← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30066

فتح وهاب المآرب على دليل الطالب - ت الجماز

ابن عوض

Полный текст (2 241 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

كِتَابُ البَيعِ ويَنعَقِدُ، لا هَزْلًا (١): كِتَابُ البَيعِ قدَّمه على الأنكِحة وما بعدَها؛ لشدَّة الحاجة إليه؛ لأنَّه لا غِنى للإنسان عن مأكول ومشروب ولباس، فإن المُكلَّفَ لا يخلو غالبًا من بيعٍ وشِراء، فيجبُ معرفةُ الحكم فيه قبلَ التلبُّسِ به. وهو جائز بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ [البَقَرَة: ٢٧٥]، ولحديث: «البيِّعان بالخِيار ما لم يتفرَّقا». متفق عليه [¬١]. والحِكمةُ تقتضِيه؛ لتعلُّق حاجةِ الإنسانِ بما في يدِ صاحبِه، ولا يبذلُه بغيرِ عِوضٍ غالبًا، ففي تجويز البيعِ وصُولٌ لغرضِه، ودفعِ حاجتِه. وهو في اللغة: أخذُ شيء وإعطاءُ شيء. قاله ابن هبيرة. مأخوذٌ من البَاع؛ لأن كلَّ واحدٍ من المُتبايِعَين يَمُدُّ باعَه للأخذِ والإعطاء. وشرعًا: مبادلَةُ عينٍ ماليَّة، أو منفعةٍ مُباحَةٍ بمثلِ أحدِهما، أو بمالٍ في الذِّمة؛ للمِلكِ على التأبيد، غير ربًا وقرض، بقولٍ أو مُعاطَاةٍ. وأركانُه ثلاثة: عاقدٌ، ومعقودٌ عليه، والصِّيغَةُ المعقودُ بها. صوالحي [¬٢]. (١) قوله: (وينعَقِدُ) البيع حقيقةً. (لا هَزلًا) أي: لا ينعقِدُ البيعُ إن وقَعَ هزلًا بلا قصدٍ لحقيقتِه، ولا تلجئةً، وأمانةً، وهما: إظهارُ البيعِ صورةً للاحتياج إليه؛

стр. 842

بالقَولِ الدَّالِّ علَى البَيعِ والشِّرَاءِ (١). وبالمُعَاطَاةِ (٢)، ك: أَعطِني بِهذَا خُبْزًا. فيُعُطِيِهِ ما يُرْضِيهِ (٣). لدفع ظالم، ولا يراد به باطنًا، فلا يصح ذلك، ولو لم يذكراه في العقدِ؛ لدلالة الحال عليه، والعقدُ باطل. ويُقبلُ قولُ بائعٍ في ذلك مع يمينِه بقرينَةٍ دالَّةٍ، وإن لم تكن قرينةٌ، فلا يُقبلُ قولُه إلا ببينة. انتهى. صوالحي [¬١]. (١) قوله: (بالقَولِ). متعلِّق ب: «ينعقد» أي: بإيجابٍ، وهو اللَّفظُ الصادِرُ من البائع. (الدَّالِّ علَى البيعِ والشِّراء) ك: بعتُك، أو: ملَّكتُك بكذا. وقبولٍ: وهو اللفظ الصادِرُ من المشتري، كقوله: ابتعتُ، أو: قَبِلتُ ونحوه. ولا يضُرُّ تراخيه أي: القبول عن الإيجابِ ما دَامَا بالمجلِس، ما لم يتشاغلا بما يقطعُه عُرفًا، فإن تشاغَلا كذلك، أو انفضَّ المجلِسُ قبلَ القبول، بطلَ الإيجابُ؛ للإعراض عن البيع، أشبهَ ما لو صرَّح بالردِّ. عثمان [¬٢] وإيضاح. (٢) قوله: (وبالمُعاطَاةِ) أي: وينعقِدُ البيعُ بالمعاطاة، فيصحُّ في القليل والكثير. نصَّ عليه؛ لعموم الأدلة؛ ولأن اللَّه تعالى أحلَّ البيع، ولم يبيِّن كيفيَّته، فوجبَ الرجوعُ فيه إلى العُرف، ولم يُنقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه استعمالُ إيجابٍ وقبولٍ في بيعٍ، ولم يزل المسلمون في أسواقِهم وبياعاتِهم على ذلك. م ص [¬٣]. (٣) قوله: (كأَعطِني بهذَا خُبزًا، فيُعطِيهِ ما يُرضِيه). وكيفيةُ بيع المُعاطاة، كقولك: أَعطِني بهذا اسم إشارة، راجع للثمن خُبزًا. فيُعطيه ما يُرضِيه. أو

стр. 843

وشُرُوطُهُ سَبْعَةٌ (١): أحَدُهَا: الرِّضَا. فَلا يَصِحُّ: بَيعُ المُكرَهِ بِغَيرِ حَقٍّ (٢). يقولُ البائعُ: خُذ هذا بكَذا. فيأخذه، وكذا كلُّ ما دلَّ على المُعاطاة، وكذا ما وَضَعَ ثَمنَه، وأخذَه عادةً، كحُزَمِ البقْلِ. قال في «المبدع» و «شرح المنتهى» لمصنفه: وظاهِرُه: ولو لم يكُن المالِكُ حاضرًا. وعُلِمَ من قولِه: «عادة» أن ما لا ينضَبِطُ ثمنُه عادةً، كالأقمشة ونحوِها، لا ينعقِدُ البيعُ فيه بذلك. ويُعتبرُ في صحَّة المُعاطاة: معاقَبةُ القَبضِ، وكذا هِبةٌ، وهَديةٌ، وصَدقةٌ. وتَجهيزُ بنتٍ أو غيرِها بجَهازٍ إلى بيتِ زوجِها تَمليكٌ لها، وبه قال شيخ الإسلام الشيخ تقي الدين ابن تيمية. ولا بأس بذوقِ المَبيعِ عندَ الشِّراء نصًّا. ونقلَ حربٌ عن الإمام: مع الإذن. صوالحي [¬١]. (١) قوله: (وشروطُه) أي: شروطُ البيع. (سبعةُ) أشياء: (٢) قوله: (أحدُها: الرِّضَا) بالبيع والشراء من المتعاقدين (فلا يصِحُّ بيعُ المُكرَه) سواء كان الإكراهُ منهما، أو مِنْ أحدِهما، إذا كان هذا الإكرَاهُ (بغيرِ حَقٍّ) وأما ما كان بحقٍّ، كحاكِمٍ أَكرَه على بيع مالٍ لوفاءِ دَينٍ، فصحيحٌ. ومن أُكره على وزنِ مال، فباع مِلكَه بسببه، صحَّ؛ لأنه غيرُ مكره عليه، وكُره الشراءُ منه. ومن قال لآخر: اشتَرني من فُلان فإنِّي عبدُه، أو قال شَخصٌ: اشتر من فُلانٍ

стр. 844

الثَّانِي: الرُّشدُ. فَلا يَصِحُّ: بَيعُ المُمَيِّزِ، والسَّفِيهِ، ما لَم يَأذَن وَلِيُّهُمَا (١). الثَّالِثُ: كَونُ المَبيعِ مَالًا. فلا يَصِحُّ: بَيعُ الخَمْرِ (٢)، عبدَه هذا حضَر البائعُ أو غَاب فاشترى، فبانَ حرًا، فلا عُهدَة على القائِل فيهما؛ لوجودِ الإقرارِ دونَ الضَّمان، ويؤدَّب القائلُ والبائِعُ، ويَردُّ ما أخذَ. صوالحي [¬١]. (١) قوله: (الثَّانِي: الرُّشدُ) يعني أن يكونَ البائعُ جائزَ التَّصرفِ، وهو الحُرُّ البالِغُ العاقِلُ الرشيد. (فلا يصِحُّ بيعُ) ولا شراءُ (المُميِّز والسَّفيهِ، ما لَم يأذَن وليُّهما) ولو في الكثير [¬٢]؛ لقوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى﴾ [النِّساء: ٦] أي: اختبِروهم. ويحرُم الإذنُ بلا مَصلحة. ولا يصِحُّ من مميِّز وسفيهٍ قبولُ هِبةٍ ووصيةٍ ونحوِهما بلا إذن. واختار الموفق والشارح وغيرهما: صحته بلا إذن، كعبد. ويقبل من مميز هدية أرسل بها. ويصحُّ تصرُّفُ صَغير، ولو دونَ تَمييز، ورَقيقٍ، وسَفيهٍ، في يَسيرٍ بغيرِ إذنِ وليٍّ وسيِّد. صوالحي [¬٣]. (٢) قوله: (الثالِثُ: كونُ المَبيعِ مالًا) أي كون المبيع المعقودِ عليه، أو على منفعتِه، ثمنًا كان أو مُثمنًا، مالًا، وهو ما يُباحُ نفعُه مطلقًا، وما يباح اقتناؤه بلا حاجة، بخلاف ما لا نفعَ فيه، كالحشرات، وما فيه نفع محرَّم، كالخَمر لدفعِ لُقمَةٍ غَصَّ بها مع عدم غيرِه، وما لا يُباح إلا عندَ الاضطرار،

стр. 845

والكَلبِ، والمَيتَةِ (١). كالميتة، وما لا يباحُ اقتناؤه إلا لحاجة، كالكلب. ويصح بيعُ البَغل والحمار؛ لانتفاع الناس بهما، وتبايعهما كلَّ عصر من غير نكير. وكذا نَحْلٌ منفَرِدٌ عن كوَّاراتِه، ومعَها فيها إذا شُوهِد داخلًا إليها. ويصح بيعُ قِردٍ لحفظٍ، وعَلَقٍ لمصِّ دم، ولبنِ آدمية انفصَلَ منها، ويكره بيعُه، نصًّا. ويصح بيعُ قِنٍّ مُرتَدٍّ، ومريضٍ، وجانٍ، وقاتلٍ في محاربةٍ، وبيعُ سَمكٍ وجرادٍ ميتةٍ ونحوهِما. ولا يصح بيعُ روثٍ نَجِسٍ، ودُهنٍ نجس أو متنجس. ويجوز وقدُه في غير مسجد، ويجوزُ أن يُطلَى بها المراكِبُ ونحوه. صوالحي [¬١]. (١) قوله: (والَكلبِ، والمَيتَةِ) أي: ولا يصِحُّ بيعُ الكَلب، ولو كان مُباحَ الاقِتنَاءِ، ككَلبِ الصَّيد؛ للنَّهي عن ثَمنِ الكَلب. ويحرمُ اقتناءُ الكَلبِ، إلا كَلبًا لحراسةِ ماشيةٍ، أو صَيدٍ، أو حَرثٍ، غير أسودٍ بهيمٍ، أو عَقُورٍ. ولا يصحُّ بيعُ تِرياقٍ فيه لُحومُ حيَّات، أو خَمرٌ، وكذا معاجينُ فيها مُحرَّم، وكذا سُمومٌ قاتلة كالأفاعِي. وأما غَيرُه مما يُمكِن التَّداوي بيَسيرِه، فيجوزُ بيعُه؛ لنفعِه المباح. وإن اجتمَع من دُخان النَّجاسة، أو المتنجِّس شيءٌ، فهو نَجِسٌ. فإن عَلَقَ بشيء طاهر، عُفي عن يَسيره. صوالحي [¬٢].

стр. 846

الرَّابِعُ: أنْ يَكُونَ المَبِيعُ مِلْكًا للبَائِع (١)، أو مَأذُونًا لَهُ فِيهِ وَقتَ العَقْدِ (٢). فَلا يَصِحُّ: بَيعُ الفُضُولِيِّ (٣)، ولو أُجِيزَ بَعْدُ (٤). الخَامِسُ: القُدرَةُ على تَسلِيمِهِ (٥). فَلا يَصِحُّ: بَيعُ الآبِقِ، والشَّارِدِ (٦)، (١) قوله: (الرابِعُ: أن يكونَ المبيعُ مِلكًا للبائِع) ومثلُه الثَّمنُ، مِلكًا تامًّا. (٢) قوله: (أو مأذُونًا له فيهِ وقتَ العَقدِ) وأن يكونَ مأذونًا له في بيعِه من مالِكه، أو مِنَ الشَّارِع كالوَكِيل، ووليِّ الصَّغير، وناظرِ الوَقْفِ. ولو لم يَعلَمِ المالكُ المِلكَ؛ بأن ظنَّه، وكذا لو لم يعلَم المأذونُ له؛ بأنْ ظنَّه، صحَّ. م ص [¬١]. (٣) قوله: (فلا يصِحُّ بيعُ الفُضولِيِّ) هذا مفرَّع على قوله: «أو مأذونًا له فيه» أي: فإن لم يكن مأذونًا له في بيعِه، فلا يصِحُّ بيعُ الفُضوليِّ ولا شِراؤه، ولا إجارتُه، ونحو ذلك. (٤) قوله: (ولو أُجيزَ بَعدُ) أي: ولو أجيزَ تصرُّفه بعدَ البيع، ولو مع حُضُورِ المَالِك وسُكوتِه وعدَمِ إنكارِه، كذلك. والفُضوليُّ: هو من ليسَ بمالِكٍ، ولا مأذونًا له في التصرُّف عن المالِك، أو الشَّرع، بالبيعِ والشراء، والنكاح، وغيرِه من التَّصرُّفات كذلك. وأما لو اشتَرى الفُضولي في ذِمَّته، ونوىَ الشِّراء لشخصٍ لم يُسمِّه، صحَّ، ثم إن أجازَه كان له من حينِ العَقد، وإلَّا فللمُشتري. صوالحي [¬٢]. (٥) قوله: (الخَامِسُ: القُدرةُ على تَسليمهِ) أي: المعقودِ عليه حالَ العقَد. (٦) قوله: (فلا يَصِحُّ بيعُ الآبِق والشَّارد) أي: فلا يصح بيعُ العبدِ الآبق، ولا بيعُ

стр. 847

ولو لِقَادِرٍ على تَحِصيلِهِمَا (١). السَّادِسُ: مَعرِفَةُ الثَّمَنِ والمُثمَنِ (٢)، إمَّا: بالوصْفِ (٣)، الدَّابة الشَّاردة من الدَّواب، ولا جعلُهما ثمنًا أو مُثمنًا، عُلم خبرُ الآبِق، أو لا. (١) قوله: (ولو لقادِرٍ على تحصِيلِهِمَا) أي: ولو كان البيعُ لقادرٍ على تَحصيلِهما؛ لأنه مجرَّدُ توهُّمٍ لا ينافي تحقيقَ عدمِه ولا ظنِّه، بخلاف ظنِّ القُدرة على تحصيل المغصوب؛ ولنهيه ﷺ عن شراء العبد الآبق [¬١]. ولا يصِحُّ بيعُ طيرٍ في الهَواء، ولو أَلِف الرُّجوعَ، ولا سَمَكٍ في لُجَّةِ ماءٍ. فإن كان الطيرُ في مكانٍ يُغلَقُ عليه، والسَّمكُ في ماءٍ صافٍ يُشاهِده، والماءُ غيرُ متَّصل بنهر، يمكِنُ أخذُه مِنه ولو طالَ زمنُ أخذِه، صحَّ بيعُه، فإن عَجَز عن تحصيلِه، فله الفسخُ. صوالحي [¬٢]. (٢) قوله: (السَّادِسُ: معرِفَةُ) البائعِ والمُشتَري. (الثَّمنَ والمثمنَ) عندَ المتعاقدين؛ لأن جهالةَ المبيعِ غررٌ منهيٌّ عنه، فلا بدَّ من معرِفَتِهما له. (٣) قوله: (إمَّا بالوصفِ) ممَّا يُمكِنُ فيه الوصفُ، يعني: وَصفًا يَكفِي في سَلَمٍ، فيقَومُ مقامَ الرؤيةِ في بيعِ ما يجوزُ السلَمُ فيه خاصَّة. ويجوزُ تقديمُه على العقد. ولا يصحُّ بيعُ الأُنموذَج؛ بأن يُريَه صاعًا مثلًا، ويبيعَه الصُّبرةَ على أنَّها من جنسه. م ص [¬٣].

стр. 848

أو: المُشاهَدَةِ (١) حَالَ العَقدِ (٢)، أو قَبلَهُ (٣) بِيَسِيرٍ (٤). السَّابِعُ: أن يَكُونَ مُنَجَّزًا (٥)، لا مُعَلَّقًا، ك: بِعتُكَ إذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ (٦). أو: إنْ رضِيَ زَيدٌ (٧). ويَصِحُّ: بِعتُ وقَبِلتُ إنْ شاءَ اللَّهُ (٨). (١) قوله: (أو المُشاهَدَةِ) أي: برؤيةٍ له، أو لبعضِه الدالِّ عليه، مُقارِنةً للعقد، ممَّا يحتاج لمُشاهدَةِ جميعِه، أو بعضِه إذا كان يدلُّ على بقيَّته. (٢) قوله: (حالَ العَقدِ) متعلِّق بالمعرِفَة. صوالحي [¬١]. (٣) قوله: (أو قبلَه) أي: قبلَ العقد. (٤) قوله: (بيَسيرٍ) أي: بزمن يسيرٍ لا يتغيَّر فيه المبيعُ ظاهرًا، ويُلحَقُ بذلك ما عُرِفَ بلمسِه، أو شمِّه، أو ذَوقِه، فكَرؤيته. وينفسِخُ العقدُ بتلَفٍ قبلَ قبضٍ. وإن اختلفَا في صفةٍ، أو تَغيُّرٍ، فالقولُ قولُ المُشتري بيمينه. صوالحي [¬٢]. (٥) قوله: (السَّابِعُ: أن يكونَ مُنجَّزًا) أي: أن يكونَ البيعُ منجَّزًا في الحال. (٦) قوله: (لا مُعلَّقًا ك: بِعتُكَ إذا جاءَ رأسُ الشَّهرِ) أي: لا يصح البيعُ معلقًا بزمنٍ، كبعتُك كَذا إذا جاء رأسُ الشَّهر. (٧) قوله: (أو إنْ رَضِي زيدٌ) أي: أو مُعلَّقًا برضا، كإن رضيَ زيدٌ، أي: بعتُك كذا بكذا إن رضِي زيدٌ. فلا يصِحُّ؛ لأنه عقدُ مُعاوضَةٍ، يقتَضي نقلَ المِلكِ حالَ العقدِ، والشرطُ يمنَعه. عثمان وإيضاح. (٨) قوله: (ويَصِحُّ: بعتُ، وقبِلتُ إنْ شاء اللَّه) أي: ويصح قول بائع: بعتُ إن شاء اللَّه. وقول مشترٍ: قَبِلتُ إن شاء اللَّه تعالى؛ لأن القصدَ التبرُّكُ، لا التردُّدُ

стр. 849

ومَن بَاعَ مَعلُومًا ومَجهُولًا لَم يَتَعَذَّرْ عِلمُهُ: صَحَّ في المَعلُومِ بقِسْطِهِ (١). وإن تَعَذَّرَ مَعرِفَةُ المَجهُولِ (٢)، ولمْ يُبَيَّن ثَمَنُ المَعلُومِ: فباطِلٌ (٣). غالبًا. فيُحمَل على ما هو الغالِب، ولا يُقبل قولُه بعد ذلك في دعوى خِلافِه، وهو التردد. عثمان وإيضاح. (١) قوله: (ومن باع معلُومًا ومجهُولًا لم يتعذَّر عِلمُه، صَحَّ بقسطِه) ومن صُور تَفريقِ الصَّفقة؛ من باعَ شيئًا معلومًا، وشيئًا مجهولًا؛ كثوبٍ غير معيَّن، لم يتعذَّر علمُه في ثَمنِ المعلُوم، صحَّ البيعُ في المعلومِ بقسطِه من الثَّمن، وبطلَ في المجهولِ؛ لأن المعلومَ صدَر فيه البيعُ من أهلِه بشرطِه، ومعرفةُ ثمنِه ممكنةٌ بتقسيطِ الثَّمن على كلٍّ منهما. م ص [¬١] وإيضاح. (٢) قوله: (وإن تعذَّرَ معرِفةُ المَجهُولِ) كبعتُكَ هذه الفرسَ، وحملَ الأُخرى بكذا. (٣) قوله: (ولم يُبيَّن ثمنُ المعلوم، فباطِلٌ) أي: فالبيعُ باطِل فيهما؛ لأنَّ المجهول لا يصحُّ بيعه؛ لجهالته، والمعلومُ مجهولُ الثمنِ. فإن بُيِّن ثمنُ كلٍّ منهما، صحَّ البيع في المعلومِ بثمنِه. عثمان [¬٢]

стр. 850

فَصْلٌ ويَحرُمُ، ولا يَصِحُّ: بَيعٌ ولا شِرَاءٌ في المَسْجِدِ. ولا: مِمَّنْ تَلزَمُهُ الجُمُعةُ (١) بَعدَ نِدَائِها (٢) فَصْلٌ في مَوانع صحَّةِ البيع: أي: المسائل التي يَحرُم البيعُ فيها ولا يصِحُّ، ويحرُم ويَصِحُّ، لكن تارةً يكونُ ذلك باعتبارِ المَكان، وتارةً يكونُ باعتبارِ العاقِد والزَّمان، وتارةً يكونُ باعتبارِ المبيعِ نفسِه، كبيعِ العِنَبِ لمتَّخِذِه خَمرًا، وتارةً يحرُم البيعُ ويصِحُّ، كبيع المُصحَفِ. (١) قوله: (ولا ممَّن تلزمُه الجُمعةُ) أي: ولا يصح أيضًا بيعٌ ولا شِراءٌ، ممَّن تلزمُه صلاة الجُمعة؛ بنفسِه، كالحرِّ المكلَّفِ المُقيمِ، أو بغيرِه، كالمُسافِر، ولو كان أحدَ المتعاقِدَين والآخر لا تلزمه. وفي حقِّ من لا تلزمُه مكروه. م ص [¬١]. (٢) قوله: (بعد ندائها) الظرفُ متعلِّق بعدَمِ صِحَةِ البيعِ والحُرمةِ، أي: والنَّهي عن البيع والشراءِ بعدَ الشُّروع في أذان الجُمعة، ولو لأحدِ جامِعَينِ بالبلد قبلَ أن يُؤذَّن للآخَر. صحَّحه في «الفصول». وظاهِرُه: ولو أرادَ الصلاةَ في الجامع الذي لم يؤذَّن له. ويُطلَب الفرقُ بينَه وبينَ التنفُّل بعد الإقامة إذا أرادَ الصَّلاة مع غيرِ ذلك الإمام.

стр. 851

الذي عِنْدَ المِنبَرِ (١). و وعِبارةُ المصنف في «غايته» [¬١]: وإن تعدَّد نداءُ الجامِعَينِ، امتنعَ بيعٌ بأوَّلَ، ويتَّجه هذا في حقِّ من يريدُ الصَّلاةَ مع إمامِه. انتهى. الوالد. (١) قوله: (الذي عندَ المِنبَر) صفةٌ للنِّداء، عَقِبَ جُلوس الإمام عليه، ويَستمرُّ التَّحريم إلى انقضاءِ الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا على ذكر الله وذروا البيع﴾ [الجُمُعَة: ٩]، فنهَى عن البيعِ عندَ النِّداء، وكَشِرَاءٍ، وخُصَّ النداءُ بالثاني؛ لأنه هو الذي كان في زمنِه ﷺ فتعلَّقَ الحكمُ به، وأما النداء الأول، فحدَثَ على عهدِ عُثمانَ ﵁ [¬٢]. قال المُنقِّح: أو قبلَه أي: يحرمُ البيعُ والشِّراءُ قبلَ النِّداءِ الثاني لمَنْ منزِلُه بعيدٌ بحيثُ إنه يُدرِكُها. فلو كانَ أحدُ المتعاقدين يلزمه، والآخرُ لا يلزمه، كالعبدِ والمرأةِ، فباعا أو اشتريا ممن تلزمُه، لم يصِحَّ. قال الموفَّق والشَّارِح: وحَرُم على المخاطَب بها، وكُرِه للآخَر. وكذا إذا وُجِدَ الإيجابُ قبلَ النِّداءِ والقَبولُ بعدَه، أو عكسُه، قال شيخنا في «حاشية المنتهى» [¬٣]: قلتُ: لو وُجِدَ الإيجابُ قبلَ النِّداء، ممَّن تلزمُه، والقبولُ بعدَه، ممَّن لا تلزمُه، فالبيعُ صحيحٌ؛ لعدمِ إثمِ واحدٍ منهما. انتهى. تنبيه: النهيُ عن البيعِ والشِّراءِ وقتَ النِّداء، هل هذا خاصٌّ بوقت الوُجوب، أو عامٌّ بوقت الوجوب والجواز؟ لأنه تقدَّم في باب صلاة الجُمعة أنَّ وقَتَ

стр. 852

كذَا: لو تَضَايَقَ وَقتُ المَكتُوبَةِ (١). صلاةِ الجُمُعة يدخُلُ من وقتِ صَلاةِ العيد؛ وهو من ارتفاعِ الشَّمس قِيدَ رُمحٍ، وهو وقت جواز، ويَستَمِرُّ وقتُ الجواز إلى زوال الشمس، فإذا زالت فهو وقتُ وجُوب، وكذا لو صلَّى جماعةٌ في وقتِ الجوازِ، وآخرونَ في وقتِ الوجُوب، فهل يمتَنِعُ البيعُ والشِّراءُ عندَ نداءِ الصلاة الأُولى إلى انقضائِها، أم عندَ نداءِ الصلاة الثانية، أو في حقِّ من يريدُ الصلاة مع إمَامِه على ما وجهَّه المصنف [¬١]؟ ويحرم أيضًا الاشتغالُ بالصِّناعَاتِ من الشُّروع في النِّداء الثَّاني. صوالحي [¬٢]. (١) قوله: (وكذا لو تَضايَقَ وقتُ المكتُوبة) أي: وكَذا يحرُم ولا يصِحُّ البيعُ والشِّراء لو تضايَقَ وقتُ صلاةِ المكتُوبة، وبَقيَ من الوقتِ قدرُ ما يسعُها. قال حفيد «المنتهى»: لعلَّ المرادَ وقتُها المُختار، واللَّه أعلم. وقال في «الإنصاف»: قلت: ويحتمل أنْ يحرُمَ إذا فاتتَه الجماعةُ بذلك، وتعذَّر عليه جَماعةٌ أخرى، حيثُ قُلنَا بوجوبِها. فإن لم يُؤذَّن للجُمعة، حَرُمَ، وامتنعَ صحةُ البيع والشراءِ إذا تضايَق وقتُها حتى يصليها [¬٣]. صوالحي باختصار [¬٤].

стр. 853

ولا: بَيعُ العِنَبِ أو العَصِيرِ لِمُتَّخِذِهِ خَمْرًا (١). ولا: بَيعُ البَيضِ والجَوزِ ونَحوِهِمَا لِلقِمَارِ (٢). ولا: بَيعُ السِّلاحِ في الفِتنَةِ (٣)، أو لأَهلِ الحَربِ، أو قُطَّاعِ الطَّرِيقِ (٤). ولا: بَيعُ قِنٍّ مُسلِمٍ لِكَافِرٍ (٥) (١) قوله: (ولا بيعُ العِنَبِ أو العصير لمتَّخِذِهِ خَمرًا) أي: يحرم، ولا يصِحُّ بيعُ العنب والزبيب ونحوه، والعصيرِ المتَّخذِ من ذلك لمن يتَّخذُ ذلك خمرًا، ولو ذميًا؛ لأنهم مخاطَبون بفروع الشريعة. (٢) قوله: (ولا بيعُ البَيضِ والجَوزِ ونحوِهما للقِمَار) أي: يحرم، ولا يصحُّ بيع البيضِ، ولا بيعُ الجوزِ ونحوِهما، كبُنُدقٍ؛ للقِمَار، أي: لأجل القمار، ولا يجوز شراءُ البيض المكتَسَبِ مِنْ القمار، ولا أكلُه؛ لعدَمِ انتقالِه لمِلك المُكتَسِبِ. صوالحي [¬١]. (٣) قوله: (ولا بيعُ السِّلاح في الفتنَة) أي: يحرمُ، ولا يصح بيع السِّلاح والتُّرْسِ والدِّرع في الفتنة بين المسلمين. (٤) قوله: (أو لأهلِ الحَربِ، أو قُطَّاعِ الطَّريقِ) أي: يحرم، ولا يصح بيعُ السِّلاح أيضًا لأهلِ الحرب، أو قطَّاع الطريق، إذا عَلِمَ البائعُ ذلك، ولو بقرائنِ الأحوَال، من مُشتَريه؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ [المَائدة: ٢]، ويصحُّ بيعُ السلاح لقتَال البُغاةِ، وقُطَّاعِ الطَّريق. صوالحي [¬٢]. (٥) قوله: (ولا يبعُ قِنٍّ مُسلِمٍ لكافِرٍ) أي: ولا يصح بيعُ قِنّ مسلِم لكافر، ولو كان الكافرُ وكيلًا في شرائه، لقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾ [النِّساء: ١٤١].

стр. 854

لا يَعتِقُ عَليهِ (١). ولا: بَيعٌ على بَيعِ المُسلِم (٢)، كقَولِه لِمَنْ اشتَرَى شَيئًا بعَشَرَةٍ: أُعطِيكَ مِثلَهُ بتِسعَةٍ (٣). (١) قوله: (لا يَعتَقُ عليه) أي: لا يصح بيع قِنٍّ مُسلم لكافرٍ إذا كان لا يَعتَق القِنُّ المسلمُ على مشتريه الكافر، فإن كان يَعتَق عليه، كأبيه أو ابنه أو أخيه، صحَّ شِراؤه له. انتهى الوالد. (٢) قوله: (ولا بيعٌ على بيعِ المُسلِم) أي: يحرم، ولا يصح بيعٌ على بيع المُسلِم في زمَن الخِيارَين، لحديث: «لا يبعْ بعضُكم على بيعِ بعض» [¬١]. سواء كان البائع الثاني مُسلمًا أو كافرًا. قال ابن نصر اللَّه في حاشية «الرعاية»: وظاهرُ هذا أنَّه لا يحرُم شِراؤه وبيعُه على شِراء ذمِّي وبيعِه، وقد صرَّحوا بذلك في الخِطبَةِ، وهذا مثله. وجزم بذلك في حاشية «الكافي» في مسألة البيع. وقال فيها أيضًا: وهل يتعدَّى الحكمُ إلى الذِّميِّ مع الذِّمي؟ يحتمل وجهين؛ أظهرُهما: عدَمُ التَّعدي. والحَربيُّ كالذِّمي في ما ذُكر. تنبيه: قال في «النُّكت»: وإذا رضِيَ البائع أن يبيعَ على بيعِه، وأَذِن له في ذلك، فإطلاقُ كلام الأصحاب يقتَضِي المنع، والتعليلُ يقتَضِي الجَواز، وهو أولى؛ لأن صورةَ الإذن مُستثناةٌ في الصَّحيحين أو في أحدهما من عموم النهي، وقال في «النهاية»: الصحيح من المذهب؛ أنه لا يجوز. ح ف. (٣) قوله: (كقولِه لِمن اشترَى شيئًا بعشَرَة: أعطيك [¬٢] مثلَه بتسعَةٍ) هذا مثال [¬٣] لعدم صحة البيع على بيعِ المُسلم.

стр. 855

ولا: شِرَاءٌ علَيهِ، كقَولِه لِمَنْ باعَ شَيئًا بتِسعَةٍ: عِنْدِي فِيهِ عَشَرَةٌ (١). وأمَّا: السَّومُ على سَومِ المُسلِمِ، مَعَ الرِّضَا الصَّريحِ (٢)، وبَيعُ المُصحَفِ (٣)، والأَمَةِ التي يَطَؤُها قَبلَ استِبرَائِها: فحَرَامٌ، ويَصِحُّ العَقدُ (٤). (١) قوله: (ولا شِراءٌ عليه) أي: ولا يصح شراءٌ على شراء المسلم؛ مثالُ ذلك ما صرَّح به المصنف بقوله: (كقولِه لمَن باعَ شَيئًا بتسعةٍ: عِندي فيه عشَرَةٌ) فيحرمان، أي: البيع والشراء؛ لما فيهما من الإضرار بالمسلم، ولا يصِحَّان؛ للنَّهي، حيثُ وقعَا زمنَ خِيارِ مَجلسٍ أو شَرطٍ. انتهى. الوالد. (٢) قوله: (وأما السَّومُ على سَومِ المُسلِم) فيحرمُ (معَ الرِّضا الصَّريحِ) من بائع؛ لحديث أبي هريرة: «لا يسُمِ الرجلُ على سَوم أخيه». رواه مسلم [¬١]. فإن لم يصرِّح بالرِّضا، لم يحرُم؛ لأن المسلمين لم يزالوا يتبايعون في أسواقِهم بالمُزايَدةِ، فالمزايَدةُ في المُنادَاةِ جائزةٌ إجماعًا. صوالحي [¬٢]. (٣) قوله: (المُصحَفِ) أي: وأما بيعُ المُصحَف، فحرامٌ، ويصحُّ العقد، كما في «المنتهى» تبعًا «للتنقيح» خلافًا «للإقناع»؛ لأنه مشَى على عَدمِ صحته. وكذا إجارتُه، ورهنُه؛ لما فيه من الابتِذال وتركِ تعظيمِه. ولا يصح بيعهُ لكافرٍ، وإن ملكَهُ بإرثٍ أو غيرِه، أُلزِم بإزالَةِ يدِه عنه. صوالحي [¬٣]. (٤) قوله: (والأمَةِ التي يطؤُها قبَل استبرائِها، فحرامٌ، ويصِحُّ العقدُ) أي: وبيعُ

стр. 856

ولا يَصِحُّ: التَّصرُّفُ في المَقْبُوضِ بِعَقدٍ فَاسِدٍ (١). ويُضمنُ: هُوَ (٢) وزِيادتُهُ، كَمَغْصُوبٍ (٣). الأمة التي يطؤها مالكُها قبلَ استبرائها. «فحرام»: جواب «أمَّا» ويصح العقد في بيع ذلك. (١) قوله: (ولا يصِحُّ التَّصرُّفُ في المقبُوض) الذي صدَر فيه البيعُ (بعقدٍ فاسدٍ) لأن وجودَه كعدمِه، فلا ينتقِلُ المِلكُ به. لكن سيأتي في كتاب الطلاق أن العِتقَ في الشراء الفاسدِ كالطَّلاق في النكاح الفاسِد، فيقعُ، فيكونُ مُستثنًى ممَّا هُنا. م ص [¬١]. (٢) قوله: (ويُضمنُ [¬٢] هُو) أي: المبيعُ المَقبوضُ بعقدٍ فاسِدٍ، كمغصُوبٍ؛ لحصوله بيده بغير إذنِ الشَّرع، أشبهَ المغصوبَ، وعليه أجرةُ مثلِه ما كان بيده، ويَردُّ زوائدَه المنفصِلَةَ، وعليه بدلُ ما تلِف منه، أو مِنْ زوائدِه. م ص [¬٣]. (٣) قوله: (كمغَصُوبٍ) أي: كما يُضمَنُ المغصُوبُ بزيادتِه المتَّصلة والمُنفصِلة؛ من ولدٍ، وثَمَرٍ، وكسْبٍ، وغيرِه. الوالد.

стр. 857

بابُ الشُّرُوطِ في البَيعِ (١) وهِيَ (٢) قِسمَانِ: صَحِيحٌ لازِمٌ (٣). وفاسِدٌ مُبُطِلٌ للبَيعِ (٤). فالصُّحِيحُ: كَشَرطِ: تأجِيلِ الثَّمَنِ أو بَعضِهِ (٥)، بابُ الشُّروطِ في البَيع (١) قوله: (بابُ الشُّروطِ في البَيع) أي: ما يشترِطُه أحدُ المتعاقِدَين على الآخر. (٢) قوله: (وهيَ) أي: الشروط. والشروطُ: جمعُ شَرْط، ومعناه لغةً: العلامة. واصطلاحًا: ما يلزمُ من عدمِه العدمُ، ولا يلزمُ من وجودِه وجودٌ ولا عدمٌ لذاتِه. والمراد هنا بالشَّرط: ما يشترطه أحد المتعاقدين على الآخر، بسبب العقدِ، ما له فيه منَفعةٌ، وتُعتبرُ مقارنتُه للعقد. وفي «الفروع»: ويتوجَّه كنكَاحٍ. يعني: فلا يضُرُّ تقدُّمِ الشَّرط، وكذا نيته، أو اتفقا عليه قبلَه، على الأصح. ابن نصر اللَّه على «الفروع». (٣) قوله: (صحيحٌ لازِمٌ) القِسمُ الأول: صحيحٌ لازم، يُعتبرُ في صُلب العقد، أو بعدَهُ في مُدَّة خِيار المَجلِس. (٤) قوله: (وفاسِدٌ مُبطِلٌ للبَيعِ) والقِسمُ الثَّاني: فاسِدٌ، مبطِلٌ للبيع، هذا من باب ذِكرِ الشيءِ مُجملًا، ثم يَذكُره مُفصَّلًا؛ لأن ذِكرَ الشيءِ أولًا مُجملًا ثم ذِكرُه مُفصَّلًا، أوقعُ في النَّفس. وهذه طريقتُه من أوَّلِ الكتاب إلى آخره. (٥) قوله: (فالصَّحيحُ، كشَرطِ تأجيلِ الثَّمن أو بعضِه) أي: فالشرط الصحيح،

стр. 858

أو رَهْنٍ (١)، أو ضَمِينٍ مُعَيَّنٍ (٢). أو شَرْطِ: صِفَةٍ في المَبِيعِ، كالعَبدِ كَاتِبًا، أو صَانِعًا، أو مُسلِمًا (٣)، والأَمَةِ بِكرًا، أو تَحِيضُ، والدَّابَّةِ هِملاجَةً (٤)، أو لَبُونًا، أو حَامِلًا (٥)، كشرط تأجيل الثمن، أو تأجيلِ بعضِه إلى أجلٍ مُعيَّن. احترز به عن البعض المَجهُولِ؛ لأنه شرطٌ فاسِدٌ، فلا بدَّ أن يقولَ: نصفَه، أو ثلثَه، ونحوه. عثمان [¬١]. (١) قوله: (أو رَهنٍ) أي: أو شرطِ رهنٍ معيَّنٍ، ويصحُّ شرطُ رهنِ المَبيعِ نفسِه على الثَّمن. صوالحي [¬٢]. (٢) قوله: (أو ضَمينٍ مُعيَّنٍ) أي: أو شَرْطِ ضمينٍ معيَّن، وكذا شرطُ كَفيلِ بَدنِ مُشتَرٍ معيَّنٍ، فإن لم يكُن، بطَل الشَّرط، وصحَّ البيعُ. صوالحي [¬٣]. (٣) قوله: (كالعَبدِ كَاتِبًا، أو صَانِعًا) أي: ككونِ العَبدِ كاتبًا، أو صانعًا، أو فحلًا، أو خَصِيًّا، (أو مُسلِمًا) أو غيرَ ذلك من الصِّفات. (٤) قوله: (والأَمةِ بِكْرًا، أو تحيض، والدابَّةِ هِملَاجَةً) أي: وكون الأمة بكرًا، أو كونها تحيضُ، أو كونُ الدَّابة هِملاجةً، بكسر الهاء، أي: تمشي الهَمْلَجَةَ؛ وهي مِشيةٌ سَهلةٌ في سُرعَةٍ. م ص [¬٤]. (٥) قوله: (أو لَبُونًا أو حَامِلًا) أي: أو كونُها لَبونًا، أي: ذاتَ لَبنٍ، أو غزيرةَ اللَّبنِ، أو كونُها حامِلًا.

стр. 859

والفَهْدِ أو البَازِيِّ صَيُودًا (١). فإن وُجِدَ المَشرُوطُ: لَزِمَ البَيعُ (٢)، وإلَّا: فلِلمُشتَرِي الفَسخُ (٣)، أو أَرْشُ فَقْدِ الصِّفَةِ (٤). (١) قوله: (والفَهْدِ، أو البازِيِّ صَيُودًا) أي: أو كونُ الفَهدِ، أو البازِيِّ [¬١] صَيُودًا، أي: مُعلَّمَ الصَّيدِ. (٢) قوله: (فإن وُجِدَ المشرُوطُ، لَزِمَ البيعُ) لأنَّ في اشتراطِ هذه الصِّفات قَصْدًا صحيحًا، وتَختلِفُ الرَّغَبَات باختلافِها، فلو لم يصِح اشتراطُ ذلك، لفاتَت الحِكمةُ التي من أجلِها شُرِعَ البيعُ، يؤيِّده قوله ﷺ : «المسلِمون عنَد شُروطِهم» [¬٢]. صوالحي [¬٣]. (٣) قوله: (وإلَّا فللمُشتَري الفَسخُ) أي: وإن لم يُوجدِ الشَّرطُ، فللمُشتَري الفَسخُ، أي: فسخُ البيعِ إن اختاره؛ لفقدِ الشَّرطِ. (٤) قوله: (أو أَرْشُ فَقدِ الصِّفَةِ) المشروطةِ إن اختارَه؛ لأنه مخيَّر بين الفسخِ وبين أَخذِ أَرشِ النَّقص، فإن تعذَّر الرَّدُّ، تعيَّن الأَرشُ. وإن شرَطَ أنَّ الطَّيرَ يوقِظُه للصلاة، أو أنَّ البهيمةَ تُحلَب كلَّ يومٍ كَذا، أو أنَّ الكَبشَ مُناطِحًا، لم يصِحَّ الشرط؛ لأن هذه الشروط منها ما لا يمكن الوفاءُ به، ومنه ما هو محرم، فهو ممنوعُ الوَفاءِ شَرعًا. وإن شرَطَ الرَّقيقَ كافِرًا، فبانَ مُسلِمًا، أو الأمةَ ثيِّبةً، فبانت بِكرًا، فلا فَسْخَ؛ لأنه ظهرَ أعلَى، وزادَه خَيرًا من الشَّرط.

стр. 860

ويَصِحُّ: أن يَشْرُطَ البَائِعُ على المُشتَرِي مَنفَعَةَ ما بَاعَهُ (١) مُدَّةً مَعلُومَةً، كَسُكْنَى الدَّارِ شَهْرًا، وحِملانِ الدَّابَّةِ إلى مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ (٢). وإن شرط الأمةَ حَامِلًا، صحَّ البيعُ، فإن بانت لا حَمْلَ بها، فلا فسخ؛ لأن الحملَ في الإماءِ عَيبٌ. ولو أخبر بائعٌ مشترٍ بصفةٍ في المبيع يرغبُ فيها المشترِي، فصدَّقه المُشتري بلا شرط، فلا خيارَ له. ذكره أبو الخطَّاب. صوالحي [¬١]. (١) قوله: (مَنفعةَ ما باعَهُ) غير وطءٍ ودواعيه. (٢) قوله: (مدَّةً معلومَةً كسُكنَى الدَّار) المبيعة (شَهرًا، وحِملانِ الدَّابِّةِ) المبيعة (إلى مَحَلٍّ معيَّنٍ) كما لو باعَ جَمَلًا في الطريق واستثنَى ظَهرَه إلى مكَّةَ، كاشتراطِه خِدمَةَ العبدِ المبيعِ مُدَّةً معلومةً، فيصح؛ وهذا ما فيه إلَّا تأخيرُ تسليمهِ مدةً معلومة. كما لو باعه أمةً مزوجةً، أو دارًا مؤجرة عالمًا بذلك، وإلا فله الخيار فيهما. وخبرُ أنه ﷺ «نهى عن بيعٍ وشَرطٍ» [¬٢]: أنكره الإمام أحمد، وقال: لا نعرِفه مَرويًا في مُسنَدٍ. ونفقةُ المبيع المُستَثنى مدَّةَ الاستثناء على البائع؛ لأنه مالكُ المنفَعةِ، لا مِنْ جهةِ المشتَري [¬٣]، كالعين الموصَى بنفعِها، لا كالمؤجَّرةِ والمُعارَة. عثمان [¬٤] وزيادة.

стр. 861

وأنْ يَشتَرِطَ المُشتَرِي على البَائِعِ حَمْلَ ما بَاعَهُ (١)، أو تَكسِيرَهُ (٢)، أو خِيَاطَتَهُ (٣)، أو تَفصِيلَهُ (٤). (١) قوله: (وأنْ يشتَرِطَ المُشترِي على البائِع حَمْلَ ما باعَه) عطف على قوله: «أن يشترط البائع» أي: ويصح أن يشترط المشتري … إلخ. (٢) قوله: (أو تَكِسيرَهُ) كحَطَبٍ يَشتَرِطُ المُشتري على البائع تكسيرَه. (٣) قوله: (أو خِياطَتَهُ) أي: أو أنْ يشترط المُشتري على البائع خياطَةَ ما يُخَاط. (٤) قوله: (أو تفصِيلَه) أي: أو أن يشترط المشتري على البائع تفصيلَه، أو حصادَ زرعٍ مَبيعٍ، ونحو ذلك. وإن جمعَ بين شرطين، ولو صَحيحَين، كحَمْلِ حَطَبٍ وتَكسيرِه، لم يصِحَّ البيعُ، إلا أنْ يكونَ الشَّرطان من مُقتضَاه، كاشتراطِ حُلولِ الثمن مع تصرُّفِ كلٍّ منهما فيما يصيرُ إليه، فإنه يصح بلا خِلاف، أو يكونا من مصلحتِه، كاشتراطِ رَهنٍ وضمينٍ، فيصح. صوالحي [¬١].

стр. 862

فَصْلٌ والفَاسِدُ (١) المُبطِلُ (٢): كشَرطِ: بَيعٍ آخَرَ (٣)، أو سَلَفٍ، أو قَرْضٍ (٤)، أو إجَارَةٍ (٥)، أو شَرِكَةٍ (٦)، أو صَرفٍ للثَّمَنِ (٧). وهُو: بَيعَتَانِ في بَيْعَةٍ المَنهِيُّ عَنهُ (٨). فَصْلٌ (١) قوله: (والفاسِدُ) أي: والشرط الفاسِدُ على ثلاثةِ أنواع. (٢) قوله: (المُبطِلُ) أحدُها: وهو المبطلُ للعقدِ من أصله، يحرُمُ اشتراطُه. (٣) قوله: (كشرطِ بيعٍ آخَر) بأن يقول: بعتُكَ هذه الدَّار على أن تبيعَني هذِه الفَرس. (٤) قوله: (أو سَلَفٍ) أي: أو كشرطِ سَلَفٍ مع البيع. والسَّلفُ: السلم كبعتُكَ عبدي على أن تُسلِفَني هذا الدِّينارَ في كَذا من القَمْحِ (أو قرضٍ) أي: وكشرط قرض مع المبيع، كبعتُكَ كَذا على أن تُقرِضَني كذا. (٥) قوله: (أو إجارَةٍ) أي: أو كشرط إجارةٍ مع البيع، كبعتُكَ كذا على أن تُؤجرني دارَك بكَذا. (٦) قوله: (أو شَرِكَةٍ) أي: أو كشَرط شركةٍ معَ البيع، كبعتُك كذا على أن تشارِكَني في كذا. (٧) قوله: (أو صَرفٍ للثَّمَن) أي: أو كشرطِ صَرْفٍ للثَّمن مع البيع، كبعتُك كذا على أن تصرِفَ الثَّمن، أو غيرَه بنقدٍ آخر، فلا يصح شيء من ذلك. (٨) قوله: (وهو بيعتَانِ في بَيعَةٍ المَنهِيُّ عنه) وهو، أي: الشرطُ الفاسدُ المشروطُ

стр. 863

وكَذَا: كُلُّ ما كَانَ في مَعنَى ذلِكَ، مِثلَ: أنْ تُزَوِّجَنِي ابنَتَكَ، أو: أُزَوِّجَكَ ابنَتي، أو: تُنفِقَ على عَبدِي، أو: دابَّتِي (١). ومَن باعَ ما يُذرَعُ علَى أنَّه عَشَرَةٌ (٢)، فبَانَ أكثَرَ (٣) عند عقدِ المَبيعِ، المُبطلُ للبيع، بيعتانِ في بيعة، المنهيُّ عنه في الحديث [¬١]، والنَهيُ يقتضي الفسادَ. قاله الإمام أحمد. وقال ابن مسعود: صَفقَتانِ في صَفقَةٍ رِبًا [¬٢]. ولأنه شَرطُ عَقدٍ في عَقدٍ، فلم يصح. صوالحي [¬٣]. (١) قوله: (وكَذا كلُّ ما كانَ في معنَى ذلِك … إلخ) أي: الشرطُ الفاسد، المُبطلُ للعقد (مثلَ) أن يقولَ في عقدِ البيع: بعتُك كذا بشرطِ (أنْ تُزوِّجَني ابنتَك. أو) أن يقول: بشرطِ أنْ (أُزوِّجَكَ ابنتَي. أو أن تُنفِقَ على عَبدِي … إلخ). (٢) قوله: (ومن باعَ ما) أي: شيئًا (يُذرَعُ) كأرضٍ، وثوبٍ (على أنَّه عشرَة) أذرع، أو أشبار. (٣) قوله: (فبانَ أكثَرَ) صحَّ البيع، والزائِدُ لبائعٍ؛ لأنَّ ذلك نقصٌ على المُشتري، فلم يَمنَع صِحَّةَ البيعِ، كالعَيب. ولكلٍّ الفسخُ، ما لم يُعطِ بائعٌ الزائدَ مَجَّانًا بلا عِوض، فيسقُط خيارُ مُشتر؛ لأن البائعَ زادَه خيرًا. م ص [¬٤].

стр. 864

أو أقَلَّ (١): صَحَّ البَيعُ. ولِكُلٍّ: الفَسخُ (٢). (١) قوله: (أو أقلَّ) أي: أو بانَ مبيعٌ على أنَّه عشَرَةٌ أقلَّ مِنها، صحَّ البيع. والنَّقصُ على بائعٍ؛ لأنه التزَمه بالعَقد. انتهى. الوالد. (٢) قوله: (صحَّ البيعُ ولِكُلٍّ الفَسخُ) صح البيع في ذلك، ولُكلٍّ من البائِعِ والمشتري الفسخ، إن أرادا ذلك، أو أحدُهُما. الثَّانِي من الشُّروط الفاسدة، لكن يصحُّ العقدُ معها، وهو ما يُنافِي مقتَضَى العقد، نحو: أن يشترِطَ أنْ لا خسَارةَ عليه في المبيع، أو أنه متى نفَقَ المَبيعُ، وإلَّا ردَّه، أو شرَطَ أن لا يبيعَ المبيعَ، ولا يهبَه، ولا يُعتِقَه، ولا يَقِفَه، فالبيعُ صحيح، والشرطُ باطِلٌ. الثالِثُ من الشروطِ الفاسدة التي لا ينعقِدُ معها البيعُ: أن يشترط البائعُ شرطًا يُعلِّق عليه البيع، كقوله: بعتُك إنْ جئتني بكَذا، أو رضِيَ بهِ فُلانٌ. أو يقول الراهنُ للمرتَهِنِ: إن لم أدفع لكَ حقَّك عندَ استحقاقِ أَجلِه، وإلَّا فالرَّهنُ لك، مبيعًا بالدَّين. فلا يصحُّ البيعُ فيهِمَا. ويصح: بعتُ إن شاءَ اللَّه، وقَبِلتُ إنْ شاء اللَّه. ويصح بيعُ العُربون، وإجارتُه. قال الإمام أحمد: لا بأسَ به. وفعلَه عمرُ بن الخطاب [¬١]. وهو: دفعُ بعضِ ثَمنٍ، أو بعضِ أُجرَةِ إجارَةٍ، بعدَ العَقدِ فيهما، ويقول: إن لم آخذ المَبيعَ أو أجيئك بباقي الثَّمن، وإلَّا فالعُربونُ لك. فإن تمَّ البيعُ، فما دفعَه مِنَ الثَّمن، وإلَّا فالعُربونُ للبائِع، كما شَرطا. صوالحي مختصرًا [¬٢].

стр. 865

بابُ الخِيَارِ وأَقسَامُهُ سَبعَةٌ: أحَدُها: خِيَارُ المَجلِسِ (١). ويَثبُتُ للمتَعَاقِدَينِ (٢): مِنْ حِينِ العَقدِ إلى أن يتَفَرَّقَا (٣)، بابُ الخِيار وقبض المبيع والإقالة والخيارُ اسم مصدر اختارَ يختارُ اختيارًا. والخيار في البيع، والتَّصرُّفِ في المبيعِ قبلَ قبضه، وما يحصلُ به قبضُه. وهو: طلبُ خيرِ الأمرَين من فَسخِ عقدٍ، أو إمضائه [¬١]. (١) قوله: (وأقسَامُه سَبعةٌ) أي: وأقسامُ الخِيارِ على ما هُنا بحَسَب أسبابِه سَبعةٌ (أحدُها: خيارُ المَجلِس) بكسر اللام: موضعُ الجلوسِ، والمُرادُ به هُنا مكانُ التَبايعِ. (٢) قوله: (ويثبُتُ) خيارُ المجلس (للمتعاقدين) ولو لم يشترطه العاقد. (٣) قوله: (مِنْ حِينِ العَقدِ إلى أن يتفرَّقَا) أي: المتبايعان، بما يعد تفرقًا عُرفًا بأبدانِهما من مكانِ التبايُع. فإن كانا في مكانٍ واسعٍ، كصحرَاء، بأن يَمشِي أحدُهُما خُطوات. وإن كانَا في دارٍ كبيرة، وبها مجالِس وبيوت، فَبِأَنْ يفارِقَه من بيتٍ إلى بيت، أو إلى نحو صُفّةٍ [¬٢]. وإن كانا في دارٍ صَغيرة،

стр. 866

مِنْ غَيرِ إكرَاهٍ (١). ما لم: يَتبايَعَا على أنْ لا خِيَار (٢)، فبصُعودِ أحدِهما السَّطحَ، أو خروجٍ منها. وإن كانَا في سَفينَةٍ كَبيرة، فبصعودِ أحدِهما أعلَاها إنْ كانَا أسفلَ، أو بالعكس إن كانا بأعلاها. وإن كانت صغيرةً، فبخُروج أحدِهِما منها. ولا يُعدُّ تفرُّقًا إذا حجزَ بينَهما نحو حائِطٍ، أو ناما، أو قاما معًا، من غيرِ تَفريقٍ. لكن يُستثنى من البيع الكتابةُ، وتولِّي طَرفي عقدٍ، وشراءِ مَنْ يعتقُ عليه، أو اعترَفَ بحرِّيته قبلَ الشِّراء. وكبيع ما بمعناه من صُلحِ إقرارٍ، وإجارة، وصرف، ونحوه، كسلم، ونكاح، ووقف، ومساقاة، وضمان، ورهن، ومزارعة، ووكالة، وشركة، فلا خيار فيها. عثمان [¬١] وزيادة. (١) قوله: (من غيرِ إكراهٍ) أي: وذلك إذا كانَ من غيرِ إكراهٍ في التَّفريقِ، فإن أُكرِها، أو أحدُهما، فالخِيارُ باقٍ بينَهما. وكذا تفرُّقٌ فزعًا من خوفٍ، أو من سَيلٍ، ثم يستمرُّ الخيارُ إلى أن يتفرَّقا من مجلِسٍ بما يُعدُّ تَفرُّقًا، كما تقدَّم ذكرُه. صوالحي وإيضاح [¬٢]. (٢) قوله: (ما لم يتبايَعا على أنْ لا خِيار) أي: ما لم يشترِطا، أو أحدُهما، قبلَ العقد، على أن لا خِيار بينهما، فيلزمُ البيعُ بمجرَّدِه.

стр. 867

أو: يُسقِطَاهُ (١) بَعدَ العَقدِ. وإن أسقَطَه أحدُهُما (٢): بَقِيَ خِيَارُ الآخَرِ (٣). ويَنقَطِعُ الخِيارُ (٤): بِمَوتِ أحَدِهِما (٥)، لا بِجُنُونِه (٦)، وهُو على خِيارِهِ إذا أفَاقَ (٧). (١) قوله: (أو يُسقِطَاه) أي: الخيارَ متعاقدِانِ. (٢) قوله: (وإن أسقَطَه أحدُهُما) أي: أحدُ المتبايعَين، أو قالَ أحدُهما لصاحِبه: اختَرْ. سَقَطَ خِيارُ القائِل. (٣) قوله: (بَقيَ خيارُ الآخَرِ) لأنَّه لم يحصُل منه إسقاطُ الخيار، بخلاف صاحِبه. (٤) قوله: (ويَنقطِعُ الخِيارُ) أي: خيارُ المجلِس. (٥) قوله: (بمَوتِ أحَدِهما) أي: أحدِ المُتعاقِدين؛ لأنه أعظمُ الفُرقَتين. (٦) قوله: (لا بجُنونِه) أي: ولا ينقطِعُ الخيارُ بجُنونِ أحدهما. (٧) قوله: (وهو على خِيارِه إذا أفَاقَ) أي: والمجنونُ باقٍ على خِيارِه إذا أفَاقَ مِنْ جُنونه، ولا ينتقِلُ الخِيارُ لوليِّه؛ لأنَّ الرَّغبةَ وعدمَها، لا تُعلم إلَّا مِنه. ولو خَرِسَ أحدُ المتعاقِدَين، قامَت إشارتُه المفهومَةُ مقامَ نُطقه. قال شيخُنا في شرحِه على «الإقناع»: قلت: وكذا كتابتُه، فإن لم تُفهم إشارةُ الأخرَسِ، أو جُنّ، أو أُغمِيَ عليه، قامَ أبوهُ، أو وصيُّه، أو الحاكِمُ، مقامَه. قاله في «المغني» و «الشرح» ولم يعلِّلْه بالسَّفيه. وهذا مبنيٌّ على قولٍ؛ لأنَّ في الحَجرِ: أنَّ مَنْ جُنّ بعد البلوغِ والرشد، لا ينظر في ماله، إلا الحاكِمُ، على الصَّحيح. صوالحي [¬١].

стр. 868

وتَحرُمُ: الفُرقَةُ مِنْ المَجلِسِ (١) خَشيَةَ الاستِقَالَةِ (٢). الثَّانِي: خِيارُ الشَّرْطِ. وهو: أن يَشْرِطَا- أو أحَدُهُما- الخِيَارَ (٣) إلى مُدَّةٍ مَعلُومَةٍ (٤). فَيصِحُّ (٥)، وإنْ طالَت (٦)، (١) قوله: (وتحرُمُ الفُرقَةُ من المَجلِس) أي: وتحرمُ الفُرقةُ من أحدِهما «من المجلس» أي: مجلسِ العقدِ، إلا بإذن الآخر. ويَسقُطُ الخيارُ، حتَّى مع عدَم الإذن. ح ف. (٢) قوله: (خشية الاستِقَالة) أي: خشية أن يفسخ صاحبه البيع في المجلس. (٣) قوله: (وهو أن يَشرِطَا [¬١] أو أحدُهُما الخيارَ) أي: أن يشترطَ المتعاقِدان، أو أحدُهما، الخيارَ في صُلب العقد، أو يشترطاه بعدَ العقد في زمنِ الخيارين؛ الذي هو: خيارُ المجلس، وخيارُ الشرط؛ لأن مدَّةَ خيارِ الشرط حيثُ صدَرَ، فهو بمنزِلةِ حالِ العقد. صوالحي [¬٢]. (٤) قوله: (إلى مدَّةٍ معلُومَةٍ) كيوم، أو أكثر أو أقلَّ، كإلى وقتٍ معلوم، كوقتِ الظُّهر أو العصر ونحوه. (٥) قوله: (فيصحُّ) أي: الشَّرطُ. (٦) قوله: (وإن طالت) غايةٌ لقوله: «فيصح». أي: مدَّةُ الخيار. ولا يصح اشتراطُه بعد لُزوم العقد، ولا إلى أجلٍ مجهول كحَصادٍ، وجَذاذ، ويصحُّ البيعُ ولا في عقدٍ حيلةً؛ ليربحَ في قرضٍ، فيحرُمُ، ولا يصحُّ البيعُ. وابتِداءُ

стр. 869

لكنْ: يَحرُمُ تَصرُّفُهُمَا (١) في الثَّمَنِ (٢) والمُثمَنِ (٣) في مُدَّةِ الخِيَارِ (٤). مدَّةِ خيارٍ: مِنْ وقتِ عقدٍ. وصورةُ عقدِ شرطِ الخيار المقصُودِ به الحيلةَ: أن يشتريَ الدارَ بشرطِ الخيار للبائع لمُدِّةٍ مُعيَّنة، ولم يقصِدَا حقيقةَ البيع، وإنما قصدُهُما: أن ينتفعَ المشتري بها مدَّة الخيار، وتكونَ ربحًا في القرض، ثم يُفسخُ البيعُ، فهو قرضٌ جرَّ نفعًا للمشتري بانتفاعِه بالدَّار في مدَّة الخيار ببيعٍ صورةً. أمَّا إذا أرادَ أن يُقرِضَه شيئًا يخافُ أن يذهب، فاشترى منه شيئًا، وجَعلَ له الخِيارَ، ولم يريدا حِيلةً، فإنَّ ذلك جائز. ح ف. (١) قوله: (لكنْ يحرُمُ تصرُّفُهما) استدراكٌ على قوله: «فيصح» أي: يحرم تصرُّفُ البائع والمشتري، أو أحدُهما. (٢) قوله: (في الثَّمَن) المُعيَّن، أو الذي في الذِّمة. (٣) قوله: (والمُثمَن) المبتاع؛ لزوالِ مِلك أحدِهما إلى الآخَر، وعدمِ انقِطاعِ عُلَقِ زائلِ المِلك. م ص [¬١]. (٤) قوله: (في مُدَّةِ الخِيار) متعلق ب «تصرُّف» أي: زمن خيارِ مجلسٍ، أو شَرطٍ. ففي خيارِ الشَّرط؛ سواء كان لهما، أو للبائعِ فقط، أو لغيرهما. وإن كان للمُشتري فقط، فله التَّصرفُ، ويَبطلُ الخيارُ به، كما يأتي في المتن. صوالحي [¬٢].

стр. 870

وينتَقِلُ المِلكُ: مِنْ حِينِ العَقدِ (١). فَمَا حَصَل (٢) في تِلكَ المُدَّةِ مِنْ النَّمَاءِ المُنفَصِلِ (٣): فلِلمُنتَقِلِ لَه (٤)، (١) قوله: (وينتَقِلُ المِلكُ من حينِ العَقدِ) أي: وينتقلُ المِلك في المَبيعِ للمشترِي، وفي الثَّمنِ للبائع زمنَ الخيارين، سواء كان لهما، أو لأحدِهما، من حينِ العَقدِ؛ لقوله ﷺ : «من باعَ عبدًا وله مالٌ، فمالُه للبائع، إلَّا أن يشترطَه المُبتاعُ». رواه مسلم [¬١]. فجعلَ مالَ المُبتاع باشتراطِه للمشتري، وهو عامٌ في كلِّ بيع، فشَمِلَ بيعَ الخيار. صوالحي [¬٢]. (٢) قوله: (فما حَصَل .. إلخ) في مدَّةِ الخِيارين. مُفَرَّعٌ على انتِقالِ المِلك. (٣) قوله: (في تِلكَ المُدَّة) أي: مدَّة الخيار (من النَّماءِ المُنفَصل) كالثَّمرة، وولدٍ، ولبنٍ. ولمُشترٍ كسبُه، ويجِبُ عليه ضمانُ نقصه. وعليه ضمانُ تلفِه إن تلِفَ، ولو بغير فعلِه، مدَّةَ الخيارين، إن ضمِنه أي: إن دخل المبيعُ في ضمان مشتر؛ بأن كان غير مكيلٍ ونحوه ولو قبلَ قبضِه، أو كان بعدَ قبضِه، أو بإتلافِ مشترٍ أو تَعييبِه مطلقًا؛ قُبض، أو لم يُقبض، اشتُري بكيل أو وزن، أو لا؛ لاستقرار الثَّمن بذلك في ذمَّته، والخيارُ يسقُط. وحكمُ تلفِ البَعضِ، أو إتلافِه، كتلَفِ الكلِّ في ذلك. ولم يتكلَّموا على إتلاف البائع والأجنبي في بُطلان الخيار به، أو عدمِه. ح ف وزيادة. (٤) قوله: (فللمنتَقِلِ له) جار ومجرور متعلق بقوله: «فما حصل .. إلخ» فللمنتقل له؛ من بائعٍ ومشتر. فما حصَلَ من النَّماء المُنفَصل زمنَ الخيار في

стр. 871

ولو أنَّ الشَّرطَ للآخَرِ فَقَط (١). العين المبتاعة، فللمشتري، وما حصلَ في الثَّمن، فللبائع؛ لأنه نماءُ مِلكِه الدَّاخِل في ضَمانِه، ولو حصلَ ذلك بيدِ البائع قبل قبضه للمشتري [¬١]؛ لحديث: «الخراجُ بالضَّمان» [¬٢]؛ والمبيعُ مضمونٌ على المشتري، فنماؤه له. لكن إنْ ردَّ الأمَةَ، وكانت ولدَت عندَ المشتري، فيردُّها مع ولدِها؛ لتحريِم التَّفريق بينهمَا وبينَ البائع. صوالحي [¬٣]. (١) قوله: (ولو أنَّ الشَّرطَ للآخَرِ فَقط) غايةٌ لقوله: «فما حصلَ في تِلكَ المُدَّة من النَّماء … إلخ». فللمتنقل له، ولو أنَّ شرطَ الخِيارِ كان للآخَر؛ من بائعٍ فقط، أو مُشتَرٍ فقط. والحَمْلُ وقتَ العقدِ مبيعٌ، لا نماءٌ، فهو كالولَدِ المُنفَصِل، فإذا وُلِدَ الحَمْلُ مدَّةَ الخيار، ثم ردَّها المُشتري على البائع بخيارِ الشَّرط، لزِمَ ردُّه؛ لأنَّ تفريقَ المبيعِ ضررٌ على البائع. قال العلَّامة ابنُ رجب في «القواعد»: وهو الأصح. وجزمَ به في «الإقناع». قال في «المنتهى»: وإن ردَّها بعيبٍ، ردَّها بقسطِها، كمن اشترى شيئين، فوجَدَ أحدَهما مَعيبًا، إلَّا أن يكونَ أمةً، فيَردُّ معَها ولَدَها، ويأخذ قيمته؛ لأنَّه ردَّ الولدَ؛ لتحريمِ التفريقِ، ويلزمُ البائعَ قيمتُه للمُشتري؛ لأنه نماءُ مِلكهِ. والنَّماءُ المتَّصل، كالسِّمَنِ والكِبَر، وتعلُّمِ الصَّنعةِ، وحَمْلِ الأَمة والبهيمَة، ونحو ذلك، للبائع. صوالحي [¬٤].

стр. 872

ولا يَفتَقِرُ فَسخُ مَنْ يَملِكُهُ (١): إلى حُضُورِ صَاحِبهِ (٢)، ولا رِضَاهُ (٣). فإن مَضَى زَمَنُ الخِيَارِ (٤) ولَم يُفسَخ: صَارَ لازِمًا (٥). ويَسقُطُ الخِيارُ: بالقَولِ (٦)، وبالفِعْلِ (٧)، كتَصرُّفِ المُشتَري في المَبِيعِ (٨) (١) قوله: (ولا يفتَقِرُ فَسخُ مَنْ يملِكُه) أي: ولا يفتقِرُ أي: لا يَحتَاجُ الفسخُ ممَّن يملِكُه أي: يملِكُ الفَسخَ في زمنِ الخِيارَينِ؛ مِنْ بائعٍ أو مُشتَرٍ. (٢) قوله: (إلى حُضُورِ صَاحِبهِ). متعلق ب: «يفتقر»، أي: لا يفتقرُ في الفَسخِ من يملِكُه إلى أن يكونَ بحضورِ صاحِبه، بل له الفسخُ من غيرِ حُضورِ صاحِبه. (٣) قوله: (ولا رِضَاهُ) أي: ولا يفتَقِرُ إلى رِضا صاحبِه؛ لأن الفسخ حَلُّ عقدٍ جُعل إليه، فجاز في غيبةِ صاحبه، ومع سُخْطِه، كالطَّلاق. م ص [¬١]. (٤) قوله: (فإن مَضَى زمنُ الخِيَار) أي: خيارِ المَجلِس، وخيارِ الشَّرط. (٥) قوله: (ولم يُفسَخ، صارَ لازِمًا) أي: ولم يَفسَخِ العقدَ أحدُهُما، أو هُما. (٦) قوله: (ويسقُطُ الخِيارُ بالقَولِ) أي: بقولِ البائعِ والمشتري، أو أحدِهما: أسْقَطْتُه، ونحو ذلك. (٧) قوله: (وبالفِعلِ) أي: وكذا يسقُطُ الخيارُ بالفِعل، أي: بفعلِ البائع والمشتري. (٨) قوله: (كتَصرُّفِ المُشتري في المَبيع) فإذا صدَر ما ذُكر من المُشتري، كان إمضاءً للبيع، وإبطالًا لخياره.

стр. 873

بِوَقفٍ (١)، أو هِبَةٍ (٢)، أو سَوْمٍ (٣)، أو لَمْسٍ لِشَهَوةٍ (٤). ويَنفُذُ تَصَرُّفُه إن كانَ الخِيَارُ لَهُ فَقَط (٥). (١) قوله: (بوقفِ) العينِ المُبتاعة. فالتنوينُ عِوضٌ عن المضاف إليه. (٢) قوله: (أو هِبةٍ) بأن وهبَها للغير. (٣) قوله: (أو سَومٍ) بأن سامَها للبيع. (٤) قوله: (أو لمْسٍ لشَهَوةٍ) أي: أو لمَسَ الأمةَ، أو قبَّلها؛ لشهوةٍ منه، ولا يُعتبرُ لَمْسُها هي، ولا قبلتُها له. قال الوالد: هذه عبارة «المنتهى» وقد اعترضَها «م ص» في «شرحه» بقوله: والأَولى: التعبير بالواو. ومرادُه أن «أو» بمعنى الواو؛ ولأنَّ اللَّمْسَ ليس من التَّصرُّف، فهو معطوف عليه بالرفع. والمعنى أي: يحرم تصرُّفُهما في الثَّمن .. الخ، ويحرُم لَمسٌ لشهوة؛ لأن البيع لا يصيرُ لازمًا إلا بعدَ انقضاء مُدَّةِ الخيارين. (٥) قوله: (ويَنفُذُ تصرُّفُه إن كان الخيارُ له فقط) أي: وينفذُ تصرُّفه في المَبيع، إن كان الخيارُ للمُشتري فقط، وكذا يسقُط خياره برهن، وإجارةٍ، ومُساقاة، ونحوِها، كما ذكره في «الإقناع» في خيار العَيب، لا لتجرِبَةٍ. وإن كان الخيارُ لهُما، فلا يَنفُذُ تصرُّفه؛ لمنع تصرُّفِهما زمنَ الخيارين، ما لم يكن بإذنِ البائع، فإنه إمضاءٌ للبيع. وإن تصرَّفَ مشترٍ في مُدَّة خيارَيْهِما، فيكونُ تصرُّفه مُسقِطًا لخياره، وخيارُ البائع باقٍ. وعتق المشتري الرقيقَ مبطلٌ للخيار، سواء كان الخيارُ لهما، أو لأحدِهما، وكذا عِتقُ البائِع الثَّمن، إذا كان الثمنُ رقيقًا. ووكيلُهما مثلُهُما في جميعِ ما ذُكر. ويُورثُ خيارُ الشَّرط إن طالبَ به مُستحِقُّه قبلَ وفاتِه، كشُفعَةٍ، وحَدِّ قذفٍ.

стр. 874

الثَّالِثُ: خِيَارُ الغَبْنِ (١). وهُو: أن يَبيعَ ما يُسَاوِي عَشَرَةً بثَمانِيَةٍ، أو: يَشتَرِيَ ما يُساوِي ثَمانِيَةً بعَشَرَةٍ (٢). فيَثبُتُ الخِيَارُ (٣). ولا أَرْشَ: مَعَ الإمسَاكِ (٤). وأما خيارُ العيب ونحوه، فيورثُ مجَّانًا، سواء طالب به مستحقُّه قبلَ وفاته، أم لا. صوالحي [¬١]. (١) قوله: (الثَّالِثُ: خيارُ الغَبْن) بسكون الباء الموحَّدة. يثبتُ إذا خرج عن العادة؛ لأنه لم يرد الشَّرعُ بتحديدِه، فَرُجِع فيه إلى العُرف، كالقبض، والحِرز. الوالد. (٢) قوله: (وهو أن يبيعَ ما يساويْ عشَرَةً بثمانيةٍ، أو يشتَري ما يُساوي ثمانيَةً بعشَرَةٍ) أي: وخيارُ الغَبْن أن يبيعَ البائعُ شيئًا يُساوي ثمانيةً بعشَرَة، أو أن يشتريَ المُشتري شيئًا يساوي ثمانيةً بعشرة. (٣) قوله: (فيثبتُ الخيار) أي: خيارُ الغَبْن، لكلٍّ من بايعٍ فيما باعَهُ، ومشترٍ فيما اشتراه، فيفسخ من أراد الفسخ منهما. (٤) قوله: (ولا أَرشَ مع الإمسَاك) أي: وإن أمسك المَغبُونُ، فلا أَرش لمغبونٍ مع إمساكِ المبيع؛ لأنَّ الشَّرع لم يجعله له، ولم يفت عليه جزءٌ من مبيعٍ يأخذُ الأرشَ في مقابلته، ويثبتُ ذلك في ثلاث صُور: أحدُها: الرُّكبانُ تلقَّاهم حَاضِرٌ، ولو بلا قصدٍ، إذا باعوا واشتروا، وغبنوا [¬٢]؛ لحديث «لا تلقَّوا الجَلَبَ، فمن تلقَّاه فاشترى منه، فإذا أتَى

стр. 875

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . السُّوقَ، فهو بالخيار». رواه مسلم [¬١]. والبيعُ صحيح؛ لأنَّ ثبوتَ الخيار لا يكون إلَّا في صحيح، والنَّهي لا يرجِع لمعنًى في البيع، وإنَّما هو بسبب الخَديعَةِ، ويُمكن استدراكُها بالخيار، أشبهَ المُصَرَّاةَ، أي: مُصرَّاةَ اللَّبن. الثانيةُ: المُستَرسِلُ، وهو مِنْ استرسَلَ، إذا اطمأن واستأنس. وشرعًا: مَنْ جَهِلَ القِيمةَ من بائعٍ ومُشترٍ، ولا يُحسن يُماكِس. فيُقبل قوله بيمينه في جَهلِ القيمة، إن لم تكذِّبه قَرينةٌ. وقال ابنُ نصر اللَّه: الأظهرُ احتياجُه إلى بيِّنة. وكذا إجارةٌ، إذا جَهِلَ أجرةَ المِثل، فإن فَسَخَ المؤجِّرُ لغَبنِه في أثناءِ المُدَّة، كان الفسخُ من حين العَقْدِ، ويَرجِعُ بأُجرة المثل على المُستأجِر. وإن فَسَخَ المستأجرُلغَبنِه في أثناءِ المدة، وكان المؤجِّرُ قَبَضَ منه أُجرةَ مدَّة التَّواجرِ، فَيرجِعُ على المؤجِّر بما بَقيَ من المُسمَّى، وبما زادَ من أُجرة المثل في الماضي. الثالثة: النَّجْشُ بنون وجيم وشين من نجَشْتُ الصيد، إذا أثرتُه. كأنَّ الناجِش يثيرُ كثرةَ الثَّمن بنجْشِه، وهو: أن يزيدَ في ما يُباع مَنْ لا يُريدُ شراءَها، ولو بلا مُواطأةٍ مع البائع، أو أنَّ البائعَ يزيدُ بنفسه، وهذا كلُّه حرام. ومن النَجْشِ أيضًا قولُ بائعٍ: أُعطِيتُ كذا، وهو كاذِبٌ، فيثبتُ به خيارُ الغَبنِ. صوالحي وزيادة [¬٢].

стр. 876

الرَّابِعُ: خِيَارُ التَّدلِيسِ. وهُو: أن يُدَلِّسَ البَائِعُ على المُشتَرِي ما يَزِيدُ بهِ الثَّمَنُ (١)، كتَصْرِيَةِ اللَّبَنِ في الضَّرْعِ (٢)، وتَحمِيرِ الوَجهِ، وتَسوِيدِ الشَّعرِ (٣). (١) قوله: (الرابعُ: خيارُ التَّدليس) من الدَلَسَةِ بالتحريك وهي الظُّلمة، كأنَّ البائع بفعلِه الآتي صيَّر المشتري في ظُلمة. قال الجوهري: وهو كِتمانُ العيبِ في السِّلعة عن المشتري. والتَّدليسُ ضربان: أحدُهما: كِتمانُ العيب. والثَّاني: فِعلُ البائعِ بالمبيع (ما يزيدُ به الثَّمن) ولو لم يكن عَيبًا. (٢) قوله: (كتصرِيَة اللَّبنِ في الضَّرع) أي: جمع اللَّبن في الضَّرع؛ لحديث: «لا تُصَرُّوا الإبِلَ والغنَمَ، فمن ابتاعَها، فهو بخيرِ النَّظرين بعد أن يحلبَها، إن شاء أمسَكَ، وإن شاءَ ردَّها، وصاعًا من تمر». متفق عليه [¬١]. ونحوِه، كجمعِ ماءِ الرَّحَى، وإرسالِه عندَ عَرضِها. وخيارُ التَّدليس على التَّراخي، إلا المُصَرَّاة، فيخيَّرُ ثلاثةَ أيامٍ منذُ علم، بين إمساكٍ بلا أرش، وردِّ لبنِها إن بَقيَ بحالِه، وإلَّا فيردُّ مع المُصرَّاةِ بدل اللَّبن صاعَ تَمرٍ سليمٍ إن حَلبَها، ولو زادَ عليها قيمةً. فإن عُدِم التَّمرُ في مَحلِّ المُصرَّاة، فعليه قيمتُه موضِعَ عقدٍ؛ لأنه محلُّ الوجوب. عثمان [¬٢]. (٣) قوله: (وتَحمِيرِ الوَجهِ، وتسويدِ الشَّعر) أي: وكتحميرِ الوجه، وكتسويدِ الشَّعر وتجعِيدِه، وكذا تحسين وجه الثوب، وصَقْلِ وجه المتاع، ونحوه، بخلافِ علَف الدَّابة حتى تمتلئ خواصِرُها، فيُظَنُ حَملُها، وكِبَرِ ضَرعِ

стр. 877

فَيَحرُمُ (١)، ويَثبتُ للمُشتَرِي الخِيَارُ (٢)، حتَّى ولَو حَصَلَ (٣) التَّدلِيسُ مِنْ البَائِعِ بِلا قَصْدٍ (٤). الخَامِسُ: خِيَارُ العَيبِ (٥). فإذا وَجَدَ المُشتَرِي بِمَا اشتَرَاهُ عَيْبًا (٦) البهيمةِ خِلقَةً بحيثُ يُظَنُ كثرةُ لبنِها، فليس للبائع الخيار في ذلك. صوالحي [¬١]. (١) قوله: (فيحرُمُ) فعلُ ذلك، والعقدُ معه صحيح. (٢) قوله: (ويثبتُ للمُشتَري الخِيارُ) في جميع ما ذُكر، إن لم يعلَم به؛ من ردٍّ وإمساكٍ. (٣) قوله: (حتَّى ولو حَصَل) غاية لقوله: «ويثبت الخيار»، لا لقوله: «فيحرُم». (٤) قوله: (التَّدلِيسُ من البائِع بلا قَصْدٍ) كحُمرةِ وجهِ الجارية؛ لخجلٍ، أو تعب ونحوه؛ لأنه لا أثرَ له في إزالةِ ضَررِ المشتري. فإن عَلِمَ مشترٍ بتدليسٍ، فلا خيار له؛ لدخوله على بصيرة، وكذا لو دلَّسه بما لا يزيدُ به الثمن، كتَسْبِيطِ الشَّعر؛ لأنه لا ضرر بذلك على مُشترٍ. الوالد. (٥) قوله: (الخامِسُ: خيارُ العيب) وما بمعناه، وهو: نقصُ عينِ المبيع، كخِصَاءٍ، ولو لم تنقص به قيمتُه، بل ولو زادت. أو نقصُ قيمةٍ عندَ تُجَّار، ولو لم تنقُص عينُه. صوالحي [¬٢]. (٦) قوله: (فإذا وَجَدَ المُشتري بمَا اشتراهُ عَيبًا) كمرضٍ من آدمي أو حيوان، وذهابِ عضو، ولو أصبعٍ، وسِنٍّ كَبيرٍ، وكزيادة أصبُعٍ، وعَمًى، وعَورٍ،

стр. 878

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وحَوَلٍ [¬١]، بفتحتين: اعوجاجُ العين وخروجُها عن الاستواء، وسَبَلٍ: زيادةٍ في أجفانٍ، وصَمَمٍ وخَرَسٍ، وصُنانٍ، وبَخَرٍ، وبَهَقٍ، وبرص، وجُذام، وفالج [¬٢]، وكَلَف [¬٣]، وجنون، واستحاضة، وسُعالٍ، وبحَّة، وآثارِ قُروح، وجروحٍ، ووسخٍ رَكِبَ الأسنانَ، وإهمالِ أدب، والاستطالةِ على الناس، فله الفسخ بذلك، وكثرةِ كَذِبٍ، وزِنَى مَنْ بلَغَ عَشرًا فصاعدًا؛ فاعلًا أو مفعولًا، وسرقة، وشرب مسكر، وإباقَةٍ، وبَولٍ في فراشٍ، واختلافِ أضلاعٍ وأسنانٍ، وطولِ أَحَدِ ثَدْيَي أمَةٍ، وكأكلِ طِينٍ؛ لأنه من مَرض. لا صُداعٍ، وحُمَّى يَسيَرينِ، ولا سُقُوطِ آياتٍ يَسيرةٍ عُرفًا بمُصحَفٍ، ونحوه، وحَملِ أمَةٍ، لا بهيمَةٍ، وعدَمِ خِتانِ ذَكَرِ كَبيرٍ، وأعسر، وعَفَل، وقَرَن، وفَتَقٍ، ورَتَقٍ، ويأتي معناها في النكاح إن شاء اللَّه تعالى. وكمجوسية. لا أختٍ مِنْ رضَاعٍ، وحَمَاةٍ، وموطؤةِ أبيهِ أو ابنِهِ. وكزرعٍ وغرسٍ في أرض، وإجارة في عين، وكحيَّةٍ في مكان، وبَقٍّ ونحوه، غيرِ معتاد، ومكانٍ يَنزِلُهُ الجُندُ. لا ثُيوبَةٍ. ومن عيوب المبيع: عَثْرُ مركُوبٍ، وعضٌّ، ورَفسٌ، وحَرَنٌ، وقوةُ رأس، وكيٌّ، وظَفَرٌ، وشق أذن، ولو مخيطًا، وغُدَّة، وعُقدَة، وشقاقٌ بيَدٍ أو رِجْلٍ، أو وَرَمُ حافِرٍ، أو خروجُ عُرقُوبٍ، أو مُختَلِفَةُ العَينَين، كعينٍ زرقاء وأخرى

стр. 879

يَجْهَلُهُ (١): خُيِّرَ: بَينَ رَدِّ المَبيعِ بنَمَائِهِ المُتَّصِلِ (٢)، وعَلَيهِ أُجرَةُ الرَّدِّ (٣)، ويَرجِعُ بالثَّمَنِ كامِلًا (٤). وبَينَ إمسَاكِهِ (٥)، سوداءَ، ونحوِه. صوالحي باختصار [¬١]. (١) قوله: (يجهلُهُ) أي: المشتري، سواء كان يعلمه البائع، أو لا، وسواء كان موجودًا حال العقد، أو حدث بعد العقد عند البائع قبل تسليمه، فيما ضمانُه عليه، كمَكِيلٍ وموزون ونحوه، وكثَمَرٍ على شَجَر ونحوه. صوالحي [¬٢]. (٢) قوله: (خُيِّر بينَ ردِّ المبيع بنمائِه المتَّصل) أي: خُيِّر المشتري في ذلك، بين ردِّ المبيع على بائعه، بنمائه المتصل، كسِمَنٍ وتعلُّم صنعة، لا المنفصل، كما تقدم. (٣) قوله: (وعليه أجرةُ الردِّ) أي: وعلى المُشتري أجرةُ الردِّ، كأجرة حمله ونقله؛ لحديث «على اليدِ ما أخذَت، حتَّى تؤديه» [¬٣]. صوالحي [¬٤]. (٤) قوله: (ويرجِعُ بالثَّمنِ كامِلًا) أي: ويرجعُ المُشتري بالثمن كاملًا على البائع، إن كان أقبضَه، حتَّى ولو أوهبَ البائعُ للمشتري الثَّمن، أو أبرأه منه. (٥) قوله: (وبين إمسَاكِه)، أي: إمساكِ المَبيع.

стр. 880

ويَأخُذُ الأَرْشَ (١). ويَتعيَّنُ الأَرشُ: مَعَ تَلَفِ المَبيعِ (٢) عِنْدَ المُشتَرِي (٣). ما لَم يَكُنْ البَائِعُ عَلِمَ بالعَيبِ وكتَمَهُ؛ تَدلِيسًا على المُشتَرِي: فيَحرُمُ (٤)، ويَذهَبُ (٥) (١) قوله: (ويأخذُ الأَرشَ) أي: أرشَ عيبه؛ لأنَّ المتبايعين تراضيا على العوض في مقابلة المُعوَّض، فكل جزء من المعوض يقابِله جزء من العِوض، ومع العيب فاتَ جزءٌ من المبيع، فله الرجوع ببدله؛ وهو الأَرش، أي: قِسطُ ما بين قيمته صحيحًا ومعيبًا، من ثمنه، نصَّا. فلو قُوِّمَ مبيعٌ صحيحًا بخمسةَ عشَرَ، ومعيبًا باثني عشَرَ، فقد نقصَ خُمُسُ قيمته؛ ثلاثة، فيرجع بخُمُس الثَّمن، فلو كان الثمن خمسة وعشرين، فيرجع بخُمُس الثمن؛ خمسة، وهكذا. عثمان [¬١] بإيضاح. (٢) قوله: (ويَتعيَّنُ الأَرشُ مع تَلفِ المَبيع) أي: ويتعيَّن الأَرش على البائع معَ جهلِه بالعيب؛ لتعذُّر الرَّد، وعدمِ الرضا به ناقصًا مع تلف المبيع كقتل رقيق [¬٢]. الوالد. (٣) قوله: (عندَ المُشتَري) لأنَّ الأرشَ يستحقُّه المُشتري، فلا يضيع بتلفه. (٤) قوله: (ما لم يكُن البائِعُ عَلِمَ بالعَيبِ) هذا ما لم يكن البائعُ علم بعيبِ المَبيع قبلَ بيعه. (وكتمه تدليسًا على المُشتَري، فيحرُم) أي: التدليس. (٥) قوله: (ويذهَبُ) ما تلف من المبيع.
следующие страницы →