← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30066

فتح وهاب المآرب على دليل الطالب - ت الجماز

ابن عوض

Полный текст (2 241 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

ومَتَى بَذَلَ المُقتَرِضُ ما عَلَيهِ بِغَيرِ بَلَدِ القَرْضِ، ولا مُؤْنَةَ لِحَمْلِهِ: لَزِمَ رَبَّهُ قَبُولُه، مَعَ أَمنِ البَلَدِ والطَّرِيق (١). اقترضَه، بلا مُواطأة في الجَميع، أي: ممَّا أخذَه، كصِحَاحٍ عن مُكسَّرة، أو أجودَ نقدًا أو سِكَّةً مما اقترضَ، وكذا ردُّ نوعٍ خيرًا مما أخذَه، أو أرجَحَ يسيرًا في قَضَاءِ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ. وفي «المغني» و «الكافي»: تجوزُ الزيادة في القَدرِ والصِّفة؛ للخبر [¬١]. م ص [¬٢]. (١) قوله: (ومتَى بذلَ المُقتَرضُ … إلخ) أو الغاصِبُ (ما عليه بغيرِ بلَدِ القَرض) أو الغَصب (ولا مَؤُنَة لحَمْلِه، لَزِمَ ربَّه) أي: ربَّ القرض، قبولُ أخذِه، إذا كان ذلك (مع أمن البلَدِ والطَّريق)؛ لعدم الضَّرر عليه. فإن كان لحملِه مَؤُنَةً، أو البلدُ أو الطريقُ غيرَ آمن، لم يلزمْه قبولُه. وإن طالَب ربُّ قَرضٍ، أو غَصبٍ، ببدَلِه، ببلَدٍ آخر، لزِمَه دفعُ المِثل إذا كان لا مَؤُنَةَ لحملِه، فإن كان لحملِه مؤنة، وقيمتُه في بلد القرضِ أو الغَصبِ أنقصُ من قيمة بلد الطلب، فلا يلزمُ المُقتَرِضَ أو الغَاصِبَ إلَّا قيمتُه في بلدِ [¬٣] القَرضِ أو الغَصبِ فقط، وليس له الطلبُ بالمِثل. م ص [¬٤]

стр. 947

بابُ الرَّهْنِ يَصِحُّ بشُرُوطٍ خَمسَةٍ: كَونُهُ مُنَجَّزًا (١). وكَونُهُ مَعَ الحَقِّ، أو بَعدَهُ (٢). بابُ الرَّهنِ وهو لغةً: الثبوتُ والدَّوام. يقال: ماءٌ راهِنٌ، أي: راكِدٌ. ونِعمَةٌ راهِنةٌ، أي: دائِمةٌ. وشرعًا: توثقةُ دينٍ بَعينٍ، يُمكِنُ استيفاؤه مِنها، أو مِنْ ثمنِها. وهو جائز بالإجماع. ولا يصح بدون إيجابٍ وقبولٍ، أو ما يدلُّ عليهِما، وكونِ راهنٍ مالِكًا لمرهونٍ، أو مأذونًا له فيه. وأركانُه أربعة: الصِّيغةُ، والمَرهُونُ، والمَرهونُ بِه، والمتعاقِدان. عثمان [¬١] وزيادة. (١) قوله: (يصِحُّ بشرُوطٍ خَمسَةٍ: كونُه مُنَجَّزًا) أي: يصِحُّ الرَّهنُ بشروطٍ خَمسَةٍ؛ أحدُها: كونُه، أي: الرَّهنِ، مُنجَّزًا، فلا يصح مُعلقًا، كالبيعِ؛ بأن يقولَ: أقرِضني كذا، وإذا قَدِمَ زيدٌ رَهنْتُ عِندَك كَذَا. فلا يَصِحُّ. ح ف. (٢) قوله: (وكونُه مع الحَقِّ) الشرطُ الثاني: كون الرَهْنِ مع الحقِّ (أو بعدَه)، فلا يصحُّ كونُه قبلَه، كقوله: رهنتُكَ عبدِي هذا على ألفٍ تُقْرِضنِيهِ في غَدٍ؛ لأن الرَّهن تابعٌ له كالشَّهادة، فلا يتقدَّمه، بخلافِ الضَّمان. والفرقُ بينهما: أن الضَّمانَ التزام مالٍ تبرُّعًا بالقول، فجازَ في غيرِ حقٍّ ثابت كالنَّذر، قاله في

стр. 948

وكُونُهُ مِمَّنْ يَصِحُّ بَيعُهُ (١). وكَونُه مِلكَهُ (٢)، أو مأذُونًا لَهُ في رَهْنِهِ (٣). وكَونُهُ مَعْلُومًا جِنْسُهُ، وقَدْرُهُ، وصِفَتُهُ (٤). «شرح الإقناع» [¬١] وإيضاح. (١) قوله: (وكونُه ممَّن يَصِحُّ بيعُه) الشرط الثالث: كونُه ممَّن يصِحُّ بيعُه. المرادُ به: جائز التَّصرف، وهو الحُرُّ، المكلَّف، الرَّشيدُ، فيشملُ وليَّ اليتيم، ويُخرِج المُكاتَبَ والعبدَ المأذونَ له. وقد أشار إلى ذلك في «شرح المنتهى» [¬٢]. الوالد. (٢) قوله: (وكونُه مِلكَهُ) والرابع: كونُ الرهنِ مِلكَ الراهن، ولو لمنَافِعه بإجارَةٍ، أو للانتفاع به بعارية، فيصحُّ رهنُ مؤجَرٍ ومُعارٍ، بإذن مؤجِرٍ ومُعير، لكن ينبغي أن يَذكُر لهما القَدرَ الذي يُرهَن عليه، وجنسَه، ومدَّتَه؛ دفعًا لتغرِيرِهما. فمتَى أعلَم ربُّهما بشيءٍ من ذلِك ثمَّ خالَف ورَهَنه بغيرِه، لم يصحَّ الرهن. فإذا أذِنَ المُؤجِّر، أو المُعِير أن يرهنَ العين على قدرٍ مُعيَّنٍ، فرهنَه على أكثر، صحَّ فيما أُذِن له، وبطلَ في الزائد. فإن رهنه على دونِ ذلك، صحَّ. صوالحي. (٣) قوله: (أو مأذُونًا له في رَهنِه) فلا يصِحُّ رهنُ مالِ غَيرِه بغيرِ إذنِه. (٤) قوله: (وكونه معلومًا) والخامِسُ: كونُ الرهنِ معلومًا (جنسُه، وقدرُهُ، وصِفَتُه)؛ لأنه عقدٌ على مالٍ، فاشتُرِط العِلمُ به، كالبيع. فلو قال: رهنتُكَ ما في هذَا الكِيسِ. ولم يعلَم ما فِيه، لم يصِحَّ. انتهى. الوالد.

стр. 949

وكُلُّ ما صَحَّ بَيعُهُ (١): صَحَّ رَهْنُهُ (٢)، إلَّا: المُصْحَفَ (٣). وما لا يَصِحُّ بيعُه (٤): لا يَصِحُّ رَهْنُهُ (٥)، إلَّا: الثَّمَرَةَ قَبلَ بُدُوِّ صَلاحِها (٦)، (١) قوله: (وكلُّ ما صَحَّ بيعُه) من الأعيانِ، ولو كان الرَّهنُ نقدًا، أو مُؤجَّرًا، أو مُعارًا، ولو لربِّ دين؛ لأنه يصِحُّ بيعُه. م ص [¬١] وزيادة. (٢) قوله: (صحَّ رهنُه) ولو كانَ رهنُ المَبيعِ على ثَمَنٍ، غيرِ مَكيلٍ، ومَوزُونٍ، ومَعدُودٍ، ومذرُوعٍ. وما بيعَ بصفَةٍ، أو رُؤيةٍ متقدِّمة قبلَ قبضِه، لم يصِح بيعُه، فلا يصِح رهنُه. صوالحي باختصار. (٣) قوله: (إلا المُصْحَفَ) فإنه لا يصِحُّ رهنُه، ولو لمُسلِمٍ؛ لأنَّه وسيلَةٌ إلى بيعِه المحرِّم. فهو مُستثنَى من القَاعدة. (٤) قوله: (وما لا يصِحُّ بيعُه) كحرٍّ، وأمِّ ولد، ووقفٍ، وكَلْبٍ، وآبقٍ، ومجهولٍ. م ص [¬٢] هذا مفهومُ القاعِدَة، ولا يُكَتفى بمَعرِفَة المَفهُومِ من غيِر تصريحٍ به في الفُروعِ الفِقهية؛ لئلا يكونَ المفهومُ غيرَ مَرضِيٍّ. (٥) قوله: (لا يصِحُّ رهنُه)؛ لأن القَصدَ منه استيفاءُ الدَّين من ثمنِه عندَ التَّعذر، وما لا يصح بيعُه لا يُمكِن فيه ذلك. ويصحُّ رهنُ المَساكِن، وهي البناءُ من أرضِ مِصْرَ ونحوِها، ولو كانت آلتُها منها؛ لأنه يصح [¬٣] بيعها. م ص [¬٤]. (٦) قوله: (إلا الثَّمرةَ قبلَ بدُوِّ صلَاحِها) أي: إلَّا رهنَ الثَّمرةِ قبلَ بدُوِّ صلاحِها

стр. 950

والزَّرْعَ قَبلَ اشتِدَادِ حَبِّه (١)، والقِنَّ دُونَ رَحِمِهِ المُحَرَّمِ (٢). ولا يَصِحُّ: رَهنُ مالِ اليَتِيمِ للفَاسِقِ (٣). بلا شَرطِ قطعٍ، فيصِحُّ. هذا وما عُطف عليه مُستثنى من مفهُوم القاعدة. (١) قوله: (والزَّرعَ قبلَ اشتِدَادِ حَبِّه) أي: وإلَّا رهنَ الزَّرع قبلَ اشتدادِ حبِّه بلا شرط قطعٍ، فيصِحُّ؛ لأن النهي عن بيعها لعدَم أمنِ العَاهة، وبتقديرِ تلَفِها لا يفوتُ حقُّ المرتَهِن من الدَّينِ؛ لتعلُّقِه بذمَّةِ الراهن. م ص [¬١] وزيادة. (٢) قوله: (والقِنَّ) أي: وإلَّا رهنَ القِنِّ، ذكرًا وأُنثى، مفردًا عن رحِمِه، فيصِحُّ، كولدٍ ووالدٍ، وأخٍ؛ لأن تحريمَ بيعِه وحدَه؛ للتَّفريقِ بين ذيِ الرَّحِمِ المَحرَمِ، وهو مفقودٌ هنا؛ لأنه إذا استُحقَّ، بِيعَ الرهنُ، يُباعُ هو ورحِمُه المَحْرَمِ، ويَستَوفِي ربُّ الدَّين مِنْ ثمنِ الرهن بما خصَّه، كأن كانت قيمةُ أمِّ الولد المرهُونَةِ إذا بيعت معَ ولدِها مائةً، وقيمةُ ولدِها خمسون، الجملة: مائةٌ وخمسون، فيستَوفِي المائةَ ثمنَ الرَّهن في مقابلَة دينِه إن كان دينُه مائةً، فإن زاد عن دينِه فللرَّاهن، وإن نقَصَ، فباقيه بذمَّة الراهن يُطلَب منه. صوالحي. (٣) قوله: (ولا يصِحُّ رهنُ مالِ اليتيمِ للفَاسِق) لأنه تعريضٌ للهلاك؛ لأنه قد يجحدُه الفاسِقُ أو يُفرِّط فيه، فيضيع. م ص [¬٢].

стр. 951

فَصْلٌ وللرَّاهِنِ: الرُّجُوعُ في الرَّهْنِ (١)، ما لَم يقبِضْهُ المُرتَهِنُ (٢)، فإنْ قَبَضَه: لَزِمَ (٣). ولم يَصِحَّ (٤): تَصَرُّفُهُ (٥) فيهِ (٦) فَصْلٌ (١) قوله: (وللرَّاهِنِ الرُّجُوعُ في الرَّهن) أي: له فسخُ الرَّهن؛ لعدمِ لزومِه بدونِ القَبضِ. فإن تصرَّفَ الراهِنُ فيه بنحو بيعٍ أو عِتقٍ، بَطَلَ. ولا يُجبَرُ راهِنٌ على إقباضِه إن امتنَع؛ لعدَمِ لزومِه، ويبقَى الدَّينُ بغير رهن. صوالحي. (٢) قوله: (ما لم يقبِضْهُ المُرتَهِن) لقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ [البَقَرَة: ٢٨٣]. ولأنه عقدُ إرفاقٍ يفتَقِر إلى القَبول، فافتقَر إلى القَبض، كالقَرضِ. م ص [¬١]. (٣) قوله: (فإن قبضَه، لَزِمَ) الرهنُ في حقِّ راهنٍ فقط؛ لأنَّ الحظَّ فيه لغيرِه، فلزِمَ من جِهَته، كالضَّامن، بخلاف مرتَهِنٍ؛ لأن الحظ فيه له وحدَه، فكان له فسخُه، كالمضمونِ له. م ص [¬٢]. (٤) قوله: (ولم يصِحَّ) ولم ينفُذ. (٥) قوله: (تصرُّفه) أي: تصرُّفُ الراهِنِ. (٦) قوله: (فيه) أي: في الرَّهن المَقبُوضِ.

стр. 952

بِلا إذْنِ المُرتَهِن (١)، إلَّا بالعِتقِ (٢)، وعَلَيهِ (٣) قِيمَتُهُ مَكَانَهُ، تَكُونُ رَهْنًا (٤). وكَسْبُ الرَّهْنِ ونَمَاؤُهُ (٥): رَهْنٌ (٦). وهو: أَمانَةٌ بِيَدِ المُرتَهِنِ (٧)، (١) قوله: (بلا إذن المُرتَهِن) لأنه يُفوِّتُ على المُرتَهِنِ حقَّه. (٢) قوله: (إلا بالعِتقِ) أي: إلَّا إذا تصرَّف فيه بالعِتقِ، أي: عِتْقِ الراهِن المرهُونَ، فيصحُّ مع الإثم؛ لأنه مبنيٌّ على التَّغليبِ والسِّراية. ويحرُم عِتقُ راهِنٍ لرَهنٍ بلا إذن مرتَهِن؛ لإبطالِه حقَّه من عينِ الرَّهن. ويُعايا بها، فيقال: مالِكُ رقبةٍ كلِّها، ويحرُم عليه عتقُها؟. م ص [¬١]. (٣) قوله: (وعليه) أي: على الراهِن المُوسِر، أو المُعسِر إذا أَيسَر. (٤) قوله: (قيمتُه مكانَه، تكونُ رَهنًا) أي: قيمةُ الرهن مكانَه، تكونُ رهنًا؛ عِوضًا عن الرهن؛ لأنها بدلٌ عنه. وكذا لو قُتِلَ، أو أحبَل الأمةَ بلا إذنِ مُرتَهِنٍ، أو أقرَّ بعتقٍ، وكذَّبه. انتهى. الوالد. (٥) قوله: (وكَسْبُ الرَّهنِ ونماؤُه) المُنفصِل والمُتَّصِل، كسِمَنٍ، وتعلُّمِ صَنعة، وولدٍ، وثمرةٍ، وصوفٍ، وكَسْبِهِ، وأَرشِ جنايةٍ عليه. انتهى. الوالد. (٦) قوله: (رَهنٌ) لأنه بدلُ جُزئِه، فكانَ منه، كقيمتِه لو أُتلِفَ. م ص [¬٢]. (٧) قوله: (وهو أمانةٌ بيدِ المُرتَهِنِ) ولو قبلَ عقدِ الرَّهن، كبعدَ وفاءِ دَينٍ، أو إبراءٍ منه، ولأنه لو ضُمِنَ؛ لامتنَعَ النَّاسُ من خوفِ ضَمانِه، فتتعطَّل المُداينات. ولا يسقُطُ بتلَفِ الرَّهن شَيءٌ من دينِه؛ لأنه كان ثابتًا في ذمة الراهن قبلَ التلف، ولم يوجَد ما يُسقِطُه، فبقي بحاله. فيه إشارةٌ إلى خلافِ أبي حنيفة،

стр. 953

لا يَضمَنُهُ إلَّا بالتَّفرِيطِ (١). ويُقبَلُ قَولُهُ بِيَمِينِه في تَلَفِهِ (٢)، وأنَّه لَم يُفَرِّط (٣). وإنْ تَلِفَ بَعْضُ الرَّهْنِ: فَبَاقِيهِ رَهْنٌ بجَمِيعِ الحَقِّ (٤). ولا يَنفَكُّ مِنهُ فإن عندَه: أنه يسقُط بالتَّلف من الدَّين قدرُ المَرهُونِ، إذا كان مِثليًّا من جنسِ الدَّين. ح ف. (١) قوله: (لا يضمَنُه، إلَّا بالتَّفريطِ) أي: أو التعدِّي. مثال التعدِّي: كما لو استعمَلَه، أو أجرَّه، أو أعارَه، بغيرِ إذنِ الراهِن؛ لأنه خرجَ بذلِك عن الائتمان، فصارَ كالغاصِب. ومثالُ التَّفريط: كما لو جعلَه في غيرِ حِرزِ مثلِه، ونحوِه؛ لتفريطِه. ح ف. (٢) قوله: (ويُقبَلُ قولُه بيمينِه في تَلَفِه) أي: ويقبلُ قولُ المرتِهنِ بيمينه في تلفه؛ حيثُ لا بيِّنة، وفي قيمةِ الرَّهن؛ حيث لزِمته إن ساغَ ولا بيِّنة. وحكمُ العَدْلِ كذلك. فإن ادَّعى المرتَهِنُ تلَفَ الرهن بحادِثٍ ظاهرٍ كنهبٍ وحَريقٍ، أو [¬١] خفيٍّ كسَرِقَةٍ ونحوِها، أو لم يعيِّن سببًا وقامت بينتُه به، فإن أنكرَ الراهِنُ التَّلف به، حلَفَ أنه تلِفَ به، وبَريءَ، وإن لم تقُم بيِّنةٌ بالحادِث الظَّاهِر، لم يُقبل قولُه؛ لأنَّ الأصلَ عدمُه، لأنه لا تَعذُّر لإقامة البينة عليه، وإن ادَّعى تلَفَه بسببٍ، قُبِلَ قولُ المُرتَهنِ بيمينِه في تلَفِه به. ح ف وزيادة. (٣) قوله: (وأنه لم يُفرِّط) أي: وكذا يُقبل قولُه بيمينِه في أنَّه لم يفرِّط في الرَّهن، حيثُ لا بينة. انتهى. الوالد. (٤) قوله: (وإن تلِفَ بعضُ الرَّهنِ، فباقِيه رهنٌ بجَميعِ الحَقِّ) لتعلُّق الحقِّ كلِّه بجميعِ أجزاءِ الرهن.

стр. 954

شَيءٌ: حتَّى يُقْضَى الدَّينُ كُلُّهُ (١). وإذا حَلَّ أجَلُ الدَّينِ (٢)، وكَانَ الرَّاهِنُ قَدْ شَرَطَ للمُرتَهِنِ: أنَّهُ إنْ لَم يَأتِهِ بِحَقِّهِ عِنْدَ الحُلُولِ (٣)، وإلَّا فالرَهْنُ لَهُ (٤): لم يَصِحَّ الشَّرطُ (٥). بل: يَلزَمُهُ الوَفَاءُ (٦). أو: يأذَنَ (٧) للمُرتَهِنِ في بَيعِ الرَّهْنِ. أو: يَبِيْعُهُ هُو بنَفسِهِ (٨)؛ لِيُوَفِّيَه حَقَّهُ. فإنْ أبَى (٩): (١) قوله: (ولا ينفَكُّ منه شيءٌ حتَّى يُقضَى الدَّينُ كلُّه) أي: ولا ينفَكُّ من الرهن شيء حتَّى يُقضَى الدَّينُ كلُّه؛ لتعلُّق حقِّ الوثيقةِ به، فيصيرُ محبوسًا بكلِّ جُزءٍ منه، ولو ممَّا ينقَسِمُ إجبارًا، أو قَضَى أحدُ الوارِثين حِصَّتَه من دينِ مُورِّثه، فلا يملِكُ أخذَ حِصَّته منه. صوالحي. (٢) قوله: (وإذا حَلَّ أجلُ الدَّينِ) المؤجَّل. (٣) قوله: (عندَ الحلول) أي: حلولِ الأجل إذا كان مؤجَّلًا. (٤) قوله: (وإلَّا فالرَّهنُ له) أي: وإن حَلَّ الأجلُ ولم يأتِه بحقِّه، فيكونُ الرهنُ للمرتَهِنِ. (٥) قوله: (لم يصِحَّ الشَّرطُ) لفسَادِه. (٦) قوله: (بل يلزمُه الوفاءُ) أي: بل يلزمُ المَدينَ وفاءُ دينِه. (٧) قوله: (أو يأذَنُ) أي: الراهن. (٨) قوله: (أو يبيعُه هو) أي: أو أنَّ الراهِنَ يبيعُه هو. وإن كان الراهن قد أَذِنَ في البيعِ عندَ المُرتَهِن، لم يحتَج لتجدِيدِ الإذنِ عندَ الحُلول. الوالد. (٩) قوله: (فإن أبَى) الراهِنُ وفاءَ الدَّين، أو الإذنَ للمرتَهِن في بيعِه، أو أبَى أن يبيعَه هو بنفسِه. صوالحي.

стр. 955

حُبِسَ، أو عُزِّرَ (١). فإن أَصرَّ: باعَهُ الحَاكِمُ (٢). (١) قوله: (حُبِسَ أو عُزِّرَ) أي: حبسَه الحاكِم أو عزَّره حتَّى يفعلَ ما أُمر به، فإذا أصرَّ، أي: أقامَ على الامتناعٍ من كلٍّ منهما، أو كانَ غائبًا مسافةَ قَصرٍ، أو تغيَّب. انتهى. الوالد. (٢) قوله: (باعَه الحَاكِم) أي: باعَ الرهنَ الحَاكِمُ، ووفَّى الدَّين؛ لأنه حقٌّ تعيَّن عليه، فقامَ الحاكِمُ مقامَه فيه، وليسَ لمرتَهِنٍ بيعُه إلَّا بإذنِ ربِّه أو الحاكِم. عثمان [¬١].

стр. 956

فَصْلٌ وللمُرتَهِنِ: رُكُوبُ الرَّهْنِ، وحَلبُهُ، بِقَدْرِ نَفَقَتِه، بلا إذْنِ الرَّاهِن (١)، ولَو حَاضِرًا (٢). فَصْلٌ (١) قوله: (وللمرتَهِن ركوبُ الرَّهن) كفرسٍ أو بعير (بقَدرِ نفقَتِه بلا إذنِ الرَّاهِن) متحريًا للعدل. أي: مجتهدًا أن يكونَ ما يركَبه ويحلِبُه بقدرِ نفقَتِه عليه، لا أكثر، فإن زادَ، حرُم، ولزِمَه عوضُها. ح ف. (٢) قوله: (ولو حاضِرًا) أي: وللمرتَهِن ركوبُ الرهن وحلبُه، ولو كان الراهنُ حاضرًا، ولم يمتَنِع من النفقَة عليه؛ لأنه مأذونٌ فيه شَرعًا، فإن كان الرهن غيرَ مركوبٍ ولا محلُوبٍ، كعبدٍ وثَوبٍ، لم يجُز لمرتَهن أن ينتفِعَ به بقدر نفقَته؛ لاقتضاءِ القِياس أنْ لا ينتفعَ المرتَهِنُ من الرهن بشيء، تَركنَاه في المركُوب والمحلُوب؛ لحديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ : «الظَّهرُ يُركبُ بنفقَتِه إذا كان مرهُونًا، ولبنُ الدَّر يُشربُ بنفقَته إذا كان مرهُونًا، وعلى الذي يركبُ ويشربُ النفقةُ». رواه البخاري [¬١]. فإن فضَلَ مِنْ اللَّبَن شيءٌ بعد النفقَة، باعَه المأذونُ له من مرتَهِنٍ أو غيرِه، وإن لم يؤذَن فيه، باعَهُ حاكِمٌ. وإن لم يَفِ الركوبُ أو اللَّبنُ بالنفقةِ، رجعَ المُرتهنُ على الراهِن بالزائِد إن نَوى الرُّجوع، وإن لم ينو، أو [¬٢] كان مُتبرِعًا،

стр. 957

ولَهُ: الانتِفَاعُ بهِ مَجَّانًا بإذنِ الرَّاهِن (١)، لكِنْ يَصِيرُ مَضمُونًا عَلَيهِ بالانتِفَاِعِ (٢). ومُؤْنَةُ الرَّهْنِ (٣)، وأُجرَةُ مَخزَنِهِ، وأُجرَةُ رَدِّهِ مِنْ إبَاقِهِ (٤): عَلَى مالِكِهِ (٥). لم يرجِع به. م ص [¬١] وزيادة. (١) قوله: (وله الانتفاعُ به مجَّانًا بإذنِ الرَّاهِن) أي: وللمرتَهِن الانتفاعُ بالرَّهن مجَّانًا بلا عِوض، وله أن ينتفِعَ به بعِوَضٍ، ما لم يكن الدَّين قَرضًا، فيحرُم؛ لجرِّه النَّفعَ، فلا بدَّ من العِوَض. (٢) قوله: (لكن يصيرُ مضمُونًا عليهِ بالانتِفَاِعِ) الذي أذِنَ فيه الراهِنُ مجَّانًا؛ لأنه يصير عارية. وظاهِرُه: لا يَصيرُ مضمونًا قبلَ الانتفاع به. فإنْ انتفَع المُرتَهن بالرَّهن بغيرِ إذن الراهن، فعليه أُجرتُه في ذِمَّته، كالغَاصِب، فإن كانت من جنس الدَّين، سقَطَ منه بقَدرِها بالمُقاصَّة بشرطِها، وإن تَلِفَ الرهنُ في هذه الحَالة، ضَمِنَه؛ لتعدِّيه. صوالحي. (٣) قوله: (ومؤنة الرهن) … [¬٢] من طعامِه، وكُسوَتِه، ومسكَنِه، وحافِظِه، وكفنِه [¬٣] إن مات، وبقية تجهيزِه بالمَعروف، (وأجرةُ مَخزَنِه) إن كان مخزُونًا. (٤) قوله: (وأجرةُ ردِّه) أي: ردِّ الرهن (من إباقه) إن كانَ رقيقًا. (٥) قوله: (على مالِكِه) خبرٌ. وكذا أجرةُ سَقيِه، وتلقِيحِه، وزِبَارِه وهو: قطع الأغصان الرديئة وجذاذِه، ورَعِي ماشيةٍ.

стр. 958

وإنْ أنفَقَ المُرتَهِنُ علَى الرَّهْنِ بِلا إذْنِ الرَّاهِنِ (١) - مَعَ قُدرَتِهِ على استِئْذَانِهِ-: فمُتَبَرِّعٌ (٢). فإن امتنعَ راهنٌ، أجبرهُ حاكِمٌ، فإن لم يفعل، أخذَه حاكِمٌ من مالِه. فإن لم يكن له مال، أو كان الراهِن غائبًا، بيعَ من الرهن بقدرِ الحَاجة، مما يجِبُ عليه من مَؤُنةٍ وغيرها، خارجًا من نحو مُداوَاةٍ، وخِتَان. فإن استُغرِقَ الرَّهنُ في الإنفاق ونحوه، بيعَ كلُّه، وجُعلَ ثمنُه رهنًا مكانه. صوالحي مختصرا. (١) قوله: (وإن أنفقَ .. إلخ). «إن» اسم شرطٍ جازم، وجملة «أنفق المرتهن» محلُّ جزمٍ فعلُ الشَّرط، وقوله: «فمتبرع» جوابه، وجزاؤه في محل جزم بأن. مثَّل لنظير ذلك ابن عقيل على «الألفية» في عوامل الجزم: إن جاء زيد، فله الفضلُ. فالأولى: جملة فعلية، والثانية: اسمية [¬١]. (٢) قوله: (مع قدرته) جار ومجرور متعلق ب «أنفَقَ» (على استئذَانِه) لوجوده (فمُتَبرِّعٌ) به حُكمًا؛ لتصدُّقِه به. فلم يرجِع بعوضِه، كالصَّدقة على مسكين، ولتفريطه. وإن تعذَّر استئذانُ مالِك الرَّهن؛ لتوارِيه أو غَيبتِه، ونحوِها، وأنفق بنية الرجوع، رجعَ مرَتِهنٌ على راهِنٍ بالأقل ممَّا أنفق، أو نفقةِ المِثل، ولو لم يستأذِن حاكِمًا، أو يُشهد أنه أنفق ليرجِع على ربِّه. فإن أمكَن استئذانُ الراهِن، ولم يستأذِنْه مرتَهِنٌ، لم يرجِع. ومُعارٌ، ومؤجَّرٌ، ومودَعٌ، ومشتركٌ بيدِ أحدِهِما بإذن الآخر، إذا أنفقَ عليه مستعيرٌ، ومستأجِرٌ، وودِيعٌ، وشَريِكٌ، كرَهنٍ فيما سَبَقَ تفصيلُه من الإنفاق والرجوع. عثمان [¬٢].

стр. 959

فَصْلٌ مَنْ قَبَضَ العَينَ لِحَظِّ نَفسِهِ- كمُرتَهِنٍ (١)، وأَجِيرٍ (٢)، ومُستَأجِرٍ (٣)، ومُشتَرٍ (٤)، وبائِعٍ (٥)، وغاصِبٍ (٦)، ومُلتَقِطٍ (٧)، ومُقتَرِضٍ (٨)، ومُضَارِبٍ- وادَّعَى الرَّدَّ (٩) فَصْلٌ (١) قوله: (كمرتَهِنٍ) لأنه قبضَ العينَ لمنفَعتِه، فلم يُقبل قولُه في الردِّ، كالمُستأجِر، والمستعير. انتهى. الوالد. (٢) قوله: (وأجيرٍ) كخيَّاطٍ وحَيَّاك ونحوِهما، قبضَ العينَ للخِياطَة، أو الحِياكَةِ. (٣) قوله: (ومستأجر [¬١]) قبضَ العينَ المُستأجَرةَ. (٤) قوله: (ومُشتَرٍ) قبضَ العينَ المُبتاعَةَ. (٥) قوله: (وبائعٍ) قبضَ الثَّمنَ. (٦) قوله: (وغاصِبٍ) قبضَ العينَ المغصُوبةَ. (٧) قوله: (وملتَقِطٍ) قبضَ اللُّقطةَ. (٨) قوله: (ومقترضٍ) قبضَ عينَ القَرضِ. (٩) قوله: (ومضارِبٍ) قبضَ شركةَ المُضاربةِ (وادَّعى) قابضُ العينِ ممَّن ذُكِر (الردَّ) أي: ردَّ العينِ المقبوضَةِ بما ذُكر.

стр. 960

للمَالِكِ، فأنكَرَهُ (١): لم يُقبَل قَولُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ (٢). وكَذَا: مُودِعٌ، ووَكِيلٌ، ووَصِيٌّ (٣)، ودَلَّالٌ بِجُعْلٍ، إذا ادَّعَى الرَّدَّ (٤). وبِلا جُعلٍ: يُقبَلُ قَولُهُ بِيَمِينِهِ (٥). (١) قوله: (للمالك) أي: مالِك العَين (فأنكَرهُ) أي: أنكَر مالِكُ العَينِ المقبوضَةِ الردَّ. (٢) قوله: (لم يُقبَل قولُه إلا ببيِّنةٍ) [¬١] جواب «من» أي: لم يقبل في ذلك قولُ مدَّعِي الردَّ، إلا بإقامةِ بينةٍ في ردِّها. (٣) قوله: (وكذا مودِع .. إلخ) أي: لا يُقبل قولُ مودِعٍ في رَدِّ ما قبضَه من وديَعةٍ، ولا يقبلُ قولُ وكيلٍ في رَدِّ ما قبضَه بطريقِ وكَالَتِه، ولا يقبلُ قولُ وصيٍّ فيما ردَّه بطريقِ وصايتِه، إلا ببينةٍ في جميعٍ ما ذُكر. (٤) قوله: (ودلَّالٌ بجُعلٍ إذا ادَّعى الرَّدَّ) أي: وكذا لا يُقبلُ قولُ دلَّال إذا كان بجُعلٍ إذا ادَّعى الردَّ لِمَا قبضَه، إلَّا ببيِّنةٍ. (٥) قوله: (وبلا جُعلٍ يُقبَلُ [¬٢] قولُه بيَمينه) أي: وإذا كان الدلَّالُ بلا جُعلٍ، قُبِلَ قولُه بيمينِه؛ لأنه أمينٌ. صوالحي.

стр. 961

بابُ الضَّمَانِ والكَفَالَةِ يَصِحَّانِ (١) تَنجِيزًا (٢)، وتَعَلِيقًا، وتَوقِيتًا (٣): بابُ الضَّمَانِ والكَفَالَةِ الضَّمان مصدر ضَمِنَ الشيءَ ضَمانًا، فهو ضَامِنٌ وضَمِينٌ، إذا كَفَلَ به. قال ابن سيده: ضَمِنَ الشيءَ ضَمانًا، وضَمَّنه إياه: كفَّله إياه. وهو مشتق من التضَمُّن؛ لأن ذِمَّة الضَّامِن تتضمَّن الحقَّ، قاله القَاضِي أبو يَعلَى. وقال ابنُ عَقيلٍ: مأخوذٌ من الضَّمِن، فتصيرُ ذِمَّة الضَّامن في ضِمْنِ ذِمَّة المضمُون عنه. ومعناه شرعًا: التزامُ ما وجَبَ على غَيرِه معَ بقائِه، وما قد يَجِبُ، غيرَ جِزيَةٍ فيهِمَا. وأركانُ الضَّمانِ خَمسَةٌ: الضَّامِنُ، والمضمُونُ له، والمضمُونُ عنه، والمضمُونُ، وهو الدَّين، والصِّيغةُ. وممَّا قاله بعضُ الأُدباء في الضَّمان: ضادُ الضَّمانِ بصَادِ الصَّكِ مُلتَصِقٌ فإن ضَمِنتَ فحَاءُ الحَبسِ في الوَسَطِ [¬١]. (١) قوله: (يصِحَّانِ) أي: الضَّمان والكَفالَةُ. (٢) قوله: (تَنجِيزًا) أي: مُنجَّزًا في الحَال. (٣) قوله: (وتعليقًا) أي: مُعلَّقًا على شيء، ك: أنا كَفيلٌ عندَ قُدومِ الحَاجِّ. (وتَوقيتًا)، أي: مؤقَّتًا، كما لو قال: إذ قَدِمَ الحَاجُّ، فأنا كفيلٌ بزيدٍ شَهرًا،

стр. 962

مِمَّنْ (١) يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ (٢). ولِرَبِّ الحَقِّ: مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ والمَضْمُونِ مَعًا (٣)، أو: أيِّهِمَا شَاءَ (٤). صَحَّ؛ لجَمعِه تعليقًا وتوقيتًا، وكِلاهُما صحيح. م ص [¬١]. (١) قوله: (ممَّن) متعلِّق ب: «يصحَّان». (٢) قوله: (يصِحُّ تبرُّعُه) وهو جائزُ التصرُّف، والمرادُ به: الحُرُّ المُكلَّفُ الرَّشيدُ، ولو فاسِقًا، كما في «الإقناع» [¬٢] فلا يصح من صغيرٍ، ولا سَفيهٍ، ولا مِنْ قِنٍّ ومُكاتَبٍ إلَّا بإذنِ سيِّدِهِما، ويؤخذُ ممَّا بيدِ مُكاتَبٍ، وما ضَمِنَه قِنٌّ من سَيِّدِه. ويَصِحُّ من مُفِلسٍ؛ لأنه تصرُّفٌ في ذمَّته، ويؤخذُ ممَّا بيدِه بعدَ فكِّ حَجرِه. بلفظِ: أنا ضَمينٌ، أو كَفيلٌ بما عليه، أو قَبيلٌ، أو حَمِيلٌ، أو زَعيمٌ بدَينِكَ، أو تحمَّلتُه، أو ضَمِنتُه، أو هو عِندي. م ص [¬٣] وزيادة. (٣) قوله: (ولِربِّ الحَقِّ مطالَبةُ الضَّامِنِ والمَضْمُونِ) عنه؛ لثبوت الحق في ذمِتهِما (معًا). (٤) قوله: (أو أيِّهِمَا شاءَ) أي: ولربِّ الحَقِّ مطالبةُ أيِّهما شاءَ من الضَّامن والمَضمُون عنه في الحَياة والمَوت؛ لأنَّ الحقَّ ثابتٌ في ذِمَّتهِما، فَملَكَ مطالبةَ من شاءَ مِنهُما؛ لحديث: «الزَّعيمُ غَارِمٌ» [¬٤] فإن قيل: الشيءُ الواحِدُ

стр. 963

لكِنْ (١) لَو ضَمِنَ دَينًا حَالًّا إلى أجَلٍ مَعلُومٍ (٢): صَحَّ، ولَم يُطالِبِ الضَّامِنَ قَبلَ مُضِيِّهِ (٣). ويَصِحُّ: ضَمَانُ عُهدَةِ الثَّمَنِ والمُثمَنِ (٤)، لا يَشغَل مَحلَّين. أُجيبَ: بأنَّ إشتغالَه على سَبيل التعلُّق والاستِيثَاقِ، كتعلُّق دينِ الرَّهن به، وبذمَّةِ الرَّاهن. ولا يَحِلُّ دَينٌ مؤجَّلٌ بموتِ مضمُونٍ عنه، ولا بموتِ ضَامِنٍ، وليسَ لربِّ الدَّين مطالبتُه بذلِكَ إلَّا بعدَ حُلولِ الأجَل. صوالحي باختصار. (١) قوله: (لكِنْ) استدراكٌ على قوله: «يصِحَّان .. توقيتًا». (٢) قوله: (لو ضَمِنَ) الضَّامِنُ (دَينًا حالًّا إلى أجَلٍ مَعلُومٍ) كأَنْ ضَمِنَ الدَّين الحالَّ إلى شَهرٍ، وكذا لو كان الدَّينُ مؤجَّلًا إلى شهر، فضَمِنه إلى شَهرين. صوالحي. (٣) قوله: (صَحَّ، ولم يطالِب الضَّامِنَ قبلَ مُضيِّهِ) أي: صَحَّ الضمانُ، ولم يكن لربِّ الدَّين أن يُطالِبَ الضَّامِنَ قبلَ مُضيِّه، أي: قبلَ مُضيِّ الأجَلِ المَعلُومِ الذي أجَّله الضامِنُ. ويصِحُ الضَّمانُ في بعضِ الدَّين، كما لو كان الدين عَشَرَةً، فضَمِنَ خَمسَةً، فيطالب بالخمسة. صوالحي. (٤) قوله: (ويصِحُّ ضَمانُ عُهدَةِ الثَّمنِ والمُثمَنِ). أي: ويصح ضمان العُهدَةِ، وهو ضمانُ عُهدَةِ الثَّمن والمُثمن. وألفاظُ ضَمَانِ العُهدَةِ: ضَمِنتُ عهدَتَه، أو ثمنَه، أو دَرَكَه [¬١]، أو يقولُ الضَّامن للمُشتَري: ضمِنتُ خلاصَك منه،

стр. 964

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أو: متَى خرجَ المبيعُ مستحَقًا، فقد ضمِنتُ لك الثمن. وعُهدةُ المبيعِ لغةً: الصَّكُّ، أي: الكتابُ الذي يُكتَب فيه الابتياعُ والمُعامَلاتُ والأقارِيرُ. واصطلاحًا: ضمانُ الثَّمن، أو جزءٍ منه، عن بائعٍ لمشترٍ؛ بأن يضمَن ضامنٌ عن البائع الثَّمنَ، ولو قبلَ قبضِه؛ لأنه يؤولُ إلى الوجوبِ إن ظَهَر المبيعُ مُستحَقًّا لغيرِ بائعٍ، أو رُدَّ المبيعُ على بائعٍ بعَيبٍ، أو غيرِه، أو يضمنُ أرشَه إن اختار مُشتَرٍ إمسَاكًا مع عَيبٍ. وضمان الثَّمن؛ بأن يضمَنَ الثَّمنَ عن المُشتري لبائعٍ إن ظَهَرَ الثَّمنُ مُستحَقًّا لغير مشترِ، أو رُدَّ الثمنُ بعيبٍ، أو يضمنَ أرشَه إن اختار بائعٌ. فضَمانُ العُهدَةِ للمشتَري والبائعِ في المَوضِعَين هو ضمانُ الثَّمن، أو جزءٍ منه لأحَدِهما عن الآخر. ولو بنَى مُشترٍ بناءً في مبيعٍ، فبانَ المبيعُ مُستحَقًّا للغيرِ، فالأنقاضُ للمُشتري؛ لجريانِها في مِلكِه، ويَرجِعُ بقيمةِ تالِفٍ من ثمنِ جِصٍّ، وطِين، ورَمادٍ، وأُجرةِ بنَّائين ونحوِهم، على بائعٍ؛ لأنه غرَّه، وكذا أجرةُ مبيعٍ مدَّةَ وضعِ يدِ مُشتَرٍ، ويدخل ذلك في [¬١] ضمان العُهدَة، فيرجِعُ مشتَرٍ بذلك على ضامِنها؛ لأنه من دَرَكِ المَبيع. م ص [¬٢] وزيادة.

стр. 965

والمَقبُوضِ على وَجهِ السَّومِ (١)، والعَينِ المَضمُونَةِ، كالغَصَبِ والعَارِيَّةِ (٢). ولا يصِحُّ: ضَمَانُ غَيرِ المَضمُونَةِ، كالوَدِيعَةِ (٣)، ونَحوِها (٤). (١) قوله: (والمقبُوضِ على وَجهِ السَّومِ) بجر «المقبوض» عطفٌ على المُضَافِ إليه. أي: ويصِحُّ ضمانُ عُهدَةِ المَقبوضِ على وَجهِ السَّوم، إنْ ساوَمَه، وقطَع ثمنَه، أو ساومَه فقط؛ ليريَه أهلَه إن رَضُوه، وإلَّا ردَّه. وإن أخذه؛ ليريه أهلَه بلا مُساوَمةٍ، ولا قَطعِ ثَمَنٍ، فَغيرُ مَضمُونٍ إذا تلِفَ بغيرِ تعدٍّ؛ لأنه لا سَومَ فيه، فلا يصِحُّ ضمانُه. عثمان [¬١] وزيادة. (٢) قوله: (والعَينِ المَضمُونَة) بالجر عطف على «عهدة»، (كالغَصَبِ والعَارِيَّة)، لأنَّ هذه الأعيانَ يضمنُها مَنْ هي بيدِه لو تَلِفَت، فصحَّ ضمانُها كعُهدَة المبيع. ومعنى ضَمانِ غَصبٍ، ونحوه: ضمانُ استنقَاذِه، والتزامُ تحصيلِه، أو قيمَتِه عندَ تلفِه، فهو كعهدة المَبيع. م ص [¬٢]. (٣) قوله: (ولا يصِحُّ ضَمانُ غيرِ المضمُونَةِ، كالوَدِيعَةِ) أي: ولا يصح ضمانُ غيرِ العَين المضمُونَة من أعيانِ الأمانَاتِ، «كالوديعَة» مثالٌ لغيرِ المضمُون. (٤) قوله: (ونَحوِها) كالعينِ المؤجَّرة، ومالِ الشَّركة، والمُضارَبَةِ، والعَينِ المدفُوعَة إلى الخيَّاط أو القصَّار، وعينٍ، أو ثمنٍ بيدِ وكيلٍ في بيعٍ أو شراءٍ؛ لأنها غيرُ مضمُونَةٍ على صاحبِ اليد، فكذا على ضامِنه، إلَّا أن يضمَن التعدِّي فيها، فيصح [¬٣] ضمانُها، كالغَصبِ، فعلَى هذا لا يَصِحُّ ضمانُ

стр. 966

ولا: دَينِ الكِتَابَةِ (١). ولا: بَعضِ دَينٍ لَم يُقَدَّر (٢). وإنْ قَضَى الضَّامِنُ ما عَلَى المَدِينِ (٣)، ونَوَى الرُّجُوعَ علَيهِ (٤): رَجَعَ (٥)، الدَّلَّالِيْن فيما يُعطُونَه لِبَيعَةٍ، إلَّا أن يُضمَن تعدِّيهم فيه، أو هربُهم به، ونحوه، فيصح. صوالحي. (١) قوله: (ولا دَينِ الكِتَابَةِ) بالجر عطف على «غير»، أي: ولا يصح ضمانُ دين الكتابة؛ لأنه لا يؤولُ للوجُوب. (٢) قوله: (ولا بعضِ دَينٍ لم يُقدَّر) أي: ولا يصح ضمان بعضِ دينٍ لم يُقدَّر؛ لجهالَتِه حالًا، ومآلًا، وكذا لو ضَمِنَ أحدَ دينَيه. وعُلِمَ منه: أنه يصح ضمانُ معيَّنٍ من الدَّين، كنصِفه، أو ثُلثِه ونحوه. ولا يصح ضمانُ ولا كفَالةُ جِزَيةِ مَنْ هيَ عليه، ولو بعدَ وجوبها بتمَامِ الحَول؛ لفواتِ صَغَارِ المضمونِ عنه. وإن شُرِطَ خِيارٌ في ضَمانٍ، أو كَفالةٌ، فَسَدَا؛ لمنافاته [¬١] لهما. صوالحي وزيادة. (٣) قوله: (وإن قضَى الضَّامِنُ ما علَى المَدين) من الدَّين، أو أحالَ الضامنُ ربَّ الدين. (٤) قوله: (ونَوَى الرُّجُوعَ عليه) أي: على المَدِين بما دفَعَه لربِّ الدَّين. (٥) قوله: (رجَعَ) أي: الضامِنُ على المضمُون عنه، سواء كان الضمانُ والقضاءُ بإذن مضمونٍ عنه، أو لا؛ لأنه قضاءٌ مُبرِئٌ من دينٍ واجب، فكان من ضمانِ مَنْ هو عليه. انتهى. الوالد.

стр. 967

ولَو لَم يَأذَن لَهُ المَدِينُ في الضَّمَانِ والقَضَاءِ (١). وكَذَا: كُلُّ مَنْ أدَّى عن غَيرِهِ دَينًا واجِبًا (٢). وإنْ بَرِئ المَديُونُ: بَرِئَ ضامِنُهُ (٣)، ولا عَكْسَ (٤). ولو ضَمِنَ (١) قوله: (ولو لم يأذَن له المَدِينُ في الضَّمانِ والقَضَاءِ) أي: ولو لم يأذن له المدين أي: المضمُون في الضَّمانِ والقضَاء، ومن لم ينو رجوعًا حالَ القَضاءِ، فمُتبرِّعٌ، ليس له الرُّجوع، ولا المطالبة به. صوالحي. (٢) قوله: (وكَذَا كلُّ من أدَّى عن غَيرِه دَينًا واجِبًا) أي: مثل ذلك في الرُّجوعِ وعَدَمِه كلُّ من أدَّى من كفيلٍ، ومُؤدٍ عن غيرِه دينًا واجبًا، فيرجِعُ إنْ نَوَى الرُّجوع، وإلَّا فلا. ولا يرجِعُ من أدَّى عن غيرِه زكاةً أو كفَّارةً؛ لافتقار النية ممَّن هي عليه. وإن ضَمِنَ الضامِنَ آخرُ، فلضامنِ الضَّامنِ أن يَرجِعَ على ضَامِن الأَصل، وضامنُ الأصل يرجِعُ على الأصيل المَضمُونِ عنه. (٣) قوله: (وإن بَرِئ المديونُ) بوفاءٍ أو إبراءٍ أو حَوالَةٍ، (بَرِئَ ضامِنُه) ضامِنًا واحِدًا، أو أكثرَ من مبلغِ الضَّمان؛ لأنه تبعٌ له. صوالحي بإيضاح. (٤) قوله: (ولا عَكسَ [¬١]) فلا يبرأ مضمونٌ ببراءة ضامِنٍ؛ لأنَّ الأصلَ لا يبرأُ ببراءَة التَّبع [¬٢]، وإذا تعدَّد الضَّامِن، لم يبرأ أحدُهم ببراءةِ الآخَر، ويبرؤونَ ببراءةِ المضمُونِ. عثمان [¬٣]

стр. 968

اثنَانِ واحِدًا (١)، وقَالَ كُلٌّ (٢): ضَمِنتُ لَكَ الدَّينَ (٣): كانَ لِرَبِّهِ طَلَبُ كُلِّ واحِدٍ بالدَّينِ كُلِّهِ (٤). وإنْ قَالا (٥): ضَمِنَّا لَكَ الدَّينَ: فَبَينَهُما بالحِصَصِ (٦). (١) قوله: (ولو ضَمِنَ اثنان واحدًا) عليه دينٌ لآخَرَ. (٢) قوله: (وقالَ كلٌّ). أي: كلُّ واحدٍ من الضَّامِنَين، فالتنوينُ عِوضٌ عن المُضاف إليه. (٣) قوله: (ضَمِنتُ لكَ الدَّينَ) فهو ضَمانُ اشتِراكٍ؛ لاشتراكِهم في الالِتزامِ بالدَّين في انفرادٍ، فكلٌّ منهُما ضامِنٌ بجميعِ الدَّين على انفرادِه. الوالد. (٤) قوله: (كان لِربِّه طلَبُ كُلِّ واحدٍ بالدَّين كُلِّه) أي: فحيثُ كان كلٌّ مِنهُما ضَامِنًا لجميعِ الدَّين، فكانَ لربِّه طلبُ كلِّ واحدٍ منهُما، أو هُما معًا، أو هُما والمَديُون مَعًا، بالدَّين كلِّه؛ لأنَّ ضمانَ كلِّ واحِدٍ منهُما بالدَّين، صادِقٌ بجَميعِه. صوالحي. (٥) قوله: (وإنْ قَالَا) أي: الضامِنان. (٦) قوله: (ضَمِنَّا لكَ الدَّين، ف) يكونُ (بينَهُما بالحِصَص)، فإن أطلَقا، كان بينهُما نِصفَين، فيُطالَب كلُّ واحدٍ منهُما بنِصفِ الدَّين، وإن عيَّن كلُّ واحدٍ منهُما حِصَّته، طُولِبَ بها. صوالحي.

стр. 969

فَصْلٌ والكَفَالَةُ (١): هِيَ أنْ يَلتَزِمَ (٢) بإِحضَارِ (٣) بَدَنِ مَنْ عَلَيِهِ حَقٌّ مالِيٌّ إلى رَبِّهِ (٤). فَصْلٌ (١) والكفالَةُ مصدرُ كَفَلَ كَفْلًا، وكفولًا، وكفالَةً، بمعنى: التزمَ. وكفلتُه، وكفلتُ عنه: تحمَّلتُ عنه. وشرعًا: التِزامُ رشيدٍ إحضارَ مَنْ عليه حقٌّ ماليٌّ لربِّه، كما قاله المُصنف. وتنعقد بما ينعقِدُ به ضمانٌ. أصلُها: الضَّم، ومنه قوله تعالى: ﴿وكفلها زكريا﴾ [آل عِمرَان: ٣٧]. أي: ضمَّها إليه، فكأن الكفيلَ ضَمَّ المَكفولَ به؛ ليُحضِرَه عند طلبه. قاله شارح «المحرر» ح ف. (٢) قوله: (هِيَ أن يلتَزِمَ) أي: الكفالَةُ: أن يلتَزِمَ المُكلَّفُ الرَّشيدُ. (٣) قوله: (بإحضَارِ). متعلق بقوله: «أن يلتزم». (٤) قوله: (بدَنِ مَنْ عليه حَقٌّ ماليٌّ إلى ربِّه) أي: الحقِّ. متعلق ب «إحضار»، حاضرًا كان المكفولُ أو غائبًا، وسواء كان بإذنِه أو بغيرِ إذنِه، وسواء عَلِم الكفيلُ بقدْرِ دينِ المكفُولِ أو جَهِلَه. وتنعَقِد بألفاظِ الضَّمان كلِّها، ك: أنا ضمينٌ ببدَنِه، أو زعيمٌ به. وإن ضَمِنَ معرِفَةَ إنسانٍ، أُخِذَ به، فكأنه قال: ضمِنتُ لك حضُورَه متى أردتَ. فصار كقولِه: تكفَّلت [¬١] ببدَنِه. فإن لم يُعَرِّفه ضَامِنُ المَعرِفَةِ، ضَمِنَ ما عليه. ولا

стр. 970

ويُعتَبَرُ: رِضَا الكَفِيلِ (١). لا: المَكفُولِ. ولا: المَكفُولِ لَهُ (٢). ومتَى سَلَّمَ الكَفِيلُ المَكفُولَ لِرَبِّ الحَقِّ (٣) بِمَحَلِّ العَقْدِ (٤). أو: سَلَّمَ المَكفُولُ نَفْسَهُ. أو: مَاتَ: بَرِئَ الكَفِيلُ (٥). تصِحُّ كفالةُ الوالدِ لولدِه إذا كفلَ له أحد؛ لأن الولد لا تُسمع له دَعوى على والِده بغيرِ النفقة الواجبة. صوالحي. (١) قوله: (ويُعتَبُر رِضَا الكفيل) أي: ويعتبر لصحَّة الكفالة رِضا الكَفيل؛ لأنه لا يلزمُه الحقُّ ابتداءً إلا برضاه. انتهى. الوالد. (٢) قوله: (لا المَكفُوِل، ولا المَكفُولِ له) أي: لا يُعتبُر رِضا المكفُول به، كالضَّمان، ولا رضا المكفُولِ له؛ لأنه وثيقة به، كالضمان. وتصح الكفالةُ بالأعيان، كالغُصوبِ، والعَوارِي. ولا تصِحُّ بالأماناتِ، كالودِيعَة، والشَّركةِ، والمُضارَبَة، إلَّا إن كفله بشُروط التعدِّي فيها، فيصح، كالضمان. صوالحي. (٣) قوله: (ومتَى سلَّمَ الكَفيلُ المَكفُولَ لربِّ الحَقِّ) أي: ومتى سلَّم الكفيلُ المكفُولَ به، لربِّ الحقِّ، وهو: المكفولُ له، وقد حَلَّ أجلُ الكفَالةِ، إن كانت مؤجَّلةً، بَرِئ الكفيلُ. الوالد. (٤) قوله: (بمَحَلِّ العَقْدِ) أي: عقدِ الكَفالة، ما لم يكُن عيَّن الكفيلُ تسليَمه بمَحَلٍّ، فيُسلِّمَه فيه؛ وفاءً بالشَّرط، بعدَ حُلول أجلِ الكَفالَة، أو قبلَه إن لم يكن ضرَرٌ على المكفولِ له في تسليمه له. صوالحي. (٥) قوله: (أو سَلَّم المكفولُ) به (نفسَهُ) في محلِّ التَّسليم والأَجَلِ (أو ماتَ، بَرِئَ الكَفيلُ) أي: أو ماتَ المكفولُ به، بَرِئَ الكفيلُ في هذه الصُّور؛ لسقوطِ الحضُور عنه.

стр. 971

وإن تَعذَّرَ علَى الكَفِيلِ إحضَارُ المَكفُولِ (١): ضَمِنَ جَميعَ ما عَلَيهِ (٢). ومَن كَفَلَه اثنَانِ، فسَلَّمَهُ أحَدُهُما (٣): لم يَبْرَأ الآخَرُ (٤). وإن سَلَّم نَفْسَهُ: بَرِئَا (٥). (١) قوله: (وإن تعذَّر على الكِفيلِ … إلخ) بأن كان المكفولُ به غائبًا غَيبتُه تُعلَم غيرَ منقطِعَة، بموضِعٍ معلُومٍ، أُمهِلَ الكفيلُ بقدْرِ ما يَمضِي إلى مَحلِّ المكفولِ به، ويُحضِرُه منه، سواء كانت المسافةُ قريبةً أم بعيدةً. وإن لم يَعلَم في الغَيبَةِ خَبرَه، لزِمَه الدَّينُ من غيرِ إمهالٍ. فإن تعذَّر إحضَارُ المكفولِ معَ حياتِه، ولم يُحضِره؛ إما لتَوانِيه، أو لِهَربِه، أو اختفائِه، أو لامتناعِه، أو لأحَدٍ منعَه ذو سلطان، ونحوه، أو لغير ذلك. صوالحي. (٢) قوله: (ضَمِنَ جَميعَ ما عليه) أي: أُلزِمَ بجميع ما عليه من الدَّين؛ لعمومِ قوله ﷺ : «الزَّعيمُ غارِمٌ» [¬١]. (٣) قوله: (ومن كَفَلَه اثنان) فأكثر (فسلَّمَهُ أحدُهُما) أي: أحدُ الاثنين، أو أحدُ الأكثر. (٤) قوله: (لم يَبَرأ الأخَرُ) أي: الذي لم يسلِّمْه، من الكفالَة؛ لانحلالِ إحدَى الوثيقَتين بلا استيفَاءٍ، فلا تنحلُّ الأُخرَى، كما لو بَرِئَ أحدُهُما، أو انفكَّ أحدُ الرهنَين بلا قضاء. انتهى. الوالد. (٥) قوله: (وإن سلَّم نفسَه بَرِئَا) أي: وإن سلَّم مكفُولٌ نفسَه، بَرِئَا، أي: الكفيلان؛ لأداءِ الأصلِ ما عليهِما. انتهى. الوالد.

стр. 972

بَابُ الحَوالَةِ وشُرُوطُها خَمْسَةٌ (١): أحَدُها: اتِّفَاقُ الدَّينَينِ، في الجِنْسِ (٢)، والصِّفَةِ (٣)، والحُلُولِ (٤)، بابُ الحَوالَةِ مشتَّقٌ من التَّحوُّل؛ لأنها تُحوِّلُ الحَقَّ من ذِمَّةٍ إلى ذمَّة أخرى. وتنعقِدُ بلفظ الحَوالة، أو بمعناها الخاص بها، كأحلتُك، وأتبَعتُك بدينِكَ على فُلان، ونحوه. وهي ثابتةٌ بالسُّنة. وأجمعوا على جَوازِها في الجُملة. وأركانها خمسة: الصيغة، والمُحيل، والمُحتَالُ، والمُحَالُ عليه، والدَّينَان. ح ف. (١) قوله: (وشُروطُها خَمسَةٌ) أي: شُروطُ الحَوالةِ خمسة. (٢) قوله: (أحدُها: اتِّفاقُ الدَّينَينِ في الجِنس) بأن يتماثَل الدَّينانِ في الأَربعة أشياء المذكورة، كأن يُحيل مَنْ عليه ذهبٌ بذهَبٍ، أو فِضَّةٌ بفِضَّةٍ، فلو أحالَ مَنْ عليه ذهَبٌ بفِضَّةٍ، أو بالعَكس، لم يَصِحَّ؛ للتَّخالُفِ. (٣) قوله: (والصفة [¬١]) أي: واتِّفاقُ الدَّينين في الصِّفة، فلو أحَالَ مَنْ عليه دَراهِمُ صِحَاحٌ بمُكسَّرَةٍ، ونحوه، لم يصِحَّ؛ للتَّخالُفِ. (٤) قوله: (والحلول [¬٢]) أي: واتِّفاقُ الدَّينين في الحُلول؛ بأن يكونا حَالَّين، فلا تَصِحُّ إن كان أحدُهما حالًّا والأخرُ مؤجَّلًا.

стр. 973

والأَجَلِ (١). الثَّانِي: عِلْمُ قَدْرِ كُلٍّ مِنَ الدَّينَينِ (٢). الثَّالِثُ: استِقرَارُ المَالِ المُحَالِ علَيهِ (٣)، (١) قوله: (والأجَلِ) أي: واتِّفاقُ الدَّينين في الأجل؛ بأن يكونا مُؤجَّلين أجَلًا واحِدًا، فلا تصِحُّ إذا كانَ أجلُ أحدِهما يُخالِفُ الآخر، فلو كانا حَالَّين، فشرَطَ المُحتالُ تأخيرَه، أو بَعضِه، إلى أجلٍ معلُوم، لم تصِحَّ؛ لأنها عقدُ إرفَاقٍ كالقَرض، فلو جازت مع الاختلاف؛ لصارَ المَطلوبُ منها الفضل، فتَخرجُ عن موضُوعِها. م ص [¬١] (٢) قوله: (الثَّانِي: عِلمُ قَدرِ كلٍّ مِنَ الدَّينَين) باتِّفاقِ قَدْرِهِما، فلا تصِحُّ الحوالةُ بعشَرَةٍ على خمسَةٍ، ولا عَكسِه. وتصح حوالةُ الخَمسَةِ من العَشرَةِ على الخَمسَة، وبالخمسَةِ على خَمسَةٍ من العَشَرة، ولا يَضُرُّ اختلافُ سَبَبَي الدَّينين؛ بأنْ كان أحدُهما عن قَرضٍ، والآخرُ ثمنَ مَبيعٍ. صوالحي. (٣) قوله: (الثَّالِثُ: استقرارُ المال المُحالِ عليه). كبدَلِ قَرضٍ، وثمنِ مَبيعٍ بعدَ لُزومِ بيعٍ؛ إذ مُقتَضَى الحَوالةِ إلزامُ المُحالِ عليه بالدَّين مطلقًا، وما ليس بمُستَقِرٍّ عُرضَةٌ للسُّقوط. فلا تصِحُّ على مالِ كتابة، أو دَينِ سَلَمٍ، أو صَداقٍ قَبلَ دُخولٍ، أو ثَمنٍ مدةَ خيارِ مَجلِس أو شرطٍ، ولا على استحقاقِ وقفٍ، ولا على ناظِره، أو وليِّ بيتِ المال، أو أحالَ ناظرٌ بعضَ مُستحقِّينَ على جِهةٍ لم تصِحَّ؛ لأن الحوالَةَ انتقالُ مالٍ من ذمةٍ إلى ذِمَّة، ولم يُوجد فيها. عثمان [¬٢].

стр. 974

لا المُحَالِ بهِ (١). الرَّابِعُ: كَونُهُ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ (٢). الخَامِسُ: رِضَا المُحِيلِ، لا المُحتَالِ (٣)، (١) قوله: (لا المُحَالِ به) أي: لا يُشترطُ استِقرارُ المال المُحال به، فتصح بجُعْلٍ قبل عمل؛ لأن الحوالة بمنزلة وفائه، ويصح الوفاءُ قبلَ الاستقرار، فيصحُّ أن يحيلَ المشتري البائعَ بالثَّمن في مُدَّةِ خِيارِ المَجلِس أو الشَّرط، وحَوالَةُ المُكاتَبِ سيِّدَه بدينِ الكتابة، والزوجِ زوجتَه بصداقِها. وكذا حوالةُ المستأجِر المؤجِّرَ بالإجارَة على آخرَ قبل استيفاءِ المنفَعة. لكن لا تصِحُّ بدَين السَّلم، فهو مُستثني من عدمِ اشتراط استقرار المحال به. ح ف. (٢) قوله: (الرَّابِعُ: كونه) أي: المُحالِ به (يصح السَّلمُ فيه) من مِثْليٍّ، كمكيلٍ، ومَوزونٍ، ومِنْ غَيرِ المثليِّ [¬١]، كمعدودٍ ومذروع، ينضبطان بالصِّفة، ولا تصِحُّ فيما لا يصح السَّلمُ فيه، كالجَوهر. تنبيه: قال الشيخ تقي الدين: الحوالَةُ على ما لَهُ في الدِّيوانِ إذنٌ في الاستيفاء فقط. انتهى. ومثله الحوالةُ على ما لَهُ في الوقف [¬٢]، وللمُحتال إذن الرجوعُ، ومطالَبةُ محيله. صوالحي. (٣) قوله: (الخامِسُ: رضا المُحِيلِ) أي: يُعتبر رِضا المُحيل؛ لأن الحقَّ له، فلا تصِحُّ إن أُكرِه على الحَوالة (لا المُحتَالِ) أي: لا يُشترطُ رِضا المُحتَالِ؛ لأنَّ للمحيلِ أن يَستَوفي حقَّه بنفسِه، وبوكيلِه، وقد أقامَ المحتَالَ مقامَ نفسِه في القَبض، فلزِم المُحالَ عليه الدفعُ إليه. صوالحي.

стр. 975

إنْ كانَ المُحالُ عليهِ مَلِيئًا (١)، وهو: مَنْ له القُدْرَةُ على الوَفَاءِ (٢)، ولَيسَ مُمَاطِلًا (٣)، ويُمكِنُ حُضُورُهُ لِمَجلِسِ الحُكْمِ (٤). (١) قوله: (إن كان المُحالُ عليه مَليئًا) شرطٌ في رِضا المُحيل. (٢) قوله: (وهو مَنْ له القُدرةُ [¬١] على الوَفاءِ) أي: والمَليءُ: هو من له قدرةٌ على الوَفاء؛ بأن كان له مالٌ يفي منه. (٣) قوله: (وليس مماطِلًا) أي: وليس يكونُ المُحالُ عليه مُماطِلًا؛ بأن يكونَ باذِلًا للحقِّ. (٤) قوله: (ويمكِنُ حضورُه لمجلس [¬٢] الحكم) أي: مجلسِ القَضاء. وقال في «المنتهى» [¬٣]: والمليء: القادر بماله وقوله وبدنه [¬٤]، نصًّا. وفسَّر الإمام أحمد ﵁ المَلاءَة بقوله: هو أن يكونَ قادِرًا. «بمالِه»، أي: له مال. «وقوله»، أي: أن لا يكونَ مماطِلًا. «وبدنه»، أي: إمكانُ حضُورِه إلى مجلس الحكم. فعلى ما ذُكِرَ يكونُ قولُ المصنف: «وليسَ مُماطِلًا، ويُمكِنُ حضُورُه لمجلِس الحُكم»، من تتمةِ تعريفِ المليء. فلا يلزمه أن يحتال على والِده، ولا على مَنْ هو في غيرِ بَلَدِه، أو ذي سُلطان لا يمكنه إحضارُه مجلِسَ الحُكم. وإن كان المُحالُ عليه مُفِلسًا، ولم يرضَ مُحتَالٌ بالحَوالَة، رجَعَ بدَينِه على

стр. 976

فَمَتَى تَوَفَّرَتِ الشُّرُوطُ (١): بَرِئَ المُحِيلُ مِنْ الدَّينِ بِمُجَرَّدِ الحَوالَةِ (٢)، مُحيلٍ؛ لأن الفلس [¬١] عيبٌ، ولم يَرضَ به. فإن رَضِيَ بالحَوالَةِ، فلا رُجوعَ له إن لم يشتَرِط المَلَاءة؛ لتفريِطِه. ويؤخذُ منه: صِحَّةُ هذا الشرط؛ لما فيه من المصلحة. عثمان [¬٢]. وإيضاح. (١) قوله: (فمتَى توفَّرت الشُّرُوطُ) أي: وُجِدَت هذه الشُّروطُ الخَمسة. فهو مفرَّع على قوله: «وشروطها خمسة … إلخ». (٢) قوله: (بَرئ المحِيلُ من الدَّين بمُجرَّدِ الحَوالَةِ) لأنه يجبُ على من أُحيلَ على مليءٍ أن يَحتال؛ لظاهرِ حديث أبي هريرة مرفوعًا: «مطلُ الغنيِّ ظُلم، ومن أحيلَ على مليء، فليتبع» [¬٣]. وفي لفظ: «ومن أُحيلَ بحقِّه على مَليءٍ، فليحتَل» [¬٤]. وهي عقدُ إرفاقٍ منفَردٌ بنفسِه ليس محمُولًا على غيرِه، ولا خيارَ فيها. وليست بيعًا، وإلا لدخلَها الخيارُ [¬٥] وجازَت بلفظِه. وهي انتقالُ مال من ذمَّة المُحيلِ إلى ذِمَّة المُحالِ عَليه؛ بحيثُ لا رُجوعَ للمحتَال على المُحيلِ بحالٍ، إذا اجتمعَت شروطُها. فإن امتنع المُحتَالُ على إتباع المحالِ عليه، أجبَره الحَاكمُ على قبولِها. صوالحي.

стр. 977

أفلَسَ المُحَالُ علَيهِ بَعدَ ذلِكَ أو مَاتَ (١). ومتَى لمْ تتوفَّرِ الشُّرُوطُ: لَم تَصِحَّ الحَوالَةُ (٢)، وإنَّمَا تَكُونُ وَكَالَةً (٣). (١) قوله: (أفلسَ المُحَالُ عليهِ بعدَ ذلِكَ أو مَاتَ). هذا تعميم لقولِه: «فمتَى توفَّرت الشُّروطُ بَرئ المُحيل» سواء أفلَس المُحال عليه، أو جَحَد الدَّين بعدَ الحَوالة المتوفِّرة الشُّروط المذكورة، أو ماتَ المُحتَالُ عليه بعدَ ذلِك، فيتبع ميراثَه. صوالحي وإيضاح. (٢) قوله: (ومتَى لم تتوفَّر الشُّروط، لم تصِحَّ الحَوالَةُ) هذا تَصريحٌ بمفهومِ ما عُلِمَ من قوله: «فمتى توفَّرت الشُّروط … إلخ» لأجل الإيضاح؛ ولأنه لا يُكتَفَى في الفُروع الفقهية بمعرِفَة المفَهومِ من غَيرِ تصريحٍ به؛ لئلا يكون ضعيفًا. أي: ومتَى لم تتوفر الشُّروطُ الخمسة فاختلَّت، أو اختلَّ واحدٌ منها، لم تصِحَّ الحَوالة، فلربِّ الدَّين إتباع المديون المُحيل، ومطالبتُه بدينِه. صوالحي وإيضاح. (٣) قوله: (وإنَّما تكون) هذه الحَوالُة (وكالةً) في قبضِ ما عليه إن تَبِعَه وطالَبه. وإن [¬١] أحالَ مَنْ لا دينَ عليه على مديونٍ له، فهي وكالةٌ في الطَّلب والقَبض منه. وإن ظَنَّ المُحتالَ عليه مَليئًا أو جَهِلَه، فبانَ مُفِلسًا، رجَع بدينه على المُحيل. ولا يرجِعُ إن رضِيَ بالحَوالة على من ظنَّه مليئًا، أو جَهِلَه، ولم يشترِط المَلاءَةَ؛ لتفريطِه بترك اشتراطِها، فإن اشترَطَها، فبانَ المُحالُ عليه مُعِسرًا، رجعَ على المُحيل. قال شيخُنا في «شرح المنتهى»: ويُؤخذُ منه: صِحَّةُ هذَا الشَّرطِ؛ لما فيه من المَصلحة. صوالحي.

стр. 978

بابُ الصُّلْحِ بابُ الصُّلح وحكم الجوار. والجوار، بكسر الجيم. وهو لغة: قطعُ المنازعة. وشرعًا: معاقَدةٌ يتوصَّل بها إلى إصلاحٍ أو مرَافَقَةٍ بين متخاصِمين. وهو جائز بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾ [النِّساء: ١٢٨]. ولقوله تعالى: ﴿وأصلحوا بين أخويكم﴾ [الحُجرَات: ١٠]. ولقوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ [الحُجرَات: ٩]. ولحديث أبي هريرة مرفوعًا: «الصُّلح جائزٌ بين المُسلمين، إلَّا صُلحًا حرَّم حلالًا، أو أحلَّ حَرامًا». رواه أبو داود [¬١]. والصلحُ من أكبرِ العقود فائِدةً؛ لما فيه من قَطعِ النِّزاع والشِّقاق، وأبيحَ فيه الكَذِبُ. والصُّلحُ خمسَة أنواعٍ: أحدُها: يكون بين المُسلمين وأهلِ حَرب. وتقدَّمت أقسامُه في الجهاد. والثاني: يكونُ بين أهل عَدلٍ وأهلِ بَغيٍ. ويأتي في قِتالِ أهلِ البَغي. والثالث: بين زوجين خِيفَ شِقاقٌ بينَهما، أو خافتِ الزَّوجَةُ إعراضَ الزَّوجِ عنها. ويأتي في عِشَرة النِّساء. والرابعُ: بين مُتخَاصِمَين في غيرِ مَال.

стр. 979

يَصِحُّ: مِمَّنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ (١)، مَعَ الإقرَارِ (٢)، والإنكَارِ (٣). فإذَا أقرَّ للمُدَّعِي بِدَينٍ، أو عَينٍ، ثُمَّ صالَحَهُ على بَعضِ الدَّينِ، أو بَعضِ العَينِ المُدَّعَاةِ (٤): والخامِسُ: بينَ متخَاصِمَين في مَالٍ. والصُّلح في الأموالِ على قِسمين: قِسم على إقرار. وقسم على إنكار؛ ولهذا قال: «مع الإقرار والإنكار» صوالحي وإيضاح. (١) قوله: (يصحُّ ممَّن يصِحُّ تبرُّعُه) وهو: جائز التصرُّف؛ الحرُّ المُكلَّفُ الرَّشيدُ. فلا يصِحُّ من مُكاتَب، وناظِرِ وَقفٍ، ووكيلٍ في استيفاءِ حُقوقٍ، ووليِّ صَغيرٍ ومَجنونٍ؛ لأنه تبرُّعٌ، وهم لا يملِكُونه، إلَّا إن أنكرَ مَنْ عليه الحَقُّ ولا بينَة لِمن يدَّعيه من المُكاتَبِ والوليِّ ونحو ذلك، فيصحُّ الصُّلح؛ لما فيه من الحَظِّ والمَصلَحَة؛ لاستيفاء البَعض عندَ العَجز عن استيفاءِ الكُلِّ، لأنه أولَى من التَّرك. عثمان [¬١] بإيضاح. (٢) قوله: (مَعَ الإقرَارِ) أي: مع إقرارِ مَنْ عليهِ الحَقُّ بالحَقِّ. (٣) قوله: (والإنكَارِ) أي: ويصحُّ مع إنكارِ مَنْ عليه الحَقُّ. هذا على طَريقِ الإجمال، ثم فصَّل ذلك، فجَعَل لِكُلٍّ أحكَامًا تخصُّه، فأشارَ إلى الأوَّل بقولِه: «فإذا أقر .. إلخ». الوالد. (٤) قوله: (فإذا أقرَّ للمدَّعي بدَينٍ أو عَينٍ، ثمَّ صالَحَهُ على بعضِ الدَّينِ .. إلخ) فإذا أقرَّ الرَّشيدُ المُدَّعَى عليه للمدَّعِي الذي يصِحُّ تبرُّعه بدينٍ معلُومٍ في ذمته، أو أقرَّ بعينٍ بيدِه، ثمَّ صالَحه المُقرُّ له على وضَعِ بعضِ الدَّين المقرِّ به، أو

стр. 980

فَهُو هِبَةٌ، يَصِحُّ بِلَفظِها (١)، لا بِلَفْظِ الصُّلْحِ (٢). وإنْ صَالَحَهُ على عَينٍ غَيرِ المُدَّعَاةِ: فهُو بَيعٌ (٣)، على بعضِ العَين المُدَّعى بها، كنصفٍ، أو ثُلُثٍ، ونحو ذلك، أو يهب له البعضَ من العَين المُقرِّ بها، ويأخذ المُقَرُّ له الباقي من الدَّين، أو العَين. والصُّلحُ على إقرارٍ نوعان: نوعٌ يقَعُ على جِنس الحَقِّ. أشار إليه المصنف بقوله: «فإذا أقر للمدَّعي بدين .... الخ» والنوعُ الثاني من قِسمِ الصُّلح على إقرار: أن يُصالِحَ على غيرِ جنسه؛ بأن أقرَّ له بدينٍ، أو عَين، ثم صالَحه على غيرِ جنسِه، معاوضةً. وأشار إليه المصنف بقوله: «وإن صالحَه على عينٍ غيرِ المُدَّعاة، فهو بيع .. إلخ» صوالحي. (١) قوله: (فهو هِبةٌ يصِحُّ بلفظِها) أي: فيكون ذلِكَ هبةً، يصِحُّ بلفظِ الهِبةِ وبلفظِ الإسقاط؛ لوجودِ الإقرارِ بما ادُّعِيَ به، فيصِحُّ ذلِك؛ لأن الإنسانَ لا يُمنَع من إسقاط حقِّه، كما لا يُمنع من استيفَائه؛ لأنه ﷺ : كلَّم غُرمَاءَ جابر ليضَعوا عنه. صوالحي. (٢) قوله: (لا بلفظِ الصُّلح) أي: ولا يَصْلُحُ بلفظ الصُّلح، فإن وقَعَ بلفظِه، لم يصِحَّ؛ لأنه صالَح عن بعضِ مالِه ببعضٍ، فهو هَضمٌ للحقِّ. ومحلُّه أيضًا ألَّا يمنعه حقَّه بدونِه، وإلَّا، بطَلَ، لأنه أكلُ مالِ الغَيرِ بالباطل. عثمان [¬١]. (٣) قوله: (وإن صالَحه على عينٍ غيرِ المدَّعَاةِ [¬٢]، فهو بَيعٌ) للعينِ الذي وقَعَ الصُّلح عليها.

стр. 981

يَصِحُّ بِلَفْظِ الصُّلْحِ (١)، وتَثبُتُ فيهِ (٢) أحكَامُ البَيعِ (٣). فلَو صَالَحَهُ عَنْ الدَّينِ (٤) بِعَينٍ (٥)، واتَّفَقَا في عِلَّةِ الرِّبَا: اشتُرِطَ: قَبضُ العِوَضِ في المَجلِس (٦). وبِشَيءٍ في الذِّمَّةِ: يَبطُلُ بالتَّفرُّقِ قَبلَ القَبْضِ (٧). (١) قوله: (يصِحُّ بلفظِ الصُّلح) لأنها معاوضَةٌ، بخلافِ ما قبلَه؛ لأن المُعاوَضَةَ عن شيء ببعضِه محظُورةٌ. صوالحي. (٢) قوله: (وتَثبتُ فيه) أي: في هذا الصُّلح. (٣) قوله: (أحكامُ البَيع). المتقدِّم ذكرُه في كتاب البَيع من العَلمِ به، والقُدرَةِ على تسليمِه، والتقابُضِ بالمَجِلس إن جَرى بينهُما ربًا. صوالحي. (٤) قوله: (فلو صالَحه عن الدَّين) أي: فلو صالَح المدَّعَى عليه عن الدَّين الذي في الذمة، وأقرَّ به، فهو مفرَّع على قوله: «وتثبتُ فيه أحكامُ البَيع». (٥) قوله: (بعينٍ) من غَيرِ جِنسِه. (٦) قوله: (واتفقَا في عِلَّةِ الرِّبا) أي: اتفق الدِّينُ المدَّعَى به والعَينُ الذي وقَعَ الصُّلحُ عليها في عِلَّة الرِّبا؛ بأن أقرَّ له بدينَار، فصالَحه عنه عِوضًا عن ذلك بعشَرَة دَراهِم مَثلًا، أو عَكسُه، فهو صَرفٌ، صَحَّ، لكن (اشتُرط) فيه (قبضُ العِوَضِ في المَجلِس) قبلَ التفرُّقِ. ويحرُم الصُّلحُ عن الدَّين بجنسِه إذا كانَ مثليًا، كمَكيلٍ بمَكيلٍ، أو مَوزُونٍ بمَوزُون، بأكثرَ أو أقلَّ منه، على سَبيلِ المُعاوَضَة؛ لأنه ربا، لا على سبيلِ الإبراءِ والهِبة. صوالحي. (٧) قوله: (وبشَيءٍ في الذِّمَّة، يبطُلُ بالتفرُّقِ قبلَ القَبضِ) أي: ولو صالَحه بشيء في الذمَّة؛ بأن صالَحه عن دينارٍ في ذمَّته بإردَبِّ قَمحٍ، أو نحوِه، في الذمَّة، يبطلُ ذلك بالتفرُّق من المَجلِس قبلَ القَبضِ لذلِك الشيء؛ لأنه يصيرُ

стр. 982

وإنْ صالَحَ عَنْ عَيبٍ في المَبيعِ: صَحَّ. فلو زالَ العَيبُ سَرِيعًا (١)، أو لَم يَكُنْ (٢): رَجَعَ بِمَا دَفَعَه (٣). ويصِحُّ: الصُّلحُ عَمَّا تَعَذَّرَ عِلْمُهُ مِنْ دَينٍ (٤)، أو عَينٍ (٥). بيعَ دينٍ بدين. صوالحي. (١) قوله: (وإن صالَح عن عَيبٍ في المَبيعِ، صَحَّ) أي: وإن صالَح عن عَيبٍ؛ بأن ظَهَر في المَبيعِ عَيبٌ، بشيءٍ من عينٍ، كدينارٍ، أو مَنفَعةٍ، كسُكنَى دارٍ شَهرًا، صحَّ (فلو زالَ العَيبُ سَريعًا) أي: فلو حصَلَ الصُّلحُ على عَيبِ المَبيع، فزالَ العَيبُ سَريعًا بلا كُلفَةٍ، ولا تَعطيلِ نفعٍ على مُشتَرٍ، كمُزوَّجَةٍ بانَت، ومريضٍ عُوفِيَ؛ لحصولِ الجُزءِ الفائِتِ من المَبيعِ بلا ضَررٍ، فكأنَّه لم يكُن. مثالُ الأول: كأن اشتَرى أمةً فظهَرت مزوَّجَةً فأبانَها زوجُها، زالَ العيبُ. والثاني: كأن اشتَرى عَبدًا فظهر مريضًا فعوفي، زالَ العَيب، رجعَ بما دَفَعَه. انتهى. الوالد. (٢) قوله: (أو لم يَكُنْ) أي: أو صالَح عن عَيبٍ، فظَهر أنَّه لم يكُن مَعيبًا؛ بأن بانَ عدَمُ العيبِ، كنفاخ بطنِ أمةٍ ظنَّه حَملًا، ثم ظَهَر الحَالُ. الوالد. (٣) قوله: (رجَعَ بما دَفَعَه) عن العَيب؛ لعدَم استحقَاقِه ذلك. (٤) قوله: (ويصِحُّ الصُّلحُ عَمَّا) كان مجهولًا (تعذَّر عِلمُه، مِنْ دَينٍ) كمَنْ بينَهُما معامَلةٌ، وحِسَابٌ مَضَى عليه زَمَنٌ. صوالحي. (٥) قوله: (أو عَينٍ) أي: أو عمَّا تعذَّر عِلمُه من عَينٍ، كقَفيزِ حِنطَةٍ وقَفيزِ شَعيرٍ اختلَطا، وطُحِنا، بمالٍ معلُومٍ؛ حالٍّ، أو نسيئة. ولا يصح الصُّلح بشيءٍ مجهُولٍ، فلابدَّ أن يكونَ معلُومًا؛ لوجوبِ تسليمِه.

стр. 983

و: أَقِرَّ لِي بِدَيْنِي، وأُعطِيكَ مِنهُ كَذَا (١). فأَقَرَّ: لَزِمَهُ الدَّينُ (٢)، ولم يَلزَمْهُ أنْ يُعطِيَه (٣). (١) قوله: (وأقرَّ لي بديَنِي، وأُعطِيكَ منه كَذَا) أي: ومَنْ قالَ لغريمه: أقِرَّ لي بدَينِي، وأعطيكَ منه. أو قالَ: خَذْ مِنه كَذَا. أي: عَشَرَةً مَثَلًا. (٢) قوله: (فأقر) له (لزمَهُ الدَّينُ) أي: لزِمَ المقرَّ ما أقر به من الدَّين الذي أقرَّ به؛ لأنه لا عُذرَ لمن أقرَّ، ولأنَّه أقرَّ بحقٍّ يحرُم عليه إنكارُه. عثمان [¬١]. (٣) قوله: (ولم يلزمْهُ أن يُعطِيَه) أي: ولم يصحَّ الصُّلْحُ؛ لوجوبِ الإقرارِ عليه بما عليه من الحَقِّ، فلم يبح له العِوضُ عمَّا يجب عليه. ولا يلزمُه أي: رب الدين أن يعطيَه ما وعَده إعطاءَه؛ لعدَمِ وجوبِه عَليه. الوالد.

стр. 984

فَصْلٌ وإذا أنكَرَ دَعْوَى المُدَّعِي، أو: سَكَتَ وهُوَ يَجهَلُ (١)، ثُمَّ صَالَحَه: صَحَّ الصُّلحُ (٢)، وكانَ إبرَاءً في حَقِّهِ (٣)، فَصْلٌ (١) قوله: (وإذا أنكَر .. إلخ). هذا القِسمُ الثَّانِي من قِسمَي الصُّلح في الأموال على إنكار، وهو معطُوفٌ على قولِه أوَّلَ الباب: «فإذا أقرَّ للمدَّعِي .. إلخ» وإذا أنكَر الرشيدُ المُدَّعَى عليه دَعوى المُدَّعِي، (أو) أنَّ المدَّعَى عليه (سَكَتَ وهُوَ يجهَلُ) الواو واو الحال، أي: والحالُ أنَّ المدَّعَى عليه يجهَلُ ما ادُّعي به. انتهى. الوالد. (٢) قوله: (ثم صالَحَه) أي: ثم إنَّ المدَّعَى عليه صالَح المُدَّعِي عنه بمالٍ حَالٍّ أو مؤجَّلٍ، (صحَّ الصُّلحُ)؛ لعموم قوله ﷺ : «الصُّلحُ جائز بين المسلمين إلا صُلحًا حرَّمَ حلالًا، أو أحلَّ حَرامًا» [¬١]. ومن ادُّعيَ عليه بَوديعَةٍ أو تَفرِيطٍ فيها، فأنكَر، وصالَح على مَالٍ، فهو جَائز، ذكره في «الشرح» وغيره. عثمان [¬٢] بإيضاح. (٣) قوله: (وكان إبراءً في حَقِّه) أي: وكانَ ما تركَه أو ما دَفعَه إبراءً في حقِّ المُنكِر؛ لأنه افتدَى بيمينِه، ولأنه بَذَلَ العِوَضَ؛ لدفعِ الخُصومَةِ عن نفسِه، لا في مُقابَلَة حَقٍّ ثبتَ عليه، فلا ردَّ له بَعيبٍ، ولا شُفعَةَ في المُصَالَح عنه،

стр. 985

وبَيعًا في حَقِّ المُدَّعِي (١). ومَنْ عَلِمَ (٢) بكَذِبِ نَفسِهِ (٣): فالصُّلحُ باطِلٌ في حَقِّهِ (٤). وما أخَذَ: فَحَرَامٌ (٥). إن كانَ شِقصًا من عَقَار، ولا يَستحِقُّ مدَّعى عليه لعيبٍ وجَدَه في مُصَالَحٍ عنه شيئًا؛ لأنه لم يبذُل العِوضَ في مقابَلتِه؛ لاعتقادِه أنه ملكه قبل الصلح، فلا معاوضة. الوالد. (١) قوله: (وبَيعًا في حَقِّ المدَّعِي) فيما دفَعَه له مما وقَعَ عليه الصُّلح، يُرَدُّ بعيبٍ فيما أخذَه، ويُفسَخ الصُّلح إن وقَعَ على عينِه، وإلَّا يطالب ببدَلِه، وله الإمساك مع الأرش. ويؤخذ منه بشفعة إن كان العِوضُ مشفوعًا، كشِقصٍ صُولح به من دَارٍ، فلشَريكِ المُدَّعِي أخذُه. عثمان [¬١]. (٢) قوله: (ومَنْ عَلِمَ) من مُدَّعٍ، ومُدَّعى عليه. (٣) قوله: (بكذِبِ نفسِه) فيما وقَعَ عليه الصُّلحُ. صوالحي. (٤) قوله: (فالصُّلحُ باطِلٌ في حَقِّه) أما المدَّعِي؛ فلأن الصُّلح مَبنيٌّ على دَعواه الباطِلة. وأما المدَّعَى عليه؛ فلأنه مَبنيٌّ على جَحدِه حَقَّ المُدَّعِي ليأكل ما يَنقُصَهُ بالباطل. انتهى. الوالد. (٥) قوله: (وما أخَذَ فحَرامٌ) أي: وما أخذَه في ذلك على وجهِ الصُّلح حَرامٌ، يجب عليه ردُّه من العِوض؛ مُدَّعٍ عالِمٍ كَذِبَ نفسِه، مما صُولِح به، أو مدَّعى عليه ممَّا انتقصَه من الحقِّ بجحدِه، فهو حرام عليه؛ لأنه أكلُ مالِ الغَير بالباطِل. صوالحي وإيضاح.
следующие страницы →