← История

История · id 30074

نزهة الأمم في العجائب والحكم

ابن إياس

Полный текст (334 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أحس التمساح بذلك الطائر قبض فاه على ذلك الطائر، فيضربه الطائر بتلك الأبرتين في سقف حلقه فيفتح، فيطير ذلك الطائر من جوفه، وتكون تلك الدويبة المقدم ذكرها قد كمنت له فى الرمل، فتدخل فى جوفه فيخبط التمساح بنفسه على الأرض ويطلب البحر فلا تزال عليه حتى تحزق جوفه، وتخرج منه وربما قتل نفسه قبل أن تخرج من جوفه، وتخرج بعد موته، وهذه الدويبة نحو الذراع على صورة ابن عرس، ذات قوائم شتى ومخالب. ويقال أنه كان بجبال فسطاط مصر طلسم معمول برسم التمساح لا يستطيع الحركة عنده، بل كان إذا قرب منه انقلب واستلقى على ظهره، فيبعثون الصبيان به إلى أن يجاوز ذلك الطلسم ثم يعود إلى حاله أو يموت، وهذا الطلسم كسر فبطل فعله. ويقال أن التمساح يبيض كبيض الأوز، وربما تولد منه جرادين صغار، ثم تكبر حتى تبلغ طولها عشرج أشبا، والتمساح بجامع انتاتيه ستين مرة فى حركة واحدة ومحل واحد، والله أعلم. *** ذكر طرف يسيرة من تقدمه المعرفة بحال النيل فى كل سنة قال ابن رضوان (١) فى شرح الأربع وقد يحتاج أمر النيل إلى شروط منها: أن تكون الأمطار متوالية فى نواحى الجنوب قبل مدة وفى وقت مدة، ولذلك وجب أن يكون النيل متى كانت الزهرة وعطارد مقرنين فى مدخل الصيف، كثرة الزيادة لرطوبة الهواء ومتى كان المريخ أو بعض المنازل فى ناحية الجنوب فى مدخل الربيع أو الصيف، كانت الأمطار قليلة فى تلك الناحية، ومنها أن تكون الريح شمالية لتوقف جريه، فأما الجنوبية فأنها تسرع إنحداره ولا تدعه يلبث، فإذا علمت ما يكون فى ناحية الجنوب من كثرة الأمطار أو قلتها، وفى ناحية مصر من هبوب الرياح فى فصلى الربيع والصيف فقد علمت بحال النيل كيف تكون فى تلك السنة بمصر من الخصب والجدب.

стр. 107

وقال بطليموس: إذا أردت أن تعلم مقدار مد النيل فى الزيادة والنقصان، فانظر حين تحل الشمس برج السرطان إلى الزهرة وعطارد والقمر، فإن كانت أحوالها جيدة وهي برية من النحوس، فالنيل بمد ويبلغ الحاجة به، وإن كانت أحوالها بخلاف ذلك وهى ضعيفة فانكسر القول، فإن ضعف بعضها وصلح البعض توسط الحال فى النيل، والضابط أن قوة الثلاثة تدل على تمام النيل، وضعفها علي توسطه وإنتخاسها أو احتراقها أو وقوعها فى بعدها إلا بعد من الأرض، دل على النقص وأنه قليل جدا، إلا أن احتراق الزهرة فى برج الأسد يستنزل الماء من الجنوب. وقالت القبط: ينظر أول يوم من شهر برمودة، ما الذى يوافقه من أيام الشهر العربى، فما كان من الأيام فزد عليه خمسة وثمانين يوما، فما بلغ حد سدسه فإنه يكون عدد مبلغ النيل فى تلك السنة من الأذرع. قالوا: ومن المعتبر أيضا فى أمر النيل أن ينظر فى اليوم الذى يفطر فيه النصارى اليعاقبة بمصر ما بقى من الشهر العربى، فرد عليه أربعا وثلاثين فما بلغ أسقطه أثنى عشر فهو زيادة النيل من الأذرع فى تلك السنة مع الأثنى عشر وأن بقى أثنا عشر فهى سنة ديئة وقالوا: إذا كان العاشر من الشهر العربى موافقا لشهر أبيب والقمر فى برج العقرب فإنه كان مقارنا لقلب العقرب كان النيل مقصرا وإلا فهو جيد. *** ذكر عيد الشهيد وما كان يعمل بمصر يوم عيد الشهيد ومن المعتبر فى ذلك الذى جريته الناس وضح أن ينظر أول يوم من مسرى كم مبلغ النيل فزد عليه ثمانية أذرع، فما بلغ فهو زيادة النيل فى تلك السنة. وما يزعم نصارى الوجه القبلى إنه مجرب فى أمر النيل، أن يؤخذ قبل عيد ميكائيل بيوم فى وقت الظهر من الطين، الذى مر عليه ماء النيل قطعة زنتها ستة عشر درهما، سواء وترفع فى إناء مغطى إلى بكرة يوم عيد ميكائيل، وتوزن فما زاد عليه وإنها من الخراريب، لكل خروبة ذراع، ومع ذلك

стр. 108

فلابد من أخذ شئ من دقيق القمح، واعجنه بماء النيل فى إناء فخار قد عمل من طين مر عليه النيل، واتركه مغطى طول ليلة عيد ميكائيل، فإذا وجدته يوم العيد قد اختمر بنفسه، كان النيل فى تلك السنة ويعتبر مع ذلك بكرة يوم عيد ميكائيل إلى الهواء، فإن مر طيابا فهو نيل جيد وأن هب غير طياب فهو نيل مقصر لا سيما أن هب مر يسبا فإنه يكون غير كاف، ويعتبر أيضا إذا مطر مطر فى شهر بابه ولو مطر قليل، فإنه ينظر أى يوم من أيام الشهر القبطى فى العدد فإنه يبلغ الويبة (١) القمح تلك السنة من الدراهم بعدد ما مضى من أيام شهر بابه. وقد جرب ذلك فى بعض السنين عند وقوع المطر فى بابه يوم الخمس عشر منها، فابيعت الويبة القمح فى تلك السنة بخمسة عشر درهما. وكان من انزه فرج مصر وهو اليوم الثامن من شهر بشنس أحد شهور القبط، ويزعمون أن النيل بمصر لا يزيد فى كل سنة حتى يلقى النصارى فيه تابوتا من خشب فيه أصبع من أصابع من قد هلك من أسلافهم الموتى، ويكون كذلك اليوم عيدا ترحل إليه النصارى من جميع القرى، ويركبون فيه الخيل ويلعبون عليها، وتخرج عامة أهل القاهرة ومصر على إختلاف طبقاتهم وينصبون الخيم على شطوط النيل، فى الجزائر، ولا يبقى مغن ولا مغنية ولا صاحب لهو ولا رب ملعوب ولا بغى ولا مخنث ولا ماجن ولا خليع ولا متفرج ولا فاسق، إلا يخرج لهذا العيد. فيجتمع عالم عظيم لا يحصيهم إلا خالقهم، وتصرف أموال لا تنحصر ويتجاهروا هناك، بما لا يبتغى شرحه من المعاصى والفسوق، وتثور فتن وتقتل اناس، ويباع من الخمر خاصة فى ذلك اليوم بما ينيف على مائة ألف درهم فضة عنها خمسة آلاف دينار ذهبا، وباع نصرانى فى يوم واحد بمائتى ألف درهم فضة من الخمر خاصة. وكان اجتماع الناس لعيد الشهيد دائما بناحية شبرا من ضواحى القاهرة، وكان اعتماد فلاحى شبرا دائما فى وفاء الخراج على ما يبيعونه من الخمر فى عيد الشهيد. ولم يزل ذلك الحال على ما ذكر من الاجتماع إلى أن كانت سنة أثنين وسبعمائة - والسلطان يومئذ بديار مصر الملك الناصر محمد بن قلاوون والقائم بتدبير الدولة الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وهو يومئذ أستا دار العالية (٢) بمصر، والأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة بديار مصر فقام الأمير بيبرس المذكور فى أبطال ذلك قياما عظيما،

стр. 109

وكان إليه أمور ديار مصر مفوضة هو والأمير سلار، والناصر تحت حجرهما لا يقدر شبع بطنه إلا من تحت أيديهما. فتقدم أمر الأمير بيبرس ألا يرمى الأصبع فى النيل ولا يعمل له عيد، وندب الحجاب ووالى القاهرة لمنع الناس من الاجتماع بشيرا على عاداتهم، وخرج البريديونى إلى سائر أعمال مصر وأعمال مصر ومعهم الكتب إلى الولاة باجهار النداء وإعلانه فى الأقاليم بأن لا يخرج أحد من النصارى ولا يحضر لعمل عيدا الشهيد. فشق ذلك على أقباط مصر كلهم، ممن أظهر منهم الإيمان ومن هو باق على نصرانيته، ومشى بعضهم إلى بعض. وكان منهم رجل يعرف بالتاج بن سعيد الدولة يعانى الكتابة، وهو يومئذ فى خدمة الأمير بيبرس، وقد احتوى على عقله، واستولى على جميع أموره، فما زال الأقباط بالتاج إلى أن تحدث مع مخدومه الأمير بيبرس فى ذلك، وخيله من اتلاف مال الخراج إذا أبطل هذا العيد، فإن أكثر خراج شبرا إنما يحصل من ذلك، وقال له: متى لم يعمل العيد لا يطلع النيل فى تلك السنة ويخرب أقليم مصر لعدم طلوع النيل، وهذه قاعدة مصر على ذلك. فثبت الله الأمير بيبرس وقواه حتى اعترض عن جميع ما ذكره من زخرف القول، واستمر على منع عمل العيد وقال للتاج: إن كان النيل لا يطلع إلا بهذا الأصبع فلا يطلع، وإن كان الله تعالى هو الذى يطلعه، فنكذب النصارى. فبطل العيد من تلك السنة، ولم يزل منقطعا إلى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة. وعمر الملك الناصر محمد بن قلاوون الجسر فى بحر النيل ليرى قوة التيار عن القاهرة، فطلب الأمير يبلغا اليحياوى والأمير الطنبغا الماردينى من السلطان أن يخرجا إلى الصيد ويغيبا مدة فلم يرضى السلطان بذلك وأراد صرفهما عن السفر. فقال لهما: نحن نعيد عمل عيد الشهيد حتى تفرجكما عليه خير من خروجكما إلى الصيد، وكان قد قرب أوان وقت عيد الشهيد - فرضيا بذلك وأشيع فى الأقليم إعادة عيد الشهيد. فلما كان اليوم الذى يعمل فيه ركب الأمراء فى النيل فى الشخانير، واجتمع الناس من كل جهة على عادتهم كما كانوا يفعلون من المحرمات وأنواع المنكرات، واتسع الأمر توسعا خرجوا فيه عن الحد فى كثرة المبالغة من التجاهر والتهتكات فوق ما كان يعمل واستمروا علي ذلك ثلاثة أيام.

стр. 110

وكان مدة انقطاع عمل عيد الشهيد منذ أبطله الأمير بيبرس إلى أن أعاده الملك الناصر ست وثلاثين، واستمر بعمله فى كل سنة بعد ذلك إلى أن كانت سنة خمس وخمسين وسبعمائة ترك المسلمون على النصارى، وعملت أوراق بما قد وقف من أراضى مصر على كنائس النصارى ودورهم، وحملت الأوراق إلى ديوان الأحباس، فلما تحررت تلك الأوراق اشتملت على خمسة وعشرين ألف فدان كلها على الكنائس والديارات، وعرضت على أمراء الدولة فى أيام الملك الصالح بن محمد قلاوون وهم الأمير شيخو العمرى والأمير صرغتمش والأمير طاز - فتقرر الحال على أن ينعم بذلك على الأمراء زيادة على أقطاعهم، والزم النصارى بما يلزمهم من الصغار، وهدمت لهم عدة كنائس. فلما كان العشر الأخير من شهر رجب من السنة المذكورة خرج الحاجب والأمير علاء الدين بن الكورانى وإلى القاهرة إلى ناحية شبرا ومنع من نصيب الخيام على العادة، وهدمت كنيسة النصارى التى كان فيها أصبع الشهيد فى صندوق، وأحضروه إلى عند الملك الصالح، فأحرقه بين يديه فى الميدان وذر رماده فى البحر، وبطل عيد الشهيد من يومه إلى هذا العهد، ولله الحمد .. *** ذكر الخلجان الذى شقت بأرض مصر من مجرى النيل أعلم أن النيل إذا انتهت زيادته فتحت منه خلجان وترع يتحرق الماء فيها يمينا وشمالا إلى البلاد البعيدة عن مجرى النيل، وأكثر الخلجان والترع والجسور والأخوار بالوجه البحرى. وأما الوجه القبلى - وهى بلاد الصعيد فإن ذلك قليل فيه، وقد ذهبت معالمه ودرست رسومه من هناك. والمشهور من الخلجان: خليج سخا ومنف والمنهى وأشموم طناح وسردوس والأسكندرية ودمياط والقاهرة وأبى المنجا والناصرى.

стр. 111

قال ابن عبد الحكم عن أبى رهم السماعى قال: كانت مصر ذات قناطر وجسور بتقدير حتى أن الماء البحرى يجرى تحت منازلها وأفيتها فيحسبونه كيف شاءوا وذلك قول الله تعالى عما حكي عن قول فرعون ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي، أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (١). قيل لم يكن فى الأرض يومئذ ملك أعظم من ملك مصر، وكانت الجنات بحافتى النيل من أوله إلى آخره فى الجانبين جميعا - ما بين أسوان إلى رشيد وسبع خلجان متصلة لا ينقطع منها شئ عن شئ، والزرع ما بين الجبلين من أول مصر إلى آخرها مما يبلغه الماء. وكان جميع أرض مصر كلها تروى من ستة عشر ذراعا، لما قدروا وديروا من قناطرها وخلجانها وجسورها فذلك قوله ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ (٢) قيل المقام الكريم إن كان بها ألف منبر، وقيل المقام الكريم هو االقيوم. خليج سخا فأما خليج سخا فقد حفر تدارس بن صابن قبطيم بن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇، وهو آخر ملوك القبط القدماء الذين ملكوا مصر فى الدهر الأول. قال ابن وصيف شاه: تدارس الملك أول من ملك الأحياز كلها بعد أبيه صار، وصفا له ملك مصر وكان تدارس محكما فجربا زايدا وقوة ومعرفة بالأمور فاظهر العدل، وأقام الهياكل قياما حسنا ودبر جميع الأحياز، ويقال أنه الذى حفر خليج سخا، وقرر الأموال على البلاد وهابته الملوك، وسار إلى بلاد السودان من الزنج والنوبة في ثلاثة ألف ووجه فى النيل ثلاثمائة سفينة، فى كل سنة كاهن يعمل أعجوبة من العجائب فهزم الزنج والنوبة وقتل أكثرهم وأسر منهم خلقا كثيرة، ثم اتبعهم بجيوشه حتى وصلوا إلى أرض الفيلة من أعلى بلاد الزنج، فأخذوا منها عدة من النمور والوحوش والفيلة وساقوها إلي أرض مصر، ثم مات بمصر ودفن في ناووس ونقل إليه شيئا كثيرا من الذهب والجوهر والصنعة والتماثيل، وكتب على ناوسه باسمه وتاريخ هلاكه وجعل عليه طلمسان المنيعة وعهد إلى ابنه ماليق بن تدارس.

стр. 112

خليج سردوس حفره هامان قال بن وصيف شاه: جلس فرعون على سرسر الملك، وحاز جميع ما كان في خزائن من كان قبله من الملوك، وقيل هو الذى يذكر القبط أنه فرعون موسى، فأما أهل الأثر فيزعمون أن اسمه الوليد بن مصعب، وأنه من العمالقة وذكروا أن الفراعنة سبعة وقيل عن فرعون موسى أنه كان قصيرا، طويل اللحية أشهل العين، ضيق العين اليسرى فى جبينه شامه، وكان أعرج. وزعم قوم أنه القبط ونسب أهل بيته مشهور عنه وذكر آخرون أنه دخل منف ليبيع نطرون، وكانوا قد اضطربوا فى تولية الملك فرضوا أن يملكوا عليهم أول من ينظروا من الناس، فلما رأوه ملكوه عليهم ولما جلس فى الملك بدل الأموال وارغب من أطاعه وقتل من خالفه، فاعتدل أمره إلى أن استخلف هامان وكان يقرب منه فى نسبه وأثار له بعض الكنوز وصرفها في بناء المدائن والعمارات وحفر خلجانا كثيرة، ويقال أنه الذى حفر خليج سردوس وكان عرجه إلى قرية من قرى الجوف، فحمل إليه أهلها مالا، فاجتمع له من ذلك شئ كثير، فأمر برده علي أهله. وقال ابن عبد الحكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن فرعون استعمل هامان على حفر خليج سردوس فلما ابتدأ حفره أتاه أهل كل قرية يسألونه أن مجرى الخليج تحت قريتهم ويعطونه مالا، قال وكان يذهب به إلى هذه القرية من نحو المشرق، ثم يرده إلى أهل قرية من نحو دبر القبلة ثم يرده إلى قرية فى الغرب ويأخذ من أهل كل قرية مالا جزيلا حتى اجتمع له فى ذلك مائة ألف ألف دينار، فأتى بذلك كله إلى فرعون فسأله عن ذلك فأخبره بما فعل فى حفر الخليج، فقال له فرعون: ويحك أنه ينبغى للسيد أن يعطف على عبيده، ويفيض عليهم الرزق ولا يرغب فيما بأيديهم، فرد كلما أخذت على أهله. وقيل ولا يعلم بمصر خليج أكثر نفعا منه لما فعل هامان فى حفره. خليج الإسكندرية قال ابن عبد الحكيم: يقال أن الذى بنى منارة الإسكندرية الملكة قلبطرة وهى التى ساقت خليجها حتى أدخلته إلى الإسكندرية، ولم يكن يبلغها الماء قبل ذلك، فحفرته حتى أدخلنه إسكندرية وهى التى بلطت قاعة الرخام.

стр. 113

قال الأسعد بن مماتى فى كتاب قوانين الدواوين: خليج الإسكندرية عليه نزاع وطوله من فم الخليج ثلاثون ألف قصبة وستمائة قصبة وعرضه من قصبتين ونصف إلى ثلاث قصبات ونصف ومقام الماء فيه بالنسبة إلى النيل فإن كان مقصرا قصرت مدة إقامته فيه، وأن كان عاليا أقام فيه ما يزيد على شهرين، ويقال أنه إذا عملت من قباله سح إلى سح زلاقة استقر الماء فيه صيفا وشتاء، ورويت البحيرة جميعا وزرع عليه القصب والقلقاس والنيلة وجرى مجرى بحر الشرق والمحلة وغيره من البلاد، ويقال أنه كان يجرى فيه الماء بطول النسبة وكان السمك فيه غاية الكثرة بحيث تصيده الأطفال بالحرق. خليج الفيوم والمنهي مما حفره نبى الله يوسف ﵇ عندما عمر الفيوم وهو مشتق من النيل لا ينقطع جريه أبدا وهو الآن يعرف ببحر يوسف لا ينقطع جريانه بطول السنة فيسقى الفيوم دائما ثم يتحصل فاضل ماءه فى بحيرة هناك، ومن العجب أنه ينقطع ماءه من فوهبه، ثم يكون له نهرا لطيفا فى وسطه لا ينقطع جريانه بطول السنة، يعم الفيوم وقراه ومزارعه وبساتينه دائما. خليج القاهرة هذا الخليج بظاهر القاهرة من جانبها الغربى، فيما بينها وبين المقسم عرف فى أول الإسلام بخليج أمير المؤمنين، وتسمية العامة اليوم بالخليج الحاكمى وبخليج اللؤلؤة، وهو خليج قديم أول من حفره طوطيس بن ماليا أحد ملوك مصر الذين سكنوا مدينة منف، وهو الذى دخل إبراهيم الخليل ﷺ ، ووهب لإبراهيم هاجر أم ولده إسماعيل إلى مكة بعثت هاجر إلى طوطيس يقول له أنها بمكان مجدب وتطلب منه حنطة فعند ذلك أمر بحفر هذا الخليج وبعث إليها فيه بالسفن تحمل الحنطة وغيرها من الأغلال إلى جده، فأحيا أرض الحجاز ثم اندرومانوس الذى يعرف بايليا أحد ملوك الروم بعد الإسكندر بن فلبس المجدوبي جدد حفر هذا الخليج، وسارت فيه السفن وذلك قبل الهجرة بنيف وأربعمائة سنة، ثم أن عمرو ابن العاص ﵁ جدد حفره لما فتح مصر وأقام فى حفره ستة أشهر ودخلت السفن فسمى خليج أمير المؤمنين يعنى عمر بن الخطاب فإنه هو الذى أشار بحفره ولم يزل يجرى فيه السفن من فسطاط مصر إلى مدينة القلزم التى كانت على شاطئ البحر الشرقى حيث الموضع الذى يعرف اليوم بالسويس، وكان يصب ماء النيل فى البحر عند مدينة

стр. 114

القلزم إلي أن أمر الخليفة أبو جعفر المنصور بطمه في سنة خمسين ومائة فطم وبقى منه ما هو موجود الآن. خليج أبي المنجا هذا الخليج يسميه العامة بحر أبى المنجا والذى حفره الأفضل ابن أمير الجيوش فى سنة ست وخمسمائة، وكان على حفره أبو المنجا بن شعيا اليهودى فعرف به. خليج الناصري هذا الخليج فى ظاهر المقسم حفره الملك الناصر محمد بن قلاوون فى سنة خمس وعشرون وسبعمائة. *** ذكر ما قالته الشعراء فى مقترحات مصر واسمها فمن ذلك قول أمية بن أبى الصلت - أمية الأندلسى: لله يوم ببركة الحبش … والأفق بين الضياء والغبش والماء تحت الرياح مضطرب … كصارم فى يمين مرتعش ونحن فى روضة مفوفة … دبج بالنور عطفها ووشى قد نسجتها يد الغمام لنا … فنحن من بسطها على فرش فأثقل الناس كلهم رجل … دعاه داعى الصبا فلم يطش فعاطنى الراح أن تاركها … من سورة الهم غير منتعش واسقنى بالكبار مترعه … فهى الروا من حرارة العطش

стр. 115

وقال أيضا فى البريم: لله يوم بالبريم قطعته … بمسرة دارت به أفلاكه حرت به أمواهه فتراقصت … طربا لحسن غنلئه أسماكه وقال بعضهم فى الرصد: وليلة عاش سرورى بها … ومات من يحسدنا بالكمد بت مع المحبوب فى روضة … وبات من يرقينا بالرصد وقال ابن خطيب داريا: يا عين إن بعد الحبيب وداره … وناءت مرابعه وشط مزاره فلقد ظفرت من الزمان بطائل … إن لم تريه فهذه آثاره وقال الشيخ شمس الدين بن الصايغ الحنفى فى الروضة والمشتهى: وليلة مرت لنا حلوة … إن رمت تشبيها بها عتبها لا يبلغ الواصف فى وصفها … جدا ولا يلقى منتهى بت مع المعشوق فى روضة … ونلت من خرطومه المشتهى وقال الشيخ القيراطى فى الروضة أيضا: وروضة أضحى لها المنتهى … وحسنها المعشوق والمشتهى وهى لمن قد حلها روضة … وجنة فيها الذى يشتهى وقال الشيخ شهاب الدين المنصورى فيها أيضا: كأنما الروضة الغناء وغانية … بحسنها قلب هذا النيل مشغول أعطافها من غضون الروح مائسة … وريقها من زلال الماء معسول وقال بعضهم فى الكوادى: مررت بشط النيل يوما فخلته … مراتع غزلان كوين فؤادى

стр. 116

وناحت على غصن هناك حمامة … سقاها الهوى من لرعتى وبعادى فإن أنكروا العذال حالى وحالها … أقول هوى قد ضرنى وكوادى وقال بعضهم فى المنشية: منشية الحسن أقمنا بها … مع رغد فى جنة عالية كأنها فى طيبها جنة … لم تسمع الأذن بها لاعية أطيارها صاحت بأغصانها … ولم تزل أنهارها جارية وقال ظافر (١) الحداد فى افتراق النيل عند المقياس وهو تشيبه غريب لم يسبق إليه: انظر إلى الروضة الغناء والنيل … واسمع بدائع تشبهى وتمثيلى وانظر إلى البحر مجموعا ومفترقا … تراه أشبه شئ بالسراويل وقال القاضى فخر الدين ابن مكانس فى الطمية: بأبى الطمية جنة قد زخرفت … خور وولدان بها ورحيق لى فى ربى قيناتها الرتب العلى … ولها بقلبى هزة وعلوق وقال القيراطى فى قناطر أم الخمس التى بالجيزة: قناطر الجيزة كم قادم … عليك يلقى فيك أقصى منا أتاك قوم لاطة فانحنى … ظهرت للوطئ وصب الميا

стр. 117

وقال تقى الدين ابن حجة: وقالوا كميت النيل يجرى وقد بدا … عليه ظروف السبق قلت كذا جرى ولكنه نحو القناطر مذاتى … بحرا عليها معجبا - فتقنطرا وقال على بن بردبك فى الورد الذى قد كان فى الخانكى وهو من مقترحات مصر القديمة: انظر إلى الورد إذ ما ست معاطفه … فوق الغصون سخيرا والندى عرب عذارى بوجناة موردة … وبثياب نشاوى من ورود خلا رقصن ملتحفات سندسا خضرا … فنقطت بنضار فاكتسبت خجلا وقال الشهاب المنصورى فى الزربية: قم سيدى نسعى إلى فرج زهت … ما بين إملاق وبين جسور وترى زار ابيابها مبثوتة … تسبيك بالولدان أو بالجور وقال الشيخ شهاب الدين ابن أبى حجلة فى قصب الجزيرة: أمسيت فى قصب الجزيرة مغرما … وبقده العسال كالولهان عيد إنه لولا حلاوة ذوقها … شتبهتها فى الشكل بالمران وقال بعض الموالة فى جميع أسماء مقترحات: بريم جيزى حلاوى صنعه الخلاق … خلى دموعى خطيرى تحرفى إطلاق لو لفظ مقياس منية طيب الأخلاق … وخد روضة وخالوا المشتها بولاق وكان من مقترحات مصر القديمة مكان يعرف بالهمايل، وهو بالقرب من شبرا وهى عبارة عن سبعة سولقى على بحر النيل وللشعراء فى مدحها شئ ممن ذلك قول سيدى أبى الفضل بن أبى الوفا.

стр. 118

هل طربا دارت دواليينا … بضوع ريح الزهر الشائع أم فقدت فى الروض إلفا لها … فلم ندر الأعلى ضائع اجتمع الشيخ بدر الدين البشتكى والقاضى فخر الدين ابن مكانس فى سواقى الهمايل بشاطئ النيل، فقام البدر البشتكى: هذا البدر فى سواقى الهمايل … تركت ادمع العيون هو أمل ومن للرياض ثور اديب … مظهر من كلامه سحر بابل هو سعيا على ببى عجل فى الحور … وأغنى عن الولى الهاطل زد علما على أبى ثور لكن … قال بالدور ماؤه والسلاسل أغار الجناس حسن توار … واتته توريه فهو كامل سعيد أثرى من النظم والنثر … فانسى الورى زمان الفاضل وقد سقيت الرياض يا شيخ بالدور … فها غصنها من السكر مايل وهذه القصيدة مطولة وما ذكرتها منها هنا كفاية. ذكر ما قيل فى بركة الرطلى وأرض الطبالة والجنينة من ذلك قال ابن الصبايغ فيها: فى أرض طبالتنا بركة … مدهشة للعين والعقل ترجع فى ميزان عقلى على … كل بحار الأرض بالرطل وقال بعضهم أيضا: انظر إلى بركة الرطلى مبتهجا … واشف بها غلة يايها الحاكى الماء والنبت والحور الحسان بها … كأنها جنة حفت يا ملاكى قال آخر: قد قلت فى بركة الرطلى إذ جمعت … من البدور وأصناف الملاح

стр. 119

إن كان فى الفلك الأعلى يرى قمر … فهذه فلك دارت بألف قمرة وقال الشهاب المنصورى فى الجنينة: كم بالجنينة من قتيل حشيشة … لا يستفيق ولا بنفخ الصور وهبت له الخضراء من أفعالها … آذان اطروش وعين ضرير وقال أيضا: كم من أصم بالجنينة أبكم … ورجلاه فى قيد وعيناه فى فقل أشبهه فى خلقه بابن آدم … مجازا فى أكل الحشيشة بالعجل ومما قيل فى كوم الريش وهو أيضا من مقترحات مصر: انظر إلى كرم ريش قد غدا ترها … للب كل سليم الطبع يجتلب به بحار لا على قد حوت قضبا … من الزبرجد منا يحصل العجب ولا تقل كوم ريش ماله ثمن … فإن بالريش حقا يحسن الذهب ومما قيل فى زمان الربيع بمصر فى وصف الكتان والبرسيم وغير ذلك، قال شهاب الدين ابن التايب فى زهر الكتان: انظر لكتان روض وزهرة حين يبلواه … كأنه الفات همزاتها لازورد وقال آخر فى زهر البرسيم: وزهر برسيم غدا … ينفى هموم المكمد كأنه جواهر … فى قضب الزبرجد وقال آخر فى زهر اللبسان: كأنما اللبسان … اخرج زهرا فى الشبه

стр. 120

أغصان نبت زبرجد … تيجانها مذهبة وكان من مفترحات قديما مكان يعرف بالتاج والسبع وجوه وللشعراء فيه تعزلان كثيرة جملة ذلك قول الشيخ تقى الدين بن حجة الحموى فى واقعة حال وهو قوله: سبع وجوه لتاج مصر … تقول ما فى الوجود شبهى وعندنا ذو الوجوه يهجى … وأنت تاج بفرد وجه وقال المعمار فى خليج الذكر والتكه وكانا من مقترحات مصر قديما وهو مكان الأزبكية الآن والقنطرة الموجودة فى الأزبكية هى قنطرة خليج الذكر ولكن عمرت جديدا، وأنشأ يقول: يا طالب التكة نلت المنا … وفزت منها ببلوغ الوطر قنطرة من فوقها تكة … وتحتها تلقى خليج الذكر وقال المعمار فى الجزيرة التى تطلع قباله لمقياس: جزيرة البحر هامت … بها عقول سليمة لما خوت حسن معنى … وبسطه مستقيمة فلم يخوصون فيها … وكم مشوا بنميمة ولم تزل ذى احتمال … ما تلك إلا حليمة وقال آخر فى جزيرة بولاق أيام التحاويض: فى جزيرة بولاق رأينا عجب … أشد ساروا معهم طباشا دين حين رأينا ذيك الوجوه الصباح … أذهلونا خضنا مع الخايفين

стр. 121

قال بعضهم فى مليح بشط بولاق: فى جانب البحر من بولاق عزلنا … ظبى ينفره عن وصلنا نفر دوابتاه على قتلى تطاولتا … يا من رأى شاعرا أودى به الشعر *** ذكر ما كانت عليه أرض مصر فى زمن الأول قال المسعودى: وقد كانت أرض مصر على ما زعم أهل السير، يقال أن الناس كانوا قبل ذلك يسكنون سفح الجبل المقطم فى مغاور كثيرة نقروها، وهى المغاير التى فى الجبل من قبلى المقطم فى الجبل المتصل بدير القصير الذى يعرف بدير البغل، المطل على ناحية طرا. ومن وقف عند أهرام نهيا رأى تلك المغاير فى الجبل الشرقى، ومن صعد من طرا إلى الجبل وسار فيه دخلها، وهى مغاير متسعة، وفيها مغاير تنفذ إلى القلزم وتسع المغارة منها أهل مدينة، وإذا دخلها أحد ولم يهتد بعلامات تدله على المخرج هلك فى تحيره عطشا وجوعا. ويقال كانت أرض مصر جرداء لا نبات لها، فقطعها متوشلخ بن أخنوخ بن برد بن مهلابيل بن انوش بن شيث بن آدم ﵇. ***

стр. 122

ذكر أعمال الديار المصرية وكورها أعلم أن أرض مصر كانت فى الزمن الأول مائة [وثلاثا] وخمسين كورة، فى كل كورة مدينة وثلاثمائة وخمس وستون قرية، فخرب منها قبل تخريب بختنصر ثمان وستون كورة فلما عمرت مصر بعد تخريب بختنصر لها صارت على خمس وثمانين كورة ثم تناقصت حتى جاء الإسلام، وفيها أربعون كورة عامرة بجميع قراها لا تنقص شيئا ثم استقرت أرض مصر كلها فى الجملة على قسمين الوجه القبلى وهو ما كان فى جهة الجنوب من مدينة مصر. والوجه البحرى وهو ما كان فى شمال مدينة مصر وقد قسمت أرض مصر جميعها قبليها وبحريها على ستة وعشرون عملا وهى: الشرقية والمرتاحية والدقهلية والإبوانية وثغر ودمياط. والوجه البحرى: جزيرة قويسنا الغربية والسمنودية والدنجاوية والمنوفية والستراوية وفوه والمزاحمتين وجزيرة بنى نصر والبحيرة وإسكندرية وضواحيها وحوف رمسيس. والوجه القبلى: الجزية والأطفيحية والبوصيرية والفيومية والبهنساوية والأشمونين والمنفلوطية والأسيوطية والأخميمية والقوصية. وهي أيضا ثلاثون كورة وهى كورة الفيوم وفيها مائة وست وخمسون قرية، ويقال أنها كانت ثلاثمائة وستون قرية، وكورة منف ووسيم خمس وخمسون قرية، وكورة الشرقية وتعرف بالأطفيحية سبع عشر قرية وقرى اهناس ثمان ومنها قمن، قرى، وكورتا دلاص وبوصير ست قرئ، وكورة اهناس خمس وتسعون قرية سوى الكفور، كورة البهنسى مائة وعشرون قرية، كورة الفشن سبع وثلاثون قرية، كورة طحا سبع وثلاثون قرية، حيز سنودة ثمانى قرى، كورة الأشمونين مائة وثلاث وثلاثون قرية، كورة انصنا إحدى عشر قرية، كورة أسيوط سبع وثلاثون قرية، كورة شطب ثمانى قرى، كورة أعلا أنصنا أثنتا عشر قرية، كورة قهقوة سبع وثلاثون قرية، كورة هوة عشرون قرية، كورة فاو ثمانى قرى، كورة قنا سبع قرى، كورة دندرة عشر قرى، كورة قفط أثنان وعشرون قرية، كورة الأقصر خمس قرى، كورة اسنا خمس قرى، كورة أسوان سبع قرى، كورة قرنى الصعيد ألف وثلاثة وأربعون قرية، موى المنى والكفور فى ثلاثين قرية، كورة أسفل الأرض الجوف الشرقى خمس وستون قرية، كورة أتريب مائة وثمان قرى سوى المنى والكفور، كورة بنو: سبع وثمانون قرية سوى المنى والكفور، كورة سمنود مائة وثمان وعشرون

стр. 123

قرية سوى المنى والكفور، كورة نوسا إحدى وعشرون قرية سوى المنى والكفور، كورة الأوسية أربعون قرية سوى المنى والكفور، كورة البجوم ثلاث عشر قرية سوى المنى وهى شئ كثير. الإسكندرية (الحوف الغربى): كورة صا ثلاث وسبعون قرية سوى المنى والكفور، كورة شباس: أثنان وعشرون قرية سوى المنى والكفور الشراك تسع قرى، كورة ترنوط ثمان قري، كورة خربتا أثنان وستون قرية سوى المنى، كورة قرطسا أثنان وعشرون قرية سوى المنى والكفور، كورتا مصيل والمليدس تسع وأربعون قرية سوى المنى، كورتا احنو ورشيد سبع عشر قرية، البحيرة والحصص بالإسكندرية ومريوط ومدينة الإسكندرية ولوبية ومراقية مائة وأربع وعشرون قرية سوى المنى، والحوف الغربى أربعمائة وتسع وسبعون كورة. قال المسبحى فى تاريخه: لمصر قرى أسفل الأرض الفا وأربعمائة وتسعا وثلاثون قرية، ويكون جميع ذلك بالصعيد. قال بعض مشايخ أهل مصر أن الذى كان يعمل بمصر على عهد ملوكها أنهم كانوا يكرون القرى فى أيدى أهلها، كل قرية بكرا معلوم ولا ينقض عليهم إلا فى كل أربع سنين من أجل الظماء فإذا مضت أربع سنين يقضى ذلك وعدل تعديلا جديدا فيرفق بمن استحق الرفق، ويزاد على من يحتمل الزيادة ولا يجوز عليهم، فإذا جئ الخراج وجمع كله كان للملك من ذلك الربع خالصا لنفسه، والربع الثانى لجنده والربع الثالث فى مصلحة الأرض وما تحتاج إليه من جسورها وحفر خليجها وبناء قناطرها والربع الرابع يخرج منه ربع ما يصيب كل قرية من خراجها فيدفن فيها وهى كنوز فرعون التى يتحدث الناس بها. وذكر بعضهم أن خراج مصر كان فى زمن فرعون أثنين وسبعين ألف ألف دينار، وأنه كان يرسل ويبة قمح إلى أسفل الأرض وإلى أعلا الصعيد، فلم يوجد لها أرض فارغة من الزرع تبدر الويبة فيها وإن وجد فيها مكان خالى من الزرع ضرب عنق صاحب الكورة فكانت مصر يومئذ عمارة متصلة أربعين فرسخا فى مثلها وتتابع الظماء فى أيامه ثلاث سنين فترك لأهل مصر خراج ثلاث سنين ونفق على عساكره من خزاينه. وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما استبطأ عمر بن الخطاب ﵁ عمرو بن العاص في خراج مصر كتب إليه أن ابعث إلينا رجلا من أهل مصر فبعث إليه رجلا قديما من القبط فاستخبره عمر بن الخطاب عن مصر وخراجها قبل الإسلام، فقال يا أمير المؤمنين كان لا يؤخذ منها شئ إلا بعد عمارتها، وهذا ملك لا ينظر إلى العمارة وإنما ليلة يأخذ ما ظهر له

стр. 124

كأنه لا يريدها إلا لعام واحد، فعرف عمر بن الخطاب ما قاله له القبطى، ولما ولى عبيد الله بن الحبحاب (١) خراج لهشام بن عبد الميك خرج بنفسه فمسح أرض كلها غامرها وعامرها فما يركبه النيل فوجد فيها ألف ألف فدان والباقى استبحر وتلف واعتبر مدة الحرث فوجدها ستين يوما والحرث يحرث خمسين فدانا وحده. *** ذكر مقدار خراج مصر فى الزمن الأول قال ابن وصيف شاه: استخرج من مصر أيام الفراعنة تسعون ألف ألف دينار، بالدينار الفرعونى وهو ثلث مثاقيل من مثقالنا المعروف الآن بمصر الذى هو أريعة وعشرون قيراطا، كل قيراط ثلاث حبات فيكون بحساب ذلك أثنى ألف ألف وسبعين ألف ألف دينار مصرية. *** ذكر ما عمله المسلمون عند فتح مصر قال هشام بن أبي رقية: أن عمرو بن العاص لما فتح مصر قال لقبط مصر: أن من كتمنى كنزا عنده قتلته وأن قبطيا من أهل الصعيد يقال له بطرس قيل لعمرو بن العاص أن عنده كنزا، فأرسل إليه وقال له: بلغنى أن عندك كنز، فانكره وجحده فحبسه فى السجن وقال للموكلين به هل تسمعونه يسأل عن أحد من أصحابه. قالوا: لا إنما سمعناه يسأل عن راهب فى الطور، فأرسل عمرو إلى بطرس وأمره أن ينزع خاتمه من أصبعه فنزعه وأرسله له فأرسل عمرو إلى ذلك الراهب الذى بالطور عن لسان بطرس وهو يقول له: الوداعه الذى عندك

стр. 125

أحضرها فأرسل ذلك الراهب حقه مختوم عليها بالرصاص ففتحها عمرو فوجد فيها صحيقة مكتوب فيها أن أموالكم تحت الفسقية الكبيرة، فأرسل عمرو إلى الفسقية الكبيرة، فحبس عنها الماء ثم قلع البلاط التى تحتها فوجد فيها اثنين وخمسين أردبا ذهبا مصريا، فأرسل عمرو وأحضر بطرس وضرب عنقه عند باب المسجد فخاف جميع القبط على أنفسهم، وصار كل من كان عنده كنز أظهره عليه وإلا صار مثل بطرس. *** ذكر نزول العرب بريف مصر واتخاذهم الزرع مشاعا قال الكندى: وفى ولاية الوليد بن رفاعة الفهمى على مصر نقلت بنى قبيس إلى مصر فى سنة تسع ومائة ولم يكن بها أحد منهم قبل ذلك. وقيل لما قدم أبو إسحاق بن الرشيد من العراق إلى مصر فنزل بالحوف، وأرسل إلي أهله فامتنعوا من الطاعة فقاتلهم ولم يظفر بهم فرجع إلى العراق، وفى المحرم سنة خمس عشرة ومائتين خامر أسفل الأرض بأسره من عرب البلاد وقبطها وآخرجوا العمال وخلعوا عن الطاعة أجمعين وذلك لسوء سيرة عمال السلطان فيهم فكانت بينهم وبين عساكر الفسطاط [ق ١٠٨ ز] حروب امتدت إلى أن قدم إلى مصر أمير المؤمنين المأمون وذلك فى المحرم سنة سبع عشر ومائتين، فسخط على عيسى بن منصور الرافعى وكان على إمارة مصر، وأمر بحل لوائه، قال له: لم يكن هذا الحدث العظيم إلا عن فعلك وفعل عمالك حملتهم الناس ما لا يطيغون وكتمتم الخبر عنى حتى تعاقم الأمر واضطرب البلد ثم عقد المأمون على جيش بعث به إلى الصعيد وارتحل هو إلى سخا وبعث بالأفشين إلى القبط وكانوا قد خلعوا عن الطاعة فأوقع بهم فى ناحية البشرود وحضرهم حتى ظفر بهم وأسرهم، ولما مثلوا بين يدى المأمون أمر بقتل الرجال وبيع النساء والأطفال وتم له ما أراد، ورجع إلى مصر فى صفر ثم دخل إلى حلوان وعاد، فأرتحل لثمان عشر خلت من صفر فكأن مقامه بالفسطاط وسخا وحلوان تسعة وأربعين يوما، وكان قد بلغ خراج مصر فى أيامه أربعة آلاف ألف ألف دينار ومائتا ألف دينار وسبعة وخمسين ألف دينار، ويقال أن المأمون لما سار

стр. 126

فى قرى مصر كان يصنع له بكل قرية دكة يضرب عليها سرادقه والعساكر من حوله فكان يقيم فى القرية يوما وليلة فمر بقرية يقال لها طاء النمل فلم يدخلها لحقارتها. فلما تجاوزها المأمون خرجت إليه عجور يعرف بمارية القبطية صاحبة القرية وهى تصيح فظنها المأمون مستغيثة متظلمة، فوقف لها وكان لا يمشى أبدا إلا والتراجمة بين يديه من كل جنس، فذكروا له أن القبطية قالت أمير المؤمنين ينزل فى كل ضيعة ويتجاوز ضيعتى، والقبط تعايرنى بذلك، وأنا أسأل فضل أمير المؤمنين أن يشرفنى بحلوله فى ضيعتى ليكون لى الشرف والعقبى، ولا يشمت الأعداء بى وبكت بكاءا شديدا، فوقف لها المأمون وثنى عنان فرسه إليها ونزل عندها فجاء ولدها إلى صاحب المطبخ وسأله كم يحتاج من الغنم والدجاج والفراخ والسمك والتوابل والسكر والعسل والمسك والشمع والفاكهة والعلوقة وغير ذلك مما جرت به العادة، فأحضرت جميع ذلك وزيادة وكان مع المأمون أخوة المعتصم وولده العباس وأولاد أخيه الواثق والمتوكل ويحيى بن أكتم (١) والقاضى أحمد بن داود (٢)، فأحضرت لكل واحد منهم ما يخصه على انفراده، ولم تكل أحدا منهم ولا من القواد إلى غيره، ثم أحضرت إلى المأمون من فاخر الطعام ولذيذة شيئا كثيرا حتى استعظم ذلك، فلما أصبح وقد عزم على الرحيل حضرت إليه ومعها عشر وصايف، مع كل وصيفة طبق، فلما عاينها المأمون من بعد قال لمن بين يديه قد جادتكم القبطية بهدية الريف الكافح والصحناه والصبر. فلما وضعت ذلك بين يديه فإذا فى كل طبق من الذهب شئ كثير، فاستحسن ذلك منها وأمرها بإعادته، فقالت: لا والله لا أفعل ذلك، فتأمل المأمون الذهب فإذا هو ضرب عام واحد كله، فقال هذا والله أعجب وربما يعجز بيت ما لنا عن مثل ذلك، فقال يا أمير المؤمنين لا تكسر قلوبنا ولا تحتقر بنا فقال لها أن بعض ما صنعته كفاية فردى ما لك بارك الله فيك وفى مروتك،

стр. 127

فقالت: يا أمير المؤمنين أن هذا الذهب من الطين ومن عدلك يا أمير المؤمنين وعندى منه شئ كثيرة، ولا تشمت بى أعداء برده فعند ذلك قبله المأمون منها وأقطعها عدة ضياع وأعطاها من قريتها طاء النمل مائتا بعير خراج، وانصرف وهو متعجبا من كبر مروتها وسعة حالها، وقيل أن المأمون فرق ذلك الذهب جميعه على عساكره بالكبشة هو بنفسه، فرحم الله تلك الأرواح الطاهرة. *** ذكر الديوان قال القاضى أبو الحسن الماوردى: الديوان محفوظ بحفظ ما تعلق بحقوق السلطنة من الأعمال والأموال ومن يقوم بها من الجيوش والعمال فى تسمية ديوانا، وجهان أحدهما أن كسرى أنو شروان أطلع ذات يوم على كتاب ديوانه فرأهم يحسبون مع أنفسهم، فقال ديوانه أى مجانين فسمى موضعهم بهذا الأسم، ثم حذفت الهاء منه عند كثرة الاستعمال له تحقيقا للأسم فقيل ديوان، والثانى الديوان اسم بالفارسية للشياطين فسمى الكتاب باسمهم لحذقهم بالأمور، ووقوفهم على الجلى والخفى، وجمعهم على ما قرب وبعد فسمى مكان جلوسهم باسمهم فقيل ديوان. أعلم أن كتابة الديوان على ثلاثة أقسام: كتابة الجيوش والعساكر وكتابة الخراج وكتابة الإنشاء والمكاتبات، ولا بد لكل دولة من استعمال هذه الأقسام الثلاثة. ***

стр. 128

ذكر ديوان الجيوش والعساكر أعلم أن رسول الله ﷺ أمر بكتابة عساكره، فكتبوا فى عصره ﷺ ، ثم كان أبو بكر ﵁ يعطى الناس فى خلافته الأعطيات، فلما استخلف عمر بن الخطاب ﵁ وضع الديوان وفرض الأعطيات، ورتب الناس فى الديوان على قدر منازلهم وقدر أعطياتهم بعد ما كانوا فى زمن رسول الله ﷺ يكتبون فى أوقات دون أوقات، واقتدى من بعده خليفته أبى بكر ﵁ بذلك بما كان يعمل فى زمن رسول الله ﷺ ، فلما كانت خلافة عمر بن الخطاب وكثرت المسلمين وجبت الأموال تأكدت الحاجة إلى ضبطهم فوضع الديوان وفرضه الأعطية، فكذلك اتفق أهل السير على أن أول من وضع الديوان فى الإسلام عمر بن الخطاب ﵁ وذلك فى المحرم سنة هشرين من الهجرة. *** ذكر جيوش مصر فى الزمن الأول فى الإسلام قيل لما ولى أحمد بن طولون مصر استكثر من المماليك فبلغت عدتهم أربعة وعشرون ألف غلام تركى وأربعين ألف عبد أسود وسبعة آلاف حر. ثم لما ولى ابنه الأمير أبو الجيوش بعده استكثر من شناترة حوف مصر، فلما كانت إمارة الأمير أبى بكر بن محمد بن طعج الأخشيدى على مصر بلغت عدة عساكر بمصر والشام أربعمائة ألف، تشتمل على عدة طوائف ثم لما ولى أبو المسك كافور الأخشيدى استجد عدة من العبيد السودان بمصر ثم لما غلب الإمام المعز لدين الله أبو تميم معد الفاطمى على مصر صارت عساكرها ما بين كنانه وزويلة ونحوها من طوائف البربر وفيهم الروم والصقالبة وهم فى العدد ما يحصوا لكثرتهم

стр. 129

حتى قيل إنه لم يطأ الأرض بعد جيش الإسكندر بن فلبس المجدوبي أكثر من جيوش المعز، فلما ولى الخلافة بمصر من بعده ولده العزيز بالله أبو منصور نزار استخدم الديلم والأتراك واحتض بهم. قال الأسعدى المماتى أن عدة الجيوش بمصر فى أيام زريك بن الصالح فكانت أربعين ألف فارس وثلاثين ألف راحل وزاد غيره وقال وعشرة شوانى فيها عشرة آلاف مقاتل وهذا عند انقراض الدولة الفاطمية وذلك كله بعد انقراض العمالقة واليونانيين والقبط والعرب وغيرهم من الأجناس. ولما زالت الدولة المعزية على يد السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب أزال جند مصر من العبيد السود والعربان والأرمن وغيرهم، واستجد عسكرا من الأكراد والأتراك خاصة، وبلغت عدة عساكر بمصر إلى أثنى عشر ألف فارس لا غير. فلما مات افترقت من بعده ولم يبق بمصر مع ولده الملك العزيز عثمان سوي ثمانية آلاف فارس وخمسمائة فارس، إلا أن فيهم من له عشرة أتباع وفيهم من له عشرون، وفيهم من له أكثر من ذلك، ثم لم يزالوا فى افتراق وإختلاف حتى زالت دولتهم. ثم دخات دولة الملك المنصور قلاوون فكانت عدة مماليكة ولده محمد بن قلاوون أثنى عشر ألف مملوك إلى أن زالت دولة بنى قلاوون فى شهر رمضان سنة أربع وثمانين وسبعمائة. ودخلت دولة الملك الظاهر برقوق أخذ فى محو تلك الطوائف جميعها وأنشأ لنفسه دولة المماليك الجراكسة فبلغه عدتهم سبعة آلاف. فلما كانت دولة ولده الناصر فرج فاختلفوا عليه فقتل مننهم خلق كثير وعساكر مصر علي قسمين أجناد الحلقة والمماليك السلطانية وأكثرهم كان أجناد الحلقة. ***

стр. 130

ذكر الإقطاعات قال هشام بن عروة (١) عن أبيه أقطع رسول الله ﷺ الزبير أرضا فيها نحلا من أموال بنى النضيرة يقال لها الجرف. وقال سفيان بن عينية عن عمرو بن دينار (٢) قال لما قدم النبى ﷺ إلى المدينة أقطع أبا بكر واقطع عمر بن الخطاب ﵄. وعن أبى رافع (٣) قال أعطى النبى ﷺ قوما أرضا فعجزوا عن عمارتها فباعوها فى زمن عمر بن الخطاب بثمانية آلاف درهم فوضعوا أموالهم عند على بن أبى طالب ﵁ فلما أخذوها وجدوها ناقصة، فقالوا: هذه ناقصة. قال: أحسبوا زكاتها. قال: فحسبوا زكاتها فوجدوه وافيا. فقال لهم: احسبتم إنى أمسك ما لا ولا أعطى زكاته وأما منذ كانت أيام صلاح الدين يوسف إلى يومنا هذا فإن أراضى مصر كلها صارت تقطع للسلطان وأمرأته وأجناده، وأرض مصر اليوم على سبعة أقسام: قسم يجرى فى ديوان السلطان، وهذا القسم على ثلاثة أقسام منه ما يجرى فى ديوان الوزراء، ومنه ما يجرى فى ديوان خاص، ومنه ما يجرى فى الديوان المفرد، وقسم من أراضى مصر قد أقطعه للأمراء والأجناد، وقسم ثالث جعل وقفا على الجوامع والمدارس والخوانك وعلى جهات البر وعلى الذرارى وعتقايهم، وقسم رابع يقال له الأجناس يجرى فيه أراضى بأيدى قوم يأكلونها. إما عن مسجد أو بجامع أو فى مقابل عمل، وقسم خامس قد صار ملك يباع ويشترى ويورث ويوهب لكونه اشترى من بيت المال، وقسم سادس لا يزرع للعجز عن زراعية فترعاه المواشى أو ينبت الحطب ونحوه، وقسم سابع لا يشمله ماء النيل فهو فقر، وهذا القسم منه ما لم يزل كذلك منه عرفت أحوال الخليفة ومنه، ما كان عامرا فى الدهر الأول ثم خرب. ***

стр. 131

ذكر ديوان الخراج والأموال وغيرها من البلاد يقال لكتابة الخراج قلم التصرف، وأول ما دون هذا الديوان فى الإسلام بدمشق والعراق علي ما كان عليه قبل الإسلام، وكان ديوان الشام بالرومية، وديوان العراق بالفارسية، وديوان مصر بالقبطية فنقلت دواوين هذه الأمصار إلى العربية، والذى نقل ديوان مصر من القبطية إلى العربية هو عبد الله بن عبد الملك فى سنة سبع وثمانين من الهجرة، وأول من نقل ديوان العراق من الفارسية إلى العربية صالح بن عبد الرحمن كاتب الحجاج وذلك بعد سنة ثمانين. وأما ديوان الشام فإن الذى نقله من الرومية إلى العربية أبو ثابت سليمان بن سعد كاتب الرسائل فى خلافة عبد الملك بن مروان وقيل فى خلافة هشام بن عبد الملك، والله أعلم. وأما ديوان الإنشاء والكتابة فإن كل ملك أو سلطان أو أمير لا بد له من كاتب الإنشاء يرسم الكتب والمراسيم، والآن كاتب الإنشاء الشريف يسمى كاتم السر. *** ذكر خراج أرض مصر فى الإسلام / /قيل أول من جبى خراج مصر فى الإسلام عمرو بن العاص، فكانت جبايته أثنى عشر ألف ألف دينار ثم جبى عبد الله بن سعد بن أبى سرح مصر أربعة عشر ألف ألف دينار. فقال عثمان بن عفان ﵁ لعمر بن العاص يا أبا عبد الله ذرت اللقحة بأكثر من درها الأول، فقال عمرو: أضررتم بولدها، وهذا الذى جباه عبد الله بن سعد بن أبى سرح

стр. 132

إنما هومن الجماجم خاصة دون الخراج ثم بعد ذلك انحط خراج مصر لنمو الفساد مع الزمان وسريلان الخراب فى أكثر الأرض فحيوها خلفاء بنى العباس دون الثلاثة آلاف ألف ويقال أن أسامة بن زيد جباها فى خلافة سليمان بن عبد الملك مبلغ أثنى عشر ألف ألف دينار هذا والسعر راخ والبلد بغير مكس، والوقت الثانى فى أيام أحمد بن طولون جبى خراج مصر وقد تسلمها من أحمد بن محمد بن مدبر وقد كانت أرض مصر على أيامه خزاب حتى بقى خراجها ثمانمائة ألف دينار فاستقضى أحمد بن طولون فى العمارة وبالغ فيها فقعدت معه أربعة آلاف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار وجباها ابنه الأمير أبو الجيوش خمارويه بن أحمد ابن طولون ألف ألف دينار مع رخاء الأسعار، وربما أبيع فى الأيام الطولونية القمح كل عشرة أرادب بدينار. وذكر ابن خرداذبة: أن خراج مصر كان فى أيام فرعون ستة وتسعون ألف ألف دينار وبلغ خراج مصر فى أيام الأمير أبى بكر بن محمد بن طغج الأخشيدى ألفى ألف دينار سوى ضياعه التى كانت ملكا له، والأخشيدى أول من عمل الرواتب بمصر، وكان كاتبه ابن كلا قد أشار عليه. ولما قدم جوهر القائد من بلاد المغرب بعساكر مولاه المعز لدين الله أبى تميم فجبى الخراج ألف ألف ومائتان ألف دينار وذلك فى سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وجباها أيضا فى سنة تسع وخمسين وثلاثمائة ثلاثة ألف ألف وأربعمائة ألف دينار، وآخر ما اعتبر من حال أرض مصر فوجد مدة حرثها ستون يوما ومساحة أرضها مائة ألف ألف وثمانين ألف ألف فدان وإنه لا يتم خراجها حتى تكون فيها أربعمائة ألف وثمانين ألف ألف حرث يلزمون العمل دائما، فإذا أقيم بها هذا القدر من العمال فى الأرض تمت عمارتها وكمل خراجها، وآخر ما كان بها مائة ألف وعشرون ألف مزارع فى الصعيد سبعين ألفا ووأسفل الأرض خمسين ألف، وقد تغيرت أرض مصر الآن تغيرا فاحشا جميع ما كان بها من الأوضاع القديمة، واختلت إختلالا فاضحا، فلذلك قل خراجها وضعف حالى جندها. ***

стр. 133

ذكر الأصناف التى تزرع بأرض مصر وأقسامها وغير ذلك قال أبو بكر بن وحشية فى كتاب الفلاحة النبطية قيل: ولما كان فى سنة ست وثمانمائة انحسر الماء عن قطعة أرض من بركة الفيوم التى يقال لها اليوم بحر يوسف فزرعت وجاء زرعها عجيبا رمى الفدان منها أحد وسبعين أردبا من الشعير بكيل الفيوم وأرد بها تسع ونبات، وكانت قطيعة الفدان من القمح ببلاد الصعيد فى الأيام الفاطمية ثلاثة أرادب، فلما مسحت البلاد فى سنة أثنتين وسبعين وخمسماذة يقدر على كل فدان أردبين ونصف، ثم صار يؤخذ عن فدان أردبين. أما أراضى أسفل الأرض فتزرع الشعير قبل القمح وغيره فى الأرض التى عرفت وهى رطبة يتقدم زراعته على زراعة القمح بأيام وكذلك بأيام وكذلك حصادة، فإنه يحصد قبل القمح ويحتاج الفدان منه أن يبذر فيه بحسب الأرض، ويخرج أكثر من القمح ويكون أدركه فى شهر برمودة ويزرع الفول الحراث من أول شهر بابه ويؤكل وهو أخضر فى شهر كيهك، ويحتاج الفدان من البدار إلى ثلاث ويبات ونحوها، ويدرك فى برمودة، ويتحصل من فدانه ما بين عشرين أردبا إلى ما دون ذلك. ويزرع العدس والحمص فى شهر هاتور إلى كيهك، والجلبان لا يزرع إلا فى أرق الأراضى حرثا من الأرض العالية، ويزرع تلويقا فى الأرضى الخرس، ويبذر في كل فدان من الحمص من أردب إلى ثمان ويبات. والجلبان من أردب إلى أربع ويبات. ومن العدس من ويبتين إلى ما دونهما، وأنجب ما يكون الكتاب إذا زرع فى البرش ويحتاج أن يسبح بتراب سبخ وهو إذا طال رقد ويقلع قضبايا ويسمى حينئذ أسلافا، وينشر فى موضعه حتى يجف، فإذا جف حمل وغزل وحوزه فيخرج منه بذر الكتان ويستخرج منه الزيت الحار، ويزرع الكتان فى شهرها تور ويحتاج الكتان أن يبذر فيه من البذر ما بين أردب وثلاث إلى ما دون ذلك ويدرك فى شهر برمودة، ويخرج من الفدان ما بين ثلاثين شدة إلى ما دون ذلك، ومن البذر من ستة أرادب وثلاث إلى ما دونها، وكانت قطيعة الفدان منه

стр. 134

فى القديم بأرض الصعيد من خمسة دنانير إلى ثلاثة وفى دلاص ثلاثة عشر دينار وفيما عدا ذلك ثلاث دنانير. ويزرع القرط وهو البرسيم عند أخد ماء النيل فى النقصان، ولا ينبغى تأخر زراعه إلى أوان هبوب ريح الجنوب التى يقال لها ريح المريسية، وأول ما يبذر فى شهر بابة وربما زرع بعد النوروز ويبذر فى كل فدان من ويبتين ونصف إلى ما حولها ويدرك الأخضر منه فى آخر شهر كيهك. ويزرع البصل والثوم من شهر تور إلى نصف كيهك، ويبذر فى الفدان من البصل من نصف وربع ويبة إلى ويبة والثوم كذلك ويدرك ذلك فى شهر برمودة والبصل الذى يخرج ليزرع زريعته فإنه يزرع من أول كيهك إلى آخر العاشر من طوبة وزريعته لكل فدان أردب، ويدرك فى برمودة وتحصل من الفدان ما بين عشرين أردبا إلى ما دونها كلها الأصناف الشتوية. وأما الأصناف الصيفية: فإن البطيخ واللوبيا يزرعان من نصف برمهات إلى نصف برمودة، ويزرع فى الفدان قد حان ويدرك فى شهر بشنس. ويزرع السمسم فى شهر برمودة وزريعته ربع ويبة للفدان، ويدرك فى شهر أبيب ومسرى ويتحصل من الفدان ما بين أردب إلى ستة أرادب، ويزرع القطن فى برمودة وزريعته أربع ويبات حب لكل فدان، ويدرك فى توت فيخرج من الفدان من ثمانية قناطير قطن بالجروى إلى ما دونها. ويزرع قصب السكر من نصف برمهات فى أثر الباق والبرش وتبرش أرضه سبع سكك وانجبه ما يكامل له ثلاث عرقات قبل انقضاء شهر بشنس، ويحتاج القصب إلى أرض جيدة دمنه قد شملها الرى وعلاها ماء النيل، وقطع ما بها من الحلفاء ونظفت ثم برشت بالمقلعات وهى محاريث كبار بستة وجوه، وتجرف حتى تتمهد ثم تبرش، ومعنى البرش الحرث فإذا صلحت الأرض وطابت وتعمت وصارت ترابا ناعما وتساوت بالتجريف شقت حينئذ بالمقلعات ويرمى فيها القصب قطعتين جفتاه وقطعة مفردة بعد أن يجعل الأرض أحواضا ويفوز لها حد أول يصل الماء منها إلى الأحواض ويكون طول كل قطعة من القصب ثلاث أنابيب كوامل، وبعض أنبوبة من أعلا القطعة وبعض أخرى من أسفلها، ويختار ما قصرت أنابيبه وكثرت عيونه من القصب، ويقلل لهذا الفعل النصب فإذا كمل نصب القصب أعيد التراب عليه،

стр. 135

ولا بد فى القصب أن تكون القطعة ملقاة لا قائمة ثم يسعى من حين نصبه فى أول فصل الربيع لكل سبعة أيام مرة، فإذا انبت القصب وصار له أوراقا ظاهرة نبت معه الحلفاه والجمعا التى تسمها أهل مصر الرجلة فعند ذلك تنظف أرضه لما ينبت معه من الحلفا، ولا يزال يتعاهد ذلك حتى يغزر القصب عراقه فإنه لا يمكن عراق الأرض ولا يكون هذا حتى تبرز الأنبوب، والعادة أن الذى ينصب من الأقصاب يكون مجارا لبحر فإذا طلع النيل وارتفع سقى القصب عند ذلك ماء الراحة حتى يعلوا على الأرض القصب نحو شبر ثم يفطم بعد ذلك فإذا عمل ما قلناه، وفى القصب خفة فإن نقص عن ذلك حصل فيه الخلل، ولا بد للقصب من القطران قبل أن يحلوا حتى لا يسوس، ويكسر القصب فى شهر كيهك، ولا بد من حرق آثار القصب بالنار فينبت قصبا يقال له الخلفة ويسمى الأول الرأس وقنود الحلة أجود غالبا من قنود الرأس، ووقت أدراك الرأس فى طوبة، والحلقة فى نصف هاتور وثمانية أرادب المعاصر إلى النوروز ويتحصل من الفدان القصب ما بين أربعين أبلوجة قند إلى ثمانين أبلوجة، ويزرع القلقاس مع القصب ولكل فدان عشرة قناطير قلقاس ويدرك فى هاتور. ويزرع البادنجان فى برمهات وبرمودة وبشنس وبؤنة ويدرك من بؤنة إلى مسرى وتزرع النبيلة من بشنس والزريعة للفدان قدح إلى قدحين. ويزرع اللفت فى أبيب وزريعة الفدان قدح واحد، ويدرك بعد أربعين يوما ويزرع الخس فى طوبة شتلا ويؤكل بعد شهرين. ويزرع الكرنب فى توت شتلا ويدرك فى هتور. ويغرس الكرم فى أمشير نقلا وتحويلا، ويخرس التين والتفاح فى أمشير ويقلم التوت فى برمهات ويغرس ويبل اللوز والخوخ والمشمش فى ماء طوبة ثلاثة أيام - وهى قضبان ثم يغرس ويحول شجرها فى طوبة. ويزرع نوع التمر ثم يتحول وديا فتنقل، ويدفن بصل النرجس فى مسرى. ويزرع الياسمين فى أيام النسئ وفى أمشير. ويزرع المرسين فى طوبة وأمشير غرسا. ويزرع الريحان فى برمودة، ويزرع حب المنثور فى أيام النيل. ويزرع الموز الشتوى فى طوبة والصيفى فى أمشير. ويحول الخيار شنبر فى برمهات، وتقلم الكروم على ريح الشمال

стр. 136

إلى ليال من برمهات حتى تخرج العين منها وتقلم الأشجار فى طوبة وأمشير - إلا السدر وهو شجر النبق فإنه يقلم فى برمودة. وجميع أراضى مصر تقاس بالفدان وهو عبارة عن أربعمائة قصبة حاكمية طولا فى عرض قصبة واحدة، والقصبة ستة أذرع وثلثا ذراع بذراع القماش، وخمسة أذرع النجار تقريبا. *** ذكر أقسام مال مصر وأصل ذلك فى الإسلام أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، بلغه أن تجارا من المسلمين يأتون من المسلمين يأتون أرض الجند فيأخذون منهم منهم العشر، فكتب عمر إلى موسى الأشعرى وهو على البصرة: أن خذ من كل تاجر يمر بك من المسلمين من كل مائتى درهم خمسة دراهم، وخذ من تجار العهد يعنى أهل الذمة من كل عشرين درهم درهما. وأول من أحدث ما لا سوى بمصر أحمد محمد بن مدبر - لما ولى خراج مصر بعد سنة خمسين ومائتين - فإنه كان من دهاة الناس وشياطين الكتاب، فابتدع فى مصر بدعا صارت مستمرة من بعده، فأحاط بالنطرون وحجر عليه بعد ما كان مباحا لجميع الناس، وقرر على الكلأ الذى ترعاه البهائم ما لا سماه المراعى، وقرر على ما يطعمه الله من البحر وهو السمك ما لا وسماه المصايد … وغير ذلك. فلما ولى الأمير أحمد بن طولون بمصر وأضيفت إليه الثغور الشامية والمصرية تنزه عن أناس هذه الأمور وكتب باسقاطها من جميع أعماله، وكانت تبلغ بمصر خاصة مائة ألف دينار فى كل سنة ثم أعيدت جميع تلك المظالم والمكوس فى أثناء الدولة الفاطمية عند ما ضعفت دولتهم. فلما ولى السلطان الملك الناصر صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب بن شادى بملك مصر أمر باسقاط مكوس مصر والقاهرة جميعها، وكتب بذلك مرسوما عند القاضى الفاضل عبد الرحيم وكان جملة ذلك في كل سنة مائة ألف دينار.

стр. 137

فلما ولى ابنه الملك العزيز عثمان أعاد المكوس وزاد فى شناعتها. قال القاضى الفاضل فى متجددات سنة تسعين وخمسمائة وكان قد تتابع فى شهر شعبان أهل مصر والقاهرة فى أظهار المنكرات وترك الإنكار لها وإباحة أهل الأمر والنهى إليها وتفاحش الأمر فى تلك السنة إلى أن غلا سعر العنب لكثرة من يعصره، وأقيمت طاحون بحارة المحمودية لطحن بذر الحشيش فيها وخميت بيوت المزر، وأقيمت عليها الضرائب الثقيلة حتى صارت تأخذ منها فى كل يوم ستة عشر دينارا، وحملت أوانى الخمر على روءس الأشهاد وفى الأسواق من غير منكر لذلك وظهر عقب ذلك وفوق زيادة النيل عن معتادها وغلت سعر الغلة فى وقت ميسورها. وقال جامع السيرة التركية: ولما استقل الملك المعز عز الدين أيبك التركمانى الصالحى بمملكة مصر فى سنة خمسين وستمائة بعد انقراض دولة بنى أيوب، فجدد أيبك التركمانى مكوسا وضمانات وأخذ من التجار أموالا ومن أرباب العقارات وغير ذلك. ولما ولى الملك المظفر سيف الدين قطز مملكة مصر بعد خلع الملك المنصور على ابن المعز أيبك التركمانى أحدث عند سفره الذى قتل فيه مظالم كثيرة لأجل جمع المال وصرفه فى الحركة لقتال التتار منها أنه أحدث على كل إنسان دينارا من الفقراء والنساء وأخذ ثلث الترك الأهلية وأحدث من هذا الأمر شئ كثيرا حتي بلغ ذلك ستمائة ألف دينار، فلما قتل قطز ومضى خبره. وجلس الملك الظاهر ركن الدين بيبرس بعده على سريره الملك بمصر [ق ١١٩ ب خ بقلعة الجبل فعند ذلك أبطل جميع ما كان من المظالم قديما وحديثا وكتب بذلك مساميح قرئت على المنابر وذلك فى سنة اثنين وستين وستمائة وأبطل ضمان الحشيس من الديار المصرية وأمر باراقة الخمور وأبطال المنكرات وخراب بيوت المسكرات ومنع الحانات من الخواطى بجميع أقطار مملكة مصر والشام فظهرت من ذلك البقاع جميعا وقد أحضر إليه بشخص يسمى الكازرونى وهو سكران فأمر بصلبه وعلقت الجرة فى عنقه وذلك الذى يقول فيه ابن دانيال. لقد كان بعد السكر من قبل صلبه … خفيف الأذى إذ كان فى شرعنا جلدك فلما بدا المصلوب قلت لصاحبى … ألايت فإن الحد قد جاور الحدا ولما ولى الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفى بمملكة مصر أبطل زكاة الدولة وهو ما

стр. 138

كان يؤخذ من الرجل عن زكاة ماله أبدا ولو عدم منه ولو مات لا يزال يؤخذ من ورثته، وأبطل ما كان يجبى من أهل إقليم مصر كله إذا حضر مبشر بفتح حصن أو بنصرة عسكر أو نحوه فيؤخذ من الناس على قدر طبقاتهم وكان يجتمع من ذلك مال كثيرة، وأبطل ما كان يجنى عنده وفاء النيل من أهل مصر مما كان يعمل شوى وحلوى وفاكهة برسيم المقياس وجعل مصروف ذلك من بيت المال وأبطل أشياء كثيرة من هذا النمط. ولما ولى الملك الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون أبطل ضمان المغانى، وكان ذلك بلاء عظيما وهو عبارة عن أخذ مال من النساء البغايات وذلك لو خرجت أجل المرأة فى مصر تريد البغا ونزلت اسمها عند الضامنة وقامت بما يلزمها لما قدر أكبر من فى مصر بمنعها من عمل الفاحشة وكان يؤخذ من كل باع ملكا عن ألف درهم عشرون درهما، وكان متحصل هذين الجهتين مال كبير جدا. ولما ولى الملك الظاهر برقوق أبطل من المظالم شيئا كثيرا منها ما كان يؤخذ من بيع القمح من الفقراء بثغر دمياط فمن يبتاع من أردبين إلى ما دونهما، وأبطل ما كان يؤخذ على الدريس والحلفاة بباب النصر خارج القاهرة، وأبطل الأبقار التى كانت ترمى على الناس بالوجه البحرى عند فراغ الجسور وأبطل من هذا النمط شيئا كثيرا. ولما ولى ابنه الملك الناصر فرج بن برقوق الملك بمصر زاد فى الظلم وتجديد المكوس بواسطة الأمير جمال الدين يوسف الاستا دار فزاد مظالما كثيرة وكان فيما زاده أخذ المكس من الصيادين وكان ذلك قد بطل من مصر وأعمالها من البورى وغيره من السمك، ولما تجدد المكس عليها قل السمك بالقاهرة وغلا سعره. قال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس فى تاريخ مصر أن كان صنما بالإسكندرية يقال له شراحيل على حشفه من حشف البحر مستقبل بأصبع من كفه نحو قسطنطينية أكان مما عمله سليمان بن داود، أم عمله الإسكندر؟ فكانت الحييتان السمك يدور بذلك الصنم، وتصاد عنده فيما زعموا، فكتب رجل يقال له أسامة بن زيد وكان عاملا على مصر للوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين كتابا يذكر فيه إن عندنا بالإسكندرية صنما يقال له شراحيل من نحاس، وقد غلت علينا الفلوس الجدد والنحاس، فإن رأى أير المؤمنين أن ينزله ويضربه فلوسا فعلنا، وأن رأى غير ذلك فالأمر أمره، فكتب إليه: لا تنزله حتي أبعث إليك أمناء يحصرونه فبعث إليه رجالا أمنتاء حتى أنزلونه من الحشفة فوجدوا عيناه

стр. 139

ياقوتتين ليس لهما قيمة فعند ذلك ضربة فلوسا، فلما بطل فعله انطلقت الحيات السمك من ذلك المكان، ولم ترجع إليه من ذلك الوقت. ولما ولى الملك المؤيد شيخ مملكة مصر بعد الخليفة العباس بن محمد بن أمير المؤمنين المستعين بالله فأمر المؤيد شيخ يجنى الجوالى من اليهود والنصارى فأخذت منهم المثل مثلين وحصل لهم ضرر زايد وأحدث مظالم كثيرة فى أيامه. وقد صار كل ملك من الملوك لا بد أن يحدث شئ فى أيامه من أبواب الظلم فيتبعه على ذلك من يجيء بعده، وربما يزيد عليه شيئا آخر، والأمر فى ذلك لله ما شاء فعل، وقد قال بعضهم. كم من ملوك طغوا فينا وما عدلوا … ولم تنل منهم رفقا مساكنهم حتى إذا ما عثوا عن ما نهوا أخذوا … فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم وقال الإمام على ﵁: يسعى ابن آدم فى قضى أؤطاره … والموت يتبعه على آثاره يلهو وكف الموت فى أطواقه … كالكبش يلعب فى يدى جزاره يمسى وقد أمن الحوادث ليلة … فلربما يطرقه فى أسحاره من ليس يعلم وكيف تصبح داره … من بعده فليعتبر بجواره قيل كتب قيصر إلى كسرى كتابا وكانا ضدين متباغضين لاقتسامهما نصفين الدنيا، يقول له فى الكتاب «أعلمنى بمادامت لك الطاعة فى جميع أهل ممللتك مع شطه أقطارها واستثبتت لك الأمور، وساعدك المقدور وأنت رجل مجوسى ليس لك كتاب منزل ولا نبى مرسل. وكتب إليه كسرى وهو يقول فى كتابه: استقام إلى أمر مملكتى فى جميع ما ذكرته وما لم تذكره وما هو أعظم منه وذلك أن لى عشرة خصال تؤمن فى مثلها الغاية التى يحذر وقوعها وهى إنى لم أهزل فى أمر ولا نهى ولا أكذب فى رعد ولا عيد، واستخدم فى أعمالى الكفاءة والأغنياء وعقوبتى للذنب لا للغضب واستلمت قلوب الرعية بتوقيع منافعها، والحرص على

стр. 140

مدافعها وعميت بالقوت ومبعث من الفضول ونزلت الرعية طبقاتها المتعارفة وحدرت كل أحد أن يتجاوز حد طبقته لأن أكبر أسباب الفساد التى تعرض للدول من أهمال ضبط الطبقات فيدخل كل منهم فى ما ليس من شكله ولا مخبرة له به ولا من شأنه فيتابع الفساد ويستسرى الأضطراب فحينئذ اجتمعت لي القلوب مع كثرة الاعظام والمهابة ثم إنى لم أخيب قصد من رجائى ولا قطعت حبل من واصلنى ولا أبغضت من أحبنى ولا احتجبت عن مظلوم ولا تهاونت بحقير ولاننا سيئت إحسان كريم ولا رفعت نفسى عن أحد من ذوى رحمى ولا نصرت أحدا من قومى ولا وخرت مجازاة محسن ولا غفلت من عقوبة مجرم. قال الراوى: فلما وقف قيصر على كتاب كسري كتب إليه قيصر وهو يقول له: يحق لمن كانت له هذه السياسة أن تدوم له الرياسة. *** ذكر عجائب الأهرام وما قيل فيها أعلم أن الأهرام بأرض مصر كانت كثيرة جدا منها بناحية بوصير شئ كثير بعضها طين ولبن، وأكثرها حجر وبعضها مدرج وأكثرها مخروط أملس، وقد كان منها بالجيزة تجاه مدينة مصر عدد كثير كلها صغار قد هدمت فى أيام السلطان الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب على يد قراقوش وبنى لها قلعة الجبل والسور المحيط بالقاهرة ومصر، وبنى بها القناطر التى بالجيزة وأعظمهم الأهرامات الثلاثة التى هى إلى اليوم قائمة تجاه مصر وقد اختلف الناس فى وقت بنائها واسم بابيها والسبب فى بناءها وقالوا فى ذلك أقوالا متبانية أكثرها غير صحيح وساد وصح لك من بناء ذلك ما يشفى العليل. بعون الملك الجليل. قال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه فى أخبار مصر وعجايبها أن الذى بنى الأهرام كان أسمه أجناد سوريد بن شهلوق بن شرياق بن توميودون بن تدرسان بن هو صال أحد ملوك مصر قبل الطوفان الذين يسكنون مدينة أمسوس الأتى ذكرها، وهو الذى بنى الهرمين العظيمين بمصر وقد نسبوهم قوم إلى شداد بن عاد، والقبط تنكر أن تكون العادية دخلت بلادهم لقوة سحرهم وسبب بناء الهرمين أنه كان قبل الطوفان بثلاثمائة سنة قد رأى

стр. 141

سوريد المقدم ذكره فى منامه كأن الأرض قد انقلبت بأهلها وكأن الناس قد هربوا على وجوههم وكأن الكواكب تتساقط ويصدم بعضها بعضا بأصوات هائلة فأغمه ذلك ولم يذكره لأحد وعلم أنه سيحدث فى العالم أمر عظيم ثم رأى بعد ذلك بأيام كان الكواكب الثانية نزلت إلى الأرض فى صور طيور بيض وكأنها تخطف الناس وتلقيهم بين جبلين عظيمين وكأن الجبلين قد انطبقا عليهم وكأن الكواكب النيرة مظلمة مكسوفة فانتبه وهو مذعورا من ذلك، ودخل إلي هيكل الشمس وتضرع ومرغ خديه على التراب وبكى، فلما أصبح جمع رؤساء الكهنة من جميع أعمال مصر وكانوا مائة وثلاثين كاهنا فخلا بهم وحكا لهم ما راءه أولا وآخرا، فاؤلوه بأمر عظيم يحدث فى العالم، فقال له عظيم الكهان يقال له قليمون أن أحلام الملوك لا تجرى على محال لعظم أقدارهم وأنا أخبر الملك برؤيا رأيتها منذ سنة ولم أذكرها لأحد من الناس رأيت كأنى قاعد مع الملك على وسط المنار الذى بأمسوس، وكان الفلك قد انحط من موضعه حتى قارب روءسنا وكانه علينا كالقبة المحيطة بناء، وكان الملك قد رفع يديه نحو السماء وكواكبها قد خالطتنا فى صور شتى مختلفة الأشكال، وكان الناس قد جعلوا إلى قصر الملك وهم يستعينون به، وكان الملك رفع يديه حتى بلغنا رأسه وأمرنى أن أفعل كما فعل ونحن على وجل شديد إذ رأينا موضعا قد انفتح وخرج منه نور مضى وطلعت علينا منه الشمس ركأننا استغيثنا بالشمس فخاطبتنا أن الفلك سيعود إلى موضعه فانبهت مرغوبا ثم نمت، فرأيت كان مدينة امسوس قد انقلبت بأهلها والأصنام يهوى على روءسها، وكان اناسا نزلوا من السماء بأيديهم مقامع من حديد يضربون بها الناس، فقلت لهم ولم تفعلون بالناس كذا، قالوا: لأنهم كفروا بالههم، فقلت لهم وهل بقى لهم من ذلك خلاص. قالوا: نعم من أراد الخلاص فاليلحق بصاحب السفينة ثم انبهت مرغوبا فقال الملك خذوا الارتفاع من الكواكب وانظروا هل من حادث فبلغوا غايتهم فى استقصاء ذلك وأخبروا بأمر الطوفان وبعده بالنار التى من برج الأسد تحرق العالم. قال الملك انظروا هل يلحق هذه الآفة بلادنا. فقالوا له: نعم: يأتى الطوفان على أكثره ويلحقه خراب يقيم عدة سنين. قال: فانظروا هل تعود عامرا كما كان أو يبقى مغمورا بالماء دائما. قالوا: بل تعود البلاد كما كانت وتعمر. قال: ثم ماذا. قالوا يقصدها ملك يقتل أهلها ويغنم مالها. قال: ثم ماذا؟ قالوا: يقصدها قوم مشوهون من ناحية النيل ويملكون أكثرها، قال: ثم ماذا قالوا: ينقطع نيلها

стр. 142

وتخلوا من أهلها فأمر عند ذلك بعمل هذه الأهرام وأن تعمل لها مسارب يدخل منها النيل إلى مكان ثم يفيض إلى مواضع من أرض المغرب وأرض الصعيد وبلادها، وفيها من الطلمسات والعجائب وأموالا وأصناما وأجساد ملوكهم وفى سقوفها وحيطانها وأسطواناتها جميع العلوم الغامضة وفيها صور الكواكب كلها وكتب فيها أسماء العقاقير ومنافعها ومضارها، وعلم الطلمسات وعلم الحساب وعلم الهندسة وجميع علومهم مفسرا لمن يعرف كتابتهم ولغتهم. ولما شرع فى بنائها أمر بقطع الأسطوانات العظام ونشر البلاط الهائلة واستخراج الرصاص من أرض الغرب واحضار الصخور من ناحية أسوان فبنى بها أساس الأهرام الثلاثة الشرقى والغربى والملون وكانت لهم صحايف وعليها كتابة إذا قطع الحجر وتم أحكامه وضعوا عليه تلك الصحايف وضربوه فيعدوا بتلك الضربة قدر مائة سهم ثم يعاودون ذلك مرات حتى يصل الحجر إلى الأهرام وكانوا يمدون البلاطة وتجعلون فيها نقبا بواسطها قطب من الحديد قائما ثم يركبون عليها بلاطة أخرى مثقوبة الوسط ويدخلون القطب فيها ثم يذاب الرصاص ويصب فى القطب إلى أن كملت وجعل لها أبوابا تحت الأرض بأربعين ذراعا. فأما باب الهرم الشرقى فأنه من الناحية الشرقية على مقدار مائة ذراع من وسط حائط الهرم. وأما باب الهرم الغربى فأنه من الناحية الغربية على مقدار مائة ذراع من وسط حائط الهرم. وأما الهرم الملوك فأنه من ناحية الجنوب على مقدار مائة ذراع وصل إلى باب الأزج المبنى ويدخل إلى باب الهرم وجعل ارتفاع كل واحد من الأهرام فى الهواء مائة ذراع، والذراع الملك بذراعهم وهو خمسمائة ذراع بذراعنا الآن وجعل طول كل واحد من جميع جهاته مائة ذراع بذراعهم ثم هندسوها من كل بجانب حتى تحددت أعاليها من أخر طولها على ثلاثمائة ذراع بذراعا، وكان ابتداء بناءها فى طالع سعيد اجتمعوا عليه وخبروه. فلما فرغت من بناءها كسوها ديباجا ملونا من فوقها إلى أسفلها وعمل لها عيدا، حضره أهل مملكته بأجمعهم ثم عمل فى الهرم الغربى ثلاثين مخزنا من حجارة صوان ملونة ومليئة بالأموال الجمة والآلات والتماثيل المعمولة من الجواهر النفسية وآلات الحديد الفاخر من السلاح الذى لا يصد والزجاج الذى ينطوى ولا ينكسر وأصناف العقاقير المفردة والسموم القاتلة. وعمل فى الهرم الشرقى أصناف القباب الفلكية والكواكب وما عملوه أجداده من التماثيل التى تتقرب بها إلى الكواكب ومصاحبها وكون الكواكب الثانية وما يحدث فى أدوارها وما عمل لها من التواريخ والحوادث التى مضت والأوقات التى ينتظر فيها ما يحدث وكل من يلى أرض مصر إلى آخر الزمان وجعل فيها المظاهر التى فيها المياه المدبرة وما أشبه ذلك.

стр. 143

وجعل فى الهرم الملون أحبار الكهنة فى توابيت من صوان أسود، مع كل كاهن مصحف فيه عجائب صناعاته وأعماله وسيرته، وما عمل فى وقته وما كان يكون من أول الزمان إلى آخره، وجعل فى الحيطان من كل جانب أصناما تعمل بأيديها جميع الصناعات على مراتبها وأقدارها، وصفة كل صنعة وعلاجها، وما يصلح لها، ولم يترك علما من العلوم حتى كتبه ورسمه فيها، وجعل فيها أموال الكواكب التى أهديت إليها وأموال الكهنة وهو شئ عظيم لا يحصى وجعل لكل هرم منها خازنا فخازن الهرم الغربى صنم من حجارة صوان مجزع وهو واقف ومعه شبه حربه وعلى رأسه حية، وقد تطوف بها من قرب منه وثبت إليه وطوفت على عنقه حتى يقتله ثم تعود إلى مكانها، وجعل خازن الهرم الشرقى صنما من جزع أسود وأبيض، له عينان مفتوحتان براقتان وهو جالس على كرسى، ومعه حربه إذا نظر أحد إليه سمع من جهته صوتا منه فيخر على وجهه، ولا يبرح حتى تموت، فلما فرغ من ذلك كله حصن الأهرام بالأرواح الروحانية، وذبح لها الذبايح لتمنع من أنفسها من أرادها، إلا من عمل لها أعمال الوصول إليها. وذكر القبط فى كتبهم أن عليها كتابا منقوشا تفسيره بالعربية: أنا سوريد الملك بنيت هذه الأهرام فى وقت كذا وكذا وتممت بناءها فى ستين سنة فمن أتى بعدنى. وزعم أنه ملك مثلى فليهدمها فى ستمائة سنة فإن الهدم أيسر من البنيان وإنى كسوتها عند فراغها بالديباج فليكسها من أتى بعدنا حصرا. وحكى القبط فى كتبهم أن روحانية الهرم الشمالي غلام أمرد أفر اللون عريان فى فمه أنياب كبار وروحانية الهرم الجنوبى امرأة عريانه بادية الفرج فى فمها أنياب كبار تستتهوى الإنسان إذا رآت وتضحك له حتى يدنوا منها فتسلب عقله وروحانية الهرم الملون شيخ فى يده مجمرة من مجامر الكنايس يبخر بها، وقد رآه جماعة من الناس مرارا وهو يطوف حول الأهرام وقت القائلة وعند غروب الشمس. قال: ولما مات سوريد دفن في الهرم ومعه أمواله وكنوزه. وقالت القبط: أن سوريد هو الذى بنى البرانى وأودع فيها الكنوز وغيرها. قال: وأما الأهرام الدهشورية، فيقال أن شدات بن عديم هو الذى بناها من الحجارة التي كانت قد قطعت فى زمن أبيه، وشدات بن عديم هذا يزعم بعض الناس أنه شداد بن عاد، وتم من أنكر هذا، وأن العادية ما دخلت مصر، إنما تشابهت الأسماء بين شداد

стр. 144

وشدات بن عديم وإلا فما قدر أحد من الملوك يدخل مصر ولا قوى على أهلها غير بختنصر والله أعلم. وذكر أبو الحسن المسعودى فى كتاب أخبار الزمان: أن الخليفة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد لما قدم إلى مصر وأتى على الأهرام أحب أن يهدم أحدها ليعلم ما فيها، فقيل له إنك لا تقدر على ذلك. فقال: لا بد من فتح شئ منها، ففتح الثلمة المفتوحة الآن وقد أنفق عليها أموالا عظيمة، فلما انفتحت وجدوا عرض حايطة قريبا من عشرين ذراعا، فلما انتهوا إلى آخر الحائط وجدوا خلف النقب مظهره خضراء فيها ذهب مضروب، وزن كل دينار أو قبة وكان عددها ألف دينار، فجعل المأمون يتعجب من ذلك الذهب ومن جودته ثم أمر أن يعمل حساب ما أنفقه على فتح الثملة فوجد الذهب الذى أصابوه من النقب بقدر ما أنفقوه عليه لا يزيد ولا ينقص فتعجب المأمون من ذلك عجبا عظيما. وقيل أن المظهرة التى وجد فيها الذهب كانت من زبرجد فأمر المأمون تحملها إلى خزاينه، وكان آخر ما حمل من عجائب مصر وأقام الناس سنين يقصدون تلك الثلمة وينزلون من الزلاقة التى فيه فمنهم من يسلم ومنهم من يهلك فأنفق عشرون نفرا من الأعوام على دخول تلك الموضع وأعدوا لذلك ما يحتاجون إليه من طعام وشراب وحبال وشمع ونحوه ونزلوا من الزلاقة فرأوا فيها من الخفاش ما يكون قدر العقبان يضرب وجوههم ثم أنهم أدلوا أحدهم بالحبال فانطبق عليه المكان وسمعوا صوتا أرعبهم فغشى عليهم ثم أفاقوا وخرجوا من الهرم فبينما هم جلوس يتعجبون مما وقع لهم إذ خرجت الأرض صاحبهم من بين أيديهم حياتكلم بكلام لم يعرفوه ثم سقط ميتا، فحملوه ومضوا فأخذهم الخفراء وأتوا بهم إلى الوالى فحدثوه خبرهم ثم ساء لهم عن الكلام الذى قاله صاحبهم قبل موته. فقالوا له: قال صك صك سكا سكا ففسروا ذلك من له خبرا بكلامهم ولغتهم فأذا معناه هذا جزاء من يهجم على الملوك ويطلب ما ليس له. وقال على بن رضوان الطبيب (١): فكرت فى بناء الأهرام فأوجب علم الهندسة العملية ورفع الثقيل إلى فوق، أن يكون القوم هندسوا سطحا مربعا ونحتوا الحجارة ذكرا وأنثى ورصوها بالجبس البحرى إلى أن أرتفع البناء مقدار ما يمكن رفع الثقيل. وكانوا كلما وضعوا ضموا البناء حتى يكون السطح الموازى للمربع ألا ينتقل مربعا أصغر من المربع السفلانى، ثم عملوا في السطح المربع الفوقاني مربعا أصغر بمقدار ما بقى فى الحاشية ما يمكن رفع الثقيل إليه، وكلما رفعوا حجرا مهندما رضوه ذكرا وأنثى إلى أن ارتفعوا مقدار

стр. 145

أمثل المقدار الأول، ولم يزالوا يفعلون ذلك، إلى أن بلغوا غاية لا يمكنهم بعدها أن يفعلوا ذلك فقطعوا الأرتفاع ونحتوا الجوانب البارزة التى فرضوها لرفع الثقيل، ونزلوا فى النحت من فوق إلى أسفل، فصار الجميع هرما واحدا وقياس الهرم الأول بالذراع الذى يقاس بها اليوم الأغلبية بمصر كل حاشية منه أربعمائة ذراع، يكون بالذراع السواد التى طول كل ذراع منه أربعة وعشرون أصبعا خمسمائة ذراع، وذلك متساوية الأضلاع والزوايا ضلعين منها على خط نصف النهار وضلعين على خط المشرق والمغرب، وكل ضلع بالذراع السواد خمسمائة ذراع وانحط المنحدر على استقامة من رأس الهرم إلى نصف ضلع المربع أربعمائة وسبعين ذراعا يكون إذا تميم أيضا خمسمائة ذراع، واحيط بالهرم أربع مثلثات كل مثلث منها متساوى الساقين كل ساق منه إذا تميم خمسمائة وستون ذراع، والمثلثات الأربعة تجتمع روءسها عند نقطة واحدة وهى رأس الهرم إذا تم، فيلزم أن يكون عموده أربعمائة وثلاثين ذراعا، وعلى هذا يكون تكسير كل مثلث من مثلثاته أربعمائة ألف وخمسة وعشرون ألف ذراع إذ جمع تكاسرها، كان مبلغ تكسير مسطح هذا الهرم خمسمائة ألف ذراع بالحديد، وما أحسب على وجه الأرض بناء أعظم منه ولا أحسن هندسة ولا أطول منه. قال: ولما فتح المأمون نقبا من هذا الهرم وجد فيه زلاقة تصعد إلى بيت مربع ووجد فى وسطه قبر رخام وهو باق فيه إلى اليوم، فقال ولم يقدر أحد بخيطه، وبذلك أخبر جالينوس الحكيم أنها قبور، فقال فى أخر الخامسة من تدبير الصحة بهذا اللقط «وهم يسمون من كل فى هذا السن الهرم، وهو اسم مشتق من الأهرام التى هم إليها صائرون عن قريب» يعنى القبور. قال الحوقلى فى صفه مصر وبها الهرمان اللذان ليس على وجه الأرض لهما نظير فى ملك مسلم ولا كافر ولا عمل ولا يعمل لهما مثال وقرأ بعض بنى العباس على أحدهما إنى قد بنيتهما فى ستين سنة، فمن كان يدعى قوة فى ملكه فليهدمهما فى ستمائة سنة، فالهرم أيسر من البناء وهم بعض الخلفاء، قيل المأمون وقيل المعتصم فإذا خراج مصر لا يقوم بهدمها، وكان خراج مصر فى ذلك الوقت إذا بلغ النيل سبع عشرة ذاراعا وعشر أصابع، كان الخراج ألف ألف ومائتى ألف وسبعة وخمسين ألف ألف دينار. وقال أبو يعقوب محمد بن إسحاق الوراق (١) فى كتاب الفهرست وقد ذكر هرمس البابلى قد أختلف فى أمر بنى هذه الأهرام، قيل أنه كان أحد السبعة الذين رتبوا حفظ البيوت السبعة
следующие страницы →