← История

История · id 30074

نزهة الأمم في العجائب والحكم

ابن إياس

Полный текст (334 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ذكر بحيرة الإسكندرية قال ابن عبد الحكم كانت بحيرة الإسكندرية تزرع كروما كلها لامرأة المقوقس فكانت تأخذ بخراجها منهم خمرا فكثر الخمر عليها حتى ضاقت به ذرعا فقالت لا حاجة لى بالخمر فاعطونى دنانير. فقالوا لها ليس عندنا دنانير، فأرسلت عليهم الماء فغرقتها، فصارت بحيرة يصاد منها الحيتان حتى استخرجها الخلفاء من بنى العباس فسدوا جسورها وزرعوها فكان طولها أقلاع يوم فى عرض يوم فى يوم ريح طيب ويصير إليها الماء من اشتوم فى البحر الرومى، ويخرج منها إلى بحيرة دونها فى خليج عليه مدينتين، أحدهما تسمى مدينة الحدبة والأخرى تسمى ابكود وهى كثيرة الأمقته والنخل فى الرمل. وفى هذه البحيرة خليج من النيل يسمى الحافر طوله نصف يوم أقلاعا، وهو كثير الطير والسمك والعشب، وكان السمك يوجد بهذه البحيرة غاية فى الكثرة يباع بأقل الأثمان ثم انقطع الماء عن هذه البحيرة منذ أيام. *** ذكر خليخ الإسكندرية يقال أن الملكة كلوبطرة هى التى ساقته إلى الإسكندرية حتى أدخلته إليها ولم يكن يدخلها الماء قبل ذلك ويلطت قاعة بالرخام من أوله إلى آخره ولم يزل يوجد ذلك فيه إلى يومنا هذا. وقال جامع السيرة الطولونية (١) وفى ربيع الأول سنة تسع وخمسين ومائتين أمر أحمد بن طولون بحفر خليخ الإسكندرية. قال المسعودى: وقد كان النيل انقطع عن خليج الإسكندرية قبل سنة أثنين وثلاثين وثلاثمائة وكان فوهته قد استندت بالطين. وذكر المسبحى: أن الحاكم بأمر الله أبا على منصور بن العزيز كان قد

стр. 177

اهتم بحفر خليج الإسكندرية وذلك في سنة أربع وأربعمائة فحفره كله حفرا محكما فكان مصروف حفره خمسة عشر ألف دينار. وفى سنة اثنين وستين وستمائة أمر الملك الظاهر بيبرس بحفر خليج الإسكندرية، وسافر بعامة الأمراء والأجناد وباشر حفر هذا الخليج بنفسه، واستعمل فى حفره سائر الأمراء وسائر الناس بالقفف والمساحى إلى أن زالت تلك الرمال التى كانت على الساحل بين النقيديين، وفم الخليج وغرق هناك مراكب وبنى عليها بالحجارة وبنى هناك مسجدا، فلما تم له الغرض عاد إلى قلعة الجبل ثم تعطل استمرار جريان الماء فيه فى سنة عشر وسبعمائة وذلك فى دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون فأمر بحفره وندب لذلك الأمير بدر الدين محمد بن كند غرى الوزيرى والأمير بكتون وتقدمه المراسيم الشريفة إلى سائر أمراء الدولة باخراج مباشرتهم لاحضار رجال من النواحى الجارية فى أقطاعاتهم للعمل فى الحفر وكتب أيضا لولاة الأعمال بإجماع الرجال للعمل فى الحفر من سائر النواحى. فاجتمع من ذلك نحو الأربعين ألف إنسان وذلك فى عشرين يوما ووقع العمل فى شهر رجب من السنة المذكورة أعلاه وتم حتى كمل العمل فكان قياس الحفر من فم بحر النيل إلى ناحية شبار ثمانية آلاف قصبة حاكمته، ومن شبار إلى الإسكندرية مثلها وعمقه ست قصبات وعرضه ثمان قصبات. فلما إنتهى العمل ولكن بعد مشقة زائدة من يحفر هذا الخليج لما فرغ العمل من الخليج شرع الأمير بكتون فى عمل جسر من ماله دون مال السلطان فإن الناس كانوا فى وقت هيجان البحر يقاسوا مشقة عظيمة لغلبة الماء على أراضى السباخ فأقام ثلاثة أشهر حتى بني ضيعا، ودك أساسه بالحجر والرصاص وإنشاء أيضا خانا تترك فيه المسافرين ووقف علي مصالحه رزقه ولم يزل هذا الخليج فيه الماء بطول السنة جاريا إلي أن دخلت سنة سبعين وسبعمائة فانقطع الماء فيه، وصار الماء لا يدخل إليه إلا فى أيام زيادة ماء النيل فقذ، وكان ذلك سببا لخراب بساتين الإسكندرية التى كانت على هذا الخليج ولم تزل كذلك إلى إن كانت دولة الملك الأشرف برسباى فندب بحفره الأمير جرباش الكريمى المعروف بقاشق فتوجه إلى الإسكندرية وجمع ما قدر عليه من الرجال، فكان عدتهم ثمانمائة وسبعين رجل، وابتدأ فى حفره من حادى عشر جمادى الأول سنة ست وعشرين وثمانمائة إلى حادى عشر شعبان وذلك تسعين يوما فانتهى عملهم ومشى فيه الماء حتى إنتهى إلى حده من الإسكندرية، فسر الناس بذلك فلم يقيم إلا قليلا حتى انظم بالرمل وتعذر سلوك المراكب فيه ونزول الماء عنه بسرعة. ***

стр. 178

ذكر خليج مدينة أتريب هذه المدينة بناها أتريب بن قبطيم بن مصريم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇ وهي المدينة التى بناها أبوه قبطيم وكان طولها أثنى عشر ميلا ولها أثنان عشر بابا وحولها المنازل تدور بالخليج من ماء النيل وحولها البساتين، وجعل فيها من الأصنام والحكم والعجائب شئ كثير وعاش أتريب وستون سنة. *** ذكر مدينة تنيس وهى تنيس بكسر التاء وكسر النون المشددة وباء وسين مهملة، قال المسعودى: فى كتاب مروج الذهب بحيرة تنيس كانت أرضا لم يكن بمصر مثلها وكان بها النخيل والكرم وسائر أصناف الشجر، ولم يرى الناس بلدا أحسن منها، وكان الماء من النيل لا ينقطع عنها صيفا ولا شتاء، وكان فيما بين العريش وجزيرة قبرس طريق مسلوكه يابسه تمشى فيها الدواب حتى غلب عليها الماء، وغرق تلك الأرض وهى اليوم تسمى بحيرة تنيس وكان استحكام عرق هذه الأرض بأجمعها قبل أن تفتح مصر بمائة سنة. وذكر أبو عبد الله محمد بن أحمد بن بسام (١) فى كتابه فى أخبار تنيس أنها من الأقليم الرابع وأنها صحيحة الهواء قليلة الوباء طيبة المياه وأن الميت بها لا يفسد جسده سريعا ولا يتساقطه شعره وأن السمك والطير بها كثير وأن أهلها يدخرون ماء النيل عند صفائه فى أجباب لهم مستغدة للمياه، وكان طول هذه المدينة من الجنوب إلى الشمال ثلاثة آلاف ذراع وسبعة وعشرين ذراع بالذراع الكبير وعرضها من المشرق إلى المغرب ثلاثة آلاف ذراع ومائتى ذراع وخمسة وثمانون أذرع بالكبير، وذراع رأس سورها ستة آلاف ذراع ومائتا وسبعين ذراع، وكان عدد أبواب سورها بسبعة عشر بابا وواحد منها مصفح بالنحاس وما

стр. 179

سواها فمصفح بالحديد وجدد بها المسلمون جامع لصلاة الجمعة فكاد طوله مائة ذراع وأثنا عشر ذراع وعرضه أحد وسبعين ذراع، وكان يوقد فيه كل ليلة ألف وثمانمائة قنديل. وفى شهر رمضان يوقد ثلاثة آلاف قنديل ومائة وخمسون شمعة، وبها غير هذا الجامع مائة وسبعة وستون مسجدا، وبكل مسجد منها منارة، وكان بها من الكنائس أثنان وسبعون كنيسة إلى أن أمر بهدمها الحاكم بأمر الله فى سنة ثلاث وأربعمائة، وبنى مكانها مسجدا وكان بها سنة ثلاثون حماما بها مائة معصرة للزيت ومن الطواحين مائة وستون طاحونا. ومن الحوانيت ألفين وخمسمائة حانوت للبضائع ومن المناسج للقماش خمسة آلاف منسج وكان بها من العجائب ما يطول شرحه. وقيل أن الذى بنى هذه المدينة كانت امرأة تسمى تنيس بنت صا الأصغر ابن تدارس أحد ملوك القبط بمصر، وكان قد إبتدأ الفرق لأرضها ومزارعها قبل الإسلام بمائة سنة. وقال أبو السرى الطبيب: أن أخلاق أهلها كانت سهلة منقادة إلى الغناء والطرب وإكثار اللذة ما يلين إلى الرطوبة، وكان أكثر أهلها بهم الأبوبة والأنوثة، وأكثر أهلها كانوا حاكه يصنعوا الثياب الشروب التى لا يصنع مثلها فى الدنيا، وكان يصنع فيها للخليفة ثوب يقال له البدنة لا يدخل فيه من الكتان فى السدى واللحمة غير أوقتين وينسج باقية بالذهب صناعة محكمة لا يحوج إلى تفصيل ولا خياطة يبلغ قيمة الثوب من ذلك ألف دينار وهو بغير ذهب. ومما ظهر فيها من العجائب. وقيل أن فى سنة سبع وسبعين وثلاثمائة ولدت امرأة جارية برأسين أحدهما بوجه أبيض مترك والآخر بوجه أسمر فيه سهولة وكل وجه منهما كامل الخلقة مركب على عنق واحد فى جسد واحد بيدين ورجلين وفرج ودبر فكانوا يرضعوا كل وجه منهما وحده فحملت إلى المعز حتى رأها ووهب لأمهما شيئا من المال، وعادت إلى تنيس وماتت بعد شهور فى سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة وصل إلى تنيس من شوانى صقلية نحو أربعين مركبا فحاصروا أهل تنيس حتى ملكوها وقاتلوا من بها من المسلمين فقتل بها من المسلمين نحو سبعين إنسانا وهرب من بقى إلى ثغر دمياط فألقوا فيها الفرنج النار وأحرقوها وساروا من المسلمين فعند ذلك تحولوا أهلها إلى دمياط فاخليت فى صفر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وفي سنة أربع وعشرين وستمائة أمر الملك الكامل محمد بن العادل بن أبى بكر بن أيوب بهدم مدينة تنيس، وكانت مدينة جليلة كبيرة فاستمرت خرابا ولم يبق منها إلا رسومها. ***

стр. 180

ذكر بورا كانت بورا فيما بين تنيس ودمياط وإليها ينسب السمك الذى يقال له البورى، وإليها ينسب جماعة من الناس يلقبوا بالبورى. وفى سنة عشر وستمائة وصل إليها العدو وسبى أهلها وخربها. *** ذكر مدينة القيس هى بلد ينسب إليها الثياب القيسيسة آثارها إلى اليوم باقية على بحر المالح فيما بين السوادة وبين العدادة، ومنها إلى الفرما قريب ستة برد فى البر، وهناك تل عظيم من رمل خارج في البحر الشامى تقطع الفرنج عنده الطريق، وبالقرب من ذلك التل سباح ينبت فيه ملح تحمله العربان إلى مدينة غزة والرملة. *** ذكر رمل الغرابى أعلم أن رمل الغرابى وما يتصل به من حد العريش إلى أرض العباسة حادث، وسبب ذلك أن شداد بن عاد أحد الملوك العادية لما قدم إلى أرض مصر وغلب بكثرة من معه من الجيوش على من كان بأرض مصر من الملوك، فنزل فى هذه الأرض وهى من الدثنة إلى العريش، والجفار فى أرض سهلة ذات عيون تجرى وأشجار مثمرة وزروع كثيرة فأقاموا بهذه الأرض دهرا طويلا، حتى عتوا وتجبروا وطغوا وقالوا: نحن الأكثرون قوة الأشدون الأغلبون. فسلط الله عليهم الريح فأهلكهم، ونسفت مصانعهم وديارهم حتى صارت رملا. فجميع ما تراه من هذه الرمال التى بأرض الجفار - إلى ما بين العباسية وهي تعرف اليوم بالصالحية

стр. 181

إلى العريش من رمال آثار ديار العادية واستحالة صخورهم لما أهلكهم الله تعالى بالزنج ودمرهم تدميرا كما قال الله تعالى فى القرآن العظيم ﴿وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ ﴿ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (١)﴾ أى كالشئ الهالك البالى، وقيل الرميم نبات الأرض إذا يبس وديس. *** ذكر مدينة بلبيس وسميت فى التوراة أرض حاشان، وفيها نزل يعقوب ﵇، وذكر ابن خرداذبة أن بين بلبيس ومدينة فسطاط مصر أربعة وعشرون ميلا، وكانت مدينة كبيرة من أجل مدائن مصر إلى أن خربت فى سنة ست وثمانمائة. *** ذكر مدينة الصالحية هذا البلد عمرها الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيوب وهى أول الرمل الذى بين مصر والشام، وأنشأ بها قصورا وجامعا وسوقا ليكون منزله للعساكر إذا خرجوا من الرمل وذلك فى سنة أربع وأربعين وستمائة. ***

стр. 182

ذكر وادى هبيب هذا الوادى بالجانب الغربى من أرض مصر فيما بين مريوط والفيوم يجلب منه الملح والنطرون، وكان به مائة دير للنصارى، وقيل أنه خرج منه سبعمائة راهب بيد كل واحد عكاز فتلقوا عمرو بن العاص بالطرانة يطلبون منه الأمان على أنفسهم وديارهم فكتب لهم بذلك أمانا وبقى عندهم يتوارثونه وكان بهذا الوادى الملح الأندرانى والملح السلطانى وهو على هيئة ألواح الرخام وفيه حجر الزجاج وفيه يوجد حجر الكحل الأسود ويوجد فيه حجر الزجاج. وفيه أيضا الماسكة وهو طين أصغر فى داخل حجر أسود تحل فى الماء ويشرب منه لوجع المعدة وفيه تسمى عين الغراب وهو ماء فى بركة طولها نحو خمسين ذراعا في عرض خمسة أذرع فى مغارة بالجبل لا يعلم من أين يأتى ولا أين يذهب وقد استأجرها الملك المؤيد شيخ فى سنة إحدى وعشرين وثمانمائة وجدد عمارة بساتينها، وكانت قد خربت فاستمرت في ديوان السلطان من ذلك الحين. *** ذكر صعيد مصر وما قيل به ذلك وكان فى أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون يمر المسافر من القاهرة إلى أسوان فلا يحتج إلى نفقة ولا زاد، بل يجد بكل ناحية عدة دور للضيافة إذا دخل المسافر دارا منها أحضروا له ما يحتاج إليه من الأكل والشرب والعلف ونحوه، والآن أمره إلى أن صار المسافر لا يجد فى طريقه من القاهرة إلى أسوان أحدا من الناس لتلاشى أمر بلاد الصعيد منذ كانت سنة الشراقى فى أيام الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون وذلك سنة ست وسبعين وسبعمائة وتزايد تلاشية فى أيام الظاهر برقوق لجور الولاة علي أهله، ولم يزل فى أدبار إلى أن كانت سنة ست وثمانمائة وشرقت أرض مصر بقصور مد النيل عنها، وهى أهل الصعيد من ذلك ما لا يوصف شرحه تحيى أنه مات من مدينة قوص سبعة عشر ألف إنسان،

стр. 183

ومات من مدينة أسيوط أحد عشر ألف إنسان. ومن مدينة هو خمسة عشر ألف إنسان وذلك غير الطرحان على الطرقات، ومن لا يعرف من القربا ثم تلاشى أمره بعد ذلك إلى أيام المؤيد شيخ فلم يبق منه إلا الرسوم وكان الصعيد كثير المواشى من الضأن وغيره بحيث أن الرأس الواحدة وعشرون رأسا وذلك بتقدير السلامة وقد شوهد من أغنام الصعيد ما يلد فى السنة ثلاث مرات وتلد فى البطن الواحدة ثلاثة روءس، وكانت الكثرة والغلبة ببلاد الصعيد ست قبائل، وهى بنو هلال وبلى وجهينة وقريش ولواته وبنو كلاب وثعلبة، وجذام، ولذلك كان المسافر إذا مر بناحية الصعيد فلا يحتاج إلى نفقة كما تقدم. *** ذكر الجنادل وشئ من أخبار النوبة قال عبد الله بن أحمد سليم الأسوانى فى كتاب أخبار النوبة أعلم أن أول بلد النوبة قرية تعرف بالأقصر من أسوان إليها خمسة أميال وآخر حصين المسلمين جزيرة تعرف ببلاق بينها وبين قرية النوبة ميل، وهو ساحل بلد النوبة، ومن أسوان إلى هذا الموضع جنادل فى البحر لا تسلكها المراكب إلا بالحيلة، لأن هناك جبال منقطعة وشعاب معترضة فى النيل، ولا صباب فيها جزير عظيم وذوى نسمع من بعد، وبهذه القرية مسلحة وباب إلى بلد النوبة، ومنها إلى الجنادل الأول من بلد النوبة عشر مراحل وهى الناحية التى ينصرف فيها المسلمون ولهم فيما قرب منها أملاك، وفيها جماعة من المسلمين لا يفصحون بالعربية وهى ناحية ضيقة شطفة كثير الجبال وشجرها النخيل والمقل وأعلاها أوسع من أدناها، وفى أعلاها الكروم والنيل لا يروى مزارعها لأرتفاع أرضها فيرونها بالدواليب على أعناق البقر والقمح عندهم قليل والشعير عندهم أكثر، ويزرعون فى الصيف السمسم واللوبيا والذرة وغير ذلك من الزرع، ولها منيا تعرف يادوا، وإليها ينسب إليها لقمان الحكيم وذو النون، وبها عجائب كثيرة، وفيها قلعتين وبها ملك يعرف بصاحب الجبل وفيه العدل، ومن يخرج إلى بلد النوبة من المسلمين ويهدى إليه شئ فيقبل هديته ويكافئ عليه بالرفيق وغيره. وأول الجنادل من بلد النوبة قرية تعرف بتقوى هى الساحل وإليها ينتهى مراكب النوبة

стр. 184

المصعدة من الأقصر وهى أول بلدهم ولا يتجاوزها أحد من المسلمين ولا من غيرهم إلا بإذن من صاحب الجبل ومعاملتهم إلى دون الجنادل مع المسلمين بالدراهم والدنانير وما فوق ذلك فلا بيع بينهم ولا شرا، وإنما هى معارضة بالرقيق والمواشى والجمال والحديد والحبوب ولا يطلقوا لأحد أن يتجاوز أرضهم إلا بإذن الملك صاحب الجبل ومن خالف ذلك كان جزاؤه القتل كاينا من كان من الناس وبهذا الأحتياط نيلته أخبارهم عن سائر الناس من الملوك وغيرهم. وقيل أن حجر السنبادج الذى يحرط به الجوهر والبلخفش وغيره يوجد عندهم فى مواضع بأعلى النيل يغطسون عليه وأنه يشتبه عليهم مع الحجارة فيعرفونه بخسه باردا مخالفا للحجارة. ومن هذه القرية قرية تعرف بساى وهى جنادل انصنا وهى كرسى مملكتهم ولهم فيها أسقف وبرابى وهى سبع ولايات وفيها النحل والكروم والزيتون والقطن وغير ذلك من الزروع، وفيها قلعة تعرف باصطون وهى أول الجنادل الثالثة وهى أشد الجنادل صعوبة لأن فيها جبلا معترضا من الشرق إلى الغرب فى وسط النيل والماء ينصب منه من ثلاثة أبواب وما أخسر هناك الماء فيسمع له جزير عظيم عجيب المنظر لينحدر الماء من علو الجبل، فبالت ذلك حجارة مفروشة فى وسط النيل على نحو ثلاثة ابراد وآخر ذلك قرية تعرف يستو وهى آخر قرى مريسى وهو آخر عمل النوبة صاحب الجبل وتليها قرية تعرف بقون وما يرى أوسع من النيل هناك فإنه مسيرة خمس مراحل وفيه الجزائر والأنهار تجرى بينها، وفى تلك الجزاير عمائر حسنة وفيها المواشى والأنعام وهى كثيرة الطير والسمك وأكثر نزهة ملك النوبة صاحب الجبل فى هذه الجزاير. وقال من رأى ذلك المكان أنه كثير الأشجار من الجانبين فيه خليجان ضيقة أكثرها بخاص وأن التمساح لا يضر هناك وأن بيوتهم يسقفونها بخشب الساج الذى يأتى به النيل فى وقت الزيادة اسقالات لا يدرى من أين يأتى به، وبين دنقلة إلى أول بلاد علوه أكثر مما بينها وبين أسوان وفيها القرى والضياع والجزاير والمواشى والنحل والشجر والزروع والكروم أضعاف ما فى الجانب الذى يلى أرض الإسلام. ومن هذه المواضع طرق إلى سواكن وغيرها من البلاد وقد عبر فى ذلك الأماكن من نجا من بنى أمية عند هروبهم من القتل خوفا على أنفسهم وأقاموا هناك وصاروا من حملة أهلها. ***

стр. 185

ذكر تشعب النيل من بلاد علوة ومن يسكن عليه من الأمم أعلم أن النوبة والمقره جنسان بلسانين كلاهما على النيل والنوبة وهم المريسى المجاورون لأرض الإسلام، وبين أول بلدهم وبين أسوان خمسة أميال ويقال: النوبة ومقره من حمير وأكثر الأخبار على أنهم من ولد حام بن نوح ﵇ وكان بين النوبة والمقرة حروب قبل النصرانية. وفى أول المقره قرية تعرف بناقة على مرحلة من أسوان ومدينة ملكهم يقال لها بخراش على أقل من عشرة مراحل من أسوان. ويقال أن موسى صلوات الله عليه غزاهم فى أيام فرعون فاخرب ناقة وكانوا صابية يعبدون الكواكب وينصبون التماثيل لها ثم تنصروا جميعا النوبة والمقرة ودنقلة، وفى أول بلاد علوة قرى فى الشرق على شاطئ النيل تعرف بالأبواب ولهذه الناحية وال من قبل صاحب علوه بعرف باكو جراج والنيل يتشعب من هذه الناحية على سبعة أنهار فمنها يأتى من ناحية المشرق وكدر الكون يتشف فى الصيف حتى يسلك بطنه فإذا كان وقت زيادة النيل ينبع فيه الماء وزادت البرك التى فيه وكثر المطر والسيول هناك وقيل أن آخر هذا النهر عين عظيمة تأتى من جبل فهناك. قال مؤرخ النوبة حدثنى سميون صاحب عهد بلد علوة أنه يوجد فى بطن هذا النهر فى الطين حوت لافشر له ليس هو من جنس ما فى النيل من الحيتان يحفرون قدر قامه حتى يخرج وهو كبير جدا، ويقال أن بين علوة وبحة جنس يقال لهم نازة يأتى من عندهم طير يعرف بحمام نازين، ويعد هؤلاء أول بلاد الحبشة وعندهم النيل يسمونه النهر الأبيض وهو نهر يأتى من ناحية الغرب شديد البياض مثل اللبن الحليب. قال: بعض من سلك بلاد السودان عن النيل الذى عندهم وعن لونه، فذكر أنه يخرج من جبال وأنه تجتمع فى برك عظام هناك، ثم ينصب إلى ما لا يعرف وأنه ليس بأبيض، وإنما يكتسب ذلك اللون مما يمر عليه أو من نهر آخر ينصب إليه وعليه أجناس من

стр. 186

الناس شتى ثم ذكر النيل الأخضر فقال هو نهر يأتى من نحو القبلة مما يلى الشرق وأنه شديد الخضرة صافى اللون جدا، يرى ما فى قعره من السمك وطعمه مخالف لطعم ماء النيل يعطش الشارب منه بسرعة وحيتانه خلقة واحدة غير أن طعمهم مختلف ويأتى فيه وقت زيادة النيل اسقالات من خشب الساج والبقم والقنا وخشب له رائحة كرائحة اللبن. وقيل إنه وجد فيه عود كالبخور المسمى بالقاقلى وتجتمع هذان النهران الأبيض الأخضر عند مدينة كرسى علوة ويبقيان على ألوانهما قريبا من مرحلة ثم يختلطان بعد ذلك وبينهما أمواج كبار يتلاطما. وقال: من رأى النيل الأبيض حين ينصب فى النيل الأخضر وأنه بقى فيه مثل اللبن ساعة قبل أن يختلطا وبين هذين النهرين جزيرة لا يعرف لها غاية وكذلك لا يعرف لهذين نهاية، فأولهما يعرف عرضه ثم يتسع فيصير مسافة شهر ثم لا يدرك سعتهما وعليهما خلائق كثيرة يسكنونهما من أجناس شتى. ويقال أن بعض ملوك علوه سار فيها يريد أن يعرف أقصاها. فسار فيها سنين فرأى فى طرقها جنسا يسكنونهم ودوابهم فى بيوت تحت الأرض مثل السراديب من شدة حر الشمس ويسرحون بالليل لمعايشهم. وقال بعض من طرق بلاد الزنج أنه سار فى بحر الصين إلى بلد الزنج بالزنج الشمال فى مركب من الجانب الشرقى حتى إنتهاء إلى بلد تعرف برأس حفرى، وهى مدينة كبيرة وتصير قبلتهم للصلاة نحو جدة وفيها رباط فيه جماعة من المسلمين وأكثرهم جنوبهم الذرة التى مثل الأرز وعندهم المواشى كثير والخيل والحمار والجمال ودينهم دين النصرانية وكتبهم بالقلم الرومى يفسرونها بلسانهم ومما فى بلدهم من العجائب أن فى الجزيرة الكبرى التى بين البحرين جنسا يعرف بالكرسا لهم أرض واسعة تزرع على النيل والمطر وإذا كان وقت الزرع خرج كل واحد منهم ما عنده من البدار قد زرع وآوان المزار فارغة، وإذا كان وقت الحصاد خطوا شيئا من المزار وانصرفوا عنه فإذا أصبحوا وجدو الزرع قد حصد باشره وجرن، فإذا أرادوا دراسة وتدربته فعلوا بذلك، وربما أراد أحدهم أن يبقى زرعة من الحشيش فيغلظ بقلع شئ من الزرع فيضح. وقد رأى جميع الزرع قد قلع وفى هذه الناحية بلدان واسعة مسيرة شهرين فى شهرين، وأكبر بلدهم علوة، وهذه الحكاية عنهم صحيحة معروفة مشهورة عند جميع أهل النوبة وأهل علوة وكل من يطرق تلك النواحى من تجار المسلمين وأن أهل تلك الناحية يزعمون أن لجان تفعل معهم ذلك. ومن عجائب تلك الناحية ما حدث به أهل الناحية أن المطر إذا مطر عندهم يلتقطون

стр. 187

منه سمكا من أعلى الجبال. وذكروا أنه صغير القدر بادناب حمر ويقال أن فيهم جماعة يعترفون بالبارى ويتقربون إليه بعبادة الشمس والقمر والكواكب، ومنهم من لا يعترف بالبارى ويعبد النار ومنهم يعبد كلما يستحسنه من شجرة أو بهيمة ومن هم من يعبد الله تعالى خالصا مخلصا وإذا أبطأ عنهم المطر أو أصابهم الوباء أو وقع فى بلادهم آفة صعدوا إلى الجبال ودعوا إلى الله فيجابوا من وقتهم وتقضى حاجتهم قبل أن ينزلوا وهم لا يعرفون أحدا من الأنبياء ولا الرسل ولا ما نزل الله تعالى من الكتب، ولكن تعبدون الله تعالى بإخلاص النية وملكهم مسلم لا يكلمه أحدا من وراء حجاب وغالب أكلهم الأرز وهو ينبت عندهم من غبر بذر وعندهم يوجد القمح والذرة والتين والليمون والبادنجان واللفت والرطب ويجلب من عندهم قماش يقال له الدندى طول كل ثوب عشرة أذرع ويتعاملون بالودع والخرز والنحاس المكسر والورق، وفي جوانب تلك النواحى أشخاص متوحشة تسمى الغول قريب من الشكل الأدمى نودى الناس ويكسرهم ولا يظهر إلا بالليل ويظهر منها شبه شرار النار فإذا مشى أحد ليلحقها بعدت عنه ولو جرى خلفها لا يصل إليها بل لا تزال إمامه فإذا رماها بحجر فأصابها فيطير منها شرار مثل شرار الحداد فلا يلحقها الفارس الراكب المجد ويختفى فى مغاير هناك فى الجبال. ومن العجائب عندهم أن اليقظة تصير عندهم قدر المركب الصغير حتى أنهم يصنعوا من نصفها مركب ويضعوه فى النيل ويعدوا فيه. وهذه البلاد بين إفريقية وبرقة ممتدة فى الجنوب إلى سميت الغرب الأوسط وهى بلد شر مزاج بأهلها. *** ذكر مدينة بلاد البجة أعلم أن أول بلد البجة من قرية تعرف باحزبة وبينها وبين قوص نحو من ثلاث مراحل وبها معدن الزمرد. وذكر الجاحظ: أن ليس فى الدنيا معدن للزمرد غير هذا الموضوع، وهو يوجد فى مغاير بعيدة مظلمة يدخل إليها الإنسان بالمصابيح ويحفر عليه بالمعاول، فيوجد فى وسط حجارة عشم خضر الألوان وآخر بلادا لبجة أول بلاد الحبشة مما يلى جزاير سواكن وهم صغر الألوان

стр. 188

ولهم سرعة فى الجرى ويصنعون عندهم السم، وهذا السم يعمل من عروق شجر الفلقة يطبخ على النار حتى يصير مثل الغرا فإذا أرادوا تجربته شرط أحدهم جسده حتى يسيل الدم ثم يشممه من ذلك السم، فإذا ترجع الدم علموا أنه حيد فيمسحوا الدم بسرعة ليلا يسرى في جسده فيقتله وأن يسرى في جسده قنله في وقته وليس له تجربة غير ذلك، وبلادهم كثيرة المعادن من الذهب والفضة والنحاس والرصاص والحديد وحجر المغنايسط والزمرد وحجارة إذا بليتها بريت تقد مثل الفتيلة وفى أوديتهم شجر الأهليلج والأدخر والشيح والسنا وشجر اللبان وغير ذلك من الأشجار. وبها سائر الوحوش من السباع والفيلة والنمور والفهود والقرود ودابة الزباد وبها دابة تشبه الغزال حسنة المنظر لها قرنان مثل لون الذهب قليلة البقاء إذا صيدت وبها من الطيور الدرة والقمارى ودجاج الحبش والحمام النازينى وغير ذلك من أصناف متعددة، وليس منهم رجل إلا وهو منزوع البيضة اليمين. وأما النساء فمقطوع أشفار فروجهن وأنه يلتحم حتى تشق عنه للمتزوج بمقدار ذكر الرجل والسبب في ذلك أن ملكا من الملوك حاربهم قديما ثم صالحهم وشرط عليهم قطع ثدى ممن يولد لهم من النساء وقطع ذكور ممن يولد ممن لهم من الرجال أراد بذلك قطع نسلهم فوفوا له بالشرط وقبلوا المعنى فصاروا يقطعوا بيضة للرجل والفروج للنساء، وفيهم جنس يقلعون ثناياهم ويقولون لا نتشبه بالحمير، وفيهم جنس فى آخر بلاد البجة يقال لهم البازة يسمون نسائهم باسم واحد، وكذلك، رجالهم. ويقال أن طرفهم فى بعض الأوقات رجل من المسلمين حسن المنظر فدعا بعضهم بعضا وقالوا ربنا قد نزل من السماء وهو جالس تحت هذه الشجرة فجعلوا ينطوون إليه من بعد ويعظمونه. ومن العجائب عندهم أن الحياة تخرج من الغدير وتلف ذنبها على البقرة فتقتلها وعندهم حياة ليس لها رأس ولا ذنب وهي سواء إذا مشى الإنسان على أثرها مات، وإذا قتلت وأمسك لقاتل ما قتلها به من عوذ أوحر به فى يده ولم يلقيها من يده بسرعة مات من وقته. ***

стр. 189

ذكر مدينة أسوان أعلم أن أسوان فى آخر بلاد الصعيد وهى ثغر من ثغور الأقليم القبلية تفصل بين النوبة وبين أرض مصر وكانت كثيرة الحنطة وغيرها من الحبوب والفواكه والخضروات والبقول، وكانت كثيرة الحيوانات من الإبل والبقر والغنم وبها بضائع تحمل منها إلى بلاد النوبة وعلى خمسة عشر يوما من أسوان معدن الذهب وهو البتر. قال المسعودى: ومدينة أسوان يسكنها خلق من العرب وهم قبائل من قحطان ونزار من ربيعة ومن مضر ومن قريش وأكثرهم من الحجاز وهى بلد كثيرة النخل تودع فى أرضها النوبة من التمر فتنبت نخلة وتوكل من تمرها بعد سنتين. وكان بأسوان رجال من عساكرهم يستعدون بالأسلحة لحفظ الثغر من هجوم عساكر النوبة والسودان على الثغر فلما زالت الدولة الفاطمية أهل أمرهم. ومما بها العجائب أن بها قرية تسمى أشاشى هى من أسوان على مرحلتين ونصف ذكروا أن فى شرقيها من جانب النيل قرية بسور وعلى باب من أبوابها جميزة وناس يدخلون ويخرجون فيها من ذلك الباب الذى فيه الجميزة، وتلك القرية التى بالسور خارب لا ساكن بها فإذا عبروا إلى تلك القرية لم تجدوا بها أحدا من الناس فإذا جاء الشتاء رأوا ذلك الناس الذى يدخلون فيها ويخرجون، وذلك فى الشتاء دون الصيف قبل طلوع الشمس والناس مجتمعون قبل صحة هذا الخبر، وكان بأسوان أنواع من التمر والرطب منها نوع من الرطب فى أشد ما يكون من الخضرة مثل السلق فأمر هارون الرشيد أن يجمع له ألوان التمر الذى بأسوان من كل صيف، فجمع له من ذلك وبية فما أعجبه منها سوى الرطب الأخضر ولا يعرف فى الدنيا بسر بثمر قبل أن يصير رطبا إلا بأسوان. ***

стр. 190

ذكر مدينة بلاق أعلم أن بلاق آخر حصين المسلمين وهى جزيرة بقرب من الجنادل يحيط بها النيل فيها خلق كثيرة من الناس، وبها منبر وجامع وإليها ينتهى سفن التوبة وسفن المسلمين من أسوان، ومن أسوان إلى هذا الموضع جنادل فى البحر لا تسلكها المراكب إلا بالحيلة لصعوبة ذلك الموضع. *** ذكر حائط العجوز كان حصنا لأرض مصر وكان فيه محارس ومجارس، ومن ورائه خليج يجرى فيه الماء معقود عليه القناطر عملته دلوكة بنت زباء وقد تهدم ولم يبق منه إلا يسير. قال ابن عبد الحكم فى كتاب فتوح مصر: وبقيت مصر بعد غرق فرعون وجنوده ليس من إشراف أهلها أحد ولم يبق بها إلا العبيد والأجراء والنساء وهن أعظم أشراف مصر فاجمعن رأيهن على أن تولين امرأة منهن وهى دلوكة المذكورة. وكانت ذات عقل ومعرفة وهى يومئذ بنت مائة وستين سنة فملكوها عليهم فخافت أن تتهاون بها الملوك الذين كانوا حولها فجمعت نساء الأشراف الذى كانوا بمصر وقالت لهن أن بلادنا لم تكن تطمع فيها الملوك والآن قد هلك أكابرنا وأشرافنا وقد رأيت أن ابنى حصنا يحيطه بجميع بلادنا وأصنع عليه المحارس من كل ناحية من أن يطمع فينا من حولنا من الملوك، فقالوا لها أفعلى ما بدا لك فبنت عند ذلك هذه الحائط وقد أحاطت على جميع أرض مصر كلها من المدائن والقرى وجعلت خلفها خليجا فيه الماء، وأقامت عليه القناطر وجعلت عليه مجارس على كل ثلاثة أميال ورجال وأجرت عليهم الأرزاق وأمرتهم أن تحركوا الأجراس إذا أتاهم آت يخافونه فيأتيهم الخبر من أى وجه كان فى ساعة واحدة فيستعدون لذلك فمنعت بذلك مصر من أرادها وفرغت من بناها في ستة أشهر وهو الجدار الذى يقال له حائط العجوز وقد بقيت منه بالصعيد بقايا كثيرة وقد تقدمت هذه الحكاية فى أول الكتاب. ***

стр. 191

ذكر صحراء عيذاب أعلم أن الحجاج المصرى والمغرب أقاموا نحو من مائتى سنة لا يتوجهون إلى مكة إلا من صحراء عيذاب يركبون النيل من ساحل مدينة مصر إلي قوص ثم يركبون الإبل من قوص إلى صحراء هيذاب، ثم ينزلون فى جلباب إلى ساحل جدة، ومن جدة إلى مكة إن كانت أحمال البهار تودع بها والقفول صاعدة وهابطه لا يعترض لها أحد من العربان ولا من غيرهم، ولم تزل مسلكا للحجاج ذهابا وإيابا من سنة خمسين وأربعمائة إلى سنة ستين وستمائة وذلك منذ كانت الشدة العظمة فى أيام الخليفة المستنصر بالله أبى تميم معد بن الظاهر الفاطمى، وانقطع الحج من البر إلي أن كانت دولة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارى وقد كسا الكعبة وعمل بها بابا جديدا مصفحا بالفضة ومفتاحا حديدا وأخرجت قافلة الحاج فى البر وذلك فى سنة ستين وستمائة فتلاشى أمر قوص من حينئذ، وهذه الصحراء مسافتها من قوص إلي عيذاب سبعة عشر يوما ويفقد فيها الماء ثلاثة أيام متوالية وقيل أربعة أيام، وكانت عيذاب مدينة على ساحل بحر جدة وأكثر بيوتها أخصاص وكانت من أعظم مراسى الدنيا بسبب أن مراكب الهند واليمن لا ترسى إلا فيها بالبضائع وتقلع منها وكذلك مراكب الحجاج فلما تتلاشى أمرها صارت جدة هى الميناء إلى يومنا هذا ويقال أن فى بحر عيذاب مغاصى اللؤلؤ في جزاير قريبة منها، يخرج إليه الغواصون فى وقت معين من السنة ويعودون بما قسم لهم من الؤلؤ، والمغاص فى ذلك المكان قريب القاع، وكان عيذاب جرد إلا نبات بها وكل ما يوكل بها مجلوب إليها حتى الماء وكان فيها من البيع والشرى فوائد لا تحصى على الحجاج والتجار وغير ذلك. وكان الحجاج يجدون فى ركوبهم من عيذاب وإلى جدة فى الجلباب أهوال عظيمة من كثرة الرياح فى البحر فتلقيهم فى صحارى بعيدة مما يلى الجنوب فيقيمون هناك حتى يهلكوا عطشا وجوعا وجلباتهم الذى يحملون فيها الحجاج فى البحر لا يستعمل فيها مسامير، إنما يحيطوا خشبها بالقنبار وقلاع هذه الجلبات من حوض شجر المقل وأنهم يبايعون فى أشحان الجلبات بالناس حتى يبقى بعضهم فوق بعض حرصا على الأجرة ولا يبالون بما يصيب الناس فى البحر من الغرق، بل يقولون دائما علينا بالألواح وعلى الحجاج بالأرواح وأهل عيذاب قوم لا دين لهم ولا عقل ورجالهم ونسائهم دائما عوراتهم مكشوفة، وفيهم من يتستر بالخرق وذلك من شدة. ***

стр. 192

ذكر مدينة ارجنوس هذه المدينة من جملة عمل البهنسا وبها كنيسة بظاهرها، فيها بئر يقال لها بئر شوش وهى صغيرة لها عيد يعمل فى الخامس والعشرين من شهر بشنس أحد شهور القبط فينور بها الماء عند مضى ست ساعات من النهار حتى يطفو ثم يعود إلى ما كان عليه ويستدلون النصارى بذلك على زيادة النيل فى كل سنة بقدر ما يعلى من الماء، ويزعمون أن الأمر فى زيادة النيل يكون موافقا لذلك. *** ذكر أبو بط هذه المدينة من جملة البهنساوية أيضا، وكان بها منارة محكمة البناء إذا هزها الرجل تحركت يمينا وشمالا ويرى ميلها رؤية ظاهرة. *** ذكر مدينة ملوى هذه المدينة على الجانب الغربى من النيل وأرضها معروفة بزارعة قصب السكر فيها، وكان بها عدة الأعيان أولاد فضيل وقد بلغت زراعتهم فى أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون من القصب ألف وخمسمائة فدان فى كل سنة فاوقع النشو ناظر الخواص الشريف الحواحة على موجودهم فى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة فوجد من جملة مالهم أربعة عشر ألف قنطار من القند غير القطن والعسل والغلال والعبيد وغير ذلك فحمل ذلك جميعه إلى الديار المصرية وأفرج عن أولاد فضيل بعد ذلك. ***

стр. 193

ذكر مدينة انصنا أعلم أن هذه المدينة من أجمل مدائن الصعيد القديمة، وكان بها عدة عجائب منها المقياس الذى بنته دلوكة أحد من ملك مصر، وكان فى دائرة عمد على عدة أيام السنة الشمسية وكلها من الصوان الأحمر المانع ومسافة ما بين كل عمودين مقدار خطوة إنسان، وكان ماء النيل يدخل إلى هذا المقياس من فوهة عند الزيادة، فإذا بلغ ماء النيل الحد الذى كان إذ ذاك يحصل منه رى أرض مصر وكفايتها جلس الملك عند ذلك فى مشرف له على ذلك المقياس، وتصعد قوم من خواصه إلى روءس تلك الأعمدة المذكورة فيتعاون عليها ما بين ذاهب وآت ويتساقطون من الأعمدة إلى الملعب وهو ممتلئ بماء النيل ويكون ذلك اليوم عندهم عيد وفاء النيل. وقال أبو عبيد البكرى: أن مارية سرية النبى ﷺ أم ولده إبراهيم كانت من قرية يقال لها حفن من قرى انصنا ويقال أن سحرة فرعون الذى آمنوا كانوا منها ويقال أن التمساح لا يضر بساحل انصنا لطلاسم هناك، وأنه إذا حادى هذا الطلسم ينقلب على ظهره فلا يستطيع الحركة حتى يؤخذ، ويقال أن الذى بنى مدينة انصنا اشمن بن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇ وكانت مدينة حسنة كثيرة البساتين والزرع والثمار والفواكة والمتنزهات وهى الان خراب. وكان ينبت بها الخشب للسبح وهو عود ينشر منه ألواح للسفن، وربما أرعف ناشرها من شدة صلابتها ويباع اللوح منها بخمسين دينار أو نحوها وإذا شد لوح منها على لوح وطرح فى الماء أكتاما صار لوح وكان بها عجائب أيضا لا تحصي. ***

стр. 194

ذكر القيس أعلم أن القيس من البلاد التى تجاور مدينة البهنسا وكان يقال لقيس والبهنسا. قال ابن عبد الحكيم: لما بعث عمرو بن العاص قيس بن الحارث إلي الصعيد، فسار حتى أتى القيس فنزل بها فسميت به وهو الذى فتح هذه القرية فنسبت إليه قال ابن الكندى ومنها تجلب الأكسية الصوف والمرغر وذكر بعض أهل مصر أن معاوية بن أبى سفيان لما كبر كان لا يدفا فأجمعوا على أنه لا بد فيه إلا أكسية تعمل بمصر من صوف المرعز العسلى الذى غير مصبوغ وذلك يعمل بالقيس من مصر، فأرسل إلى عاملها يطلب من ذلك الأكسية، فأرسلوا له منها عددا كثيرا فما احتاج منها إلا إلى واحدة. وحكى أنه ظهر بها بالقرب من البهمنسا سرب فى الأرض وذلك فى أيام السلطان الملك الكامل محمد بن أبى بكر بن أيوب فأمر متولى البهنساوية بكشفه فجمع له أهل المعرفة بالعوم والغطس فإن ذلك السرب كان ممتلئ بالماء ولا يعلم له آخر فكانوا ذلك العوامين والغطاسين نحو من مائتى رجل ما فيهم إلا من نزل فى السرب فلم يجد له قرارا ولا جوانب فأمر بعمل مراكب رقاق بحيث أمكن إدخالها من رأس السرب وشحنها بالرجال ومعهم الزاد وركب فيها حيا لأمر بوطة فى خوازيق عند رأس السرب وعمل مع الرجال آلات يعرفون منها أوقات الليل والنهار وجعل معهم شيئا من الشموع وغيرها مما يستخرج به النار وأمرهم أن يسلكوا بالمراكب في الظلمة وهم يرحون لهم الحبال ولا يجدون لما هم سائرون فيه من الماء جوانب فمازالوا على ذلك حتى قلت تلك الزوادة الذى كانت معهم فابطلوا حركة المراكب بالقماديف من داخل السرب وجروا تلك الحبال الذى فى الخوازيق ليرجعوا إلى حيث دخلوا حتى انتهوا إلى رأس السرب، وكانت مدة غيبتهم فى داخل هذا السرب ستة أيام أربعة منها دخولا إلى جوفة وتطوفا جوانبه ويومان رجوعا إلى رأس ذلك السرب الألضبعاوي ولم يقفوا فى هذه المدة على نهاية ذلك كتب الأمير علاء الدين الألضبعوى والى البهنسا إلى الملك الكامل بشرح ذلك السرب فعند ذلك فتعجب من ذلك غايت العجب واشتغل عن ذلك بمحاربة الفرنج لما حاصروا ثغر دمياط فلما رحلوا عن ثغر دمياط، وعاد الملك الكامل إلى القاهرة فخرج بعد ذلك حتى شاهد هذا السرب المذكور رتعجب منه. ***

стр. 195

ذكر دروط أعلم أن دروط قرية من ناحية البهنسا بالصعيد وبها جامع انشائه زياد بن المغيرة العتكى ومات فى المحرم سنة إحدى وتسعين ومائة ودفن به، وفيه [يقول الشاعر] (١). أحمد مات ماجدا مفقودا … ولقد كان أحمد محمودا ورت المجد عن أب ثم عم … مثله ليس بعده موجودا وكان بها من العجائب شكل جمل من حجر كأكبر ما يكون من الجمال وأحسنها هيئة وهو قائم على أربعة مستقبل بوجهه إلى المشرق وعلى فخده الأيمن كتابه بقلمهم القديم وهى أحرف مقطعة فى ثلاثة أسطر لم يحسن أحد يقرءها وعلى خمسين خطوة منه جمل آخر مثله من حجر أيضا. ووجهه إلى وجه الجمل الأول وليس عليه كتابة وفيما بين تلك الجملين المذكورين هيئة أغدال قد ملئت فماشا عدتها أربعون ركبة موضوعة بالأرض وجميعها من حجارة لا يشك من رأها أنها أحمال قماش. *** ذكر الجيزة اعلم أن الجيزة اسم لقرية كبيرة جميلة البنيان على شاطئ النيل من جانبه الغربى تجاه مدينة فسطاط مصر ولها فى كل يوم أحد سوق عظيم تجلب إليه من النواحى أصناف كثيرة جدا من البضائع وغيرها، ويجتمع فيه عالم عظيم وبها عدة مساجد، ويقال أن مسجد التوبة الذى بالجيزة كان فيه تابوت موسى ﵇ الذى قذفته أمه فيه بالنيل وبها النخلة التى أرضعت مريم تحتها عيسى ﵇ فلم يثمر غيرها. ويقال أن بالجيزة قبر كعب الأحبار، وكان بها أحجار من الرخام قد جعل فيها طلسم

стр. 196

للتماسيح فكانت لا تظهر فيما يلى البلدة من النيل على مقدار ثلاثة أميال علو أو سفلا، وكان بها سجن يوسف ﵇. قال القضاعى: سجن يوسف ﵇ فى بوصير من عمل الجيزة أجمع أهل المعرفة من أهل مصر على صحة هذا المكان، وأنه سجن يوسف [﵇] وكان الوحى ينزل عليه فيه وسطح هذا السجن معروف بإجابة الدعاء فيه، وقيل أن كافور الأخشيدى سأل أين أبا بكر الحداد عن موضع معروف بإجابة الدعاء ليدعو فيه، فأشار ﵇ بنى على أثر هذا السجن مسجدا، وهو هناك يعرف بمسجد موسى، وكان فى قديم الزمان إلى أيام الحاكم بأمر الله لهذا السجن وقت معلوم فى يوم من السنة يخرج إلى زيارة هذا السجن غالب أهل مصر من الرؤساء وعامة أهل مصر ويقيمون هناك نحو ثلاثة أيام وينفق فى هذه الثلاثة أيام أموال جزيلة فى المأكل والمشرب وغير ذلك ويجعلون هذا على سبيل الفرجة. وفى ذلك يقول ظافر الحداد: تأمل حكمة الأهرام وأعجب … وعندهما أبو الهول العجيب كفاويتين قاما فى نحيب … بمحبوبين بينهما رقيب وماء النيل تحتهما دموع … وصوت الريح عندهما نجيب وظاهر سجن يوسف مثل صب … تخلف فهو محزون كئيب *** ذكر منية عقبة هذه القرية بالجيزة عرفت بعقبة بن عامر الجهنى ﵁، قال ابن عبد الحكم كتب عقبة بن عامر إلى معاوية بن أبى سفيان ﵁ يسأله أرضا يبنى له فيها منازل ومساكن فأمر له معاوية بألف ذراع فى ألف ذراع فى أى أرض يختارها عقبة فما أختار عقبة غير هذه الأرض وابتنى بها دارا، وتوفى عقبة بن عامر الجهنى في خلافة معاوية

стр. 197

وذلك فى سنة ثمان وخمسين من الهجرة ومات شهيدا فى يوم النهروان، وأقام فى ولاية مصر سنتين وثلاثة أشهر ومات فى السنة المذكورة ودفن بالقرب من المقطم رحمة الله عليه. *** ذكر حلوان قال ابن عبد الحكم: إنما نسبت هذه القرية إلى حلوان بن مابليون بن عمرو بن أمرئ القيس بن سبأ بن يشحب بن يعرب بن قحطان، وكان حلوان هذا بالشام وأتا إلى مصر ونزل بهذه الأرض فسميت به. قال: ولما وقع الطاعون بأرض مصر خرج عبد العزيز بن مروان من الفسطاط فنزل بحلوان وكان ابن خديج يرسل إلي عبد العزيز بن مروان فى كل يوم ويخبره بما يحدث فى البلد من الموت وغيره فما عن قليل حتى مات عبد العزيز بن مروان هناك ونقل إلى الفسطاط وقد تغيرت رائحته فكان حول نعشه مجامر النار فيها العود لتخفا تلك الرائحة الكريهة منه وكان ذلك فى سنة سبعين ومائة من الهجرة. وكان عبد العزيز بن مروان قد جدد بحلوان العمائر الحسنة وغرس بها الكروم والأشجار والنخل وغير ذلك من الزروع وإنشاء هناك جامعا وعدة مساجد. قال ابن عفير: كان لعبد العزيز بن مروان ألف جفته تنصب في كل يوم حول داره، وكانت له مائة جفنة يطاف بها على القبائل تحمل على العجل من كبر تلك الجفن وذلك فى كل يوم مستمر دائما إلى حين مات رحمه الله تعالى عليه وعلى المسلمين. ***

стр. 198

ذكر مدينة الفرما قال الكندى: أعلم أن مدينة الفرما هى أكثر عجائب وأقدم آثار، ويقال أن كان منها طريق سالكه إلى جزيرة قبرس فى البر فغلب عليها البحر، وكان بها مقطع الرخام الأبلق المسما بالغرابى، والرخام الأبيض فغلب عليها الماء. وقال ابن قديد وجهنى بن المدبر وكان بتنيس إلى مدينة الفرما فى هدم أبواب من حجارة شرقى هذه المدينة، وكان قد احتاج أن يعمل منها جبرا فلما قلعت منها حجرا والثانى إلى أهل الفرما فى السلاح ومنعوا فى من ذلك، وقالوا هذه الأبواب التي قال الله تعالى فيها على لسان يعقوب ﵇: ﴿يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ﴾ (١) وأدخلوا من أبواب متفرقة وكان بها النخل العجيب التى يثمر حين ينقطع البسر والرطب من سائر الدنيا، وكان وزن كل بسرة منها فوق العشرين درهما، وفيه ما طول منها نحو الشبر والفتر. وقال ابن المأمون البطائحى فى حوادث سنة تسع وخمسمائة: وقد وصلت النجانون من والى الشرقية تخبر بأن بلدوين ابن ملك الفرنج وصل إلى أعمال الفرما ومن معه من الجيوش فأمر الأفضل بن أمير الجيوش ابن أحمد بن طولون إلى والى الشرقية بأن يسير هو ومن معه من العربان والرجال من أهل النواحى بأسرهم وأن يهجموا على الفرنج بالليل قبل وصول العساكر إليهم، فاعتمد ذلك، وأمر باخراج العربان وغيرهم من الناس، فلما وصلوا إلى ابن ملك الفرنج وتحاربوا معه فعند ذلك تحقق ابن ملك الفرنج أن الإقامة لا تمكنه فأمر عساكره أن ينهبوا البلد ويحرقوها ويهدموا مساجدها ويسبوا أهلها فعند ذلك أذن الله بقضى روح بلدوين ابن ملك الفرنج وتعجيله إلى النار فكتموا أصحابه موته وشقوا بطنه وملؤه ملحا حتى لا ينتن وساروا به إلى بلاده، وكفا الله المؤمنين القتال. ***

стр. 199

ذكر مدينة القلزم قال ابن الطوير (١): أن مدينة القلزم أثرها باق إلى اليوم يراها الراكب السائر من مصر إلى الحجاز، وكانت في الزمن القديم ساحلا من سواحل الدولة المصرية، وكانت ذات مساجد وجوامع محكمة البناء، وكان بها قاضى وشهود وخطباء وتجار كثيرة، وفي سنة سبع وثمانين وثلاثمائة أمر الحاكم بأمر الله أن يسامح أهل القلزم بما كان يؤخذ منه من المكوس على المراكب. ويقال أن فرعون غرق هناك، وكان إلي جانبها مدينة يقال فاران وقيل تاران. *** ذكر التيه أعلم أن التية على مقدار أربعين فرسخا فى مثلها، والفرسخ أثنى عشر ألف ذراع، والذراع أربعة وعشرون قيراطا وفيه تاه بنو إسرائيل أربعين سنة، ولم يدخلوا مدينة ولا أووا إلى بيت، ولا بدلوا ثوبا وفيه مات موسى ﵇. ويقال أطول التية نحو من ستة أيام. واتفق أن المماليك البحرية لما خرجوا من القاهرة هاربين وفى سنة اثنتين وخمسين وستمائة، مر بطائفة منهم بالتية فتاهوا فيه خمسة أيام، ثم تراءى لهم فى اليوم السادس سواد على بعد، فقصدوه فإذا مدينة عظيمة لها سور وأبواب كلها من رخام أخضر، فدخلوا بها وطافوا بها فإذا هى قد غلب عليها الرمل حتى طم أسواقها ودورها، ووجدوا بها أواني وملابس، وكانوا إذا تناولوا منها شيئا تناثر من طول البلى، ووجدوا فى صينية بعض البزازين تسعة دنانير ذهبا، عليها صورة غزال وكتابة عبرانية، وحفروا موضعا، فإذا حجر على صهريج ماء فشربوا منه ماء أبرد من الثلج.

стр. 200

وقيل لهم أن هذه المدينة الخضراء من مدن بني إسرائيل، ولها طوفان رمل يزيد تارة وينقص أخرى، لا يراها إلا تائه والله أعلم. *** ذكر مدينة دمياط أعلم أن دمياط كورة من كور أرض مصر بينها وبين تنيس أثنا عشر فرسخا. ويقال سميت بدمياط من ولد أشمن بن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇. وقال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه: دمياط بلد قديم بنى فى زمن قليمون بن أتريب بن قبطيم بن مصرايم على اسم غلام كانت أمه ساحرة لقليمون. ولما قدم المسلمون إلى أرض مصر، كان على دمياط رجل من أخوال المقوقس يقال له الهماموك أصحابه واستشارهم فى هذا الأمر وكان فيهم حكيما حاضرا معهم فقال أيها الملك أعلم أن جوهر العقل لا قيمة له وما استغنى به أحدا ليهديه إلى سبيل النجاة وأنت تعلم أن هؤلاء من بد وأمرهم، لم تكسر لهم راية وقد فتحوا البلاد وزذلوا العباد وما لأحد عليهم قدرة ولسنا أشد من جيوش الشام ولا غيرهم أن القوم قد أيدوا بالنصر والظفر والرأى أن يعقد مع القوم صلحا تنال به الأمن وحقن الدماء وصيانة الحرم، فلم يعبأ الهاموك بقوله وغضب منه وأمر بقتله/ وكان له ابن عارف عاقل، وله دار ملاصقة لسور البلد فخرج إلى المسلمين فى الليل ودلهم على مسالك البلد، فاستولى عليها المسلمون وتمكنوا منها فلم يشعر الهاموك إلا والمسلمون فى وسط المدينة وقد ملكوها، فعند ما رأى شطا بن الهاموك ذلك الحق بالمسلمين ومن معه من أصحابه وطلب الأمان من المقداد بن الأسود (١) وتسلموا المسلمون دمياط واستخلف عليها المقداد ابن الأسود وسير بخبر الفتح إلى عمرو بن العاص، وخرج شطا بن الهاموك إلى ناحية البرلس والدميرة وأشموم طناح أهل تلك النواحى وقدم بهم عونا للمسلمين، وكان شطا بن الهاموك لما فتح المقداد بن الأسود دمياط ونزل إليه أسلم على يد المقداد بن الأسود وحسن إسلامه.

стр. 201

فلما أتى بأهل تلك النواحى عونا للمسلمين فساروا حتى فتحوا مدينة تنيس فعند ذلك برز شطا بن الهاموك على أهل تنيس وقاتلهم قتالا شديدا حتى قتل رحمة الله عليه فى تلك المعركة ودفن فى مكانه المعروف به الآن خارج عن دمياط، وكان قتله فى ليلة الجمعة في النصف من شعبان فلذلك صارت هذه الليلة له فيها كل سنة موسما يجتمع إليه الناس من سائر النواحى يقصدون ديارة شطاوهم علي ذلك إلى يومنا هذا. وما زالت دمياط بيد المسلمين إلى أن نزل عليها الروم في سنة تسعين من الهجرة وأسروا خالد بن كيسان (١) وكان على البحر هناك ولما كانت خلافة هشام بن عبد الملك نزلوا الروم أيضا على دمياط في ثلاثمائة وستين مركبا، فقتلوا وسبوا، وذلك فى سنة إحدى وعشرين ومائة. ثم لما كانت خلافة أمير المؤمنين المتوكل على الله، وأمير مصر يومئذ عنبسة بن إسحاق، نزل الروم دمياط يوم عرفة من سنة ثمان وثلاثين ومائتين، فملكوها وما فيها، وقتلوا بها جمعا كثيرا من المسلمين، وسبوا النساء والأطفال وأهل الذمة، فنفر إليهم عنبسة بن إسحاق يوم النحر فى جيشه، وونفر كثير من الناس إليهم فلم يدركوهم، ومضى الروم الى تنيس فأقاموا بأشتومها، فلم يتبعهم عنبسة. فأمر المتوكل ببناء حصن دمياط، فابتدئ فى بنائه يوم الأثنين لثلاث خلون من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين، وأنشأ من حينئذ الأسطول بمصر. فلما كان فى سنة سبع طرق الروم دمياط فى نحو مائتى مركب، فأقاموا يعيشون فى السواحل شهرا، وهم يقتلون ويأسرون، وكانت للمسلمين معهم معارك ثم لما كانت الفتن بعد موت كافور الأخشيدى، طرق الروم دمياط لعشر خلون من رجب سنة سبع وخمسين وثلاثمائة فى بضع وعشرين مركبا، فقتلوا وأسروا مائة وخمسين من المسلمين. وفى سنة ثمان وأربعمائة، ظهر بدمياط سمكة عظيمة طولها مائتان وستون ذراعا، وعرضها مائة ذراع، وأقام أهل تلك النواحى مدة طويلة يأكلون من لحمها وفى أيام الخليفة الفائز بنصر الله عيسى والوزير حينئذ الصالح طلائع بن رزبك، نزل على دمياط نحو ستين مركبا فى جمادى الآخرة سنة خمسين وخمسمائة بعث بها لوجيز بن رجا وصاحب صقلية، فعاثوا وقتلوا ونزلوا تنيس ورشيد والإسكندرية فأكثروا فيها الفساد. ثم كانت خلافة العاضد لدين الله فى وزارة شاور بن مجير السعدى الوزارة

стр. 202

الثانية - عند ما حضر ملك الفرنج مرى إلى القاهرة وحصرها، وقرر على أهلها المال، واحترقت مدينة الفسطاط، ونزل على تنيس وأشموم ومنية غمر، وصاحب أسطول الفرنج فى عشرين شونة، فقتل وأسر وسبى. وفي وزارة الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب العاضد، وصل الفرنج إلى دمياط فى شهر ربيع الأول سنة خمس وستين وخمسمائة، وهم فيما يزيد على ألف ومائتى مركب. فخرجت العساكر من القاهرة، وقد بلغت النفقة عليهم زيادة على خمسمائة ألف دينار. قأقامت الحرب مدة خمسة وخمسين يوما، وكانت صعبة شديدة. واتهم فى هذه النوبة عدة من أعيان المصريين بممالأة الفرنج ومكاتبتهم، وقبض عليهم الملك الناصر وقتلهم. فسير صلاح الدين إلي نور الدين محمود بن زنكى صاحب الشام يستنجده، ويعلمه بأنه لا يمكنه الخروج من القاهرة إلى لقاء الفرنج خوفا من قيام المصريين عليه. فجهزوا إليه العساكر شيئا بعد شئ، وخرج نور الدين من دمشق بنفسه إلى بلاد الفرنج التى بالساحل وأغار عليها واستباحها. وفى سنة سبع وسبعين وخمسمائة، رتبت المقاتلة على البرجين وشدت مراكب إلى السلسلة ليقتل عليها ويدافع عن الدخول من بين البرجين، ورم شعث سور المدينة وسدت ثلمة، وأتقنت التى بين البرجين فبلغت النفقة على ذلك ألف ألف دينار. واعتبر السور، فكان قياسه أربعة آلاف وستمائة وثلاثين ذراعا. وفي سنة خمس عشرة وستمائة، كانت واقعة دمياط العظمى. وكان سبب هذه الواقعة أن الفرنج فى سنة أربع عشرة وستمائة تتابعت أمدادهم من رومية الكبرى مقر البابا ومن غيرها من بلاد الفرنج، وساروا إلي مدينة عكا فاجتمع بها عدة من ملوك الفرنج، وتعاقدوا على قصد القدس وأخذه من أيدى المسلمين، فصاروا بعكا فى جمع عظيم. وبلغ ذلك الملك أبا بكر بن أيوب فخرج من مصر فى العساكر إلى الرملة فبرز الفرنج من عكا فى جموع عظيمة، فسار العادل إلى بيسان، فقصده الفرنج فخافهم لكثرتهم وقلة عسكره، فأخذ على عقبة فيق يريد دمشق. وكان أهل بيسان وما حولها قد اطمأنوا لنزول السلطان هناك، فأقاموا في أماكنهم وما هو إلا أن سار السلطان وإذا بالفرنج قد وضعوا السيف فى الناس، ونبهوا البلاد، فحازوا من أموال المسلمين ما لا يحصى كثرة، وأخذوا بيسان وبايناس وسائر القرى التى هناك، وأقاموا

стр. 203

ثلاثة أيام، ثم عادوا إلى مرج عكا بالغنائم والسبى، وهلك من المسلمين خلق كثير فاستراح الفرنج بالمرج أياما، ثم عادوا ثانيا ونهبوا صيدا والشقيف، وعادوا إلى مرح عكا فأقاموا به. وكان ذلك كله فيما بين النصف من شهر رمضان وعيد الفطر، والملك العادل مقيم بمرج الصفر، وسير ابنه المعظم عيسى بعسكر إلى نابلس لمنع الفرنج من طروقها والوصول إلى بيت المقدس. فنازل الفرنج قلعة الطور سبعة عشر يوما ثم عادوا إلى عكا وعزموا على قصد الديار المصرية فركبوا بجموعهم البحر، وساروا إلي دمياط فى صفر فنزلوا عليها يوم الثلاثاء رابع ربيع الأول سنة خمس عشرة وستمائة الموافق لثامن حزيران - وهم نحو السبعين ألف فارس وأربعمائة ألف راجل، فخيموا تجاه دمياط فى البر الغربى، وحفروا على عسكرهم خندقا، وأقاموا عليه سورا وشرعوا فى قتال برج دمياط، فإنه كان برجا منيعا فيه سلاسل من حديد غلاظ تمد على النيل لتمنع المراكب الواصلة فى البحر الملح من الدخول إلي ديار مصر فى النيل. وكان هذا البرج مشحونا بالمقاتلة، فتحيل الفرنج عليه، وعملوا برجا من الصوارى على بسطة كبيرة، وأقلعوا بها حتى أسندوها إليه وقاتلوا من به حتى أخدوه فبلغ نزول الفرنج على دمياط الملك الكامل - وكان يخلف أباه الملك العادل فعند ذلك توجه الملك الكامل لمحاربة الفرنج، وكان معه جيش عظيم، وكان فيهم شخص يسمى شمايل وهو من الجندارية وكان يمشى فى ركاب الملك الكامل إلى أن دخل دمياط، فكان يسبح فى الماء ويأتى للسلطان بأخبار الفرنج، فحظى بذلك عند الملك الكامل، وقرب منه إلى أن عمله وإلى القاهرة، وإليه تنسب خزانة شمايل الذى كانت بالقاهرة، ولم يزل الحال على ذلك مع الفرنج إلى أن دخلت سنة ست عشر وستمائة، فجهز الملك المنصور صاحب حماه أبنه المظفر محمود إلي مصر نجدة للملك الكامل على قتال الفرنج فى جيش كثيف، فوصل إلى العسكر وتلقاه الملك الكامل وأنزله ميمنته العسكر، وكان بثغر دمياط من العساكر نحو العشرين ألف مقاتل غير أهل النواحى فعند ذلك غلت عندهم أسعار حتى بلغت بيضة الدجاجة دينارا وامتلأت الطرقات بالموتى من الجوع وعدمت الأقوات وصارت السكر كعزة الياقوت. وكان مدة المحاصرة مع الفرنج ست عشر شهرا وأثنين وعشرون يوما، فعند ذلك استولى الفرنج على دمياط وملوكها

стр. 204

وأسرفوا فى القتل والنهب والسبى، فرحل السلطان بعد أخذ دمياط (١) بيومين ونزل قباله طلخا على رأس بحر أشموم وبحر دمياط وهى التى يقال لها المنصور. ولما ملكوا الفرنج دمياط وجعلوا الجامع كنيسة وحصنوا سورا المدينة، فسير السلطان الكتب إلى الأفاق يستحث الناس على الحضور لدفع الفرنج عن ملك مصر. وبنى بالمنصورة الأسواق والفنادق والحمامات وغير ذلك، ثم حضرت العربان من الصعيد وأعملها وأسوان وسائر النواحى، ونودى بالنفير العام، فاجتمع عالم لا يعلم عدده إلا الله. وسار السلطان إلي الفرنج وقد تكامل معه من العساكر نحو أربعين ألف فارس فتحاربوا مع الفرنج، وجرى بينهم من القتال ما يطول شرحه، فعند ذلك اينوا الفرنج بالهلاك، وأرسلوا يطلبوا من السلطان الأمان على أن يتركوا دمياط للمسلمين ويرحلوا عنها، فعند ذلك اتفق الحال على أن يعطى كل من الفريقين المسلمون، والفرنج رهائن منهم، فسير ملك الفرنج عشرين ملكا الصالح نجم الدين أيوب مع جماعة من الأمراء إلى ملك الفرنج رهنا، كما اتفقوا فعند ذلك سلموا الفرنج دمياط إلى المسلمين وكان يوم تسليمها يوما عظيما ولما تسلموا المسلمين دمياط قدمت نجدة من البحر إلي الفرنج، فكان من جميل صنع الله تأخرها إلى حين تسلموا المسلمين دمياط، فإنها لو قدمت قبل ذلك تقوى بها الفرنج، وكان مما وقع عليه الصلح أن كلا من المسلمين والفرنج يطلق من عنده من الأسرى، وحلف السلطان والفرنج على ذلك، ورحلوا الفرنج من علي دمياط وبعثوا ولد السلطان ومن معه من الأمراء، وأرسل السلطان من عنده من ملوك الفرنج، وأطلقوا الفرنج الأسرى الذى كانوا عندهم من أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، ودخل الملك الكامل إلى دمياط وكان يوم دخوله إليها من الأيام المعدودة وعمت البشاير فى سائر الآفاق بأخذ مدينة دمياط من يد الفرنج بعد ما كانوا قد أشرفوا علي أخذ ديار مصر من أيدى المسلمين، وكانت مدة نزول الفرنج علي دمياط إلى أن رحلوا عنها إلى بلادهم ثلاثة سنين وأربعة أشهر وتسعة عشر يوما، منها مدة استيلائهم على مدينة دمياط سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرون يوما، ثم طرقت الفرنج دمياط أيضا فى أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل ابن الملك العادل وذلك فى دولة الأكراد فوصل إلي دمياط ملك من ملوك الفرنج يقال له ريدافرنسيس فأتا فى مراكب كثيرة مشحونة بالعساكر العظيمة، قلما وصلوا إلى ثغر دمياط أرسل ريدافرنسيس كتابا يهدده فيه وينذر بكثرت عساكره وأخذه لبلاد الأندلس، وما جرى على أهلها منه، وحذر فيه من ذلك غاية الحذر.

стр. 205

فلما سمعوا أهل دمياط بذلك هربوا تحت الليل هم والعساكر المصرية، فلما أصبحوا الفرنج يوم الأحد سابع شهر صفر قصدوا دمياط فإذا أبواب المدينة مفتوحة ولا فيها أحد، فظنوا الفرنج أن ذلك مكيدة من المسلمسن، وتمهلوا حتى ظهر لهم خلوها، فدخلوا إليها غير مانع ولا مدافع، واستولوا علي ما فيها من الأسلحة وغيرها، فارتجت مصر بأهلها وعظمة المصيبة، لأن السلطان كان على غير استواء من مرض نزل به. فعند ذلك حنق السلطان على أهل دمياط بسبب خروجهم من دمياط بغير إذن وأمر بشنق من كان بها من الأمراء الكنانية، فكان عدة من شنق منهم ما يتبيق عن خمسين أميرا فى ساعة واحدة، وكان فيهم أمير له ولد جميل، فسأل أن يشنق هو قبل أبيه فأمر السلطان أن يشنق أبنه قبله فشنق الأبن قبل الأب. فلما رأوا ذلك بقية العسكر نفرت قلوبهم عن السلطان، وهموا بالقيام عليه فأشار بعض الأمراء بعدم ذلك. وقال السلطان علي خطه فإن مات فقد كفيتم أمره وإن عاش فهو بين أيديكم، وأمر السلطان بتحصين سور المنصورة وسار إليها فى محفة، وأمر بجمع العساكر وأهل النواحي من العربان وغيرهم، فاجتمع من ذلك خلق لا تحصى عددهم، وأخذوا الفرنج فى تحصين أسوار مدينة دمياط بالمقاتلين والآلات ودام بين الفريقين الحرب والقتال، وصاروا دول ياسروا من دول ودول ياسروا من دول هذا، ومرض السلطان يتزايد وقوته تتناقص حتى ايس منه الأطباء. فلما كانت ليلة الأحد الرابع عشر من شعبان مات الملك الصالح بالمنصورة فلم يظهروا موته وحمل فى الليل إلى القاهرة، ودفن ولم يعلم أحدا بموته وأقام بأمر العساكر الأمراء والمماليك البحرية وكتم موت السلطان الملك الصالح وهو توارن شاه وكان على حصين كيفا وكان في ذلك المدة يخرج مراسيم السلطان بالعلامة فلا يشك من رأها أنها خط السلطان الملك الصالح، وكان المدبر للمملكة يومئذ الأمير حسام الدين لاجين، ولم يعلم أحد من القاهرة بموت السلطان إلى حين قدم ولده توران شاه من حصن كيفا، وولى الملك بعد أبيه الملك الصالح ولقب بالملك المعظم توران شاه فعند ذلك أشيع موت الملك الصالح رنادى المنادى بالدعاء للسلطان الملك المعظم توران شاه. وصارت له الخطبة ونقش باسمه على السكة، فلما علموا الفرنج بموت السلطان طمعوا فى أخذ مصر، ووصلوا إلي المنصورة وجرى بينهم وبين المسلمين وقعة عظيمة يطول شرحها، واستشهد بها من الأمراء والمماليك والناس خلق كثير وأسر من الفرنج سبعة وستين أسيرا، ومن ملوكهم ثلاثة وقتل من الفرنج خلق كثير. وكاد أن يمحوا الفرنج كلمة الإسلام ولم يبق من دخولهم إلى ديار مصر إلا شئ يسير فإذن الله بالنصر على يد الأمير بيبرس البندقدارى ومن معه من المماليك البحرية والجمدارية الذى استجدهم الملك الصالح فحملوا على الفرنج حملة واحدة بالسيوف والدبابيس

стр. 206

فانهزموا الفرنج بإذن الله وبلغت عدة من قتل من فرسان الفرنج فى هذه الواقعة ألفين وخمسمائة فارس وانهزموا الباقى، ووردت البشائر بذلك إلى المصرية ودقت الكوسات وزينت القاهرة وذلك فى سنة ثمان وأربعين وستمائة، وقد أحاط المسلمون بالفرنج وقتلوا منهم وأسروا خلقا كثيرا حتى قيل أن عدد من قتل من الفرنج على فارسكور ما يزيد على عشرة آلاف، ونهبوا المسلمين من الفرنج من المال والقماش والخيول والسلاح شئ كثير لا يحصى وأن حاش ملك الفرنج وأكابر الفرنج إلى تل هناك، وأرسلوا يسألوا فى الأمان وسبب هذه النضرة لما أنكسروا الفرنج من المنصورة كانوا دبروا المسلمين هذه الجبلة وهو أنهم عمدوا إلي مراكب وحملوها على جمال وألقوها إلى بحر المحلة وأشحنوها بالمقاتلين، وخرج معهم السواد الأعظم من الأعوام وغيرهم، فلما انسكروا الفرنج من على المنصورة لاقاهم هذا الكمين بالنشاب والمقاليع والحجارة حتى هزموهم وأسروهم ونهبوهم فعند ذلك طلبوا الأمان فنزل ملكهم المسمى ريدا - فرنسيس إلى المسلمين فقيدوه واعتقل فى الدار التى كان ينزل فيها القاضى فخر الدين ابن لقمان كاتب الإنشاء ووكل به الطواسى صبيح العظمى واعتقل معه أخوه وأقاربه ورتب له كل يوم ما تكيفيه وأمر الملك المعظم توران شاه بقتل جميع الأسراء الفرنج ورميهم فى البحر فقتل منهم خلق كثير، ثم أن السلطان الملك المعظم رحل من المنصورة، ونزل بالدرب السلطانى من على فارسكور وعمل له برجا من الخشب على البحر، وسير بالبشاير إلي القاهرة وأعمالها وإلى الشام وإلي حلب سائر النواحى يعلمهم بالنصر على الفرنج، وما كان من أمرهم وما كان من نصرة المسلمين عليهم، وما من الله به من فتح دمياط وطرد العدو عنها، وذلك في سنة ثمتن وأربعين وستمائة، وكانت هذه البشاير على يد الأمير جمال الدين يوسف بن يغمور فدخل إلي القاهرة وهو لابس ليس ملك الفرنج وهو اشكرلاط أحمر بفرو سنجاب، وكان يوم دخوله إلى القاهرة يوما شهودا وأما ما كلن من أمر السلطان الملك المعظم توران شاه فإنه لما كسر الفرنج ظن أن الوقت قد صفا له فأخذوا فى أسباب تقريب من قدم معه من بلاد الشمال واعطالهم الوظايف السنة، وأمر روءوس النواب أن تكون عصيهم ملبسة بالذهب إذا وقفوا قدامه فى الموكب، وكان إذا سكر رص الشموع وضرب روءوسها بالسيف ويقول هكذا أفعل بالمماليك البحرية، وكان فى طبعه الرهج والخفة فعند ذلك نفرت عنه قلوب الرعية والأمراء ومماليك أبيه لكونه قرب جماعته وأبعد حاشية أبيه، وكان قد أرسل إلى شجرة الدر زوجة أبيه يهددها ويستوعدها بكل سوء، فأرسلت شجرة الدر إلى الأمراء والمماليك فى الدس. وقالت لهم أقتلوه وعلى رضاكم.

стр. 207

فلما كان يوم الأثنين تاسع عشرين المحرم من السنة المذكورة جلس الملك المعظم توران شاة على السماط، فتقدم إليه أحد المماليك البحرية وضربه بسيف قطع أصابعه ففر إلى البرج الخشب الذى تقدم ذكره فصعدوا إلى أعلاه وأطلقوا فيه النار، فألقى توران شاه نفسه فى البحر وهو يقول ما أريد ملككم دعونى أرجع إلى حصن كيفا، وصار يسبح فى البحر والنشاب يأخذه من كل ناحية وهو يقول: يا مسلمين ما فيكم من يغيثنى وسائر العساكر واقفه فلم يجبه أحد، وأدركوه فى البحر وقتلوه فمات حريقا غريقا قتيلا وذلك فى يوم الأثنين المذكورة وترك ثلاثة أيام على شاطئ البحر لم يدفن، والسماط ممدود، فلما وقع ذلك اتفق أهل الدولة من الأمراء والمماليك على أن يولوا شجرة الدر والدة حليل زوجة الملك الصالح، وأن يكون مقدم العساكر الأمير عز الدين أيبك التركمانى الصالحى وحلف كل على ذلك وسيروا إليها عز الدين الرومى إلى قلعة الجبل وأعملها بما أتفق من الحال، وصارت ملكة على مصر والقاهرة وكانت تكتب علامتها على المراسيم والدة خليل، وخطب لها على المنابر فى سائر النواحى وأقيمت دون السنة وكان سبب خلعها عن الملك أن الخليفة أرسل يقول لعسكر مصر أعلمونا إن كان ما بقى عندكم أحدا من الرجال يصلح للملك نرسل لكم من يصلح وأنكر عليهم لكونهم، ولو امرأة، فعند ذلك ولوا عز الدين أيبك التركمانى الصالحى، وكان لا يتصرف إلا بأمرها حتى غدرته وقتلته فى الحمام، ثم بعد ذلك أمر بقتلها ولده على، وأقامت ثلاثة أيام مرمية فى خندق قلعة الجبل، والناس تنظر إليها ودفنت بعد ذلك والمجازاة من جنس العمل، وقد قال بعضهم فى هذا المعنى ارتحالا. جرع كاسا كان يسقى بها … والمرء مجرى بأعماله وأما ما كان من أمر ريدا فرنسيس ملك الفرنج فإنه اشترى نفسه من المسلمين بمال جزيل وزفرجوا عنه وعن أقاربه، ورحل إلى بلاده وحلفوه أنه لا يغدروا لا يعتدى على بلاد المسلمين ثم بعدد ذلك. لما كانت دولة الملك المنصور على بن أبيك التركمانى حشد ريدا فرنسيس عساكر عظيمة وجاء إلى ساحل دمياط فكتب إليه الوزير جمال الدين ابن مطروح: قل للفرنسيس إذا جئته … مقال نصح من مقول فصيح أجرك الله على ما جرى … من قتل عباد لدين المسيح اتيت مصرا تبتغى ما جرى … تحسب أن الزمر يا طيل ريحة

стр. 208

فساقك الحين إلى عسكر … ضاق به عن ناظرك الفسيح وكل أصحابك أودعتهم … بسوء تدبيرك بطن الضريح خمسون ألفا لا يرى منهم … إلا قتيلا أو أسيرا أو جريح وفقك الله لأمثالها … لعل عيسى منكم يستريح إن كنت عولت على عودة … لأخذ ثارا ولنقد صحيح دار ابن لقمان على حالها … والقيد باق والطواشى صبيح وقال آخر: يا فرنسيس هذه أخت مصر … فتأهب لما إليه تصير لك فيها دار ابن لقمان قبر … وطواشيك منكر ونكير وقد دخل فى قلب فرنسيس من ضرب هذا الطواشى صبيح ما لا ينسا حصرته، فعند ذلك رد إلى بلاده، وقد أشار بعض أرباب الدولة المصرية بخرب مدينة دمياط خوفا من مسير الفرنج إليها مرة أخرى، فسيروا إليها الحجارين والفعلة، فوقع الهدم فى أسوارها يوم الأثنين ثامن عشر شهر شعبان سنة ثمان وأربعين وستمائة حتى خربت كلها، ومحوا آثارها ولم يبق منها سوى الجامع وصار مكان البيوت أخصاص على شاطئ النيل، وصارت تسكن فيها الصيادين وسموها المنشية، ثم حين تجدد [بعد] بناء سورها أمير المؤمنين المتوكل علي الله ثم لما كانت دولة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارى الصالحى بعد قتل الملك المظفر قظز فأمر بتجديد عمارة مدينة دمياط. وأرسل إليها عدة من الحجارين والبنائين وذلك فى سنة تسع وأربعين وستمائة، وأمر بردم فم بحر دمياط، فأخذوا من القرابيص بتاع الهد القديم، وألقوها فى البحر الذى يصب من شمال دمياط فى البحر المالح حتى ضاق،

стр. 209

وامتنع من دخول المراكب إليه وهو إلى اليوم على ذلك لا يقدر المراكب الكبار أن تدخل فيه، وإنما ينقل ما فيها من البضائع في مراكب صغار، وتصير المراكب واقعة في البحر المالح عند فم بحر النيل، قريبا ملتقى البحرين. وكان فى قديم الزمان على فم بحر النيل من ثغر دمياط سلسلة من حديد من البر إلى البر، وذلك فى زمان القبط الذى كانوا على مصر فى زمان المقوقس، وكان على دمياط ملك يقال له الهاموك وقد تقدم ذكره فى أول فتح دمياط، وقد صارت دمياط تتزايد بالعمارة من دولة الملك الظاهر بيبرس إلى يومنا هذا، وقد صار فيها الأسواق والحمامات والجوامع والمدارس ودورها تشرف على بحر النيل، ومن ورائها البساتين وقد صارت من أحسن بلاد الله منظرا. وقد قال فيها الشيخ شهاب الدين المنصورى الشهير بالهايم شعر: لعمرك ما دمياط إلا جندنة … تهيم الورى منها بأحسن منظر وذات جمال أن تبسم ثغرها … تبسم من مغناه عن عقد جوهر لها ناظر منه تصول بأبيض … وتطعن من فتح القوام باسمر وقد قال من طاف بلد الشمال إلى سمرقند ما رأى أحسن من دمياط ولا أحسن من بساتينها ولا من حسن منظرها. وقد قال الشيخ شهاب الدين المقريزى: قد كنت أقول أن دمياط ليس بها هذا الوصف العظيم إلى أن شاهدتها فإذا هى جنة على وجه الأرض، ليس فى ملك مصر أعظم رؤيا منها وفيها قلت عند رؤيتها بشعر. سقى عهد دمياط وحياة من عهد … فقد زادني ذكره وجداه على وجد ولا زالت الأنواء سقى سحابها … ديارا حكمت من حسنها جنة الخلد فيأحسن هاتيك الديار وطيبها … فكم قد حوت حسنا نجل عن الحد ولا سيما تلك النواعير أنها … تجدد حزن الواله المدنف الفرد أطارحها شنجوى وصارت كأنما … تطارح شكواها بمثل الذى ابدى ونوفرها الريان يحكى ميتما … تبدل من وصل الأحبة بالصد

стр. 210

فقام على رجليه فى الدمع غارقا … يراعى نجوم الليل من وحشة الفقد وظل على الأقدام تحسب أنه … لطول انتظار من حبيب على وعد وفي مرح البحرين جم عجائب … تلوح وتبدوا من قريب ومن بعد كان التقاء النيل بالبحر إذ غدا … مليكان سارا فى الحجر أقل من جند فكلاكما باتا وما برحا كذا … مد الدهر فى حرب عظيم وفى جهد وفي البرزخ الماءنوس كم لى خلوة … وعند شطا عن أيمن العلم الفرد وكم قد نعمنا بالبساتين نزهة … يعيش هنى فى أمان وفى سعد هناك ترى ما يطرد الهم والغناء … من الروض والأنهار والغصن المد فيارب هييء لى بفضلك عودة … ومن بها فى غير بلوى ولا جهد وبدمياط مسجد الفتح الذى أسسه المسلمون عند فتح مدينة دمياط، أول ما فتح الله أرض مصر على يد عمرو بن العاص وعلى بابه مكتوب بالقلم الكوفى أنه عمر بعد سنة تسعين من الهجرة، وفيه عدة عواميد رخام كثيرة، والآن يعرف بمزار سيدى فتح الأسمر رحمة الله عليه وذلك لنزوله فيه، فمشى على لسان الأعوام بمسجد سيدى فتح، وهو فاتح بن عثمان الأسمر التكرورى، قدم من مراكش إلى دمياط على سبيل التجريد وكان يسقى بدمياط الماء فى الأسواق احتسابا من غير أن يتناول من أحد شيئا، وكان يلازم الصلاة مع الجماعة، وأقام بحيرة تنيس وهى خراب نحو سبع سنين ثم عاد إلي دمياط فكان لا يرى وقت الصلاة، وإذا سلم الإمام عاد إلى انعكافه فلا يخالط الناس فيما هم فيه من أمر الدنيا، فلما نزل بمسجد الفتح وكان قد خرب منذ سنين وهو مقفول فرممه وبناه علي سبيل التجريد، فتح الله بعمارته على يد سيدى فتح، وكان يقول: لو علمت بدمياط مكانا أفضل من هذا المسجد لأقمت به، ولو علمت بلدا يكون الفقير فيه أجمل من دمياط لرحلت إليه وأقمت به. وكان إذا ورد عليه من الفقراء ولا يجد ما يطعمه باع ثوبه ولا يقبل من الناس شيئا، وكان سلوكه على طريقة

стр. 211

السلف من التمسك بالكتاب والسنة وترك الدعاوى، وله كرامات خارقة وكان يبذل جهده فى كتم لحاله والله تعالى يظهر خبره وبركته من غير قصد منه لذلك، وكان لا يعرف صومه من فطره فلا يرى أكلا قط. ومن كلامه: الفقير بحال البكر إذا سأل زالت بكارثة. ولم يصحب قط أميرا ولا وزيرا، وكان دعائه «اللهم بعدنا عن الدنيا وعن أهلها» وكان قد أشار عليه بعض العلماء بأن يتزوج، فتزوج قرب موته ورزق ولدين ومات آخر ليلة تسفر عن ثامن شهر ربيع الاخر سنة خمس وتسعين وستمائة، ولم يملك درهما ولا دينارا، بل وجد عليه ألف درهم دينا فأوفى عنه، ودفن بجوار مسجد الفتح وقبره يزار إلى يومنا هذا، أعاد الله علينا من بركاته ونفعنا به فى الدنيا والآخرة. *** ذكر شطا أعلم أن شطا من أعمال دمياط، وهي بين تنيس ودمياط وإليها تنسب الثياب لشطارية ويقال أنها عرفت بشا ابن الهاموك، وكان أبوه خال المقوقس، وكان علي دمياط، فلما فتح عمرو بن العاص مدينة دمياط فخرج إليه شطا وأسلم علي يد عمرو وحسن إسلامه، وكان قبل الإسلام فيه الخير ويميل إلي ما يسمعه من سيرة أهل الإسلام، ومات شهيدا في ليلة النصف من شعبان سنة إحدي وعشرين من الهجرة، وكانت ليلة الجمعة ودفن خارج دمياط وهو مكانه الآن. وصاروا الناس يجتمعون هناك في ليلة النصف من شعبان في كل عام إلي يومنا هذا. ***

стр. 212

ذكر البرزخ وهو مسجد بجزيرة قبالة دمياط والناس تسميه البرزخ، وبه من العجائب منارة كبيرة مبنية بالطوب إذا هزها أحدا اهتزت وإذا صعد أحد أعلاها وحركها تحركت بحيث يرى ظلها يتحرك لتحريكها، ويوجد حول هذا المسجد رمم وعظام يقال إنها بعض من استشهد هناك فى وقعة الفرنج ولا يعرف مستند الناس فى تسمية هذا المكان بالبرزخ وهو مكان مبارك يزار والله أعلم. *** ذكر دبيق وهى قرية من قرى دمياط ينسب إليها الثياب الدبيقى وكانت العمائم الشرب المذهب يعمل بها، فيكون طول كل عمامة منها مائة ذراع، وفيها رقمات منسوجة بالذهب تبلغ العمامة منها ما ينيف عن مائة دينار، وكانت الخلفاء يتغالون فيها إلي أيام العزيز ابن المعز وذلك فى سنة خمس وستين وثلاثمائة. *** ذكر النحريرية هذه القرية من أعمال الغربية أسسها الأمير شمس الدين سنقر السعدى نقيب الجيوش بالمنصورة فى أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون وبالغ فى عمارتها، فبلغ الملك الناصر ذلك فأخذها منه، وصارت بلدا كبيرة عامرة من جملة بلاد السلطان وصار خراجها فى كل سنة خمسة عشر ألف دينار، ومات سنقر السعدى هدا فى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، ودفن فى مدرسته السعدية بالقرب من حدرة البقر. ***

стр. 213

ذكر الطريق فيما بين مدينة مصر ودمشق أعلم أن هذا الدرب الذى تسلكه العساكر والتجار وغيرهم من القاهرة إلى مدينة غزة، ليس هو الدرب الذى كان يسلك فى قديم الزمان من مصر إلي الشام، وإنما ظهر هذا الدرب أو لا قبل إستيلاء الفرنج على سواحل البلاد الشامية غير هذا الدرب. قال ابن خرداذبة فى كتاب المسالك والممالك: إنما كان الدرب المسلوك من مصر إلى دمشق على غير ما هو الآن، فكان المسافر يسلك من بلبيس إلى الفرما فى البلاد الذى تعرف اليوم ببلاد السباخ من أرض الحوف، ويسلك من الفرما وهى أقرب من قطيا إلى أم العرب، وهى بلد خراب على شاطئ بحر المالح فيما قطيا والورادة. ويقال أن بعض الناس إلى يومنا هذا يحفرون فى كيانها فيجدون دراهم من الفضة الخالصة. فلما خرج الفرنج من بحر القسطنطينية فى سنة تسعين وأربعمائة لأخذ البلاد من أيدى المسلمين، وصار الدرب مخوف واستولوا على بيت المقدس إلى أن كانت دولة السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب واستخلص بيت المقدس من أيدى الفرنج وذلك فى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وافتتح منهم عدة بلاد بالساحل فصار من ذلك الوقت يسلك هذا الدرب الآن من حينئذ إلى أن كانت دولة الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل ابن الملك العادل فأنشأ بأرض السالح على طرف الرمل بلدة الذى عرفت به وهى الصالحية وذلك فى سنة أربع وأربعين وستمائة، وصار ينزل فيها ويقيم بها، فلما كانت دولة الظاهر بيبرس البندقدارى رتب البريد في سائر الطرقات حتى كان الخبر يصل من قلعة الجبل إلى دمشق فى أربعة أيام ويعود فى مثلها فصارت أخبار بلاد الشمال ترد إليه فى كل جمعة مرتين، وانفق على ذلك مالا عظيما حتى تم ترتيبه وكان ذلك فى سنة تسع وخمسين وستمائة وما زال أمر البريد مستمرا فيما بين القاهرة ودمشق وهو كان بكل مركز من المراكز عدة من الخيول المعدة للركوب تعرف بخيل البريد وعندها رجال يعرفون بالسواقين ولا يقدر أحد يركب من خيل البريد إلا بمرسوم سلطانى، وكانت طريق الشام عامرة يوجد بها عند كل بريد ما يحتاج إليه المسافر من زاد وعلف وغيره.

стр. 214

وكانت الأمراء تسافر من القاهرة إلى الشام بمفردها راكبة أو ماشية لا تحمل زادا ولا ماء إلى أن أخذ تيمور لنك دمشق وسبئ أهلها وحرقها فى سنة ثلاث وثمانمائة، فخربت من حينئذ مراكز خيل البريد واشتغل أهل الدولة بما جرى من أمر تيمور لنك فعند ذلك أختل طريق الشام اختلالا فاحشا. *** ذكر مدينة عين شمس قال ابن وصيف شاه: وقد كان الملك منقاوش إذا ركب حملوا بين يديه التماثيل العجيبة، فتجمع الناس ويتعجبون منهم فعند ذلك أمر أن يبنى له هيكل للعبادة يكون له خصوصا، ويجعل فيه قبة فيها صورة الشمس والكواكب وحولها أصناما وعجائبا، فبنى عين شمس وجعل فيه عمودين، وكتب عليها تاريخ الوقت الذى عملوا فيه باقيان إلى اليوم، وهو الموضع الذى يقال له عين شمس، ونقل إليه كنوز كثيرة وجواهر وأصنام ومن جملتهم صنم على صورة امرأته وكان يحبها حبا شديدا فلما ماتت أمر أن يعمل لها مثلا فعمل مثل صورتها من ذهب بدوابتين سوداء وعليها حلة من الجوهر المنظوم وهى جالسة على كرسى من ذهب وكان يجعلها بين يديه فى كل موضع يجلس فيه فيتسلى بها عن امرأته التى ماتت، ولما مات أمر أن تدفن تلك الصورة معه فجعلت تحت رجليه كأنها تخاطبه وجعل معه شئ من الجواهر والذهب ويقال إنه عاش إحدى ومائة سنة، ومات بالطاعون. وقال شافع بن على فى كتاب عجائب البلدان عين شمس مدينة صغيرة تشاهد سورها محدقا بها ويظهر من أمرها أنها كانت بيت عبادة كما تقدم، وفيها من الأصنام ما يكون طول الصنم بقدر ثلاثين ذراعا من مقحت وأعضاؤه علي تلك النسبة من العظم، وكل هذه الأصنام قائمة على قواعد عجيبة باتقانات محكمة وباب هذه المدينة موجود إلى الآن، وفى هذه المدينة العمودان المربعان الذى يقال لهما المسلتان المشهورتان وهى اليوم ويقال لها مسلة فرعون وهى علي صفة المسلة علي قاعدة مربعة طولها عشرة أذرع في مثلها، وقد وضعت علي أساس ثابت في الأرض ثم أقيمت عليه وهي عمود مربع مخروط طوله نحو ماذة دراع يبتدأ علي نحو خمسة أذرع وينتهى إلى رأسها وهي كالقلنسوة وقد لبست بالنحاس إلى نحو ثلاثة أذرع منها كالقمح وقد ترتجر من كثرت الأمطار وطول المدة، وأخضر وعليها كتابات

стр. 215

بالقلم القديم، ووكانت فى القديم مسلتان قائمتان ثم خربت أحدهما وانصدعت من نصفها لعظم ثقلها. قال محمد بن إبراهيم الجزرى فى تاريخه: ولما كان رابع شهر رمضان من سنة ست وخمسين وستمائة وقعت إحدى المساتان التى بأرض المطرية فوجدوا داخلها ما يقارب مائتي قنطار من نحاس ووجدوا فى رأسها عشرة آلاف دينار، كل دينارا أوقية. ويقال أن مدينة عين شمس بناها الوليد بن دومع من ملوك العماليق وقيل بناها فرعون موسى ﵇. ويقال: أن بختنصر هو الذي خرب مدينة عين شمس لما دخل إلى مصر. وقال القضاعي: مدينة عين شمس كانت من جملة عجائب مصر، وكان بها العمودان اللذان لم يرى أعجب بينهما وطولهما نحو خمسين ذراعا وهما محمولان علي قاعدة مربعة في جوف الأرض وعلي رأسها شبه الصومعتين من نحاس، فإذا جاء آوان النيل يقطر من رأسهما ماء وليستتين ذلك منهما واضحا ينبع حتي يجري من أسافلهما فبنيت في أصلهما العواسج وغيره، وإذا أدخلت الشمس دقيقية من السرطان وهو أول يوم في السنة إنتهت إلي الشمال منهما فتطلع علي قمة رأسهما ويقال أنهما منتهى الجبلين وخط الأستواء في الواسطة منهما والشمس يخطر بينهما ذاهبة وأيبة كذلك سائر السنة علي الدوام. وقال جامع السيرة الطولونية وكان بمدينة عين شمس صنم بمقدار الرجل المعتدل الخلقة وهو من كدان أبيض محكم الصنعة تخيل أنه ناطق فوصف لأحمد بن طولون فأراد أن ينظره فيناه عن ذلك شخص يقال له ندوسه وقال ما راموا وآل قطر إلا عزل ينتهى أحمد بن طولون عن ذلك وركب إليه وشاهده، ثم أمر القطاعين يهدمه فكسر ولم يبق منه شئ. قال: وسار ابن طولون ولم يقم بعد ذلك إلا عشرة أشهر ومات، قيل أن ذلك الصنم هو المسمى بعين شمس وبناحية المطرية مكان ينبت في قصبان يسمى البلسان، وقيل البلسم ليس يجد بأرض سواها وهناك ببر يعظمها النصارى ويغتسل بما بها للتبرك، وهذا البلسم لا يسقى إلا من ماء هذا البير وعند إدراك البلسم يأتى من قبل السلطان من يتولى أحضاره وحفظه ويحمل إلي خزئن السلطان ويضاف منه إلي المارستان لمعالجة الأمراض الباردة والظهر ولا يوجد منه شئ إلا بمرسوم سلطانى وله عند ملوك النصارى من الحبشة والفرنج مقام عظيم ويتغالون فى ثمنه ويقولون أنه لا يصح عندهم التنصر إلا إذا كان في ماء العمودية شيئا من دهن البلسم ثم ينغمس فيه، وسبب ذلك أن المسيح خرجت به أمه ومعهما يوسف النجار من بيت المقدس يقبلهم أهلها، فنزلوا بظاهرها.
следующие страницы →