← История

История · id 30070

صفحات لم تنشر من بدائع الزهور فى وقائع الدهور

ابن إياس

Полный текст (225 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ثم دخلت سنة اثنين وستين وثمانمائة فيها في المحرم (١) أنعم السلطان على قايتباي المحمودي الخاصكي بأمرة عشرة وكان أحد الدوادارية، وقايتباى هذا هو الذى ولى السلطنة فيما بعد وكان بين تأميره وسلطنته تسع سنين وبعض شهور وفيه قرر في نيابة ملطيه تغرى بردى من يونس عوضا عن جانى بك الحكمي، وقرر جانى بك الحكمي في حجوبية الحجاب بحلب عوضا عن تغرى بردى (٢) وفيه توفى القاضي شهاب الدين السيرجي (٣) أحد نواب الحكم بالديار المصرية وكان من أهل العلم والفضل ومولده سنة ثمان وسبعين وسبعمائة وفيه (٤) دخل الحاج إلى القاهرة، ووصل ابن السلطان ووالدته وإخوته وكان لهم يوم مشهود وموكب حافل ولاقتهم الأمراء وأرباب الدولة من البويب ومشت الأمراء قدام محفة خوند حتى دخلت إلى بركة الحاج، ثم طلعت خوند إلى القلعة هي وأولادها وحمل الأمير فيروز الزمام على رأسها القبة والطير وفرشت لها الشقق الحرير من باب الستارة إلى أن جلست على المرتبة بقاعة العواميد ونثر على رأسها خفائف الذهب والفضة، ثم دخلت إليهم التقادم من الأمراء والمباشرين لخوند وأولادها، وكان ما أهداه الجمالي يوسف ناظر الخاص

стр. 72

قندورة (١) لخوند الكبرى مثلث ذهب ولؤلؤ وريش فكان مصروفها ما يزيد على اثنى عشر ألف دينار، هذا خارجا عن بقية التقادم لها ولأولادها لكل منهم تقدمة على انفراد ولا سيما ما أهداه للمقر الشهابي أحمد ولد السلطان وأخيه الناصري محمد حتى قيل إنه أصرف في هذه الحركة نحوا من مائة ألف دينار ما بين تقادم وأسمطة وغير ذلك وهذا من ماله دون مال السلطان، وأخبار ناظر الخاص يوسف فى أفعاله تقارب أخبار جعفر البرمكى وهذا الأمر مشهور بين الناس وفيه (٢) وصلت تقدمة من عند قان با الحمزاو نائب الشام ومن جملتها خيول نحوا من ثمانين فرسا أحدها مسروج بسرج بلور من نوادر السروج. وفى صفر (٣) رسم بإحضار أزبك من ططخ الظاهرى وكان مقيما بالقدس بطالا، فلما طلع إلى القلعة ألبسه السلطان سلاريا من ملابيسه ونزل إلى بيته فأنعم عليه بأمرة عشرة وفيه (٤) مات الشيخ عبد الكريم خليفة سيدى أحمد البدوى رحمة الله عليه مات قتيلا ولا يعلم من قتله، وكان غير مشكور في سيرته ولى خلافة سيدى أحمد البدوى مدة طويلة، فلما مات ولى بعده صبى من أقاربه اسمه عبد المجيد وفيه (٥) توفى القاضي علاى الدين على ابن محمد بن أقبرس التركي الأصل، وكان عالما فاضلا على مذهب الشافعي وكان رئيسا حشما ولى عدة وظائف سنية منها الحسبة ونظر الأوقاف وناب في

стр. 73

القضاء وكان من أعيان نواب الشافعية ومولده سنة أحد وثمانمائة. وفي ربيع الأول (١) نودى فى القاهرة بتسعير الذهب والفضة وضرب السلطان فضة جديدة، فسعر الدينار الذهب بثلثمائة، والفضة الجديدة كل أشرفى بخمسة وعشرين نصفا عددية جيدة من خالص الفضة، وأبطل سائر المعاملات من تلك الفضة المغشوشة، وكان وصل سعر الدينار إلى أربعمائة وستين درهما فخسر الناس في هذه الحركة ثلث أموالهم ولكن انصلح أمر المعاملة بعد ما كانت فسدت، ففرح طائفة من الناس بذلك واغتم آخرون، وكان القائم في ذلك الجمالى يوسف ناظر الخاص، فاضطربت الأحوال لذلك مدة ثم مشت تلك المعاملة الجديدة وسكن الاضطراب قليلا قليلا، وصار كل من قبض عليه السلطان من الزغلية قطع يده أو يوسطه فوقع الرعب في قلوب الزغلية، وكان ذلك سببا لإصلاح أحوال المعاملة وقد انصلحت بعد جهد كبير، وقال الشهاب المنصوري فيمن أهدى إليه دينارا عند المناداة على الذهب: أمولاى قد آثرتنى متفضلا … وأهديت دينارا قد استغرق الوصفا ولكنه قد خاف من سلطانه … ألم تره من خوفه نقص النصفا وفيه (٢) توفى الشيخ الصالح المسلك المعتقد سيدى مدين وكان من الأولياء. وللناس فيه اعتقاد. - وفيه توفى الشيخ شهاب الدين أحمد بن مبارك شاه (٣) وهو أحمد بن محمد بن حسين بن إبراهيم بن سليمان القاهرى الحنفى، وكان

стр. 74

عالما فاضلا شاعرا ماهرا وله نظم جيد وألف الكتب النفيسة في الأدبيات وغير ذلك منهم كتاب يقال له السفينة كله محاسن وفوائد، ومولده سنة ست وثمانمائة ومن شعره وهو قوله مقابلة عشرة بعشرة: فرع جبين محيا قامة كفل … صدغ فم وجنات ناظر ثغر ليل هلال صباح بانة ونقا … آس أقاح شقيق نرجس درر وفي ربيع الآخر (١) توفى جانم الفهلوان الأشرفي أحد الأمراء العشرات رؤس النوب وكان رئيسا حشما شجاعا بطلا بارعا في فنون الفروسية (٢). وفيه (٣) حصل للسلطان توعك في جسده ثم شفى فضربت البشائر بالقلعة بسبب ذلك حتى على أبواب الأمراء. وفيه (٤) توفى الأمير طوخ من تمراز الناصري المعروف ببونى بازق، وكان أصله من مماليك الناصر فرج بن الظاهر برقوق، ومات بطالا بعد ما كان أمير مجلس وكان كبر سنه وعجز عن الحركة. وفيه (٥) توفى القاضي شهاب الدين أحمد المعروف بقرقماس، وهو أحمد بن على بن محمد بن مكى بن محمد بن عبيد بن عبد الرحيم الأنصاري الدماصى الحنفى، وكان عالما فاضلا وناب فى القضاء بخط بولاق، وكان مولده سنة تسعين وسبعمائة. وفيه (٦) توفى سودون النوروزى نائب القلعة،

стр. 75

فلما مات قرر بعده فى نيابة القلعة كسباى السمين، وقرر جاني بك كوهيه أحد رؤس النوب عوضا عن كسباى السمين. وفيه توفى الناصري محمد بن لا جين الجندى الحنفى وكان من أعيان الحنفية. وفي جمادى الأولى أخلع على الطواشى مرجان العادلي وقرر في تقدمة المماليك (١). وفيه (٢) قرر في نظر الدولة منصور بن الصفى وهذا أول ظهور منصور في الرئاسة. وفيه (٣) توفى المغنى الأستاذ في فن النشيد فريد عصره ووحيد دهره ناصر الدين محمد المازونى القاهرى وكان بارعا في فن الغناء وكان يضرب به المثل في حسن النغم ومعرفة الفن ولم يجئ بعده من هو فى طبقته إلى يومنا هذا، وقد رثاه الشهاب المنصوري بهذه الأبيات: يا نزهة السمع سكنت الثرى … فللملاهي أيما لهفى كم لطمة من قدم أو يد … في خدى الدكة والدف وقوله فيه أيضا: كانت به لذاتنا موصولة … فانقطعت بموته اللذات وكانت الأصوات تزهو بهجة … فارتفعت لموته الأصوات وكان حصل للمازونى خلط فالج فأقام به مدة طويلة حتى مات فكان يقول: ارحموا من سكت حسه وبطل نصفه. وفيه (٤) نزل السلطان من القلعة وصحبته الأمراء وأرباب الدولة فسار إلى نحو جزيرة أروى ثم توجه إلى بولاق وكان له يوم مشهود، فلما شق من بولاق أمر بهدم ما كان بها من الأخصاص وكانت تضيق الطريق على السالك فهدمت من يومها.

стр. 76

وفيه مات الشيخ شهاب الدين أحمد بن الأوجاقى الشافعي وكان عالما فاضلا ذكيا. - وفيه (١) صرف القاضى صلاح الدين المكينى عن الحسبة وقرر بها قانى باي اليوسفى المهمندار، وكان جماعة من الجلبان ثاروا على المحتسب (٢) فكان هذا سببا لصرفه عن الحسبة وفيه (٣) قدم قاصد من عند ابن قرمان وعلى يده مكاتبة يعتذر فيها عما حصل منه من الخروج عن الطاعة، وأرسل يسأل السلطان فى العفو عنه والصلح معه، فأجابه السلطان إلى ذلك وعاد إليه الجواب مع قاصده. وفي جمادى الآخرة (٤) عين السلطان أيدكى الأشرفي الخاصكي بأن يتوجه قاصدا إلى ابن قرمان. - وفيه (٥) رسم السلطان بالإفراج عن الأمير تمر بغا الظاهري وأخرجه من سجن الصبيبة ورسم له بأن يتوجه إلى مكة المشرفة ويقيم بها، فخرج صحبة الحاج الشامى وتوجه إلى مكة. الحوادث أن في أواخر هذا الشهر وقع حريق ببولاق في يوم الجمعة (٦) وقت العصر فاستمرت النار تعمل من ربع الصاجاتى إلى ربع ناظر الخاص يوسف إلى البوصة التى خلف بولاق فعجز الناس عن طفيها، وقام عقب ذلك ريح أسود عاسف فهيج النار فاحترق نحوا من ثلاثمائة دار وربوع ودكاكين وشون وكان أمرا مهولا جدا، وقيل إن بعض الناس رأى وقت صلاة الجمعة صاعقة عظيمة نزلت من السماء على بعض الأماكن التي ببولاق فاحترق، ثم عملت النار واشتد الأمر حتى جاوز الحد في ذلك، وأقامت

стр. 77

النار تعمل في البيوت نحوا من أسبوع، وكان قد كثر الفسق والفساد ببولاق جدا حتى خرج الناس في ذلك عن الحد، ومن يومئذ تلاشى أمر بولاق وانحط قدرها وكانت من أجل مفترجات الديار المصرية، وكانت هذه الواقعة ابتداء الحريق الذى وقع بعد ذلك بالقاهرة وصار في كل ليلة ونهار يقع الحريق بمصر والقاهرة فى أماكن شتى ولا كان يعلم ما سبب ذلك ولا من كان يفعل هذه الفعال وكثر في ذلك القال والقيل، ووقع في أمر هذا الحريق نوادر وعجائب وغرائب لم يسمع بمثلها قط، وافتقر بسبب ذلك خلق كثير من التجار وغيرها من كثرة حرق البيوت والدكاكين وكان هذا انتقاما من الله تعالى لأهل مصر، وفي ذلك يقول الشهاب المنصوري: طفى على مصر وسكانها … فالدمع من عينى لهذا طليق ما شاهدوا الحشر ولا هوله … فكيف قد ذاقوا عذاب الحريق وفيه (١) توفى الشيخ نجم الدين بن النبيه وهو محمد بن محمد بن محمد القرشى الشاذلى الشافعى، وكان من أعيان نواب الشافعية وولى أمانة الحكم، وكان عالما فاضلا عارفا بصنعة التوقيع وله نظم جيد ومولده سنة سبع وثمانين وسبعمائة، ومن شعره الرقيق قوله: أقسمت بالله لا بالذاريات ولا … بالعاديات ولا بالفجر والغسق إنى أحبك لا أرجو نداك ولا … أخشى أذاك ولا ألقاك بالملق إلا محبة عبد يرتجى أبدا … أن لا يفارق رؤيا وجهك الطلق وفى رجب (٢) أدير المحمل على العادة وساقت الرماحة أحسن سوق، وكان معلم الرماحة جانى بك الظريف، ولكن حصل من المماليك غاية الأذى في تلك الأيام من خطف النساء والمرد وخطف العمائم وغير ذلك. -

стр. 78

وفيه (١) تزايد أمر الحريق بالقاهرة، ونادى السلطان بخروج الغرباء من مصر، وكان أشيع بين الناس أن دواسيسا من عند ابن قرمان تفعل ذلك. وفى شعبان توفى القاضي شرف الدين موسى بن يوسف الصفى ناظر جيش طرابلس وكان رئيسا حشما (٢). - وتوفى (٣) الشيخ شرف الدين يحيى ابن عبد الرحمن العجيسي (٤) المغربى المالكي، وكان من أعيان المالكية وولى تدريس الفقه للمالكية بالخانقاة الشيخونية (٥). وفي رمضان (٦) ثار المماليك الجلبان على الأمير قائم التاجر وهو نازل من القلعة وأحاطوا به وضر به بعض المماليك وما خلص إلا بعد جهد كبير وانقطع بداره مدة لم يركب، وكان لذلك سبب يطول شرحه. - وفيه (٧) كان وفاء النيل وقد أوفا في خامس عشر مسرى، ونزل المقر الشهابي أحمد بن السلطان وفتح السد على العادة. وفى شوال (٨) جاءت الأخبار بهلاك صاحب قبرس وكان اسمه جاكم (٩)، وقد وقع بين أقاربه الخلف بسبب من يلى ملك قبرس. - وفيه (١٠) جاءت

стр. 79

الأخبار من ثغر الإسكندرية بوفاة الخليفة حمزة، وقد تقدم أن السلطان سجنه بثغر الإسكندرية، فأقام بالسجن إلى أن مات في هذا الشهر ودفن على شقيقه العباس الذى ولى السلطنة، وكان تولى الخلافة بمصر نحوا من خمس سنين، ولم يلى الخلافة من بنى العباس من اسمه حمزة غيره وكان لا بأس به. - وفيه (١) خرج المحمل من القاهرة وكان أمير ركب المحمل برسباي البجاسي حاجب الحجاب، وأمير ركب الأول مرجان العادلى مقدم الماليك. - وفيه (٢) توفى قانى باى اليوسفى المهمندار وولى الحسبة أيضا وتوجه رسولا إلى ابن عثمان ملك الروم، وكان أصله من مماليك قرا يوسف صاحب العراقين وكان لا بأس به، وهو والد الناصرى محمد. وفى ذي القعدة (٣) توفى الأتابكى تانى بك البردبكي الظاهري، وكان قد جاوز التسعين سنة من العمر، وكان دينا خيرا قليل الأذى. مات أخلع السلطان على ولده المقر الشهابى أحمد وقرر في الأتابكية (٤) عوضا عن تانى بك الظاهرى بحكم وفاته، فلما قرر في الأتابكية قرر في تقدمته (٥) فلما أخوه الناصري محمد بن السلطان الصغير. - وفيه أنعم على جاني بك المرتد الناصرى (٦)

стр. 80

بتقدمة ألف. وفيه (١) توفى الشيخ المعتقد المجذوب سيدى إبراهيم الزيات وكان له مكاشفات عظيمة. وفيه توفى الشيخ على العجمي المحتسب (٢) المعروف بيار على، وهو على بن نصر الله بن على الخراساني، وكان رئيسا حشما ولى حسبة القاهرة غير ما مرة وكان فى الحسبة محمود السيرة، ومولده سنة ثمانين وسبعمائة وكان لا بأس به. وفي ذى الحجة (٣) كانت وفاة عزيز مصر الجمالى يوسف نانظر الخاص (٤) وهو يوسف بن عبد الكريم بن بركة القبطى المصرى، وكان يعرف بابن كاتب جكم، وكان رئيسا حشما شيخا كريما في سعة من المال، وكان مدبر المملكة ولى عدة وظائف سنية منها الوزارة ونظر الجيش ونظر الخاص وغير ذلك من الوظائف، وكان مولده سنة تسع عشرة وثمانمائة، وقيل كانت مدة حياته نحوا من اثنين وأربعين سنة وأشهر، ومنذ مات وإلى الآن لم يجئ من المباشرين من يخلفه، وقيل إنه مات مسموما، وكان له بر ومعروف وإيثار، ورأى من العز والعظمة في عصره ما لا يسمع بمثله ولما مات أخلع السلطان (٥) على القاضى شرف الدين موسى الأنصارى وقرر في نظر الجيش عوضا عن الجمالى يوسف، وقرر فى نظر الخاص الزيني عبد الرحمن

стр. 81

ابن الكويز عوضا عنه بحكم وفاته (١). - وفيه قدم مبشر الحاج وأخبر عن الحجاج بخير وسلامة، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة ثلاث وستين وثمانمائة فيها في المحرم (٢) قرر في قضاء الحنابلة بدمشق وكتابة سرها العلاى على بن مفلح وقد سعى بمال كثير - وفيه (٣) أخلع على جاني بك نائب جدة باستمراره فى نيابة جدة على عادته وكان قد صرف عنها. - وفيه (٤) قرر فى كتابة المماليك القاضى تاج الدين بن المقسى، وصرف عنها سعد الدين بن عبد القادر البكرى (٥). - وفيه (٦) حدث بالقاهرة زلزلة لكنها كانت خفيفة، ووقع مثلها بالبلاد الشامية وكانت هناك زلزلة شديدة صعبة وقع منها عدة دور ما بين القدس والخليل. - وفيه (٧) جاءت الأخبار بوفاة يشبك النوروزى نائب طرابلس كان، مات بالقدس بطالا. - وفيه (٨) أضيفت شادية الأغنام بالبلاد الشامية إلى ناظر الخاص عبد الرحمن بن الكويز - وفيه توفى الخواجا شهاب الدين أحمد الأنصارى التتاى الشافعي (٩)،

стр. 82

وكان عالما فاضلا، وهو أخو القاضي شرف الدين الأنصاري. وفي صفر (١) أعيد على بن الفيسى إلى الحسبة، وصرف عنها ابن البوشي -- وفيه قرر في قضاء طرابلس جلال الدين الباعوني (٢)، وقرر في نيابة القدس إياس البجاسي (٣) عوضا عن حسن بن أيوب (٤). - وفيه (٥) توفى يشبك الصوفى المؤيدى وكان ولى نيابة طرابلس وأتابكية دمشق وكان لا بأسى به. - وفيه (٦) توفى عالم دمشق وفقيهها الشيخ شمس الدين محمد ابن عبد الله بن خليل البلاطنسى الكردي الشافعي، وكان عالما فاضلا وكان من أهل الخير والصلاح. وفي ربيع الأول توفى الشيخ داود بن سليمان بن حسن أبو الجود بن المزين المالكي الفرضي (٧)، وكان عالما فاضلا بارعا في علم الفرائض والحساب. - وفيه (٨) قدم من الشام القاضى بدر الدين حسن بن المزلق ناظر جيش دمشق، فأخلع السلطان عليه وأقره على عادته. وفي ربيع الآخر جاءت الأخبار من الشام بوفاة قانى باى الحمزاوى نائب الشام (٩)، وكان أصله من مماليك المؤيد شيخ، وولى عدة وظائف

стр. 83

سنية منها أتابكية دمشق وتقدمة ألف بمصر، ثم ولى نيابة حماة ثم نيابة طرابلس ثم نيابة حلب مرتين ثم نيابة دمشق، وكان فى سعة من المال لكنه كان مسرفا على نفسه سفاكا للدماء شديد البأس مضمرا للعصيان، ومات وله من العمر ما يزيد على الثمانين سنة. - وفيه توفى أمير هوارة شرف الدين بن عمر ابن عيسى الهوارى (١)، وكان مالكى المذهب وله اشتغال بالفقه وكان خيار بنى عمر، ومات وله من العمر نحوا من ثمانين سنة. - وفيه (٢) عين السلطان جانم الأشرفى نائب حلب بأن ينتقل إلى نيابة الشام عوضا عن قاني باى الحمزاوى بحكم وفاته، وعين الحاج أينال نائب طرابلس بأن ينتقل إلى نيابة حلب عوضا عن جانم الأشرفى، وعين إياس الطويل نائب حماه إلى نيابة طرابلس عوضا عن الحاج أينال، وعين جانى بك التاجى نائب صفد إلى نيابة حماه عوضا عن إياس الطويل، وعين خاير بك النوروزى نائب غزة إلى نيابة صفد عوضا عن جانى بك التاجى، وقرر فى نيابة غزة برد بك العبد الرحماني أحد مقدمين الألوف بدمشق، وقرر قراجا الخازندار فى تقدمة برد بك من عبد الرحمن بدمشق، فعدت هذه الولايات من حسن تصرفات الأشرف أينال، وهذه على القاعدة الملوكية على حكم القواعد القديمة ولكن كان فيهم بعض ولايات بسعى بمال. - وفيه (٣) رسم السلطان بحضور الزينى أبو الخير النحاس وكان منفيا في البلاد الشامية من حين نفاه الملك الظاهر جقمق. وفي جمادى الأولى أعيد القاضي محب الدين بن الشحنة إلى كتابة السر بمصر (٤)، وصرف محب الدين بن الأشقر وكان ذلك آخر ولايته. - وفيه

стр. 84

تزوج القاضي شرف الدين الأنصارى بخوند زينب ابنة جرباش قاشق زوجة الملك الظاهر جقمق، فعز ذلك على بعض مماليك الظاهر فضرب القاضي شرف الدين ضربا مؤلما فانقطع فى دراه أياما، ثم ركب وطلع إلى القلعة فأخلع عليه باستمراره في نظر الجيش على عادته (١). وفي جمادى الآخرة جاءت الأخبار بوقوع الطاعون بحلب (٢). - وفيه توفى القاضي ناصر الدين محمد النبراوى الحنفى (٣) أحد نواب الحكم، وكان ينهم العيش ويعزم على الأمراء وأعيان الناس ويفتك في اللذات فتكا ذريعا، وكان الزمان يساعده على ذلك. وفى رجب (٤) قبض السلطان على القاضي شرف الدين الأنصاري وسلمه إلى خاير بك الخازندار وصادره وقرر عليه مال وصرفه عن نظر الجيش، وسبب ذلك كون أنه تزوج بخوند زينب بنت جرباش، فقاسي بسبب ذلك محن عظيمة وفيه (٥) أخلع السلطان على برهان الدين ابن الديرى وقرر في نظر الجيش عوضا عن شرف الدين الأنصارى، وقرر في نظر الكسوة أحمد بن عبد الرحمن بن الكويز. وفيه توفى إبراهيم بن محب الدين بن الأشقر كاتب السر (٦)، فلما مات توفى والده محب الدين (٧)

стр. 85

بعده بأيام وقد انقطع عليه فمات في أواخر رجب، وكان محب الدين بن الأشقر رئيسا حشما وله اشتغال بالعلم حنفى المذهب، وولى عدة وظائف سنية منها نظر الجيش وكتابة السر ومشيخة خانقاة سرياقوس وغير ذلك من الوظائف السنية، وكان أصله قرمى يعرف بابن سليمان القرمى، وكان مولده سنة سبع وسبعين وسبعمائة. وفيه أخلع السلطان على حسن بن أيوب وأعاده إلى نيابة القدس (١)، وكان تغير خاطر السلطان عليه وضربه بين يديه بالحوش ثم رضى عليه وأعاده إلى ما كان عليه. وفيه (٢) توفى محب الدين ابن الفاقوسى وكان لا بأس به. - وفيه توفى خاير بك الأشقر المؤيدى (٣) أمير آخور ثاني وكان لا بأس به. وفى شعبان أنعم السلطان على برد بك هجين الظاهرى (٤) بأمرة خاير بك الأشقر. - وفيه (٥) قرر فى الأمير آخورية الثانية يلباى الأينالى عوضا عن خاير بك الأشقر. - وفيه (٦) أفرج السلطان عن القاضي شرف الدين الأنصارى من الترسيم ونزل إلى داره بعد ما أورد جملة مال له صورة. - وفيه (٧) توفى الشيخ شهاب الدين أحمد الأخميمي إمام السلطان، وكان دينا خيرا بارعا في القراءات بالروايات السبع، وهو والد قاضي القضاة الحنفي ناصر الدين محمد الأخميمي. - وفيه جاءت الأخبار بأن الفرنج تعبثت بالسواحل وحصل منهم الضرر الشامل، فتنكد السلطان لهذا الخبر وأشيع بخروج تجريدة إلى الفرنج:

стр. 86

وفي رمضان كان حضور أبو الخير النحاس إلى القاهرة (١) وفيه توفى الشيخ شرف الدين محمد بن أحمد بن الخشاب المخزومى، وكان عالما فاضلا في الفقة والحديث عارفا بالطب وولى تدريسا بجامع ابن طولون وكان من أعيان الشافعية. وفيه (٢) ثار جماعة من المماليك الجلبان على الناس في جامع عمرو وعبثوا على النساء وخطفوا العمائم، وكان ذلك في رمضان، وأفحشوا في ذلك غاية الإفحاش. وفيه (٣) أخلع السلطان على الزيني أبو الخير النحاس وقرره في نظر الذخيرة ووكالة بيت المال فلم ينتج أمره وزال عن قريب. وفيه (٤) قدم ابن صاحب قبرس وطلع إلى السلطان

стр. 87

وسعى في أن يلى فى ملك أبيه عوضا عنه، وكان يسمى جاكم بن جوان (١) وكان حسن الشكل صغير السن جميل الهيئة. - وفيه جاءت الأخبار بأن الطاعون دخل إلى الشام بعد ما فتك في حلب فتكا ذريعا، فأحصى من مات بحلب وضواحيها فكان زيادة على المائتي ألف إنسان (٢). وفى شوال توفى القاضي معين الدين عبد اللطيف بن العجمي الحلبي الشافعي (٣)، وكان رئيسا حشما وولى عدة وظائف سنية منها نيابة كتابة السر بمصر ثم ولى كتابة السر بحلب ثم أعيد إلى نيابة كتابة السمر بمصر ثم مات وهو على ذلك. - وفيه (٤) قرر فى نيابة قلعة حلب عمر بن قاسم القساسي عوضا عن أبيه قاسم بن جمعة بحكم وفاته (٥). - وفيه (٦) كان وفاء النيل ونزل المقر الشهابي أحمد ولد السلطان وفتح السد على العادة. - وفيه (٧) خرج الحاج وكان أمير ركب المحمل برد بك صهر السلطان، وأمير ركب الأول كسباى المؤيدى. وفي ذي القعدة (٨) رسم السلطان بعمارة مراكب بسبب التجريدة التي عينها إلى قبرس، وكان الشاد على عمارة المراكب سنقر قرق شبق الزرد كاشي فأظهر في تلك الأيام التى كان شادا فيها غاية الظلم والعسف وقطع أشجارا من الغيطان غصبا وحصل منه للناس غاية الضرر. - ثم

стр. 88

إن السلطان عين تغرى بردى الطيارى (١) بأن يتوجه إلى قبرس لكشف الأخبار، ثم إن السلطان عرض العسكر وعين من اختار منهم إلى السفر. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة عالم حلب الشيخ محب الدين بن الشماع (٢) محمد بن على ابن أحمد بن إسمعيل الحلبي الشافعي، وكان عالما فاضلا واعظا محدثا علامة عصره بحلب. - وتوفى الشهاب أحمد الشوايطي (٣) بن على بن عمر بن أبي بكر الكلاعي الحميري ثم اليمني الشافعى وكان عالما فاضلا دينا خيرا عارفا بالقراءات. وفى ذى الحجة (٤) توفى الأمير أبو يزيد التمر بغاوى، وأصله من مماليك تمر بغا المشطوب نائب حلب ثم ارتقى حتى صار من جملة الأمراء المقدمين بمصر، فلما مات أنعم السلطان (٥) بتقدمته على سودون الأينالى، وقرر في أمرة سودون خشكلدى القرامى وبقى من جملة الأمراء الطبلخانات. - وفيه وقع الاضطراب بخروج تجريدة إلى قبرس وشرع العسكر في عمل يرق بسبب ذلك، انتهى ذلك (٦). ثم دخلت سنة أربع وستين وثمانمائة فيها في المحرم (٧) فى أول يوم منه كانت وفاة العلامة العالم العامل

стр. 89

الشيخ الصالح جلال الدين المحلى (١) وهو محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم ابن أحمد بن هاشم الشافعي، وكان عالما فاضلا بارعا في العلوم دينا خيرا عارفا بالفقه ولى تدريس الشافعية بالمدرسة البرقوقية والجامع المؤيدى، وألف الكتب الجليلة فى علوم الفقة وغير ذلك على مذهب الشافعي ﵁ وقد خضعت له الناس، وكان مولده سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. وفيه توفى الشيخ مجد الدين أبو السعادات محمد الكتبي إمام الصرغتمشية، وكان حنفى المذهب، ولما مات وجد عنده فوق الأربعة آلاف مجلد، وكان غير ناجب في العلم مع اشتغاله. وفيه (٢) حضر العسكر الذي توجه إلى الجون (٣)، وكان في هذه التجريدة من الأمراء جاني بك كوهيه و مغلباى طاز و برد بك المشطوب وغير ذلك من الجند، ومات في هذه السفرة قانى باى قرا ستقل (٤) وكان لا بأس به، وحضر صحبتهم من الفرنج أسراء نحوا من مائة وخمسين نفر، وكان فيهم قنصل الفرنج (٥)، فرسم السلطان بضرب رقاب جماعة منهم وسجن جماعة، وقيد القنصل وطاب

стр. 90

منه مائة ألف دينار ليفتدى نفسه بها، ثم بعد أيام أطلق وعملت مصلحته في شيء من المال يرده. - وفيه جاءت الأخبار بوصول الطاعون إلى غزة (١) وقد خف من الشام - وفيه توفى الزينى أبو الخير النحاس (٢) وهو محمد ابن محمد بن أحمد بن عبد الله، وكان في مبتداه يبيع النحاس ثم تخلق بأخلاق الفقهاء وقرأ مع المقرئين بالنغم، ثم اتصل بالملك الظاهر جقمق وعظم أمره ووقع له ما تقدم وولى المناصب الجليلة وجرى عليه شدائد ومحن كما تقدم. وفيه صرف العلاى على بن الأهناسى من الوزارة (٣)، وقرر بها فارس الركنى المحمدى عوضا عن العلاى على بن الأهناسى فلم ينتج أمر فارس في الوزارة وعزل عن قريب. وفى صفر عزل فارس من الوزارة وقرر بها منصور بن الصفى القبطى. وفيه توفى علان جلق المؤيدى (٤) أتابك دمشق وكان موصوفا بالشجاعة. وفي ربيع الأول عزل منصور عن الوزارة وقرر بها المقدم محمد الأهناسى (٥) والد الصاحب علاى الدين وكان مختفيا فقرر بها والده فلم ينتج أمره وعزل عن قريب. - وفيه قرر تغرى بردى الأشرفي في نيابة الكرك (٦). - وفيه أنعم السلطان على ابن بنته الناصرى محمد بن برد بك بأمرة عشرة (٧). - وفيه خرجت تجريدة إلى الوجه القبلى، وكان باش العسكر برسباي البجاسي.

стр. 91

وبرد بك صهر السلطان وجماعة من الجند (١) - وفيه (٢) توفى عبد الله الكاشف التركماني البهنسي، وكان من الظلمة الكبار، شرها في الأكل، ويحكى عنه في أمر الأكل العجائب والغرائب، ومات وله من العمر نحوا من ثمانين سنة وزيادة - وتوفى أمير التركمان طوغان بن سقلسيز (٣)، وقرر بعده ولده في أمرته - وفيه توفى (٤) القاضي سعد الدين إبراهيم بن الجيعان وهو إبراهيم بن عبد الغنى بن شاكر بن ماجد القبطي الشافعي، ناظر الخزائن الشريفة وكاتبها، وكان رئيسا حشما وجيها عند الملوك ورأى من العز والعظمة أمرا عظيما جدا، وهو الذي أنشأ المدرسة اللطيفة ببولاق بجوار الحجازية، وكان مولده بعد سنة ثلاثة عشر وثمانمائة، وكان لا بأس به فى بنى الجيعان، وكان له اشتغال بالعلم - وفيه اختفى المقدم محمد الأهناسي الوزير والد الصاحب علاى الدين ولم يحصل منه السداد في الوزارة، فلما اختفى طلب السلطان منصور بن الصفى القبطى وقرره في الوزارة (٥) عوضا عن محمد الأهناسي بحكم اختفائه - وفيه كان المولد الشريف بالقلعة وكان يوما حافلا (٦) - وفيه (٧) أخلع على الزيني عبد القادر بن الجيعان وقرر فى كتابة الخزانة، وقرر الشرفى يحيى بن شاكر بن الجيعان في استيفاء الجيش عوضا عن أبيه برضاه لذلك، وكان الشرفى يحيى خيار بنى الجيعان. وفي ربيع الآخر وقع الطاعون ببلبيس والخانكاه وابتدأ بالقاهرة، وكان

стр. 92

وكان ذلك في قلب الشتاء فى أثناء شهر طوبة وذلك بخلاف العادة فإن الطعن ما يقع إلا فى أمشير فى أوائل فصل الربيع فكان هذا مخالفا للعادة، ثم تزايد ظهور الطاعون بالقاهرة وضواحيها (١). - وفيه اختفى منصور الوزير (٢) وتعطلت لحوم الجند فثارت المماليك الجلبان بسبب ذلك ومنعوا الأمراء من الطلوع إلى القلعة وكادت أن تكون فتنة كبيرة، ثم إن السلطان أخلع على سعد الدين فرج بن النحال وقرره فى الوزارة فسكن الاضطراب قليلا. - وفيه هجم الطاعون بالقاهرة وكثر الموت في الأطفال والمماليك والعبيد والحوار والغرباء وصار الأمر يتزايد في كل يوم (٣). وفيه (٤) توفى الكاتب المجيد محمد أبو الفتح الأنصارى الشافعي، وكان رئيسا حشما فاضلا ناب فى القضاء، وكان إمام الأتابكي أحمد بن السلطان، وكان لا بأس به. - وفيه (٥) ثارت المماليك الجلبان على زين الدين الأستادار وضربوه بالدبابيس ضربا مؤلما حتى كاد أن يهلك فانقطع في داره أياما، وقد أظهر العجز عن القيام بالجوامك، وصار الطعن عمال والمماليك في غاية الأذى للناس لم ينتهوا عما هم فيه. وفي جمادى الأولى (٦) توفى الأمير يونس العلاى الناصري أمير آخور كبير، وكان رئيسا حشما عاقلا محمود السيرة جركسي الجنس، خشداش السلطان هو وإياه من تاجر واحد، فلما مات قرر (٧) في الأمير آخورية الكبرى برسباى البجاسي، وقرر فى تقدمته جرباش كرت أمير

стр. 93

مجلس، وقرر فى تقدمة جرباش كرت جانى بك الظاهرى نائب جدة، وقرر فى حجوبية الحجاب سودون قراقاش عوضا عن برسباي البجاسي وفيه (١) ماتت خوند زينب بنت جرباش الكريمى قاشق زوجة الملك الظاهر جقمق، ثم تزوجت بعده بالقاضي شرف الدين الأنصاري ناظر الجيش وماتت معه، وكانت مليحة عصرها، وكان مولدها سنة ثلاثين وثمانمائة. وفيه (٢) توفى يشبك الظاهرى أحد الأمراء العشرات، مات هو وولده في يوم واحد فأخرجا في نعش واحد وتوفى أيضا الطواشى هلال الظاهري الرومى (٣)، وكان من أعيان الخدام، وولى الزمامية وقد سعى فيها بمال، ومات بطالا وقد افتقر عند موته. وفي جمادى الآخرة (٤) استقر الشهابى أحمد بن القليب في حجوبية الحجاب بطرابلس عوضا عن خشقدم الأردبغاوى مضافا لما بيده من الأستادارية والجهات السلطانية وفيه (٥) عاد تغرى بردى الطياري الذي كان توجه إلى قبرس لكشف الأخبار، وحضر صحبته جماعة من ملوك الفرنج، فعملت الخدمة بالقصر وصعد من حضر من ملوك الفرنج (٦) فلم يلتفت إليهم السلطان

стр. 94

ونزلوا على غير طائل. وفي هذا الشهر تزايد أمر الطاعون جدا، وتعطلت أحوال الناس بسبب كثرة الموت فى الناس من كبير وصغير، وصارت الجنائز تمر فى الشوارع والطرقات كالقطارات وتصف النعوش في المصلات على بعضها وقت الصلاة، ومن الغرائب أن قل من طعن في هذا الفصل وسلم من الموت، وقد كثر الورد في هذه الأيام جدا حتى صاروا يعملون فوق النعوش قواصر من جريد ويغرزوا فيها الورد، وقد تزايد الموت حتى تعطلت أحوال الناس وصار كل أحد يحسب حساب الموت وهانت على الناس أنفسهم، وكان هذا الفصل أقوى من الفصول التي وقعت في أيام الملك الظاهر جقمق، وفي ذلك يقول القائل: أسفى على سكان مصر إذ غدا … للطعن فيها ذات وخز سار الموت أرخص ما يكون بحبه … لكن هذا صار بالقنطار وكان قوة عمله من خارج بابى زويلة إلى الصليبة وما حولها، وقد أقام يعمل هذا الطاعون فى القاهرة نحوا من ستة أشهر ابتداء وانتهاء، فلما كان أول خماسين النصارى أخذ الطعن في التناقص وفيه توفى القاضي زين الدين عبد الرحيم بن قاضي القضاة محمود العيني الحنفي (١)، وكان فاضلا رئيسا حشما وولى عدة وظائف سنية منها نظر الأحباش، وناب في القضاء، ومولده سنة إحدى وثمانمائة، وهو والد الشهابي أحمد بن العينى أمير مجلس كان. وفى رجب خف الموت بالنسبة لما كان أولا وفيه (٢) توفى يشبك

стр. 95

الأشقر الأشر فى أستادار الصحبة. وتوفى قرم خجا الظاهري (١) أحد الأمراء العشرات، وكان أصله من مماليك الظاهر برقوق، وكان لا بأس به. وتوفى برسباي الأينالى المؤيدى أمير آخور ثانى، وكان لا بأس به. وفيه (٢) قرر في أستادارية الصحبة أرغون شاه الأشر في عوضا عن يشبك الأشقر - وفيه (٣) قرر في نظر الأحباس سراج الدين العبادي عوضا عن عبد الرحيم بن محمود العينى. وفيه (٤) قرر في نظر الديوان المفرد تقى الدين بن نصر الله عوضا عن منصور. وفى شعبان ارتفع الطعن من القاهرة جملة واحدة، وقد ضبط عدة من مات فيه من الماليك الجلبان فكانوا نحوا من ألف وخمسمائة مملوك من مماليك السلطان الجلبان فقط. وفيه انحط السعر في الغلال لكثرة من مات من الناس وقد فني في هذا الطاعون من أهل مصر ما لا يحصى من كبار وصغار، وقد أخلا دورا كثيرة من سكانها. وفيه توفى يشبك طاز المؤيدى (٥) نائب الكرك ثم بنى أتابك العساكر بدمشق، فلما مات قرر (٦) في أتابكية دمشق قراجا الخازندار الظاهري. وفيه (٧) قرر في قضاء دمشق الشيخ ولى الدين أحمد البلقيني الشافعى وصرف عنها جمال الدين الباعوني. وفيه (٨) عرض السلطان العسكر وعين منهم جماعة للخروج إلى تجريدة

стр. 96

قبرس لأجل ولاية جاكم بن جوان (١) صاحب قبرس، وعين من الأمراء الأمير يونس الدوادار الكبير صهر السلطان وجعله باش العسكر، وعين سودون قراقاش حاجب الحجاب وقائم التاجر أحد المقدمين، وعين من الأمراء الطبلخانات برد بك البجمقدار وجانى بك الظريف ويشبك الفقيه المؤيدى، ومن العشرات حكم خال الملك العزيز، ومن المماليك السلطانية نحوا من خمسمائة مملوك. وفيه جاءت الأخبار من مكة بوفاة يرشباى الأينالى باش المجاورين بمكة المشرفة (٢)، فلما مات أنعم السلطان بأمرته على دولاتباى حمام الأشرفى، وأنعم على خاير بك من حديد الأشرفى بأمرة عشرة

стр. 97

أيضا (١)، وقرر في باشية مكة طوغان الأشرفى عوضا عن يرشباى الأينالى (٢). وفى رمضان خرج جانى بك نائب جدة إلى مكة وهو فى تجمل زائد ولا سيما بقى من جملة الأمراء المقدمين. - وفيه عين السلطان تجريدة إلى الوجه القبلى بسبب فساد العربان، وكان باش العسكر خشقدم أمير سلاح وجماعة من الجند. - وفيه (٣) توفى زين الدين الفاقوسى وهو عبد الرحمن بن محمد بن حسن الشافعى، وكان عالما فاضلا ماهرا فى تعبير الرؤيا، ومولده سنة ست وثمانين وسبعمائة. - وفيه انتهت عمارة المراكب الأغربة (٤) التي أنشأها السلطان فى جزيرة أروى بسبب التجريدة المعينة إلى قبرس، وكان الشاد على عمارتها سنقر قرق شبق الزرد كاش فحصل منه للناس غاية الأذى والظلم من قطع أشجار الغيطان وغير ذلك (٥). - وفيه (٦) أمر السلطان بعقد مجلس بالقلعة وحضر القضاة الأربع بين يدى السلطان بسبب منصور ابن الصفى وزين الدين الأستادار وادعى عليه عدة دعاوى فاعترف زين الدين ببعضها وأنكر البعض وحلف عليها، وانفصل المجلس على غير طائل. وفيه قرر في نيابة قلعة حلب ابن جبارة (٧) عوضا عن عمر بن محمد بن جمعة القساسي بحكم وفاته (٨). - وفيه خسف جرم القمر خسوفا تاما (٩). وفى شوال عين السلطان الأمير برسباى البجاسى أمير آخور كبير وعين كزل المعلم بأن يتوجه إلى ثغر الإسكندرية (١٠) لجمع المراكب التي بالمنيا

стр. 98

وكذلك المراكب التي بثغر دمياط بسبب العسكر - وفيه نزل السلطان من القلعة فى موكب حافل ومعة الأمراء وأرباب الدولة وشق من الصليبة وتوجه إلى نحو جزيرة أروى ليكشف على عمارة المراكب (١) فكشف عليها وأخلع على سنقر الزردكاش وعلى جماعة من النجارين ثم عاد إلى القلعة وكان له يوم مشهود. - وفيه نفق السلطان على العسكر نفقة السفر (٢). وفيه كان وفاء النيل المبارك وقد أوفا حادى عشر مسرى (٣) ونزل الأتابكي أحمد بن السلطان وفتح السد على العادة - وفيه خرج العسكر والأمراء المعينون إلى قبرس وصحبتهم جاكم بن ملك قبرس (٤) - وفيه خرج الحاج على العادة (٥)، وكان أمير ركب المحمل تمر باى ططر، وأمير ركب الأول تنم الحسنى، وكل منهما كان أمير عشرة يومئذ، وما كان عادة أمير ركب المحمل إلا أن يكون مقدم ألف - وفيه (٦) توفى زين الدين

стр. 99

عبد الرحمن الأبوتيجي الفرضى الشافعي، وكان علامة في الفرائض والطب. - وفيه قبض السلطان على زين الدين الأستادار ورسم عليه في البحرة وعين منصور للأستادارية، ثم بعد أيام أفرج عن زين الدين الأستادار وقد تعصب له بعض المماليك الجلبان فأعاده إلى الأستادارية (١). وفي ذي القعدة جاءت الأخبار بقتل ابن غريب أحد أعيان عربان الوجه القبلى (٢). - وفيه (٣) قرر الشيخ بدر الدين أبو السعادات بن البلقيني في نظر خانقاة سعيد السعداء، عوضا عن القاضي زين الدين أبي بكر بن مزهر، وكانت هذه سبب العداوة بينهما. - وفيه (٤) اختفى زين الدين الأستادار وقد عجز عن سد الجوامك، فأخلع السلطان على منصور وقرر في الأستادارية. وفى ذى الحجة ماتت خوند أسية (٥) بنت الملك الناصر فرج بن برقوق، وكانت أمها جارية حبشية اسمها ثريا، وكانت أسن" من أختها خوند شقر. - وفيه توفى مازى وهو من مماليك الظاهر برقوق، وكان نائب الكرك، وكان موصوفا بالشجاعة مقداما في الحرب. - وتوفى عقيب الفصل جماعة كثيرة من الأينالية المتمردين، منهم ماماى أحد الدوادارية، ومغلباى الأقطش أحد خواص السلطان، وتمراز كفت، وقانى باى قرا وكان من المتمردين وقيل لما مات خلقوا حيطان حارة الديلم بالزعفران، وبرسباى الأعوج قيل لما سمعوا الناس مديره (٦) نقطوه بالفضة وقد سر بموته غالب الناس، ومات بالطاعون جماعة كثيرة من الجلبان السلطانية المتمردين وأراح الله الناس منهم، انتهى ذلك.

стр. 100

ثم دخلت سنة خمس وستين وثمانمائة فيها (١) في المحرم جاءت الأخبار بوفاة الأمير سودون قراقاش المؤيدى (٢) حاجب الحجاب الذي توجه إلى قبرس، وكان توعك أياما ومات هناك فقدم خبره، وكان لا بأس به في الأتراك - وفيه وصل الحاج (٣) وقد تأخر عن العادة بيومين - وفيه صرف القاضى برهان الدين بن الديري عن نظر الجيش، وقرر بها الزينى أبو بكر بن مزهر. - وفيه حضر جماعة من الماليك السلطانية الذين توجهوا إلى قبرس (٤) وأخبروا بأن الأمراء والعسكر لما توجهوا إلى قبرس هبت عليهم أرياح عاصفة ففرقت المراكب وذهبت كل مركب إلى جهة من البلاد وأن بعض المراكب واصل إلى ساحل الطينة ولا يعلم للباقى خبر. وفى صفر توفى جانى بك النوروزى (٥) نائب الإسكندرية، وكان رئيسا حشما وولى عدة وظائف منها نيابة بعلبك وباش المجاورين ونيابة الإسكندرية وغير ذلك من الوظائف - وفيه (٦) وصل برد بك عرب الأشرفي الخاصكي وكان مع العسكر فى قبرس، فأخبر أن الأمير يونس البواب واصل عن قريب وقد ترك جماعة من العسكر بقبرس وجعل عليهم جاني بك الأبلق.

стр. 101

الظاهرى أحد أعيان الخاصكية باشا، وأخبر أن جماعة كثيرة من العسكر ماتوا بالطاعون. - وفيه (١) قرر كسباى السمين في نيابة الإسكندرية. - وفيه (٢) قرر خاير بك القصر وى والى القاهرة فى نيابة القلعة وقرر فى الولاية على بن الفيسي، وقرر في الحسبة تم رصاص الظاهري وقد سعى فيها بمال وفيه كان وصول الأمير يونس الدوادار الكبير هو وبقية الأمراء والعسكر، فطلع إلى القلعة وأخلع (٣) عليه السلطان خلعة سنية وعلى بقية الأمراء ونزلوا من القلعة فى موكب حافل، ولكن شق ذلك على بقية الأمراء كون أن الأمير يونس لم يظهر منه نتيجة في هذه الغزوة وترك العسكر هناك وجاء مسرعا من غير إذن من السلطان فصار في مقت من الأتراك. وفيه (٤) أنعم السلطان على يلباى الأينالى المؤيدى بتقدمة سودون قراقاش، وقرر في أمرة يلباى تمر باى ططر، وأنعم على جاني بك قلق سز بأمرة عشرة وكذلك على دولات باى سكسان. وفيه (٥) قرر في حجوبية الحجاب بيبرس الأشرفي خال الملك العزيز عوضا سودون قراقاش، وقرر فى الأمير آخورية الثانية برد بك هجين الظاهري، وقرر في الأمير آخورية الثالثة قراجا الطويل أحد مماليك السلطان. وفي ربيع الأول عمل السلطان المولد الشريف (٦) على العادة وحضر الأمراء والقضاة الأربع. وفيه (٧) قرر في أمرة الحاج بالمحمل مغلباى

стр. 102

طاز المؤيدى، وفى أمرة الأول تانى بك البواب - وفيه توجه الأتابكي أحمد بن السلطان إلى السرحة (١) وكان صحبته أخوه الناصري محمد وعدة من الأمراء، وكان لخروجه يوم مشهود - وفيه (٢) صرف سعد الدين فرج من الوزارة، وأعيد إليها العلاى على بن الأهناسي. - وفيه (٣) جاءت الأخبار بوقوع فتنة كبيرة بالوجه القبلى بين الأمير أحمد بن عمر وبين أخيه يونس ودخل بينهما ابن عمهما سليمان فاتسع الأمر، فلما أن بلغ السلطان ذلك عين لهم تجريدة ثقيلة - وفيه (٤) تغير خاطر السلطان على القاضي صلاح الدين ابن بركوت المكيني، فأمر بسجنه فسجن بسجن الرحبة، وذلك بسبب وقف قد استبدله، فأقام فى السجن يوما ثم أطلق وقرر عليه جملة من المال حتى أطلق، وقام فى ذلك خوند الخاصبكية زوجة السلطان. وفي ربيع الآخر عين السلطان الطواشي شاهين غزالى الظاهرى بأن يتوجه إلى دمشق (٥) بسبب ضبط موجود زوجة قانى باى الحمزاوى نائب الشام وقد ورد الخبر بموتها - وفيه (٦) عاد الأتابكي أحمد بن السلطان من السرحة فزينت له القاهرة، وكان لدخوله يوم مشهود، ونزل من القلعة في موكب حافل، فأخذ الناس يلهجون بتمام سعده وأن السلطان يزول عقيب ذلك وكذا جرى، ففى ذلك اليوم مات الناصري محمد بن أيتمش الخضرى ابن أخت خوند زينب زوجة الملك الأشرف أينال فانقلب في ذلك اليوم السرور بالعزاء وكان مبتدأ أنكادهم، وكان الناصرى محمد بن الحضرى رئيسا حشما منهمكا في اللذات يميل إلى المغناء وشرب الراح، ثم قرب موته أظهر التوبة واشتغل بالعلم على مذهب الحنفية وأخذ عن الشيخ تقي الدين الشمنى ومات وهو على خير وتوبة فكان كما قيل:

стр. 103

لن ترجع الأنفس عن غيها … حتى ترى منها لها واعظ وفيه توفى، أو في الشهر الذي قبله، الأديب البارع الشهاب أحمد بن الشاب التايب، وكان لطيف الذات عشير الناس، جيد النظم والخط، وله شعر رقيق جدا، وفيه يقول الشهاب المنصوري: قل لشهاب الدين يا قانعا … بالعقل كنزا والحيا قوتا كم فقت في نظمك يا سيدى … درا وفي خطك ياقوتا فأجابه عن ذلك: لا غرو إن أصبحت نشوانا بما … أهديت من شعر إلى رقيق فلقد أدير على من ألفاظه … بالدر والياقوت كاس رحيق ومن نظمه الرقيق وهو قوله: توار و اختفى ليرى ويصغى … إلى ما نحن فيه رشا مدلك فعامل قده استخفى ولكن … علينا سيف ناظره تسلك وقوله: الله ظبي له لحظ بأسهمه … رمى فؤادا شكى منه عيا وعنا رنا فأبصرت قوسى حاجبه وقد … توافقا في قتال الصب وقت رنا وفيه جاءت الأخبار من قبرس بأن جانى بك الأبلق ظفر بجماعة من أهل شيرينة (١)، وأن تانى بك الترجمان أخذ المال الذي أورده جاكم ملك قبرس وقصد التوجه إلى مصر، فلما ركب البحر خرج عليه جماعة من عند أخت جاكم ملك قبرس فأخذوا ما كان معه من المال وأسروه (٢)، فلما

стр. 104

بلغ السلطان هذا الخبر شق عليه وعين تجريدة ثانية إلى قبرس (١) وفيه (٢) قرر فى ولاية القاهرة أينال الأشقر اليحياوى الظاهرى، وصرف عنها على بن الفيسي. وفي جمادى الأولى فى ثالثه ابتدأ السلطان في مرضه الذي مات به فلزم الفراش من يومه وصار الألم كل يوم فى تزايد، فأرسلوا خلف الأمير برد بك صهر السلطان، وكان توجه إلى الطينة (٣) هو والناصري محمد نقيب الجيش ليكشفا عن مكان على ساحل البحر المالح لينشئ به السلطان برجا لاجل طروق الفرنج للسواحل. - وفيه (٤) تزايد مرض السلطان حتى أشيع موته وكثر القال والقيل بين الناس، فنزل أينال الأشقر من القلعة وشق القاهرة ونادى بالأمان والاطمان وأن أحدا لا يكثر كلاما فيما لا يعنيه، فسكن الاضطراب قليلا - فلما اشتد المرض بالسلطان وظهرت عليه علامات الموت تكلم جماعة من خواصه معه بأن يخلع نفسه من الملك ويولى ولده الأتابكى أحمد، فأجاب إلى ذلك، ثم نزل الأمر عن لسانه بحضور الخليفة والقضاة الأربع، ثم طلب أرباب الدولة من أهل الحل والعقد، فلما تكامل المجلس (٥) دخلوا على السلطان وهو في النزع فشهدوا عليه بخلع نفسه من السلطنة وأن يسلم الأمر إلى ولده الأتابكى أحمد فأشهد على نفسه بذلك، ثم أن الخليفة بايع الأتابكى أحمد بالسلطنة، وأحضر إليه شعار السلطنة فأفيض عليه وركب من الدهيشة قاصدا للقصر الكبير، وكان من أمره ما سنذكره في موضعه. - فأقام السلطان أينال بعد سلطنة ولده يوما وليلة.

стр. 105

حتى مات، فكانت وفاته فى يوم الخميس بعد العصر وذلك في خامس عشر جمادى الأولى سنة خمس وستين وثمانمائة (١)، ومات بألم المحاشم، ولما مات بعد العصر دفن فى أواخر ذلك اليوم فى تربته التى في الصحراء (٢) التى أنشأها الجمالى يوسف ناظر الخاص، فلما صلوا عليه بالقلعة ونزلوا به من سلم المدرج قعد الناس لرؤيته وكثر عليه الحزن والأسف والبكاء، وكان له من العمر لما توفى نحوا من إحدى وثمانين سنة، وكانت مدة إقامته فى السلطنة بالديار المصرية والبلاد الشامية ثمان سنين وشهرين وستة أيام، وعاش هذه المدة وهو في أرغد عيش بين أولاده، وكان غالب الأمراء أصهاره، وخضع له الأمراء والعسكر قاطبة، وصفا له الوقت فى مدة سلطنته حتى مات وهو على فراشه، فكان كما قيل: هى الدنيا إذا كملت … وتم سرورها خذلت وتفعل بالذين بقوا … كما فيمن مضى فعلت ولما مات خلف من الأولاد أربعة وهم الأتابكى أحمد الذي تسلطن بعده، والمقر الناصرى محمد أخوه الصغير، وابنته خوند بدرية زوجة برد بك، وابنته خوند فاطمة زوجة الأمير يونس البواب الدوادار الكبير وكان صفة الأشرف أينال طويل القامة، ذرى اللون، عربى الوجه، خفيف العوارض، وكان يعرف بأينال الأجرود، ولم يتزوج سوى بأم أولاده خوند زينب بنت خاص بك وكان الأشرف أينال ملكا هينا لينا قليل الأذى، ولولا جور مماليكه في حق الناس لكان خيار ملوك

стр. 106

الجراكسة، وكان كل من يقع له من الزغلية يوسطه، وأصلح معاملة الفضة في أيامه وأبطل بقية المعاملات كلها، وكان قليل المصادرات لأرباب الدولة بالنسبة إلى غيره من الملوك، وكانت أيامه كلها لهو وانشراح، مع أنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب فكان يخط له كاتب السر على المراسيم حتى يمشى عليها بالقلم ويتبع الرسوم، وكان عاقلا سيوسا حليما عارفا بأمور المملكة ينزل الناس منازلهم، وكان غير سفاك للدماء حتى قيل أنه لم يسفك دما قط في أيام سلطنته بغير وجه شرعى وهذه من النوادر الغريبة، لكنه كان عنده شح زائد ومسك يد، وكان خاليا من العلم وقراءة القرآن ورب إنه ما كان يحسن قراءة الفاتحة، والغالب عليه العجمة فى لسانه، عاريا عن الفضائل في أمور الدين، ومن محاسنه أنه زاد الكسوة للجند حتى بقيت ثلاثة آلاف درهم، ومن محاسنه إصلاح المعاملة في نقود الفضة وكانت قد كثر فيها الغش وكانت دولته ثابتة القواعد. أما قضاته الشافعية فالقاضي علم الدين صالح البلقيني وناهيك به في الشافعيه وأما قضاته الحنفية فشيخ الإسلام سعد الدين سعد الديري وناهيك به في الحنفية وأما قضاته المالكية فالقاضي ولى الدين السنباطي الأموى، ثم السيد الشريف حسام الدين بن حريز وأما قضاته الحنابلة فالقاضي عز الدين أحمد بن نصر الله الحنبلي. وكان الأشرف أينال ماشيا فى أيام سلطنته على القواعد القديمة في أشياء كثيرة من أفعاله، وكان ولده أتابك العساكر، وصهره دوادار كبير، ونواب البلاد الشامية فى قبضته، وكان الجمالى يوسف ناظر الخاص مدبر مملكته كما كان القاضى عبد الباسط فى دولة الأشرف برسباي، وكان ينقاد إلى الشريعة ويحب العلماء قليل العزل للقضاة وأرباب الوظائف، وكان معظم مساوئه من مماليكه الجلبان وفى الجملة كان الأشرف أينال خيار ملوك الجراكسة في الحلم ولين الجانب وكثرة الاحتمال وقلة الغضب وعدم البطش والجبروت والتكبر، وكان الغالب عليه الحلم، ولم يكن شديد البأس انتهى ما أوردناه من أخبار الملك الأشرف أينال العلاى وذلك على سبيل الاختصار، ولما مات تولى بعده ابنه الأتابكي أحمد.

стр. 107

ذكر سلطنة الملك المؤيد أبي الفتح شهاب الدين أحمد ابن الملك الأشرف أينال العلاى الظاهري وهو السابع والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو الثالث عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم في العدد، بويع بالسلطنة في حياة والده، وتسلطن ووالده فى قيد الحياة وأقام بعد سلطنة ولده أياما حتى مات. وكانت صفة مبايعته بالسلطنة أن أباه لما أشرف على الموت طلع الأمير برد بك صهر السلطان واجتمع بخوند زوجة السلطان وذكر لها أن الأحوال فاسدة والأمور فى اضطراب ومن الرأى أن السلطان يعهد إلى ولده بالسلطنة، فدخلت خوند على السلطان وهو في النزع وذكرت له ذلك، فأمر بإحضار الخليفة والقضاة الأربع فحضر الخليفة الجمالى يوسف والقضاة الأربع وهم علم الدين صالح البلقيني الشافعي وسعد الدين الديرى الحنفى وحسام الدين بن حريز المالكي وعز الدين الحنبلى، وحضر أرباب الدولة من أصحاب الحل والعقد، فلما تكامل المجلس دخل بعض الشهود على السلطان وشهد عليه بخلع نفسه من السلطنة وتولية ولده فأجاب إلى ذلك (١). ثم أن الخليفة بايع الأتابكى أحمد بن السلطان عوضا عن أبيه الأشرف، وتلقب بالملك المؤيد، فلما تمت له البيعة أحضر إليه شعار الملك وهي العمامة السوداء والحبة والسيف البداوى فأفيض عليه الشعار وقدمت إليه فرس النوبة وركب من باب الدهيشة، وحمل الأمير خشقدم أمير سلاح على رأسه القبة والطير وقد ترشح أمره بأن يلى الأتابكية، فلما ركب الدهيشة مشت قدامه الأمراء قاطبة والخليفة عن يمينه حتى دخل القصر الكبير فنزل

стр. 108

عن فرسه وجلس على سرير الملك وباس له الأمراء الأرض من كبير وصغير ودقت له البشائر بالقلعة، ثم نزل الوالى ونادى فى القاهرة بالدعاء إلى الملك المؤيد فارتفعت له الأصوات بالدعاء، وكان محببا للناس قليل الأذى، ثم أخلع على الخليفة والأمير خشقدم ونزلا إلى دورهما، وكان له من العمر لما ولى السلطنة نحوا من ثمانية وثلاثين سنة أو يزيد عن ذلك، وكانت أمه خوند زينب بنت خاص بك، وكان كامل الهيئة، حسن الشكل، أبيض اللون مستدير اللحية، أسود الشعر، طويل القامة، غليظ الجسد، وكان كفوا للسلطنة وزيادة (١)، وكان عليه مهابة ووقار، ولكن لم يساعده الزمان وجنى عليه وخان، فكان كما قيل: إذا طبع الزمان على اعوجاج … فلا تطمع لنفسك في اعتدال فلما تم أمره في السلطنة عمل الموكب وجلس على سرير الملك، وفيه يقول القائل في المعنى: بمهجتي أفدى مليكا غدا … مؤيدا بالنصر كالشمس فلو تراه فوق كرسيه … لقلت هذا آية الكرسى ثم أخذ في تدبير ملكه وأخلع على من يذكر من الأمراء (٢) وهم المقر السيفى خشقدم أمير سلاح فقرره في الأتابكية عوضا عن نفسه وخرج له مكتوب (٣) بإقطاعه الذى كان بيده، وأخلع على جرباش المحمدى المعروف بكرت وقرره في أمرة السلاح عوضا عن خشقدم، وأخلع على قرقماس الجلب وقرره في أمرة مجلس عوضا عن جرباش كرت، وأخلع على قانم التاجر وقرر رأس نوبة النوب عوضا عن قرقماس الجلب، وقرر في تقدمة جرباش كرت بيبرس خال الملك العزيز ثم شغرت عنده تقدمة فأراد ينعم بها على صهره الأمير برد بك الدوادار الثانى، فوقف إليه جاني بك الظريف

стр. 109

وباس الأرض وطلب التقدمة التي شغرت، فأبى السلطان من ذلك، وحصل بين جاني بك الظريف وبين الأمير يونس الدوادار في ذلك اليوم تشاجر بسبب ذلك، ونزل جانى بك الظريف من القلعة على غير رضا، وكان ذلك سببا لسرعة زوال الملك المؤيد عن قريب. - ثم إن السلطان نادى في الحوش للعسكر بأن نفقة البيعة فى يوم الثلاثاء عشرين هذا الشهر لكل مملوك مائة دينار فسر الجند بذلك وارتفعت له الأصوات بالدعاء هذا كله جرى ووالده الأشرف فى قيد الحياة إلى أن مات في يوم الخميس بعد العصر وذلك في خامس عشر جمادى الأولى من تلك السنة، فلما مات شرعوا في تجهيزه وأخرجوه عند باب الستارة، وصلى عليه الخليفة يوسف وولده الملك المؤيد أحمد، ثم نزلت جنازته من سلم المدرج وتوجهوا به إلى تربته التي أنشأها في الصحراء كما تقدم. - ثم إن السلطان بعث نفقات الأمراء (١) فحمل للأتابكى خشقدم أربعة آلاف دينار (٢)، ولأرباب الوظائف من المقدمين الألوف لكل واحد ألفين وخمسمائة دينار، ولبقية المقدمين لكل واحد منهم ألفين دينار، وحمل للأمراء الطبلخانات لكل واحد منهم خمسمائة دينار، وحمل إلى الأمراء العشرات لكل واحد منهم مائتي دينار، ثم نفق على الجند على العادة القديمة من مائة دينار إلى ما دون ذلك إلى عشرة دنانير ثم أن السلطان أنعم على يشبك البجاسي الأشرفي بتقدمه ألف (٣)، ويشبك هذا كان من مماليك الأشرف أينال، وكان في أيام استاذه مقدم ألف بحلب، ثم حضر إلى القاهرة فبقى مقدم ألف بمصر. وفي جمادى الآخرة عين السلطان جماعة من خواصه من الأمراء والخاصكية بالتوجه إلى البلاد الشامية وغيرها ببشارة سلطنته إلى النواب وغيرهم (٤).

стр. 110

وفيه جاءت الأخبار من قبرس بأن جانى بك الأبلق الذى كان مقيما بقبرس مع جماعة من المماليك السلطانية أرسل يخبر بأن أخت جاكم صاحب قبرس فرت إلى رودس لتستنجد بصاحبها ليمدها بعسكر حتى تحارب أخاها جاكم وتأخذ منه مدينة شيرينة (١)، وأرسل جانى بك الأبلق يستحث السلطان فى إرسال تجريدة تنجده سريعا، وكان يظن أن الأشرف أينال فى قيد الحياة. - وفيه (٢) أخلع السلطان على مجد الدين بن البقرى وقرره فى الأستادارية عوضا عن منصور بن الصفى بحكم صرفه عنها، وهذه أول ولاية مجد الدين للوظائف السنية … وفيه توفى الطواشي مرجان العادلى (٣) مقدم المماليك، وكان حبشى الجنس وعنده شدة بأس وعسوفة زائدة، فلما مات قرر فى تقدمة المماليك جوهر النوروزى (٤) على عادته وفيه توفى جميل بن أحمد بن عميرة (٥) شيخ عرب الكفور بالغربية، وكان ظالما عسوفا وكان فى سعة من المال وهو بخيل جدا. - وفيه توفى الصاحب سعد الدين فرج بن ماجد النحال (٦)، وكان أصله من الأقباط، وولى عدة وظائف سنية منها الوزارة والأستادارية غير ما مرة، وولى أيضا كتابة المماليك وغير ذلك من الوظائف، وكان رئيسا حشما دينا خيرا مشكورا فى مباشراته، وكان عنده حدة مزاج فى ذاته، ومولده سنة إحدى وثمانمائة. - وفيه (٧) كان قراءة تقليد السلطان بالقصر الكبير وحضر الخليفة والقضاة الأربع وأرباب
следующие страницы →