← История

История · id 30074

نزهة الأمم في العجائب والحكم

ابن إياس

Полный текст (334 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

سوريد المقدم ذكره فى منامه كأن الأرض قد انقلبت بأهلها وكأن الناس قد هربوا على وجوههم وكأن الكواكب تتساقط ويصدم بعضها بعضا بأصوات هائلة فأغمه ذلك ولم يذكره لأحد وعلم أنه سيحدث فى العالم أمر عظيم ثم رأى بعد ذلك بأيام كان الكواكب الثانية نزلت إلى الأرض فى صور طيور بيض وكأنها تخطف الناس وتلقيهم بين جبلين عظيمين وكأن الجبلين قد انطبقا عليهم وكأن الكواكب النيرة مظلمة مكسوفة فانتبه وهو مذعورا من ذلك، ودخل إلي هيكل الشمس وتضرع ومرغ خديه على التراب وبكى، فلما أصبح جمع رؤساء الكهنة من جميع أعمال مصر وكانوا مائة وثلاثين كاهنا فخلا بهم وحكا لهم ما راءه أولا وآخرا، فاؤلوه بأمر عظيم يحدث فى العالم، فقال له عظيم الكهان يقال له قليمون أن أحلام الملوك لا تجرى على محال لعظم أقدارهم وأنا أخبر الملك برؤيا رأيتها منذ سنة ولم أذكرها لأحد من الناس رأيت كأنى قاعد مع الملك على وسط المنار الذى بأمسوس، وكان الفلك قد انحط من موضعه حتى قارب روءسنا وكانه علينا كالقبة المحيطة بناء، وكان الملك قد رفع يديه نحو السماء وكواكبها قد خالطتنا فى صور شتى مختلفة الأشكال، وكان الناس قد جعلوا إلى قصر الملك وهم يستعينون به، وكان الملك رفع يديه حتى بلغنا رأسه وأمرنى أن أفعل كما فعل ونحن على وجل شديد إذ رأينا موضعا قد انفتح وخرج منه نور مضى وطلعت علينا منه الشمس ركأننا استغيثنا بالشمس فخاطبتنا أن الفلك سيعود إلى موضعه فانبهت مرغوبا ثم نمت، فرأيت كان مدينة امسوس قد انقلبت بأهلها والأصنام يهوى على روءسها، وكان اناسا نزلوا من السماء بأيديهم مقامع من حديد يضربون بها الناس، فقلت لهم ولم تفعلون بالناس كذا، قالوا: لأنهم كفروا بالههم، فقلت لهم وهل بقى لهم من ذلك خلاص. قالوا: نعم من أراد الخلاص فاليلحق بصاحب السفينة ثم انبهت مرغوبا فقال الملك خذوا الارتفاع من الكواكب وانظروا هل من حادث فبلغوا غايتهم فى استقصاء ذلك وأخبروا بأمر الطوفان وبعده بالنار التى من برج الأسد تحرق العالم. قال الملك انظروا هل يلحق هذه الآفة بلادنا. فقالوا له: نعم: يأتى الطوفان على أكثره ويلحقه خراب يقيم عدة سنين. قال: فانظروا هل تعود عامرا كما كان أو يبقى مغمورا بالماء دائما. قالوا: بل تعود البلاد كما كانت وتعمر. قال: ثم ماذا. قالوا يقصدها ملك يقتل أهلها ويغنم مالها. قال: ثم ماذا؟ قالوا: يقصدها قوم مشوهون من ناحية النيل ويملكون أكثرها، قال: ثم ماذا قالوا: ينقطع نيلها

стр. 142

وتخلوا من أهلها فأمر عند ذلك بعمل هذه الأهرام وأن تعمل لها مسارب يدخل منها النيل إلى مكان ثم يفيض إلى مواضع من أرض المغرب وأرض الصعيد وبلادها، وفيها من الطلمسات والعجائب وأموالا وأصناما وأجساد ملوكهم وفى سقوفها وحيطانها وأسطواناتها جميع العلوم الغامضة وفيها صور الكواكب كلها وكتب فيها أسماء العقاقير ومنافعها ومضارها، وعلم الطلمسات وعلم الحساب وعلم الهندسة وجميع علومهم مفسرا لمن يعرف كتابتهم ولغتهم. ولما شرع فى بنائها أمر بقطع الأسطوانات العظام ونشر البلاط الهائلة واستخراج الرصاص من أرض الغرب واحضار الصخور من ناحية أسوان فبنى بها أساس الأهرام الثلاثة الشرقى والغربى والملون وكانت لهم صحايف وعليها كتابة إذا قطع الحجر وتم أحكامه وضعوا عليه تلك الصحايف وضربوه فيعدوا بتلك الضربة قدر مائة سهم ثم يعاودون ذلك مرات حتى يصل الحجر إلى الأهرام وكانوا يمدون البلاطة وتجعلون فيها نقبا بواسطها قطب من الحديد قائما ثم يركبون عليها بلاطة أخرى مثقوبة الوسط ويدخلون القطب فيها ثم يذاب الرصاص ويصب فى القطب إلى أن كملت وجعل لها أبوابا تحت الأرض بأربعين ذراعا. فأما باب الهرم الشرقى فأنه من الناحية الشرقية على مقدار مائة ذراع من وسط حائط الهرم. وأما باب الهرم الغربى فأنه من الناحية الغربية على مقدار مائة ذراع من وسط حائط الهرم. وأما الهرم الملوك فأنه من ناحية الجنوب على مقدار مائة ذراع وصل إلى باب الأزج المبنى ويدخل إلى باب الهرم وجعل ارتفاع كل واحد من الأهرام فى الهواء مائة ذراع، والذراع الملك بذراعهم وهو خمسمائة ذراع بذراعنا الآن وجعل طول كل واحد من جميع جهاته مائة ذراع بذراعهم ثم هندسوها من كل بجانب حتى تحددت أعاليها من أخر طولها على ثلاثمائة ذراع بذراعا، وكان ابتداء بناءها فى طالع سعيد اجتمعوا عليه وخبروه. فلما فرغت من بناءها كسوها ديباجا ملونا من فوقها إلى أسفلها وعمل لها عيدا، حضره أهل مملكته بأجمعهم ثم عمل فى الهرم الغربى ثلاثين مخزنا من حجارة صوان ملونة ومليئة بالأموال الجمة والآلات والتماثيل المعمولة من الجواهر النفسية وآلات الحديد الفاخر من السلاح الذى لا يصد والزجاج الذى ينطوى ولا ينكسر وأصناف العقاقير المفردة والسموم القاتلة. وعمل فى الهرم الشرقى أصناف القباب الفلكية والكواكب وما عملوه أجداده من التماثيل التى تتقرب بها إلى الكواكب ومصاحبها وكون الكواكب الثانية وما يحدث فى أدوارها وما عمل لها من التواريخ والحوادث التى مضت والأوقات التى ينتظر فيها ما يحدث وكل من يلى أرض مصر إلى آخر الزمان وجعل فيها المظاهر التى فيها المياه المدبرة وما أشبه ذلك.

стр. 143

وجعل فى الهرم الملون أحبار الكهنة فى توابيت من صوان أسود، مع كل كاهن مصحف فيه عجائب صناعاته وأعماله وسيرته، وما عمل فى وقته وما كان يكون من أول الزمان إلى آخره، وجعل فى الحيطان من كل جانب أصناما تعمل بأيديها جميع الصناعات على مراتبها وأقدارها، وصفة كل صنعة وعلاجها، وما يصلح لها، ولم يترك علما من العلوم حتى كتبه ورسمه فيها، وجعل فيها أموال الكواكب التى أهديت إليها وأموال الكهنة وهو شئ عظيم لا يحصى وجعل لكل هرم منها خازنا فخازن الهرم الغربى صنم من حجارة صوان مجزع وهو واقف ومعه شبه حربه وعلى رأسه حية، وقد تطوف بها من قرب منه وثبت إليه وطوفت على عنقه حتى يقتله ثم تعود إلى مكانها، وجعل خازن الهرم الشرقى صنما من جزع أسود وأبيض، له عينان مفتوحتان براقتان وهو جالس على كرسى، ومعه حربه إذا نظر أحد إليه سمع من جهته صوتا منه فيخر على وجهه، ولا يبرح حتى تموت، فلما فرغ من ذلك كله حصن الأهرام بالأرواح الروحانية، وذبح لها الذبايح لتمنع من أنفسها من أرادها، إلا من عمل لها أعمال الوصول إليها. وذكر القبط فى كتبهم أن عليها كتابا منقوشا تفسيره بالعربية: أنا سوريد الملك بنيت هذه الأهرام فى وقت كذا وكذا وتممت بناءها فى ستين سنة فمن أتى بعدنى. وزعم أنه ملك مثلى فليهدمها فى ستمائة سنة فإن الهدم أيسر من البنيان وإنى كسوتها عند فراغها بالديباج فليكسها من أتى بعدنا حصرا. وحكى القبط فى كتبهم أن روحانية الهرم الشمالي غلام أمرد أفر اللون عريان فى فمه أنياب كبار وروحانية الهرم الجنوبى امرأة عريانه بادية الفرج فى فمها أنياب كبار تستتهوى الإنسان إذا رآت وتضحك له حتى يدنوا منها فتسلب عقله وروحانية الهرم الملون شيخ فى يده مجمرة من مجامر الكنايس يبخر بها، وقد رآه جماعة من الناس مرارا وهو يطوف حول الأهرام وقت القائلة وعند غروب الشمس. قال: ولما مات سوريد دفن في الهرم ومعه أمواله وكنوزه. وقالت القبط: أن سوريد هو الذى بنى البرانى وأودع فيها الكنوز وغيرها. قال: وأما الأهرام الدهشورية، فيقال أن شدات بن عديم هو الذى بناها من الحجارة التي كانت قد قطعت فى زمن أبيه، وشدات بن عديم هذا يزعم بعض الناس أنه شداد بن عاد، وتم من أنكر هذا، وأن العادية ما دخلت مصر، إنما تشابهت الأسماء بين شداد

стр. 144

وشدات بن عديم وإلا فما قدر أحد من الملوك يدخل مصر ولا قوى على أهلها غير بختنصر والله أعلم. وذكر أبو الحسن المسعودى فى كتاب أخبار الزمان: أن الخليفة عبد الله المأمون بن هارون الرشيد لما قدم إلى مصر وأتى على الأهرام أحب أن يهدم أحدها ليعلم ما فيها، فقيل له إنك لا تقدر على ذلك. فقال: لا بد من فتح شئ منها، ففتح الثلمة المفتوحة الآن وقد أنفق عليها أموالا عظيمة، فلما انفتحت وجدوا عرض حايطة قريبا من عشرين ذراعا، فلما انتهوا إلى آخر الحائط وجدوا خلف النقب مظهره خضراء فيها ذهب مضروب، وزن كل دينار أو قبة وكان عددها ألف دينار، فجعل المأمون يتعجب من ذلك الذهب ومن جودته ثم أمر أن يعمل حساب ما أنفقه على فتح الثملة فوجد الذهب الذى أصابوه من النقب بقدر ما أنفقوه عليه لا يزيد ولا ينقص فتعجب المأمون من ذلك عجبا عظيما. وقيل أن المظهرة التى وجد فيها الذهب كانت من زبرجد فأمر المأمون تحملها إلى خزاينه، وكان آخر ما حمل من عجائب مصر وأقام الناس سنين يقصدون تلك الثلمة وينزلون من الزلاقة التى فيه فمنهم من يسلم ومنهم من يهلك فأنفق عشرون نفرا من الأعوام على دخول تلك الموضع وأعدوا لذلك ما يحتاجون إليه من طعام وشراب وحبال وشمع ونحوه ونزلوا من الزلاقة فرأوا فيها من الخفاش ما يكون قدر العقبان يضرب وجوههم ثم أنهم أدلوا أحدهم بالحبال فانطبق عليه المكان وسمعوا صوتا أرعبهم فغشى عليهم ثم أفاقوا وخرجوا من الهرم فبينما هم جلوس يتعجبون مما وقع لهم إذ خرجت الأرض صاحبهم من بين أيديهم حياتكلم بكلام لم يعرفوه ثم سقط ميتا، فحملوه ومضوا فأخذهم الخفراء وأتوا بهم إلى الوالى فحدثوه خبرهم ثم ساء لهم عن الكلام الذى قاله صاحبهم قبل موته. فقالوا له: قال صك صك سكا سكا ففسروا ذلك من له خبرا بكلامهم ولغتهم فأذا معناه هذا جزاء من يهجم على الملوك ويطلب ما ليس له. وقال على بن رضوان الطبيب (١): فكرت فى بناء الأهرام فأوجب علم الهندسة العملية ورفع الثقيل إلى فوق، أن يكون القوم هندسوا سطحا مربعا ونحتوا الحجارة ذكرا وأنثى ورصوها بالجبس البحرى إلى أن أرتفع البناء مقدار ما يمكن رفع الثقيل. وكانوا كلما وضعوا ضموا البناء حتى يكون السطح الموازى للمربع ألا ينتقل مربعا أصغر من المربع السفلانى، ثم عملوا في السطح المربع الفوقاني مربعا أصغر بمقدار ما بقى فى الحاشية ما يمكن رفع الثقيل إليه، وكلما رفعوا حجرا مهندما رضوه ذكرا وأنثى إلى أن ارتفعوا مقدار

стр. 145

أمثل المقدار الأول، ولم يزالوا يفعلون ذلك، إلى أن بلغوا غاية لا يمكنهم بعدها أن يفعلوا ذلك فقطعوا الأرتفاع ونحتوا الجوانب البارزة التى فرضوها لرفع الثقيل، ونزلوا فى النحت من فوق إلى أسفل، فصار الجميع هرما واحدا وقياس الهرم الأول بالذراع الذى يقاس بها اليوم الأغلبية بمصر كل حاشية منه أربعمائة ذراع، يكون بالذراع السواد التى طول كل ذراع منه أربعة وعشرون أصبعا خمسمائة ذراع، وذلك متساوية الأضلاع والزوايا ضلعين منها على خط نصف النهار وضلعين على خط المشرق والمغرب، وكل ضلع بالذراع السواد خمسمائة ذراع وانحط المنحدر على استقامة من رأس الهرم إلى نصف ضلع المربع أربعمائة وسبعين ذراعا يكون إذا تميم أيضا خمسمائة ذراع، واحيط بالهرم أربع مثلثات كل مثلث منها متساوى الساقين كل ساق منه إذا تميم خمسمائة وستون ذراع، والمثلثات الأربعة تجتمع روءسها عند نقطة واحدة وهى رأس الهرم إذا تم، فيلزم أن يكون عموده أربعمائة وثلاثين ذراعا، وعلى هذا يكون تكسير كل مثلث من مثلثاته أربعمائة ألف وخمسة وعشرون ألف ذراع إذ جمع تكاسرها، كان مبلغ تكسير مسطح هذا الهرم خمسمائة ألف ذراع بالحديد، وما أحسب على وجه الأرض بناء أعظم منه ولا أحسن هندسة ولا أطول منه. قال: ولما فتح المأمون نقبا من هذا الهرم وجد فيه زلاقة تصعد إلى بيت مربع ووجد فى وسطه قبر رخام وهو باق فيه إلى اليوم، فقال ولم يقدر أحد بخيطه، وبذلك أخبر جالينوس الحكيم أنها قبور، فقال فى أخر الخامسة من تدبير الصحة بهذا اللقط «وهم يسمون من كل فى هذا السن الهرم، وهو اسم مشتق من الأهرام التى هم إليها صائرون عن قريب» يعنى القبور. قال الحوقلى فى صفه مصر وبها الهرمان اللذان ليس على وجه الأرض لهما نظير فى ملك مسلم ولا كافر ولا عمل ولا يعمل لهما مثال وقرأ بعض بنى العباس على أحدهما إنى قد بنيتهما فى ستين سنة، فمن كان يدعى قوة فى ملكه فليهدمهما فى ستمائة سنة، فالهرم أيسر من البناء وهم بعض الخلفاء، قيل المأمون وقيل المعتصم فإذا خراج مصر لا يقوم بهدمها، وكان خراج مصر فى ذلك الوقت إذا بلغ النيل سبع عشرة ذاراعا وعشر أصابع، كان الخراج ألف ألف ومائتى ألف وسبعة وخمسين ألف ألف دينار. وقال أبو يعقوب محمد بن إسحاق الوراق (١) فى كتاب الفهرست وقد ذكر هرمس البابلى قد أختلف فى أمر بنى هذه الأهرام، قيل أنه كان أحد السبعة الذين رتبوا حفظ البيوت السبعة

стр. 146

وأنه كان حكيم زمانه، وأنه لما توفى دفن فى البناء الذى يعرف بالهرمين وأن أحدهما قبر هرميس الأول من السبعة الحكماء والآخر قبر تلميذه. وقال العلامة موفق الدين المعروف بابن المطحن (١): جاء رجل عجمى فى زمن الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب قال أن الهرم الصغير تحته مطلب فأخرج إليه الحجار بن وأخذوا فى هدمه وأقاموا على ذلك شهور ثم تركوه عن عجز. وقال أبو الحسن المسعودى: كانت القوم يبنون هذا الهرم مدرجا ذا مراق كالدرج فإذا فرغوا منه نحتوه من فوق إلى أسفل فهذه كانت حيلتهم فى البناء لهذه الأهرام. وذكر أبو زيد (٢) البلخى أنه وجد مكتوب على الأهرام بكتابهم خط مغرب فإذا هو «بنى هذان الهرمان والنسر الواقع فى السرطان». وقال الهمدانى (٣) فى كتاب الأكليل لم يوجد مما كان تحت الماء وقت الغرق من القرى فى قرية بقية سوى الأهرام ونذكر ترجمتها ووجدت ولم تتغير منهما شئ، ذكر أبو عبد الله محمد ابن عبد الرحيم القيسى (٤): أن أهرام مصر عددها ثمانية عشر هرما فى مقابلة الفسطاط من أرض مصر منها ثلاثة أهرام كبار، دور كل واحد منهما ألفين ذراع فى كل وجه منها خمسمائة ذراع، وعلوه خمسمائة ذراع وكل حجر من حجارتها ثلاثون ذراع فى غلظ عشرة أذرع، فهى الثلاثة التى فى الجيزة، ومنها عند مدينة فرعون يوسف ﵇ أهرام عديدة، ومنها عند ميدون أهرام عظيمة قيل أنها خمس طبقات. وأما الهرم الذى بدير أبى هرمس فإنه قبر قرياس، وكان فارس أهل مصر، وكان يعد بألف فارس وأنه لما مات جزع عليه لملك جزعا شديدا ودفنوه بدير أبى هرمس وبنوا عليه الهرم مدرجا وكان طبنه لم يعرف ل معدن إلا بالفيوم. وقال ابن عفير عن أشياخه: أن جناد بن مناد بن شمرا بن شداد بن عاد بن عوض بن ارم بن سام بن نوح ﵇ قد طال ملكه وبلغ ثلاثمائة سنة، وهو الذى بنى الأهرام وذكر بعض المحدثين وعلى أن لم يجدوا ولا وقفوا على من بنى هذه الأهرام ولا خبر يثبت عنهم.

стр. 147

وقال محمد بن عبد الحكم: ما أحسب أن الأهرام بنيت إلا قبل الطوفان لأنها لو بنيت بعد الطوفان لكان علمها عند الناس. وقال محمد بن عبد الحكم أيضا: كان من وراء الأهرام إلى المغرب أربعمائة مدينة سوى القرى من مصر إلى المغرب. وقال أبو الريحانى البيرونى (١) فى كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية: أن الفرس والمجوس تنكر الطوفان وأن بعض الفرس أقربه ولكنهم قالوا بالشام والمغرب وذلك فى زمان طهموت ولكنه لم يعمر العمران كله ولم يتجاوز عقبة حلوان، ولم يبلغ ممالك الشرق، وأن أهل المغرب لما أنذر به حكاؤهم بنوا هذه الأهرام بمصر ليدخلوها عند الافة وأن آثار ماء الطوفان وتأثير الأمواج كانت باقية على نصف الهرمين لم يتجاوزهما. ويقال أنه لما نصب ماء الطوفان لم يوجد تحت الماء قرية عامرة سوى نهاوند، ووجدت كما هي وأهرام مصر وبرابيها وهى التى بناها هرمس الأول الذى تسميه العرب إدريس وكان قد ألهمه الله تعالى علم النجوم على أن يستنزل بالأرض آفة وأنه سيبقى بقية من العالم يحتاجون فيها إلى علمه فبنى بمصر هذه الأهرام والبرابى وكتب فيها علمه. وقال أبو الصلت الأندلسى وقد ذكر أخلاق أهل مصر وأنهم كان فيهم طائفة من ذوى المعارف والعلوم والنجوم ويدل على ذلك ما خلفوه من الصنايع البديعة المعجزة كالأهرام والبرابى فأنها من الآثار التى حيرت الأذهان وأعجزت الأفكار، وهذان الهرمان لهما أشراف على أرض مصر وإطلال على بطايحها واصعاد فى وجوها وهى أعجب شئ بنى على وجه الأرض وفى ذلك يقول أبو الطيب المتنبى بيتين وهما: أين الذى الهرمان من بنيانه … من قومه من يومه ما المصرع تتخلف الآثار عن أصحابها … حينا ويدركها الفناء فتتبع وزعم قوم أن الأهرام قبور لملوك عظام أرادوا أن يتميزوا بها على سائر الملوك بعد مماتهم كما يميزوا فى حياتهم على من قبلهم. ولما وصل المأمون إلى مصر أمر بنقبها، فنقب أحدا الهرمين بعد جهد شديد فوجد داخله مراقى ومهاوى يهول أمرها ويعسر السلوك فيها ووجد فى أعلاه بيتا، وفى وسطه حوض من

стр. 148

رخام مطبق، فلما كشف غطاه لم يجد فيه غير رمة بالية قد أتت عليها الدهور الخالية، فعند ذلك أمر المأمون بالكشف عن بقية النقب وأدلى جبلا طوله ألف ذراع بالذراع الملكى، فكان صعوده ثلاث ساعات النهار وأنه وجد مقدار رأس الهرم قدر برك ثمانية جمال، ويقال أنه وجد على الشخص المقبور فى الحوض الرخام حلة قد بليت ولم يبق منها سوى سلوكها من الذهب، وأنه مطلى على جسده بقدر شبر من مر وصبر وغير ذلك. ويقال أنه وجد فى موضع من هذا الهرم ايوان فى صدره ثلاثة أبواب على ثلاثة بيوت طول كل باب منها عشرة أذرع فى عرض خمسة أذرع من رخام منحوت محكم الهندام على صفحاته خط أزرق لم يحسنوا أقرانه، وأنهم أقاموا ثلاثة أيام يعملون الجبلة فى فتح هذه الأبواب إلى أن راوا بابها على عشرة أذرع وفيه ثلاثة أعمدة قائمة من مرمر، وفى كل عمود خرق فى طوله، وفى وسط الخرق صورة طائر ففى الأول من هذه العمدة صورة حمامة من حجر أخضر، وفى الأخر صورة باز من حجر أصفر، وفى العمود الثالث صورة ديك من حجر أحمر فحركوا الباز فتحرك الباب الذى فى مقابله، فرفعوا الباب قليلا، فارتفع الباب وكان بحيث لا يرفعه مائة رجل من عظمة ورفعوا الديك والحمامة فارتفع البابان الآخران فدخلوا إلى بيت الأوسط فوجدوا فيه ثلاث سرر من حجارة شفاف مضية، وعليها ثلاثة من الأموات على كل ميت ثلاث حلل وعند رأسه مصحف بخط مجهول ووجدوا فى البيت الأخر عدة رفوف من حجارة عليها اسفاط من حجارة فيها أوانى من الذهب عجيبة الصنعة مرصعة بأصناف الجواهر ووجدوا فى البيت الثالث عدة رفوف من حجارة عليها اسفاط من حجارة لامة الحرب وعدد السلاح فقاسوا منها سيفا فكان طوله سبعة أذرع [وطول كل ذرع من تلك الدروع أثنا عشر ذراعا ويدخل] (١) فى الخودة رأسان من رءوس الناس، فأمر المأمون أن لا يتعرض للأموات وحمل ما وجدوا فى البيوت، وأمر برد تلك التماثيل التى فى العمدة فاعيدت كما كانت وانطبقت الأبواب كما كانت فى الأول. ويقال كانت هذه الأهرام ثمانية عشر هرما منها تجاه مدينة فسطاط بمصر ثلاثة أكبرها دوره ألف ذراع وهو مربع فى كل وجه من وجوهه الأربعة خمسمائة ذراع. ويقال أن المأمون وجد فيه لما فتحه حوضا من بحر مغطى بلوح من رخام وهو مملوء بالذهب وعلى اللوح مكتوب بقلم غريب فعرب فكان أنا عمرنا هذه الأهرام فى ألف يوم وابحنا لمن يهدمها فى ألف سنة والهدم أسهل من البناء وكسوناها جميعهما بالدبياج الملون

стр. 149

فكسوها بالخضر، والخضر أيسر من الدبياج، وجعلنا فى كل جهة من جهاتها مالا يقدر ما يصرفه على نقبها من غير زيادة ولا نقص. ويقال أنه وجد فيه صورة أدمى من حجر أخضر كالدهنج (١) قد ركب طبقتين ووسطه بجوف كالدواة ففتح فإذا فيه جسد إنسان عليه ذرع من ذهب مزين بأنواع الجواهر وعلى صدره سيف لا قيمة له، وعند رأسه حجر من ياقوت أحمر قدر بيضة الدجاجة فأخذه المأمون وقال هذا خبر من خراج الدنيا. ذكر بعض مؤرخين مصر أن هذا الصنم الأخضر الذى فيه الرمه، لم يزل ملقى عند دار الملك بمدينة مصر إلى سنة إحدى عشرة وخمسمائة من سنين الهجرة وفى بوصير من هذه الأهرام شئ كثير بعضها كبار، وبعضها صغار وبعضها طين ولبن وأكثرها حجر وبعضها مدرج وأكثرها مخروط أملس، وقد كان منها بالجيزة عدد كثير كلها صغار قد هدمت فى زمن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب على يد الطواشى بهاء الدين قراقوش أخذ حجارتها وبنى بها القناطر التى فى الجيزة وقد بقى من هذه الأهرام المهدومة ثلثها. وأما الأهرام المتحدث عنها فهى ثلاثة أهرام موضوعة على خط مستقيم بالجيزة. وذكر فى بعض الكتب القديمة أن أحد هذين الهرمين قبرا غاديمون والآخر قبر هرمس، وأن اغاديمون أقدم من هرمس وأنه كان يحج إليها ويهدى إليها من أقطار البلاد جملة من الأموال، وكان الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب أراد أن يهدم هذه الأهرام فأخرج جماعة من الحجارين والنقابين وأقاموا نحو ثمانية أشهر يهدمون كل يوم بعد الجهد الحجر والحجرين، فأنفقوا على ذلك مالا عظيما ولم يبلغوا من ذلك أربا، فرجعوا من قريب وذلك فى سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، وبازاء هذه الأهرام مغاير كثيرة العدد كبيرة المقدار يدخلها الفارس برمحه ويدور فيها ويطهر من حالها أنها مقاطع حجارة الأهرام آثار أبنية الجبابرة ومغاير كثيرة منقوبه وكل هذا عليه كتابات بهذا القلم المجهول. ***

стр. 150

ذكر ما قالته الشعراء فى الأهرام من النظم قال الفقيه عمارة اليمانى (١) تغمده الله برحمته: خليلى ما تحت السماء بنية … تماثل فى اتقانها هرمى مصر بناء يخاف الدهر منه وكل ما … على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر أخذ هذا المعنى من قول بعض الحكماء كل شئ يخشى عليه من الدهر إلا الأهرام فأنها يخشى على الدهر منها. وقال بعضهم: انظر إلى الهرمين واسمع منهما … ما يرويان عن الزمان الغابر وانظر إلى سر الليالى فيهما … نظرا بعين القلب لا بالناظر لو ينطقان لخبر انا بالذى … فعل الزمان بأول وبأخر وقال الشيخ شهاب الدين التيفاشى (٢): ألست ترى الأهرام دام بناؤها … ويفنى لدينا العالم الانس والجن كأن رحى الأفلاك أكوارها على … قواعدها الأهرام وللعالم الطحن وقال السراج الوراق: تحقق أن صدر الأرض مصر … ونهداها من الهرمين شاهد فواعجبا كم أفنت قرونا … على هرم وذاك الثدى ناهد وقال أيضا: هل شايد الهرمين تبت سفحها … خوف اهتزاز الأرض من خيلاء

стр. 151

أم خالها حسناء تجلى فابتنى … بهدين فوق ترايب الحسناء وللشعراء فيها كلام كثير ولكن المقصود منها النظم الرقيق: لله أى غريبة عجيبة … فى صنعة الأهرام للألباب أخفت عن الأسماع قصة أهلها … ونضبت عن الابداع كل رقاب فكأنما هى كالخيام مقامه … من غير أعمدة ولا أطناب مثل العراس جردوا أثوابها … عنها ولم تنطق من الأعجاب وقال الشيخ شهاب الدين المنصورى فيها أيضا: أن جزت بالهرمين قل كم فيهما … من عبرة للعاقل المتأمل يفنى الزمان وفى حشاه منهما … غيظ الحسود ضجرة المستقبل وقوله أيضا فى ذلك: وا عجبا والعجاب من هرم … فى أرض مصر من حكمه القدما قد أهرم الأرض ثقل وطاته … فهى إلى الله تشتكى الهرما وقال القاضى محيى الدين عبد الظاهر فى واقعة حال يصف ليلة بات بها عند الأهرام وهو من ذو بين وأجاد: لله ليال أقبلت بالنعم … فى ظل بناء شاهق كالعلم بالجيزة والنيل بدا أوله … فى مقتبل الشباب عند الهرم وللقاضى شهاب الدين ابن فضل الله فى معنى ذلك: لى البشارة إذا مسيت جاركم … فى أرض مصر بأنى غير مهتضم حفظتم لى شبابى فى خلالكم … مع أنكم قد وصلتم بى إلى الهرم ***

стр. 152

ذكر الصنم الذى يقال له أبو الهول أعلم أن هذا الصنم بين الهرمين الكبار ويعرف هذا الصنم أولا ببلهيب والآن يعرف أبو الهول. قال القضاعي: صنم الهرمين صنم كبير من حجارة لا يظهر منه سوى رأسه فقط يسميه العامة أبو الهول يقال أنه طلسم للرمل ليلا يغلب على طين الجيزة، وقال فى كتاب عجائب البنيان وعند الأهرام رأس وعنق بارزة من الأرض فى غاية العظم يسميه الناس أبو الهول، ويزعمون أن جثته مدفونة تحت الأرض ويقتضى القياس بالنسبة إلى رأسه أن يكون حوله سبعين ذراعا، وفى جهة حمرة ودهان يلمع عليه رونق الطروه وهو حسن الصورة كأنه يضحك تبسما ويقابله فى بر مصر قريب من دار الملك صنم عظيم الخلقة والهيئة متناسب الأعضاء وفى حجره مولود والجميع من صوان مانع، ويزعم الناس أنه فى خلقه امرأة وأنها سرية أبى الهول المذكور ويقال لو وضع على رأس أبى الهول خيط ومد إلى سريته ذلك الخيط لكان على رأسها مستقيما ويقال أن أبا الهول طلسم يمنعه عن الطين، وأن السرية طلسم الماء يمنعه عن مصر وأملاكها. وقال ابن المتوج زقاق الصنم هو الزقاق الشارع أوله بأول السوق الكبير يجاور درب عمار ويعرف هذا الصنم أيضا بسرية فرعون، وذكر طلسم النيل لأن لا يغلب علي البلد وأن أبى الهول الذى عند الأهرام يقابله ظهره إلى الرمل، وظهر هذه النيل وكل منهما مستقبل المشرق وقد نزل فى سنة إحدى عشر وسبعمائة أمير يعرف ببلاط فى نفر من الحجارين والقطاعين وكسروا الصنم المعروف بالسرية وقطعوه أعتابا وقواعد ظن أن يكون تحته ذهب، فلم يجد تحته سوى أعتاب من حجر عظيمة فحفر إلى الماء فلم يوجد شئ وجعلوا من حجر هذا الصنم قواعد تحتانية للعمد الصوان التي بالجامع المسجد المعروف بالجامع الجديد الناصري، وكم يبقي لهذا الصنم أثر يعرف وقد كان شخص يعرف بالشيخ محمد صائم الدهر من جملة صوفية الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء، وأقام فى نحو سنة ثمانين وسبعمائة يتغير

стр. 153

أشياء كثيرة من المنكر، وسار إلى الأهرام وشوش وجه أبى الهول وشعثه فهو على ذلك إلى اليوم، ومن حينئذ غلب الرمل على أراضى كثيرة من الجيزة وأهل تلك النواحى يرون أن سبب غلبة الرمل على الأراضى فساد وجه أبى الهول، والله أعلم. وما أحسن قول ظافر الحداد: تأمل حكمة الأهرام وأعجب … وعندهما أبو الهول العجيب كفاويتين فأمانى بخيب … بمحبوبين بينهما رقيب وماء النيل تحتهما دموع … وصوت الريح عندهما يجيب وظاهر سجن يوسف مثل صب … تخلف فهو محزون كئيب ويقال أن اتريب بن قبط بن مضر بن ببصير بن مصريم بن حام بن نوح ﵇ أوصا أخاه صا عند موته أن يحمله معه فى السفينة ويدفنه بجزيرة فى وسط البحر فلما مات فعل ذلك من غير أن تعلم به أهل مصر فاتهموا أخاه صا بقتله، وحاربوه تسع سنين حتى أوقفهم على قبر واترتب فحفروه فلم يجدوا به شيئا وقد نقلته الشياطين إلى موضع أبى الهول ودفنوه هناك بجانب قبر أخيه وجده بيصر فازدادوا له همة وعادوا إلى مدينة منف واحترتوا معه فآتاهم إبليس وذلهم على قبر اترتب فأخرجوه من قبره، ووضع، على سرير فتكلم لهم الشيطان عن لسانه حتى افتتنوا به وسجدوا له وعبدوه فيما عبد وأمن الأصنام وقتلوا أخاه صا، ودفنوه على شاطئ النيل، فكان النيل إذا زاد لا يعلوا قبره فافتتن به طائفة وقالوا: قد قتل صا ظلما، وصاروا يسجدون لقبره كما يسجدوا الاخاه اترتب، ثم أن أفرين عمدوا إلى حجر فنحتوه على صورة أشموم وسموه أبو الهول ونصبوه بين الهرمين وجعلوا يسجدون له فصار أهل مصر ثلاث فرق، ولم تزل الصابية تعظم أبى الهول ويقرب له الديوك البيض وتبخره بالصندروس، والله أعلم. ***

стр. 154

ذكر الجبال أعلم أن أرض مصر بأسرها محصورة بين جبلين أحدهما من الجنوب إلى الشمال قليل الأرتفاع وأحدهما أعظم من الآخر، وهو الجبل الشرقى المعروف بجبل لوقا والغربى جبل صغير وبعضه غير متصل ببعض والمسافة بينهما يضيق فى بعض المواضع وتتسع فى بعضها وأوسع ما يكون بأسفل أرض مصر، وهذان الجبلان أفرعان لا يتيسر فيهما النبات كما يكون فى جبال البلدان، إنهما يورقيان ما كان، لأن قوم طين مصر قوة تجذب منهما الرطوبة وكذلك مياه الآبار فيها المالحة والعذب. وهذان الجبلان يجففان ما يدفن فيهما وأن أرض مصر بالطبع قليلة الأمطار وجبل لوقا فى مشرق أرض مصر يعوق منها ريح الصبا ويعوق عنها أيضا إشراق الشمس على أرض مصر إذا كانت فى الأفق ويتعدد أسماء هذين الجبلين بحسب مواضعهما من الأقليم، فالمطل على مصر والقاهرة يسمى الجبل المقطم. ١ - الجبل المقطم أعلم أن الجبل المقطم أوله بالشرق من الصين حيث البحر المحيط، ويمر على بلاد التتار حتى يأتى فرغانه إلى جبال البتم الممتد بها نهر السند إلى أن يصل إلى جيحون فينقطع ويمضى فى وسطه بين شعبتين منه، ثم ينقطع فيكون جميع مدن طوس وفيه متصل به جبال أصبهان وشيراز وشهرزور وشهرورد، ويمر على سائر دجلة، ولا يزال هذا الجبل مستمرا من الأعمال أمد وميا فارقين حتى يمر بثغور حلب فيسمى هناك جبل اللكام إلى أن يغدى الثغور فيسمى نهران حتى تجاوز حمص فيسمى لبنان ثم يمتد إلى الشام حتى ينتهى إلى بحر القلزم من جهة ويتصل من الجهة الأخرى ويسمى المقطم، ثم يتشعب ويتصل من الجهة الأخرى ويسمى المقطم ثم يتشعب ويتصل أواخر شعبة بنهاية المغرب. وهذا الجبل حديثه يطول شرحه والذى ذكره العلماء أن تسميته بالمقطم، لأن المقطم مأخوذ من القطم وهو القطع فكأنه لما كان منقطع فى الشجر والنبات سمى مقطما ذكر ذلك على بن الحسن المهنائى.

стр. 155

وقال ابن عبد الحكم عن الليث بن سعد قال: سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح الجبل المقطم بسبعين ألف دينار، فتعجب عمرو بن العاص من ذلك، وقال حتى أكتب بذلك إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فلما كتب بذلك إليه فكتب عمر بن الخطاب إلى عمرو ابن العاص سله لم أعطاك فيه هذا القدر وهو لا يزرع ولا ينتفع فسأل المقوقس عمرو بن العاص عن ذلك، فقال له المقوقس إذا نجد فى كتبنا أن فيه غراس الجنة: فكتب بذلك إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فكتب إليه عمر بن الخطاب أنا لا نعلم غراس الجنة إلا المؤمنين فاقبر فيها من مات من المسلمين، ولا تبعه شئ فكان أول من قبر فيها من المعافر رجل يقال له (١) عامر، فقيل عمرت. فقال المقوقس لابن العاص ما على هذا هم فقطع لهم الحد الذى بين المبرة وبينهم. وذكر الكندى فى كتاب فضائل مصر أن عمرو بن العاص سار فى سفح الجبل المقطم ومعه المقوقس، فقال له: ما بال جبلكم هذا أقرع ليس عليه نبات كجبال الشام فلو شققنا فى أسفله نهرا من النيل وعرسناه نحلا. فقال له المقوقس: وجدنا في الكتب أنه كان أكثر الجبال أشجارا ونباتا وفاكهة وكان منزله المقطم بن مصر بن بيصر بن مصريم بن حام بن نوح ﵇، فلما كانت الليلة التى كلم الله فيها موسى ﵇ «أوحى إلى الجبال إنى مكلم نبيامن أنبيائى على جبل منكم» فسمت الجبال كلها وتشامخت إلا جبل بيت المقدس فإنه هبط وتصاغر فأوحى الله إليه لم فعلت ذلك، وهو به أعلم. فقال اعظاما وإجلالا لك يا رب. قال فأمر الله إلى الجبال أن يحويه كل جبل بما فيه من الأشجار فجادله المقطم بكلما عليه من الأشجار حتى بقى كما ترى، فأوحى الله إليه إنى مفوضك على فعلك هذا بغراس الجنة، فعند ذلك أثر عمرو بن العاص أن يجعل له حد وللمسلمين حدا، وهذا بقى إلي يومنا هذا عند بركة الحبش يدفن فيه النصارى واليهود. قال: وروى أن موسى ﵇ لما سجد فسجدت معه كل شجرة من المقطم إلى طرا وأن موسى كان يناجى ربه عند الوادى الذى مقطع الحجارة بطرا. قيل أن عيسى ابن مريم ﵇ مر بسفح المقطم عليه جبة صوف وأمه إلى جانبه فالتفت إليها وقال يا أمه هذه مقبرة أمة محمد ﷺ .

стр. 156

٢ - ذكر الجبل الأحمر هذا الجبل مطل على القاهرة من شرقها الشمالى ويعرف باليحموم، واليحموم فى كلام العرب الأسود المظلم. ٣ - ذكر جبل يشكر هذا الجبل فيما بين القاهرة ومصر وعليه الجامع الطولون، ويشكر بن جديله قبيلة من قبائل العرب نزلت عند الفتح بهذا الجبل، فعرف بجبل يشكر لذلك وجامع ابن طولون على هذا الجبل وهو مكان مشهور بإجابة الدعاء مبارك. وقيل أن موسى ﵇ ناجى ربه عليه بكلمات، وكان هذا الجبل يشرف على النيل وليس بينه وبين النيل شئ، وكان يشرف أيضا على البركتين أحدهما تعرف ببركة الفيل والأخرى يعرف ببركة قارون، وعلى هذا الجبل كانت تنصب المحاريث التي تحرث الأرض قبل إرسالها إلى الثغور. ٤ - ذكر الكبش الكبش جبل بجوار يشكر كان قديما يشرف على بحر النيل من الجهة الغربية ثم لما نزلت المسلمون مدينة الفسطاط بعد فتح أرض مصر، سار إلي هذا الجبل كبشة من المسلمين أقاموا فيه فسمى بالكبش الانفراد، كبشة من الناس فيه فسمى بهم. ٥ - ذكر الشرف اسم لثلاثة مواضع من أرض مصر، وهو اسم ثلاث جبال صغار فى القاهرة أثنان بين القاهرة ومصر وواحد فيما بين بركة الحبش وفسطاط مصر، فأما الذى بظاهر القاهرة فأحدهما عليه قلعة الجبل الآن، وهو من جملة الجبل المقطم والآخر بين الجامع الطولونى ومصر فيشرف غريبة على جهة الخليج الكبير ويصير فيما بين كوم الجارح وخط الجامع الطولونى. وأما الثالث فيعرف بالرصد وهو يشرف على جامع راشدة من غريبة ومن قبليه على بركة الحبش فيحسبه من راءه من جهة جامع راشدة جبلا وهو من شرقية سهل يتوصل إليه من

стр. 157

القرافة الكبيرة بغير ارتقاء ولا صعود، وكان يعرف قديما بالجرف، ثم عرف بالرصد وذلك من أجل الأفضل أبى القاسم شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالى، وأقام فوقه كرة من نحاس وزنها قنطار، وقد ركبت على أعمدة من رخام لرصد الكوكب فعرف حينئذ بالرصد، وكان الأفضل بناءه مسجد الطيفا الطف من مسجد القبلة، وما زال موضع هذا الرصد متنزها لأهل مصر. ويقال أن المعز قديم من بلاد المغرب إلى القاهرة لم يعجبه وكأنها وقال لجوهر القائد إذا فاتك بناء القاهرة على بحر النيل فهل لا كنت بنيتها على الجرف يعنى مكان الرصد، ويقال أن اللحم علقوه بالقاهرة فتغير بعد يوم وليلة وعلقوه فى موضع هذا الرصد، فلم يتغير ثلاثة أيام ولياليها لطيب هوائه، وكان الملك الناصر محمد بن قلاوون قد أنشأ فى هذا المكان سواقى لنقل الماء من أماكن قد حفر خليجا من البحر بجوار الآثار النبوية إلى عند الرصد فينقل بسواقي هناك إلى أن يصبر إلى قلعة الجبل فمات ولم يكمل له ما أراده من ذلك، وقد قال بعض الشعراء فيه وأجاد فى تغزله وشعره: وليلة عاش سرورى بها … ومات من يحسدنا بالكمد بت مع المحبوب فى روضة … وباتت من يرقبنا بالرصد *** ذكر مدائن أرض مصر قال أثير الدين أبو حيان: أعلم أن مدائن مصر كانت كثيرة منها ما دثر وجهل اسمه ورسمه، ومنها ما عرف اسمه وبقى رسمه، ومنها ما هو عامر، فأول مدينة عرف اسمها فى أرض مصر مدينة امسيوس وقذ محا الطوفان رسمها ولها أخبار معروفة وبها كان ملك مصر قبل الطوفان ثم صارت مدينة مصر بعد الطوفان منف وبها كان ملك القبط والفراعنة إلى أن خربها بختنصر، فلما كان الإسكندر بن فلبس المقدونى وليس هو ذو القرنين عمر مدينة الإسكندرية عمارة جديدة، وصارت دار المملكة بمصر إلى أن قدم عمرو بن العاص بجيوش المسلمين وفتح أرض مصر، فاحتاط بفسطاط مصر. وصارت مدينة مصر إلى أن قدم جوهر القائد من المغرب بعساكر المعز وملك مصر وبنى بها القاهرة، فصارت دار المملكة بمصر إلي أن ألت الدولة الفاطمية على يد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب فبنى قلعة

стр. 158

الجبل. وصارت القاهرة مدينة مصر إلي يومنا هذا، وفى أرض مصر عدة مدائن ليست دار ملك وهى مدينة الفيوم ومدينة دلاص ومدينة اهناس ومدينة البهنسا ومدينة القيس ومدينة طحا ومدينة الأشمونين ومدينة انصنا ومدينة قوص ومدينة أسيوط ومدينة قاوه ومدينة أخميم ومدينة البليتا ومدينة هوة ومدينة قنا ومدينة دندرة ومدينة قفط ومدينة الأقصر ومدينة اسنا ومدينة أرمنت ومدينة أدفوا ومدينة ثغر أسوان، وأدركناه فهذه مدائن الوجه القبلى. ومدائن الوجه البحرى مدنة توب من الحوف الشرقى ومدينة عين شمس ومدينة أتريب ومدينة تنو ومن قراها ناحية زنكلون ومدينة نمى ومدينة بسطه ومدينة قربيط ومدينة البتون ومدينة منف ومدينة منف ومدينة الأوسه وهى دميرة ومدينة طوه ومدينة منوف أيضا ومدينة سخا ومدينة تيدة ومدينة الأفراحون، ومن جملة قرأها نشا ومدينة نقيره ومدينة بنا ومدينة شبرا بساط ومدينة سمنود ومدينة نوسا سبنين ومدينة وقد غلب كورتها الرمال وتعرف اليوم منها قرية أدكو على ساحل البحر بين إسكندرية ورشيد ومدينة تنيس ومدينة دمياط ومدينة الفرما ومدينة العريش ومدينة صا ومدينة ترنوط ومدينة قرطسا ومدينة احنوت ومدينة رشيد ومدينة مريوط ومدينة لوبية ومراقية وليس بعدهما أرض سوى برقة وديار مصر اليوم وجهان قبلى وبحرى جملتها خمس عشرة ولاية. فالوجه القبلى أكبرهما وهى تسعة أعمال. والوجه البحرى ستة أعمال، فالوجه القبلى عمل قوص وهم أجلها وأسوان وغرب قمولة وأسوان حد المملكة من الجنوب وعمل أخميم وعمل أسيوط وعمل منفلوط وعمل الأشمونين بها الطحاوية وعمل البهنسا وعمل الفيوم وعمل أطفيح وعمل الجيزة، والوجه البحرى عمل البحيرة وهو متصل بالإسكندرية وبرقة وعمل الغربية وهى جزيرة بنى نصر وعمل قليوب وعمل الشرقية أشموم طناح، ومنها الدقهلية والمرتاحية ومن هنا موقع ثغر البرلس وثغر رشيد والمنصورة، وفى هذا الوجه الإسكندرية ودميط وهما مدينتان أجلهم وأكبرهم، ويقال أن مصر بن بيصير قسم الأرض بين أولاده فأعطى ولده أشمون من حد بلده إلى رأس البحر إلى دمياط، وأعطى لولده صا من صا أسفل الأرض إلى الإسكندرية، وأعطى لولده منوف وسط الأرض السفلى منف وما حولها وأعطى لولده قفط غربى الصعيد إلى الجنادل، وأعطى لولده أتريب شرقى الأرض البرية إلى ثاران وأعطى لبناته الثلاثة وهي الفرما وسربام وتدوره، وهي بقاعا من أرض مصر محددة، وهذا ما ذكروا والله أعلم. ***

стр. 159

ذكر مدينة أمسوس وعجائبها وملكها قال ابن وصيف شاه فى كتاب أخبار مصر وعجايبها وكانت مصر القديمة اسمها أمسوس، وأول من ملك أرض مصر نفراوش الجبار بن مصرايم الأول بن مركاييل بن دوابيل بن غربان بن آدم ﵇، وهو الذى بنائها المدن وعمل فيها عجائب كثيرة. ومنها طائر يصفر كل يوم عند طلوع الشمس مرتين وعند غروبها مرتين فيستدلون بتصفيره على ما يكون من الحوادث يتهبون لها، وعمل صنم من حجر أسود فى وسط المدينة تجاهه صنم مثله إذا دخل إلى المدينة سارق لا يقدر أن يزول حتى يسلك بينهما فإذا دخل بينهما أطبقا عليه فيؤخذ. وعمل أيضا على حد البلاد أصنافا من نحاس مجوفة وملاها كبريتا ووكل لها روحانية النار، فكانت إذا قصدهم قاصد أرسلت تلك الأصنام من أفواهها نارا أحرقته فى وقته، وعمل فوق جبل بطرس منارا يفور بالماء ويسقى ما حوله من المزارع، ولم تزل هذه الآثار حتى أزالها الطوفان. ويقال أنه هو الذى أصلح مجرى النيل وكان قبل ذلك يتفرق بين الجبلين، وأنه وجه إلى بلاد النوبة جماعة هندسوه وشقوا نهرا عظيما منه، وبنوا عليه المدن وغرسوا عليه الأشجار واجب أن يعرف مخرج النيل، فسار حتى بلغ خلف خط الاستواء ووقف على البحر الأسود المسمى بالزفتى وراء ماء النيل يجرى عليه مثل الخيوط حتى تدخل تحت جبل القمر، وقد ملك مصر مائة وثمانون سنة، وقسم الأرض بين أولاده، ولما مات لطخ جسده بأدوية مفردة، وجعل فى تابوت من ذهب وجعلوا كنوزه وأوانيه معه وكتب تاريخه على قبره. وكان قد بنى في مدينة انصنا بأرض الصعيد، وعمل فيها جنة وصفح حيطانها بالجواهر الملونة وبالذهب، وغرس فيها أصناف الأشجار وأجرى تحتها الأنهار من ماء النيل وغرس فيها شجرة مولده تطعم سائر الفواكه وعمل فيها قبة من رخام أحمر على رأسها صنم يدور مع الشمس، ووكل بها شياطين إذا خرج أحد من بيته فى الليل هلل وبنى

стр. 160

هذه المدينة على عشرين ميلا. فلم تزل هذه الأثار حتى أفسدها الطوفان، ولما مات نقراوش الجبار، وملك من بعده ولده عيقام وقد حكى عنه أهل مصر حكايات لا تصدقها العقول. ويقال أن إدريس ﵇ رفع في أيامه وأنه رأى فى علمه كون الطوفان فبنى خط الاستواء قصرا فى سفح جبل القمر من نحاس وجعل فيه خمسة وثمانين تمثالا من نحاس يخرج منها ماء النيل من حلوقها ويصب فى بطحاء حتى ينتهى إلى أرض مصر إلى عيقام هذا يعزى كتب القبط الذى فيها تواريخهم، وجميع ما يجرى فى أواخر الدهر. ولما مات عيقام أقام من بعده ولده بمرياق، ويقال له الأشيم فعمل أعمالا عجيبة منها شجرة من نحاس لها أغصان من حديد بخطاطيف، إذا قرب منها ظالم أخذته بذلك الخطاطيف ولا تفلته حتى يقر بظلمه، ويخرج منه لخصمه وعمل صنم من كدان أسود وسماه عبد زحل كانوا يتحاكمون عنده، فمن زاغ عن الحق ثبت مكانه ولم يقدر على الخروج حتى يرضى خصمه وإلا ثبت مكانه ولو أقام سنة ويقال كان فى زمانه من كانت له حاجة قام بالليل ونظر إلى الكواكب وتضرع وذكر اسم عرياق، فإذا أصبح وجد حاجته على بابه وعمل شجره من حديد ذات أغصان، فكانت تجلب كل صنف من أصناف الدواب والوحوش والسباع حتى يتمكن من صيدها فشبع الناس فى أيامه من لحم الوحوش، وكان إذا أغضب على أهل أقليم سلط عليهم الوحوش والسباع. ويقال أن هاروت وماروت كانا فى زمانه وكان يحب النساء الحسان، فعملت عليه امرأة منهن وسميته فهلك وملك من بعده لوجيم، وهو الذى أخذ الملك من عرياق بن عيقام ورده لبنى نقراوش بعد ما خرج عنهم. وكان عالما بالكهانة والطلسمات فعمل أعمالا عجيبة منها أن العربان كثرت فى أيامه وأتلفت الزرع عمل أربع نارات فى جوانب مدينة أمسوس وجعل على كل منارة صورة غراب فى فمه حية، قد التوت عليه فنفرت عنهم الطيور المضره من حينئذ ولم تقر بهم حتى زالت هذه المنارات بالطوفان، وكان حسن السيرة منصفا للرعية عادلا، ولما مات دفن فى ناووس ومعه كنوزه وعمل عليه طلسم تمنعه من أخذ إليه، وملك بعده خصليم، وكان فاضلا عالما كاهنا فعمل أعمالا عجيبة، وهو أول من عمل مقياسا لزيادة ماء النيل وبناه الرخام وجعل فى وسطه بركة صغيرة فيها ماء موزون، وعليها من جانبيها عقابان من نحاس أخرهما ذكر والآخر أثنى، فإذا كان أول الشهر الذى يزيد فيه النيل عاليا وأن صفرت الأثنى، كان النيل ناقصا فيستعدون لذلك وهو الذى بنى القنطرة ببلاد النوبة على النيل.

стр. 161

ولما مات دفن فى ناووس ومعه كنوزه وجعل عليه طلسم وملك من بعده ابنه هوصال. وكان فاضلا كاهنا عالما بالسحر والطلسمات، فعمل عجائب منها: أنه بنى مدينة وعمل فى وسطها صنم للشمس يدور بدورانها وبنيت مغربا ويصبح مشرقا ويعلم منه الدرجات والدقائق، وكان نوح ﵇ فى زمانه وولد له عشرون ولدا، وأقام فى الملك مائة وسبع عشرة سنة ولما مات ملك بعده ولده ندرسان. فلما ملك نفى جميع إخوته إلي المدائن الداخلة في المغرب، واقتصر على حب النساء فأحب امرأة من بنات عمه وكانت ساحرة فعملت له قصرا من خشب منقوش فيه صور الكواكب وفرشته بأحسن الفرش وحمل على الماء. وصار يجلس فيه فبينما هو فيه ذات يوم إذ هبت ريح شديدة اضطرب الماء فانقلب تلك القصر وتكسر فغرق هو ومن معه فى ذلك القصر عن آخرهم. ولم يبق لهم أثر وملك بعده أخوه نمرود الجبار، ويقال شمرود بن هو صال فكان حسن السيرة فانصف الرعية وبسط العدل فيهم وطلب امرأة أخيه الساحرة المقدم ذكرها، ففرت هى وابنها إلى بلاد الصعيد وامتنعت عليه بسحرها وأقامت مدة فاجتمعت السحرة إلى ابنها، وكان اسمه توميدون وحملوه علي طلب الملك فاقتتل هو وشمرود قتالا عظيما فانتصر على شمرود وقتله وملك من بعده وهو توميدون تدرسان فأقام بمدينة أمسوس، وكان عالما فاضلا فقوى بسحر أمه وعملت له أعمالا عجيبة منها قبة من زجاج على هيئة الكرة تدور بدوران الفلك وصورت فيها صورا الكواكب، فكانوا يعرفون بها أسرار الطبايع فلما ماتت أمه الساحرة بعد ستين سنة خلت من ملكه فطلى جسدها بأشياء مفرده ودفنت تحت صنم القمر، ويقال أنها كانت بعد موتها يسمع من عندها صوت بعض الأرواح ويخبرهم بعجائب ويغيب عما يشارك عنه. ولما مات أبنها توميدون عمل له صورة من زجاج مقسومه نصفين وأدخل جثته فيها بعد ما طلى بالأدوية المانعة من البلاء واطبقت عليه تلك الصورة الزجاج والتحمت ودفن فى هيكل الأصنام، وكان يعمل له فى كل سنة وملك من بعده أبيه شرياق يعمل أعمالا عجيبة منها: أنه شق من النيل نهرا يمر إلى مدائن العرب وبنى عليه مدنا وآثارا كثيرة، وملك مصر مائة وثلاثة وستين سنة. ولما مات عمل فى ناووس ومعه أمواله وكنوزه وطلسم عليه ممن يقصده، وملك بعده ابنه شهلوق، وكان عالما خبيرا بالكهانة والطلسمات، وهو أول من عبد النار وسبب ذلك أنه رأى أباه توميدون فى النوم وهو يأمره أن ينطلق إلى جبل من جبال مصر وهو معروف عندهم فإن فيه كوة على بابها أفعى لها رأسان إذا أقبل إليها إنسان كشرت فى وجهه فخذ معك طائرين من ذكر وأنثى

стр. 162

واذبحهما لها والقيمها أتاهما فإنها تشتغل بأكلهما، فأدخل أنت إلى الكوة تجد فيها امرأة عظيمة، من نور فلا تدن فيها تحترق ولكن أقعده من بعيد وسلم عليها فإنها تخاطبك فإنهم ما تقول لك وأعمل به فإنك تظفر بكنوز مصر أم فأنها حافظة لها. فلما انتبه عمل ما أمره أبوه فى المنام، فلما رأى المرأة فزع منها ثم قعد من بعيد كما قال له أبوه وسلم عليها. فقالت له: أتعرفنى، قال: لا. قالت أنا صورة النار المعبودة فى الأمم الخالية وقد أردت أن تحيى ذكرى وتجد دلى بيتا تقد لى فيه نارا دائمة وتجعل له عيدا فى كل سنة وتحضره أنت وقومك فإنك تتخذ بدلك عندى يدا أسلك بها شرقا إلى شرفك وأمنع عنك من تطلبك بسوء وأدلك على كنوز مصرام فضمن لها أن يفعل كلما أمرته به فهند ذلك دلته على كنوز مصرام الذى تحت المدائن المعلقة وعلمته كيف يصير إليها وكيف يحترس من الأرواح الموكلة بها وما ينجبه منها ثم قال لها كيف لى بأن أراك فى وقت آخر. قالت له: لا تعد أنت تهلك فإن الأفعى لا تمكنك وقت آخر ولكن بحرقى بيتك بكذا وكذا فإنى أتيك فسر بذلك وغابت عنه، فخرج من عندها وفعل ما أمرته به من عمل بيت النار وظفر بكنوز مصر أم وأقام مدة. ولما مات عمل في ناووس ومعه كنوزه وجعل عليه طلسم يحفظه ممن يقصده وملك بعده ابنه سوريد، وكان حكيما فاضلا وهو أول من جبى الخراج بمصر، وعمل أعمالا عجيبة منها مرأة كان ينظر فيها إلى الأقاليم فيعرف ما حدث من الحوادث فيها وما خصب منها، وما جدت وأقام هذه المرأة فى وسط مدينة امسوس وكانت من نحاس وعمل أيضا صورة امرأة من نساء مصر إذا أصابتها علة فى موضع من جسمها أتت إلى هذه الصورة ومسحت الموضع الذى تشكوا منه فتزول عنها العلة وأن قل لبنها مسحت ثديها بثدى هذه الصورة فيغزر لبنها وأن عسرت ولادة امرأة مسحت رأس تلك الصورة الذى فى حجرها الصغيرة، فتضع حملها سريعا وإن أرادت المرأة التحبب إلى زوجها مسحت وجهها وتقول أفعلى بفلان كذا وكذا، وإذا وضعت الزانية يدها عليها أرتعدت ولم تقدر على الرجوع حتى تتوب ولم تزل هذه الصورة باقية إلى أن أزالها الطوفان. وفى كتب القبط أن هذه الصورة وجدت بعد الطوفان وإن أكثر الناس عبدوها بعد الطوفان وسوريد هذا هو الذى بنى الهرمين العظيمين بمصر. ولما مات دفن فى الهرم ومعه كنوزه، ويقال إنه كان قبل الطوفان بثلاثمائة سنة ثم ملك من بعده ابنه هرجيب، وكان حكيما فاضلا فى علم السحر فعل أعمالا عجيبة وأظهر علم الكيمياء وبنى أهرام دهشور وحمل

стр. 163

إليها أموالا عظيمة وجعل عليها روحانيات تحفظها من طارق. ولما مات دفن بها وملك بعده ابنه منقاوش، وكان جبارا سفاكا للدماء ينتزع النساء من أزواجهن غصبا وبنى قصورا من ذهب وفضة وأجرى فيها الأنهار وجعل حصباؤها من أصناف الجواهر النفيسة. ولما مات دفن فى بعض قصوره وملك من بعده ابنه افروس فأظهر العدل وأحسن للرعية ورد تلك النساء التى أخذت فى أيام أبيه على أزواجهن وعمل أعمالا عجيبة، منها أنه عمل منارا فى مدينة أمسوس وجعل على ذلك المنار قبة من ذهب ولطخها بلطوخات مفردة فكانت إذا غربت الشمس وجاء الليل اشعلت تلك القبة بنور تضئ له المدينة طول الليل حتى تصير مثل النهار لا تطغيها كثرة الرياح ولا كثرة الأمطار، فإذا طلع النهار وأشرقت الشمس خمد ضوءها، وأهدى لبعض ملوك بابل مدهنا من زبرجد أخضر طوله خمسة أشبار، ويقال إنه وجد هذا المدهن بعد الطوفان وبنى مدائن كثيرة. وقيل أنه نكح ثلاثمائة امرأة ولم يولدها له ولد، فإن الله تعالى قد أعقم النساء قبل الطوفان بثلاثمائة سنة. ولما مات وضع فى ناووس ودفن بالجبل الشرقى بمصر وملك أرمالينوس فعمل أعمالا عجيبة وبنى مدنا كثيرة وكان له ابن عم يسمى فرعان وكان جبارا فابعد عنه فشغفت به بعض محاضى ارمالينوس وتمكن حبه من قلبها فعملت إلى ارمالينوس سما فى شرابه فشربه فهلك وملك بعده فرعان بن مستور فلم ينازعه أحد لشجاعته ولم تطل أيامه حتى رأى قليمون الكاهن كان طيورا بيضاء قد نزلت من السماء وهي تقول من أراد النجاة فليلحق بصاحب السفينة وكان عندهم علم بحدوث الطوفان من أيام سوريد وبنائه الأهرام لأجل ذلك. وقيل جاء الطوفان فى أيام فرعان فاغرق أراضى مصر كلها وخرب عمائرها وأزال تلك المعالم كلها وأقام الماء عليها ستة أشهر ووصل إلى نصف الهرمين الكبار، وقيل أنه لما أقبل الطوفان كان فرعان سكرانا فقام ليهرب فى الأسراب فتخلخلت الأرض به وسقط فى الماء فهك وهلك كل من دخل فى الأسراب الذى صنعوه من الزجاج تحت الأرض، وقد جلست الرياح فيها بتدبر وتقدير فهلك من دخلها بالغنم ولم ينجوا من هذا الأمر إلا من دخل فى السفينة. ***

стр. 164

ذكر مدينة منف وملوكها هذه المدينة كانت فى غربى النيل على مسافة أثنى عشر ميلا من أرض مصر وهى أول مدينة عمرت بأرض مصر بعد الطوفان، وصارت دار المملكة بعد مدينة أمسوس التى تقدم ذكرها. قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى فى كتاب جامع البيان فى تفسير القرآن عن السدى أنه قال كان موسى ﵇ حين كبر كان يركب بمراكب فرعون ويلبس مثل ما يلبس فرعون، وكان يدعى ابن فرعون ثم أن فرعون ركب يوما وليس معه موسى فلما جاء موسى قيل له أن فرعون قد ركب، فركب موسى أثره فأدركه المقيل فى منف فدخلها نصف النهار، وقد تعلقت أسواقها وليس فى طرقها أحد وهى التى تقول الله تعالى ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها وقيل كان بمنف بيت من الصوان الأخضر المانع الذى لا يعمل فيه الحديد وفيه صورة منقوشة وعلى وجه بابه صور حيات ناشرة صدورها، فلو اجتمع ألوف من الناس على تحريكه ما قدروا عليه لعظمه وثقله وهذا البيت تقول عنه الصائبة أنه بيت القمر، وكان هذا البيت من حملة سبعة بيوت كانت ممنف على عدد الكواكب السبعة، كل بيت منهم باسم كوكب، وأن هذا البيت كان باقيا إلى هدمه الأمير شيخو العمرى بعد سنة خمسين وسبعمائة، ومنه الآن شئ من الرخام فى خانقته وجامعه الذين بخط الصليبة. وقال ابن خرداذبة مدينة منف هى مدينة فرعون التى كان ينزلها وأتخذ لها سبعين بابا من حديد وجعل حيطانها مصفحة بالنحاس الأصفر، وفيها كانت الأنهار تجرى من تحت سريره، ولذلك كان يقول أليس لى ملك مصر، ﴿وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (١). ولم تزل منف مدينة محكمة البناء كثيرة الآثار والكنوز والأصنام وكان طولها ثلاثون ميلا وعرضها عشرون ميلا، وقيل أن بعض نبي يافث بن نوح ﵇ عمل فى أيام مصرايم آله تحمل الماء تلقيه على أعلا سور مدينة منف وذلك أنه جعلها درجا مجوفة، كلما وصل الماء إلى درجة أمتلأت الأخرى حتى يصعد الماء إلى أعلى السور ثم ينحط فيدخل جميع بيوت المدينة ثم يخرج من موضع إلى خارج المدينة، ولم تزل كذلك إلى أن خربها بختنصر وسبى أهلها ولم يترك بها أحدا من الناس حتى بقيت مصر أربعين سنة خرابا، وليس

стр. 165

بها ساكن وكان النيل يزيد وينقص ولا ينتفع به ولا يزرع عليه ويسيح على الأراضى أو أن الزيادة ولا ينتفعون به لخراب أرض مصر، وقيل بين بختنصر وبين الطوفان ألفين وثلاثمائة سنة وخمسون سنة ومن حساب ما وقع فى التوراة أن بين الطوفان وبين خراب بيت المقدس على يد بختنصر ألف وستمائة أربعة وثمانون سنة، ويقال أن ملوك مدين ملكوا مصر بعد غرق فرعون خمسمائة عام حتى آخرجهم منها نبى الله سليمان بن داود ﵇ فعاد الملك بعدهم إلى القبط. ويقال أن القبط ملكوا مصر بعد هلاك دلوكة وابنها ستمائة وست وعشرين سنة، وكان عدة من ملك أرض مصر من القبط من بعد دلوكة سبعة وعشرون ملكا، وقد ملك أرض مصر من قبل الطوفان أمم كثيرة من الملوك والجبابرة حتى أتا فرعون، وقيل أن الفراعنة سبعة والمشهور أنهم من العمالقة وأول الفراعنة بمصر فرعون إبراهيم ﵇، ومنهم الربان بن الوليد وهو فرعون يوسف ﵇، ومنهم الوليد بن مصعب فرعون موسى ﵇، ومنهم سنان بن علوان، وقيل أن الفراعنة الذين ملكوا مصر خمسة، والله أعلم. *** ذكر مدينة الإسكندرية وما فيها من العجائب هذه المدينة من أعظم مدائن الدنيا وأقدمها وضعا، وقد بنيت غير مرة فأول ما بنيت بعد كون الطوفان فى زمان مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇، وكان يقال لها مدينة رقودة ثم بنيت بعد ذلك مرتين. فلما كان فى أيام اليونانيين جددها الإسكندر بن فلبس المجدونى بعد تخريب بختنصر مدينة منف بمائة وعشر سنين شمسية فعرفت به، وانتقل بختنصر الملك من مدينة منف إلى الإسكندرية، فصارت دار المملكة بديار مصر، ولم تزل على ذلك حتى ظهر دين الإسلام، وقدم عمرو بن العاص بجيوش المسلمين وفتح الإسكندرية، وصارت ديار مصر مع المسلمين فانتقل تحت الملك حينئذ من الإسكندرية دار مملكة ديار مصر.

стр. 166

قال ابن وصيف شاه فى ذكر أخبار مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇ وكان خبيرا بعمل الطلسمات فلما بنى مدينة رقودة مكان الإسكندرية فكانت تخرج من البحر دواب تفسد زروعهم وبنيانهم فعملوا لها الطلسمات فغابت عنهم ولم تعد بعد ذلك. وقال خرداذبة أن الإسكندرية بنيت فى ثلاثمائة سنة وأن أهلها مكثوا سبعين لا يمشون فيها بالنهار إلا بخروق سود مخافة على أبصارهم من شدة بياض حيطانها كان يخطف بالأبصار. وقال ابن وصيف شاه: وكانت العمارة ممتدة من رمال رشيد والإسكندرية إلى برقة، فكان الرجل يسير فى العمارة فلا يحتاج إلى زاد، لكثرة الفواكة والخيرات ولا يسير إلا فى ظلال تستره من حر الشمس. وقال ابن لهيعة: بلغنى أنه وجد بالإسكندرية حجر مكتوب فيه أنا شداد بن عاد بنيت هذه المدينة إذ لا شيب ولا موت، وكنزت فى البحر كنزا على أثنى عشر ذراع لن تخرجه أحد إلا فى آخر الزملن عند فساد الأرض والدنيا. وقال ابن عبد الحكم وكانت الإسكندرية ثلاثة مدن بعضها على بعض، وقيل كان على الإسكندرية سبعة حصون منيعة وسبعة خنادق. ويقال أن بنيت الإسكندرية فى ثلاثمائة سنة وسكنت ثلاثمائة سنة وخربت ثلاثمائة سنة، ولقد مكث أهلها سبعين سنة ما تدخلها إلا وعلى أبصارهم خرق سود من بياض حيطانها وبياض رخامها وكان لا يقد فيها سراجا بالليل وإذا كان فى الليالى المقمر ويدخل الرجل الخيط فى خرم الإبرة وتخيط بالليل من غير سرج، وكانوا إذا غربت الشمس لم يقدر أحد يخرج من بيته، ومن خرج منهم اختطف وكان فيها راع يرعى غنمه على شاطئ البحر، فكان يخرج من البحر شئ يختطف الغنم منه فكمن له الراعى فى موضع حتى خرج فإذا بجارية خرم خرجت من البحر فمسكها الراعى من شعرها وقوى عليها حتى أتى بها إلى منزله فتانست به وأقامت عنده مدة فرأت أهل المدينة لا يخرجون بعد غروب الشمس فسألتهم عن ذلك فقالوا لها من خرج منا من بعد الغروب اختطف. فقالت لهم أن دواب البحر تتسلط على هذا المكان. فقال لها الراعى فهل من حيلة تمنعهم عن ذلك قالت: نعم تعملون مراكب فيها بيوت من زجاج ويدخل فيها مصورون ويقيمون فى البحر أياما فما رأوه من دوابة البحر صوروه على مثل

стр. 167

تلك الصور، فإذا صح ذلك فاعملوا لها أشباها من نحاس ورصاص وحجارة، وانصبوها على شاطئ البحر، فإن تلك الدواب إذا خرجت من البحر ورأت صورها هربت من ذلك المكان، ولم تعد ففعلوا ذلك فلم تعد إليهم تلك الدواب، وقيل كان من هذا الدواب ما هو على صورة الآدميين وما هو صورة الوحوش. *** ذكر منار الإسكندرية قال المسعودى رحمة الله عليه: أما مار الإسكندرية فذهب الأكثرون من المصريين والإسكندرانين ممن عنى بأخبار بلدهم أن الإسكندر بن فلبس المقدونى هو الذى بناها ومن هم من بقول أن دلوكة الملكة بنتها وجعلتها مرقبا لمن يرد من العدو إلى بلدهم ومن الناس من رأى بعض الفراعنة بمصر هو الذى بناها وذكروا فى ذلك أخبارا كثيرة وأنها كانت على كرسى من الزجاج على هيئة السرطان فى جوف البحر وعلى أعلاها تماثيل من النحاس فمنها تمثال يدور مع الشمس أين ما كانت من الفلك ومنها تمثال يشير بيده فى البحر إذا صار العدو منه على نحو من ليلة فيسمع لذلك التمثال صوت عال يسمع من مسيرة يومين فعلم أهل المدينة أن العدو قد دنا منهم فيستعدون لذلك وكان طول هذا المنار فى أول الزمان ألف ذراع والمرأة فى علوه والموكلون بها ينظرون فى كل ساعة من النهار فإذا نظروا إلى العدو نشروا أعلاما لمن يراها من بعد فيحذرو الناس لذلك فلا يكون للعدو عليهم سبيل، وكان حول هذا المنار فى البحر مغاص يخرج منه قطع من أنفس الجواهر يتخذ منه فصوص للخواتم ويقال أن ذلك من الأوانى الذى أتخذها الإسكندر للشراب. فلما مات كسرتها أمه ورمتها فى البحر ويقال أن هذا المنار إنما جعلت المرآة فى أغلاه لأن ملوك الروم بعد الإسكندر كانت تحارب ملوك مصر فجعل من كان بالإسكندرية من الملوك تلك المرآة يرى من يرد فى البحر من عدوهم وكان من يدخلها يتيه فيها لكثرة بيوتها وطبقاتها وممارقها، وقيل أن جماعة من المغاربة حين قدموا فى خلافة المقتدر بالله صاحب المشرق (١) دخل منهم جماعة إلى المنار فتاهوا فيها

стр. 168

وفقد منهم عدد كثير فهلكوا عطشا وجوعا وقد بنى بعض ملوك الإسلام فى هذا المنار مسجدا وجعل فيه مرابطين للجهاد فى سنة تسع وسبعين ومائة سقط رأس المنار من زلزلة. ويقال أن هذا المنار كان مبنيا بحجارة بينهما رصاص مذاب على قناطر من الزجاج وتلك القناطر على ظهر سرطان من الحديد، وكان فى المنار ثلاثمائة بيت بعضها فوق بعض، وكانت الدابة تصعد بحملها إلى سائر البيوت من داخل المنار، ولهذه البيوت طاقات تشرف على البحر. وقال ابن وصيف شاه قد ذكر أخبار من بنى الإسكندرية أنه جعل فى وسطها قبة على أساطين من نحاس والقبة من ذهب ونصبوا فوقها مرآة من معادن شتى قطرها خمسة أشبار، وكان أرتفاع القبة مائة ذراع فكانوا إذا قصدهم أحد من الأمم من البحر أو من البر عملوا لتلك المرآة عملا، فالقت شعاعها على العدو وأحرقته ولم تزل هذه المرآة على حالها إلى أن غلب عليها البحر فنسفها. ويقال أن الإسكندر بنى المنار الثانى على شبه المنار الأول، وكان أيضا عليه مرآة يرى فيها من يقصدهم من بلد الروم فاحتال بعض ملوك الروم على قلعها فوجه من أزالها وكانت من زجاج مدبر وقيل من حديد الصينى وكان عرضها سبعة أشبار. وقال المسعودى فى كتاب التنبية وقد كان وزير المتوكل عبد الله بن يحيى بن خاقان لما أمر المتسعين بالله بنفيه إلى برقة فى سنة ثمان وأربعين ومائتين سار إلى الإسكندرية من بلاد مصر فرأى حمرة الشمس على علو المنار التي كان بها المغيب فقد رأنه يلزمه أن لا يفطر إذا كان صائما أو تغرب الشمس من جميع أقطار الأرض فأمر إنسانا أن يصعد إلى أعالى المنار ومعه حجر وأن يتأمل وقت سقوط الشمس فإذا سقطت رمى بالحجر ففعل الرجل ذلك. فلما غربت الشمس رمى بالحجر فى البحر فحسبوا عند ذلك بالدرج من المغرب إلى العشاء فإذا شعاع الشمس لا يغيب من على المنار إلا وقت دخول العشاء من عظم علوها. وقد ذكر ارسطاطاليس فى كتاب الآثار العلوية أن بناحية المشرق الصيفى جبل شامخ جدا وأن من علامة ارتفاعه أن الشمس لا تغيب عنه إلا ثلاث ساعات من الليل وتشرق عليه قبل الصبح بثلاث ساعات. وكذلك المنار من بنيان العالم العجيب وكانوا ينظرون فى هذه المرآة مراكب البحر إذا أقبلت من رومية على مسافة تعجز عنها الأبصار، فكانوا يستعدون لهم قبل ورودهم وطول المنار فى هذا الوقت علي التقريب مائتان وثلاثون ذراعا، وكان طوله قديما نحو من أربعمائة ذراع فتهدمت علي طول الزمان وترادف الزلازل والأمطار وكان لهذه

стр. 169

المنارة فى يوم خميس العدس يخرج سائر أهل الإسكندرية إلى المنار كلهم، ولا بد أن يأكل هناك عدس ويفتح باب المنار ويدخله الناس فمنهم من يصلى ويذكر الله تعالى منهم من يلهوا ولا يزالون إلى نصف النهار ثم ينصرفون إلى منازلهم، وكان فى هذا المنار يوقدون النار طول الليل حتى يهتدون المسافرون إلى مدينة الإسكندرية. ويقال أن المنار كان بعيدا عن البحر فلما كان فى أيام قسطنطين هاج البحر وغرق مواضع كثيرة وكنائس عديدة كانت بالإسكندرية ولم يزل يغلب عليها البحر ويأخذ منها شيئا بعد شئ. وذكر بعضهم أنه قاس بنأها فكان طولها مائتى ذراع وثلاث وثلاثين ذراعا وهى ثلاث طبقات. فالطبقة الأولى مربعة وهى مائة ذراع وإحدى وعشرون ذراعا. فالطبقة الثانية: مثمنة وهى إحدى وثمانون ذراعا. والطبقة الثلاثة مدورة وهي إحدى وثلاثون ذراعا، والقطب ذراعان وقيل لما استولى أحمد بن طولون على الإسكندرية بنى فى أعلى المنار قبة من خشب فأخذتها الرماح. وفى أيام الملك الظاهر بيبرس هدم بعض أركان المنار وسقط فأمر ببناء ما انهدم وذلك فى سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وبنى فى أعلاها مسجد وهدم فى ذى الحجة سنة أثنين وسبعمائة عند حدوث الزلزلة، ثم بنى فى شهور سنة ثلاث وسبعمائة على يدركن الدين بيبرس الجاشنكير، وباق إلى هذا الزملن. *** ذكر ما قالته الشعراء فى المنار قال الوجيه المناوى: وسامية لا رجا عهدى أخا السرى … ضياء إذا ما حندس الليل أظلما ليست بها بردا من الأنس صلفيا … فكان بتذكار الأحبة معلما وقد ظلبتنى من ذراها بقية … ألاحظ فيها من صحابى انجما فخيل أن البحر تحتى غمامة … وإنى قد خيمت فى كبد السماء

стр. 170

وقال ابن عبد ربه فى المنار: لله ذر منار اسكندرية كم … يسمحوا إليه على بعد من الحدق من شامخ الأنف في أوصافه سمم … كأنه باهث فى داره الأفق للمنشاب الجوارى عند رؤيته … كموقع النوم فى أجفان ذى أرق *** ذكر الملعب الذى بالإسكندرية وغيره من العجائب /قال القضاعى: ومن عجائب مصر الإسكندرية وما بها من العجائب فمن عجايبها المنارة وعامود السوارى والملعب الذى كانوا يجتمعون فيه فى يوم من السنة ويرمون بالكرة فلا يقع فى حجر أحد من الحاضرين إلا ملك مصر، وحضر فى بعض أعيادهم وهو ذلك اليوم المشهور عندهم عمرو بن العاص فوقعت الكرة فى حجره فملك بعد ذلك مصر فى الإسلام وكان يحضر هذا الملعب ألف ألف من الناس فلا يكون فيهم أحد إلا وهو ينظر فى وجه صاحبه عند وقع الإكرة وكانوا يتلقونها بأكمامهم فرما بها رجل منهم فاقبلت تهوى تهوى حتى وقعت في كم عمرو، فعجبوا من ذلك وقالوا ما كذبنا هذه الإكرة قط إلا فى هذه المرة أترى هذا الأعرابى بملكنا هذا ما يكون أبدا. ذكر عمود السوارى هذا العمود حجر أحمر منقط وهو من الصوان المانع وكان خوله نحو أربعمائة عمود، ويقال أن ارتفاع هذا العمود سبعون ذراعا وقطره خمسة أذرع وطول القاعدة والسفلى أثنا عشر ذراعا وطول القاعدة العليا سبعة أذرع ونصف فجملة ذلك تسعة وثمانون ذراعا.

стр. 171

قال المسعودى: وفى الجانب الشرقى من صعيد مصر جبل عظيم كانت الأوائل تقطع منه العمد وغيرها، وكانوا يحملون ما عملوه بعد النحت، ويقال أن عمود السوارى الموجودة الآن كان قد أتابه الثبوت ابن مرة العادى وهو يحمله تحت ابطم من حبل بريم الأحمر من قبلى أسوان إلى الإسكندرية فانكسر ضلعة لأنه كان ضعيف القوى فى قومه فشق ذلك على شداد بن عاد وقال ليتنى فديته بنصف ملكى، وقال قوم عمود السوارى من جملة سبعة أعمدة كانت تحمل رواقا يقال له بيت الحكمة، وكانت هذه الأعمدة تحملها الرجل منهم تحت أبطه من أسوان إلى الإسكندرية. قال وهب بن (١) منبه: كان رأس أحدهم مثل القبة العظيمة حتى أن السباع توكر فيها وتلد ويقال أن سبعين رجلا من قوم موسى ﵇ استظلوا فى قحف عظم رجل من العمالقة. قال الزمخشرى: كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع وكان يأتى الصخرة العظيمة فتحملها تحت أبطه كالعصا. قال الأقليسى: رأيت فى ناووس ثنية أحدهم، قكان طولها أربعة أشبار وعرضها شبران وزنها ألف مثقال ووجدت فى ذلك الناووس عضدا فكان طوله ثمانية وعشرون ذراعا عرض كل عظيمة من ضلعة ثلاثة أشبار مثل اللوح الرخام. وقال الأقليسى أيضا ولقد رأيت فى بلغار فى سنة ثلاثين وخمسمائة رجلا طويلا من نسل العاديين فكان طوله أكثر من سبعة أذرع، وكان يسمى دنقى وكان يأخذ الفرس تحت أبطه كما يأخذ الإنسان الطفل الصغير وكان إذا وقع القتال بتلك الناحية يقابل بشجرة من خشب البلوط يمسكها كالعصاة فى يد لو ضرب بها الفيل قتله. وكان خيرا متواضعا كل ما التقانى تسليم على ويترحب بى ويكرمنى فكنت إذا سملت عليه لا تصل رأسى إلى حقوة، وكان له أخت على طوله رأيتها أيضا فى مدينة بلغار مرارا عديدة. قال الأقليسى: أخبرنى القاضى ابن النعمان قاضى بلغار أن هذا المرأة الطويلة العادية أنها قلت زوجها وكانت اسمه آدم وكان من أجل أهل بلغار فضمته إلى صدرها فكسرت أضلاعه فمات من ساعته قال ولم يكن فى مدينة بلغار حمام تسعهم الأحمام راحدة واسعة الأبواب.

стр. 172

وقال ابن الفريانى: أنه شاد فى مدينة أفريقية قبرا احتقر فإذا فيه جثة رجل من العادية فكان قدر عظم رأسه كثورين عظيمين ووجد عند رأسه لوح من رخام مكتوب فيه بالقلم العادية وحروفه مقطعة فإذا فيه مكتوب اناكوش بن كنعان بن ملوك الأرض من آل عاد قد ملكت بهذه الأرض ألف مدينة وتزوجت ألف بكر وركبت الخيول سبعة آلاف ثم لم يغنى عنى ملكى ولا مالى شيئا وجأنى صايح، فصاح بى حتى أخرجت من الدنيا فمن كان عاقلا ممن جاء بعدنا فاليعتبر بنا قال فأمر بعض الملوك بطاحن ذلك القبر. وقال ابن أبى عدنان وقفت فى سنة أربع عشر وثمانمائة بدمشق من الباب الصغير على قبر ليدفن ميت لبعض أصحابى، فلما تهيأ القبر ولم يبق إلا أن يدلى فيه الميت فإذا بالقبر قد انخسف وخرج منه ذباب كثير أزرق الألوان حتى كادت تغم على الحاضرين فلما حمدت تلك الذباب فنزل الحفار فى ذلك القبر، فإذا قبر طوله أثنا وعشرون ذراعا وفيه ميت قد صار مثل الرماد ووجد فى ذلك القبر ضرس له ثلاث شعب وهو قدر البطحة الكبيرة وأنه وزن بحضرته فبلغ رطلان وتسمع أوراق بالرطل الشامى فيكون ذلك على هذا الوزن نحو أثنى عشر رطلا بالمصرى فسبحان الخلاق. *** ذكر طرف يسير مما قيل فى الإسكندرية قال الكندى: أجمع الناس على أن ليس فى الدنيا مدينة على ثلاث طبقات غير الإسكندرية. ولما دخل عبد العزيز بن مروان إلى الإسكندرية سأل رجلا من علماء الروم عنها وعن عدد أهلها. فقال له والله أيها الأمير ما أدرك علم هذا أحد من الناس والذى أخبرك به إن كان فيها من اليهود ستمائة ألف فإن ملك الروم أمر باحصايهم، قال: فما هذا الخراب الذى فى أطرافها. قال له بلغنى عن بعض ملوك فارس حين ملكوا مصر أنه أمر بأخذ دينار على كل محتكر لعمران الإسكندرية فأتاه كبراء أهلها وعلماؤهم وقالوا أيها الملك لا تتعب نفسك فإن الإسكندر أقام على بنائها ثلاثمائة سنة، فلما عمرت أقامت ثلاثمائة سنة وأنها منذ خربه لها ثلاثمائة سنة. وقد قال بعض المفسرين من أهل العلم أنها المدينة التى وصفها الله تعالى فى القرآن. فقال أرم ذات العماد التى لم يخلق مثلها فى البلاد.

стр. 173

وقال أحمد صالح قال لى سفيان بن عيينة: يا مصرى أين تسكن. قلت: اسكن الفسطاط فقال هى الإسكندرية. قلت: نعم. قال تلك كناية الله تجعل فيها خيار سهامه، وقال تنظرون فى الأهوية والبلدان وترب الأقاليم والأمصار أنه لم تطل أعمار الناس فى بلد من البلدان أطول من ناحية مريوط إلى كورة الإسكندرية وكذك وادى فرغانة. وقال أبو الحسن بن رضوان: وأما الإسكندرية وتنيس وأمثالها فقرنها من البحر يسكن الحرارة ويعدل البرودة لطهور ريح الصبا فيهم وذلك مما يصلح أبدانهم ويرق طباعهم ويرفع هممهم وليس يعرض لهم ما يعرض لأهل الشيمور من غلظ الطبع والحمارية وقد نسبوا أهل الإسكندرية. وقد قال فى ذلك أبو الحسن بن حبقة الخزرجي (١) فى معنى ما نسب إلى أهل الإسكندرية من البخل. نزيل اسكندرية ليس يقرا … بغير الماء أو نعت السوارى ويتخف حين نكرم بالهواء … الملا ثم والإشارة للمنار وذكر البحر والأمواج فيه … ووصف مراكب الروم الكبار فلا يطمع نزلهم خير … فما فيها لذاك الحرف قار وقال بعضهم: يقولون المنارة والسوارى … وهل الأعمود أو بناء ويفتخرون من حمق وجهل … بملثهم وحاصله هواء وقال شيخ شهاب الدين ابن حجر فيها: اسكندرية مكرية … وخم ونار تسعر أن قيل ثغرا أبيض … أقول لكن يبخر ***

стр. 174

ذكر فتح الإسكندرية على يد المسلمين قال الكندى: لما جاز المسلمون الحصن بما فيه فعول عمرو بن العاص على المسير إلى الإسكندرية فسار إليها فى شهر ربيع الأول سنة عشرين من الهجرة فحاصر أهلها ثلاثة أشهر ولح عليهم فخافوه وسأله المقوقس فى الصلح. قال ابن لهيعة: وكان سبب فتحها أن رجلا يقال له ابن بسامة وكان بوابا على الإسكندرية فسأل عمرو بن العاص أن يؤمنه على نفسه وأهل بيته وهو يفتح له الباب فأجابه عمرو إلى ذلك ففتح له ابن بسامه الباب، فدخل عمرو وكان عدة من قتل من المسلمين من حين قدم عمرو بن العاص إلى حين فتحت أثنان وعشرون رجلا، وكان كل رجل منهم مقام ألف رجل حقيقة وذلك قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وقد أيطا عليه خبر الفتح، فكتب إلى عمرو بن العاص إنى قد وجهت معك جيش كل رجل مقوم بألف رجل فإذا أتاك كتابى هذا فاخطب بالناس وحضهم على قتال عدوهم ورغبهم فى الصبر والنية وأن يكون لهم صدمة كصدقة رجل واحد ويكون ذلك عند الزوال من يوم الجمعة، فإنها ساعة ترك الرحمة فيها ووقت إجابة فلما أتى عمرو بن العاص كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب جمع المسلمين كلهم وقرأ عليهم الكتاب وأمرهم أن يدعوا إلى الله عند الزوال من يوم الجمعة كما أمرهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ففعلوا ذلك، ففتح الله عليهم فلما فتحت الإسكندرية أرسل عمرو بن العاص بنشر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بالفتح، وكان الذى أرسله رجل يسمى معاوية بن خديج، فقدم إلى المدينة الشريفة وقت الظهر، فلما دخل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فقال له: ما عندك يا معاوية. فقال: خير يا أمير المؤمنين إلى المسجد قد فتح الله علينا الإسكندرية. فخرج أمير المؤمنين إلى المسجد وأمر للمؤذن إذن فى الناس الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فصلى بهم أمير المؤمنين ركعتين شكرا لله تعالى وصلى بهم على من مات من المسلمين فى ذلك الفتح. وكان الذى كتبه عمرو بن العاص إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: أما بعد فإنى فتحت مدينة لا أقدر أصف ما فيها غير إنى وجدت فيها أربعة آلاف دار بأربعة آلاف حمام ووجدت بها أثنا عشر ألف بقال يبيعون البقل الأخضر وكان فيما أحصى من الحمامات الذى

стр. 175

فى البلد أثنا عشر ألف حمام، كل حمام تسع ألف من الرجال، ووجدت بها ألف مركب، من المراكب الكبار الرومية وكان بها من اليهود أربعين ألف يهودى عليهم الجزية، فهرب أكثرهم فى البحر إلى بلاد الروم، فحملوا ما قدروا عليه من المال والمتاع فى المراكب، وساروا إلى ملك الروم وبقي من بقي بها من الأسارى وأهل الذمة فاحصى يومئذ فكانوا ستمائة ألف سوى النساء والصبيان. فكتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بذلك إليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من كان منهم فى أيديكم فخيروه بين الإسلام ودينه، فإن أسلم فهو من المسلمين له ما لهم وعليه دينارين. قال ابن لهيعة جبى عمرو بن العاص جزية الإسكندرية ستمائة ألف دينار لأنه وجد بها من أهل الذمة ثلاثمائة ألف إنسان بفريضة دينارين على كل إنسان فبلغت ذلك القدر. قال الليث بن سعد: كان فتح الإسكندرية فى أول سنة اثنين وعشرين من الهجرة، وقيل إن الروم مشت إلى قسطنطين بن هرقل فى سنة خمس وثلاثين، وقالوا له: أتترك الإسكندرية فى أيدى العرب وهى مدينتنا الكبرى، فقال لهم: ما تقدرون أن تقاوا العرب ساعة واحدة إذا لقيتموهم قالوا: يخرج على إنا نموت قتلا فتبايعوا على ذلك، وخرج لهم ابن هرقل فى ألف مركب يريد الإسكندرية، فسار فى أيام غالبة من الزنج، فبعث الله عليهم ريحا فغرقهم الإقستطنطين ملك الروم فإنه نجا بمركبه، فألقته الزنج بصقلية فسألوه أهلها عن أمره، فأخبرهم بأمر الزنج وتغريق المراكب بالجيوش فقالوا له: أفنيت النصرانية وأغرقت رجالها، فلو دخلت العرب علينا لم نجد من يردهم، ثم أنهم قتلوه وكفى الله المؤمنين القتال (¬*). وفى هذه الواقعة يقول بعض الشعوراء: أنه عقل الفرنج عقل خفيف … حيث راموا قتالنا والنزالا هلكوا بالهوى فماتوا جميعا … وكفى الله المؤمنين القتالا ***

стр. 176

ذكر بحيرة الإسكندرية قال ابن عبد الحكم كانت بحيرة الإسكندرية تزرع كروما كلها لامرأة المقوقس فكانت تأخذ بخراجها منهم خمرا فكثر الخمر عليها حتى ضاقت به ذرعا فقالت لا حاجة لى بالخمر فاعطونى دنانير. فقالوا لها ليس عندنا دنانير، فأرسلت عليهم الماء فغرقتها، فصارت بحيرة يصاد منها الحيتان حتى استخرجها الخلفاء من بنى العباس فسدوا جسورها وزرعوها فكان طولها أقلاع يوم فى عرض يوم فى يوم ريح طيب ويصير إليها الماء من اشتوم فى البحر الرومى، ويخرج منها إلى بحيرة دونها فى خليج عليه مدينتين، أحدهما تسمى مدينة الحدبة والأخرى تسمى ابكود وهى كثيرة الأمقته والنخل فى الرمل. وفى هذه البحيرة خليج من النيل يسمى الحافر طوله نصف يوم أقلاعا، وهو كثير الطير والسمك والعشب، وكان السمك يوجد بهذه البحيرة غاية فى الكثرة يباع بأقل الأثمان ثم انقطع الماء عن هذه البحيرة منذ أيام. *** ذكر خليخ الإسكندرية يقال أن الملكة كلوبطرة هى التى ساقته إلى الإسكندرية حتى أدخلته إليها ولم يكن يدخلها الماء قبل ذلك ويلطت قاعة بالرخام من أوله إلى آخره ولم يزل يوجد ذلك فيه إلى يومنا هذا. وقال جامع السيرة الطولونية (١) وفى ربيع الأول سنة تسع وخمسين ومائتين أمر أحمد بن طولون بحفر خليخ الإسكندرية. قال المسعودى: وقد كان النيل انقطع عن خليج الإسكندرية قبل سنة أثنين وثلاثين وثلاثمائة وكان فوهته قد استندت بالطين. وذكر المسبحى: أن الحاكم بأمر الله أبا على منصور بن العزيز كان قد

стр. 177

اهتم بحفر خليج الإسكندرية وذلك في سنة أربع وأربعمائة فحفره كله حفرا محكما فكان مصروف حفره خمسة عشر ألف دينار. وفى سنة اثنين وستين وستمائة أمر الملك الظاهر بيبرس بحفر خليج الإسكندرية، وسافر بعامة الأمراء والأجناد وباشر حفر هذا الخليج بنفسه، واستعمل فى حفره سائر الأمراء وسائر الناس بالقفف والمساحى إلى أن زالت تلك الرمال التى كانت على الساحل بين النقيديين، وفم الخليج وغرق هناك مراكب وبنى عليها بالحجارة وبنى هناك مسجدا، فلما تم له الغرض عاد إلى قلعة الجبل ثم تعطل استمرار جريان الماء فيه فى سنة عشر وسبعمائة وذلك فى دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون فأمر بحفره وندب لذلك الأمير بدر الدين محمد بن كند غرى الوزيرى والأمير بكتون وتقدمه المراسيم الشريفة إلى سائر أمراء الدولة باخراج مباشرتهم لاحضار رجال من النواحى الجارية فى أقطاعاتهم للعمل فى الحفر وكتب أيضا لولاة الأعمال بإجماع الرجال للعمل فى الحفر من سائر النواحى. فاجتمع من ذلك نحو الأربعين ألف إنسان وذلك فى عشرين يوما ووقع العمل فى شهر رجب من السنة المذكورة أعلاه وتم حتى كمل العمل فكان قياس الحفر من فم بحر النيل إلى ناحية شبار ثمانية آلاف قصبة حاكمته، ومن شبار إلى الإسكندرية مثلها وعمقه ست قصبات وعرضه ثمان قصبات. فلما إنتهى العمل ولكن بعد مشقة زائدة من يحفر هذا الخليج لما فرغ العمل من الخليج شرع الأمير بكتون فى عمل جسر من ماله دون مال السلطان فإن الناس كانوا فى وقت هيجان البحر يقاسوا مشقة عظيمة لغلبة الماء على أراضى السباخ فأقام ثلاثة أشهر حتى بني ضيعا، ودك أساسه بالحجر والرصاص وإنشاء أيضا خانا تترك فيه المسافرين ووقف علي مصالحه رزقه ولم يزل هذا الخليج فيه الماء بطول السنة جاريا إلي أن دخلت سنة سبعين وسبعمائة فانقطع الماء فيه، وصار الماء لا يدخل إليه إلا فى أيام زيادة ماء النيل فقذ، وكان ذلك سببا لخراب بساتين الإسكندرية التى كانت على هذا الخليج ولم تزل كذلك إلى إن كانت دولة الملك الأشرف برسباى فندب بحفره الأمير جرباش الكريمى المعروف بقاشق فتوجه إلى الإسكندرية وجمع ما قدر عليه من الرجال، فكان عدتهم ثمانمائة وسبعين رجل، وابتدأ فى حفره من حادى عشر جمادى الأول سنة ست وعشرين وثمانمائة إلى حادى عشر شعبان وذلك تسعين يوما فانتهى عملهم ومشى فيه الماء حتى إنتهى إلى حده من الإسكندرية، فسر الناس بذلك فلم يقيم إلا قليلا حتى انظم بالرمل وتعذر سلوك المراكب فيه ونزول الماء عنه بسرعة. ***

стр. 178

ذكر خليج مدينة أتريب هذه المدينة بناها أتريب بن قبطيم بن مصريم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇ وهي المدينة التى بناها أبوه قبطيم وكان طولها أثنى عشر ميلا ولها أثنان عشر بابا وحولها المنازل تدور بالخليج من ماء النيل وحولها البساتين، وجعل فيها من الأصنام والحكم والعجائب شئ كثير وعاش أتريب وستون سنة. *** ذكر مدينة تنيس وهى تنيس بكسر التاء وكسر النون المشددة وباء وسين مهملة، قال المسعودى: فى كتاب مروج الذهب بحيرة تنيس كانت أرضا لم يكن بمصر مثلها وكان بها النخيل والكرم وسائر أصناف الشجر، ولم يرى الناس بلدا أحسن منها، وكان الماء من النيل لا ينقطع عنها صيفا ولا شتاء، وكان فيما بين العريش وجزيرة قبرس طريق مسلوكه يابسه تمشى فيها الدواب حتى غلب عليها الماء، وغرق تلك الأرض وهى اليوم تسمى بحيرة تنيس وكان استحكام عرق هذه الأرض بأجمعها قبل أن تفتح مصر بمائة سنة. وذكر أبو عبد الله محمد بن أحمد بن بسام (١) فى كتابه فى أخبار تنيس أنها من الأقليم الرابع وأنها صحيحة الهواء قليلة الوباء طيبة المياه وأن الميت بها لا يفسد جسده سريعا ولا يتساقطه شعره وأن السمك والطير بها كثير وأن أهلها يدخرون ماء النيل عند صفائه فى أجباب لهم مستغدة للمياه، وكان طول هذه المدينة من الجنوب إلى الشمال ثلاثة آلاف ذراع وسبعة وعشرين ذراع بالذراع الكبير وعرضها من المشرق إلى المغرب ثلاثة آلاف ذراع ومائتى ذراع وخمسة وثمانون أذرع بالكبير، وذراع رأس سورها ستة آلاف ذراع ومائتا وسبعين ذراع، وكان عدد أبواب سورها بسبعة عشر بابا وواحد منها مصفح بالنحاس وما

стр. 179

سواها فمصفح بالحديد وجدد بها المسلمون جامع لصلاة الجمعة فكاد طوله مائة ذراع وأثنا عشر ذراع وعرضه أحد وسبعين ذراع، وكان يوقد فيه كل ليلة ألف وثمانمائة قنديل. وفى شهر رمضان يوقد ثلاثة آلاف قنديل ومائة وخمسون شمعة، وبها غير هذا الجامع مائة وسبعة وستون مسجدا، وبكل مسجد منها منارة، وكان بها من الكنائس أثنان وسبعون كنيسة إلى أن أمر بهدمها الحاكم بأمر الله فى سنة ثلاث وأربعمائة، وبنى مكانها مسجدا وكان بها سنة ثلاثون حماما بها مائة معصرة للزيت ومن الطواحين مائة وستون طاحونا. ومن الحوانيت ألفين وخمسمائة حانوت للبضائع ومن المناسج للقماش خمسة آلاف منسج وكان بها من العجائب ما يطول شرحه. وقيل أن الذى بنى هذه المدينة كانت امرأة تسمى تنيس بنت صا الأصغر ابن تدارس أحد ملوك القبط بمصر، وكان قد إبتدأ الفرق لأرضها ومزارعها قبل الإسلام بمائة سنة. وقال أبو السرى الطبيب: أن أخلاق أهلها كانت سهلة منقادة إلى الغناء والطرب وإكثار اللذة ما يلين إلى الرطوبة، وكان أكثر أهلها بهم الأبوبة والأنوثة، وأكثر أهلها كانوا حاكه يصنعوا الثياب الشروب التى لا يصنع مثلها فى الدنيا، وكان يصنع فيها للخليفة ثوب يقال له البدنة لا يدخل فيه من الكتان فى السدى واللحمة غير أوقتين وينسج باقية بالذهب صناعة محكمة لا يحوج إلى تفصيل ولا خياطة يبلغ قيمة الثوب من ذلك ألف دينار وهو بغير ذهب. ومما ظهر فيها من العجائب. وقيل أن فى سنة سبع وسبعين وثلاثمائة ولدت امرأة جارية برأسين أحدهما بوجه أبيض مترك والآخر بوجه أسمر فيه سهولة وكل وجه منهما كامل الخلقة مركب على عنق واحد فى جسد واحد بيدين ورجلين وفرج ودبر فكانوا يرضعوا كل وجه منهما وحده فحملت إلى المعز حتى رأها ووهب لأمهما شيئا من المال، وعادت إلى تنيس وماتت بعد شهور فى سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة وصل إلى تنيس من شوانى صقلية نحو أربعين مركبا فحاصروا أهل تنيس حتى ملكوها وقاتلوا من بها من المسلمين فقتل بها من المسلمين نحو سبعين إنسانا وهرب من بقى إلى ثغر دمياط فألقوا فيها الفرنج النار وأحرقوها وساروا من المسلمين فعند ذلك تحولوا أهلها إلى دمياط فاخليت فى صفر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وفي سنة أربع وعشرين وستمائة أمر الملك الكامل محمد بن العادل بن أبى بكر بن أيوب بهدم مدينة تنيس، وكانت مدينة جليلة كبيرة فاستمرت خرابا ولم يبق منها إلا رسومها. ***

стр. 180

ذكر بورا كانت بورا فيما بين تنيس ودمياط وإليها ينسب السمك الذى يقال له البورى، وإليها ينسب جماعة من الناس يلقبوا بالبورى. وفى سنة عشر وستمائة وصل إليها العدو وسبى أهلها وخربها. *** ذكر مدينة القيس هى بلد ينسب إليها الثياب القيسيسة آثارها إلى اليوم باقية على بحر المالح فيما بين السوادة وبين العدادة، ومنها إلى الفرما قريب ستة برد فى البر، وهناك تل عظيم من رمل خارج في البحر الشامى تقطع الفرنج عنده الطريق، وبالقرب من ذلك التل سباح ينبت فيه ملح تحمله العربان إلى مدينة غزة والرملة. *** ذكر رمل الغرابى أعلم أن رمل الغرابى وما يتصل به من حد العريش إلى أرض العباسة حادث، وسبب ذلك أن شداد بن عاد أحد الملوك العادية لما قدم إلى أرض مصر وغلب بكثرة من معه من الجيوش على من كان بأرض مصر من الملوك، فنزل فى هذه الأرض وهى من الدثنة إلى العريش، والجفار فى أرض سهلة ذات عيون تجرى وأشجار مثمرة وزروع كثيرة فأقاموا بهذه الأرض دهرا طويلا، حتى عتوا وتجبروا وطغوا وقالوا: نحن الأكثرون قوة الأشدون الأغلبون. فسلط الله عليهم الريح فأهلكهم، ونسفت مصانعهم وديارهم حتى صارت رملا. فجميع ما تراه من هذه الرمال التى بأرض الجفار - إلى ما بين العباسية وهي تعرف اليوم بالصالحية
следующие страницы →