلُ مِنْ هَديِهِ التَّطَوُّعِ، ومِنْ أُضحِيَتِهِ، ولو واجِبَةً (٢). ويَجُوزُ: مِنَ المُتعَةِ، والقِرَانِ (٣).
ويَجِبُ: أن يَتصَدَّقَ بِأَقَلِّ ما يَقَعُ علَيهِ اسمُ اللَّحْمِ (٤). ويُعتَبَرُ: تَملِيكُ الفَقِيرِ، فَلا يَكفِي إطعَامُهُ (٥).
(١) قوله: (وسُنَّ له) أي: للمُهدي تطوعًا وللمُضحي.
(٢) قوله: (الأكلُ من هديه التطوُّع، ومِنْ أُضحِيتهِ، ولو) كانت الأُضحيةُ (واجبةً) بنذرٍ، أو تعيينٍ؛ لقوله تعالى: ﴿فكلوا منها﴾﴾ [الحج: ٣٦]. وأقلُّ أحوال الأمرِ الاستحبابُ. والنبيُّ ﷺ أكلَ من بُدنِه. صوالحي [¬١].
(٣) قوله: (ويجوزُ من المُتعَةِ والقِرانِ) أي: ويجوزُ الأكلُ من دمِ المُتَعة، ومِنْ دمِ القران. ولا يأكلُ من هديٍ واجبٍ غير ما تقدم. عثمان [¬٢].
(٤) قوله: (ويجبُ أن يتصدَّقَ) مِنْ ذلِكَ. (بأقلِّ ما يقعُ عليه اسمُ اللَّحمِ) وهو قدرُ أُوقيَّةٍ. فإن لم يفعل، أي: لم يتصدَّق منها بنحو أوقية؛ بأن أكلَها كلَّها، ضَمِنَه، أي: نحوَ الأُوقيَّة بمثلِه لحمًا للفقراء. قال ابن نصر اللَّه: إنه قد تقدَّم أنه يُسنُّ أن يتصدَّق بالثلث، فإذا كان سُنَّةً فكيفَ يضمَن بعضَه إذا تلِف؟! وجوابُه: أن المسنونَ تعميمُ الثلث بالصَّدقة، وأن الواجب بما يقعُ عليه الاسم. ح ف.
(٥) قوله: (ويُعتَبرُ تمليكُ الفَقيرِ) بما يقعُ عليه اسمُ اللَّحم. (فلا يَكفِي إطعامُه) منها، كالواجب في كفَّارة. صوالحي [¬٣].
стр. 788
والسُّنةُ: أنْ يَأكُلَ مِنْ أُضحِيَتِهِ (١) ثُلُثَها. ويُهدِيَ ثُلُثَها. ويَتَصَدَّقَ بثُلُثِها (٢).
ويَحرُمُ: بَيعُ شَيءٍ مِنها (٣)، حَتَّى مِنْ شَعْرِهَا وجِلْدِهَا (٤). ولا يُعطِي الجَازِرَ بأُجرَتِهِ مِنها شَيئًا (٥). ولَهُ: إعطَاؤُهُ (٦) صَدَقَةً، وهَدِيَّةً (٧).
(١) قوله: (والسُّنة أن يأكلَ من أُضحيتِه) هو وأهلُ بيتِه.
(٢) قوله: (ثُلُثَها، ويُهدِي ثُلُثَها ويتصَدَّق بثلُثِها)؛ لما روي عن ابن عمر: الضحايا والهدايا: ثلثٌ لك، وثلثٌ لأهلك، وثلثٌ للمساكين. ولقوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾ [الحَجّ: ٣٦] [¬١]. فالقانِعُ: السائِلُ. يقال: قنَعَ قُنُوعًا، إذا سأل. والمُعتَرُّ: الذي يَعتَريكَ، أي: يتعرَّض لك؛ لتُطعِمَه، ولا يسأل. فذكر الثلاثةَ أصناف، ومُطلَقُ الإضَافة يقتضي التَّسويةَ. ويُستحبُّ أن يتصدَّقَ بأفضلِها؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البَقَرَة: ٢٦٧]. وأن يُهدِيَ الأوسَطَ، ويأكلَ الأدوَنَ.
قال في «الإقناع»: وكان من شعارِ الصالحين: تناول لقمةٍ من كَبدِها، أو غيرِها؛ تَبرُّكًا. صوالحي [¬٢].
(٣) قوله: (ويحرمُ بيعُ شيءٍ منها) أي: من الذبيحة، هديًا أو أُضحيةً.
(٤) قوله: (وجلدِها) وجُلِّها، واجبةً كانت أو تطوعًا؛ لتعينُّها بالذَّبح.
(٥) قوله: (ولا يُعطي الجازِرَ … إلخ) أي: لا يجوز إعطاؤه منها بأجرتِه شيئًا.
(٦) قوله: (وله إعطاؤه) أي: إعطاءُ الجزار من ذلك.
(٧) قوله: (صدقةً وهديَّةً)؛ لأنه في ذلك كغيره؛ بل هو أولى؛ لأنه باشرها،
стр. 789
وإذا دَخَلَ العَشْرُ (١): حَرُمَ على مَنْ يُضَحِّي، أو يُضَحَّى عَنهُ، أخْذُ شَيءٍ مِنْ شَعرِهِ، أو ظُفُرِهِ، إلى الذَّبحِ (٢). ويُسَنُّ: الحَلقُ بَعْدَهُ (٣).
وتاقَت نفسُه إليها. وللمضحِّي والمُهدي الانتفاعُ بجلِد الأُضحية والهدي. قال في «الشرح»: لا خلافَ في جواز الانتفاع بجلودها؛ لقوله ﷺ : «لا تبيعوا لحوم الأضاحي والهدي، وتصدقوا، واستمتعوا بجلودها» [¬١].
وإن عيَّن هديًا أو أضحية، ذبَحَها للَّه تعالى، وأَجزَأَتهُ [¬٢]. وإن تلِفت، أو عَابَت؛ بفعلِه أو تفريِطه، لزِمه البدلُ، كسائرِ الأمانات. وكذا يلزمه البدلُ إن تعيَّب، أو تلِفَ، أو سُرِقَ، ونحوه، إذا كان عيَّنه عن واجبٍ في ذمَّته. صوالحي باختصار [¬٣].
(١) قوله: (وإذا دخلَ العشرُ) من ذي الحِجَّة، وهو مِنْ غُرَّته إلى يومِ العيدِ.
(٢) قوله: (حرُمَ على مَنْ) يريدُ أن (يضحِّي … إلخ) ولا فديةَ عليه، وسواءٌ فعلَه عمدًا أو سهوًا، بل يتوبُ ويستغفِرُ؛ لوجوب التوبة من كلِّ ذنب. هذا إذا كان فَعَلَه لغير ضرورة، وإلا فلا إثمَ، كالمُحرِم، وأولى. ش ع [¬٤].
(٣) قوله: (ويُسنُّ الحَلقُ بعدَه) أي: بعد الذبح، قال الإمام: على ما فعل ابن عمر؛ تعظيمًا لذلك اليوم. ولأنه ممنوع من ذلك قبل أن يضحي، فاستحب له ذلك بعده، كالمحرم.
стр. 790
فَصْلٌ في العَقِيقَةِ
وهيَ: سُنَّةٌ في حَقِّ الأَبِ (١)، ولَو مُعسِرًا (٢).
فَصْلٌ في العَقِيقَةِ
أي: الذبيحة عن المولود؛ لأن أصل العقِّ: القطعُ. ومنه عَقَّ والديه إذا قطعَهما. والذَّبحُ: قطعُ الحلقومِ والمَريء والودجَين.
وقيل: العقيقة: الطعام الذي يُصنع ويُدعى إليه من أجل المولود. ش ع [¬١].
(١) قوله: (وهي سُنَّةٌ في حقِّ الأبِ) أي: العقيقةُ سنة مؤكدة. قال الإمام: العقيقة سنة عن رسول اللَّه ﷺ قد عقَّ عن الحسن والحُسين [¬٢]، وفعله أصحابه. وقال ﷺ : «الغُلام مرتَهنٌ بعقيقته» [¬٣]. ومن جَعلَها من أَثرِ الجاهلية؛ فلأنَّه لم يبلُغْهُ ما وَرَدَ فيها من الأحاديث. فلا يعقُّ غيرُ الأب، إلا إن تعذَّر بموتٍ أو امتناعٍ، فلو تركَها لم يسن للمولود أن يعقَّ عن نفسه بعد بلوغِه، فلا تُسمَّى عقيقة، واستحبه جمع. عثمان [¬٤].
(٢) قوله: (ولو مُعسِرًا)، ويقترض. قال الإمام أحمد: أرجو أن يُخْلِفَ اللَّه عليه. وقال الشيخ تقي الدين: محلُّه لمن له وفاء. وإلا فلا يقتَرض؛ لأنه
стр. 791
فَعَنِ الغُلامِ: شَاتَانِ (١). وعَنِ الجَاريَةِ: شَاةٌ (٢). ولا تُجزِئُ: بَدَنَةٌ وبَقَرَةٌ، إلَّا كامِلَةً (٣).
والسُّنَّةُ: ذَبحُها في سَابِعِ يَومِ وِلادَتِهِ (٤). فإنْ فاتَ: فَفِي أربَعَةَ عَشَرَ (٥). فإنْ فَاتَ: ففِي أحَدٍ وعِشرِينَ. ولا تُعتَبَرُ الأسابِيعُ بَعدَ ذلِكَ (٦).
إضرارٌ بنفسِه وغريمه. ش ع [¬١].
(١) قوله: (فعَنِ الغُلامِ شاتَان) متقاربتان سنًا وشَبَهًا، فإن عُدِمَ فواحدة.
(٢) قوله: (وعن الجاريةِ) أي: الأُنثى (شاةٌ).
(٣) قوله: (ولا تُجزئ بدنةٌ وبقرةٌ، إلا كامِلَةً)؛ لعدم وروده في الخبر. قال في «النهاية»: وأفضلها شاة.
(٤) قوله: (والسُّنةُ ذبحُها) أي: العقيقة (في سابع يوم [¬٢] ولادته) ولو مات الولد قبله. ويتوجَّه: أو الأبُ. زاد بعضهم: ويجوز ذبحها قبل السابع، لا قبل الولادة، كما في «الإنصاف» و «الإقناع». عثمان [¬٣].
(٥) قوله: (فإن فاتَ فَفي أربعةَ عشَرَ … إلخ). أي: فإن فاتَ فِعلُ الذبح، والتسمية، وحلق الرأس، في يومِ السابع، ففي أربعةَ عشر من يوم ولادته، (فإن فات) الذبحُ أيضًا، (ففي أحدٍ وعشرين) من ولادته.
(٦) قوله: (ولا تُعتبر الأسابيعُ بعدَ ذلِكَ) فيعق في أيِّ يومٍ أراد. ولا تختصُّ العقيقةُ بالصغير، فيعقُّ الأبُ عن المولود، ولو بعدَ بلوغِه؛ لأنه لا آخِرَ لوقتها.
стр. 792
وكُرِهَ: لَطْخُهُ مِنْ دَمِهَا (١).
ويُسَنُّ: الأَذَانُ في أُذُنِ المَولُودِ اليُمنَى حِينَ يُولَدُ (٢)، والإقَامَةُ في اليُسرَى (٣).
وتنزعُ جُدُولًا، أي: أعضاءً، بلا كسرِ عظم؛ تفاؤلًا بالسلامة. وطبخُها أفضل [¬١]، ويكونُ منه شيءٌ بحلوٍ؛ تفاؤلًا بحلاوة أخلاقِه. وهي كأُضحية فيما يُجزئ ويُستحبُّ ويُكره، وفي أكلٍ وهدية وصدقة. ولا يجزئ فيه شِرْكٌ. ولا تسنُّ فَرَعة: نحرُ أول ولد الناقة. ولا عتيرة: ذبيحة رجب. ولا يكرهان. عثمان [¬٢].
(١) قوله: (وكُرِهَ لطخُه من دمِها) أي: وكُره لطخُ المولودِ من دَم العقيقة؛ لأنه أذىً وتنجيسٌ. الوالد.
(٢) قوله: (ويسنُّ الأذانُ في أُذُن المولُودِ) ذكرًا كان أو أُنثى (حينَ يولَدُ).
(٣) قوله: (والإقامةُ في اليُسرى) أي: ويسن الإقامة في أذنه اليسرى؛ لحديث الحسن بن علي مرفوعًا: «من ولد له مولودٌ، فأذَّن في أُذنِه اليُمنى، وأقامَ في أذنه اليسرى، رُفعَت عنه أمُّ الصِّبيان» [¬٣].
ويُسنَّ أن يحنَّك المولودُ بتمرة؛ أن تُمضغَ ويُدلَك بها داخلُ فمه، ويفتح فمه حتى ينزل إلى جوفه منها؛ لما في «الصحيحين» [¬٤] عن أبي موسى،
стр. 793
ويُسَنُّ: أنْ يُحلَقَ رَأسُ الغُلامِ (١) في اليَومِ السَّابِعِ. ويُتَصَدَّقَ بوَزنِهِ فِضَّةً (٢). ويُسَمَّى فِيهِ (٣).
وأَحَبُّ الأَسمَاءِ: عَبدُ الله، وعَبدُ الرَّحمَن (٤).
قال: وُلد لي غلام، فأتيت به النبي ﷺ ، فسماه إبراهيم، وحنَّكه بتمرَة. صوالحي [¬١].
(١) قوله: (رأسُ الغُلامِ)، لا الأنثى.
(٢) قوله: (ويتصدَّقَ بوزنِه فضَّةً) أي: ويسن أن يتصدق بوزن شعر حلاقته فضَّةً؛ لحديث سمرة: أنه ﷺ قال لفاطمة لمَّا ولدت الحسن: «احلقي رأسه، وتصدقي بوزن شعره فضة على المساكين، والأوفاض» رواه أحمد [¬٢]. والأوفاض [¬٣]، هم: أهل الصفة. رواه أحمد. صوالحي [¬٤].
(٣) قوله: (ويُسمَّى فيه) أي: ويُسمَّى المولود في اليوم السابع. والتسميةُ للأب، فلا يسمِّيه غيرُه مع وجوده. وفي «الرعاية»: يسمَّى المولود يومَ الولادة؛ لحديث مسلم في قصة ولادة إبراهيم ابنِه ﵊، قال ﷺ : «ولد لي الليلة مولود، فسميته باسم أبي إبراهيم» [¬٥].
(٤) قوله: (وأَحبُّ الأسماءِ: عبدُ اللَّه وعبدُ الرحمن) أي: وسُنَّ أن يُحسِن اسمَه؛ لقوله ﵊: «إنكم تُدعون يوم القيامة بأسمائكم
стр. 794
وتَحرُمُ: التَّسمِيَةُ بِعَبدِ غَيرِ اللَّه (١)، كعَبدِ النَّبيِّ، وعَبدِ المَسيحِ (٢).
وأسماء آبائِكم، فأحسِنوا أسماءكم». رواه أبو داود [¬١]. «وأحب الأسماء إلى اللَّه: عبد اللَّه وعبد الرحمن». رواه مسلم مرفوعًا [¬٢]. وكل ما أضيف إلى اسم من أسماء اللَّه تعالى، فحَسَنٌ.
(١) قوله: (وتحرُمُ التسميةُ بعبدِ غيرِ اللَّه) تعالى. قال ابنُ حزم: اتفقوا أهلُ العلم على تحريم كلِّ اسم معبَّدٍ لغير اللَّه تعالى.
(٢) قوله: (كعبدِ النَّبي، وعبدِ المسيح) ونحوه.
قال ابنُ القيم: وأما قوله ﵊: «أنا ابن عبد المطلب» [¬٣]. فليس من باب إنشاء التسمية، بل من باب الإخبار بالاسم [¬٤] الذي عُرف به المُسمَّى، والإخبار بمثل ذلك على وجهِ تعريف المسمَّى لا يحرم، فباب الإخبار أوسعُ من باب الإنشاء [¬٥].
وكذا تحرُم التسميةُ بسيِّد الناس، وسيِّد الكُلِّ، كما تحرُم بسيِّد ولدِ آدم.
وتجوزُ التكنِيةُ بأبي فلان، وأم فلانة. ويحرُم من الألقاب ما لم يقع على مَخرَجٍ صحيح؛ لأنه كذب، لا على التأويل، كما في: كمال الدين، وشرف الدين؛ أنَّ الدِّينَ كمَّلهُ وشَرَّفه، قاله يَحيى بنُ هبيرة.
стр. 795
وتُكره: بِحَربٍ، ويَسَارٍ، ومُبَارَكٍ، ومُفْلِحٍ، وخَيْرٍ، وسُرُورٍ (١). لا: بأَسمَاءِ المَلائِكَةِ، والأنبِيَاءِ (٢).
ولا يُكرهُ التكنِّي بأبي القاسم، بعدَ موته ﷺ . وصوَّبه في «الفروع».
قال في «الهدي» [¬١]: والصواب أن التكني بكنيته ممنوع، والمنع في حياته أشد، والجمع بينهما أي: بين اسمه وكنيته ممنوع. انتهى. قال شيخنا: فظاهره: التحريم، ويؤيده حديث: «لا تجمَعوا بين اسمي وكُنيتي» [¬٢].
ويحرم أن يقال لمنافِقٍ أو كافرٍ: يا سيدي. و كذا بداءتُه بالسَّلام، كما يأتي؛ لما فيه من تعظيمه. صوالحي [¬٣].
(١) قوله: (وتُكره) تسميةُ العبد (بحربٍ، ويَسارٍ، ومُباركٍ … إلخ)، ونافع، ونجيح، وبركة، ويَعَلى، ومُقبل، ورافع، ورَباح، وعَاصٍ، وشِهَابٍ، ورسُولٌ. وكذا ما فيه تزكية، كالتَّقي، و الزَّكي؛ لما تقدَّم عن ابن هبيرة؛ لأنه ربما كان للتشاؤم والتطيُّر.
ومن الأسماء المكروهة: التسميةُ بأسماء الشياطين، كولهَان، والأعوَر، والأجدَع، ونحوه. وأيضًا من الأسماء المكروهة: التسميةُ بأسماءِ الفراعِنة والجبابِرة. ويُستحبُّ تغييرُ الاسم القبيح. صوالحي [¬٤].
(٢) قوله: (لا بأسمَاء الملائكَةِ والأنبيَاءِ) أي: لا تكره التسميةُ بأسماء الملائكة
стр. 796
وإن اتَّفَقَ وَقتُ عَقِيقَةٍ وأُضحِيَةٍ: أجزَأَتْ إحدَاهُما عنِ الأُخرَى (١).
والأنبياء، كإبراهيم، ونوح، وصالح، ومحمد ﷺ ، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين؛ لحديث: «تسمَّوا باسمي، ولا تكنَّوا بكنيتي» [¬١].
روى أبو نعيم [¬٢]: قال اللَّه تعالى: «وعزتي وجلالي لا أُعذِّب أحدًا يسمِّي باسمِك في النار» [¬٣]. ولا يكره أن يسمى ب «يس»، و «طه». وأما ما يذكره العوام: أن «يس» و «طه» من أسماء النبي ﷺ ، فغيرُ صحيح، ليس في ذلك حديثٌ صحيح، ولا حسن، ولا مرسل، ولا أثر عن صحابي.
قال في «الفصول»: ولا بأس بتسمية أسماء النجوم بالعربية، كالحمل، والثور، ونحوه.
(١) قوله: (وإن اتَّفق وقتُ عقيقَةٍ وأُضحيةٍ، أجزأَتْ إحداهُما عن الأُخرى) مُقتضَى ما ذكره المصنف: أن إحداهما تُجزئ عن الأُخرى من غير نيَّة، كما مشَى عليه صاحبُ «المنتهى». وأما صاحب «الإقناع» اعتبرَ النية. كما اعتبرَها العلامة ابن القيِّم في كتابه «تحفة المودود في أحكام المولود» وقال: كما لو صلَّى ركعتين ينوِي بهما تحيةَ المسجد وسنةَ المكتوبة. صوالحي باختصار [¬٤].
стр. 797
كِتابُ الجِهَادِ
وهُوَ (١): فَرضُ كِفَايَةٍ (٢).
كتابُ الجهاد
ختم به العبادات؛ لأنه أفضلُ تطوُّع البدَنِ. وهو مشروعٌ بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿كتب عليكم القتال﴾ [البَقَرَة: ٢١٦]. إلى غير ذلك، وبِفعلِهِ ﵊، وأمره به. روى مسلم: «من مات ولم يغز، ولم يحدِّث نفسَه بالغزو، مات على شُعبة من النفاق» [¬١]. صوالحي [¬٢].
(١) قوله: (وهُوَ) أي: الجهاد، مصدر جاهد جهادًا ومجاهدة، من جَهَد، إذا بالغ في قتل عدوه. فهو لغةً: بذلُ الطاقة والوسع. وشرعًا: قتالُ الكفار خاصةً، بخلاف قتال المسلمين من البُغاة، وقُطَّاع الطريق، وغيرهم، فبينه وبين القتال عمومٌ مُطلق.
(٢) قوله: (فرضُ كِفَايةٍ) إذا قام به من يَكفي، سقط وجوبُه عن غيرهم، ما لم يكن واحدٌ، فيتعيَّن عليه، وإن لم يقُم به من يَكفي، أَثِمَ الناس كلُّهم.
والدليل على أنه فرضُ كِفاية: قوله تعالى: ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم عل القاعدين درجة وكلاً وعد الله الحسنى﴾ [النِّساء: ٩٥]. وأما قوله تعالى: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا﴾ [التّوبَة: ٣٩]، فقد قال
стр. 798
ويُسَنُّ: مَعَ قِيامِ مَنْ يَكفِي بِهِ (١).
ابنُ عباس: نسخها قوله تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ [التّوبَة: ١٢٢] [¬١] رواه الأثرم.
ومن الفروض الكفاية: دفعُ ضرر المسلمين، كسَترِ العاري وإشباعِ الجائع على القادرين إنْ عَجَزَ بيتُ المال، وكالصنائِع المُباحة المُحتاج إليها لمصالِح الناس الدينية والدنيوية والمالية، كالزرع والغَرس ونحوِهما، فإذا قام بذلك أهلُه بنية التقرُّب، كان طاعةً، وإلا فلا. ومن ذلك إقامةُ الدَعوةِ إلى دين الإسلام، ودفعِ الشُّبه بالحُجَّة والسيف لمن عانَد؛ لقوله تعالى: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النّحل: ١٢٥]. ومن ذلك سَدُّ البُثُوق، بتقديم الموحدة، وهو ما انفتَح من جانِب النَّهر. وحفرُ الآبار والأنهار، وتنظيفُها، وفِعلُ القناطِر و الجُسور والأسوار، وإصلاحُ الطرق والمساجد؛ لعموم حاجة الناس إلى ذلك. ومن ذلك الفتوى، وتعليمُ الناس الكتابَ والسنة، وسائرَ العلوم الشرعية من فقهٍ وتفسير وفرائض، وحساب، ولغة ونحو وتصريفٍ وقراءات، وطبٍّ، قاله ابن هبيرة، كما ذكره في «الآداب الكبرى». وهذا غريبٌ في المذهب. صوالحي باختصار [¬٢].
(١) قوله: (ويُسنُّ مع قيامِ من يَكفي به) بفتح الياء لا غير؛ لأنه من «كَفَى» لا من «أكْفَى»، أي: يُسنُّ الجهادُ إذا كان مع قيام من يَكفي به، أي: بالجهاد. وهو أفضلُ متَطَوَّع، ثم نفقة [¬٣] فيه. ومعنى الكفاية هنا: نهوضُ
стр. 799
ولا يَجِبُ إلَّا علَى: ذَكَرٍ (١). حُرٍّ (٢). مُسلِمٍ (٣). مُكَلَّفٍ (٤). صَحِيحٍ (٥).
قوم يكفُون في قتالِهم، إما أن يكونوا جُندًا لهم دواوينُ من أجل ذلك أي: لهم معيَّنٌ من الدِّيوان أو يكونوا أعَدُّوا أنفسَهم للجهاد تبرُّعًا؛ بحيثُ إذا قصدَهم العدوُّ، حصلت المنَعَةُ بهم.
ويجبُ الجهادُ إذا حضَرَ صفَّ القتال، أو حُصِرَ بلدٌ بعَدُوٍّ واحتيجَ إليهِ، أو استنفره الإمامُ حيثُ لا عُذر له؛ لقوله تعالى: ﴿إذا لقيتم فئة فاثبتوا﴾ [الأنفَال: ٤٥]. وإن نوديَ: الصلاة جامعة؛ لحادثة يُشاوَر فيها، لم يتأخر أحدٌ بلا عذر. صوالحي [¬١].
(١) قوله: (ولا يَجِبُ إلَّا على ذَكَرٍ) هذا شروع في شروط الجهاد؛ وهي سبعةٌ: الأوَّل: لا يجبُ إلا على ذَكر، فلا يجب على النساء، ولا على الخُنثى المشكل؛ للشكِّ في شرطه [¬٢]. الوالد.
(٢) قوله: (حُرٍّ) الثاني: حُرٌّ. فلا يجبُ على العبد. ظاهره: ولو مبعَّضًا أو مُكاتَبًا؛ لرعاية حق السيد. م ص [¬٣].
(٣) قوله: (مُسلمٍ) الثالثُ: يجب على المسلم، كسائر فروع الإسلام.
(٤) قوله: (مُكلَّف) الرابعُ: يجب على مكلف. فلا يجبُ على صغير ولا مجنون.
(٥) قوله: (صَحيحٍ) الخامِسُ: يجب على صحيح، أي: سليمٍ من العَمَى
стр. 800
واجِدٍ مِنْ المَالِ ما يَكفِيهِ (١)، ويَكفِي أهْلَهُ في غَيبَتِهِ (٢). ويَجِدُ مَعَ مَسَافَةِ قَصْرٍ ما يَحمِلُهُ (٣).
ويُسَنُّ: تَشييعُ الغَازِي (٤)، لا: تَلَقِّيهِ (٥).
والعَرَج والمرض. وكذا لا يلزمُ الأشلَّ ولا أقطعَ يدٍ أو رِجلٍ، ولا مَنْ أكثر أصابِعه ذاهبةٌ، أو إبهامه، أو ما يذهب به نفعُ اليدِ أو الرجل. م ص [¬١]
(١) قوله: (واجدٍ من المَالِ ما يَكِفيهِ) السادِسُ: يجب على واجدٍ من المال؛ بملِكٍ، أو ببذل إمام أو نائبه، قدرَ ما يكفيه لمؤنته.
(٢) قوله: (ويكفِي أهلَه) وقدرَ ما يكفي لمؤنة أهلِه من زوجة وأولاد، ومؤنة عياله من خدم؛ لقوله تعالى: ﴿ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج﴾ الآية [التّوبَة: ٩١].
(٣) قوله: (ويَجدُ .. إلخ) السابِعُ: ويجب على من يَجدُ، إذا كان استنفَرَه إلى الجهاد، مع بُعدِ مَحلِّ الجهاد مسافةَ قصر فأكثر، (ما يحمِلُهُ) مفعول «يجد» من دابة وآلةٍ ونحوهما. ويُعتبر أن يفضُلَ ذلك عن قضاءِ دينه وحوائجه، كحجٍّ. وإن بذلَ له غيرُ الإمام أو نائبه ما يُجاهدُ به، لم يَصِرْ مُستطيعًا. صوالحي [¬٢].
(٤) قوله: (ويُسنُّ تشييعُ الغازي) يقال: شيَّعتُ الضيف: تبعتُه عندَ رحيله؛ إكرامًا له، وهو التوديع، ومنه تشييع الغازي. عثمان [¬٣].
(٥) قوله: (لا تَلقِّيهِ) أي: لا يُستحب تلقيِّ الغازي؛ لأنه تهنئةٌ له بالسَّلامة من
стр. 801
وأَفضَلُ مُتَطَوَّعٍ بِهِ: الجِهَادُ (١). وغَزُو البَحْرِ: أَفضَلُ (٢).
وتُكَفِّرُ الشَّهادَةُ: جَمِيعَ الذُّنُوبِ، سِوَى الدَّينِ (٣). ولا يَتَطَوَّعُ بهِ: مَدِيِنٌ (٤)
الشَّهادة. قال في «الفروع»: ويتوجَّه مثلُه حاجٌّ، وأنه يُقصَدُ للسلام. وفي «الفنون»: تحسُن التهنئة بالقدوم للمسافر، كالمريض تحسن تهنئته، فكلٌّ منهما يُهنَّأُ بالسلامة. وفي «شرح الهداية» للعلامة أبي المعالي أسعد محمد وجيه الدين ابن المنجا بن بركات: تستحب زيارة القادم، ومعانقتُه، والسلامُ عليه. صوالحي باختصار [¬١].
(١) قوله: (وأفضلُ متطَوَّعٍ بهِ الجهادُ) أي: وأفضل ما يُتطوَّع به من العبادات الجهادُ. قال الإمام أحمد: لا أعلم شيئًا بعد الفرائض أفضلَ من الجهاد. لأنه بذلُ المهجة والمال، ونفعُه يعم المسلمين كلَّهم، صغيرهم وكبيرهم، قويهم وضعيفهم، ذكرهم وأنثاهم، وغيرُه لا يساويه في نفعه وخطره، فلا يساويه في فضله. انتهى. الوالد.
(٢) قوله: (وغزوُ البَحرِ أفضلُ) الغزوُ: قصدُ العدوِّ في دارهم. «أفضلُ» من غزو البرِّ.
(٣) قوله: (وتُكفِّر الشَّهادةُ) أي: شهادةُ غزو البحر تكفِّرُ (جميعَ الذُّنوبِ) صغائرها وكبائرها، ويُغفر لشهيد البحر الذنوب كلُّها والدَّينُ، ولأن البحر أعظمُ خطرًا ومشقة. م ص [¬٢].
(٤) قوله: (ولا يتطوَّعُ به) أي: ولا يجوز أن يتطوَّعَ بالجهاد من عليه دَينٌ، ولو مؤجلًا.
стр. 802
لا وَفَاءَ لَهُ، إلَّا بإذْنِ غَرِيمِهِ (١). ولا: مَنْ أحَدُ أبوَيهِ حُرٌّ مُسلِمٌ، إلَّا بإذنِهِ (٢).
ويُسَنُّ: الرِّبَاطُ (٣). وهُو: لُزُومُ الثَّغْرِ للجِهَادِ (٤).
(١) قوله: (لا وفاءَ له، إلَّا بإذنِ غَريمِه) أو رهنٍ يُحرِزْ، أو كفيلٍ مَليءٍ. أي: لا قدرة له على وفائه؛ بأن لا يكون له مال يفي منه، إلَّا إن كان بإذن غريمه بالجهاد؛ لأن المقصود من الجهاد الشهادة، وبالشهادة تفوت النفس، فيفوت الحقُّ بفواتها. صوالحي [¬١].
(٢) قوله: (ولا مَنْ أحدُ أبَويهِ حُرٌّ مُسلِمٌ إلا بإذنه) أي: ولا يتطوَّعُ به مَنْ أحدُ أبويه حَرٌّ مسلم، إلا بإذنه. فلا يجاهد من أبواه حران مسلمان عاقلان، إلا بإذنهما، وإن كان أحدهما، فكذلك. ولا يعتبر إذن جدٍّ ولا جدَّة؛ لاقتصار الخبر على الأبوين.
وتحريم القتال في الأشهر الحرم؛ رجب، وذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم، منسوخٌ، وهو قول الأكثر؛ لقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التّوبَة: ٥]. صوالحي باختصار [¬٢].
(٣) قوله: (ويُسنُّ الرِّباطُ) في سبيل اللَّه؛ لحديث سلمان مرفوعًا: «رباطُ ليلةٍ في سبيل اللَّه خير من صيام شهرٍ وقيامه، فإن مات، جرى عليه عملُه الذي كان يعمل، وأُجري عليه رزقُه، وأُمِن الفتَّان». رواه مسلم [¬٣]. الوالد.
(٤) قوله: (وهو لُزومُ الثَّغرِ للجهادِ) والرباطُ لغة: الحبسُ. وشرعًا: لزومُ الثَّغر
стр. 803
وأقلُّه (١): ساعَةٌ. وتَمَامُهُ: أربعُونَ يَومًا (٢). وهُوَ: أفضَلُ مِنَ المُقَامِ بمَكَّةَ (٣). وأفضَلُهُ: ما كانَ أشَدَّ خَوفًا (٤).
للجهاد؛ تقوية للمسلمين.
(١) قوله: (وأقلُّه ساعةٌ) أي: وأقل الرباط ساعة. قال الإمام أحمد: يومٌ رباط، وليلةٌ رباط، وساعةٌ رباط.
والثغر: كلُّ مكان يخيفُ أهلُه العدوَّ ويخيفهم. وسُمِّي المُقامُ بالثغور: رباطًا؛ لأنَّ كلًا من الفريقين يربطون خيولَهم؛ مستعدَّين لعدوِّهم. انتهى الوالد.
(٢) قوله: (وتمامُه أربعون يومًا) أي: وتمام الرباط أربعون يومًا؛ لحديث: «تمام الرباط أربعون يومًا» [¬١]. رواه أبو الشيخ. وعن أبي هريرة: رباط يوم في سبيل اللَّه أحب إليَّ أن أوافق ليلة القدر في أحد المسجدين؛ مسجد الحرام، ومسجد رسول اللَّه ﷺ … الحديث [¬٢]. وإن زاد الرباط، فله أجره. صوالحي [¬٣].
(٣) قوله: (وهو أفضلُ من المُقَام بمكَّة) ذكره الشيخ تقي الدين إجماعًا.
(٤) قوله: (وأفضَلُه ما كان أشدَّ خَوفًا) أي: وأفضلُ الرباط ما كان أشدَّ الثُّغُورِ خَوفًا؛ لأن أهله به أحوجُ، والمُقام به أنفع.
والصلاة بمكةَ، ومسجدِ المدينة، ومسجدِ الأقصى، أفضَلُ من الصلاة
стр. 804
ولا يَجُوزُ للمُسلِمِينَ: الفِرَارُ مِنْ مِثْلَيهِم، ولو واحِدًا مِنْ اثنَينِ (١).
بالثغر. وكُرِه نقلُ أهله إلى مخوفٍ؛ لقول عمر: لا تُنزِلوا المسلمينَ خِيفَةَ البحر [¬١]. رواه الأثرم. ولأنه لا يؤمن ظَفَرُ العدوِّ بها. م ص [¬٢].
(١) قوله: (ولا يجوزُ للمُسلمينَ الفِرارُ … الخ) من الكفار إذا كانوا مثليهم [¬٣]، ولو كان الفارُّ واحدًا من اثنين؛ لقوله تعالى: ﴿فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾ [الأنفَال: ٦٦]. قال ابن عباس: من فرَّ من اثنين، فقد فرَّ، ومن فر من ثلاثة، فما فر [¬٤].
ويلزم المسلمين الثَّباتُ، وإن ظَنُّوا التَّلف؛ لقوله تعالى: ﴿إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا فلا تولوهم الأدبار﴾ [الأنفَال: ١٥]. ولأنه ﷺ عدَّ الفرار من الكبائر، إلا إذا كانوا متحرِّفين لقتال؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله﴾ [الأنفَال: ١٦]. ومعنى التحرف لقتال: أن ينحازوا إلى موضع يكون القتال فيه أمكن، مثل أن ينحازوا من ضيق إلى سَعة، أو مَعطَشةٍ إلى ماء، أو من نزولٍ إلى عُلُوٍّ، أو انحرافهم عن مقابلة الشمس أو الريح، أو استنادٍ إلى جبل ونحوه، مما جرت به العادة. ومعنى التحيز إلى فئة: أن يصير إلى فئة من المسلمين؛ ليكونَ معهم، فيتقوَّى بهم. قال القاضي: لو كانت الفئةُ بخراسان، والزحفُ بالحجاز، جاز التحيُّز إليها؛ لحديث ابن عمر مرفوعًا:
стр. 805
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«إني فئةٌ لكم». وكانوا بمكان بعيد منه. وقال عمر: «أنا فئةٌ لكلِّ مسلم». وكان بالمدينة، وجيوشُه بمصر والشام والعراق وخراسان. رواهما سعيد [¬١]. وإن زادُوا على مثليهم، فلهم الفرارُ؛ لقول ابن عباس: لما نزلت ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾ [الأنفَال: ٦٥]. شقَّ ذلك على المسلمين، حين فَرضَ اللَّه عليهم أن لا يفرَّ واحدٌ من عَشَرة، ثم جاء التخفيفُ، فقال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين﴾ [الأنفَال: ٦٦]. فلما خفَّف عنهم من العَدُوِّ، نقَصَ من الصَّبر بقدر ما خفَّف من القدر. رواه أبو داود [¬٢]. قال شيخنا في «شرح الإقناع»: وظاهره: أنه يجوزُ لهم الفرارُ مع أدنى زيادة. والفرارُ أولى من الثبات، إن ظنوا التلف بتركِ الفرار، وإن ظنوا الظفر، استُحب الثبات، ولا يجب؛ لأنهم لم يأمنوا العَطَب.
تنبيه: ولا يجوزُ تحريقُ الكفار بالنَّار؛ لحديث: «إن اللَّه كتب الإحسانَ على كلِّ شيء، فإذا قتلتُم فأحسِنوا القِتلَة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» [¬٣]. وكان أبو بكر ﵁ يأمر بتحريق أهل الردَّة بالنار، وفعلَه خالد بن الوليد بأمرِه. ويجوزُ إتلافُ كتبِهم المبدَّلة. ويجوزُ تبييتُ كُفارٍ، وهو كَبْسهم ليلًا، وقتلُهم. صوالحي مختصرًا [¬٤].
стр. 806
فإن زادُوا علَى مِثْلَيهِم: جَازَ (١).
والهِجرَةُ واجِبَةٌ (٢): على كُلِّ مَنْ عَجَزَ عَنْ إظهَارِ دِينهِ بِمَحَلٍّ يَغلِبُ فيهِ حُكمُ الكُفْرِ، والبِدَعِ المُضِلَّةِ (٣). فإن قَدَرَ علَى إظهَارِ دِينِهِ: فمَسنُونَةٌ (٤).
(١) قوله: (فإن زادُوا) أي: الكفارُ، على مثلَي المسلمين، جاز، أي: الفرارُ، وهو أي: الفرار إذا زادَ الكفار على مِثلَي المُسلمين، مع ظنِّ تلَفٍ، أولى من ثباتِه؛ حفظًا للنُّفوس.
(٢) قوله: (والهجرة) أي: الخروجُ من تلك الدار إلى دارِ الإسلام والسُّنة. ولا تجب الهجرةُ من بينِ أهلِ المَعاصي. م ص [¬١].
(٣) قوله: (والبدَعِ المُضِلَّةِ) أي: ويغلِبُ فيه حُكمُ البِدع المُضلَّة، كالاعتزال، والتشيُّع؛ لقوله ﷺ : «أنا برئ من مسلم بينَ مشركين، لا تراءى ناراهُما». رواه الترمذي [¬٢]. أي: لا يكونُ بموضِعٍ يَرىَ نارَهم ويرونَ نارَه إذا أُوقدت. ولا تجب الهجرة من بين أهل المعاصي. والرجل والمرأةُ في ذلك على حدٍّ سواء. م ص [¬٣].
(٤) قوله: (فإن قَدَرَ على إظهارِ دينِه فمسنُونةٌ) أي: فإن قدَرَ المسلمُ على إظهار دينه بدار الكفر، فالهجرةُ مسنونة؛ للتَّخلُّص من تكثير الكفار، ويتمكن من جهادهم. وعُلِمَ من ذلك: بقاءُ حكمِ الهجرة؛ لحديث: «لا تنقطِعُ الهجرةُ
стр. 807
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
حتَّى تنقطعَ التوبةُ، ولا تنقطع التوبة حتى تطلُع الشمسُ من مغرِبها». رواه أبو داود [¬١]. وأما حديث: «لا هجرةَ بعدَ الفتح» [¬٢]. أي: من مكَّة. ومثلُها كلُّ بلدٍ فُتح؛ لأنه لم يبقَ بلدَ كفرٍ. م ص [¬٣].
стр. 808
فَصْلٌ
والأُسَارَى مِنْ الكُفَّارِ علَى قِسمَينِ: قِسمٌ: يَكونُ رَقِيقًا بمُجَرَّدِ السَّبي، وهُم: النِّسَاءُ والصِّبيَانُ (١).
وقِسمٌ: لا (٢)، وهُمُ: الرِّجَالُ البالِغُونَ المُقاتِلُون (٣). والإمَامُ فِيهم مُخَيَّرٌ: بَينَ قَتْلٍ (٤)،
فَصْلٌ
(١) قوله: (وهم النِّساءُ والصِّبيانُ)؛ لأنه ﷺ كان يَستَرِقُّ النِّساء والصبيان إذا سباهُم.
(٢) قوله: (وقِسمٌ لَا) أي: لا يكونُ رقيقًا.
(٣) قوله: (وهمُ الرجالُ) الأحرارُ (البالغون المقاتِلُون) فعلى من أَسَرَ منهم أن يأتيَ بهم إلى الإمام حيثُ يمكنه إتيانُهم، ومن لم يمكنه إتيانهم إلا بإكراهٍ أو ضربٍ أو غيره، فله ذلك. صوالحي [¬١].
(٤) قوله: (والإمامُ فيهم) أي: في الأَسرى الأحرارِ البالغين (مُخيَّر بين قَتلٍ)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التّوبَة: ٥]. ولأنه ﷺ قتلَ رجالَ قُريظَة، وهم بين الستمائة والسبعمائة [¬٢]. صوالحي [¬٣].
стр. 809
ورِقٍّ (١)، ومَنٍّ (٢)، وفِدَاءٍ بمَالٍ (٣)، أو بِأَسِيرٍ مُسلِمٍ (٤). ويَجِبُ علَيهِ: فِعلُ الأَصلَحِ (٥).
(١) قوله: (وَرِقٍّ) أي: اتخاذ الأسير رقيقًا؛ لأنه يجوزُ إقرارُهم على الكُفر بالجزية، فبالرِّق أولى؛ لأنه أبلغُ في صَغَارِهم.
(٢) قوله: (ومَنٍّ) أي: وبين منٍّ؛ وهو إطلاقُهم بغيرِ شيء.
(٣) قوله: (وفِدَاءٍ) أي: وبينَ فِداء (بمالٍ) الفداء: إبدالُ الأسيرِ بما ذكرَه المصنف، وإذا كُسِرَ أولُه يمدُّ ويُقصَر، وإذا فُتِحَ قُصر لا غير. انتهى. الوالد.
(٤) قوله: (أو بأسير مُسلِمٍ) أي: أو فداء بأسيرٍ مُسلم؛ لقوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ [محَمَّد: ٤]. ولأنه ﷺ فدَى رجلين من أصحابِه برجُلٍ من المُشركين من بَني عَقِيلٍ. رواه أحمد [¬١]. وفادى أهلَ بدرِ بمالٍ. صوالحي [¬٢].
(٥) قوله: (ويَجِبُ عليه فِعلُ الأصلَحِ) أي: ويجبُ على الإمامِ اختيارُ فِعلِ الأصلح للمسلمين من هذه الأمور، فهو تخييرُ مصلحةٍ واجتهاد، لا شَهوةٍ، فلا يجوزُ عدولٌ عمَّا رآه مصلحةً؛ لأنه يتصرَّفُ على المسلمين على سبيل النَّظر لهم. فإن تردَّدَ نظَرُ الإمام في هذِه الخصال، فَقَتلُ الأسرى أولى؛ لكفاية شرِّهم، وحيثُ رأى القتلَ، فيُضرَبُ العُنُقُ بالسَّيف؛ لقوله تعالى: ﴿فضرب الرقاب﴾ [محَمَّد: ٤]. ولقوله ﵊: «ولا تعذِّبوا،
стр. 810
ولا يَصِحُّ: بَيعُ مُستَرَقٍّ مِنهُم لِكَافِر (١).
ويُحكَمَ بإسلامِ مَنْ لَم يَبلُغ مِنْ أولادِ الكُفَّارِ، عِنْدَ وُجُودِ أحَدِ ثَلاثَةِ أسبَابٍ (٢):
ولا تمثَّلوا» [¬١].
ومن امتنَع من الأَسرى، ولا أمكن أن يأتيَ به للإمام بإكراه أو ضرب ونحوه، أو خافَ هروبَه، أو خاف منه، أو قاتلَه، أو كان مريضًا أو جريحًا، أو مَرِضَ معه، فله قتلُه من غيرِ إحضارِه للإمام؛ لأن تركَه حيًّا فيه ضررٌ على المسلمين، وتقويةٌ للكفار. صوالحي باختصار [¬٢].
(١) قوله: (ولا يصِحُّ بيعُ مستَرَقٍّ منهم) أي: من سَبي المُسلمين (لكافِرٍ)، مسلمًا الأسيرُ أو كافرًا. قال الإمام: ليسَ لأهل الذمَّة أن يشتروا مما سَبَى المسلمون.
ولا يصحُّ مُفاداة من استُرِقَّ من الكفَّار لكافر بمال.
وإذا أسلَم الأسيرُ، صار رقيقًا، وزالَ تخييرُ الإمام عندَ أكثر الأصحاب، وجزم به في «الوجيز»، و «الهداية» و «مسبوك الذهب»، و «الخلاصة» وغيره. وقدمه في «المحرر» و «الشرح» وغيرهما. م ص.
(٢) قوله: (ويُحكَمُ بإسلامِ مَنْ لم يبلُغ من أولاد الكُفَّار … إلخ) حَملًا، أو طفلًا، أو مميزًا، وذلك عندَ وجودِ شيءٍ من ثلاثةِ أَسباب.