فلما توجه إلى الشام أرسل السلطان إلى نائب قلعة الشام بأن يرمي عليه، وهو في دار السعادة، فأرمي عليه فخرج من دار السعادة وهو هارب واستمر هاجج في البلاد إلى أن قتل هناك، ولما هرب جانم نائب الشام، أخلع السلطان على خشداشه المقر السيفي تنم المؤيدي واستقر به نائب الشام، وذلك في أوائل دولته عوضا عن جانم، فأقام بها إلى أن مات هناك. وأما جانم نائب الشام، قيل: أن فداوي قتله، وقتل الفداوي أيضا بعده.
ثم إن السلطان بعد مدة يسيرة قبض على جماعة من الأمراء الأشرفية، منهم الأمير جاني بك الظريف، والأمير جاني بك المشد، وخال الملك العزيز الأمير بيبرس، وجماعة من الأمراء الأشرفية، فقبضوا عليهم في وسط القصر الكبير، وقيدوهم ثم أرسلوهم إلى السجن بثغر الإسكندرية.
ثم بعد مدة يسيرة وثب المماليك الأشرفية إلى الأتابكي جرباش كرت، وكان مقيما في [١/ ٢١١] تربة الظاهر برقوق، بسبب موت ابنته التي من خوند شقراء، فأركبوه من باب النصر، وحملوا على رأسه صنجق، ولقبوه بالملك الناصر، ثم أتوا به إلى البيت الكبير الذي في حدرة البقر، ثم اتقع المماليك الأشرفية والأينالية مع المماليك الظاهرية، فكان بينهم وقعة عظيمة، فانكسر المماليك الأشرفية والأينالية كسره قوية، ثم انفضوا على ذلك، فأرسل السلطان خلف الأتابكي جرباش فطلع إلى القلعة.
ثم إن السلطان قبض على جماعة من المماليك الأينالية والأشرفية، ونفاهم إلى بلاد الصعيد وغيرها.
واستمر الملك الظاهر خشقدم في السلطنة إلى سنة ست وستين فمن الحوادث، فيها: أن النيل توقف في أوائل شهر أبيب، وأقام على ذلك نحو خمسة عشر يوما (١) لم يزد فيها شيئا، فضج الناس من ذلك، فرسم السلطان للقضاة والعلماء بأن يتوجهوا إلى المقياس، ويقيموا هناك، ويبتهلوا إلى الله تعالى بالدعاء، فتوجهوا إلى المقياس، وأقاموا به أيام، وصار يجتمع هناك أعيان القضاة والعلماء، وقد قيل في المعنى:
стр. 457
ولقد عهدت النيل سنيا يرى عمرا ويتبع أمره تسديدا … والآن أضحى في الوري متشيعا متوقفا ما أن يحب يزيدا (١)
ثم إن السلطان أرسل يستفتي الشيخ أمين الدين الأقصراي الحنفي في ذلك، فأفتى الشيخ أمين الدين بأن جميع بني العباس من رجال ونساء وصغار، يضعون شيئا من الماء في أفواههم، ويصبونه في إناء، ثم يلقونه في بحر النيل، ففعلوا ذلك وأوفى وثبت إلى أواخر توت (٢).
ومن الحوادث في أيامه أيضا: أن الشمس كسفت كسوفا عظيما وقت الظهر، وأظلمت الدنيا، وأقامت مكسوفة نحو ساعة حتى انجلت (٣).
ثم إن الملك الظاهر خشقدم أقام في السلطنة إلى سنة ثمان وستين وثمانمائة، ففي هذه المدة: عظم أمر المقر السيفي جاني بك نائب جدة الدوادار الكبير، والتفت عليه الظاهرية وصار يركب في موكب عظيم، وقدامة الأمراء والخاصكية حتى يوصلونه إلى بيته، فثقل أمره على الملك الظاهر خشقدم وخشي منه.
فلما كان يوم الثلاثاء رابع ذي الحجة من السنة المذكورة طلع جاني بك إلى القلعة وقت صلاة الصبح هو والأمير تنم رصاص المحتسب، فخرج عليهما جماعة من المماليك الأجلاب من مماليك الظاهر خشقدم، فقتلوا الأمير جاني بك الدوادار، والأمير تنم رصاص المحتسب في اليوم المذكور عند باب الجامع الذي بالقلعة عند باب القلة، فقتلوا هناك أشر قتله (٤).
فلما طلع النهار غسلوهما، وكفنوها، وصلوا عليهما، ودفن الأمير جاني بك في تربته التي عند الشيخ عدي بن مسافر (٥).
وكان الأمير جاني بك نائب جدة أميرا عظيما، مليا، مولعا بغرس الأشجار، كثير التنزه وهو الذي أنشأ القبة والغيط التي في منشية المهراني.
стр. 458
وكانت صفته قصير القامة جدا، أسمر اللون، مستدير اللحية، شايب الشعر، وكان دهاء في نفسه، كثير الحيل، وهو الذي كان القائم في تدبير أمر مملكة الظاهر خشقدم، ومسك الأمراء الأشرفية.
ولما قتل الأمير جاني بك، أخلع السلطان علي المقر السيفي يشبك الفقيه المؤيدي واستقر به دوادار كبير عوضا عن جاني بك نائب جده؛ واستقر الأمير جاني بك المعروف بكوهية دوادار عوضا عن الأمير جاني بك الظريف [١/ ٢١٢] الأشرفي.
وفي هذه السنة: جرد السلطان العسكر إلى بلاد الفرنج، فأقاموا هناك مدة ثم رجعوا وهم سالمون (١).
وفي هذه السنة: قبض السلطان على الصاحب علائي الدين علي بن الأهناسي، وكان قد رقى في أيامه حتى بقى وزيرا وناظر الخاص، وعظم أمره في دولة الملك الظاهر خشقدم فقبض عليه وصادره واستصفى أمواله، ثم نفاه إلى مكة، فتوجه من البحر المالح إلى مكة، فأقام بها إلى أن مات في سنة تسع وستين وثمانمائة، ولما قبض عليه السلطان استقر بالصاحب مجد الدين ابن البقري وكان اسمه شاكر (٢).
وفي هذه السنة وهي سنة تسع وستين، فيها: أنعم السلطان على المقر الشهابي أحمد بن العيني بتقدمة ألف (٣).
وفيها: حجت خوند الأحمدية زوجة الملك الظاهر خشقدم، وكان المقر الشهابي أحمد بن العيني أمير المحمل، فكان له لما خرج من القاهرة طلب عظيم، واقترح في طلبه أشياء لم يسبق إليها، فمن جملة ذلك أنه صنع أكوارا من الذهب مرصعة بفصوص من البلخش والفيروز، وصنع كنابيش من الذهب مكللة باللؤلؤ والريش، وصنع أشياء من هذا النمط لم يسبق إليها، وخرج في موكب عظيم، والأمراء المقدمين قدامه، وغالب العسكر (٤)، وذلك لكون أن جدة
стр. 459
المقر الشهابي ابن العيني كانت زوجة الملك الظاهر خشقدم من حين كان مملوك سلطان إلى أن بقي سلطانا، وهي خوند الأحمدية، وكانت تدعي أنها من فقراء الشيخ أحمد البدوي، ﵁، فحجت في محفة زركش، فلما عادت أقامت مدة وماتت (١)، فتزوج السلطان بعدها بمستولديه خوند سوار باي، وأقام معها إلى أن مات. [ب/ ٢١٢]
ومن الحوادث في أيامه: أنه رسم للأتابكي جرباش المحمدي كرت بأن يتوجه إلى دمياط، فخرج هو وولده المقر الناصري محمد بن خوند شقراء، فأقاموا بدمياط إلى أن كانت دولة الملك الأشرف قايتباي، فرسم بإحضار الأتابكي جرباش وولده من دمياط فحضروا إلى الديار المصرية، فأقام الأتابكي جرباش مدة ومات ثم ماتت بعده خوند شقراء، ثم مات بعدها بمدة يسيرة ولدها المقر الناصري محمد.
ولما توجه الأتابكي جرباش إلى دمياط، أخلع السلطان علي المقر السيفي قائم التاجر واستقر به أتابك العساكر بالديار المصرية عوضا عن جرباش كرت، فأقام في الأتابكية مدة، ومات في أثناء دولة الملك الظاهر خشقدم في سنة سبعين وثمانمائة، ثم بقي تمربغا أمير مجلس عوضا عن قائم التاجر لما بقي أتابكي؛ ثم بقى أزبك من ططخ رأس النوب عوضا عن تمربعا.
فلما مات الأتابكي قائم أخلع السلطان على المقر السيفي يلباي المؤيدي أمير أخور كبير واستقر أتابك العساكر عوضا عن قائم التاجر؛ وأخلع على المقر الشهابي أحمد بن العيني واستقر به أمير أخور كبير عوضا عن يلباي (٢)، وكان المقر الشهابي أحمد بن العيني في دولة الملك الظاهر خشقدم صاحب الحل والعقد بالديار المصرية، وكان له كلمة نافذة وحرمة وافرة، وفيه يقول سيدي علي بن برد بك هذه الأبيات:
يا طاهر الأصل يا سبط الملوك ومن … حاز الطهارة من أصل بوجهين
البحر جدك والإجماع منعقد … على طهارة ماء البحر والعين (٣)
ومن الحوادث في أيام الملك الظاهر خشقدم: أنه لما أن قتل الأمير جاني بك نائب جدة رسم بنفي جماعة من الأمراء الظاهرية، فقبض على الأمير تمربغا
стр. 460
رأس نوبة النوب، وعلى الأمير أزبك من ططخ صهر الملك الظاهر جقمق، وعلى الأمير برقوق الظاهري [١/ ٢١٣] إحدى الأمراء العشراوات، فقبض عليهم في القصر الكبير وقيدهم، ونزل بهم من القلعة، والأوجاقية خلفهم بالخناجر حتى أوصلوهم إلى البحر فتوجهوا بهم إلى السجن بثغر الإسكندرية، فلما وصلوا بهم إلى الأسكندرية أقاموا بها ثلاثة أيام، فطلع الأتابكي قائم التاجر هو والأمراء فشفعوا فيهم، فرسم لهم السلطان بالعود فعادوا إلى القاهرة، وطلعوا إلى القلعة، فأخلع عليهم واستقروا على وظائفهم، وذلك في أواخر سنة ثمان وستين وثمانمائة بعد قتله جاني بك نائب جدة بمدة يسيرة.
ومن الحوادث في أيامه أنه استقر بشمس الدين البباوي (١) وزيرا بالديار المصرية، وكان عاميا أميا لا يقرأ ولا يكتب، ولا يعرف اسمه من اسم الحمار، فلما تولى الوزارة صار له حرمة وافرة، وكلمة نافذة، وهابته جميع الناس، وصار يقول: "كل مباشر لا يسد فعلي سداد وظيفته"، ولما عزل الأمير زين الدين الأستادار تسلمه البباوي وأراد أن يعصره، ثم عفى عنه، وكانت ولايته في الوزارة في أواخر سنة تسع وستين وثمانمائة (٢)، وكان أسمر اللون، غليظ البدن، في كلامه عترسه، وكان لا يقبل رسالة من أحد من الأمراء، وكان شديد البأس، يابس الطبع، وفيه يقول بعض الشعراء:
قالوا البياوي (٣) قد وزز … فقلت كلا لا وزر
الدهر كالدولاب لا … يدور إلا بالبقر (٤)
وقال بعضهم أيضا:
مرض الزمان وقد تمسك طبعه … من شر قولنج به يتمغس
حقنته أراء الملوك فجائه … أهل المناصب كل شخص مجلس (٥)
واستمر البباوي في الوزارة مدة نحو سنتين، وسكن في بيت الوزارة الذي في بركة الرطلي، فنزل في مركب وتوجه إلى بعض أشغاله، فلما عاد في المركب انقلبت به عند رأس الجزيرة الوسطى، وهو داخل إلى خليج الزريبة،
стр. 461
فغرق هناك ولم يظهر له خبر، ولا طف كعادة الغرقاء، وإلى الآن لم يعرف له مكان قبر، ثم إن الزيني قاسم تكلم بعده في الوزارة وسد سدادا عظيما في أيامه.
ومن الحوادث: أن الملك الظاهر خشقدم عزل القاضي محب الدين ابن الشحنة من كتابة السر واستقر بالقاضي برهان الدين ابن الديري الحنفي، فأقام مدة يسيرة وعزله، واستقر بالقاضي زين الدين أبو بكر بن مزهر فأقام مدة طويلة، ثم بعد مدة استقر بالقاضي محب الدين ابن الشحنة قاضي قضاة الحنفية، فأقام مدة وعزله، واستقر بالقاضي برهان الدين ابن الديري قاضي قضاة الحنفية، فأقام مدة يسيرة وعزله، وأعيد ابن الشحنة إلى قضاء الحنفية ثانيا.
وفي أيامه: استقر بشخص يسمى منصور أستادارا فأقام مدة، ثم قبض عليه وسجنه بالقشرة، ثم أثبتوا عليه أشياء توجب الكفر، فحكم بعض القضاة المالكية بقتله، فضربوا عنقه تحت شباك المدرسة الصالحية.
ومن الحوادث: أن الملك الظاهر خشقدم رسم للخليفة المستنجد بالله يوسف بأن يسكن بالقلعة دائما، فطلع وسكن بها داخل الحوش السلطاني، ومنع من النزول إلى المدينة، فأقام على ذلك إلى أن مات في دولة الملك الأشرف قايتباي.
وكان الملك الظاهر خشقدم سريع العزل لأرباب الوظائف كثير الانقلاب، عجولا في أموره، ثم في أثناء دولته صفا له الوقت، وأنعم على جماعة من خشداشينه المؤيدية بتقادم ألوف، منهم: الأمير جاني بك كوهية، والأمير [٢١٤/ ١] مغلباي طاز، والأمير قنبك المحمودي، واستقر بمملوكه خير بك دوادار ثاني عوضا عن الأمير جاني بك كوهيه؛ واستقر بمملوكه مغلباي محتسب القاهرة ثم بقي مقدم ألف؛ وأنعم على الأمير خشكلدي البيسقي بأمرية أربعين؛ وأخلع على المقر السيفي بزد بك البشمقدار واستقر به نائب حلب في أيامه، وخرج إليها، ثم بقي أزبك من ططخ حاحب الحجاب بعده؛ وأنعم على جماعة كثيرة من مماليكه وخشداشينه بأمريات أربعين وأمريات عشرة.
واستمر في أرغد عيش قائما بأمور مملكته إلى أن مرض وسلسل في المرض إلى أن مات في يوم السبت بعد الظهر عاشر ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، ومات وله من العمر ما ينوف عن سبعين سنة (١)، ولما مات دفن في تربته التي أنشأها في الصحراء.
стр. 462
فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية ست سنين وخمسة أشهر وعشرين يوما (١) بما فيه من مدة توعكه وانقطاعه.
وكان ملكا جليلا مهابا، عارفا بأمور المملكة، ماشيا في المملكة على طريقة الملوك السالفة في عمل المواكب بالقصر الكبير يوم وفاء النيل، ويكسر السد بنفسه، ويتوجه إلى المقياس في الذهبية، ويخلق العامود بحضرته، وكان كثير الرمايات في بركة الحاج، وكان يلبس الصوف من المطعم، ويدخل إلى القاهرة من باب النصر في المواكب العظيمة، وتزين له في ذلك اليوم القاهرة.
وكان يدور المحمل في رابع عشر شهر رجب على العادة القديمة، وتزين لذلك القاهرة ثلاثة أيام، وتنفق في هذه الأيام ما لا يحصى من الأموال، ويخلع يوم تدوير المحمل على أرباب الوظائف من الأمراء والمتعممين، وفي ليلة تدوير المحمل يحرق السلطان حراقة نفط في الرملة، ويكون السلطان في تلك الليلة بايتا في الخرجاه المطلة على الرملة، وتجتمع الناس للفرجة، وتكون ليلة مشهودة، وكان جماعة من فرسان المماليك السلطانية وعدتهم أربعون مملوكا ولكل عشرة من المماليك باش، وكان المعلم يومئذ الأمير قايتباي المحمودي الظاهري شاد الشربخاناه الشريفة، فكانوا يلعبون بالرمح على النيل قبل تدوير المحمل بأربعين يوما في القرافة الكبرى عند زاوية الشيخ أبي العباس الحرار، وكانوا يلعبون في الجمعة أربعة أيام السبت والأحد والثلاثاء والأربعاء، ويخرج إليهم الناس في تلك الأيام، بسبب الفرجة، وكانوا يلعبون الرمح وهم بالشاش والقماش نحو أربعين يوما وهم على ذلك، ويأتون بأشياء غريبة في بنود اللعب بالرمح، وكانوا يوم تدوير المحمل يجتمعون في الرملة، ويسوقون هناك مرتين مرة عند طلوع الشمس، ومرة بعد الظهر، وهم لابسون الأحمر وعلى رؤوسهم خود (٢) وخيولهم لابسة آلة الحرب، فإذا فرغوا من اللعب ينزل الأربعون فارسا على خيولهم، ويبوسون الأرض للسلطان، ثم من بعدهم ينزل الباشات الأربعة ويبوسون الأرض، ثم من بعدهم ينزل المعلم من على فرسه ويبوس الأرض للسلطان، وهو جالس في الخرجاه المطلة على الرملة، والأمراء حوله، فينعم على المعلم في ذلك اليوم بخلعة وفرس بسرج ذهب وكنبوش فينزلون به من باب السلسلة إلى الرملة،
стр. 463
فيقبل المعلم حافر الفرس ثم يركبه ثم إن الرماحة ينزلون وهم سايقون من عند مدرسة السلطان حسن، ويشقوا من المدينة، وهم سائقون إلى عند باب النصر، ويكون مبتدأ طلوعهم من الصليبة، هذا كله وقت لعبهم عند الظهر، والمدينة مزينة بأحسن زينة، فإذا انته الرماحة إلى باب النصر يمضي كل أحد منهم إلى بيته، ثم من بعد ذلك يجيء المحمل وكسوة الكعبة الشريفة ومقام إبراهيم ﵇ وبرقع الكعبة المزركش، وهم مزفوفون على الحمالين، فيأتوا بهم من مصر العتيقة من عند فندق الكارم، ويطلعون من الصليبة ويطوفون بهم في الرملة، ثم ينزلون ويطوفون بهم في المدينة إلى باب [٢١٥/ ١] النصر، كل ذلك والسلطان ينظر إليهم، فإذا انتهى المحمل إلى باب النصر، تهد الزينة ويمضي كل أحد إلى حال سبيله، وإنما ذكرنا هذه الواقعة في هذا التاريخ إلا لكون أن هذا الأمر قد بطل من الديار المصرية من أيام الملك الأشرف قايتباي، وكان من فرحات مصر المعدودة، ومن شعار المملكة على القاعدة القديمة، وقد كثرت أخبار ذلك لطول المدة، وكان يصرف على ذلك من الأموال جملة كثيرة من السلطان والأمراء الذين يسوقون في المحمل ولا سيما ما كان يعمل في تلك الأيام من المدات العظيمة، والمسايرات العجيبة، وقد بطل ذلك جميعه مع جملة ما بطل من شعائر مصر في هذه الأيام الخاوية (١)، وفي معنى ذلك يقول بعضهم من زجل:
في مصر فرسان أربعين في العدد … لدورة المحمل يسوقوا الجياد
ورعبهم ساكن قلوب الملوك … يردو الخارج وأهل العناد
وكان بهم سلطان مصر يفتخر … على ملوك الشرق لاقصى البلاد (٢)
وكانت أيام الملك الظاهر خشقدم كلها لهو وانشراح، ولم يجئ في أيامه فصل (٣) ولا غلاء ولم يخرج في أيامه تجريدة إلى البلاد الشامية، ولم يكن من مساوئه غير مماليكه الأجلاب، وتشويشهم على الناس، وهو أخر من مشى على القاعدة القديمة من الملوك بمصر في ترتيب المواكب في القصر، وبيات الأمراء في القصر في الجمعة ليلتين ليلة الإثنين وليلة الخميس، والموكب عمال بشاش والقماش.
стр. 464
ولما مات الظاهر خشقدم خلف من الأولاد، صبيين أحدهما مات صغيرا في الفصل، والآخر عاش إلى أن تزوج ببنت الأمير أزدمر تمساح أحد الأمراء المقدمين، ورزق منها الأولاد، واستمر مقيما بالقاهرة، ولم يسجن كعادة أولاد الملوك السافلة، وكان أبطال هذه السنة السيئة في صحيفة الملك الأشرف قايتباي رحمه الله تعالى.
وكان صفة الملك الظاهر خشقدم معتدل القامة، أبيض اللون مشرب بحمرة، مستدير الوجه، كبير اللحية قد شاب أكثرها، وكان متأنقا في ملبسه، يركب بالمهاميز الذهب، والخف المزركش بالذهب، والركب الذهب، وكان يبطن الأقبية الصوف بالمخمل الأحمر، وكان يلبس الصمور (١) الفاخر الذي لا يوجد، لكنه كان غير عفيف الذيل، ولولا أذى مماليكه في حق الناس لكان خيار ملوك الترك وكانت دولته ثابتة القواعد.
أما أتابكيته: فالمقر السيفي جرباش المحمدي المعروف بكرت، والمقر السيفي قائم التاجر، والمقر السيفي بلباي.
وأما دواداريته: فالمقر السيفي جاني بك نائب جدة، والمقر السيفي يشبك الفقيه المؤيدي.
وأما دو اداريته الثانية: فالأمير جاني بك كوهيه، والأمير خير بك مملوكه.
وأما قضاته الشافعية: فالقاضي شرف الدين يحيى المناوي تولى في أيامه مرتين، والقاضي علم الدين صالح البلقيني، والقاضي صلاح الدين المكيني، والقاضي أبو السعادات البلقيني، والقاضي ولي الدين الأسيوطي.
وأما قضاته الحنفية: فالقاضي سعد الدين الديري أولا، وابن الصواف، والقاضي محب الدين ابن الشحنة تولى في أيامه مرتين، والقاضي برهان الدين الديري.
وأما قضاته المالكية: فالقاضي سراج الدين السيد الشريف بن حريز.
وأما قضاته الحنابلة: فالقاضي عز الدين عز الدين الحنبلي.
стр. 465
وأما كتاب سره: فالقاضي محب الدين ابن الشحنة أولا، ثم القاضي برهان الدين الديري الحنفي، ثم القاضي زين الدين أبو بكر بن مزهر [٢١٦/ ١].
وأما نظار جيشه فقد تولى في أوائل دولته جماعة من الأعيان فلم تطل مدتهم بها ثم تولى القاضي كمال الدين ابن المقر الجمالي يوسف ناظر الخاص فطالت أيامه بها.
وأما وزراؤه: فالصاحب علائي الدين ابن الأهناسي تولى في أيامه مرتين، والصاحب ابن صنيعه، ثم أعيد الصاحب علائي الدين ابن الأهناسي ثانيا واستقر وزيرا وناظر الخاص، ثم الصاحب مجد الدين ابن البقري، ثم الشرفي يونس دوادار الزمام، ثم شمس الدين البباوي، ثم الزيني قاسم وكان شريكه في الوزارة عبد القادر.
وأما أستادارياته فالأمير زين الدين يحيى الأستادار أولا، والأمير مجد الدين ابن البقري، ومنصور القبطي، وابن كاتب غريب.
وأما نظار خواصه فالأمير عبد الرحمن بن الكويز أولا، والقاضي شرف الدين الأنصاري، والعلائي علي بن الأهناسي، والقاضي تاج الدين ابن المقسي.
وأما من توفي في أيامه من أعيان العلماء، من هم: شيخ الإسلام سعد الدين الديري الحنفي (١) ودفن في تربة الملك الظاهر خشقدم، وتوفي قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني الشافعي (٢)، وقاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوي الشافعي (٣).
وتوفي من الزهاد في أيامه: الشيخ عمر الكردي (٤) ودفن في تربة الظاهر خشقدم؛ والشيخ محمد الشريفي الشادلي (٥).
стр. 466
وتوفي من الشعراء في أيامه الشيخ شهاب الدين ابن أبي السعود (١)، قيل: توفي بمكة. وتوفي في أيامه جماعة كثيرة من الأعيان لم نذكرهم هنا خوف الإطالة.
وقد انتهت أخبار دولة الملك الظاهر خشقدم على سبيل الاختصار من ذلك، ولما توفي الملك الظاهر خشقدم تسلطن بعده الظاهر يلباي.
стр. 467
ذكر سلطنة الملك الظاهر أبي النصر يلباي المؤيدي (١)
وهو التاسع والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم، وهو الرابع عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم بالديار المصرية.
وأصله جركسي، الجنس، جلبه الأمير أينال ضضع من بلاد جركس، فاشتراه منه الملك المؤيد شيخ في سنة عشرين وثمانمائة، ثم أعتقه، وصار في أيامه خاصكي، ثم بقى ساقيا في دولة الملك الظاهر جقمق، ثم بقى أمير عشرة، ثم بقى أمير أربعين، ثم بقى مقدم ألف في دولة الملك الأشرف أينال، ثم بقى حاجب الحجاب في دولة الملك الظاهر خشقدم، ثم بقى أمير أخور كبير، ثم بقى أتابك العساكر بعد موت الأتابكي قائم التاجر في سنة سبعين وثمانمائة (٢)، ثم بقى سلطانا بعد موت الملك الظاهر خشقدم.
فتسلطن يوم السبت بعد العصر في عاشر ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، وجلس على سرير الملك، وباسوا له الأمراء الأرض، وتودي باسمه في القاهرة، وتلقب الملك الظاهر، ودقت له الكوسات.
فلما تم أمره في السلطنة، أخلع على المقر السيفي تمربغا الظاهري أمير مجلس، واستقر به أتابك العساكر عوضا عن نفسه؛ وأخلع على المقر الشهابي أحمد بن العيني واستقر به أمير مجلس عوضا عن تمربغا؛ وأخلع على المقر السيفي قنبك (٣) المحمودي المؤيدي واستقر به أمير سلاح عوضا عن الأمير قرقماس الجلب؛ وأخلع على الأمير بردبك هجين واستقر به أمير أخور كبير عوضا عن ابن العيني.
стр. 468
فلما استقر أمر الملك الظاهر يلباي في السلطنة ضعف أمره عن تدبير المملكة، وظهر عليه العجز، وتقلبت عليه المماليك الخشقدمية، وصارت أمور المملكة مغدوقة بالأمير خير (١) بك الدوادار الثاني مملوك الملك الظاهر خشقدم.
ثم إن خير بك [١/ ٢١٧] حسن ببال الظاهر يلباي بأن يقبض على الأمير قرقماس الجلب، فأرسل قبض عليه، وعلى الأمير أرغون شاه أستادار الصحبة.
وكان الملك الظاهر خشقدم وهو ضعيف على حياض الموت أرسل الأمير يشبك الفقيه الدوادار الكبير وصحبته الأمير قرقماس الجلب، والأمير أرغون شاه، وجماعة من الأمراء العشراوات، والمماليك السلطانية، فتوجهوا إلى نحو بلاد الصعيد، بسبب فساد العربان، وكانت البلاد جائلة بسبب ضعف السلطان خشقدم.
فلما تسلطن يلباي أرسل قبض على الأمير قرقماس الجلب وأرغون شاه وأرسلهما من هناك في مركب إلى السجن بثغر الإسكندرية، فلما وقع منه ذلك فنفرت منه قلوب العسكر، ثم إنه لما نفق على العسكر نفقة السلطنة فلم يعط أولاد الناس شيئا، ولا الخدام على جاري العادة، فكثر عليه الدعاء.
ثم بعد أيام من دولته حضر الأمير أزبك من ططخ رأس نوبة النوب، وكان الملك الظاهر خشقدم أرسله إلى العقبة، هو والأمير يشبك الفقيه الدوادار الكبير؛ بسبب فساد العربان لما شوشوا على الحجاج، فلما توجه الأمير أزبك إلى العقبة مشوا وراء العرب إلى الأزنم، فمسك منهم جماعة، وأحضرهم صحبته إلى القاهرة، فلما طلع إلى القلعة وأعرض العربان على السلطان يلباي، فرسم بتوسيطهم، وكانوا مائة وعشرين إنسان (٢)، وفيهم الصغار الذي دون البلوغ، فلم يعرف الظالم من المظلوم، وسط الجميع.
ثم لما حضر الأمير أزبك من العقبة، أشار الأمير خير بك الدوادار على السلطان يلباي بأن يولي الأمير أزبك نائب الشام، فلما طلع الأمير أزبك إلى القعلة في يوم الجمعة، أخلع عليه السلطان خلعة وولاه نائب الشام، ورسم له بأن يخرج إلى السفر يوم الإثنين، فخرج في ذلك اليوم وتوجه إلى الشام، وذلك في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة؛ ثم أخلع على قايتباي المحمودي واستقر به رأس نوبة النوب عوضا عن أزبك لما بقى نائب الشام.
стр. 469
ثم لما حضر الأمير يشبك الفقيه الدوادار الكبير من بلاد الصعيد، وقد تقدم سبب سفره، فعند ذلك قوي قلب الملك الظاهر يلباي بخشداشينه المؤيدية، وكان غالبهم أمراء مقدمين ألوف، وطبلخانات، وعشراوات، فأراد أن يمسك خير بك الدوادار، وجماعة من الخشقدمية، فأرسل يقول للأمير يشبك الفقيه: "بأن يركب هو والأمراء المؤيدية على المماليك الخشقدمية"، فكان تدبير الملك الظاهر يلباي في تدميره، كما قيل:
إذا لم يكن عون من الله للفتي … فأول ما يجني عليه اجتهاده (١)
فركب الأمير يشبك الفقيه الدوادار، والأمير قنبك المحمودي أمير سلاح، والأمير جاني بك كوهيه أحد الأمراء المقدمين، والأمير مغلباي طاز أحد الأمراء المقدمين، والأمير طوخ الزردكاش، وجماعة المؤيدية بأجمعهم والتف عليهم الأينالية والسيفية، فلبسوا آلة الحرب واجتمعوا عند الأمير يشبك الفقيه، فقعد الأمير يشبك الفقيه في المدرسة الجاولية، وحفر خنادقا في الطرقات، وركب مكحلة هناك، واتقع مع المماليك الخشقدمية يوم الخميس ويوم الجمعة، فنزل إليهم بعد صلاة الجمعة الأمير قايتباي المحمودي رأس نوبة النوب، ومعه جماعة من الظاهرية والخشقدمية، فاتقعوا مع جماعة المؤيدية وقعة عظيمة، وقتل فيها بعض مماليك وغلمان.
فلما كانت ليلة السبت سابع جمادى الأول من سنة اثنتين وسبعين فهرب الأمير يشبك الفقيه من المدرسة الجاولية، وهرب بقية الأمراء المؤيدية أجمعين، فنهب العوام بيوتهم في يوم السبت.
ثم اجتمع الأمراء الظاهرية والخشقدمية بالقلعة، وخلعوا الملك الظاهر يلباي من السلطنة، وولوا المقر الأتابكي تمربعا سلطانا، كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه، ثم قيدوا الملك الظاهر يلباي، والأمير قنبك المحمودي أمير سلاح وحبسوا [٢١٨/ ١] في القلعة البحرة.
فلما كان يوم الثلاثاء عاشر جمادى الأول، أرسلوا الملك الظاهر يلباي هو والأمير قنبك إلى السجن بثغر الإسكندرية، وهما في قيود، فتوجها إلى ثغر الإسكندرية وسجنا بها؛ ثم مسك الأمير يشبك الفقية، والأمير جاني بك كوهيه، والأمير مغلباي طاز، وطوخ الزردكاش، وبقية المؤيدية (٢).
стр. 470
فأما الملك الظاهر يلباي فأقام في السجن بثغر الإسكندرية إلى أن مات في أثناء دولية الملك الأشرف قايتباي، في شهر صفر (١) سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة، ودفن هناك وقد ناف في العمر نحو خمسة وسبعين سنة.
ثم مات الأمير قنبك المحمودي أمير سلاح بثغر الإسكندرية أيضا في أثناء دولة الأشرف قايتباي.
وأما الأمير يشبك الفقيه فكان بدمياط، فلما تسلطن الملك الأشرف قايتباي رسم بإحضاره إلى القاهرة، فحضر في أثناء دولة قايتباي، واستمر مقيما بالقاهرة، وهو بطال إلى أن مات بالقاهرة.
وكذلك الأمير جاني بك كوهيه حضر إلى القاهرة أيضا، وأقام بها إلى أن مات.
وكذلك الأمير طوخ الرزدكاش كان بدمياط، وحضر إلى مصر، وأقام بها إلى أن مات وأما الأمير مغلباي طاز فما أعلم في أي مكان مات.
فكانت مدة دولة الملك الظاهر يلباي بالديار المصرية شهرين إلا أربعة أيام، كما قال القائل:
ركب الأهوال في زورته … ثم ما سلم حتى ودعا (٢)
و به زالت دولة المؤيدية كأنها لم تكن، فسبحان القادر على كل شيء، وكان غالب الأمراء المؤيدية مقدمين ألوف وأرباب وظائف، واستمروا في كل دولة معزوزين مكرمين إلى أخر ما جرى لهم في دولة الظاهر يلباي، كما تقدم.
وكان الملك الظاهر يلباي في أيام سلطنته في يد خير بك الدوادار مثل اللولب يدوره كيف شاء، وكان خير بك قصده يمهد لنفسه، ما تم له ما أراد، وخانه الدهر في المراد، فكان الظاهر يلباي ليس له في السلطنة إلا مجرد الاسم فقط، والأمر كله للأمير خير بك، حتى أن العوام سمت الظاهر يلباي "إيش كنت أنا؟ قل له (٣) " يعني عن خير بك.
стр. 471
وكان الظاهر يلباي من عمره أرشد، قليل المعرفة، وكان يعرف بيلباي المجنون، من حين كان جنديا؛ وكان من عمره غلسا في شكله وملبسه ومماليكه، قليل التدبير في أفعاله، خرج ماله على أقبح وجه، وزال سعده جملة واحدة، وكانت سلطنته أشر سلطنه، وأيامه أنحس أيام مع قصرها، وصار تحت الضنك مع المماليك الخشقدمية لم تنفذ له كلمة بينهم، وقد قيل في المعنى:
وفظ غليظ الطبع لا ود عنده … وليس لديه للأخلاء نأنيس
تواضعه كبر وتقريبه جفا … وترحيبه مقت وبشراه تعبيس (١)
وقد انتهت أخبار دولة الملك الظاهر يلباي على سبيل الاختصار.
стр. 472
ذكر سلطنة الملك الظاهر أبي سعيد تمربغا الظاهري (١)
وهو الأربعون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو الثاني من الأروام (٢).
وكان أصله رومي الجنس من مشتراوات الملك الظاهر جقمق، ورباه صغيرا، فلما تسلطن جقمق جعله خاصكي، ثم بقى سلحدارا، ثم بقى خازندارا، ثم بقى أمير أربعين دوادار ثاني في دولة الظاهر جقمق، ثم بقى مقدم ألف دوادار كبير في دولة الملك المنصور عثمان بن الظاهر جقمق، ثم سجن بثغر الإسكندرية لما خلع الملك المنصور من السلطنة [١/ ٢١٩]، فأقام في السجن نحو ست سنين، ثم أفرج عنه في دولة الأشرف أينال، وتوجه إلى مكة، فأقام بها نحو ثلاث سنين إلى أن قدم إلى الديار المصرية في أول دولة الملك الظاهر خشقدم، فأخلع عليه واستقر به رأس نوبة النوب، ثم حبس ثانيا في دولة الزاهر خشقدم فلم يقم بالإسكندرية سوى ثلاثة أيام، وقد تقدم ذكر ذلك، ثم رجع إلى القاهرة، وأقام بها مدة، ثم بقى أمير مجلس في أخر دولة الملك الظاهر خشقدم لما بقى قائم التاجر أميرا كبيرا، ثم بقى أتابك العساكر في دولة الظاهر يلباي.
فلما خلع الظاهر يلباي من السلطنة تسلطن عوضه، وذلك في يوم السبت سابع جمادى الأول سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، فلبس خلعة السلطنة من الحراقة التي في الأسطبل السلطاني، وركب والخليفة قدامه، والأمراء مشاة بين يديه، وحمل القبة والطير على رأسه المقر السيفي قايتباي المحمودي رأس نوبة النوب، فطلع من باب سر القصر، وجلس على سرير الملك وباسوا له الأرض، ونودي باسمه في القاهرة، وضج له الناس بالدعاء، وتلقب بالملك الظاهر،
стр. 473
ودقت له البشائر، وفرح به الناس؛ لكونه رجلا عاقلا عارفا بأمور المملكة، وكان كفوا للسلطنة، واشتمل على جملة محاسن من أنواع الفروسية، وغيرها من كل فن لائق به، ولكن لم يساعده الدهر، وسطى عليه بالقهر، فزال عنه الملك سريعا، وتجرع مرارة عزله جروعا، فكان كما قيل:
إنى تأملت الزمان وفعله … في خفض ذي شرف ورفع الأرذل
كطبائع الميزان في أفعاله … تضع الرواجح والنواقص تعتلى (١)
فلما تم أمره في السلطنة عمل الموكب، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: المقر السيفي قايتباي المحمودي استقر به أتابك العساكر عوضا عن نفسه؛ وأخلع على المقر السيفي جاني بك قلقسز واستقر به امير سلاح عوضا عن قنبك المحمودي المؤيدي؛ وأخلع على المقر السيفي خير بك الخشقدمي واستقر به دوادار كبير عوضا عن يشبك الفقيه؛ وأخلع على المقر السيفي خشكلدي البيسقي واستقر به رأس نوبة النوب عوضا عن قايتباي المحمودي؛ وأخلع على المقر السيفي تمر واستقر به حاجب الحجاب؛ وأخلع على الأمير كسباي الخشقدمي واستقر به دوادار ثاني عوضا عن خير بك؛ واستقر بالمقر الشهابي أحمد بن العيني أمير مجلس على عادته، وبردبك هجين أمير أخور كبير على عادته.
ثم رسم بالإفراج عن الأمير قرقماس الجلب فحضر من ثغر الإسكندرية، فأقام بالقاهرة أياما يسيرة، ثم رسم بالإفراج عن الأمير تمراز الشمسي من دمياط، وكان مقيما بها من أيام الظاهر خشقدم من حين ركبوا عليه مع الأتابكي جرباش كرت؛ وأفرج عن الأمير دولا تباي النجمي وكان مقيما بدمياط أيضا من أيام الظاهر خشقدم.
ثم إن الملك الظاهر تمربعا مشى مع العسكر في أيام دولته أحسن مشي؛ ثم قبض على الشرفي يحيى ابن الأمير يشبك الفقيه الدوادار وصادره بسبب متوفر والده.
فلما كانت ليلة الاثنين سادس رجب طلع المقر السيفي خير بك الدوادار إلى القلعة كعادته في ليالي المواكب، فلما دخل إلى القصر وأقام به إلى بعد المغرب، فجمع خشداشينه من المماليك الخشقدمية، ودخلوا إلى القصر بعد
стр. 474
المغرب، فقبضوا على السلطان تمربعا، وعلى جماعة من الأمراء، وحبسوهم تحت الخرجاه التي يجلس فيها السلطان.
وكان خير بك اتفق مع المماليك الأينالية في الباطن أنه يمسك السلطان تمربعا، ومن معه من الأمراء فوق القلعة، وأن المماليك الأينالية يركبوا من أسفل ويمسكوا بقية الأمراء، وأن خير بك يتسلطن، وتكون [١/ ٢٢٠] الأينالية من عصبته فانخرم معه الحساب وضل عن الصواب، كما قال القائل:
يريد المرء أن يعطى مناه … ويأبى الله إلا ما أراد (١)
فلما مسك خير بك السلطان تمربعا والأمراء الذي (٢) كانوا فوق القلعة، جلس على كرسي المملكة من غير مبايعة من الخليفة ولا حضروا القضاة، فباسوا له جماعة من الخشقدمية الأرض في القصر الكبير، وتلقب بالملك الظاهر على اسم أستاذه، وذلك كله تحت الليل، كما قيل: "كلام الليل يمحوه النهار".
فلما بلغ الأتابكي قايتباي وكان بايتا في الربيع فحضر تحت الليل، فلما حضر استمال المماليك الأينالية، وقال لهم: "أن الخشقدمية أعلاكم وقط ما يصقوا لكم"، فمالوا إليه الأينالية لكون أنه متزوج ببنت المقر العلائي علي بن خاص بك ابن أخو خوند زوجة أستاذهم الملك الأشرف أينال، وهي والدة الملك المؤيد أحمد بن الأشرف أينال، فلما جرى ذلك باسوا له الأينالية الأرض تحت الليل، وركبوا معه وطلعوا إلى الرملة.
فلما بلغ المقر السيفي خير بك ذلك ضاق الأمر عليه، وأدركه طلوع النهار، فعند ذلك أطلق السلطان تمربعا والأمراء الذي (٣) كان حبسهم معه، وأجلس السلطان تمربعا على مرتبته، وباس له الأرض، ثم انسطح بين يديه وقال له: "وسطني فإني كنت باغي عليك"، فعفى عنه السلطان تمربغا.
فلما طلع النهار ملكوا الأينالية باب السلسلة، وطلع الأتابكي قايتباي إلى الحراقة التي في الأسطبل السلطاني، وأحضروا له الخليفة والقضاة الأربعة، وخلعوا الظاهر تمربعا من السلطنة، وولوا قايتباي، فلما أحضروا له خلعة السلطنة شرع يبكي، ويمتنع من ذلك كل الامتناع، فلازالوا به حتى سلطنوه.
стр. 475
فلما طلع إلى القلعة قيد المقر السيفي خير بك والشهابي أحمد بن العيني واستمروا في الترسيم، فكان أمر خير بك الدوادار كما يقال: "من طلب الشيء قبل أوانه، أورثه الله حرمانه".
وأما السلطان تمربغا فأدخلوه إلى قاعة البحرة، وهو في غاية العز والعظمة، وجلس قايتباي على سرير الملك، فكان كما يقال في المعنى:
الرزق في الوجود للمرء ملتزم … ما هو المن سمى إلا لمن قسم (١)
فكانت مدة الظاهر تمربغا في السلطنة بالديار المصرية شهرين إلا يومان، فكان الآخر كما قال القائل في المعنى:
لم أستتم عناقه لقدومه … حتى ابتدأت عناقه لوداعه (٢)
ولم يعلم واحد من ملوك الترك خلع من السلطنة وهو في هذا السن في أقل من هذه المدة سوى الظاهر يلباي، والظاهر تمربغا، فما كان أغناهما عن هذه السلطنة.
فلما دخل الظاهر تمربغا إلى البحرة، أقام بها أياما، وهو في غاية التكريم والعز، ثم رسم له السلطان بأن يتوجه إلى دمياط، فخرج تحت الليل من غير تقييد ولا أوجاقي خلفه كما جرت به العادة، فلما وصل إلى دمياط لم يسجن بها، وصار يركب ويتنزه في غيطان دمياط.
وأما الأمير خير بك فأرسله السلطان إلى السحن بثغر الإسكندرية وهو مقيد، فأقام في السجن مدة ثم نقله بعد ذلك إلى مكة، فأقام بها مدة ثم نقله إلى القدس، فأقام به مدة ومات.
وأما المقر الشهابي أحمد بن العيني فأن السلطان صادره، وأخذ جميع أمواله وبركة، وضربه علقة في الدهيشة، ولم ينفيه فأقام بالقاهرة، وهو بطال.
وأما بقية الخشقدمية فنفى السلطان منهم جماعة في أماكن مفرقة، واستمر الأمر على ذلك مدة يسيرة.
ثم جاءت الأخبار من دمياط بأن الملك [١/ ٢٢١] الظاهر تمربعا تسحب من دمياط، وكان صحبته شيخ العرب محمد بن عجلان، فتوجه به من على ساحل
стр. 476
البحر المالح وطلع به بالقرب من غزة، فلما بلغ ذلك نائب غزه الأمير أرغون شاه خرج إليه وقوي عليه ومسكه، وأرسل عرف السلطان بذلك وكان العسكر في التجريدة في البلاد الحلبية بسبب سوار، فلما تسحب تمربعا من دمياط (١) أراد أن يتوجه إلى العسكر من هناك ويملك البلاد الشامية والحلبية، فما تم له ما أراد من ذلك، ولم يبلغ منه مراده، وجنى عليه اجتهاده.
ثم إن السلطان أرسل المقر السيفي يشبك الدوادار إلى الظاهر تمربعا؛ فقبض عليه وعلى محمد بن عجلان، فأما محمد بن عجلان فسجنه السلطان بالبرج الذي بالقلعة فأقام مدة طويلة وهو بالبرج نحو ثلاث عشرة سنة.
وأما تمربعا فتوجه به إلى ثغر الإسكندرية من غير تقييد، وكان ذلك حلما من السلطان عليه، فأقام الظاهر تمربعا بثغر الإسكندرية من غير سجن ثم مات في أثناء دولة الملك الأشرف قايتباي، ودفن هناك، فكان كما قال القائل:
فغض الطرف إنك من نمير … فلا سعدا (٢) بلغت ولا كلابا (٣)
انتهت أخبار دولة الملك الظاهر تمربعا على سبيل الاختصار.
стр. 477
ذكر سلطنة الملك الأشرف أبي النصر سيف الدين قايتباي المحمودي (١)
وهو الحادي والأربعون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو الخامس عشر من ملوك الجراكسة، كان أصله جركسي الجنس، جلبه الخواجا محمود إلى الديار المصرية، فاشتراه منه الملك الأشرف برسباي في سنة تسع وثلاثين وثمانمائة.
فلما توفي الملك الأشرف برسباي وتولى الملك الظاهر جقمق فاشترى المماليك الكتابية الذي (٢) كانوا عند الملك الأشرف برسباي من بيت المال على يد الأمير حاسوك، وصي الملك الأشرف برسباي.
وكان المماليك كتابية الأشرف جماعة كثيرة، منهم السلطان قايتباي، ومنهم الأتابكي أزبك من ططخ، ومنهم الأتابكي تاني بك الجمالي، ومنهم أزبك اليوسفي، ومنهم تمر، ومنهم برسباي قرا، ومنهم برقوق نائب الشام، ومنهم أزبك فستق، وجماعة كثيرة غير هؤلاء، فلما اشتراهم الملك الظاهر جقمق فأعتقهم، وصاروا من جملة معاتيق الملك الظاهر جقمق العلائي (٣).
ثم إن الملك الأشرف قايتباي صار في أواخر دولة الملك الظاهر جقمق خاصكي، ثم بقى دوادار سكين، فلما توفي الملك الظاهر وتولى الأشرف أينال، أنعم عليه بأمرية عشرة في أثناء دولته، وأقام على ذلك إلى أن توفي أينال وتولى الظاهر خشقدم، جعله أمير أربعين، شاد الشربخاناة الشريفة، وكان معلم الرماح الذين يسوقون في المحمل، فأقام على ذلك مدة، ثم بقى مقدم ألف في
стр. 478
أواخر دولة الظاهر خشقدم، فأقام على ذلك إلى أن توفي الظاهر خشقدم وتولى يلباي، فبقى في أيامه رأس نوبة النوب عوضا عن أزبك ططخ لما بقى نائب الشام، فلما تولى تمربعا فاستقر به أتابك العساكر عوضا عن نفسه، فلما خلع تمربعا من السلطنة تولى عوضه، وبقى سلطانا، وذلك في يوم الإثنين سادس شهر رجب سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة.
فلبس خلعة السلطنة من الحراقة التي في الأسطبل السلطاني وركب من هناك والخليفة قدامه وسائر الأمراء إلى أن طلع من باب سر القصر الكبير، وكان المقر السيفي جاني بك قلقسز (١) أمير سلاح، حامل الصنجق السلطاني على رأسه، وذلك لفقد القبة والطير من الزردخاناة، لما انتهبتها المماليك الأجلاب الخشقدمية لما مسك الظاهر تمربعا بالقلعة.
فلما جلس على سرير الملك باسوا له الأمراء الأرض، وتلقب بالملك الأشرف، ودقت له الكوسات، ونودي باسمه في القاهرة، وضج الناس له بالدعاء، وفرحوا به ولا سيما لقمعه للمماليك الخشقدمية، فأنهم كانوا قد زادوا في الظلم والجور في حق الرعية.
ولما تسلطن الملك الأشرف قايتباي أشرط على العسكر أنه ما ينفق عليهم نفقة السلطنة، فرضيوا بذلك منه، فلما تم أمره في السلطنة أخلع على [٢٢٢/ ١] من يذكر من الأمراء، وهم المقر السيفي جاني بك قلقسز واستقر به أتابك العساكر عوضا عن نفسه؛ وأخلع على المقر السيفي برد بك هجين واستقر به أمير سلاح عوضا عن جاني بك قلقسز؛ ورسم بإحضار الأمير قرقماس الجلب من دمياط، فلما حضر أخلع عليه واستقر به أمير مجلس عوضا عن ابن العيني، وكان قبل النفي أمير سلاح؛ وأخلع على المقر السيفي يشبك بن مهدي واستقر به دوادار كبير عوضا عن خير بك (٢)، فأقام مدة يسيرة ثم استقر وزيرا واستادارا مع ما بيده من الدوادارية الكبرى؛ وأخلع على المقر السيفي جاني بك الفقيه واستقر به أمير أخور كبير عوضا عن الأمير برد بك هجين؛ وأخلع على المقر السيفي نائق واستقر به رأس نوبة النوب عوضا عن خشكلدي (٣) البيسقي؛ واستقر بالأمير تمر حاجب الحجاب على عادته؛ وأخلع على الأمير قان بردى
стр. 479
الاينالي واستقر به دوادار ثاني عوضا عن كسباي الخشقدمي؛ وأخلع على الأمير تاني بك قرا الأينالي واستقر به تاجر المماليك، فأقام مدة يسيرة، ثم بقى دوادار ثاني، لما توفى قان بردي في الفصل؛ وأخلع على الأمير يشبك بن حيدر الأينالي واستقر به والي القاهرة.
وأخلع على الأمير قانصوه الخسيف واستقر به محتسب القاهرة، فأقام مدة يسيرة، ثم بقى شاد الشربخاناة الشريفة، فأقام على ذلك مدة، ثم بقى مقدم ألف؛ وأنعم على الأمير تمراز الشمسي بتقدمة ألف؛ وأنعم على الأمير برقوق الظاهري بتقدمة ألف؛ وأنعم على الأمير لاجين الظاهري بتقدمة ألف؛ وأنعم على الأمير خير بك من حديد بتقدمة ألف؛ وأنعم على الأمير قراجا الطويل بتقدمة ألف؛ وأنعم على جماعة كثيرة من الاينالية والظاهرية والأشرفية بأمريات أربعين وأمريات عشرة، وفرق الإقطاعات على المماليك السلطانية، وأرضى العسكر بكل ما يمكن، ولم ينفق عليهم شيئا كما أشرط عليهم قبل أن يتسلطن.
وأما أرباب الوظائف من المتعممين فالقاضي كاتب السر أبو بكر ابن مزهر على عادته؛ والقاضي ناظر الجيش كمال الدين على عادته؛ والقاضي ناظر الخاص تاج الدين ابن المقسي على عادته؛ وكذلك بقية المباشير كل واحد على عادته، وكذلك القضاة الأربعة كل واحد على عادته، فهذا كان ترتيب الأمراء أرباب الوظائف والأمراء المقدمين وأرباب الدولة في مبتدأ دولته ثم من بعد ذلك انتقلت الوظائف إلى جماعة كثيرة من الأمراء وغيرهم حسبما يأتي ذكر ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى، وفيه يقول الشهاب المنصوري الهايم الشاعر:
سلطاتنا الأشرف في بذله … وعدله قد جمع الفضلا
تقبل الله الذي زانه (١) … بالنصر من الصرف والعدلا (٢)
ومن الحوادث في أوائل دولته أنه لما استقر بالأمير يشبك من مهدي وزيرا فندبه (٣) لقطع لحوم الناس من الفقهاء وأولاد الناس والنساء وغير ذلك، وكان لهم ذلك عمال ماشى في باب السلطان للفقهاء والنساء والأيتام والأرامل وغير
стр. 480
ذلك، وكان تباع الزبادي اللحم من ناس إلى ناس، ويمشى السلطان ذلك، ولم يعترض لقطع شيء من ذلك، وكانت الوزراء يسدون من له عادة أو يشترى شيئا من الزبادي اللحم، وكان هذا ماشى في الدول القديمة إلى أن كانت دولته الملك الأشرف قايتباي، فقطع ذلك جميعه، ولم يبق غير المماليك السلطانية وأرباب الوظائف، وكذلك فعل الأمير يشبك من مهدى بالجوامك لما بقى استادارا كما فعل باللحوم فقطع جملة مستكثرة من الجوامك للفقهاء وأولاد الناس والنساء وغير ذلك، فهذا كان أول ما أحدثه في أوائل دولته (١).
ثم في أثناء ذلك جاءت الأخبار من البلاد الحلبية بأن شاه سوار أمير التركمان، وهو من أولاد ذو الغادر (٢)، قد خرج عن الطاعة، وأظهر العصيان، وكان [٣/ ٢٢١] قد أظهر العصيان في أواخر دولة الملك الظاهر خشقدم، فعين له تجريدة من حلب، فخرج إليه نائب حلب المقر السيفي برد بك البشمقدار، وصحبته العساكر الحلبية، فاتقعوا مع شاه سوار، فكسرهم كسرة قوية، وأسر نائب حلب برد بك المذكور، وقتل في هذه المعركة جماعة كثيرة من عسكر حلب.
فلما بلغ السلطان خشقدم ذلك عين له تجريدة تخرج من مصر، فأدركه الموت عقيب ذلك، ولم يجرد له تجريدة، فلما بلغ سوار موت الظاهر خشقدم أطلق برد بك نائب حلب، والأسرى (٣) الذي (٤) عنده، وكان يظن أن السلطان قايتباي يرسل يتلطف به، ويحسن إليه، فأخذ الملك الأشرف قايتباي أشياءه بالقوة ولم يكن عنده دربة، فعين لشاه سوار تجريدة عظيمة، وعين بها من الأمراء الأتابكي جاني بك قلقسز باش العسكر، وصحبته جماعة من الأمراء المقدمين، والمماليك السلطانية، فلما وصلوا إلى سوار اتقعوا معه في مكان مضيق، فانكسر العسكر مصر، وأسر الأتابكي جاني بك قلقسز، وقتل في هذه المعركة جماعة كثيرة من الأمراء، منهم فانق وبرد بك هجين، وغير ذلك من الأمراء والعسكر.
فلما أسر الأتابكي جاني بك قلفسز، ورجع العسكر وهو مكسور إلى الديار المصرية، فعند ذلك أرسل السلطان إلى المقر السيفي أزبك من ططخ نائب
стр. 481
الشام، فلما حضر إلى الديار المصرية، وأخلع عليه واستقر به أتابكي العساكر بمصر عوضا عن جاني بك قلقشز، وقد تقدم إن الظاهر يلباي هو الذي استقر بالأمير أزبك نائب الشام في سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة في ربيع الأول من السنة المذكورة، وكان حضور المقر السيفي أزبك من الشام واستقراره أتابكي العساكر في سنة ثالث وسبعين وثمانمائة.
ثم إن سوار أطلق الأتابكي جاني بك قلقسز، وقيل: أنه اشترى نفسه منه بمال حتى أطلقه، فلما حضر إلى الديار المصرية، فأخلع عليه السلطان واستقر به أمير سلاح عوضا عن برد بك هجين بحكم وفاته في التجريدة.
ثم إن السلطان أرسل إلى المقر السيفي برد بك البشمقدار خلعة، واستقر به نائب الشام عوضا عن أزبك؛ وأرسل خلعة إلى أينال الأشقر واستقر به نائب حلب.
ثم إن السلطان عين لسوار تجريدة ثانية في سنة ثلاث وسبعين وثمان مائة وكان باش العسكر الأتابكي أزبك، وصحبته من الأمراء الأمير قرقماس الجلب أمير مجلس، وتمر حاجب الحجاب، وسودون القصروي رأس نوبة النوب، وجماعة من الأمراء والعسكر، فخرجوا من الديار المصرية وتوجهوا إلى سوار.
وفي هذه السنة، وهي سنة ثلاث وسبعين وثمان مائة فيها: هجم الوباء بالديار المصرية، ومات فيها جماعة كثيرة من المماليك الأينالية، والخشقدمية، وغير ذلك من الجوار، والعبيد، والأطفال، والغرباء، وفيه يقول الشهاب المنصوري:
يا نعم عيشة مصر … وبئس ما قد دهاها
لما فشى الطعن فيها … حاكي السهام وباها (١)
وفيها: سرح السلطان الملك الأشرف قايتباي إلى نحو بلاد الشرقية، والغربية، وأقام في هذه السرحة نحو شهر، فلما رجع ودخل إلى القاهرة، فزينت له، وكان يوم دخوله يوما مشهودا، وحملت القبة والطير على رأسه، ولعبوا بالغواشي الذهب قدامه، وفرشت له الشقق الحرير من التبانة إلى أن طلع إلى القلعة، وكان المقر السيفي برقوق أحد الأمراء المقدمين كاشف الشرقية حامل القبة والطير على رأسه لكون أن الأتابكي أزبك كان غائبا في التجريدة
стр. 482
وكان أكثر العسكر مسافر معه، وقد هنأه لما عاد إلى القاهرة الشهاب المنصوري بهذه الأبيات وهي:
سلطاتنا الأشرف الراقي إلى شرف … عال أجل مليك في أجل رتب
في الجود والبأس منه الناس قدر فلو … في حلتي رغب مستعظم ورهب [٢٢٤/ ١]
لما سري لوطاق العز في خيم … لم يعلق الضد من علياء بطنب
فكان في كل قطر يستضاء به … كأنما قد كساه فضة وذهب
فالحمد لله رب العالمين على … سلامة نشرها عم القلوب طرب (١)
وفيها: توجه السلطان إلى بر الجيزة وأقام بالأهرام نحو ستة أيام، ثم توجه إلى الفيوم، فدخل إليها، وزينت له، وأقام بها نحو ثلاثة أيام، ثم رجع إلى القاهرة وطلع إلى القلعة.
وفيها: جاءت الأخبار بأن العسكر الذي توجه إلى سوار قد انكسر، وقتل الأمير قرقماس الجلب أمير مجلس، وسودون القصروي رأس نوبة النوب، وجماعة كثيرة من الأمراء والعسكر؛ فلما بلغ السلطان ذلك اضطربت أحوال الديار المصرية، وصار في كل حارة صراخ مثل أيام الفضول، بسبب من قتل من العسكر السلطاني، وقد استطال سوار على العسكر، وقوي عسكره من النهب وانكسرت مقابلة مماليك السلطان من الرعب الذي دخل في قلوبهم من سوار، وصاروا يدخلون إلى مصر بعد الكسرة وهم في أنحس حال من العري والنهب، هذا من سلم من القتل، والذي قتل أكثر، وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
يا رب إن سوار قد بفى وبه … قد أصبحوا الناس في ضيق وفي قلقي
فاكسر سوارا ودعه فالسلاسل في … خواتم الأمر يستعطي من الحلق (٢)
ثم دخلت سنة أربع وسبعين وثمانمائة، وفيها: أخلع السلطان على الأمير لاجين الظاهري واستقر به أمير مجلس عوضا عن قرقماس الجلب بحكم وفاته في التجريدة.
وأخلع على الأمير برقوق واستقر به نائب الشام عوضا عن برد بك البشمقدار بحكم وفاته.
وأحضر أينال الأشقر نائب حلب واستقر به رأس نوبة النوب عوضا عن سودون القصروي.
стр. 483
واستمر الأمر على ذلك إلى أن دخلت سنة ست وسبعين فيها: أخرج السلطان تجريدة ثالثة إلى سوار، فكان بها من الأمراء المقر السيفي يشبك من مهدى أمير دوادار، والمقر السيفي تمراز الشمسي ابن أخت السلطان أحد الأمراء المقدمين، وغير ذلك من الأمراء المقدمين، والعشراوات، والمماليك السلطانية، فخرج الأمير يشبك في طلب عظيم، ومماليكه لابسه آلة الحرب، وكذلك بقية الأمراء، فكان لهم يوم مشهود، وعمل الأمير يشبك في رنكة سبع على جميع البركستوانات الذي في طلبه، فتفاءل الناس أنه يظفر بسوار في تلك السنة (١).
وكذلك جرى فلما وصلوا إلى مكان فيه سوار، فحاصروه وهو بقلعة زمنطوا (٢)، فأخذل الله تعالى سوار، وغلت يديه لما أراد الله تعالى بخذلانه، فأرسل إلى الأمير يشبك يطلب الصلح، وعلى أنه ينزل ويقابل ويلبس خلعة السلطان، ثم يعود إلى قلعة زمنطوا، فأجابه الأمير يشبك إلى ذلك، وأرسل إليه المقر السيفي تمراز الشمسي قريب المقام الشريف، والقاضي شمس الدين ابن أجا قاضي العسكر، فطلعا إلى قلعة زمنطوا، واجتمع بسوار، فتلطف به الأمير تمراز في الكلام وسايسه حتى أذعن إلى النزول، فنزل في نفر قليل من عسكره صحبة الأمير تمراز، والقاضي شمس الدين ابن أجا.
فلما نزل توجه إلى عند الأمير يشبك الدوادار، فأكرمه وعظمه وألبسه خلعة عظيمة، وقال له: "أمضى سلم على الأمير برقوق نائب الشام"، فلما أن توجه إليه سوار ليسلم عليه فأحضر له خلعة، وفيها من داخلها زنجير، فلما أوهمه أنه يلبسه الخلعة، فأرمى الزنجير في رقبته، ثم قبض على جماعته، وأخوته، وأقاربه الذي (٣) نزلوا معه.
فعز ذلك على الأمير تمراز لكون أن سوار ركن إليه دون الأمراء، ونزل معه، فلم يسمع إليه برقوق شئ، وحصل بينهما تشاجر بسبب ذلك، ثم إن الأمير يشبك ولى أخا سوار مكانه، وهو شخص [٢٢٥/ ١] يسمى بربضاق (٤).
стр. 484
فلما جرى ذلك قصد الأمير يشبك التوجه إلى نحو الديار المصرية، فخرج من حلب، وصحبته سوار، وأقاربه، وجماعة من عسكره نحو ثلاثين إنسانا، فلما دخل إلى الشام كان له يوم مشهود وزينت له الشام زينة عظيمة.
فلما وصل العسكر إلى الديار المصرية زينت لهم زينة عظيمة، ودقت لهم البشائر، وخرجت البنت في خدرها (١) تنظر إلى سوار الذي يتم الأطفال، ورمل النسوان، فدخل الأمير يشبك الدوادار إلى القاهرة في موكب عظيم، والأمراء قدامه بالشاش والقماش، فانجرت أطلاب الأمراء إلى أن انتهوا، ثم أقبل سوار قدام الأمير يشبك، وهو في زنجير طويل، راكبا على فرس، وعليه خلعة تماسيح مذهب على أسود، ومشكوك معه شخص من الأمراء العشراوات يسمى تنم الضبع من الظاهرية، فكان مشكوك معه في الزنجير، وقدام سوار أخوته، وأقاربه، وجماعة من عسكره، وهم راكبون على أكاديش، وفي أعناقهم زناجير، فدخلوا من باب النصر وشقوا من القاهرة وطلعوا إلى القلعة.
فلما مثل شاه سوار بين يدي السلطان فعاتبه عتابا خفيفا، ثم رسم بتسليمه إلى الأمير يشبك من حيدر (٢) والي القاهرة، فلما تسلمه نزع الخلعة من عليه، وبقى عليه كبر أبيض، وعلى رأسه عمامة تركمانية، فأركبوه على جمل، وجعلوا في عنقه جرس، وسمروا أخوته وأقاربه، وجماعة من عسكره على جمال، وهم عرايا، وروؤسهم مكشفة، والمشاعلية تنادي عليهم: "هذا جزاء من يعصى علي السلطان".
فنزلوا بهم من الصلبية، وأتوا بهم إلى باب زويلة، ثم إنهم شنكلوا سوار على باب زويلة، هو وأخوته، وكان له أخا مسك قبل تاريخه، يقال يحيى كاور، وكان مسجونا بالقلعة، فلما مسك سوار شنكلوه معه، وجماعة من أقاربه، ثم وسطوا جماعة من عسكر الذي (٣) حضروا معه، وكان ذلك في يوم الإثنين ثامن عشر ربيع الأول سنة سبع وسبعين وثمانمائة، فأقام سوار، وأقاربه معلقين على باب زويلة يومين، ثم نزلوا به ودفنوه هو أقاربه.
وكان شاه سوار حسن الشكل، مستدير الوجة، أحمر اللون، أسود اللحية، أشهل العينان طويل القامة، مليء الجسم، وقد جاوز من العمر نحو أربعين سنة.
стр. 485
فلما بلغ المقر السيفي تمراز الشمسي أن سوار شنكلوه ومات، فشق عليه ذلك، لكون أن سوار نزل معه، وأركن إليه، وكان قصده أن سوار يسجن ولا يقتل، والذي فعله السلطان كان عين الصواب حتى يعتبر كل أحد، فإن كان قد تبهدل حرمة المماليك بما جرى عليهم من سوار من القتل والنهب، والبهدله، وفي هذه الواقعة يقول الشهاب المنصوري الهائم:
يأيها الملك الذي سطواته … تغني عن العمال والبتار
علق سوارا فوق باب زويلة … إن كنت منه آخذا بالتار
فلأنت تعلم أن ذلك معصم … ما كنت تتركه بغير سوار (١)
وقوله في الأمير يشبك الدوادار لما دخل إلى مصر:
منذ وافا الأمير يشبك مصرا … حبذا (٢) مصر موطن الأوطار
لبست حجل نيلها وتحلي … زند بابي زويلة بسوار (٣)
فلما مات سوار، ظن الناس أن الفتن قد هدأت، وراق الوقت وصفا.
فلما دخلت سنة ثمان وسبعين وثمانمائة، فيها جاءت الأخبار بأن حسن بك الطويل ملك العراقين قد تحرك على بلاد السلطان، ووصل أوائل عسكره إلى البيرة، وأن نائب البيرة محاصر، فلما بلغ السلطان ذلك اضطربت أحواله ونادى للعسكر بالعرض، والنفقة، والخروج إلى قتال حسن الطويل (٤)، فكان الأمر كما قيل في المعنى:
شكوت (٥) جلوس إنسان ثقيل … فوافا (٦) آخر من ذاك أثقل
فكنت كمن شكى الطاعون يوما … فجاءه على الطاعون دمل [١/ ٢٢٦] (٧)
ثم إن السلطان أعرض العسكر وعين الأمراء، فمنهم الأمير يشبك الدوادار ومنهم الأمير جاني بك قلقسز أمير سلاح، وجماعة من الأمراء المقدمين، والعشراوات، والعسكر، فخرجوا إليه، واتقعوا مع عسكره على مدينة البيرة،
стр. 486
فكان بينهم وقعة عظيمة هناك، وقتل فيها شخص من الأمراء العشراوات، يسمى قرقماس العلائي أمير أخور رابع، وبعض مماليك سلطانية.
ثم إن جاليش حسن بك الطويل رد إلى بلاده، وهو مكسور، وقد أخذله الله تعالى، فلما جرى ذلك قصد الأمراء الرجوع إلى نحو الديار المصرية، فرجعوا هم والعسكر سالمين، وقد انتصفوا على عسكر حسن الطويل، وفي هذه الواقعة يقول الشهاب المنصوري:
أيها العسكر الذي سار قصدا … لقتال الطويل لا تنظروه
لا تطيلوا مع العدو كلاما … في وغي الحرب والطويل أقصروه (١)
وقال الشيخ شمس الدين القادري:
أيا حسن الطويل بعثت جيشا … كأغنام وهن لنا عنايم
فنار الحرب قد سكبت سوارا … وأنت لسبكها لاشك خاتم (٢)
وقول شمس الدين ابن شاد خجا:
أيا حسن الطويل قصرت عمرا … وفاتتك المعالي والمغانم
سوار قد سبكناه ابتداء … وأنت بناره للسبك خاتم (٣)
وقوله فيه أيضا:
عروس الحرب نقطها المواضي … بأرواح الأعارب والأعاجم
وقد جليت وفي يدها سوار … وها حسن لكف الحرب خاتم (٤)
وفي هذه السنة: توفي المقر السيفي برقوق نائب الشام، فلما توفي أرسل السلطان إلى المقر السيفي جاني بك قلقسز أمير سلاح خلعة، وهو في التجريدة واستقر به نائب الشام عوضا عن برقوق بحكم وفاته، فتوجه إلى الشام من هناك.
وفيها: أخلع على المقر السيفي تمراز الشمسي واستقر به رأس نوبة النوب عوضا عن أينال الأشقر؛ وتولى أينال الأشقر أمير سلاح عوضا عن جاني بك فلقسز.
стр. 487
واستمر الحال مبني على السكون إلى أن دخلت سنة ثمانين وثمانمائة، فيها: جاءت الأخبار بأن حسن بك الطويل قد مات، وتولى بعده ابنه يعقوب بك (١)، وكان حسن الطويل قصده يزحف على بلاد السلطان ثانيا، ويحارب عسكر مصر، فأخذله الله تعالى وأخذه أخذا وبيلا، وقد قال بعضهم:
أيا ملكا نال من بره … به المتقارب فضلا يحوزا (٢)
لقد أهلك الله عنك العداة … وينصرك الله نصرا عزيزا (٣)
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وثمانمائة، فيها: هجم الوباء على الديار المصرية، وهو الفصل الثانى الذي جاء على أيام الملك الأشرف قايتباي، فذهب فيه من المماليك، والعبيد، والجوار، ومن الأطفال ما لا يحصى عددهم.
وفي عقيب ذلك: توفي الأمير أينال الأشقر أمير سلاح فلما مات تولى الأمير جاني بك الفقيه أمير سلاح عوضا عن أينال الأشقر (٤)؛ وأخلع على المقر السيفي قجماس أني السلطان واستقر به أمير أخور كبير عوضا عن جاني بك الفقيه، فلما تولى قجماس نائب الشام أخلع على المقر السيفي قانصوه من طراباي الشهير بخمسمائة، واستقر به أمير أور كبير عوضا عن قجماس بحكم توجهه إلى نيابة الشام.
وفي واقعة الفصل يقول الشهاب المنصوري، وقوله:
لهفي على مصر وولدانها … أضحوا إلى الموت يساقونا
ما نشر الفصل سهام الردي … عليهم إلا طواعينا (٥)
ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة، فيها: توجه السلطان إلى ثغر الإسكندرية على سبيل الفرجة، ورسم بأن ينشأ برجا في وسط البحر المالح، مكان المنار القديم الذي كان بالإسكندرية، وكان معه من الأمراء الأتابكي أزبك، والمقر السيفي يشبك الدوادار، والمقر السيفي تمراز الشمسي قريب السلطان، والأمير أزدمر الطويل حاجب الحجاب، وغير ذلك من الأمراء الأربعينات والعشراوات والخاصكية والمماليك [٢٢٧/ ١] السلطانية.
стр. 488
فلما دخل إلى ثغر الإسكندرية دخل في موكب عظيم، وطلب عظيم، فكان في طلبه مائتان وخمسون فرس ملبسه، وخمسون فرسا بالسروج الذهب والكنابيش، وكان الأتابكي أزبك حامل القبة والطير على رأسه، والأمراء المقدمين قدامه، والأمراء (١) الرؤوس النوب، والخاصكية مشاه بين يديه، وهم بالشاش والقماش، ولاقاه الملك المؤيد أحمد بن الأشرف أينال بالشاش والقماش وركب قدامه، لأن الملك المؤيد كان مقيما بالإسكندرية، فزينت له مدينة الإسكندرية زينة عظيمة، وخرج أهل المدينة قاطبة من رجال ونساء، ينظرون إلى السلطان.
فلما شق المدينة شر على رأسه بعض تجار الإسكندرية من الفرنج ألف بندقي ذهب، فكاد السلطان أن يقع من على فرسه من شدة الزحام، فشرع الأمير تمراز رأس نوبة النوب يفسح عن السلطان، وضرب الناس بالعصاه، حتى مشى السلطان، فكان له بالإسكندرية يوم مشهود، فلم يسمع بمثله فيما تقدم.
فلما شق من المدينة خرج من باب البحر، ونزل بساحل البحر المالح في الخيام، فأقام هناك ثلاثة أيام، فمد له نائب الإسكندرية مدة عظيمة، وكان نائب الإسكندرية يومئذ الأمير قجماس، وكان مقدم ألف نائب الإسكندرية، وذلك قبل أن يستقر أمير أخور كبير بمدة يسيرة، ثم قصد التوجه إلى القاهرة.
وفي هذه السنة وهي سنة اثنتين وثمانين فيها خرج السلطان على حين غفلة من العسكر، وسافر إلى نحو البلاد الشامية، ولم يكن صحبته من الأمراء سوى الأمير تانى بك قرا، وكان يومئذ دوادار ثاني، وكان معه من المباشرين: المقر الزيني أبو بكر بن مزهر كاتب السر الشريف بالديار المصرية، والقاضي أبو البقا بن الجيعان، والشيخ برهان الدين ابن الكركي الإمام، ومن الموقعين: شهاب الدن ابن التاج، ومن الخاصكية نحو أربعين إنسانا، وبعض جماعة من المماليك الجمدارية.
وكان جميع الأمراء المقدمين، والأمراء الأربعينات، والعشراوات، وجميع العسكر، والخليفة، والقضاة الأربعة مقيمين بالقاهرة، فلما سافر استطرد في [ب/ ٢٢٧] هذه السفرة إلى أن وصل إلى حلب، ثم إلى بحر الفرات، وكشف على القلاع، والنواب، واستوعب أحوال أمور مملكته، وأقام في حلب أياما، وفي ذلك يقول المنصوري:
стр. 489
لما رعى مدنه درت حوافلها … حتى تقاربت الشهباء منه حلب
سرى بطاير سعد رأسه ظفر … له النجاح جناح والحفاظ ذنب
فكان لما سرى البرهان يرشده … بحسن لقط أحاديث له وأدب (١)
ثم توجه السلطان من حلب إلى الشام، فحصل له مرض في أثناء الطريق، فدخل إلى الشام وهو في محفة من شدة العارض الذي حصل له في الطريق، ثم تعافى لما دخل إلى دمشق، وجلس في القصر الذي في الميدان، وحكم بين الناس.
وفي مدة إقامته بدمشق تغير خاطره على القاضي قطب الدين ابن الأخيضري كاتب سر الشام، وأخرق به، وأخذ منه جملة من المال (٢).
وفي مدة توعكه بالشام أشيع بموته في القاهرة، واضطربت أحوال الديار المصرية بسبب ذلك، وكثر القال والقيل بين الناس، ثم بعده مدة يسيرة حضر خاصكي من عند السلطان، يقال له برد بك سكر، وعلى يده مثالات شريفة إلى سائر الأمراء من الأكابر والأصاغر، وإلى الخليفة، والقضاة الأربعة، والمباشرين، يخصهم فيها بالإسلام (٣)، ويذكر ما قد وهب الله تعالى له من العافية، وقد حصل الشفاء، وزال ذلك العارض عنه، وقد عزم على التوجه إلى الديار المصرية، فعند ذلك فرح الناس، وبطل القال والقيل، ودقت البشائر، وأخلعوا الأمراء على برد بك سكر الخلع السنية، وفي ذلك يقول المنصوري:
بعافية السلطان مولى الأنام … قد تهلل وجه الدهر فهو جميل
وقد صحت الدنيا لصحة جسمه … فليس بها غير النسيم عليل (٤)
ثم جاءت الأخبار من بعد ذلك بأن السلطان قد وصل إلى قطيا، فخرج الأمراء قاطبة إلى ملتقاه، فلما دخل إلى القاهرة كان له يوم مشهود، وزينت له المدينة، فدخل من باب النصر وشق المدينة، والأتابكي أزبك حامل القبة والطير على رأسه، ولعبوا قدامه بالغواشي الذهب، وفرشت له الشقق الحرير من التبانة إلى القلعة، والقضاة الأربعة قدامه في الموكب، [أ/ ٢٢٨] والرؤوس النوب، والخاصكية مشاه بين يديه، وكان في طلبه كجاوتين زركش، والجنايب على
стр. 490
العادة وكان ذلك في يوم الخميس عاشر جمادى الآخر (١) سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة.
فكانت مدة غيبته في هذا السفر نحو شهرين أو يزيد عن ذلك (٢)؛ وفي هذه الواقعة يقول الشيخ بدر الدين ابن الزيتوني أبقاه الله تعالى هذا الزجل من الجناس التام الكامل:
سلطاننا الأشرف خرج في أربعين … من العساكر حين سافر حماه
ومن حلب عدى يروم الفراة … فأسقى الخيول جيشوا وربوا حماه (٣)
في مصر فارسان أربعين في العدد … لدورة المحمل يسوقوا الجياد
ورعبهم ساكن قلوب الملوك … يردوا الخارج وأهل العناد
سافر بهم سلطان مصر يفتخر … على ملوك الشرق لاقصى البلاد (٤)
وخو سوار لاقاه وفي صحبتوا (٥) … ولد حسن بك بالخدم ما أباه
وأخلع عليه اطمن وأخلع على … ولد حسن خلعة وشت أباه
عادل (٦) مظفر بالعدا لم يزل … تجرى دماهم من حسامو (٧) نهز
خرج لتطمين العباد في البلاد … فكم شكر عادل وظالم نهر
إمامنا الأعظم مليك الزمان … أشرف وعدلوا في (٨) الوجود اشتهر
كشف على النواب فمن حاف وجار … أنكر عليه فعلو (٩) وبالعزل جاه
ومن رآه عادل ورأيوا صواب (١٠) … أخلع عليه وأعطاه منازل وجاه
لما دخل للشام توعك وكان … من الهوا والشرب من ما العيون
стр. 491
فقلت كادت عين تصيبه (١) فكان … توعكه (٢) حرزوا لدفع العيون
وربنا عافاه وجبه (٣) لنا … سالم وقرت به (٤) جميع العيون
ومهد الدنيا وأن يعدلوه … أن ينثني عزمه (٥) الشديد ما ثناه
وفاز بتاريخ ما فرح بوا ملك … قبله (٦) ونال قصده (٧) وبيض ثناه
أهل الفضائل والعلوم ورخوا … وكل واحد في الكتابة ذهب
يكتب تواريخ الملوك بالمداد … إلا لقايتباي كتب بالذهب
هو فارس الإسلام وليث الوغا … وفهلوان العصر مبدى العجب
وخالقه (٨) علا مقامه (٩) الشريف … على الملوك وانشاه ومن ما براه (١٠)
وكل ذا في اللوح قديم في الأزل … خطو القلم جل الذي قد براه (١١)
لأجله (١٢) الدوادار الكبير قد برز … أمروا (١٣) بتوسيع الطريق المضيق
وكشف أبواب المساجد وما … بين المدارس كان على غير طريق
وصلح الأبواب وشيء بيضه (١٤) … وأخلع على واحد مشد الطريق
ووكله (١٥) بالقاهرة كل يوم … بقى يدور راكب وفي يده (١٦) عصاه
ويأمر الناس بالبياض والدهان … طاع الجميع أمره (١٧) ولا حد عصاه
صارت مدينتنا عروس للملك … وذا عجب كيف العريس هو الولي
стр. 492
ونقشوها بالدهان في البياض … وأضحت عروسه بالطراز تنجلي (١)
ومدت المدات نهار الفرح … وزينوها بالحلا والحلي
وبان لها سيقان عواميد رخام … جلاهم (٢) الصانع ونعم جلاه
ودقت الكوسات نهار الدخول … وكان دخولوا (٣) في المواكب جلاه
تاريخ سنة اثنين جماد الأخير … تلي ثمانين مع ثمان من مئين
من هجرة الهادي ﵇ … خير النبيين سيد المرسلين
تجهز السلطان يريد السفر … وأخفا عن العسكر خرج في أربعين
وفر لبيت المال خزائن ذهب … ما يحصروها من قلم مع دواه
ونيح (٤) العسكر وكم من ضعيف … كان التخلف في بلادوا (٥) دواه
هذا المعاني والبديع والجناس … من نظم زيتوني لفقهو (٦) دخول
أبو النجا العوفي نظم في الملك … من حين خروجوا (٧) في السفر للدخول
فإن تجد لو (٨) عيب فسد الخلل … إذا سمعتوا (٩) في نظاموا (١٠) يقول
سلطاننا الأشرف خرج في أربعين … نوابغ العسكر وسافر حماه (١١)
ومن حلب عدى ليبحر (١٢) الفراة … فأسقى خيول جيشوا وربوا حماه (١٣)
انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة، فيها: أرسل السلطان قبض على الأمير جاني بك الفقيه أمير سلاح [٢٢٩/ ١] من العقبة، وكان حج في تلك
стр. 493
السنة (١) أمير المحمل، فتغير خاطر السلطان عليه، فأرسله من هناك إلى القدس الشريف، فأقام به مدة، ومات ودفن هناك.
وفيها: أخلع السلطان على المقر السيفي يشبك الدوادار واستقر به أمير سلاح عوضا عن جاني بك الفقيه، فصار الأمير يشبك أمير سلاح، وأمير دوادار كبير، ووزير، وأستادار، وكاشف الكشاف ومدبر المملكة، فتزايدت عظمته، وتضاعفت حرمته، وتنافذت كلمته، وكان صاحب الحل والعقد بالديار المصرية واستمر على ذلك.
ثم دخلت سنة أربع وثمانين، فيها: توفي الخليفة المستنجد بالله يوسف، في يوم السبت رابع عشرين المحرم، فكانت مدة خلافته نحو ستة وعشرين سنة إلا أشهر؛ وفي سادس عشرين تولى الخلافة الإمام عبد العزيز بن يعقوب بن محمد المتوكل العباسي.
ثم دخلت سنة خمس وثمانين وثمانمائة، فيها: توجه السلطان إلى ثغر الإسكندرية وهي السفرة الثانية، وسبب ذلك أنه لما كملت عمارة البرج الذي أنشأه بثغر الإسكندرية، توجه إليه لينظر ما عمل به (٢).
وفي هذه السنة: حضر الملك المؤيد أحمد بن الأشرف أينال إلى الديار المصرية، بسبب والدته لما ضعفت (٣)، وقد تقدم ذلك، إن السلطان ترك الملك المؤيد بالقاهرة حتى توفيت والدته خوند و دفنها، فتوجه السلطان إلى الإسكندرية في تلك المدة التي حضر فيها الملك المؤيد.
وكان الملك الأشرف قايتباي كثير الأسفار على حين غفلة، وسافر أيضا إلى ثغر دمياط على سبيل التنزه، ونزل في مركب صغير، ودخل إلى بحيرة تنيس، ونظر إلى صيد السمك البوري كيف يصيدونه، وأقام بدمياط، وعيد النحر بها وتوجه إليه قاضي القضاة الشافعي الأسيوطي حتى صلى به صلاة العيد هناك وخطب به، وسافر أيضا إلى وادي العباسة، وتنزه به أياما، وله سفراة كثيرة على هذا الوجه.
стр. 494
وفي هذه السنة: توجه السلطان إلى الحجاز الشريف، وأخفى ذلك عن العسكر، وخرج بعد شيل المحمل من بركة الحاج بيومين، وكان أمير المحمل في تلك السنة المقر الصاحبي خشقدم الزمام، فلما وصل السلطان إلى مكة نزل في مدرسته التي أنشأها عند باب السلام، وكان معه بعض أمراء عشراوات، وجماعة من الخاصكية، والشيخ برهان الدين ابن الكركي الإمام، فلما قضى توجه إلى المدينة الشريفة، وزار قبر رسول الله ﷺ ، وفرق على أهل المدينة جملة مال.
ثم قصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، فدخل إليها قبل مجيء الحاج بثمانية أيام، فنزل في قبة الأمير يشبك التي في المطرية، فمد له الأتابكي أزبك هناك مدة عظيمة، ثم دخل إلى القاهرة في موكب عظيم، وحملت القبة والطير على رأسه بيد الأتابكي أزبك، ولعبوا قدامه بالغواشي الذهب، وفرشت له الشقق الحرير من عند مدرسة أم السطان التي في التبانة إلى القلعة، وبيض له خوند الحوش السلطاني، ودهاليز القلعة.
فلما طلع إلى القلعة مد له الأمير يشبك الدوادار هناك مدة عظيمة أعظم من مدة الأتابكي أزبك، ودخل إلى السلطان تقادم عظيمة من أعيان الناس، والمباشرين، ولما رجع من الحجاز الشريف فهنأه الشهاب المنصوري بهذه القصيدة، فمنها:
قدم السرور بمقدم السلطان … من حجه المقبول بالرضوان
فدعاؤنا ببقائه في نعمة … وسلامة فرض على الأعيان
لما نوى حجا ولبي محرما … عم الأمان مراتع الغزلان
حظيت به أم القري مذ زارها … واشتاقه مصر أبو البلدان
والكعبة افتخرت وودت أنها … في خد دولته من الخيلان
لو أنها علقت لخرت حرمة … الله ساجدة على الأدقان
ولسلمت جهرا عليه وأبذلت (١) … سر السلام عليه بالإعلان
فتطوف (٢) الملك الهمام بها إلى … سبع ولولا الحد زاد ثمان
وصفا له قلب الصفا والمروة استر … قت به مرقي بنى مروان
стр. 495
وأفاض منذ أفاض من عرفاتها … دمع اشتياق سال كالغدران
وعلي منى بلغ المني من ربه … ورمي الجمار بمهجة الشيطان [١/ ٢٣٠]
وقضى مناسك حجه فأتمها … مختومة بالحمد والشكران
فالحمد لله الذي جبر الورى … ورعى القرى بسلامة السلطان
فاستبشرت مصر وهنا بعضها … بعضا بعودته إلى الأوطان (١)
ولما رجع السلطان من حجه أقام مدة، ثم توجه إلى زيارة بيت المقدس فزاره، وزار قبر الخليل ﵇، وليس يحضرني الآن توجهه إلى القدس الشريف هل هو في هذه السنة أو ما قبلها (٢).
ثم دخلت سنة ست وثمانين وثمانمائة، فيها جاءت الأخبار من المدينة الشريفة بأن المسجد النبوي قد احترق حتى الحجرة الشريفة، والقبة الخضراء، وجميع سقوف المسجد كلها، وكان ذلك في شهر رمضان من سنة ست وثمانين، وكتب بذلك محضرا، وثبت على قضاة المدينة بأن وقت التسبيح نزلت صاعقة عظيمة من السماء على المسجد الشريف، فاحرقته جميعه، وقد شاهدوا في الليل طيورا بيض قدر الرخم طائفين حول المسجد يمنعون النار أن لا تحرق البيوت الذي (٣) حول المسجد.
فلما بلغ السلطان ذلك شق عليه وبكى لذلك، ثم عين الخواجا شمس الدين ابن الزمن لعمارة المسجد الشريف، وأرسل على يده مالا بسبب العمارة، فسافر في أثناء سنة سبع وثمانين وثمانمائة (٤)، وأخذ معه جماعة من البنايين والنجارين، وتوجه إلى هناك، فأقام بالمدينة الشريفة إلى أن كملت العمارة، فجاء أحسن ما كان أولا في البناء والزخرفة، وفي هذه الواقعة يقول الشيخ شمس الدين القادري:
بطيبة سيئات الركب بدلها (٥) … رب العلا حسنات عند ما زاروا
وعندما قبلت ضاهت لذى حرم الـ … مختار من أكلت قربانه النار (٦)
ولبعضهم في المعنى: