← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30066

فتح وهاب المآرب على دليل الطالب - ت الجماز

ابن عوض

Полный текст (2 241 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فإن زادُوا علَى مِثْلَيهِم: جَازَ (١). والهِجرَةُ واجِبَةٌ (٢): على كُلِّ مَنْ عَجَزَ عَنْ إظهَارِ دِينهِ بِمَحَلٍّ يَغلِبُ فيهِ حُكمُ الكُفْرِ، والبِدَعِ المُضِلَّةِ (٣). فإن قَدَرَ علَى إظهَارِ دِينِهِ: فمَسنُونَةٌ (٤). (١) قوله: (فإن زادُوا) أي: الكفارُ، على مثلَي المسلمين، جاز، أي: الفرارُ، وهو أي: الفرار إذا زادَ الكفار على مِثلَي المُسلمين، مع ظنِّ تلَفٍ، أولى من ثباتِه؛ حفظًا للنُّفوس. (٢) قوله: (والهجرة) أي: الخروجُ من تلك الدار إلى دارِ الإسلام والسُّنة. ولا تجب الهجرةُ من بينِ أهلِ المَعاصي. م ص [¬١]. (٣) قوله: (والبدَعِ المُضِلَّةِ) أي: ويغلِبُ فيه حُكمُ البِدع المُضلَّة، كالاعتزال، والتشيُّع؛ لقوله ﷺ : «أنا برئ من مسلم بينَ مشركين، لا تراءى ناراهُما». رواه الترمذي [¬٢]. أي: لا يكونُ بموضِعٍ يَرىَ نارَهم ويرونَ نارَه إذا أُوقدت. ولا تجب الهجرة من بين أهل المعاصي. والرجل والمرأةُ في ذلك على حدٍّ سواء. م ص [¬٣]. (٤) قوله: (فإن قَدَرَ على إظهارِ دينِه فمسنُونةٌ) أي: فإن قدَرَ المسلمُ على إظهار دينه بدار الكفر، فالهجرةُ مسنونة؛ للتَّخلُّص من تكثير الكفار، ويتمكن من جهادهم. وعُلِمَ من ذلك: بقاءُ حكمِ الهجرة؛ لحديث: «لا تنقطِعُ الهجرةُ

стр. 807

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حتَّى تنقطعَ التوبةُ، ولا تنقطع التوبة حتى تطلُع الشمسُ من مغرِبها». رواه أبو داود [¬١]. وأما حديث: «لا هجرةَ بعدَ الفتح» [¬٢]. أي: من مكَّة. ومثلُها كلُّ بلدٍ فُتح؛ لأنه لم يبقَ بلدَ كفرٍ. م ص [¬٣].

стр. 808

فَصْلٌ والأُسَارَى مِنْ الكُفَّارِ علَى قِسمَينِ: قِسمٌ: يَكونُ رَقِيقًا بمُجَرَّدِ السَّبي، وهُم: النِّسَاءُ والصِّبيَانُ (١). وقِسمٌ: لا (٢)، وهُمُ: الرِّجَالُ البالِغُونَ المُقاتِلُون (٣). والإمَامُ فِيهم مُخَيَّرٌ: بَينَ قَتْلٍ (٤)، فَصْلٌ (١) قوله: (وهم النِّساءُ والصِّبيانُ)؛ لأنه ﷺ كان يَستَرِقُّ النِّساء والصبيان إذا سباهُم. (٢) قوله: (وقِسمٌ لَا) أي: لا يكونُ رقيقًا. (٣) قوله: (وهمُ الرجالُ) الأحرارُ (البالغون المقاتِلُون) فعلى من أَسَرَ منهم أن يأتيَ بهم إلى الإمام حيثُ يمكنه إتيانُهم، ومن لم يمكنه إتيانهم إلا بإكراهٍ أو ضربٍ أو غيره، فله ذلك. صوالحي [¬١]. (٤) قوله: (والإمامُ فيهم) أي: في الأَسرى الأحرارِ البالغين (مُخيَّر بين قَتلٍ)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التّوبَة: ٥]. ولأنه ﷺ قتلَ رجالَ قُريظَة، وهم بين الستمائة والسبعمائة [¬٢]. صوالحي [¬٣].

стр. 809

ورِقٍّ (١)، ومَنٍّ (٢)، وفِدَاءٍ بمَالٍ (٣)، أو بِأَسِيرٍ مُسلِمٍ (٤). ويَجِبُ علَيهِ: فِعلُ الأَصلَحِ (٥). (١) قوله: (وَرِقٍّ) أي: اتخاذ الأسير رقيقًا؛ لأنه يجوزُ إقرارُهم على الكُفر بالجزية، فبالرِّق أولى؛ لأنه أبلغُ في صَغَارِهم. (٢) قوله: (ومَنٍّ) أي: وبين منٍّ؛ وهو إطلاقُهم بغيرِ شيء. (٣) قوله: (وفِدَاءٍ) أي: وبينَ فِداء (بمالٍ) الفداء: إبدالُ الأسيرِ بما ذكرَه المصنف، وإذا كُسِرَ أولُه يمدُّ ويُقصَر، وإذا فُتِحَ قُصر لا غير. انتهى. الوالد. (٤) قوله: (أو بأسير مُسلِمٍ) أي: أو فداء بأسيرٍ مُسلم؛ لقوله تعالى: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ [محَمَّد: ٤]. ولأنه ﷺ فدَى رجلين من أصحابِه برجُلٍ من المُشركين من بَني عَقِيلٍ. رواه أحمد [¬١]. وفادى أهلَ بدرِ بمالٍ. صوالحي [¬٢]. (٥) قوله: (ويَجِبُ عليه فِعلُ الأصلَحِ) أي: ويجبُ على الإمامِ اختيارُ فِعلِ الأصلح للمسلمين من هذه الأمور، فهو تخييرُ مصلحةٍ واجتهاد، لا شَهوةٍ، فلا يجوزُ عدولٌ عمَّا رآه مصلحةً؛ لأنه يتصرَّفُ على المسلمين على سبيل النَّظر لهم. فإن تردَّدَ نظَرُ الإمام في هذِه الخصال، فَقَتلُ الأسرى أولى؛ لكفاية شرِّهم، وحيثُ رأى القتلَ، فيُضرَبُ العُنُقُ بالسَّيف؛ لقوله تعالى: ﴿فضرب الرقاب﴾ [محَمَّد: ٤]. ولقوله ﵊: «ولا تعذِّبوا،

стр. 810

ولا يَصِحُّ: بَيعُ مُستَرَقٍّ مِنهُم لِكَافِر (١). ويُحكَمَ بإسلامِ مَنْ لَم يَبلُغ مِنْ أولادِ الكُفَّارِ، عِنْدَ وُجُودِ أحَدِ ثَلاثَةِ أسبَابٍ (٢): ولا تمثَّلوا» [¬١]. ومن امتنَع من الأَسرى، ولا أمكن أن يأتيَ به للإمام بإكراه أو ضرب ونحوه، أو خافَ هروبَه، أو خاف منه، أو قاتلَه، أو كان مريضًا أو جريحًا، أو مَرِضَ معه، فله قتلُه من غيرِ إحضارِه للإمام؛ لأن تركَه حيًّا فيه ضررٌ على المسلمين، وتقويةٌ للكفار. صوالحي باختصار [¬٢]. (١) قوله: (ولا يصِحُّ بيعُ مستَرَقٍّ منهم) أي: من سَبي المُسلمين (لكافِرٍ)، مسلمًا الأسيرُ أو كافرًا. قال الإمام: ليسَ لأهل الذمَّة أن يشتروا مما سَبَى المسلمون. ولا يصحُّ مُفاداة من استُرِقَّ من الكفَّار لكافر بمال. وإذا أسلَم الأسيرُ، صار رقيقًا، وزالَ تخييرُ الإمام عندَ أكثر الأصحاب، وجزم به في «الوجيز»، و «الهداية» و «مسبوك الذهب»، و «الخلاصة» وغيره. وقدمه في «المحرر» و «الشرح» وغيرهما. م ص. (٢) قوله: (ويُحكَمُ بإسلامِ مَنْ لم يبلُغ من أولاد الكُفَّار … إلخ) حَملًا، أو طفلًا، أو مميزًا، وذلك عندَ وجودِ شيءٍ من ثلاثةِ أَسباب.

стр. 811

أحدُها: أن يُسلِمَ أحَدُ أبَوَيهِ (١) خَاصَّةً (٢). الثَّانِي: أن يُعدَمَ أحَدُهُمَا (٣) بِدَارِنَا (٤). الثَّالِثُ (٥): أن يَسبِيَهُ (٦) مُسلِمٌ، مُنفَرِدًا عن أَحَدِ أَبَوَيهِ (٧). (١) قوله: (أحدُها: أن يُسلِمَ أحدُ أبوَيهِ) سواء كان بدارِنا، أو دارِ الكُفر. (٢) وقوله: (خاصَّةً) أي: مخصُوصٌ ذلك بأحدِ الأبوين، بخلافِ ما لو أسلَم جدٌّ أو جدَّة، ونحوهُما، فلا يُحكم بإسلامِه. صوالحي [¬١]. (٣) قوله: (الثَّانِي) من الأسباب. (أن يُعدَمَ أحدُهما) أي: أحدُ أبويه؛ بموتٍ أو غيرِه، كأن زنَت كافرةٌ بمسلِم أو كافرٍ، فأتت بولدٍ بدارِنا، فيُحكم بإسلامِه، نصًّا. وكذا لو اشتبهَ ولدٌ مسلم بولدٍ كافر، أو بلغَ ولدُ الكافرِ مَجنونًا. وإسلامُ المجنون المذكور؛ لعدم قبولِه التَّهودَ ونحوَه من أبويه. (٤) قوله: (بدارِنا) أي: دارِ الإسلام. وأما لو ماتَ أحدُ أبويه بدار الكفر، فلا يُحكم بإسلامه. صوالحي [¬٢]. (٥) قوله: (الثَّالِثُ) من الأسباب. (٦) قوله: (أن يَسبيَهُ) بأن أُسِرَ من لم يبلُغ؛ لأنَّ السبيَ الأَسرُ. (٧) قوله: (مسلِمٌ منفردًا عن أحدِ أبويه) بأن يكونَ المسبيُّ منفرِدًا عن أحدِ أبويه، فيُحكَم بإسلامِه؛ لأن التبعيةَ انقطَعت، فيصيرُ تابِعًا لسابيه. أو سُبِيَ أحدُ أبويهِ، وسابيه مُسلمٌ. انتهى. الوالد.

стр. 812

فإن سَبَاهُ (١) ذِمِّيٌّ: فعَلَى دينِه (٢). أو سُبِيَ معَ أبوَيهِ: فَعَلَى دِينِهِمَا (٣). (١) قوله: (فإن سَباهُ) أي: من لم يبلُغ، منفرِدًا، أو معَ أحدِ أَبويه. (٢) قوله: (ذِمِّيٌّ فعلَى دينِه) أي: دين مَسْبيِّه، كمُسلمٍ. قال في «الإنصاف» [¬١]: لو سبَى ذميٌّ حربيًّا، تَبِعَ سابيَه؛ حيثُ يتبعُ المسلِمَ، على الصحيح من المذهب. انتهى. (٣) قوله: (أو سُبِيَ معَ أبويهِ فعلَى دينِهما) أي: أو سُبي من لم يبلُغ مع أبويه، فالمَسبيُّ على دينِهما، أي: دينِ أبويه؛ لبقاء تبعيَّته لأبويه. وإن بلَغ من حُكم بإسلامه، ممَّن ذُكر، عاقلًا، مُمسِكًا عن الإسلام والكفر، يُقتلُ قاتِلُه؛ لأنه محكومٌ بإسلامه. ولا ينفسِخُ نكاحُ الزوجين إذا استُرِقَّا معًا، ولو كانَ كلُّ واحدٍ منهما استرقَّه رجلٌ، ولا يحرمُ التفريقُ بينهما في القِسمَةِ، ولا في البيع. وكذا لا ينفسخُ إذا سُبيَ الزوجُ وحدَه، بخلافِ ما لو سُبيت الزوجة وحدَها انفسخَ نكاحُها. صوالحي [¬٢].

стр. 813

فَصْلٌ ومَنْ قَتلَ قَتِيلًا في حَالَةِ الحَرْبِ (١): فلَهُ سَلَبُه (٢) - وهُو: ما عَلَيهِ (٣) مِنْ ثِيَابٍ، وحُلِيٍّ، وسِلاحٍ (٤) - وكَذَا: دابَّتُهُ التي قاتَلَ علَيها، وما عَلَيهَا (٥). فَصْلٌ (١) قوله: (ومَنْ قتلَ قتيلًا في حالةِ الحَربِ) من الكفار، ولو كانَ المبارَزَ. (٢) قوله: (فلَه سلَبُه) سواء كان البِرازُ بإذنِ الإمام أو لم يكن، كما قطَع به في «المغني». وفي «الإرشاد»: إن بارزَ بغيرِ إذنِ الإمام، فلا يستحقُّ السَّلَبَ. لحديث أنس، وسمرة، أن النبي ﷺ قال: «من قَتلَ قتيلًا، فلَه سَلَبُه» [¬١]. ولا يكون من خُمُسِ الخُمُس، ولو كان القاتلُ للكافر عبدًا، بإذن سيِّده، أو امرأةً، أو كافرًا بإذن الإمام، أو صبيًا؛ لعموم الخبر. صوالحي [¬٢]. (٣) قوله: (وهو ما عَلَيه) أي: والسَّلَبُ: ما على المقتول. (٤) قوله: (من ثيابٍ وحُلِيٍّ وسِلَاح) فله أخذُه، قلَّ السلَب أو كَثُر. (٥) قوله: (وكذا دابَّته التي قاتلَ عليها، وما عَليها) أي: وكذا له أخذُ دابته التي قاتل عليها، وما عليها من آلتها، تبعًا لها؛ لأنها من السلَب، ويُستعان به في الحرب، فأشبهَ السِّلاح، ولو قتله بعد أن صرعه عنها، وسقط إلى الأرض. انتهى. الوالد.

стр. 814

وأمَّا نَفَقَتُهُ، ورَحلُهُ، وخَيمَتُهُ، وجَنِيبُهُ (١): فَغَنِيمَةٌ (٢). وتُقسَمُ الغَنِيمَةُ (٣): (١) قوله: (وأما نفقتُه ورحلُه وخيمتُه وجنيبُه) أي: الدابةُ التي لم يكن راكبَها حالَ القتال. (٢) قوله: (فغَنيمةٌ) أي: فهو غنيمة. ولو قطَعَ مسلمٌ أربعةَ كافرٍ، فسلَبُه له، بخلافِ ما لو قطَع يدًا أو رجلًا من الكافر، وقتلَه آخرُ، أو أسرَه إنسانٌ، فقتله الإمامُ، أو اشتركَ اثنان أو أكثرُ في قتلِه، فسَلَبُه غنيمةٌ. ويحرمُ غزوٌ بلا إذنِ الأمير، إلا أن يَفجأَهم عدوٌّ ويخافون كَلَبَه بفتح اللام أي: شرَّه. وإن دخَلَ أحد دار حرب، بلا إذن الإمام، فغنيمتهم فيءٌ. صوالحي باختصار [¬١]. (٣) قوله: (وتُقسمُ الغَنيمةُ) الغَنيمةُ فَعيلَةٌ، بمعنى مَغنومَة، مُشتقَّة من الغُنم، وهو: الرِّبح. واصطلاحًا: ما أُخِذَ من مالِ حَربي قهرًا بقتال، وما أُلحق به. قوله: «ما أُخِذ من مال» احترازًا عن غير المال، كالكلب والخمر والخنزير، فإن ذلك لا يدخُل في الغنيمة. وخرج بقوله: «حربي» ما يؤخذُ من أموال أهل الذِّمة من جِزية وخَراج ونحوه، فإنه فيء لا غنيمة. وخرج بقوله: «قهرًا» ما جلوا، وتركوه فزعًا، وما يؤخذ منهم من العُشر إذا اتَّجروا إلينا، ونحوه، فإنه فيء لا غنيمة. وخرج بقوله: «وما ألحق به» من الهديَّة لأمير الجيش، أو لأحد من الجيش، ونحو ذلك. والغَنائمُ لم تحلَّ إلا لهذه الأمة؛ لأنها كانت تنزِل نارٌ من السماء تأكلها. ح ف وزيادة.

стр. 815

بَينَ الغَانِمِين (١). فيُعطَى لَهُمْ أربَعَةُ أخمَاسِهَا (٢): للرَّاجِلِ (٣): سَهْمٌ (٤). (١) قوله: (بينَ الغَانِمين) وهم من شَهِدَ الوقعةَ من أهل القتال، إذا كان قصدُه الجِهاد، قاتلَ أو لم يقاتِل. ويكون قَسْمُ الغَنيمة بعد دَفعِ مالٍ وُجِدَ فيها من مال مسلم أو ذمي، ومن أُجرَةِ حمل. ولا يُسهم لمن لم يستعدَّ للقتال من تُجَّار وخدم وصُنَّاع، ولا لِمَنْ نهى الإمامُ عن حُضورِه، ولا لمُخَذِّلٍ ومُرْجِفٍ، ولو تَرَكَا ذلك، ولا لمريض عاجز عن القتال، كالزَّمِن والمَفلُوج و الأشلِّ، ولا لخيلهم، غير محمُومٍ ومن به صُدَاع ونحوه. صوالحى [¬١]. (٢) قوله: (فيُعطَى لهم) أي: للغانمين (أربعةُ أخماسِهَا)؛ لأن اللَّه تعالى لما جعل لنفسِه الخُمُسَ في الآية، وهي قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ [الأنفَال: ٤١]. فُهِمَ منه: أن الأربعةَ أَخْماسٍ للغانمين؛ لأنه أضافها، كقوله تعالى: ﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾ [النِّساء: ١١]. فُهِمَ منه: أن الباقي للأب. وإن أَعطَى الإمامُ لأحدٍ نَفلًا، أي: زائدًا عن سهمٍ لمصلحةٍ، فيُعطيه من هذه الأربعة أخماس. صوالحي [¬٢]. (٣) قوله: (للرَّاجِل) أي: الماشي، مُسلمًا كان أو كافرًا قاتل بإذن الإمام. (٤) قوله: (سَهمٌ) واحدٌ، بغير خلاف؛ لأنه لا يَحتَاجُ إلى ما يحتاجُ الفارِسُ من الكلفة. صوالحي [¬٣].

стр. 816

وللفَارِسِ علَى فَرَسٍ هَجِينٍ: سَهمَانِ (١). وعلَى فَرَسٍ عَرَبِيٍّ: ثَلاثَةٌ (٢). ولا يُسهَمُ: لِغَيرِ الخَيلِ (٣). (١) قوله: (وللفارسِ على فَرسٍ هَجِينٍ سَهمَان) أي: للفارس الذي على فرس هَجِينٍ، وهو: ما أُمُّه فقط عَربية [¬١]. «سهمان» سهم للفَارس، وسهمٌ لفرسِه. (٢) قوله: (وعلى فَرسٍ عَربيٍّ ثلاثةٌ) أي: وللفارسِ الذي على فرس عربيٍّ ويُسمَّى: «العتيق»، قاله في «المطلع»؛ لخلوصِه ونفاسَتِه ثلاثةُ أسهُم؛ سَهمٌ للفارس، وسهمانِ لفرسِه. وإن غَزا اثنانِ على فَرس، فالسَّهم بينهما، وسهمُ الفرس على قَدْرِ مِلكِهما. صوالحي [¬٢]. (٣) قوله: (ولا يُسهَمُ لغيرِ الخَيلِ)؛ لأنه لم يُنقل عنه ﷺ أنه أسهَمَ لغير الخيل، ولم تَخْلُ غزوةٌ من غزواته من الإبل، وهي غالبُ دوابِّهم، ولو سَهِم لهم، نُقِلَ، وكذا أصحابه ﵈ من بعده، ولأنه لا تصلُح الإبل للكَرِّ والفرِّ [¬٣]. ولا يُسهَم لأكثر من فرسين، فيُعطَى صاحبها، ولفرسيه العربيَّتين أربعة أسهم، وغيرِ العربيَّتين سهمين؛ لحديث الأوزاعي: أن رسول اللَّه ﷺ كان يُسهِمُ للخيل، وكان لا يُسهم لرجُلٍ فوقَ فرسين، وإن كان معه عَشَرَةُ أفراسٍ [¬٤]. صوالحي [¬٥].

стр. 817

ولا يُسهَمُ إلَّا لِمَنْ فِيهِ أربَعَةُ شُرُوطٍ: البُلُوغُ. والعَقلُ. والحُريَّةُ. والذُّكُورَةُ. فإن اختَلَّ شَرطٌ (١): رُضِخَ لَهُ، ولا يُسْهَمُ (٢). ويُقسَمُ الخُمُسُ البَاقِي خَمسَةَ أسهُمٍ: سَهمٌ: للَّهِ ولِرَسُولِهِ (٣)، (١) قوله: (فإن اختلَّ شرطٌ) من هذه الأربعة شُروطٍ؛ بأن كان صَبيًّا مميزًا، أو مَجنونًا، أو عبدًا بإذن سيده، أو أُنثى، ولو كانت مِمَّنْ تَسقِي الماءَ وتُداوي الجرحي، فلا يسهَم له، وإنما يُرضَخُ له. (٢) قوله: (رُضِخَ له) فقط إن كان راجِلًا، وإن كان فارِسًا يُرضَخُ له ولفرسِه. فإن كان الفرسُ لسيِّد العبد، سهَّمَ للفرس؛ لأن السَّهم لمالِك الفرس. والرَّضْخُ هو: العطاءُ مِنَ الغنيمة [¬١] دونَ أسهُمٍ، على ما يراه الإمام، فيفُضِّل العبدَ المقاتل، وذا البأس، على من ليس مثله، ويفضِّل المرأةَ المقاتلِةَ، والتي تَسقِي الماءَ وتداوي الجَرحى، على من ليس مثلها، فيكون الرَّضخُ على حسب ما يرى الإمام فيه المصلحة من تفضيلٍ وتَسويةٍ، ولا تَجبُ التسويةُ فيه. والفرقُ بينه وبين السَّهم أنه منصوصٌ عليه غير موكولٍ إلى اجتهادِه كالحُدود، بخلاف الرَّضْخ. ح ف. (٣) قوله: (سَهمٌ للَّه ولرِسُولِه) لقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه﴾ [الأنفَال: ٤١]، وإنَّما لم يُقسَم على ستة أسهم؛ لأنَّ سهمَ اللَّه ورسولِه شيءٌ واحد؛ لقوله تعالى: ﴿والله ورسوله أحق أن ترضوه﴾ [التّوبَة: ٦٢]، وأن الجهة جهةُ مصلحة. وذِكرُ اسمِه تعالى للتَّبركِ؛ لأن الدنيا والآخرة له، وكان النبي ﷺ يصنعُ بهذا السَّهم ما شاء. ذكره في «المغني»

стр. 818

يُصرَفُ (١) مَصْرِفَ الفَيءِ (٢). وسَهْمٌ: لِذَوِي القُربَى، وهُم: بَنُو هاشِمٍ، وبَنُو المُطَّلِبِ (٣)، حَيثُ كانُوا، للذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ (٤). و «الشرح». صوالحي [¬١]. (١) قوله: (يُصرفُ) الخُمُس من السَّهم المذكور، وهو خُمُسُ الخُمُسِ. (٢) قوله: (مَصرِفَ الفيءِ) للمصَالح؛ لقوله ﵊: «ليس لي من الفيء إلا الخُمس، وهو مردودٌ عليكم». رواه سعيد [¬٢]. ولا يكون مردودًا علينا إلا إذا صُرِفَ في مصالحنا. وفي «الانتصار»: هو لمن وَلي الخلافةَ بعدَه. والفيءُ يأتي في الفصل الذي بعد هذا. م ص [¬٣] وزيادة. (٣) قوله: (وسَهمٌ لذوي القُربى، وهم بنو هاشِم وبنو المُطَّلب) ابني عبد مناف؛ لحديث جبير بن مطعم، قال: قَسَم النبي ﷺ سهمَ ذوي القُربى بين بَني هاشمٍ وبَني المطلب، وقال: «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيءٌ واحد» [¬٤]. م ص [¬٥]. (٤) قوله: (حيثُ كانوا، للذَّكَرِ مثلُ حَظِّ الأُنثَيين) أي: يُقسَمُ بينهم للذَّكَرِ مثلُ حظِّ الأُنثيين؛ لأنه يستحقونه بقرابة الأب، فيفُضَّلُ فيه الذَّكر على الأُنثى، كالميراث. غنيُّهم وفقيرهم، وكبيرُهم وصغيرُهم سواء؛ لأنه ﷺ أعطى العباس وهو غني. ولا شيء لأولاد بناتِهم، ولا لمواليهم. صوالحي [¬٦].

стр. 819

وسهمٌ: لِفُقَرَاءِ اليَتَامَى (١)، وهُم: مَنْ لا أبَ لَهُ ولَم يَبلُغ (٢). وسَهْمٌ: للمَسَاكِينِ (٣). وسَهْمٌ: لأبنَاءِ السَّبيلِ (٤). (١) قوله: (وسهمٌ لفقراءِ اليتامَى) ذكرهم وأنثاهم فيه سواء، كما في «المستوعب». ح ف. (٢) قوله: (وهم من لا أبَ له ولم يبلُغ) أي: اليتامى جمعُ يتيم، وهو: من لا أبَ له، ولو كان له أمٌّ، ولم يبلُغ؛ لقوله ﵊: «لا يُتمَ بعدَ احتلام» [¬١]. ولا يدخل فيه ولدُ الزِّنى، ويَستوي فيه الذَّكرُ والأُنثى؛ لظاهر الآية. (٣) قوله: (وسَهمٌ للمساكينِ) للآية، وهم أهلُ الحاجة؛ من لا يجدُ تمامَ كِفايتِه، فيدخلُ فيهم الفقراء. (٤) قوله: (وسَهمٌ لأبناءِ السَّبيل) ويَعُمُّ من بِجَميعِ البلاد من ذوي القُربى والمساكين وأبناء السبيل حسب الطاقة، ويُعطونَ كما يُعطون من الزكاة، فيُعطى المسكينُ تمامَ كفايته مع عائلتِه سَنةً، وكذا اليتيمُ، ويعطى ابنُ السبيل ما يوصِلُه إلى بلدِه. وإن اجتمعَ في واحدٍ أسبابٌ؛ بأن كان هاشِميًّا، مِسكينًا، يتيمًا، ابنَ سبيل، استحقَّ بكل واحد منها، لكن لو أعطاه ليُتمه، فزالَ به فقرُه، لم يُعط لفقرِه؛ لزوالِه. وإن أسقطَ بعضُ الغانمين حقَّه، انتقلَ للباقين، وإن أسقطَ الكلُّ، فهو فيءٌ. صوالحي وزيادة [¬٢].

стр. 820

فَصْلٌ والفَيءُ (١): هُو ما أُخِذَ مِنْ مالِ الكُفَّارِ بِحَقٍّ، مِنْ غَيرِ قِتالٍ (٢)، كالجِزيَةِ (٣)، والخَرَاجِ (٤)، فَصْلٌ (١) قوله: (والفَيءُ) وهو في الأصل: مصدر فاء فيئةً وفيئًا، إذا رجع، ثم أُطلق على المال الحاصِل من الجهاتِ المذكورة؛ لأنه راجَع منها، كأنه في الأصل للمسلمين، ثم رجع إليهم؛ لأنَّ اللَّه تعالى خلقَ الدنيا وما فيها للمؤمنين؛ للاستعانة على طاعته، فمن خالَفه وعصاه كان سبيلُه ردَّ ماله إلى من يُطيعُه. ح ف. (٢) قوله: (ما أُخِذَ من مالِ الكفَّار بحقٍّ، من غيرِ قِتَالٍ) احترز ب «مال الكفار» عمَّا أُخِذَ من أموال المسلمين بحقٍّ، كمالِ من لا وارِثَ له من المسلمين، وضَوالِّ المسلمين، فإنها ليست فيئًا، بل تُوضَعُ في بيت المال؛ للحفظ. وخرج بقوله: «بحقٍّ» ما أُخِذَ ظلمًا، كمال مستأمن. وخرجَ بقوله: «من غير قتال» الغنيمةُ. الوالد. (٣) قوله: (كالجِزَيةِ) هذا وما عُطف عليه مثالٌ لمالِ الفيءِ، وزكاةِ نَصَارى العَربِ ويهودِهم، ومالِ المرتدِّ إذا قُتل، أو ماتَ على الردَّة. ح ف وإيضاح. (٤) قوله: (والخَراجِ) الظاهِرُ أن المراد به: ما يُؤخذ من الكفار عن الأراضي التي صُولِحُوا على أنَّها لهم، ولَنا الخراجُ عنها؛ لأنه كالجزية، أمَّا غيرُها فذكروا أنَّ خراجَها يُصرفُ مصرِفَ الفَيءِ، سواء أُخِذَ من مُسلم أو كافر، أي:

стр. 821

وعُشْرِ التِّجَارَةِ مِنَ الحَربيِّ (١)، ونِصْفِ العُشْرِ مِنْ الذِّميِّ (٢)، وما تَرَكُوهُ فَزَعًا (٣)، أو عَنْ مَيِّتٍ (٤) ولا وَارِثَ لَهُ. ومَصرِفُهُ (٥): في مَصَالِحِ المُسلِمِينَ (٦). فيكون حكمُه حُكمَ الفيءِ، لا أنه فيءٌ. ح ف. (١) قوله: (وعُشرِ التِّجارةِ من الحَربيِّ) المتَّجرِ إلينا. (٢) قوله: (ونِصفِ العُشرِ من) تجارةِ (الذِّمِّي) إذا اتَّجر لغيرِ بلده. (٣) قوله: (وما تَركوه فَزَعًا) مِنَّا أي: خوفًا من المسلمين؛ بأن تركوه وهربوا. والمراد: ولم نقصِدهم بالقتال، وإلا كان غنيمةً، كما في «شرح المحرر» في باب الغنيمة. ح ف. (٤) قوله: (أو عَنْ مَيِّتٍ) أي: أو تخلَّف عن مَيِّت منهم، على ما في «الإقناع» [¬١]. (٥) قوله: (ومَصرِفُه) أي: مالِ الفَيءِ، وخمسِ [¬٢] خمسِ الغنيمة. (٦) قوله: (في مصالِح المُسلمينَ) لعموم قوله: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾. إلى قوله: ﴿والذين جاءوا من بعدهم﴾ [الحَشر: ٧ - ١٠]. قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: هذه استوعبت المسلمين عامة. وقال: ما أحدٌ من المسلمين إلا له في هذا المال نصيبٌ، إلا العبيد فليس لهم فيه شيء [¬٣]. صوالحي [¬٤].

стр. 822

ويَبدَأُ: بِالأَهَمِّ فالأَهَمِّ (١)، مِنْ سَدِّ ثَغْرٍ (٢)، وكِفَايَةِ أهْلِهِ، وحاجَةِ مَنْ يَدفَعُ عن المُسلِمِينَ (٣)، وعِمَارَةِ القَنَاطِرِ (٤)، ورَزْقِ القُضَاةِ والفُقَهَاءِ (٥)، وغَيرِ ذلِكَ (٦). (١) قوله: (ويَبدَأُ) مَنْ صَرَفَ الفيءَ. أي: تجبُ البداءةُ في الصَّرف (بالأهمِّ)، فإن فضَلَ شيءٌ، فهو لما دونَه، وإلَّا سقَطَ. ح ف. (٢) قوله: (مِنْ سَدِّ ثَغرٍ) بيان للأهمِّ، أي: يَبدَأُ بالمصالح العامة، وهي سَدُّ الثَّغرِ، أي: عمارته بمن فيه كفاية، وهم أهلُ القوَّة من الرِّجال الذين لهم منعة. الوالد. (٣) قوله: (وكِفَايةِ أهلِه) من نفقةٍ وسلاح (وحاجة من يدفَعُ عن المُسلمين) أي: ثم بمَن به حاجةٌ ممَّن يدفعُ عن المسلمين من غيرِ أهلِ الثغور؛ لأن أهمَّ الأمور حِفظُ بلادِ المسلمين وأمنِهم من عدوِّهم، ثم بسدِّ البثوق، وهو: جانِبُ النهر، وجرف الجسور، وتنظيف النَّهر. صوالحي [¬١]. (٤) قوله: (وعِمارَةِ القَناطِر) أي: ثمَّ بعمارة القَناطر، أي: الجُسور، والمسَاجِد. (٥) قوله: (ورَزْقِ القُضَاةِ) أي: ثمَّ برَزْقِ القُضاة (والفُقَهاءِ). (٦) قوله: (وغيرِ ذلك) من إصلاحِ طُرق، وعِمارة مساجد، وأرزاق أئمة ومؤذنين، وكل ما يعود نفعه على المسلمين. م ص [¬٢].

стр. 823

فإن فَضَلَ شَيءٌ (١): قُسِمَ بَينَ أحرَارِ المُسلِمِينَ (٢)، غَنِيِّهِم وفَقِيرِهِم (٣). وبَيتُ المَالِ: مِلْكٌ للمُسلِمِينَ (٤). يَضمَنُهُ مُتلِفُهُ. ويَحرُمُ: الأَخذُ مِنهُ بِلا إذْنِ الإمَامِ (٥). (١) قوله: (فإن فضَل شيءٌ) بعدَ ما صُرف في الأهمِّ. (٢) قوله: (قُسِمَ بين أحرارِ المُسلمين) خرجَ بذلك: أرقَّاؤهم؛ لأن نفقتهم على مواليهم، بل يُزاد لسيِّدهم من أجلِهم. صوالحي [¬١]. (٣) قوله: (غنيِّهم وفقيرِهم) للآية؛ لأنهم استحقُّوه بأمرٍ مُشترك، غيرِ الرَّافِضَةِ عند الشيخ، وغيره. عثمان [¬٢]. (٤) قوله: (وبيتُ المَالِ مِلكٌ للمُسلمين) لأنَّه لمصالِحهم. (٥) قوله: (ويحرُم الأخذُ منه) والتصرُّف فيه (بلا إذنِ الإمام) لأنه افتياتٌ عليه فيما هو مفوَّض إليه.

стр. 824

بابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ لا تَنعَقِدُ: إلَّا لأَهلِ الكِتَابِ (١)، بابُ عقدِ الذِّمَّةِ هي لغةً: العهدُ، والضَّمان، والأمان. من أذمَّه [¬١] ويذِمُّه، إذا جَعلَ له عهدًا، ومعنى عقدِها: إقرارُ بعض الكفار على كفرهم، بشرط بذلِ الجِزية، والتزامِ أحكام المِلَّة، بقولٍ يدلُّ على ذلك. ومعنى التزام حكم المِلَّة: قبولُ ما يُحكم به عليهم من أداءِ حقٍّ، أو ترك مُحرَّم. وقال ابن عادل: يُشترطُ لصحة عقدِها أن تكونَ مع ذَكرٍ، حرٍّ، بالغ، متهيئٍ للقتال، عاقلٍ، قادرٍ على أداء الجزية. انتهى. ولا يصح عقدُها إلا من إمام أو نائبه. وصفةُ عقدِ الذمة: قول الإمام أو نائِبه: أقررتكم بجزيةٍ واستسلام. أي: انقيادٍ لأحكامنا. انتهى. الوالد. (١) قوله: (لا تنعقِدُ إلا لأهلِ الكِتابِ) أي: لا تنعقِدُ الذِّمة إلا لأهل الكتاب؛ التوراةِ والإنجيلِ، وهم اليهودُ والنَّصارى، ومن تديَّن بالتوراة، كالسَّامِرة، يتديَّنون بدين موسى الكَليمِ ﵊، ويخالِفونَ اليهودَ في فُروعٍ من دينهم، أو تديَّنَ بالإنجيل، كالفَرَنْج ويقال لهم: بنو الأصفَر، والأشبهُ أنها مولَّدة؛ نِسبةً إلى فَرَنْجة، بفتح أوله وثانيه، وسكون ثالثه، وهي جزيرةٌ من جزائرِ البحر، والنسبة إليها: فَرَنْجي. قاله في «المبدع»

стр. 825

أو: لِمَنْ لَهُ شُبهَةُ كِتَابٍ، كالمَجُوسِ (١). والصَّابئين، والرُّوم، والأَرْمَن، وكل من انتسب لدين عيسى ﵊. صوالحي [¬١]. (١) قوله: (كالمجوس) منسوبون إلى المجوسيَّة، وهي نِحْلَة. لأنه يُروى أنه كان لهم كتاب فرُفع؛ فلهم بذلك شُبهةٌ أوجبت حقنَ دمائهم بأخذ الجزية منهم، وأن سيدنا عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه لم يرض بأخذها منهم حتى شَهِدَ عندَه سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي اللَّه تعالى عنه: أن النبي ﷺ أخذها من مَجُوسِ هجر. رواه البخاري [¬٢]. ولم تَنهَض في إباحةِ نسائِهم وحِلِّ ذبائِحهم؛ لأنه لا يكونُ إلَّا ممَّن يكون أبواه كتابيان، وما عداهم فلا يُقبلُ منه إلا الإسلامُ أو القتل؛ إبقاءً لهم على الأصل. وعُلِمَ من المتن: أن لا تنعقِدَ لمن لا كِتاب له، ولا شُبهةَ كتاب، كالوثنيِّ والمرتدِّ، ومن يعبد ما يستَحِسن، كمن يعبدُ الشمسَ والقمر من غير المجوس. وقد يؤخذ منه أنها تُعقَد لكلِّ من له كتاب؛ لأنها إذا عُقِدَت لمن له شبهةُ كتاب، فأولى مَنْ له كِتاب، وليس كذلك، كما صرَّح به الأصحاب. قال في «المغني»: وأمَّا أهل صُحُفِ إبراهيم وشِيث، وزَبورِ داود، فلا تُقبل منهم الجزية؛ لأنهم من غير الطائفتين، ولأنَّ هذه الصُّحف لم يكن فيها شرائع، وإنما هي مواعظُ وأمثال. لكنْ ذكر القاضي وجهًا أن من دان بصُحُفِ شِيث وإبراهيم، والزَّبور، تحِلُّ نساؤهم، ويُقرَّون بجزية منهم. قال في «الفروع»

стр. 826

ويَجِبُ علَى الإمامِ: عَقدُها، حَيثُ أَمِنَ مَكرَهُم (١)، والتَزَمُوا (٢) لَنَا (٣) بأربَعَةِ أحكامٍ: أحَدُهَا: أن يُعْطُوا الجِزيَةَ (٤) في باب المحرمات في النكاح: ويتوجَّه أخذُ الجزية منهم، ولو لم تَحِلَّ نساؤهم. ح ف وزيادة. (١) قوله: (ويجبُ على الإمامِ عقدُها حيثُ أَمِنَ مكرَهُم) أي: ويجب على الإمام أو نائبه عقدُ الذمة إذا اجتمعت شروطُها، حيثُ إنه يأمنُ مكرَهم، أي: غدرَهم، إن مُكِّنوا من مُقام بدار إسلام؛ لحديث: «لا ضرر ولا ضرار» [¬١]. لأنه إنْ خافَ غائلتهم من تمكينهم الضررَ علينا، فلا يجوز عقدُها. ولا يُعتبرُ ذكرُ قَدرِ الجزية في عقدِها، كقوله: عاهدتكم على أن تُقيموا بدارنا بجزية، والتزام أحكامنا. صوالحي وزيادة [¬٢]. (٢) قوله: (والتَزموا) أي: أهلُ عقدِ الذِّمة. (٣) قوله: (لَنا) أي: معشرَ الإسلام. (٤) قوله: (بأربَعةِ أحكامٍ) أي: لا يجب على الإمام أو نائبه عقدُ الذمة إلا بشرطين: الأمنُ من مكرِهم، ووجودُ أربعة شروط: (أحدها: أن يُعطُوا

стр. 827

عن يَدٍ وهُم صَاغِرُون (١). الثَّانِي: أن لا يَذكُرُوا دينَ الإسلامِ إلَّا بالخَيرِ (٢). الثَّالِثُ: أن لا يَفعَلُوا ما فِيهِ ضَرَرٌ على المُسلِمِينَ (٣). الرَّابِعُ: أن تَجرِيَ علَيهِم أحكَامُ الإسلامِ (٤)، الجِزيةَ) قال النووي: مشتقة من الجَزاء، كأنها جزاءُ إسكانِنا إيَّاهم في دارِنا، وعصمتِنا دمَهم ومالَهم وعيالَهم. وقيل: مشتقة من جَزىَ يجزي، إذا قَضَى. قال تعالى: ﴿واتقوا يومًا لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ [البَقَرَة: ٤٨]. أي: لا تقضَي. ح ف. (١) قوله: (عن يدٍ وهم صاغِرون) أي: على وجه الصَّغار، بفتح الصاد المهملة، أي: الذلة والامتهان، ويُمتهنون عندَ أخذها وجوبًا في كلِّ عام؛ بدلًا عن قتلهم، ولأجل إقامتِهم بدارِنا؛ لقوله تعالى: ﴿وهم صاغرون﴾ [التّوبَة: ٢٩]. ويُطالُ قيامُهم، وتُجرُّ أيديهم وجوبًا؛ للآية، ولا يُقبلُ إرسالهم، ويُوقَفوا إلى أن يألَموا ويتعَبوا، وتُؤخذُ منهم وهم قِيام، والآخذ جالِس. قال في «المبدع»: وظاهره: أن هذه الصِّفة مستحقَّة. ش ع [¬١]. (٢) قوله: (الثَّانِي: أن لا يذكُروا دينَ الإسلامِ إلا بالخَير) ولا يذكروه بسوء. (٣) قوله: (الثالِثُ: أن لا يفعلُوا ما فيه ضررٌ على المسلمين) من غش وتدليس، ونحو ذلك. (٤) قوله: (الرابع: أن تَجرِي عليهم أَحكامُ الإسلام) هذا شروع في أحكام أهل الذمة.

стр. 828

في نَفسٍ (١)، ومَالٍ (٢)، وعِرضٍ (٣)، وإقامَةِ حَدٍّ (٤) فِيمَا يُحَرِّمُونَهُ (٥)، كالزِّنَى (٦)، لا فِيمَا يُحِلُّونَهُ، كالخَمرِ (٧). (١) قوله: (في نفسٍ) أي: في ضمان نفس. فمَنْ قَتلَ، أو قَطَع طرفًا، أُخِذَ بموجب ذلك. (٢) قوله: (ومالٍ) أي: وفي ضمان مال أتلفَه لغيره. (٣) قوله: (وعِرضٍ) العرضُ: موضعُ الذمِّ والمدح من الإنسان، وهي أحوالُه التي يرتفِعُ بها ويسقُط. والمعنى: وتجرِي عليهم أحكامُ الإسلام في تعرُّض لعرِضٍ؛ بقذف، أو سبٍّ ونحوه، فيُقام عليهم ما يُقام على المُسلم في ذلك. ح ف وإيضاح. (٤) قوله: (وإقامةِ حَدٍّ) أي: وفي إقامةِ حدٍّ عليهم. (٥) قوله: (فيما يُحرِّمونَه) أي: يعتقدونَ تحريَمه في مِلَّتهم. فهو جار ومجرور متعلِّق بقوله: «تجري عليهم أحكامُ الإسلام» فيما يُحرمِّونه. (٦) قوله: (كالزِّنى) والسَّرقة. (٧) قوله: (لا فيما يُحلُّونَه كالخَمر) مُستثنى من قوله: «فيما يحرِّمونه» أي: لا يُقام عليهم الحدُّ فيما يُحلُّونه، كشرب الخمر، ونكاح مَحْرَمٍ، وأكلِ لَحمِ خنزيرٍ؛ لأنهم يعتقدون حِلَّه. قال الشيخ تقي الدين: واليهوديُّ إذا تزوَّج بنتَ أخيه، أو بنتَ أُخته، كان ولدُه منها يلحقُه ويرِثُه باتفاق المسلمين؛ لأنه وطءُ شُبهة؛ لاعتقادِهم حِلَّه. ش ع [¬١] وإيضاح.

стр. 829

ولا تُؤخَذُ الجِزيَةُ: مِنْ امرَأَةٍ (١)، وخُنثَى (٢)، وصَبِيٍّ (٣)، ومَجنُونٍ، وقِنٍّ، وزَمِنٍ، وأَعمَى، وشَيخٍ فانٍ، ورَاهِبٍ بِصَومَعَةٍ (٤). (١) قوله: (ولا تُؤخَذُ الجِزيةُ من امرأةٍ)؛ لأنها لا تُقاتِل، وهي بدلُ القَتلِ. (٢) قوله: (وخُنثَى) أي: مُشكِلٍ؛ لأن الأصل براءتُه منها، فإن بان رجلًا، أُخذ للمستقبل، مِنْ اتِّضاح ذُكوريته فقط دونَ الماضي، فلا يؤخذُ منه؛ لعدم أهليَّته إذ ذاك. ولا جزيةَ على فقير غيرِ مُعتَمِلٍ يَعجِزُ عنها؛ لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ [البَقَرَة: ٢٨٦]، ولأن عمر ﵁ جعل الجزية ثلاث طبقات؛ جعلَ على المُوسِر ثمانيةً وأربعين درهمًا، وعلى المتوسط نصفها، والأدنى اثني عشر [¬١]. ويجوز عن كلِّ اثني عشر درهما دينار؛ لأنه يعدِلُها قيمةً بحسب الزمن الأول. وجعل أدناها على الفقير المُعتَمِل؛ فدلَّ على أن غيرَ المُعتَمِل لا شيء عليه. ش ع [¬٢]. (٣) قوله: (وَصبيٍّ) أي: ولا تؤخذ من خُنثى وصبيٍّ؛ لأن الجِزيةَ بدلُ القتل، وهما لا يُقتَلان. (٤) قوله: (وراهبٍ بصومَعةٍ) أي: ولا تُؤخذ من راهب بصومعة؛ لأنه لا يُقتل. عُلِمَ منه: أنها تؤخذ من راهبٍ يخالِطُ النَّاس، ويبيعُ ويشتري ويكتسِب. صرَّح به ابن نصر اللَّه في «حواشي الفروع». ولا تؤخذُ من فقيرٍ غيرِ معتَمِلٍ يَعجِزُ عنها. والغنيُّ من عدَّه الناسُ غَنيًا عُرفًا. ومتى بذلوا [¬٣] الجزية، لزم قبولُها. وتجب على مُعتَقٍ، ولو لِمُسلمٍ، وعلى

стр. 830

ومَن أسلَمَ مِنهُم بَعدَ الحَولِ: سَقَطَت عَنهُ الجِزْيَةُ (١). مُبعَّض بحِسابِه. ومن صار أهلًا للجزية؛ بأن عقلَ المجنون، أو بلَغ الصغير، أو عتَق القِنُّ، أو استغنَى الفقيرُ، بأثناء حولٍ، أُخذ منه إذا تمَّ الحول بقسطِه. ومن كان يُجنُّ تارةً ويُفيقُ تارةً، لفِّقت إفاقته، فإذا بلغت إفاقتُه حولًا، أخذت منه الجزية. ولا تسقط إن مات أو جُنّ أو عَمي بعد الحول، وفي أثنائه تسقط. صوالحي [¬١]. (١) قوله: (ومن أسلَمَ منهم بعدَ الحَول سقَطَت عنه الجِزيةُ) أي: ومن أسلم من أهل الذمَّة بعدَ الحول، سقطَت عنه الجِزيةُ؛ لأنها عقوبةٌ سببُها الكفر، فسقطت بالإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفَال: ٣٨]. ولقوله ﷺ : «الإسلامُ يَجُبُّ ما قبلَه» [¬٢]. وعن ابن عباس: «ليس على المسلم جزية» [¬٣]. قال حفيد «المنتهى»: فلو مضى سنون ولم يكن دفعها، فهل تسقط كلها؟ ظاهر التعليل في الحول السقوط في أكثر منه، ولأن في السقوط ترغيبًا في الإسلام، بخلاف عدمه. ولو دفعها بعد الحول ثم أسلم، فهل يرجع بها؟ الظاهر: نعم؛ لأنها لم تجب عليه.

стр. 831

فَصْلٌ ويَحرُم: قَتلُ أهلِ الذِّمَّةِ، وأَخَذُ مالِهِم (١). ويَجِبُ على الإمامِ: حِفْظُهُم (٢)، ومَنعُ مَنْ يُؤذِيهِم (٣). ويُمنَعُونَ: مِنْ رُكُوبِ الخَيلِ (٤)، وحَملِ السِّلاحِ (٥). فصل (١) قوله: (وأخذُ مالِهم) بعد إعطاءِ الجِزية. (٢) قوله: (ويجبُ على الإمامِ حفظُهم) أي: حفظُ أهل الذِّمة من العدوِّ. (٣) قوله: (ومنعُ من يؤذِيهم) من مسلم، وذمي، وحربي؛ بأخذ مالِهم وظُلمِهم؛ لأنه التزمَ بالعهدِ حِفظَهُم؛ ولهذا قال عَليٌّ: إنِّما بذلُوا الجزية؛ لتكونَ دماؤُهم كدمائِنا، وأموالُهم كأموالنا. ما لم يكونوا بدارِ حرب. م ص [¬١]. (٤) قوله: (ويُمنَعونَ من رُكوبِ الخَيلِ) أي: يُمنعُ أهلُ الذِّمة من ركوبِ الخَيل؛ لأن الخيولَ مُعدَّةٌ للغَزوِ، والمقصُودُ إذلالُهم. وإطلاقُ الخيلِ يدخلُ فيه البغالُ، وصرَّح به القاضي في «الأحكام السلطانية». قال م ص: قلتُ: ولعلَّ المرادَ إذا لم تُرَد للغزوِ؛ لأنها إذن كالخيل. ش ع [¬٢]. (٥) قوله: (وحَملِ السِّلاحِ) أي: ويُمنعونَ من حَملِ السِّلاح، ومِنْ رَمي النَّبلِ،

стр. 832

ومِنْ إحدَاثِ الكَنَائِسِ (١). ومِنْ بِنَاءِ ما انهَدَمَ مِنها (٢). ومِنْ إظهَارِ المُنْكَرِ (٣)، واللَّعِبِ بالرُّمح والدبُّوس؛ لأن في ذلك معونةً لهم علينا. صوالحي [¬١]. (١) قوله: (ومن إحداث [¬٢] الكنَائِس) والبِيعِ في دارِ الإسلام، ومِنْ بِناءِ صَومَعةٍ لراهبٍ، ومن مَجمَعٍ لصلاة. قال في ش ع [¬٣]: واحدُها كنيسةٌ، وهي مَعبدُ النَّصارى. والبِيَعُ: جمعُ بِيَعَةٍ، قال الجوهري: هي للنَّصارى. فهما حينئذ مترادِفان. وقيل: الكنائِسُ لليهودِ، والبِيَعُ للنَّصارى، فهما متبايِنان، وهو الأصل. «مطلع» [¬٤]. (٢) قوله: (ومن بِناءِ ما انهدَم مِنها) أي: ويمنعونَ من ترميمِ بناءِ ما انهدَم من الكنائِس ونحوها، ولو كان ما انهدَم ظُلمًا كلَّها؛ لأنه بعدَ الهدَم كأنه لم يكن. كما يُمنعَون من زيادتِها، ولا يُمنعون من رمِّ شَعَثِها، أي: ترميمِ ما لم ينهدِم منها؛ لأنهم يُقرَّون على بقائها، فلو منعناهم من ترميمِها؛ لأفَضىَ ذلك إلى خَرابِها بالكُليِّة؛ لأنَّ البناءَ لا مقام له على الدَّوام بدونِ مَرمَّة، والإقرارُ على خَرابِها ينافي الإقرارَ على بقائِها. ح ف. (٣) قوله: (ومِن إظهارِ المُنكَرِ) أي: ويُمنعون من إظهار المُنكر، كنكاحِ محارِمٍ.

стр. 833

والعِيدِ، والصَّلِيبِ (١)، وضَربِ النَّاقُوسِ (٢). ومِنَ الجَهرِ بِكِتَابِهِم (٣). ومِنَ الأَكلِ والشُّربِ نَهَارَ رَمَضَانَ (٤). ومِنْ شُربِ الخَمرِ، وأَكلِ الخِنزِيرِ (٥). ويُمنَعُونَ: مِنْ قِرَاءَةِ القُرآنِ. وشِرَاءِ المُصحَفِ، وكُتُبِ الفِقِهِ والحَدِيث. ومِن تَعْلِيَةِ البِنَاءِ على المُسلِمِينَ (٦). (١) قوله: (والعيدِ، والصَّليبِ) أي: ويمنعون من إظهارِ العيد، وإظهارِ الصَّليب؛ لأن ذلك في شروطِهم. (٢) قوله: (وضَربِ النَّاقُوس) أي: ويُمنعون من إظهارِ ضَربِ النَّاقوس. (٣) قوله: (ومن الجَهرِ بكتابِهم) أي: ويُمنعُونَ من الجهرِ بقراءةِ كِتابِهم. (٤) قوله: (ومن الأكلِ والشُّرب نَهارَ رمضانَ) أي: ويُمنعون من إظهار الأكل والشرب نهار رمضان، ومن دخول مسجد، ولو بإذن مُسلِمٍ. (٥) قوله: (ومِنْ شُربِ الخَمرِ وأَكلِ الخِنزيرِ) أي: ويمنعون من إظهار شُرب الخمر، وأكل لحم الخنزير؛ لما فيه من الأذيَّةِ لنا، وإن فعلَوا، أُتلِفَ الخمرُ والخنزير. ومن باع خمرًا للمسلمين، لم يملِك ثمنَه؛ لحديث: «إن اللَّه إذا حرَّم شيئًا، حرَّم ثمنَه» [¬١]. وإن صُولِحوا على أنَّ البلادَ لهم، وعليهم الجِزيةُ، أو الخراجُ، لم يُمنعُوا شيئًا من ذلك. (٦) قوله: (ومن تعليةِ البِناءِ) أي: ويمنعون من تَعلية البِناءِ [¬٢] فقط، فلا يُمنعون التَّسويةَ، ولو مُشتَركًا بينَ مُسلمٍ وذِمِّي، ويجبُ نقضُ ما زاد على المُساواةِ.

стр. 834

ويَلزَمُهُم: التَّميِيزُ عَنَّا (١) بلُبْسِهِم (٢). ويُكرَهُ لَنَا: التَّشَبُّهُ بِهِمْ (٣). وأفتَى شيخ شيوخِنا، الشيخُ عبد الرحمن البهوتي بمنعِ سُكنى الذِّمي فوقَ المُسلم، وأنَّه أولى من تعليةِ البِناءِ عليه. كذا وُجِدَ بخطه. الوالد. (١) قوله: (ويلزمهم التمييز [¬١] عنَّا) معشرَ الإسلام، فيشترطه الإمامُ عليهم؛ لاشتراطِ أهل الجزيرة على أنفسِهم ذلك. والمرادُ بالجزيرة: جزيرةُ العَرب. قال الإمام أحمد: جزيرة [¬٢] العرب: المدينة. فيكونُ التمييزُ في شُعورِهم بحَلقِ مقَادِم رؤوسِهم؛ بأن يَجُزُّوا نواصيَهم مِقدَارَ الرُّبع من الرأسِ، ولا يجعَلونَه كعادةِ الأشراف، وأن لا يَفرقُوا شعورَهم، بل تكون جُمَّةً؛ لأن التَّفريقَ من سُنَّة المُسلمين. ويُمنعَون من التكنِّي بكُنى المسلمين كأبي القاسم، وبألقابِهم كعِزِّ الدِّين ونحوه. ولا يُمنعون من الكُنى بالكُلِّيَّة. ويلزمُهم التَمييزُ عنَّا في الرُّكوب؛ بأن يركبوا عَرْضًا على البَرذَعَةِ. صوالحي [¬٣]. (٢) قوله: (بلُبسِهِم) أي: ويلزمُهم التمييزُ عنَّا بلبسهم، كثوبٍ عَسَلِّي ليهودٍ، ولباسِ ثوبٍ أَدْكَنَ وهو الفاخِتيُّ، لونُه يَضرِبُ إلى السَّواد لنصارى، وذلك في ثوبٍ واحد، لا في جميع الثِّياب؛ لحصولِ المقصُودِ بواحد منها. والمرأةُ بالخفَّين مختلِفَي اللَّون، كأبيض وأحمر، ونحوهما، إن خَرجَت بخفٍّ. م ص [¬٤]. (٣) قوله: (ويُكرَهُ لنا التَشبُّه بِهم) في اللُّبس ونحوه؛ لأنه منهيٌّ عنه إجماعًا.

стр. 835

ويَحرُمُ: القِيَامُ لَهُمْ. وتَصدِيرُهُم في المَجَالِسِ (١). وبُدَاءَتُهُم بالسَّلامِ (٢)، وب: كَيفَ أصبَحتَ، أو: أَمسَيَتَ، و: كَيفَ أنْتَ، أو حالُكَ (٣). وتجِبُ عقوبةُ فاعِله. صوالحي [¬١]. (١) قوله: (ويحرُمُ القِيامُ لهم) أي: لأهلِ الذِّمة؛ لأنه تعظيمٌ لهم، فهو كَبُداءَتِهم بالسَّلام. (و) يحرمُ (تصديرُهم في المجَالس) لِمَا تقدَّم. وقال الشيخ تقي الدين: يجوز أن يقول له: أهلًا وسهلًا، وكيفَ أصبحت؟. ونحوه. ويجوزُ قولُه له: أكرمَك اللَّه، وهدَاك اللَّه. يعني للإسلام. ويجوزُ: أطالَ اللَّه بقاءك، وأكثرَ مالَك وولدَك، قاصِدًا بذلك الجِزيةَ. «إقناع» [¬٢] لكن كرِه الإمامُ أحمد الدعاءَ لكلِّ أحدٍ بالبقاءِ ونحوه؛ لأنه شيءٌ فُرِغَ منه. انتهى الوالد. (٢) قوله: (وبُدَاءَتُهم بالسَّلام) أي: ويحرم بداءتُهم بالسَّلام؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا تَبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدَهم في الطرق، فاضطروهم إلى أضيقِها». رواه الترمذي [¬٣]. فإن كان معهم مسلمٌ نَوى بسَلامِه المُسلمَ. (٣) قوله: (وبكيفَ أصبحتَ؟ أو: أمسيتَ؟ وكيفَ أنتَ؟ أو:) كيفَ (حالُك؟)

стр. 836

وتَحرُمُ: تَهنِئَتُهُم. وتَعزِيَتُهُم. وعِيَادَتُهُم (١). ومَنْ سَلَّم علَى ذِمِّيٍّ، ثُمَّ عَلِمَهُ: سُنَّ قَولُه: رُدَّ علَيَّ سَلامِي (٢). [أي: ويحرم بُداءتهم بكيف أصبحت، أو بكيف أمسيت، أو بكيف أنت، أو بكيف حالك] [¬١] نص عليه الإمام. قال في رواية أبي داود: هذا عندي أكبرُ من السَّلام. وإن أراد المُسلِمُ أن يكتب للكافر كتابًا، كتبَ فيه: سلامٌ على من اتَّبع الهُدَى. صوالحي [¬٢]. (١) قوله: (وتحرمُ تهنئتُهم، وتعزيِتُهم) وعيادةُ مرضاهُم، وشهادةُ أعيادِهم؛ والنَّهيُ عن ذلك لأنَّه في معنَى النَّهيِ عن السَّلام في حديثِ أبي هريرة المتقدِّم. صوالحي [¬٣]. (٢) قوله: (ومن سَلَّم على ذِمِّي، ثمَّ عَلِمَه، سُنَّ قولُه: رُدّ عليَّ سلامي) أي: ومن سلَّم على ذميٍّ يظنه مسلمًا ثم علمه ذميًّا، سُنَّ للمُسلِم قوله للذمي: رُدَّ علي سلامي؛ لما روي عن ابن عمر: أنه مرَّ على رجُلٍ، فسلَّم عليه، فقيل: إنه كافِر. فقالَ: رُدَّ عليَّ ما سلَّمتُ عليك. فردَّ عليه. فقال: أكثرَ اللَّهُ مالَك وولدَك. ثم التفتَ إلى أصحابه، فقال: أكثرُ للجزية [¬٤]. صوالحي [¬٥].

стр. 837

وإن سَلَّم الذِّميُّ: لَزِمَ رَدُّهُ، فَيُقَالُ: وعَلَيكُمْ (١). وإنْ شَمَّتَ كافِرٌ مُسلِمًا: أجَابَه (٢). وتُكرَهُ: مُصَافَحَتُهُ (٣). (١) قوله: (وإنْ سلَّم الذمِّي لزِمَ ردُّه، فيقالُ: وعليكُم) أي: وإن سلَّم الذمي على المسلم، لزم المسلمَ ردُّه، فيُقال في ردِّه: وعليكُم. أو: عليكُم. بلا واو، وبالواو أولَى؛ لحديث الإمام أحمد، عن أنس قال: نُهينا، أو أُمِرنا أن لا نزيدَ أهلَ الذِّمة على: وعليكم [¬١]. م ص [¬٢]. (٢) قوله: (وإن شمَّتَ كافِرٌ مُسلِمًا أجابَه) المسلمُ العاطِسُ بقوله: يهديك اللَّه. وكذا إن عطَسَ الذِّمُّي؛ لحديث أبي موسى: أنَّ اليهودَ كانوا يتعاطَسُون عندَ النبي ﷺ رجاء أن يقولَ لهم: يرحمُكُم اللَّه. فكان يقول: «يهديكُم اللَّه ويُصلِحُ بالَكم». رواه أحمد [¬٣]. قال حفيدُ «المنتهى»: وهل التشميتُ الواقعُ من الكافِر واجبٌ كتشميتِ المُسلِم، أو جائزٌ فقط؛ لأن القِياسَ أن لا يشمِّته؟ الظاهرُ: الجواز. انتهى. (٣) قوله: (وتُكَرهُ مصافحتُه) أي: مصافحةُ الذمي، نصًّا. ويُكره التعرُّضُ لِمَا يوجِبُ المودَّةَ بينَهما؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله﴾ [المجَادلة: ٢٢] الآية. صوالحي [¬٤].

стр. 838

فَصْلٌ ومَن أبَى مِنْ أهلِ الذِّمَّةِ بَذْلَ الجِزيَةِ، أو: أبَى الصَّغَارَ، أو: أبَى التِزَامَ حُكْمِنَا (١)، أو: زَنَى بمُسلِمَةٍ (٢)، أو: أصابَها بنِكَاحٍ (٣)، فَصْلٌ في نقضِ العَهدِ وما يتعلَّقُ بذلك، وهو محترزُ البابِ الذي قبلَه. (١) قوله: (ومن أبَى مِنْ أهلِ الذِّمَّةِ بذلَ الجِزْيَةِ، أو أبَى الصَّغارَ، أو أبَى التزامَ حُكمِنَا) سواء شُرط عليهم ذلك أم لا، ولو لم يَحكُم عليهم بها حاكِمُنا؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التّوبَة: ٢٩] قيل: الصَّغار: التِزامُ أحكامِنا. أو قاتَلَنا منفردًا، أو معَ أهل الحَربِ، أو لحِقَ بدار حرب مُقيمًا، لا لتجارةٍ ونحوها. (٢) قوله: (أو زنَى بمُسلِمَةٍ) لما روي عن أمير المؤمنين عُمر: أنه رُفع إليه رجلٌ أرادَ استكراهَ امرأةٍ مسلمة على الزِّنى، فقال: ما على هذا صالحناكُم. فأمر به، فصُلِب في بيت المقدِس [¬١]. قال الشيخ تقي الدين: ولا يُعتبر فيه أداءُ الشَّهادة على الوجهِ المُعتبرِ في المُسلم، بل يكفي استفاضَةُ ذلك واشتهارُه، من حيثُ نقضُ العهد. ش ع [¬٢]. (٣) قوله: (أو أصابَها بنكَاحٍ) أي: أصابَ المسلمةَ باسم نكاح. قال شيخنا في

стр. 839

أو: قَطَعَ الطَّريقَ (١)، أو: ذَكَرَ اللَّهَ تعالى (٢)، أو رَسُولَهُ (٣) بِسُوءٍ (٤)، أو: تَعَدَّى على مُسلِمٍ بِقَتْلٍ، أو فِتنَةٍ عن دِينِهِ (٥): انْتَقَضَ عَهْدُهُ (٦). ويُخيَّرُ الإمامُ فيهِ (٧)، كالأَسِيرِ (٨). «شرح الإقناع»: وقياسُ الزِّنى اللِّواطُ بالمُسلم، على ما ذكره الشيخ السِّراجُ البُلقيني الشافعي. صوالحي [¬١]. (١) قوله: (أو قَطَع الطَّريقَ) أي: أو تعدَّى بقَطعِ الطَّريق، أو تجَسَّس للكفار، أو آوى جاسوسًا. (٢) قوله: (أو ذكرَ اللَّهَ تعالى) أو ذكرَ كتابهَ. (٣) قوله: (أو رسولَه) أي: أو ذكر رسولَه ﷺ أو ذكرَ دينَ الإسلام. (٤) قوله: (بسوء) متعلِّق ب «ذكرَ اللَّه» قيل لابن عمر: إن راهبًا شتمَ رسولَ اللَّه ﷺ . فقال: لو سمِعتُه قتلتُه، إنَّا لم نُعطِ الأمانَ على هذا. ولأن في ذلِك ضَررًا على المسلمين، أشبَه الامتناعَ من الصَّغار. ومن سَمِعَ المؤذِّنَ يؤذِّن، فقال له: كذَبتَ. قال الإمام أحمد: يُقتَل. صوالحي [¬٢]. (٥) قوله: (أو تعدَّى على مسلمٍ، بقَتلٍ، أو فِتنَةٍ عن دينِه) أي: أو تعدَّى الذِّمي على المُسلم بقتل، أو فتنةٍ عن دينه؛ لأنه ضررٌ يعمُّ المسلمين، أشبهَ ما لو قاتلَهم. (٦) قوله: (انتقضَ عهدُه) أي: عهدُ من حصَلَ منه ما ذُكِرَ، فهو جوابٌ عن قوله: «ومَنْ أبَى من أهل الذمة … إلخ» (٧) قوله: (ويخيَّر الإمامُ فيه) أي: في المنتَقِضِ عهدُه، ولو قال: تُبتُ. (٨) قوله: (كالأسير) أي: كما يخيَّر في الأسير الحربي، بين قَتلٍ، أو رِقٍّ، أو

стр. 840

ومالُه: فَيءٌ (١). ولا ينَتَقِضُ: عَهدُ نِسَائِهِ، وأولادِهِ (٢). فإنْ أسلَمَ: حَرُمَ قَتلُهُ، ولو كانَ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ (٣). مَنٍّ، أو فِداءٍ، كما تقدَّم؛ لأنه لا أمان له. صوالحي [¬١]. (١) قوله: (ومالُه فيءٌ) أي: في الأصحِّ. قاله في «الإنصاف» و «شرح المنتهى»؛ لأن المالَ لا حُرمة له في نفسِه، بل هو تابِعٌ لمالِكه حقيقةً. وقد انتقضَ عهدُ المالِك في نفسِه، فكذا في مالِه. وقال أبو بكر: مالُه لورثتِه. ومشَى عليه صاحبُ «المنتهى» في باب الأمان. م ص [¬٢]. (٢) قوله: (ولا ينتَقِضُ عهدُ نسائِه وأولادِه) بنقضِ عهدِه؛ لوجودِ النَّقضِ منه دونَهم. وأمَّا من حملَت به أمُّه، وولِدَ بعدَ النَّقض، فإنه يُسترقُّ ويُسبَى. صوالحي [¬٣]. (٣) قوله: (فإن أسلَم، حَرُم قتلُه ولو كان [¬٤] سبَّ النبيَّ ﷺ أي: فإن أسلم منتقضُ العهدِ، حرم قتلُه، ولو كان انتقَضَ عهدُه بسبِّ النبيِّ ﷺ ؛ لأنه ذَكَر في «المنتهى» في باب حكم المرتدِّ: أن مِنْ أسبابِ الارتِدادِ: سبَّ اللَّه تعالى، وسبَّ رسولِه، أو مَلَكٍ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفَال: ٣٨]، وقوله ﷺ : «الإسلام يَجُبُّ ما قبله» [¬٥]. وأما قاذِفُه ﵊، فيُقتلُ بكلِّ حال. الوالد. تتمة: السَبُّ، بفتح السين: الشتم. وقد سبَّه يسبُّه سبًّا، إذا شتمه. وفرقٌ بينَ السب والقذف، كما يُفهم من باب القذف، فارجع إليه إن شئت.

стр. 841

كِتَابُ البَيعِ ويَنعَقِدُ، لا هَزْلًا (١): كِتَابُ البَيعِ قدَّمه على الأنكِحة وما بعدَها؛ لشدَّة الحاجة إليه؛ لأنَّه لا غِنى للإنسان عن مأكول ومشروب ولباس، فإن المُكلَّفَ لا يخلو غالبًا من بيعٍ وشِراء، فيجبُ معرفةُ الحكم فيه قبلَ التلبُّسِ به. وهو جائز بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ [البَقَرَة: ٢٧٥]، ولحديث: «البيِّعان بالخِيار ما لم يتفرَّقا». متفق عليه [¬١]. والحِكمةُ تقتضِيه؛ لتعلُّق حاجةِ الإنسانِ بما في يدِ صاحبِه، ولا يبذلُه بغيرِ عِوضٍ غالبًا، ففي تجويز البيعِ وصُولٌ لغرضِه، ودفعِ حاجتِه. وهو في اللغة: أخذُ شيء وإعطاءُ شيء. قاله ابن هبيرة. مأخوذٌ من البَاع؛ لأن كلَّ واحدٍ من المُتبايِعَين يَمُدُّ باعَه للأخذِ والإعطاء. وشرعًا: مبادلَةُ عينٍ ماليَّة، أو منفعةٍ مُباحَةٍ بمثلِ أحدِهما، أو بمالٍ في الذِّمة؛ للمِلكِ على التأبيد، غير ربًا وقرض، بقولٍ أو مُعاطَاةٍ. وأركانُه ثلاثة: عاقدٌ، ومعقودٌ عليه، والصِّيغَةُ المعقودُ بها. صوالحي [¬٢]. (١) قوله: (وينعَقِدُ) البيع حقيقةً. (لا هَزلًا) أي: لا ينعقِدُ البيعُ إن وقَعَ هزلًا بلا قصدٍ لحقيقتِه، ولا تلجئةً، وأمانةً، وهما: إظهارُ البيعِ صورةً للاحتياج إليه؛

стр. 842

بالقَولِ الدَّالِّ علَى البَيعِ والشِّرَاءِ (١). وبالمُعَاطَاةِ (٢)، ك: أَعطِني بِهذَا خُبْزًا. فيُعُطِيِهِ ما يُرْضِيهِ (٣). لدفع ظالم، ولا يراد به باطنًا، فلا يصح ذلك، ولو لم يذكراه في العقدِ؛ لدلالة الحال عليه، والعقدُ باطل. ويُقبلُ قولُ بائعٍ في ذلك مع يمينِه بقرينَةٍ دالَّةٍ، وإن لم تكن قرينةٌ، فلا يُقبلُ قولُه إلا ببينة. انتهى. صوالحي [¬١]. (١) قوله: (بالقَولِ). متعلِّق ب: «ينعقد» أي: بإيجابٍ، وهو اللَّفظُ الصادِرُ من البائع. (الدَّالِّ علَى البيعِ والشِّراء) ك: بعتُك، أو: ملَّكتُك بكذا. وقبولٍ: وهو اللفظ الصادِرُ من المشتري، كقوله: ابتعتُ، أو: قَبِلتُ ونحوه. ولا يضُرُّ تراخيه أي: القبول عن الإيجابِ ما دَامَا بالمجلِس، ما لم يتشاغلا بما يقطعُه عُرفًا، فإن تشاغَلا كذلك، أو انفضَّ المجلِسُ قبلَ القبول، بطلَ الإيجابُ؛ للإعراض عن البيع، أشبهَ ما لو صرَّح بالردِّ. عثمان [¬٢] وإيضاح. (٢) قوله: (وبالمُعاطَاةِ) أي: وينعقِدُ البيعُ بالمعاطاة، فيصحُّ في القليل والكثير. نصَّ عليه؛ لعموم الأدلة؛ ولأن اللَّه تعالى أحلَّ البيع، ولم يبيِّن كيفيَّته، فوجبَ الرجوعُ فيه إلى العُرف، ولم يُنقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه استعمالُ إيجابٍ وقبولٍ في بيعٍ، ولم يزل المسلمون في أسواقِهم وبياعاتِهم على ذلك. م ص [¬٣]. (٣) قوله: (كأَعطِني بهذَا خُبزًا، فيُعطِيهِ ما يُرضِيه). وكيفيةُ بيع المُعاطاة، كقولك: أَعطِني بهذا اسم إشارة، راجع للثمن خُبزًا. فيُعطيه ما يُرضِيه. أو

стр. 843

وشُرُوطُهُ سَبْعَةٌ (١): أحَدُهَا: الرِّضَا. فَلا يَصِحُّ: بَيعُ المُكرَهِ بِغَيرِ حَقٍّ (٢). يقولُ البائعُ: خُذ هذا بكَذا. فيأخذه، وكذا كلُّ ما دلَّ على المُعاطاة، وكذا ما وَضَعَ ثَمنَه، وأخذَه عادةً، كحُزَمِ البقْلِ. قال في «المبدع» و «شرح المنتهى» لمصنفه: وظاهِرُه: ولو لم يكُن المالِكُ حاضرًا. وعُلِمَ من قولِه: «عادة» أن ما لا ينضَبِطُ ثمنُه عادةً، كالأقمشة ونحوِها، لا ينعقِدُ البيعُ فيه بذلك. ويُعتبرُ في صحَّة المُعاطاة: معاقَبةُ القَبضِ، وكذا هِبةٌ، وهَديةٌ، وصَدقةٌ. وتَجهيزُ بنتٍ أو غيرِها بجَهازٍ إلى بيتِ زوجِها تَمليكٌ لها، وبه قال شيخ الإسلام الشيخ تقي الدين ابن تيمية. ولا بأس بذوقِ المَبيعِ عندَ الشِّراء نصًّا. ونقلَ حربٌ عن الإمام: مع الإذن. صوالحي [¬١]. (١) قوله: (وشروطُه) أي: شروطُ البيع. (سبعةُ) أشياء: (٢) قوله: (أحدُها: الرِّضَا) بالبيع والشراء من المتعاقدين (فلا يصِحُّ بيعُ المُكرَه) سواء كان الإكراهُ منهما، أو مِنْ أحدِهما، إذا كان هذا الإكرَاهُ (بغيرِ حَقٍّ) وأما ما كان بحقٍّ، كحاكِمٍ أَكرَه على بيع مالٍ لوفاءِ دَينٍ، فصحيحٌ. ومن أُكره على وزنِ مال، فباع مِلكَه بسببه، صحَّ؛ لأنه غيرُ مكره عليه، وكُره الشراءُ منه. ومن قال لآخر: اشتَرني من فُلان فإنِّي عبدُه، أو قال شَخصٌ: اشتر من فُلانٍ

стр. 844

الثَّانِي: الرُّشدُ. فَلا يَصِحُّ: بَيعُ المُمَيِّزِ، والسَّفِيهِ، ما لَم يَأذَن وَلِيُّهُمَا (١). الثَّالِثُ: كَونُ المَبيعِ مَالًا. فلا يَصِحُّ: بَيعُ الخَمْرِ (٢)، عبدَه هذا حضَر البائعُ أو غَاب فاشترى، فبانَ حرًا، فلا عُهدَة على القائِل فيهما؛ لوجودِ الإقرارِ دونَ الضَّمان، ويؤدَّب القائلُ والبائِعُ، ويَردُّ ما أخذَ. صوالحي [¬١]. (١) قوله: (الثَّانِي: الرُّشدُ) يعني أن يكونَ البائعُ جائزَ التَّصرفِ، وهو الحُرُّ البالِغُ العاقِلُ الرشيد. (فلا يصِحُّ بيعُ) ولا شراءُ (المُميِّز والسَّفيهِ، ما لَم يأذَن وليُّهما) ولو في الكثير [¬٢]؛ لقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى﴾ [النِّساء: ٦] أي: اختبِروهم. ويحرُم الإذنُ بلا مَصلحة. ولا يصِحُّ من مميِّز وسفيهٍ قبولُ هِبةٍ ووصيةٍ ونحوِهما بلا إذن. واختار الموفق والشارح وغيرهما: صحته بلا إذن، كعبد. ويقبل من مميز هدية أرسل بها. ويصحُّ تصرُّفُ صَغير، ولو دونَ تَمييز، ورَقيقٍ، وسَفيهٍ، في يَسيرٍ بغيرِ إذنِ وليٍّ وسيِّد. صوالحي [¬٣]. (٢) قوله: (الثالِثُ: كونُ المَبيعِ مالًا) أي كون المبيع المعقودِ عليه، أو على منفعتِه، ثمنًا كان أو مُثمنًا، مالًا، وهو ما يُباحُ نفعُه مطلقًا، وما يباح اقتناؤه بلا حاجة، بخلاف ما لا نفعَ فيه، كالحشرات، وما فيه نفع محرَّم، كالخَمر لدفعِ لُقمَةٍ غَصَّ بها مع عدم غيرِه، وما لا يُباح إلا عندَ الاضطرار،

стр. 845

والكَلبِ، والمَيتَةِ (١). كالميتة، وما لا يباحُ اقتناؤه إلا لحاجة، كالكلب. ويصح بيعُ البَغل والحمار؛ لانتفاع الناس بهما، وتبايعهما كلَّ عصر من غير نكير. وكذا نَحْلٌ منفَرِدٌ عن كوَّاراتِه، ومعَها فيها إذا شُوهِد داخلًا إليها. ويصح بيعُ قِردٍ لحفظٍ، وعَلَقٍ لمصِّ دم، ولبنِ آدمية انفصَلَ منها، ويكره بيعُه، نصًّا. ويصح بيعُ قِنٍّ مُرتَدٍّ، ومريضٍ، وجانٍ، وقاتلٍ في محاربةٍ، وبيعُ سَمكٍ وجرادٍ ميتةٍ ونحوهِما. ولا يصح بيعُ روثٍ نَجِسٍ، ودُهنٍ نجس أو متنجس. ويجوز وقدُه في غير مسجد، ويجوزُ أن يُطلَى بها المراكِبُ ونحوه. صوالحي [¬١]. (١) قوله: (والَكلبِ، والمَيتَةِ) أي: ولا يصِحُّ بيعُ الكَلب، ولو كان مُباحَ الاقِتنَاءِ، ككَلبِ الصَّيد؛ للنَّهي عن ثَمنِ الكَلب. ويحرمُ اقتناءُ الكَلبِ، إلا كَلبًا لحراسةِ ماشيةٍ، أو صَيدٍ، أو حَرثٍ، غير أسودٍ بهيمٍ، أو عَقُورٍ. ولا يصحُّ بيعُ تِرياقٍ فيه لُحومُ حيَّات، أو خَمرٌ، وكذا معاجينُ فيها مُحرَّم، وكذا سُمومٌ قاتلة كالأفاعِي. وأما غَيرُه مما يُمكِن التَّداوي بيَسيرِه، فيجوزُ بيعُه؛ لنفعِه المباح. وإن اجتمَع من دُخان النَّجاسة، أو المتنجِّس شيءٌ، فهو نَجِسٌ. فإن عَلَقَ بشيء طاهر، عُفي عن يَسيره. صوالحي [¬٢].
следующие страницы →