← История

История · id 30068

جواهر السلوك في أمر الخلفاء والملوك

ابن إياس

Полный текст (444 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فلما تسلطن الملك الصالح عظمت شجرة الدر فى دولة أستاذها الملك الصالح، وصار إليها غالب تدبير أمور الديار المصرية فى حياة أستاذها الملك الصالح وبعد وفاته. وكانت ذات عقل وحزم ورأى ومعرفة بأحوال المملكة فتسلطنت لحسن سيرتها وجودة تدبيرها، [وكان يعاونها] (١) الأمير عز الدين أيبك التركمانى أتابك العساكر ومشاركها فى أحوال المملكة، وصار يخطب باسم شجرة الدر على منابر مصر وأعمالها. وكان الخطباء يقولون بعد الدعاء للخليفة "واحفظ اللهم الجهة الصالحية، ملكة المسلمين، عصمة الدنيا والدين [ذات الحجاب الجليل، والستر الجميل] والدة المرحوم خليل" فأقامت على ذلك مدة ثلاثة أشهر فساست الرعية فى مدة سلطنتها أحسن سياسة وسارت فيهم سيرة حسنة إلى أن أبدى بها خلع نفسها من السلطنة باختيارها. وقيل: إن الخليفة أرسل من بغداد إلى الأمراء الذين كانوا بمصر يقول لهم: إعلمونا إن كان ما بقى فى مصر عندكم من الرجال من يصلح للسلطنة، فنحن نرسل إليكم من يصلح لها، أما سمعتم الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا ينكح قوم ولوا أمرهم امرأة" (٢) وأنكر عليهم بسبب ذلك غاية الإنكار وقد قال بعضهم فى المعنى. النساء ناقصات عقل ودين … ما رأينا لهن رأيا سنيا ولأجل الكمال لم يجعل الله … تعالى من النساء نبيا فلما بلغها ذلك خلعت نفسها من السلطنة وتولى أيبك التركمانى ثم مشى الأمراء بينهما فتزوج أيبك شجرة الدر، وكان أيبك لا يتصرف فى شئ من أمور المملكة إلا برأى شجرة الدر، وكانت ذات شهامة زائدة وكانت تركية الجنس شديدة الغيرة صعبة الخلق فتولى أيبك السلطنة وكان مع شجرة الدر فى غاية الضنك.

стр. 107

١ - ذكر سلطنة عز الدين أيبك التركمانى الصالحى النجمى (١) هو أول ملوك الترك بمصر تولى الملك فى يوم السبت تاسع عشرين ربيع الأول سنة ثمان وأربعين وستمائة، وركب شعار الملك وحملت على رأسه القبة والطير، ولقبوا بالغواشى الذهب قدامه. فلما استقر فى السلطنة قال المماليك الصالحية لابد لنا من واحد من بنى أيوب نسلطنه وكان القائم ذلك الأمير بليان والأمير فارس الدين أقطاى والأمير بيبرس البندقدارى وسنقر الرومى وجماعة كثيرة من المماليك الصالحية، واحضروا بشخص من بنى أيوب. وقيل: من ذريته يقال له مظفر الدين يوسف من أولاد الملك مسعود صاحب بلاد الشرق، وكان عند عماته فى بلاد الشرق. فلما حضر سلطنوه ولقبوه بالملك الأشرف، وكان له من العمر نحو من عشرين سنة. ولما تسلطن لم يعزلوا أيبك التركمانى من السلطنة، بل صار معه كالاتابكى وخطب باسمهما على المنابر وضربت السكة باسمهما على الدنانير والدراهم فلم يسمع أيبك إلا الإذعان فى ذلك واستمر المعز أيبك فى السلطنة وهذا الصبى يوسف شريكه فى السلطنة إلى أن قويت شوكة المعز أيبك، فعند ذلك عزل الصبى يوسف عن السلطنة واستقل بها وحده بعد أمور جرت له ووقائع أحوال يطول شرحها على هذا المختصر حتى قتل المعز كما سيأتى ذكره. وكان سبب قتل المعز أيبك أن زوجته شجرة الدر قد بلغها أن أيبك خطب بنت بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، فتغير حاله على شجرة الدر لأنها كانت تمن على أيبك فى كل وقت وتقول له: لولا أنا ما تسلطنت أنت وكانت قد منعته من الاجتماع بأم ولده على حتى أنها لزمته أن يطلقها بالثلاثة، فحنق منها أيبك ونزل إلى مناظر اللوق، وكانت مناظر اللوق مكان الأزبكية الآن، فأقام بها أياما وهو غضبان فأرسلت إليه شجرة الدر من خلف عليه ويلطف به حتى سكن غيظه وطلع إلى القلعة.

стр. 108

وكانت شجرة الدر قد أعدت له من يقتله إذا طلع إليها، فلما طلع إليها اصطلحت معه ودخل الحمام ودخلت معه إلى الحمام فلما استقر بها دخل عليهما خمسة من الخدام الخصى الروم الذين كانت أعدتهم له ليقتلوه فأخذ بعضهم بخناقه وبعضهم بمحاشمه فاستغاث بشجرة الدر، فقالت للخدام أتركوه فاغلظ عليها بعضهم وقال: متى تركناه لا يبقى عليك ولا علينا، فقتلوه فى الحمام وذلك فى يوم الثلاثاء ثالث عشرين ربيع الأول سنة خمس وخمسين وستمائة. فلما قتل أيبك تولى من بعده ابنه نور الدين على، فعند ذلك قبص على شجرة الدر ودخل بها إلى أمه فقتلتها بالقباقيب إلى أن ماتت فرموها فى خندق القلعة وهى عريانه فأقامت ثلاثة أيام مرمية لم تدفن والناس ينظرون إليها، وأما الخدام الذين قتلوا أيبك فشنقوهم على باب القلعة. وقيل: إن أحد الحرافيش جاء فى الليل إلى شجرة الدر وهى مرمية فقطع تكة لباسها وكان فيها أكرة لؤلؤ كبار ثم دفنت فى تربتها التى بالقرب من السيدة نفيسة. وكانت شجرة الدر كثيرة البر والصدقة ولها أوقاف على جهة بر ومعروف، وكانت دينة خيرة تحب الفقراء وتحب المساكين ولم يسمع بأن فى الإسلام من تسلطن من النساء غير شجرة الدر، ونالت من العز والعظمة ما لا ناله أحد من النساء قبلها، وتصرفت فى الدهر بحسب ما تختاره من الأمور كما قيل. أيها المتعب جهلا نفسه … يطلب الدنيا حريصا جاهدا لا لك الدنيا ولا أنت لها … فاجعل الهمين هما واحدا فكانت مدة سلطنتها بمصر نحو ثلاثة أشهر، وكانت مدة سلطنة الملك المعز أيبك التركمانى بمصر سبع سنين فمنها مدة انفراده بالسلطنة خمس سنين وثلاثة أشهر، ومدة الصبى يوسف المقدم ذكره الذى كان شريكه فى السلطنة نحو سنة وأشهر. ولما قتل أيبك تولى من بعده ابنه نور الدين على. قال بعضهم هذه الأبيات المواليا تتضمن أسماء ملوك الترك ممن تولوا السلطنة بالديار المصرية، من أول ملوك الترك [والجراكسة] دون أسماء أولادهم على الترتيب وهم:

стр. 109

أيبك قطز يعقبو … بيبرس ذو الأكمال بعدو قلاون بعد … وكتبغا المفضال لاجين بيبرس بر … فوق شيخ ذو الأفضال ططر برسباى جق … مق ذو العلا أينال وخشقدم عنه قل … يلياى ذو الأحوال تمربغا قايتبا … ى الفحل ذو الإقبال وقانصوه جنبلا … ط خذ عنهما الأقوال وبعده جاء طو … مان باى بالإقبال وبعده قانصوه … الغورى أبو الأهوال وبعده صار طومان … باى فى جل جال وأما سليم شاه … خادم سعده عمال وبعده أحمد الباشاه … بسيفوا جال (١) ٢ - ذكر سلطنة الملك المنصور نور الدين على بن الملك المعز أيبك التركمانى الصالحى (٢) تسلطن بعد قتل أبيه الملك المعز أيبك التركمانى فى يوم الخميس سادس عشرين ربيع الأول سنة خمس وخمسين وستمائة، وهو الثانى من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية. تسلطن و- له من العمر نحو إحدى عشرة سنة، وكان القائم بتدبير مملكته علم الدين سنجر الحلبى، وكان وزير المنصور على بن المعز شخصا يسمى شرف الدين ابن صاعد الفايزى، فلما ثقل أمر سنجر على الناس وجار عليهم فعند ذلك قبض عليه الأمير قطز المعزى ووقع بينهما أمور يطول شرحها.

стр. 110

وكان فى أيام الملك المنصور على هذا قدوم هولاكو ملك التتار إلى مدينة بغداد وقتله للخليفة المستعصم بالله، وكان قصد هولاكو أن يزحف على بلاد حلب والشام ومصر. فلما بلغ الأمراء الذين يأتون مصر هذه الأخبار فعقد الأمير قطز مجلسا وجمع فيه القضاة والأمراء وأعيان الدولة بسبب قتال هولاكو ورفعه عن البلاد، وكان المشار إليه فى ذلك المجلس عز الدين بن عبد السلام من كبار الشافعية، فقال: إذا طرق العدو البلاد وجب على العالم كلهم قتاله، وجاز للسلطان أن يأخذ من الرعية ما يستعان به على تجهيز العسكر، بشرط ألا يبقى فى بيت المال شئ من المال والسلاح والقماش، ويقتصر كل منكم على فرسه وسلاحه، وتشاوروا فى ذلك أنتم والعامة سوى بحيث لا يبقى مع الجند شئ. وأما أخذ أموال الرعية مع بقايا فى أيدى الجند من المال فلا يجوز، فعند ذلك اجتمع رأى القضاة والأمراء على خلع الملك المنصور على بن المعز أيبك لصغر سنه وعدم دفعه للعدو، واتحدوا هلاكو. فخلعوه من السلطنة وسلطنوا قطز بعده وقيل عوضه. فكانت مدة سلطنة الملك المنصور على بن المعز أيبك بالديار المصرية نحو سنتين وسبعة أشهر واثنين وعشرين يوما ثم أرسلوه إلى السجن بثغر دمياط وأمه معه، فأقام بها إلى أن مات بعد مدة طويلة. ومن الحوادث فى أيامه قد ظهر بالمدينة الشريفة نار كانت تختفى بالنهار وتظهر بالليل يراها الناس من مسافة بعيدة ويظهر لها دخان عظيم، فأقامت على ذلك نحو أربعين يوما ثم خفيت بعد ذلك. وقد قال بعضهم فى ذلك. بحر من النار تجرى فوقه سفن … من الهضاب لها فى الأرض إرساء منها تكانف فى الجو الدخان إلى … أن عادت الشمس منه وهى دهماء يرمى لها شررا كالقصر طائشة … كأنها ديمة تنصب هطلاء فيا لها معجزات عن رسو … ل الله قد ظهرت والناس أحياء

стр. 111

يشير الناظم إلى الحديث الشريف "أن الساعة لا تقوم حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضئ منها أعناق الإبل ببصرى" (١) ذكره البخارى فى باب الفتن وخروج النار. ومات فى أيام الملك المنصور على من الأعيان وهم: زكى الدين عبد العظيم المنذرى والشيخ أبو الحسن الشاذلى وشعلة المقرى والفاسى سعد الدين العربى الشاعر والصرصرى الشاعر وابن الأبار المؤرخ وغيرهم من الأعيان والعلماء والصلحاء. ٣ - وذكر سلطنة الملك المظفر سيف الدين قطز المعزى (٢) وهو الثالث من ملوك الترك وأولادهم بمصر، تسلطن بعد خلع ابن الملك المعز أيبك كما تقدم وذلك فى يوم السبت سابع عشر ذى القعدة سنة سبع وخمسين وستمائة. فلما تولى الملك أخذ فى أسباب خروجه إلى قتال العدو هولاكو ملك التتار وقد وصل أوائل عسكره إلى الشام، فعند ذلك أمر الملك المظفر قطز بجمع الأموال من أهل مصر لأجل صرفه فى هذه الحركة، فأخذ على كل إنسان من أهل مصر من الفقراء وغيرهم ومن النساء من كل واحد دينارا وأخذ من تصقيع الأملاك وتقومها وأخذ من الأغنياء من زكاة أموالهم، وأخذ من الترك الأهلية الثلث من المال، وأحدث من هذا النمط أشياء كثيرة من أبواب المظالم فبلغ جملة ما جمعه من الأموال فى هذه الحركة ستمائة ألف دينار، وخرج من القاهرة فى يوم الجمعة خامس عشرين شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة، فلما وصل إلى الشام وقع بينه وبين عسكر هلاكو وقعة عظيمة وقتل فيها خلق كثيرة فاعز الله تعالى الإسلام على يد الملك المظفر قطز وكسر عسكر هولاكو المخذول كسرة قوية وهزمهم أحسن هزيمة، ومهد البلاد الشامية واحسن تمهيدها، وكانت جميعها فى يد ملوك بنى أيوب وأولادهم فاستخلصها من يدهم ثم بعد ذلك قصد التوجه إلى الديار المصرية وهو فى غاية النصر والعز فسار هو ومن معه من الأمراء العساكر إلى أن وصل إلى

стр. 112

قريب الصالحية فرأى أرنبا فساق خلفه وساق معه جماعة من الأمراء ومن جملتهم الأمير بيبرس البندقدارى لما دنوا منه، تقدم إليه الأمير بيبرس ليقبل يده وكان قد أنعم عليه بجارية مليحة من سبايا التتار فلم يمد يده إليه قبض عليه الأمير بيبرس وضربه بالسيف وحمل عليه بقية الأمراء والمماليك بالسيوف حتى قتلوه وتركوه ميتا فى البرية، ثم ساقوا وهم شاهرون سيوفهم إلى أن وصلوا إلى الوطاق فجلس الأمير بيبرس البندقدارى على مرتبة السلطان قطز وتسلطن هناك وأخذ المملكة بالقوة فشق ذلك على بقية الناس من أن الملك المظفر قطز قتل من غير ذنب، وكان من خيار ملوك الترك و- له اليد البيضاء فى القيام لدفع العدو عن البلاد وعمارة البلاد الشامية. وكان مقتله فى يوم السبت خامس عشر من ذى القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة ودفن هناك فى المكان الذى قتل فيه. فكانت مدة سلطنته نحو سنة إلا أيام وتولى من بعده الأمير بيبرس. ٤ - ذكر سلطنة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس العلاى البندقدارى الصالحى النجمى (١) هو الرابع من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، تسلطن بعد قتلته للمظفر قطز فى يوم السبت خامس عشر ذى القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة، ولقب بالملك الظاهر أبو الفتوح، وكان أول ما تسلطن تلقب بالملك القاهر فقال له بعض العلماء "ما تلقب أحد بهذا اللقب وأفلح" وقد جرب ذلك فتركه وتلقب بالملك الظاهر. وكان أصله تركى الجنس أخذ من بلاده وهو صغير فبيع لشخص بدمشق يسمى العماد الصايغ ثم اشتراه منه الأمير علاء الدين أيدكين البندقدارى فلما قبض الملك الصالح نجم الدين أيوب على الأمير أيدكين البندقدارى واحتاط على موجوده، فأخذ بيبرس من جملة الموجود ثم أن الملك الصالح اعتقه وجعله من جملة المماليك البحرية. وكان شجاعا فأظهر فى وقعة الفرنج التى كانت على المنصورة فى أيام الملك المعظم توران شاه ابن الملك الصالح نجم الدين من الشجاعة

стр. 113

وقوة القلب ما لا يسمع بمثله ثم صار أميرا مقدم ألف ثم صار اتابك العسكر ومازال يترقى والاقدار تساعده إلى أن بقى سلطانا بالديار المصرية. فلما تسلطن بعد قتل قطز كما تقدم ذكره وجلس على سرير الملك وخلف الأمراء لنفسه. ثم إنه استقر بالأمير فارس الدين اقطاى ويدعى بالمستعرب أتابك العساكر واستقر بجماعة من الأمراء فى وظائف سنية. فلما قتل المظفر قطز وتولى بيبرس فدخل إلى القاهرة فى الليل وطلع إلى القلعة، فلما طلع النهار نادى المنادى للناس ترحموا على الملك المظفر قطز وادعو بالنصر للسلطان الملك الظاهر بيبرس. وكانت القاهرة قد زينت لقدوم الملك المظفر قطز فلما بلغ الناس هذه النصرة على التتار ورد العدو عن البلاد، فلما نادى المنادى بذلك فمن الناس من فرح بذلك، ومنهم من اغتم لذلك وتأسف على الملك المظفر قطز لأنه قتل بلا ذنب، فلما جلس الملك المظفر بيبرس على سرير الملك بمصر عمل الموكب وأخلع على من يذكر من الأمراء وهم: الأمير فارس الدين أقطاى المستعرب فاستقر أتابك العساكر كما تقدم، واستقر بالأمير لاجين الدرفيل داودارا كبيرا، والأمير بليان الرومى دوادارا ثانيا، واستقر بالأمير عز الدين الأفرم أمير جاندار واستقر بالأمير بهاء الدين يعقوب أمير آخور على عادته، واستقر ببهاء الدين بن حنا وزيرا. وقيل: إن ابن حنا هذا هو الذى بنى الآبار النبوى المطلة على بحر النيل وأودع فيه الآبار الشريفة وقيل إنه اشتراها بمال جزيل حتى أودعها بمصر، واستقر بالأمير جمال الدين أقوش النجيبى أستادارا واستقر ببقية الأمراء على قدر منازلهم، ورسم باحضار المماليك البحرية الذين كانوا فى البلاد متفرقين، ثم أرسل مكاتبات إلى سائر الملوك والنواب "رمم مما عدد الله تعالى له" (١) من توليه الملك بالديار المصرية وطلب منهم بذل الطاعة فأجابه الجميع بالبيع والطاعة. وقد تقدم أن الأمير علم الدين سنجر الحلبى لما نقل أمره على الناس فى دولة الملك المنصور على بن الملك المعز أيبك التركمانى وقبض عليه الملك المظفر قطز قبل أن

стр. 114

يلى السلطنة وسجنه ثم أفرج عنه وجعله نائب دمشق، فلما قتل المظفر قطز وتولى الظاهر بيبرس فشق ذلك على الأمير سنجر وأظهر العصيان على الظاهر بيبرس، وطلب الوثوب على الظاهر بيبرس فجمع أمراء دمشق وألزمهم بالخروج على طاعة الملك الظاهر بيبرس فجاء أوامر عليهم الجميع. ثم إن الأمير سنجر الحلبى تسلطن بدمشق وركب بشعار السلطنة ولقب نفسه بالملك المجاهد وكتب بذلك إلى سائر النواب وخطب باسمه على منابر دمشق وأعمالها. فلما بلغ الملك الظاهر بيبرس ذلك كتب إلى سنجر المذكور كتابا ووبخه فيه بفضح فعله ورجوعه عن ذلك فعادت الأجوبة بالمخالفة لذلك فاضطربت أحوال البلاد الشامية وعصيت بقية النواب على الظاهر بيبرس. فلما جرى ذلك أراد الملك الظاهر استجلاب خواطر الرعية، فأمر بإبطال ما كان أحدثه الملك المظفر قطز من المظالم عند خروجه إلى حركة العدو المخذول هلاكو وقد تقدم ذلك فأمر بإبطال ذلك جميعه وكتب به مساميح وقرئت على المنابر بمصر، فمالت إليه قلوب الرعية وزاد فى الدعاء له بالنصر والبقاء كما قيل فى المعنى. لم يبق للجور فى أيامكم أثر … إلا الذى فى عيون العيد من حور ثم دخلت سنة تسع وخمسون وستمائة: فيها: قبض الملك الظاهر بيبرس على جماعة من الأمراء المعزية وقد بلغه عنهم أنهم يريدون قتله. وفيها: كان وصول الإمام أحمد العباسى بن الخليفة الظاهر بالله وقد تقدم ذلك عند تراجم الخلفاء العباسية وكان وصوله فى تاسع شهر رجب من السنة المذكورة، فركب الملك الظاهر وبلغاه وأكرمه وقد تقدم ذلك وذكره فى ترجمة الخليفة المستنصر بالله أبى العباس أحمد بن الخليفة الظاهر بأمر الله. ومن الحوادث فى أيامه: أن الغلاء وقع بمصر فى أيام الملك الظاهر بيبرس، فجمع السلطان الحرافيش وعدهم وقسمهم على الأمراء فأخذ منهم لنفسه خمسمائة حرفوش وولده مثل ذلك، وأخذ الأمير بيليك نائب السلطنة ثلاثمائة حرفوش وفرق البقية على الأمراء كل واحد على قدر مقامه ورسم لهم

стр. 115

أن يعطوا لكل حرفوش منهم فى اليوم رطلين خبز. وكانت الأقوات قد عزت إلى الغاية فما رأى أحد من الفقراء يسأل من بعد ذلك فى مدة هذه الغلوة. وكانت هذه الغلوة فى سنة ستين وستمائة فى أوائلها. ثم دخلت سنة إحدى وستون وستمائة: فيها: ختن السلطان ولده الملك السعيد محمد المدعو "بركة" ورسم للأمراء والجند والقضاة وأعيان الناس والأعوام والفقراء، وأن كل من كان له ولد يحضر به إلى عند السلطان، وأشهر المناداه بذلك فاحضر الناس أولادهم إلى عند السلطان فبلغ عدتهم ألف وستمائة وخمسة وأربعين ولدا خارجا عن أولاد الأمراء والجند، فرسم لكل واحد منهم ملبسوه على قدر مقام أبيه، ورسم لأولاد العوام لكل واحد منهم بدينار ورأس غنم وكسوة وختن الجميع مع ابن السلطان، وكان له مهم عظيم لم يسمع بمثله. وذلك فى عاشر ذى القعدة من السنة المذكورة. ثم دخلت سنة اثنتين وستون وستمائة: فيها: أمر السلطان بإبطال صمان الحشيش وإراقة الخمور وخراب بيوت المسكرات ومنع الخانات من الخواطى واستتوب العلوق واللواطى، وعم هذا الأمر سائر أقطار الديار المصرية حتى البلاد الشامية فطهرت فى أيامه تلك البقاع من جميع المنكرات وخرج على ذلك غاية التخريج. ثم أحضروا إليه فى أثناء هذه الواقعة بشخص يسمى "ابن" الكازرونى وهو سكران فأمر بصلبه فصلب وعلقت الجرة فى عنقه. فلما رأى ذلك أهل المجون والخلاعة فامتثلوا بالسمع والطاعة، وفى ذلك يقول شمس الدين بن دانيال: لقد كان حد السكر من قبل صلبه خفيف الأذى … إذ كان فى سرعنا جلدا فلما بدا المصلوب قلت لصاحبى ألا تب فإن … الحدّ قد جاوز الحدّ وقال الأديب إبراهيم بن المعمار فى هذا المعنى من زجل لطيف منه، هذه الأبيات وهى المقصودة من الزجل. منعونا ماء العنب يا أسين … رب سلم لا يمنعونا التين

стр. 116

هاك قل لى إذا منعنا الراح … وحرمنا من الوجوه الصباح بيش نبقا نستجلب الأفراح … والخليع كيف نراه يعيش، مسكين على موت العنب بكا الراووق … والشمع صار بعبرتو مخنوق والوتربات من الغروب للشروق … من أنينو تسمع لو فى الليل حنين وقال الشيخ شمس الدين بن دانيال الحكيم: لما قدمت من الموصل إلى الديار المصرية فى الدولة الظاهرية سقى الله عهدها. وأعذب مشارب وردها، فوجدت تلك الرسوم دارسة، ومواطن الأنس بها آنسة، وأرباب الخمور والحشيش عابسة. وقد هزم أمر السلطان جيش الشيطان، وتولى الحرانى والى القاهرة وإهراق الخمور واحراق الحشيش وتبديد المزور، واستتوب العلوق واللواطى، وحجر البغايات والخواجى، وقد أذى الخلفاء غاية الأذية، وصلب ابن الكازرونى وفى عنقه نباذية، ثم شاعت الأخبار ووقع الإنكار، وأقيمت الحدود، وعطلت البدود وسجن الخمار والمزار واتاوى المسطول فى الدار، فخطر بخاطرى أن انظم هذه الواقعة فى قصيدة واجعلها فى أسلوبها فريدة وهى هذه: مات يا قوم شيخنا إبليس … وخلا منه ربعه المأنوس ونعانى حدسى به إذ توفى … ولعمرى مماته محدوس هو لو لم يكن كما قلت ميتا … لم يغير لأمره ناموس أين عيناه تنظر الحمرة إذ … عطل منها الراووق والمحريس ومواعينها تكسر والخمار … من بعد كسرها محبوس أين عيناه والحشائش تحرقن … بنار تراع منها المجوس (١) قلعوه من البساتين إذاك … صغارا خضراء وهى غروس والحرافيش حولها يتباكون … وهذا يطفى لهذا الوطيس أين عيناه تنظر المزروقد … أوحش منه الماجور والقاروس وعجين البقول قد بددوه … وهو بالترب خلطة مبسوس وذوو القصف ذاهلون وقد … كادت على سيلها تسيل النفوس

стр. 117

كم خليع يقول ذا اليوم يوم … مثل ما قيل قمطريرا عبوس وفتى قائلا لقد هان عندى … بعد هذا فى شربها التجريس وقضيب ونرجس وسعاد … باكيات وزينب عروس وذى تنادى حريفها لوداع … لا عناق لا ضم لا تبويس وينادى قوادهم شه علينا … نجم ستى قد عكسته العكوس أين تمشى حزنا يجور زمان … لا قحاب فيه ولا خندريس وترى زنكلون يزعق زيتون … وناتوا يصيح يا جاموس ذا ينادى رفيقى يا عنيكر … بل وهذا يصيح يا بغنوس أين شكشاكتى وطاجنه الفار … وأين المزراق والدبوس نهبوا الحصن والطير طير والطار … وضاعت خريطتى والفلوس ارحلوا هذه بلاد عفاف … وسعود الخلاع فيها نحوس من لنا بعد ذلك الشيخ إلف … وسمير ومؤنس وأنيس لم تر بعده فتى ضاحك الس … ن وكل يبدو له تعبيس فسأبكيه أرمد العين حتى … لشقائى يعيش جالينوس يقول: وكانت وفاة الشيخ شمس الدين بن دانيال الحكيم فى سنة عشر وسبعمائة. ومن شعره لنفسه وهو قوله: يا سائلى عن حرفتى فى الورى … وضيعتى فيهم وإفلاسى ما حال من درهم إنفاقه … يأخذه من أعين الناس ثم دخلت سنة ثلاث وستون وستمائة: فمن الحوادث فيها أن شب حريق كبير بالقاهرة، وأشيع بين الناس أن هذا من فعل بعض النصارى فأمر الملك الظاهر بجمع النصارى من القاهرة وغيرها، فلما اجتمعوا أمر بحرقهم، فجمعت لهم الأحطاب والحلفاء. فشفع فيهم الأتابكى فارس الدين أقطاى على أنهم يلتزمون بإصلاح ما فسد من الدور التى أحرقت وأن يحملوا إلى بيت المال خمسين ألف دينار.

стр. 118

ثم دخلت سنة أربع وستون وستمائة: سافر السلطان الملك الظاهر إلى الشام وحاصر قلعة صفد وافتتحها وعمر بقلعتها البرج الجديد. وفيها: جرد السلطان العساكر إلى مدينة سيس وكان باش العسكر (عز الدين بيدغان المعروف بسم الموت) والأمير قلاوون الألفى افتتحا مدينة سيس وعدة قلاع ورجعا إلى الديار المصرية. ثم دخلت سنة خمس وستون وستمائة: فيها: سافر السلطان إلى حصار مدينة يافا ففتحها هى والشقيف، وتوجه إلى إنطاكية ففتحها يوم الجمعة ثالث شهر رمضان، ثم توجه إلى بغراس ففتحها ثم رجع إلى الديار المصرية سنة ست وستين وستمائة وشق من القاهرة وزينت له. ثم دخلت سنة سبع وستون وستمائة: فيها: توجه السلطان الملك الظاهر إلى الحجاز الشريف فخرج من مصر فى ثالث شوال فتوجه إلى غزة ثم إلى الكرك، ثم توجه منها إلى مدينة النبى ﷺ ، ثم منها إلى مكة المشرفة فدخلها فى خامس ذى الحجة وكانت فى تلك السنة وقفة الجمعة وكان ولده الملك السعيد يخرج مع الركب المصرى فلما رجع الحاج إلى مصر رجع معهم الملك السعيد ورجع والده الملك الظاهر مع الركب الشامى، وتوجه من هناك إلى زيارة بيت المقدس وزيارة قبر الخليل ﵇ فزارهما، وعاد إلى القاهرة فى سنة ثمان وستين وستمائة، وأقام الأمر ساكنا إلى سنة إحدى وسبعين وستمائة فيها: بلغ الملك الظاهر أن التتار نزلوا على مدينة البيرة فخرج السلطان على خليل البريد ومعه من الأمراء الأمير بيسرى والامير أقوش الرومى والأمير جرمك الخازندار والأمير سنقر الألفى والأمير قلاوون الألفى وبقية الأمراء، فأول من خاض الفرات من بين الأمراء: الأمير قلاوون الألفى والأمير بيسرى فحصل منهما وبين التتار وقعة عظيمة فانكسر التتار وانهزموا وقتل منهم خلق كثيرة وأسروا منهم جماعة كثيرة وساقوا خلفهم حتى كسروهم كسرة قوية فعند ذلك دخل السلطان الملك الظاهر إلى مدينة البيرة وفرق على أهلها الأموال وأخلع عليهم الخلع السنية فكانت غيبة السلطان من الشام إلى الفرات أحد عشر يوما ثم رجع إلى الشام ومنها توجه إلى الديار المصرية.

стр. 119

وكان السلطان الملك الظاهر رتب خيل البريد بسبب أخبار البلاد الشامية وسرعة حضور الأخبار إلى القاهرة حتى قيل كان الخبر يصل من البلاد الشامية إلى قلعة الجبل فى أربعة أيام ويعود فى مثلها، فصارت أخبار البلاد الشامية ترد عليه فى كل جمعة مرتين. وقيل إنه أصرف على ذلك مالا عظيما حتى ترتب وتم ترتيبه، وكان مبتدأ ذلك فى سنة تسع وخمسين وستمائة، ومازال أمر البريد مستمرا بين القاهرة ودمشق، وهو عبارة عن مراكز فى كل مركز عدة خيول تعرف بخيل البريد وعندها رجال يعرفون بالسواقين ولا يقدر أحد يركب من خيل البريد إلا بأمر السلطان. وكان عند كل مركز ما يحتاج إليه المسافر من زاد وعلف وغير ذلك. واستمر الأمر على ذلك إلى أن كانت أيام الملك الناصر فرج بن برقوق. وجرى له مع تمرلنك ما جرى وخربت البلاد الشامية فى هذه الحركة، فبطل ذلك من يومئذ مع جملة ما بطل من شعار المملكة، وكان إبطاله فى سنة ثلاث وثمانمائة. ثم دخلت سنة اثنتين وسبعون وستمائة: فيها: هجم الوباء بالديار المصرية وهلك فيه خلق كثيرة من الصغار والنساء وارتفع. وفى هذه السنة: توفى أبى الحسين بن الجزار الشاعر وكان له شعر جيد وعاش من العمر واحد وسبعين سنة. ودخلت سنة ثلاث وسبعون وستمائة: فيها: سافر السلطان إلى البلاد الشامية وافتتح عدة قلاع ورجع إلى القاهرة. ثم دخلت سنة أربع وسبعون وستمائة: فيها: جرد السلطان العساكر إلى بلاد النوبة، وسبب ذلك أن ملك النوبة تجرأ على الأعمال القوصية وهى مدينة أسوان فأحرقها فعند ذلك جرد إليه السلطان العساكر وكان قبل ذلك تجرد إليه الأمير شمس الدين الفازفانى استادار العالية والأمير عز الدين أيبك الأفرم أمير جاندار وجماعة من المماليك السلطانية، فالتقوا مع ملك النوبة فكسره وقتلوا منهم جماعة كثيرة ومسكوا أخو ملك النوبة وأمه وأخته، وهرب منهم ملك النوبة ونجا بنفسه فغنموا منه أشياء كثيرة من جوار وعبيد وغير ذلك.

стр. 120

ثم دخلت سنة خمس وسبعون وستمائة: فيها: تزوج الملك السعيد محمد بن الملك الظاهر بيبرس بنت الأمير قلاوون الألفى ودخل عليها فى خامس ربيع الأول من السنة المذكورة. وكان له مهم عظيم بالقلعة وأقام المهم سبعة أيام، وفيها: سافر السلطان إلى مدينة قيسارية وافتتحها وكان يوم دخو - له إليها يوما مشهودا ونزل بدار السلطنة وصلى بها الجمعة. ثم دخلت سنة ست وسبعون وستمائة: فيها: توعك جسد السلطان الملك الظاهر وكان بدمشق فسقاه الأطباء دواء مستهلا، فلم يفد ذلك، وأفرط فى الاسهال وقويت عليه الحمى فتخيل أنه مسموم فاستعمل شيئا من الفصوص فلم يفده ذلك، وحضر الأجل فمات فى يوم الخميس ثامن عشرين المحرم سنة ست وسبعين وستمائة، وكان له من العمر ستون سنة. وكان ملكا جليلا خفيف الركاب مشهورا بالفروسية والإقدام فى الحرب، والثبات عند الملتقى للخصوم. وكان كريما سخيا حسن الوجه، طويل القامة، مليح اللحية، مهابا فى موكبه، ولكنه كان محبا لجمع الأموال، كثير المصادرات للرعية والمياسرين لأجل التجاريد والأسعار. ولما مات رثاه القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر (١) كاتب السر الشريف بهذه الأبيات اللطيفة. الله أكبر إنها لمصيبة … منها الرواسى خيفة تتقلقل لهفى على الملك الذى كانت له الد … نيا تطيب فكل قفر منزل الظاهر السلطان من كانت له … منن على كل الورى وتطول

стр. 121

لهفى على آرائة تلك التى … مثل السهام إلى المصالح ترسل لهفى على تلك العزائم كيف قد … غفلت وكان قبل ذا لا تغفل ما للرماح تخولتها رعدة … لكنها إذ ليس تعقل تعقل سهم أصاب ومارئى من قبله … سهم له فى كل قلب مقتل أنا إن بكيت فإن عذرى واضح … ولئن صبرت فإننى أتمثل ولما مات الملك الظاهر خلف من الأولاد ثلاثة ذكور وهم: الملك السعيد محمد والملك العادل سلامش وسيدى خضر، لكنه لم يتسلطن، وخلف من البنات سبع. وفتح فى أيامه فتوحات كثيرة و- له غزوات كثيرة وأخبار مشهورة. وأما الذى عمره فى أيامه فجدد أماكن فى الحرم الشريف النبوى، وجدد قبة الصخرة بالقدس الشريف. وكانت قد خربت، وجدد أماكن فى حرم الخليل ﵇، وعمر قناطر شبرامنت بالجيزة وعمر سور مدينة الإسكندرية وعمر المنار الذى كان بها، وعمر مدينة دمياط بعد ما خربت وأقامت مدة وهى خراب من حين استولى عليها الفرنج فى دولة بنى أيوب، ورسم بردم فم البحر بتاع دمياط بالقرابيص التى تهدمت منها حتى لا يبقى يدخل إليها مراكب كبار وجدد عمائر الشوانى بالصناعة وأعادها على ما كانت عليه قديما، وحفر بحر أشموم وجدد القلاع التى أخربها هلاكو فى البلاد الشامية وعمر البرج الكبير بقلعة الجبل وعمر المدرسة التى بين القصرين عند المارستان، عمر الجامع الكبير الذى بالحسينية وعمر خانا بالقدس الشريف وجدد حفر خليج الإسكندرية وباشر ذلك بنفسه وجدد بناء جامع الأزهر بعد ما أقام مدة طويلة خرابا لا يخطب فيه. وعمر القصر الابلق بدمشق وعمر قرية عند العباسية وسماها الطاهرية، ولة أثار كثيرة يطول الشرح فى ذكرها، وفى ذلك يقول الشيخ زين الدين بن الوردى (١) ﵀:

стр. 122

الملك الظاهر أثاره … فعجبه للراحل والقاطن تأملوا أخباره وانظروا … ما فعل الظاهر بالباطن ولما مات الملك الظاهر كتم موته عن الناس وحمل فى محفة إلى مدينة دمشق فدفن بها فى الليل لأنه كان توجه إلى قتال التتار فمر من هناك، ومات فى يوم الخميس ثامن عشرين المحرم سنة ست وسبعين وستمائة. فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية سبع عشرة سنة وشهرين ونصف الشهر فلم يشيعوا موته وقصدوا التوجه إلى القاهرة وأظهروا أنه مريض فى المحفة ورتبوا حضور الأطباء على العادة. وصارت المحفة محمولة فى الموكب والجنايب قدامها وخزائن المال على العادة ولا يجسر أحد أن يتفق بموت السلطان حتى دخلوا إلى القاهرة وطلعوا إلى قلعة الجبل فعند ذلك أشيع موت السلطان وكان المدبر لذلك يومئذ الأمير بدر الدين بيليك الخازندار. ولما مات الملك الظاهر بيبرس تولى من بعده ابنه محمد بركة. ٥ - ذكر سلطنة الملك السعيد أبى المعالى بركة غازى محمد بن الملك الظاهر بيبرس البندقدارى الصالحى (١) هو الخامس من ملوك الترك وأولادهم بمصر وإنما سمى بركة خان على اسم جده لأبيه، ومولده فى شهر صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة. ولما جلس على سرير الملك وتم أمره كان القائم بتدبير دولته الأمير بيليك نائب السلطنة الشهير بالخازندار، فحلف له سائر الأمراء، وقام الملك السعيد ماشيا على نظام والده الملك الظاهر ثم بعد مدة يسيرة، توفى الأمير بيليك النائب وكان قليل الأذى فى حق الرعية، فساس المملكة فى أيام الملك الظاهر وابنه الملك السعيد أحسن سياسته والناس راضية عنه. فلما مات بيليك اضطربت أحوال الديار المصرية. من بعده طاش الملك السعيد بعده ومسك جماعة من الأمراء وهم: الأمير سنقر الأشقر والأمير بيسرى وكانا جناحى والده الملك الظاهر بيبرس. ثم استقر بالنائب

стр. 123

الأمير أقسنقر الفارقانى بالسلطنة بمصر ثم مسكه وسجنه ثم خنقه فى السجن فاستناب بعده الأمير كوندك فى نيابة السلطنة. ثم دخلت سنة سبع وسبعون وستمائة: فيها: سافر الملك السعيد إلى البلاد الشامية لإصلاح البلاد، فخامر عليه جماعة من الأمراء وأقاموا بالمرج ولم يدخلوا إلى دمشق فأرسل إليهم الملك السعيد الأمير سنقر الأشقر فتلطف بهم، فأبوا الصلح فلما ردوا الجواب على السلطان بعدم الصلح، فركبت خوند والدة الملك السعيد إلى عند الأمراء فى المرج وكانت سافرت مع ابنها الملك السعيد إلى الشام، فلما توجهت إلى عند الأمراء وكانوا فى مكان يقال له الكسوة بالقرب من الشام فمشيت بينهم وبين ابنها فى الصلح فما قبلوا منها ذلك. فلما رأى الملك السعيد عين الغدر من الأمراء قصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، وجد فى السير حتى دخل إلى مصر، فلما بلغ الأمراء الذين كانوا بمصر أن السلطان قد وصل وكان الأمير عز الدين الأفرم نائب القيمة بمصر ومعه من الأمراء، الأمير اقطوان العتاقى والأمير بليان الزرنقى فأمروا والى القاهرة بغلق أبواب القاهرة، وترك الأمير عز الدين أيبك الأفرم ومن معه من الأمراء الذين قدموا من الشام مع الملك السعيد، فلما قبضوا عليهم فتحوا أبواب المدينة ودخل الناس إلى بيوتهم. وأما ما كان من أخبار الملك السعيد فأنه لما خرج من الشام وقد خامرت عليه الأمراء الجمع من بقى معه من الأمراء والعسكر، وجمع من العربان والعشيرة خلقا كثيرة، وانفق عليهم مالا جزيلا، فلما وصل إلى غزة انسحب منه أكثر العربان الذين كانوا معه، فلما وصل إلى بلبيس خامر عليه بقية العسكر الشامى ورجعوا صحبة نائبهم ولم يبق معه إلا بعض جماعة من المماليك والأمير سنقر الأشقر. فلما وصل إلى المطرية توجه إليه المماليك والأمراء الذين كانوا بمصر وقصدوا قتله فكان ذلك اليوم يوجد فى الجو ضباب عظيم، فستر الله الملك السعيد وطلع إلى القلعة من وراء الجبل الأحمر، فلما بلغ العسكر طلوعه إلى القلعة حاصروه وضيقوا عليه فأقام فى المحاصرة أياما فأرسل الخليفة الحاكم بأمر الله يقول للأمراء إيش قصدكم من هذا الأمر.؟ فقالوا: يخلع السلطان نفسه من الملك، ونزوحه إلى الكرك فأجابهم السلطان

стр. 124

إلى ذلك ونزل من القلعة وحضر الخليفة والقضاة الأربعة وخلع نفسه من الملك، وأرسلوه إلى الكرك، وذلك فى شهر ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وستمائة. فكانت مدة سلطنته بمصر سنتين وشهرا وستة عشر يوما، فأقام فى الكرك إلى أوائل ذى القعدة فلعب يوما بالاكره فى ميدان قلعة الكرك فنطر عن فرسه، فمات بعد أيام فصيروه ودفنوه بعد مدة على والده الملك الظاهر بيبرس بدمشق. وكان الملك السعيد ملكا جليلا مهابا سخيا كريما، كثير العدل فى الرعية. ولما خلع تولى بعده أخوه سلامش. ٦ - ذكر سلطنة الملك العادل سيف الدين سلامش ابن الملك الظاهر بيبرس النجمى الصالحى (١) هو السادس من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وكان يعرف بابن البدوية، تسلطن بعد خلع أخيه الملك السعيد محمد، وكان عمره يومئذ سبع سنين ونصف، وكان جلوسه على سرير الملك فى شهر ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وستمائة. وكان القائم بتدبير مملكته الأتابكى قلاوون الألفى فصار يخطب له وللعادل سلامش على المنابر، وضربت السكة باسمه واسم قلاوون لم يكن للعادل سلامش فى السلطنة إلا مجرد الاسم فقط والأمر كله لقلاوون، وكان الأمير بيسرى يشارك قلاوون فى أمور السلطنة لكنه كان مغرما بحب الصيد. ويخرج إلى السرحات أياما والأمير قلاوون يمهد لنفسه فى الباطن وأخذ فى أسباب تقريب المماليك البحرية وأعطاهم الإقطاعات السنية وأرسل عزل النواب عن البلاد الشامية وولى فيها من يثق به وأخذ فى أسباب مسك الأمراء الظاهرية، وكان أكثر الأمراء أيوبية وظاهرية. فلما بلغ مقصوده واستحكم أمره وصفا له الوقت، فخلع العادل من السلطنة وأرسله إلى الكرك وأخيه سيدى خضر معه فأقام بالكرك إلى دولة الملك الأشرف خليل بن قلاوون، فتحيل من سلامش وأخيه خضر فأخرجهما من الكرك وأرسلهما من البحر المالح إلى القسطنطينية فأكرمهما الأشكرى صاحب القسطنطينية

стр. 125

وأجرى عليهما فى كل يوم يلقيهما وأقاما بها مدة فتوفى بها سلامش فلما مات هناك صبرته أمه فى سحليه حتى اتفق عودها إلى القاهرة فحملته معها ودفنته بالقاهرة. وكان سلامش شابا مليحا جميل الصورة وعاش من العمر نحو اثنين وعشرين سنة فكانت مدة سلطنته بمصر نحو خمسة أشهر ليس له فيها إلا مجرد الاسم فقط، ولما خلع سلامش من السلطنة تولى قلاوون. ٧ - ذكر سلطنة الملك المنصور سيف الدين أبى المعالى قلاوون الألفى الصالحى النجمى (١) وهو السابع من ملوك الترك من مغول الترك وأولادهم بالديار المصرية، تسلطن بعد خلع العادل سلامش، وتلقب بالملك المنصور، وجلس على سرير الملوك فى يوم الأحد ثانى عشرين شهر رجب ثمان وسبعين وستمائة، وكان أصله من مماليك الأمير آقسنقر الكاملى ثم انتقل إلى ملك الملك الصالح نجم الدين أيوب فأعتقه وذلك فى سنة سبع وأربعين وستمائة، ولما جلس قلاوون على سرير الملك أمر جماعة من مماليكه القدماء طرنطاى وكتبغا ولاجين والشجاعى وأيبك الخازندار وطقصوه وطغريل الإيغانى وقفجق وبلبان الطباخ وقبروان الشهابى ومحمد الكورانى وأقوش الموصلى وسنقر جركس وأزدمر العلائى وقلجق وأيدمر الطباخ وإبراهيم الجاكى. ثم أفرج عن الأمير أيبك الأفرم وجعله نائب السلطنة بمصر فأقام مدة يسيرة ثم استعفاه من النيابة فأعفاه منها واستناب مملوكه طرنطاى ثم استقر بالأمير سنقر الأشقر فى نيابة دمشق. فلما دخل إلى دمشق أظهر العصيان وخامر على المنصور قلاوون، وتسلطن بدمشق وتلقب بالملك الكامل ثم اضمحل أمره وهرب إلى صهيون وعصى بها مدة. وفى هذه السنة: توفى الملك السعيد محمد بن الملك الظاهر بيبرس فلما بلغ السلطان قلاوون خبره حزن عليه لأنه كان صهره تزوج بابنته فى حياة والده الظاهر بيبرس.

стр. 126

ثم دخلت سنة تسع وسبعون وستمائة: فيها: جاءت الأخبار بأن ابغا ملك التتار أرسل عساكر عظيمة صحبة أخيه منكوتمر، فلما بلغ السلطان ذلك جهز إليه وجهز العساكر وخرج إلى تلقيه، فلما بلغ السلطان وهو فى أثناء الطريق أن التتار وصلوا إلى حلب ونهبوا أسواقها وحرقوا دورها وقتلوا أهلها ولم يبقوا من الأذى ممكنا، ثم إن التتار لما بلغهم مجئ السلطان رجعوا إلى بلادهم فجاءت الأخبار بذلك، وكان السلطان قد وصل إلى مدينة غزة. فلما بلغه رجوع التتار إلى بلادهم فرجع السلطان أيضا من هناك إلى الديار المصرية. فلما رجع السلطان من هناك جاءت الأخبار بأن التتار رجعوا إلى حلب فخرج السلطان وجد فى السير حتى وصل إلى حلب فنزل على المرج وتقاتلا هو وعسكر التتار هناك، وحصل منهما وقعة عظيمة فتنطر منكوتمر أمير التتار من على فرسه، فلما رأى عسكر مصر ذلك حملوا على التتار حملة واحدة، فكانت النصرة لعسكر مصر فكسروا التتار وهرب منكوتمر، كانت هذه الواقعة من الوقعات المعدودة، وغنموا منهم أشياء كبيرة من سلاح ودواب وغير ذلك. فرجع السلطان إلى الديار المصرية وهو منصور مقيد ابغا ومنكوتمر وهما أولاد هولاكو المقدم ذكره الذى قتل الخليفة المستعصم بالله وجرى ما جرى. ثم دخلت سنة ثمانون وستمائة: فيها: قبض السلطان على جماعة من الأمراء منهم: الأمير بيسرى والأمير بكتوت الشمسى والأمير كشتنغدى وغيرهم من الأمراء من حشداشينه وأخذ فى إنشاء مماليكه. وفى هذه السنة: تزوج السلطان قلاوون بخوند أشلون بنت الأمير نكاى وهى أم ولده الناصرى محمد. ثم دخلت سنة إحدى وثمانون وستمائة: فيها: ابتدأ السلطان بعمارة القبة والمدرسة والبيمارستان المنصورى التى بين القصرين وانتهى العمل منها فى سنة اثنتين وثمانين وستمائة وقيل كملت عمارتها فى عشرة أشهر.

стр. 127

ثم دخلت سنة ثلاث وثمانون: فيها: توجه السلطان إلى البلاد الشامية لتفقد الأحوال، فوصل إلى حصن المرقب فحاصره مدة ثمانية وثلاثين يوما ثم أخذه بالأمان ورجع إلى الديار المصرية. ثم دخلت أربع وثمانون وستمائة: فيها: جدد الأمير طرنطاى نائب السلطنة بالديار المصرية إلى حصار سنقر الأشقر الذى تسلطن بدمشق وقد تقدم ذلك. فلما وصل الأمير طرنطاى إلى صهيون وحاصره أشد الحصار فطلب سنقر الأشقر منه الأمان، وأرسل يسأل فى الاجتماع بالأمير طرنطاى النائب فأجابه إلى ذلك، فنزل إليه سنقر الأشقر وتحالفا. فلما وثق سنقر بما حلفه الأمير طرنطاى النائب، فأخذ سنقر عياله وأولاده وتوجه صحبة الأمير طرنطاى إلى الديار المصرية فلما وصل إلى القاهرة ونزل عند مسجد التين، خرج الملك المنصور قلاوون إلى تلقيه. فلما وقعت عين السلطان على سنقر الأشقر، ترجل له سنقر الأشقر عن فرسه وهو محلول الوسط بلا سيف، فعندما قرب منه ترجل له السلطان عن فرسه ومشى له خطوات وتعانقا ثم ركبا وصار عن يمين السلطان حتى طلعا إلى القلعة، ثم نزل سنقر إلى مكان قد عد له بعدما أخلع عليه خلعة سنية وأنعم بأشياء كثيرة. واستمر الأمر ساكنا سنة سبع وثمانين وستمائة: فيها: قبض السلطان على مملوكه علم الدين سنجر الشجاعى وكان السلطان استقر به وزيرا. فلما قبض عليه بمصر واستصفى أمواله وأخذ منه نحو خمسة وستين ألف دينار خارجا عما وجد له من البرك والقماش، ثم استقر بعده فى الوزارة الأمير بيدرا وهو ثانى الوزراء من الترك فى دولته. ثم دخلت سنة ثمان وثمانون وستمائة: فيها: توعك والد السلطان الملك المنصور قلاوون وكان اسمه على وكان السلطان قلاوون نزل له عن الملك والسلطنة فى أيام حياته وتلقب بالملك الصالح. وسبب ذلك أن السلطان قلاوون كان كثير الأسفار فى التجاريد وقتال التتار فجعل ولده على نائبه فى السلطنة إذا غاب عن مصر فيكون عوضه فى أمور أحوال المملكة، وكان يخطب باسمهما على المنابر ويجلس فى المواكب عن يمين والده قلاوون

стр. 128

فمرض الملك الصالح على فى أيام أبيه مرضا شديدا، ومات فى ليلة الجمعة رابع شهر شعبان سنة ثمان وثمانين فحزن عليه والده قلاوون حزنا شديدا وكان الأمير طرنطاى النائب وجماعة من الأمراء واقفين على الباب منتظرين ما يكون من الأمر. فلما وقع الصراخ دخل الأمير طرنطاى النائب وبقية الأمراء فوجدوا السلطان مكشوف الرأس وكلويته مرمية على الأرض وهو يبكى ويقول واولداه فلما رأى الأمراء السلطان مكشوف الرأس فأرمى الأمير طرنطاى النائب كلويته وكذلك الأمير سنقر الأشقر والأمير جرمك وبقية الأمراء ثم بعد ساعة أخذ الأمير طرنطاى النائب كلويت السلطان من على الأرض وقدمها له فدفعها منه وقال أيش بقيت أعمل بالملك يا أخى بعد ولدى؟ فصبروا له ساعة ووقف الأمير سنقر الأشقر نائب الشام كان واحد الشاس وباس الأرض هو وبقية الأمراء فباسوا الأرض عدة مرات وهو يأبى من ذلك ثم بعد ساعة وضعوا كلويته على رأسه بالغصب وباتوا تلك الليلة عنده فلما أصبحوا جهزوا ابن السلطان وأخرجوه وصلوا عليه بالقلعة، وكان قاضى القضاة ابن بنت الأعز (١) هو الذى تولى الصلاة عليه وقصد السلطان أن ينزل ويمشى فى جنازته إلى التربة فمنعه الأمراء من ذلك ونزل معه سائر الأمراء والقضاة وأعيان الناس ودفنوه فى تربة والدته خوند خاتون بالقرب من السيدة نفيسة ﵂ وذلك فى يوم الجمعة رابع شهر شعبان سنة ثمان وثمانين. فلما أصبح يوم السبت: نزل السلطان إلى تربة ولده المذكور. وقعد عنده هو والأمراء وتصدق صدقات كثيرة وأقام المأتم سبعة أيام والقراء عمال. ولما مات الصالح على هذا خلف ولدا ذكرا يسمى الأمير موسى وعاش بعده مدة طويلة وهو صاحب الربع الذى فى الموازنين بالقرب من جامع الصالح عند باب زويلة. ولما مات الملك الصالح على كتب القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر كاتب السر الشريف عن لسان أبيه الملك المنصور قلاوون إلى بعض

стр. 129

النواب كتابا يقو - له فيه وبحمد الله على حزن حزنا به بالصبر النواب فى الباطنة والظاهرة، وكان قصدنا أن نجعله ملكا فى الدنيا فجعله الله ملكا فى الآخرة. ثم دخلت سنة تسع وثمانون وستمائة: فيها: توجه السلطان إلى نحو البلاد الشامية وفتح مدينة طرابلس وملكها بالسيف ورجع إلى نحو الديار المصرية، فزينت له القاهرة ودخل فى موكب عظيم. وفى هذه السنة: جرد الأمير أيبك الأفرم إلى بلاد النوبة. وقد بلغ السلطان أن صاحب النوبة قصد أن يهجم على مدينة أسوان وينهبها، فجرد إليه السلطان الأمراء والعسكر، فلما وصلوا إليه هرب منهم صاحب النوبة فتتبعوه إلى أخر بلاده فغنموا منه أشياء كثيرة من جوار وعبيد وغير ذلك ورجعوا إلى مصر سالمين. وفى أواخر هذه السنة: توجه السلطان إلى حصار مدينة عكا فخرج السلطان من القاهرة ونزل بمسجد التين عند المطرية حتى يتكامل العسكر، فوجد السلطان فى نفسه توعكا وصار فى كل يوم يتزايد به الألم وثقل فى المرض. وكان قد فوض أمر المملكة فى أيام حياته إلى ولده الأشرف خليل بعد موت أخيه الملك الصالح على فكان الأشرف خليل ينزل فى كل يوم من القلعة إلى عند أبيه قلاوون ويرجع فى أخر النهار إلى القلعة. وكان الأمراء يدخلون إلى عند السلطان فى كل يوم. فلما رأى الأمير طرنطاى النائب حال السلطان قد تغير وزاد به الاسهال منع الأمراء من الدخول إلى عند السلطان، فلما تحقق الأمراء من موت السلطان اجتمعوا وضربوا مشورة بينهم وهم الأمير كتبغا والأمير لاجين والأمير أيبك الخازندار وغيرهم من الأمراء، وقالوا للأمير طرنطاى النائب أنت تعلم أمرك مع الأشرف خليل وبغضه لك والأمر قد صار إليه والسلطان ما بقى فيه رجوة والأشرف خليل قاتلك لا محالة ونحن معك عصبية. فسألت الأمير طرنطاى ساعة، وقال كيف يشاع عنى أنى جئت ابن أستاذى من بعده فى أولاده، وإذ صار الأمر إليه إن رضينى كنت مملوكه وأن قتلنى كنت مظلوما والمحذور ما يرد المقدور، ثم إن السلطان قلاوون أخذ فى النزع، فقعد الأمير طرنطاى عند رأسه حتى مات وغمضه، وكتم موته حتى طلع النهار وحضر الأمراء على عادتهم فأعطاهم دستورا، فمضوا.

стр. 130

ثم إن الأمير طرنطاى أرسل عرّف ولده الأشرف خليل وأرسل الخزائن والأطلاب التى كانت مع السلطان قلاوون بسبب السفر إلى فتح مدينة عكا. وأرسل يشير على الملك الأشرف خليل أنه يقيم بالقلعة ولا ينزل إلى المدينة ووكل به مقدم المماليك. ثم إن الأمير طرنطاى حمل السلطان قلاوون فى محفة وهو ميت وطلع به إلى القلعة وغسله وكفنه ونزل به فى تابوت بعد العشاء والأمراء وأعيان الناس من القضاة وغيرهم مشاة قدامه يتباكون إلى أن وصلوا به إلى القبة التى أنشأها بين القصرين فدفن هناك. وكانت مدة توعكه تسعة عشر يوما وكانت مدة سلطنته بالديار المصرية إحدى عشرة سنة وثلاثة أشهر وستة أيام كما قيل. كل ابن أنثى وإن طالت سلامته … يوما على آله حدباء محمول ولما مات خلف من الأولاد ثلاثة ذكور وهم: الأشرف خليل والناصر محمد والأمير أحمد ولد بعد وفاته. وكان المنصور قلاوون حسن الشكل، معتدل القامة، درى اللون، قليل الكلام بالعربى، فصيحا بالتركى، شجاعا بطلا مقداما، محبا لجمع المال، مغرما بمشترى المماليك، حتى قيل تكامل عنده من المماليك اثنى عشر ألف مملوك، وقيل سبعة آلاف مملوك، ومما يدل على علو همته وحسن اعتقاده، وهو عمارته للبيمارستان الذى بين القصرين، وهو من حسنات الزمان يحتاج إليه الملوك ويفتقر إليه الغنى والصعلوك، ولا يعلم فى الإسلام وقف على وجه بر أعظم منه ولا أكثر معروفا منه، ولا أحسن شرطا منه، وقد كفاه ذلك فى الدنيا والأخرة، وهو الذى غير تلك الملابس الشنيعة التى كانت تلبس فى الدول القديمة. قيل كانت كلوتاتهم صفر مضربة عريض بغير شاش وشعورهم مظفورة وهى خلفهم فى كيس حرير أحمر وأصفر وكانوا يشدون فى أوساطهم بنود بعلبكى مصنوعة عوضا عن الحوايص وكانت أكمام أقبتهم ضيقة على زى ملابس الفرنج وكانت أخفافهم برغالى ويلبسون فوقها سقمان ويشدون من فوق قماشهم أبزيم جلد بحلق. وكانت لهم صوالق برغالى كبار يسمع كل واحد منها نصف ويبة قمح، وكانت لهم مناديل خام قدر الفوطة لمسح أيديهم، فغير السلطان قلاوون ذلك جميعه وجدد له مماليك ما بين جراكسة

стр. 131

وروم وترك وأسكنهم فى الأبراج بقلعة الجبل وسماهم البرجية. وأما فتوحاته: فالمرقب وجبلة من بلاد الفرنج، وفتح طرابلس واللاذقية وجبيل. وأخذ من أولاد الملك الظاهر بيبرس الكرك والشوبك. وأما ما أبطله من وجوه المظالم فى أيامه وهو زكاة الداوب وذلك أنه كان يؤخذ ممن له مال زكاته، فإذا مات الشخص أو عدم ماله يؤخذ من أولاده أو أقاربه أو ورثته. وأبطل ما كان يؤخذ من أهل مصر إذا حضر مبشر بفتح مدينة أو بنصرة عسكر أو نحو ذلك، فتؤخذ من الناس على قدر طبقاتهم، وكان يجمع من ذلك مالا كثيرا. وأبطل ما كان يجنى عند وفاء النيل من أهل مصر مما كان يعمل به شوى وحلوى وفاكهة برسم المقياس، فأبطل ذلك جميعه وجعل مصروفه من بيت المال. وكان قلاوون من أجلّ ملوك الترك قدرا. ولما مات تولى من بعده ابنه خليل. ٨ - ذكر سلطنة الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن الملك المنصور قلاوون الصالحى (١) استقل بالمملكة بعد موت أبيه المنصور قلاوون وذلك فى يوم الأحد سادس ذى القعدة من سنة تسع وثمانين وستمائة، وهو الثامن من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وكان مولده فى سنة ست وستين وستمائة، فلما تسلطن استحلف له سائر الأمراء فحلفوا ثم ركب بشعار السلطنة من قلعة الجبل إلى الميدان الذى تحت القلعة وأخلع على سائر الأمراء والأعيان بالدولة كل واحد على قدر طبقته كما كان فى أيام أبيه، ثم أخلع على الأمير علم الدين سنجر الشجاعى واستقر به وزيرا على عادته، فباس له الأمراء الأرض جميعهم، وانصرفوا إلى منازلهم، فلما كان بعد يومين قبض السلطان على الأمير طرنطاى النائب، وكان فى خاطر الأشرف خليل منه من أيامه والده قلاوون، فلما تسلطن انتقم منه وقبض عليه. وكان صفة مسكه أنه أرسل خلفه بعد الظهر فطلع إليه، وهو آمن منه، فلما مثل بين يديه أحاطوا به وحملوه إلى الاعتقال على أحسن حال كما قيل.

стр. 132

عداوة الأسد لا تخشى مغبتها … إذ ليس تعقل ما يأتى وما يذر فما العداوة إلا للرجال فخف … ذوى العقلول فيهم ينبغى الحذر وفى معناه: احذر من الناس ولا … فى معرك الشك تجل فى قلب ليث بت وخف … إن بت فى قلب رجل ثم إن الأشرف خليل لما قبض على طرنطاى النائب، قيل بات طول الليل يعاقبه حتى مات تحت الضرب، وأقام ثلاثة أيام لم يدفن ثم دفنه بعد ذلك ورسم للشجاعى بأن يحتاط على موجوده، فنزل الشجاعى إلى دار طرنطاى النائب وقبض على حاشيته وغلمانه وعياله، وصار يعاقبهم فى كل يوم ويستخلص منهم الأموال فظهر له شئ كثير من المال والتحف ما لا يحصر لكثرته، ثم إن الأشرف خليل استقر بالأمير يبدرا نائب السلطنة عوضا عن طرنطاى النائب. ولما تم أمر الأشرف خليل فى السلطنة واستبقاء حاله أرسل خلف القاضى شمس الدين بن السلعوس ناظر ديوانه وكان بالحجاز من أيام الملك المنصور قلاوون فأرسل إليه الأشرف خليل بجواب وعلى يده مرسوم وحشاه الأشرف خليل بخطه بقلم العلامة يقول فيه "يا شقير جدّ السير، جاء الخير". وقيل ما رؤى قط مرسوم سلطان محشى بخطه سوى مراسيم الأشرف خليل، وحشا أيضا مرسوما إلى دمشق لما رسم باسقاط ما كان يؤخذ من باب الجابية على كل حمل من القمح خمسة دراهم مكسا. فكتب فى المرسوم بين السطور: وليكشف عن رعايانا هذه الظلامة، ونستجلب الدعاء لنا من الخاصة والعامة، وكان كثيرا ما يحشى المراسيم بخطه. فلما حضر شمس الدين بن السلعوس من الحجاز استقر به وزيرا وفوض إليه أمر السلطنة جميعها. وكان أصل بن السلعوس تاجرا من دمشق وانتمى إلى خدمة الأشرف خليل فى حياة والده قلاوون واستأجر له مواضع كثيرة بالشام، فحصل له منها ربح كثير فحمله إلى الأشرف خليل، فأعجبه ذلك وحظى عنده وجعله ناظر ديوانه. ثم إن المنصور قلاوون نفى ابن السلعوس إلى الحجاز. فلما مات قلاوون وتسلطن ابنه خليل أحضر ابن السلعوس واستقر به وزيرا، وكان حضور ابن السلعوس من مكة فى ثالث عشر المحرم مع مبشر الحاج، ولما تولى الوزارة

стр. 133

أظهر من العظمة والكبرياء أمرا عظيما ورسم السلطان لبعض المماليك السلطانية بالركوب فى خدمته فصار بركب فى موكب عظيم. وقيل كان القضاة الأربعة تركب قدامه فى أيام المواكب وأحال الأمراء وأعيان الناس فى أشغالهم عليه. وكان الأشرف طرنطاى النائب صفا له الوقت وطاش فى أموره فجرد بالعساكر إلى نحو الشام وخرج معهم وتوجه إلى حصار مدينة عكا وكان الفرنج ملكوها وصاروا يقطعون الطريق على المسلمين من التجار وغيرهم، فتوجه إليهم السلطان وحاصرها ونصب عليها بالمنجنيقات وقيل كانت عدتهم نحو اثنين وسبعين منجنيقا فحاصرها مدة يسيرة، فلما ظهر له خذلاتهم فزحف هو والعسكر زحفة واحدة فأعطاه الله النصر، ففتحها بالسيف فى يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأخر من سنة تسع وثمانين وستمائة، فلما أصبح يوم السبت أمر السلطان بهدم سور المدينة وما كان حولها من صيدا وبيروت. وكانت مدينة عكا من أحسن المدائن وأعمرها وصار الناس من بعد ذلك ينقلون فيها الرخام، ومن جملة ما نقلوه وهو الباب الرخام الذى على المدرسة الناصرية التى بين القصرين، وكان على باب كنيسة فى مدينة عكا. ومات يوم فتح عكا اثنى عشر أميرا وثلاثة وخمسون مملوكا من مماليك السلطان ومات نحو ثلاثين مملوكا من مماليك الأمراء. ومات فى هذه الوقعة العزى بقية الجيوش المنصورة وهو صاحب سويقة العزى. ثم رجع السلطان إلى القاهرة فدخلها وقد زينت له. فلما وصل إلى القبة المنصورية التى بين القصرين نزل وزار قبر والده قلاوون، ثم ركب وطلع إلى القلعة والأمراء مشاة قدامه حتى طلع إلى القلعة، فأخلع على نائب السلطنة والوزير وأرباب الوظائف وغيرهم من أعيان الناس. ولما حصلت هذه النصرة قال القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر فى ذلك. يا بنى الأصفر قد حل بكم … نقمة الله لا تنفصل نزل الأشرف فى ساحلكم … فأبشروا منه بصك متصل وقال محمد بن غانم فى الأشرف خليل ويوسف بن أيوب: مليكان قد لقبا بالصلاح … اهذا خليل وذا يوسف فيوسف لا شك فى فضله … ولكن خليل هو الأشرف

стр. 134

ولما فرغ الأشرف خليل من أخذ مدينة عكا أرسل فى القبض على الأمير لاجين السلحدار نائب دمشق وحبسه بقلعة صفد، ثم قبض على الأمير سنقر الأشقر الذى كان تسلطن بدمشق، وقد تقدم ذلك وقبض على الأمير طقصوا. فلما حضر الأشرف خليل إلى القاهرة قبض على الأمير جرمك ومعه جماعة من الأمراء وأكملهم سبعة ثم أمر بخنقهم عن أخرهم، فخنق السبعة فى ليلة واحدة. فلما أرادوا دفنهم وجدوا الأمير لاجين فيه الروح فأخبروا السلطان بذلك فرق له ورضى عنه وأنعم عليه بتقدمة ألف ومازالت الأقدار تساعده حتى تسلطن كما سيأتى ذكره. ثم أفرج عن الأمير بيسرى وأنعم عليه بتقدمة ألف. ثم دخلت سنة إحدى وتسعون وستمائة: فيها: توجه السلطان إلى حلب ومنها إلى قلعة الروم فحاصرها ونصب عليها ثلاثة وعشرين منجنيقا فافتتحها فى يوم السبت حادى عشرين رجب من السنة المذكورة وكانت قلعة الروم كرسى مملكة الأرمن، ثم رجع السلطان إلى القاهرة وهو منصور مؤيد، وكان سعيد الحركات. ثم دخلت سنة اثنتين وتسعون وستمائة: فيها: توجه السلطان على التجريد إلى الكرك واستقر بالأمير أقوش فى نيابتها. ثم توجه منها إلى نحو مدينة سيس، فأرسل صاحب سيس يطلب من السلطان الأمان. فأشار الأمراء على السلطان بأن يعطيه الأمان. ثم توجه السلطان إلى نحو قلعة البهسنا ففتحها هى والمرعش وتل حمدون وما حولها من القلاع. ولو طال عمر الأشرف خليل لفتح غالب بلاد العراق لأنه كان مسعودا فى حركاته، شجاعا مقداما، ولا يعرف فى أبناء ملوك من يناظره فى الشجاعة والإقدام وعلى هذا فقد اتفق أصحاب التواريخ من المتقدمين والمتأخرين. وفى هذه السنة وهى سنة اثنتين وتسعين وستمائة: توفى القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر كاتب السر الشريف وهو صاحب الأشعار اللطيفة، وكان مولده فى سنة عشرين وستمائة وعاش من العمر اثنين وسبعين سنة ومن شعره هذا المقطوع اللطيف وهو قوله: شكر النسمة أرضكم … كم بلغت عنى تحية وإن حفظت أحاديث … الهوى فهى الذكية

стр. 135

ثم دخلت سنة ثلاث وتسعون وستمائة: فيها: توجه السلطان نحو الجيزة ومنها إلى البحيرة وإلى مكان يسمى الحمامات وذلك على سبيل التنزه فخرج فى ثالث المحرم وكان الوزير شمس الدين بن السلعوس قد تقدمه إلى ثغر الإسكندرية لتجهيز المقام واستخراج الأموال، فوجد غلمان الأمير يبدرا نائب السلطنة بثغر الإسكندرية. وقد استولوا على البهار وادخروا منه فى حواصل ما ليس فى حواصل السلطان مثله فكاتب ابن السلعوس السلطان بما رآه من ذلك فغضب السلطان على الأمير بيدرا النائب وأرسل خلعه وأغلظ عليه فى الكلام وتوعده بكل سوء فتلطف به الأمير بيدرا فى الكلام حتى خرج من بين يديه. فلما خرج من عنده اجتمع بأعيان خشداشينه وهم: الأمير لاجين والأمير قراسنقر وغيرهما من الأمراء وما منهم إلا من هو متغير على السلطان. وكان السلطان أعطى لغالب الأمراء والعسكر دستورا أن يمضى كل واحد منهم إلى القاهرة إلى أن يحضر السلطان وكان عزم السلطان أن يتوجه إلى ثغر الإسكندرية. فلما أصبح السلطان خرج ليتصيد فى الخلاء. فلما بلغ الأمراء ذلك اتفقوا على قتله، وقالوا: هذا اوان انتهاز الفرصة فسدوا تراكيشهم وركبوا خيولهم وساقوا خلفه فوجدوه منفردا وحده ليس معه إلا شهاب الدين بن الأشل أمير شكار لا غير وبعض مماليك صغار خلفه فلما رأى السلطان الأمراء وهم قاصدينه وكانوا نحو عشرة من الأمراء فأحس منهم بالشر وظهر له منهم الغدر، فلما وصلوا إليه عاجلوه بالحسام قبل الكلام. فأول من ابتداه الأمير يبدرا فضربه بالسيف على يده فصاح عليه الأمير لاجين من يريد لعمل سلطان يضرب هذه الضربة ثم إن الأمير لاجين ضربه على كتفه بالسيف فوقع إلى الأرض فجاءه الأمير بهادر رأس نوبة النوب ونزل عن فرسه وأدخل السيف فى دبره وأطلعه من خلفه وبقى كل واحد من الأمراء يظهر ما فى نفسه منه وتركوه ميتا فى البرية، مطروحا ومضوا عنه كما قيل من استخف بشئ قتله. قيل لما قتل الأشرف خليل كان له من العمر نحو من ثلاثين سنة. وكان صفته: ضخما سمينا كبير الوجه، مستدير اللحية، يميل إلى اللهو والطرب والسماع الطيب وشرب الراح وحب الفتان من النساء الحسان.

стр. 136

قال القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر: ما رأيت ولا سمعت بأحسن من مهم الملك الأشرف خليل ولقد كنت أحضر بالمراسيم للعلامة فما علم على مرسوم قط إلا وقرأه جميعه ويفهم ما فيه، بل وكان يستدرك علينا ويخرج بأشياء كثيرة فيها الصواب، ولقد تعاظم الأشرف خليل فى أخر الوقت حتى صار يكتب فى موضع العلامة وهو إشارة إلى الحرف الأول من اسمه، ومنع الكتاب بديوان الإنشاء ألا يكتبوا لأحد من الأمراء والنواب "الزعيمى" وكان يقول: من زعيم الجيوش غيرى "وكان الأشرف خليل له معرفة تامة بأحوال المملكة، وكان كفئا للسلطنة وما كان فيه من المساوئ غير أنه كان يسمع من وزيره شمس الدين بن السلعوس فى حق الناس، وكان ذلك سببا لزوال ملكه وسرعة قتله. وكان عنده العدل فى حق الرعية، منصفا [فى حكمه] (١) كما أنه لا يراعى فى الحق أحدا من الأمراء ولا غيرهم، فكان أحق يقول القائل بحيث يقول هذه الأبيات: يا أيها الملك الذى سطواته … حلمت بها الأعداء فى يقظانها ملك تقر له الملوك بأنه … إنسان أعينها وعين حياتها شتت شمل المال بعد وفوره … وجمعت شمل الناس بعد شتاتها وظهرت بالعدل الذى أمسى به … فى البيد يخشى ذئبها من شاتها وكانت قتلة الأشرف خليل فى عصر يوم السبت خامس المحرم سنة ثلاث وتسعين وستمائة. فلما قتل الأشرف خليل اتفق رأى الأمراء على سلطنة الأمير يبدرا النائب فحلف له الأمراء وسلطنوه وأركبوه تخت العصائب السلطانية ولقبوه بالملك الأوحد، وقيل بالملك الرحيم، ثم أخذوا فى أسباب مسك الأمراء فمسكوا الأمير بيسرى والأمير بكتمر السلحدار وغيرهما من الأمراء. فلما وصل هذا الأمر والخبر إلى الأمراء الذين كانوا بالقاهرة فخرجوا على الفور ومن معهم من المماليك السلطانية وأخذوا فى الوثوب على الأمير يبدرا فتلاقوا هم وأبوه على الطرانة، فلما تلاقوا تقاتلوا مع الأمير يبدرا ومن معه، فسار على يبدرا عين القلب ويسحب من المماليك السلطانية وجاءوا إلى عند الأمير كتبغا وكذلك من كان مع

стр. 137

الأمير بيدرا من العربان الذين جمعهم من البحيرة فلم يكن إلا ساعة يسيرة، وقد مسك الأمير بيدرا وانهزم من كان معه من الأمراء والمماليك ثم قتلوا الأمير يبدرا وشقوا بطنه وأخرج بعض المماليك والأشرفية كبده ولاكوا منه قطعة ثم خزوا رأسه وحملوه على رمح، وتوجهوا إلى القاهرة وطافوا برأس يبدرا فى القاهرة وهرب من كان من عصبة يبدرا وهم: الأمير لاجين وقراسنقر وغيرهما من الأمراء، ثم إن الأمير سنجر الشجاعى نادى أن المعادى لا يعدو بأحد من المماليك ولا من الأمراء من بر الجيزة والقاهرة. فلما قتل يبدرا اتفق جماعة من الأمراء على سلطنة محمد بن قلاوون أخو الأشرف خليل وأن يكون الأمير كتبغا نائب السلطنة ومدبر المملكة هذا ما كان من أمر يبدرا. وأما ما كان من أمر الأشرف خليل بعد قتله فأنه بقى مطروحا فى البرية ثلاثة أيام ولم يدفن حتى حمله والى تروجه أيدمر الفخرى على جمل من المكان الذى قتل فيه إلى القاهرة، فغسل وكفن ودفن فى تربته التى بناها بالقرب من السيدة نفيسة ﵂. وكان من مساوئ الأشرف خليل أنه فى أخر دولته نفى أولاد الملك الظاهر بيبرس البندقدارى إلى القسطنطينية وهما: سلامش وأخوه خضر فأقاما بها حتى مات سلامش هناك وقد تقدم ذلك وكان لهذا من الأشرف خليل غاية الفحش والقبح. وكانت مدة سلطنة الأشرف خليل بالديار المصرية ثلاث سنين وشهرين وأيام، ثم تولى من بعده أخوه محمد. ٩ - ذكر سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون (١) هو التاسع من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية تسلطن بعد قتلة أخيه الأشرف خليل فى رابع عشر المحرم سنة ثلاث وتسعين وستمائة وجلس على سرير الملك و- له من العمر تسع سنين ودخل فى العاشرة. وكان مولده فى سنة أربع وثمانين وستمائة، وأمه خوند أشلون بنت الأمير نكاى. ولما تم أمره فى السلطنة

стр. 138

استقر بالأمير كتبغا نائب السلطنة والأمير سنجر الشجاعى وزيرا والأمير بيبرس الجاشنكير استادارا. وفى ذلك اليوم قبض الأمير كتبغا النائب على جماعة كثيرة من الأمراء وقيدهم وأرسلهم إلى الجب بالقلعة وأحاط على موجودهم وتولى عقوبتهم الأمير بيبرس الجاشنكير، فأقر منهم جماعة ممن كان سببا فى قتلة الأشرف خليل فقطعوا أيديهم وشمروا على الجمال وطافوا بهم فى القاهرة وأيديهم معلقة فى أعناقهم، فمنهم من مات وهو على الحسب. ثم إن الأمير كتبغا قبض على شمس الدين بن السلعوس وأحاط على جميع موجوده من صامت وناطق، وقبض على أقاربه وعياله وغلمانه وأصحابه، وكان المتولى أمر ذلك الأمير علم الدين الشجاعى فبات يعاقب ابن السلعوس حتى مات تحت القبر فى يوم الأحد خامس عشر صفر من السنة المذكورة واستصفى أمواله. وكان شمس الدين بن السلعوس لما حضر من مكة واستقر فى الوزارة ونال من المنزلة فى دولة الأشرف خليل ما تقدم ذكره فعند ذلك أرسل يطلب أقاربه من الشام فكلمهم أجابوه الحضور إلا شخصا من أقاربه فأنه خاف على نفسه ولم يوافق على الحضور من الشام إلى مصر وكتب إلى ابن السلعوس هذه الأبيات: تنبه يا وزير الأرض واعلم … بأنك قد وطئت على الأفاعى (١) فكن بالله محتسبا فإنى … أخاف عليك من نهش الشجاعى فكان الأمر كما قاله ذلك الزجل ثم إن الشجاعى استقر فى الوزارة وصفا له الوقت بعد ابن السلعوس. وكان الشجاعى رجلا ظالما جبارا عنيدا يحب الفتن والحروب، فصار يرمى الفتن بين الأمراء وبين الأمير كتبغا فصار مع كتبغا فريق من الأمراء والجند، ومع الشجاعى فريق، قيل إن الشجاعى انفق على المماليك البرجية فى يوم واحد ثمانين ألف دينار واتفق معهم أن كل من جاب له رأس أمير يعطيه إقطاعة. فلما بلغ الأمير كتبغا ذلك لبس آلة الحرب هو وخشداشينه ووقفوا فى سوق الخيل فلما علم الشجاعى ذلك خرج من باب القلعة وعلق السنجق السلطانى ودق الكوسات حربى وبقى منتظرا يطلع إليه من الأمراء فلم يطلع إليه أحد منهم وصار الأمير كتبغا يحاصر من فى القلعة وقطع عنها الماء.

стр. 139

فلما كان يوم الجمعة: نزل المماليك البرجية من القلعة وتقاتلوا مع الأمير كتبغا أشد القتال حتى كاد كتبغا أن ينكسر ثم قوى كتبغا ومن معه وكسروا المماليك البرجية وطردوهم وطلعوا إلى القلعة وعلقوا الأبواب فعند ذلك أشرفت خوند والدة الملك الناصر محمد بن قلاوون من أعلى السور وأرسلت تقول لكتبغا: ايش قصدك حتى تفعله فقال السلطان: استاذنا وابن استاذنا ولو بقيت من أولاد قلاوون بنت عرجى ما أخرجنا الملك عنها. وأنما قصدنا فى مسك الشجاعى فهو الذى يرمى الفتن بيننا، فلما سمع من كان فى القلعة من الأمراء كلام الأمير كتبغا تسللوا من عند الشجاعى فبقى وحده، فأرسل يطلب من الأمير كتبغا الأمان فلم يوافقه على ذلك ولا طاوعه بقية الأمراء على الأمر، ثم إن الشجاعى دخل على السلطان. فقال السلطان إن كان هذا لأجلى فاصطلحوا وأنا أعطيك نيابة حلب ونستريح من هذا الشر ثم إن الشجاعى خرج من عند السلطان على هذا الوجه فبينما هو فى أثناء الطريق، وثب عليه الأمير أقوش المنصورى وقتله وقطع رأسه ويديه وأخذها، ووضعها فى فوطة حرير، وخرج والمماليك البرجية محتاطين بباب القلعة فقالوا له ما معك؟ فقال: حين سجن أرسله السلطان للأمير كتبغا حتى يعرف أن عندنا الخبر كبيرا وتركوه ومضى. فلما نزل من القلعة وضع رأس الشجاعى بين يدى الأمير كتبغا وبقية الأمراء. فلما رأوا رأس الشجاعى فعند ذلك خمدت الفتنة وأمر الأمير كتبغا المشاعلية بأن يطوفوا برأس الشجاعى مصر والقاهرة فجعلوه على رمح وطافوا به جميع الحارات والأسواق والحارات. وكان أكثر الناس يكرهون الشجاعى حتى طائفة اليهود والنصارى، فصار الناس يعطون المشاعلية شيئا من الفضة ويأخذون منهم الرأس ويدخلون به دورهم ويصفعونه بالنعال والقباقيب حتى يشتفوا منه فأقاموا ثلاثة أيام يفعلون ذلك. وقيل كان مع المشاعلية برنية خضراء كبيرة يحصلون فيها ما يأخذونه من الناس، فقيل إنهم ملأوا ثلاث مرات فضة ولم يسمع بمثل هذه الواقعة قط. وكان الشجاعى رجلا طويلا أبيض اللون، أشقر اللحية وكان ظالما عسوفا جبارا قد اجتمع الناس على بغضه.

стр. 140

فلما سكنت الفتنة وراق الوقت طلع الأمراء إلى عند السلطان فى القلعة وجمعوا المماليك البرجية وأنزلوهم من الطباق وفرقوهم فى أبراج القاهرة التى فى السور وكانوا نحو أربعة آلاف وسبعمائة مملوك ورتبوا لهم ما يكفيهم من لحم وخبز وغير ذلك. وأقاموا فى الأبراج بحيث لا يركبوا ولا ينزلوا ثم إن الأمير كتبغا قبض على الأمير بيبرس الجاشنكير وقبض على صهره بكرغى وعلى اللقمانى وعلى جماعة من المماليك السلطانية، ثم أرسل الأمراء إلى السجن بثغر الإسكندرية ثم أفرج عن جماعة من الأمراء وهم. الأمير قفجق السلحدار والأمير عبد الله حامل الخبز والأمير عمر شاه السلحدار والأمير قرمش والأمير بورى والأمير لاجين جركس والأمير مغلطاى المسعودى والأمير كردى الساقى فصاروا من عصبة الأمير كتبغا. ثم دخلت سنة أربع وتسعون وستمائة: فيها: فى عاشر المحرم ثار جماعة من المماليك الأشرفية فى الليل وفتحوا سوق السلاح وأخذوا ما فيه، وكسروا باب سعادة وأخذوا عدة اسطبلات الناس. فلما أصبح الصباح قبض الأمير كتبغا على من فعل هذه الفعلة، فقطعت أيديهم وسمروا على الجمال وطافوا بهم وكانت عدتهم ثلاثمائة مملوك. فلما جرى ذلك سمع الأمراء وقالوا قد ضعف أمر المملكة وطمع المماليك فى السلطان لصغر سنه فوقع رأى الأمراء على خلع الناصر محمد بن قلاوون وسلطنة كتبغا، فخلع الناصر محمد من السلطنة وتولى كتبغا، فكانت مدة سلطنة الناصر محمد فى هذه المرة أحد عشر شهرا وأياما وهى السلطنة الأولى.

стр. 141

١٠ - ذكر سلطنة الملك العادل زين الدين كتبغا بن عبد الله المنصورى (١) وهو العاشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، تسلطن بعد خلع الناصر محمد بن قلاوون فى المحرم سنة أربع وتسعين وستمائة، وأصله من سبايا التتار أخذه الملك المنصور قلاوون فى وقعة حمص الأولى وغير ذلك وكان ذلك فى سنة تسع وخمسين وستمائة، فصار من جملة مماليك السلطان وقد ملكه قلاوون قبل أن يلى السلطنة، فلما تسلطن جعله أمير عشرة ثم بقى مقدم ألف، فلما قتل الأشرف خليل وتولى أخوه محمد استقر به نائب السلطنة عوضا عن الأمير بيدرا لما قتل ثم بقى سلطانا، فلما تم أمره فى السلطنة استقر بالأمير لاجين نائب السلطنة، وكان الأمير لاجين هاربا من حين قتل الأشرف خليل، فاختفى مدة طويلة فى مأذنة جامع أحمد بن طولون ثم إن الأمير كتبغا شفع فيه عند الملك الناصر محمد. فلما ظهر أنعم عليه بتقدمة ألف فلما تسلطن كتبغا أمر جماعة كثيرة من خشداشينه واستقام أمره فى السلطنة. ومن الحوادث فى أيامه: أن الغلاء وقع بمصر واجدبت البلاد وتشحط سعر كل شئ فوصل سعر القمح كل أردب بمائة وخمسين درهما ووصل سعر الشعير والفول كل أردب بمائة درهم، واستمر الأمر على الناس حتى أكلوا بعضهم بعضا، وأكل من الكلاب والقطط والحمير شئ كثير حتى بيع الكلب بخمسة دراهم والقط بدرهمين ودام الأمر على ذلك حتى دخلت سنة خمس وتسعون وستمائة. فيها: اشتد الأمر على الناس حتى بلغ سعر القمح كل أردب بمائة وسبعين درهما وبلغ سعر الفول والشعير كل أردب بمائة وعشرين درهما، وبيع السفرجل والتفاح كل واحدة بثلاثين درهما وبيع اللحم كل رطل بسبعة دراهم وبيع البيض كل بيضة بأربعة دراهم ومات فى هذه السنة ما لا يحصى عددهم من الجوع وصاروا موتا فى الطرقات على بضعهم بعضا من شدة الجوع. قيل جاء جراد كثير فى تلك السنة فأكل الناس منه وأبيع كل أربعة أرطال جراد بدرهمين وبيع الكماه كل سبعة أرطال بدرهم. وكان هذا الغلاء عاما فى سائر البلاد حتى فى

стр. 142

دمشق وحمص وحلب وغالب البلاد الشامية حتى بلاد الحجاز، ومات من الناس نحو الثلث، ثم انحطت الأسعار من بعد ذلك وتراجع الأمر قليلا قليلا حتى انصلح الحال كما كان. وفى هذه السنة: توفى السراج الوراق (١) الشاعر وكان مولده فى سنة خمسة عشرة وستمائة، ووفاته فى سنة خمس وتسعين وستمائة، فكانت مدة حياته نحو ثمانين سنة ومن شعره لنفسه وهو قوله: واخجلتى وصحائفى سودا غدت … وصحائف الأبرار فى إشراق وموبخ لى فى القيامة قائل … أكذا تكون صحائف الوراق وأقامت هذه الغلوة على أهل مصر نحو سنتين وقاسوا شدائد عظيمة حتى بعث الله تعالى بالفرج، وتراجع الأمر كما كان فى الأول وقد قيل فى المعنى. قل لمن يحمل هما … إن هذا لا يدوم مثلما تنفى المسرا … ت هكذا تنفى الهموم ثم دخلت سنة ست وتسعون وستمائة: فيها: سافر السلطان كتبغا إلى نحو دمشق بسبب تمهيد البلاد الشامية فدخل إلى الشام وصلى بها الجمعة ولعب بالاكرة فى الميدان الكبير، وأقام بها أياما. ثم قصد التوجه إلى الديار المصرية فلما وصل إلى وادى الفحمة قبض الأمير لاجين نائب السلطنة على الأمير بتخاص العادلى والأمير بكتوت الأزرقى وكانا جناحى الملك العادل كتبغا، فلما سمع كتبغا بذلك رجع إلى دمشق فى نفر قليل من العسكر فلما رجع كتبغا إلى دمشق احتوى الأمير لاجين على الخزائن والأموال وركب تخت العصائب السلطانية وقصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، هذا ما كان من أمر الأمير لاجين.

стр. 143

وأما ما كان من أمر الملك كتبغا العادل فأنه رجع إلى دمشق، وأقام بها ثلاثة عشر يوما وهو مقيم بقلعة دمشق. فلما بلغ أهل دمشق لاجين قد تسلطن بمصر انحل أمر كتبغا وأذعن بالطاعة، وقال خشداشينى وأنا فى طاعته فلما كان يوم الخميس ثامن ربيع الأول من السنة. وصل الأمير لاجين استادار العالية ومعه مراسيم سلطانية إلى أهل دمشق فاجتمعوا بدار السعادة وحضر القضاة وقروا عليهم مرسوم السلطان الملك لاجين، ثم دخل قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة قاضى قضاة الشام ومعه الأمير لاجين الاستادار إلى عند السلطان كتبغا وتكلموا معه بأن يخلع نفسه من السلطنة، ويكون تحت طاعة الملك المنصور لاجين ثم بعد عدة أيام وصل الأمير قفجق المنصورى وقد استقر نائب دمشق. فلما وصل نزل بدار السعادة، فأرسل كتبغا يطلب من نائب الشام قفجق المذكور بأن يعطيه نيابة صرخد، ورتب له ما يكفيه فاجيب إلى ذلك، ثم إن كتبغا توجه إلى نحو صرخد وصحبته مماليكه وهو فى غاية العز والعظمة. فكانت مدة سلطنة العادل كتبغا بمصر إلى أن خلع نحو سنتين إلا شهرين. وأقام بصرخد إلى سنة تسع وتسعين وستمائة. فلما عاد إلى السلطنة محمد بن قلاوون وهى السلطنة الثانية أنعم على كتبغا نيابة حماة لأنه كان من مماليك أبيه قلاوون. وكان الناصر محمد يميل إلى كتبغا دون مماليك أبيه، فأقام كتبغا فى حماة إلى أن مات فى يوم عيد النحر سنة اثنتين وسبعمائة، ودفن فى حماة ثم نقل منها بعد مدة إلى دمشق ودفن بتربة بسفح جبل قاسيون، ومات له من العمر نحو ستين سنة. وكان كتبغا رجلا أسمر اللون، قصير القامة، أجرود اللحية، وكان موصوفا بالشجاعة، وكان دينا خيرا سليم الباطن. ومن سلامة باطنه وتغفله الذى جعل لاجين نائب السلطنة بمصر حتى جرى منه فى حقه ما جرى وخلعه من السلطنة وتولى عوضه، فكانت كما قيل فى المعنى. والخل كالماء تبدى لى ضمائره … مع الصفاء ويخفيها مع الكدر

стр. 144

١١ - ذكر سلطنة الملك المنصور حسام الدين لاجين بن عبد الله المنصورى (١) وهو الحادى عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وأصله من مماليك قلاوون وتسلطن بعد خلع العادل كتبغا فى وادى الفحمة وتلقب بالملك المنصور وذلك فى شهر المحرم سنة خمس وتسعين وستمائة. فلما تسلطن هناك توجه إلى نحو الديار المصرية فدخلها، وقد زينت له وطلع إلى القلعة فلما استقام أمره فى السلطنة استقر بالأمير قراسنقر المنصورى فى نيابة السلطنة، فأقام بها مدة يسيرة ثم قبض عليه واستقر بمملوكه منكوتمر فى النيابة بالديار المصرية، ثم استقر بالأمير سنقر الأعسر وزيرا، ثم أرسل بالإفراج عن أولاد الظاهر بيبرس البندقدارى من القسطنطينية فحضروا إلى الديار المصرية، وكان سلامش مات هناك فأحضره وهو ميت إلى مصر فدفن بالقرافة الصغرى. وأما أخوه سيدى خضر فأنه دخل إلى مصر وأقام بها مدة ثم طلب من السلطان دستورا بأن يسافر إلى الحجاز الشريف فأعطاه دستورا فسافر إلى الحجاز ثم رجع إلى مصر فأقام بها إلى أن مات. وفى هذه السنة: أمر السلطان لاجين بعمارة جامع أحمد بن طولون، وكان هذا الجامع قد أقام مائة وسبعين سنة خرابا وهو بغير سقوف. وسبب عمارته أن السلطان لاجين لما قتل الأشرف خليل كان من جملة من تواطأ على قتله. فلما قتل الأمير بيدرا وتولى محمد بن قلاوون فاختفى لاجين فى مئذنة جامع ابن طولون مدة طويلة ونذر على نفسه أن نجا من هذه الشدة يعمر الجامع، فلما أعطاه الله السلطنة أمر بعمارته وذلك فى شهر المحرم سنة سبع وتسعين وستمائة ورتب له أوقافا وقرر به وقفا على دكة تكون بسطح الجامع فى مكان مخصوص لتحرير الوقت برسم المؤذنين وهو إلى الآن باق. وفى هذه السنة هى سنة خمس وتسعون وستمائة: فيها: راك السلطان حسام الدين لاجين البلاد المصرية وهو الروك الحسامى وكان ابتداؤه فى سادس جمادى الأول سنة ست وتسعين وستمائة فشرعوا فى

стр. 145

كتب الأوراق، وكان المتكلم فى ذلك يومئذ شخص يسمى التاج الطويل، فلما كان ثامن شهر رجب فرقت تلك الأوراق على الناس وهى المثالات له. وكانت أراضى الديار المصرية منسوبة على أربعة وعشرين قيراطا، منها أربعة قراريط برسم السلطان للكلف والرواتب وعشرة قراريط للأمراء والاطلاقات والزيادات وعشرة قراريط للأجناد الحلقة. فرسم السلطان للكتاب بأن يلقى الأمراء والأجناد الحلقة بعشرة قراريط وزادوا الذين شكوا قيراطا، وبقى للسلطان ثلاثة عشر قيراطا وبقى الجيش ضعيفا ليس له ما يقوى به الفلاحين. وكان المتصرف فى هذه الحركة الأمير منكوتمر النائب فسار فى الناس أقبح سيرة وصار بقائح الأمراء وبحاشتهم فى اللفظ وكان الأمير منكوتمر سياب الملك المنصور لاجين. ولما عزل الأمير قراسنقر المنصور عن نيابة مصر وتولى الأمير منكوتمر فى النيابة فشق ذلك على جماعة كثيرة من الأمراء من خشداشين الملك المنصور لاجين. وفى هذه السنة: حج الخليفة الإمام الحاكم بأمر الله أحمد فأنعم عليه السلطان لاجين بسبعمائة درهم، ثم إن منكوتمر النائب حسن لإسناده الملك المنصور لاجين بأن يمسك جماعة من الأمراء وهم: الأمير أينبك الحموى والأمير قراسنقر وجماعة غيرهما من الأمراء. فلما بلغ الأمير قفجق نائب الشام ذلك هرب من دمشق هو والأمير بكتمر الأبو بكرى والأمير بزلار فلما هربوا توجهوا إلى عند القان غازان ملك التتار. وكان هذا سبب الفتنة العظيمة التى نشبت النواحى عند سماعها كما سيأتى ذكرها فى موضعه فعند ذلك نفرت من السلطان لاجين قلوب الرعية لسوء تدبير مملوكه منكوتمر وقد اختاروا عود الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك وكان مقيما بها. فلما كان يوم الخميس عاشر ربيع الأخر من سنة ثمان وتسعين وستمائة: توجه السلطان إلى نحو القصر الكبير وكان صائما فنزل إليه من العصر ليفطر هناك وكان قد اتفق على قتله جماعة من المماليك الأشرفية وكان السلطان لاجين ممن تواطأ على قتلة الأشرف خليل. فلما علموا أن السلطان فى القصر فدخلوا عليه بعد العشاء وهو جالس يلعب الشطرنج، فأول من دخل عليه كرجى مقدم البرجية،
следующие страницы →