السلف من التمسك بالكتاب والسنة وترك الدعاوى، وله كرامات خارقة وكان يبذل جهده فى كتم لحاله والله تعالى يظهر خبره وبركته من غير قصد منه لذلك، وكان لا يعرف صومه من فطره فلا يرى أكلا قط.
ومن كلامه: الفقير بحال البكر إذا سأل زالت بكارثة. ولم يصحب قط أميرا ولا وزيرا، وكان دعائه «اللهم بعدنا عن الدنيا وعن أهلها» وكان قد أشار عليه بعض العلماء بأن يتزوج، فتزوج قرب موته ورزق ولدين ومات آخر ليلة تسفر عن ثامن شهر ربيع الاخر سنة خمس وتسعين وستمائة، ولم يملك درهما ولا دينارا، بل وجد عليه ألف درهم دينا فأوفى عنه، ودفن بجوار مسجد الفتح وقبره يزار إلى يومنا هذا، أعاد الله علينا من بركاته ونفعنا به فى الدنيا والآخرة.
***
ذكر شطا
أعلم أن شطا من أعمال دمياط، وهي بين تنيس ودمياط وإليها تنسب الثياب لشطارية ويقال أنها عرفت بشا ابن الهاموك، وكان أبوه خال المقوقس، وكان علي دمياط، فلما فتح عمرو بن العاص مدينة دمياط فخرج إليه شطا وأسلم علي يد عمرو وحسن إسلامه، وكان قبل الإسلام فيه الخير ويميل إلي ما يسمعه من سيرة أهل الإسلام، ومات شهيدا في ليلة النصف من شعبان سنة إحدي وعشرين من الهجرة، وكانت ليلة الجمعة ودفن خارج دمياط وهو مكانه الآن. وصاروا الناس يجتمعون هناك في ليلة النصف من شعبان في كل عام إلي يومنا هذا.
***
стр. 212
ذكر البرزخ
وهو مسجد بجزيرة قبالة دمياط والناس تسميه البرزخ، وبه من العجائب منارة كبيرة مبنية بالطوب إذا هزها أحدا اهتزت وإذا صعد أحد أعلاها وحركها تحركت بحيث يرى ظلها يتحرك لتحريكها، ويوجد حول هذا المسجد رمم وعظام يقال إنها بعض من استشهد هناك فى وقعة الفرنج ولا يعرف مستند الناس فى تسمية هذا المكان بالبرزخ وهو مكان مبارك يزار والله أعلم.
***
ذكر دبيق
وهى قرية من قرى دمياط ينسب إليها الثياب الدبيقى وكانت العمائم الشرب المذهب يعمل بها، فيكون طول كل عمامة منها مائة ذراع، وفيها رقمات منسوجة بالذهب تبلغ العمامة منها ما ينيف عن مائة دينار، وكانت الخلفاء يتغالون فيها إلي أيام العزيز ابن المعز وذلك فى سنة خمس وستين وثلاثمائة.
***
ذكر النحريرية
هذه القرية من أعمال الغربية أسسها الأمير شمس الدين سنقر السعدى نقيب الجيوش بالمنصورة فى أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون وبالغ فى عمارتها، فبلغ الملك الناصر ذلك فأخذها منه، وصارت بلدا كبيرة عامرة من جملة بلاد السلطان وصار خراجها فى كل سنة خمسة عشر ألف دينار، ومات سنقر السعدى هدا فى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، ودفن فى مدرسته السعدية بالقرب من حدرة البقر.
***
стр. 213
ذكر الطريق فيما بين مدينة مصر ودمشق
أعلم أن هذا الدرب الذى تسلكه العساكر والتجار وغيرهم من القاهرة إلى مدينة غزة، ليس هو الدرب الذى كان يسلك فى قديم الزمان من مصر إلي الشام، وإنما ظهر هذا الدرب أو لا قبل إستيلاء الفرنج على سواحل البلاد الشامية غير هذا الدرب.
قال ابن خرداذبة فى كتاب المسالك والممالك: إنما كان الدرب المسلوك من مصر إلى دمشق على غير ما هو الآن، فكان المسافر يسلك من بلبيس إلى الفرما فى البلاد الذى تعرف اليوم ببلاد السباخ من أرض الحوف، ويسلك من الفرما وهى أقرب من قطيا إلى أم العرب، وهى بلد خراب على شاطئ بحر المالح فيما قطيا والورادة.
ويقال أن بعض الناس إلى يومنا هذا يحفرون فى كيانها فيجدون دراهم من الفضة الخالصة. فلما خرج الفرنج من بحر القسطنطينية فى سنة تسعين وأربعمائة لأخذ البلاد من أيدى المسلمين، وصار الدرب مخوف واستولوا على بيت المقدس إلى أن كانت دولة السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب واستخلص بيت المقدس من أيدى الفرنج وذلك فى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وافتتح منهم عدة بلاد بالساحل فصار من ذلك الوقت يسلك هذا الدرب الآن من حينئذ إلى أن كانت دولة الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل ابن الملك العادل فأنشأ بأرض السالح على طرف الرمل بلدة الذى عرفت به وهى الصالحية وذلك فى سنة أربع وأربعين وستمائة، وصار ينزل فيها ويقيم بها، فلما كانت دولة الظاهر بيبرس البندقدارى رتب البريد في سائر الطرقات حتى كان الخبر يصل من قلعة الجبل إلى دمشق فى أربعة أيام ويعود فى مثلها فصارت أخبار بلاد الشمال ترد إليه فى كل جمعة مرتين، وانفق على ذلك مالا عظيما حتى تم ترتيبه وكان ذلك فى سنة تسع وخمسين وستمائة وما زال أمر البريد مستمرا فيما بين القاهرة ودمشق وهو كان بكل مركز من المراكز عدة من الخيول المعدة للركوب تعرف بخيل البريد وعندها رجال يعرفون بالسواقين ولا يقدر أحد يركب من خيل البريد إلا بمرسوم سلطانى، وكانت طريق الشام عامرة يوجد بها عند كل بريد ما يحتاج إليه المسافر من زاد وعلف وغيره.
стр. 214
وكانت الأمراء تسافر من القاهرة إلى الشام بمفردها راكبة أو ماشية لا تحمل زادا ولا ماء إلى أن أخذ تيمور لنك دمشق وسبئ أهلها وحرقها فى سنة ثلاث وثمانمائة، فخربت من حينئذ مراكز خيل البريد واشتغل أهل الدولة بما جرى من أمر تيمور لنك فعند ذلك أختل طريق الشام اختلالا فاحشا.
***
ذكر مدينة عين شمس
قال ابن وصيف شاه: وقد كان الملك منقاوش إذا ركب حملوا بين يديه التماثيل العجيبة، فتجمع الناس ويتعجبون منهم فعند ذلك أمر أن يبنى له هيكل للعبادة يكون له خصوصا، ويجعل فيه قبة فيها صورة الشمس والكواكب وحولها أصناما وعجائبا، فبنى عين شمس وجعل فيه عمودين، وكتب عليها تاريخ الوقت الذى عملوا فيه باقيان إلى اليوم، وهو الموضع الذى يقال له عين شمس، ونقل إليه كنوز كثيرة وجواهر وأصنام ومن جملتهم صنم على صورة امرأته وكان يحبها حبا شديدا فلما ماتت أمر أن يعمل لها مثلا فعمل مثل صورتها من ذهب بدوابتين سوداء وعليها حلة من الجوهر المنظوم وهى جالسة على كرسى من ذهب وكان يجعلها بين يديه فى كل موضع يجلس فيه فيتسلى بها عن امرأته التى ماتت، ولما مات أمر أن تدفن تلك الصورة معه فجعلت تحت رجليه كأنها تخاطبه وجعل معه شئ من الجواهر والذهب ويقال إنه عاش إحدى ومائة سنة، ومات بالطاعون.
وقال شافع بن على فى كتاب عجائب البلدان عين شمس مدينة صغيرة تشاهد سورها محدقا بها ويظهر من أمرها أنها كانت بيت عبادة كما تقدم، وفيها من الأصنام ما يكون طول الصنم بقدر ثلاثين ذراعا من مقحت وأعضاؤه علي تلك النسبة من العظم، وكل هذه الأصنام قائمة على قواعد عجيبة باتقانات محكمة وباب هذه المدينة موجود إلى الآن، وفى هذه المدينة العمودان المربعان الذى يقال لهما المسلتان المشهورتان وهى اليوم ويقال لها مسلة فرعون وهى علي صفة المسلة علي قاعدة مربعة طولها عشرة أذرع في مثلها، وقد وضعت علي أساس ثابت في الأرض ثم أقيمت عليه وهي عمود مربع مخروط طوله نحو ماذة دراع يبتدأ علي نحو خمسة أذرع وينتهى إلى رأسها وهي كالقلنسوة وقد لبست بالنحاس إلى نحو ثلاثة أذرع منها كالقمح وقد ترتجر من كثرت الأمطار وطول المدة، وأخضر وعليها كتابات
стр. 215
بالقلم القديم، ووكانت فى القديم مسلتان قائمتان ثم خربت أحدهما وانصدعت من نصفها لعظم ثقلها.
قال محمد بن إبراهيم الجزرى فى تاريخه: ولما كان رابع شهر رمضان من سنة ست وخمسين وستمائة وقعت إحدى المساتان التى بأرض المطرية فوجدوا داخلها ما يقارب مائتي قنطار من نحاس ووجدوا فى رأسها عشرة آلاف دينار، كل دينارا أوقية.
ويقال أن مدينة عين شمس بناها الوليد بن دومع من ملوك العماليق وقيل بناها فرعون موسى ﵇.
ويقال: أن بختنصر هو الذي خرب مدينة عين شمس لما دخل إلى مصر. وقال القضاعي: مدينة عين شمس كانت من جملة عجائب مصر، وكان بها العمودان اللذان لم يرى أعجب بينهما وطولهما نحو خمسين ذراعا وهما محمولان علي قاعدة مربعة في جوف الأرض وعلي رأسها شبه الصومعتين من نحاس، فإذا جاء آوان النيل يقطر من رأسهما ماء وليستتين ذلك منهما واضحا ينبع حتي يجري من أسافلهما فبنيت في أصلهما العواسج وغيره، وإذا أدخلت الشمس دقيقية من السرطان وهو أول يوم في السنة إنتهت إلي الشمال منهما فتطلع علي قمة رأسهما ويقال أنهما منتهى الجبلين وخط الأستواء في الواسطة منهما والشمس يخطر بينهما ذاهبة وأيبة كذلك سائر السنة علي الدوام.
وقال جامع السيرة الطولونية وكان بمدينة عين شمس صنم بمقدار الرجل المعتدل الخلقة وهو من كدان أبيض محكم الصنعة تخيل أنه ناطق فوصف لأحمد بن طولون فأراد أن ينظره فيناه عن ذلك شخص يقال له ندوسه وقال ما راموا وآل قطر إلا عزل ينتهى أحمد بن طولون عن ذلك وركب إليه وشاهده، ثم أمر القطاعين يهدمه فكسر ولم يبق منه شئ.
قال: وسار ابن طولون ولم يقم بعد ذلك إلا عشرة أشهر ومات، قيل أن ذلك الصنم هو المسمى بعين شمس وبناحية المطرية مكان ينبت في قصبان يسمى البلسان، وقيل البلسم ليس يجد بأرض سواها وهناك ببر يعظمها النصارى ويغتسل بما بها للتبرك، وهذا البلسم لا يسقى إلا من ماء هذا البير وعند إدراك البلسم يأتى من قبل السلطان من يتولى أحضاره وحفظه ويحمل إلي خزئن السلطان ويضاف منه إلي المارستان لمعالجة الأمراض الباردة والظهر ولا يوجد منه شئ إلا بمرسوم سلطانى وله عند ملوك النصارى من الحبشة والفرنج مقام عظيم ويتغالون فى ثمنه ويقولون أنه لا يصح عندهم التنصر إلا إذا كان في ماء العمودية شيئا من دهن البلسم ثم ينغمس فيه، وسبب ذلك أن المسيح خرجت به أمه ومعهما يوسف النجار من بيت المقدس يقبلهم أهلها، فنزلوا بظاهرها.
стр. 216
ثم ساروا إلى مدينة سمنود وعدوا إلى مدينة الأشمونين، وكان على بابها فرس من نحاس إذا قدم إليها غريب صهل ذلك الفرس، فعندما وصلت مريم بالمسيح ﵇ إلى باب المدينة سقط ذلك الفرس المذكور وتكسر فدخلت به أمه إلي أشمونين فرأي جمالا محملة زاحمتهم في مرورهم، فصرخ فيها المسيح، فصارت حجارة ثم أنهم ساروا من الأشمونين إلي قرية تسمي فيكس ثم مضوا إلي مدينة تسمي فش وهي التي يقال لها اليوم القوصية فنطق الشيطان من أجواف الأصنام التي كانت بها.
وقال: أن امرأة أتت معها ولدها يريدون أن يخربوا معابدكم، فخرجوا إليهم مائة رجل وطردوهم عن المدينة فمضوا إلى غربى القوصية فى موضع يعرف اليوم بدير المحرق وأقاموا به ستة أشهر، ثم مضوا إلي مدينة مصر فى الموضع الذى يعرف بقصر الشمع وأقاموا به وهو مكان يعرف بكنيسة أبو سرجة ثم خرجوا منها قاصدين بيت المقدس فنزلوا بمدينة عين شمس وهى المطرية فأقاموا هناك علي بير، وكان ثياب المسيح في تلك الأرض فأتيت الله تعالى من ذلك الماء هذا البلسم، وهؤلاء يوجد إلا بهذه الأرض فقط، وقيل إن المسيح اغتسل من ماء تلك البئر وهى البئر الموجودة هناك الآن.
وقيل أن فى البئر عينا جارية من أسفلها، وهذا سبب تعظيم النصاري لها والبلسم لا يسقي إلا من ماء تلك البئر، وأقام المسيح هو وأمه ويوسف النجار فى هذا الموضع، ثم مضوا إلي بيت المقدس بعد أن هلك هيردوس ملك اليهود، والله أعلم
***
ذكر مدينة المنصورة
هذه البلد على بحر أشموم تجاه ناحية طلخا، بناها الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب في سنة عشرين وستمائة عندما ملكوا الفرنج مدينة دمياط فنزل فى موضع هذه البلد وبنا بها عدة دور، ودار عليها سور مما يلى البحر وبنائها الأسواق والحمامات والفنادق وسماها المنصورة لكونه انتصر هناك على الفرنج، ولما انتصر على الفرنج جلس فى قصره الذى أنشأ بها وبين يديه أخويه هما الملك المعظم عيسى صاحب دمشق والملك الأشرف موسي صاحب بلاد الشرق وعدة من خواصه فعند ذلك أحضر الملك الأشرف موسى جارية تغنى على عود فغنت شعر:
стр. 217
ولما طغا فرعون على بسحره … وجاء إلى مصر ليفسد فى الأرض
أتى نحوهم موسى وفى يده العصا … فأغرقهم فى اليم بعضا على بعض
فطرب الأشرف موسى لذلك فشق على أخيه الملك الكامل محمد وأتا بجارية من عنده فأخذت العود وغنت شعر فى المعنى:
يا أهل دين الكفر قوموا لينظروا … لما قد جرى فى وقتا وتجددا
إلا أن موسي قد أتانا وقومه … وعيسى جميعا ينصرون محمدا
فطرب الملك الكامل لذلك وأمر لكل بخمسمائة دينار. وكانت هذه الليلة بالمنصورة من أحسن ليالى الدهر، وقيل أن الذى نظم هذه الأبيات إنما هو راجح الحلى الشاعر المشهور.
***
ذكر العباسة
هذه القرية فيما بين بلبيس الصالحية ولم تزل متنزها لملوك مصر، وقيل أن ولد بها العباس بن أحمد بن طولون فسماه وذلك أبوه العباس وولد بها أيضا الملك الأمجد تقى عباس ابن الملك العادل أبى بكر بن أيوب، وكان الملك الكامل محمد يقيم بها كثيرا ويقول هذه أحسن من مصر إذا قمت بها اصطاد الطير من السماء والسمك من الماء والوحش من الفضا ويصل إلينا الخبر من القلعة فى يومه وبنى بها مناظر وبساتين ولم تزل العباسة على ذلك حتى إنشاء الملك الصالح مدينة الصالحية فحينئذ تلاشى فخربت تلك المناظر.
فلما كانت دولة الملك الظاهر بيبرس مر عليها فأعجبته فبنى على فم الوادى قرية وسماها الظاهرية وأنشأها جامعا وذلك فى سنة ست وستين وستمائة وقيل إنما سميت العباسة باسم عباسة الست قطر النداء بنت خماروية بن أحمد بن طولون، ولما أمر المعتضد بالله بحملها ليتزوج بها فعند ذلك ضربت خيامها العباسة بتلك الأرض فسميت بها وبنيت قرية على أسمها والله أعلم.
***
стр. 218
ذكر مدينة قفط
أعلم أن هذه المدينة عرفت بقفطريم بن قنطيم بن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇، وكانت فى الدهر الأول من أجل المدائن الكبار.
وقد خربت من الأربعمائة من سنين الهجرة وآخر ما كان بها قباب بأعالى دورها تكون إشارة لمن يملك من أهلها عشرة آلاف دينار فيجعل على داره فى أعلاها قبة وكلن بها معدن الزمرد فى مكان يقال له الخربة على مسيرة ثمانية أيام منها، وهذا المعدن فى مغايرة طويلة فى جبل عالي يسمي قرشندة وهو علي ثلاثة أنواع طلق كافورى وطلق فضي والثالث يقال له حجر جزوي ويضرب فى هذه الحجارة حتى يخرج الزمرد وأعلاها الذبانى وهو لا يخرج إلا فى النادر وإذا استخرج القى فى الزيت الحار ثم يحط فى قطن ويلف فى خرق خام، وهذا المعدن إذا نظرت إليه الأفعى تسيل عينها وكانوا يفتشوا الفعلة عند خروجهم من المغارة حتى في دبرهم خوفا على هذا المعدن ولم يزل على ذلك حتى بطل فى سنة سبع وستين وسبعمائة.
***
ذكر مدينة دندرة
وهى من مدن الصعيد الأعلى، وكان بها بربا عظيمة فيها مائة وثمانون كوة تدخل الشمس فى كل يوم من كوة منها حتى تأتى على آخرها، ثم تكرر راجعة إلى حيث بدأت وكان بها شجرة تعرف بشجرة العباس قدر السنطة مستديرة الأوراق إذا قال لها الإنسان يا شجرة العباس جاءك الفأس فتجمع أوراقها وتذبل لوقتها فإذا قالوا لها قد عفينا عنكى تراجعت كما كانت فى الأول.
***
стр. 219
ذكر الواحات الداخلة
قال ابن وصيف شاه: وهى أيضا من عمارة قفطريم بناها وعمل فيها عجائب كثيرة منها بركة إذا مر عليها الطير سقط فيها لا يبرح منها حتى يؤخذ، وعمل أيضا على أربعة أبواب هذه المدينة أربعة أصنام من نحاس إذا دخل من إحدى أبوابها غريب ألقى عليه النوم والسبات فينام عندها ولا يبرح حتى يأتيه أهل المدينة وينفخون فى وجهه فيقوم وإن لم يفعلوا ذلك لا يزال نائما عند الأصنام حتى يهلك.
ولما قدم موسى بن نصير فى زمن بنى أمية إلى مصر كان عنده علم من هذه المدينة فسار إليها مدة سبعة أيام فى رمال ما بين الغرب والجنوب، فظهرت له مدينة عليها حصن وأبواب من جديد فلم يمكنه فتح تلك الأبواب وأمر الرجال أن تعلوا علي سورها، فلما علوا عليه وأشرفوا على المدينة ألقوا أنفسهم فيها، وصار كل من علا على سور المدينة وألقوا أنفسهم فيها، وصار كل من على سور المدينة يفعل ذلك فلما أعياه أمرها مضى وقد هلك من أصحابه عدة كثيرة فعند ذلك تركها عن عجز.
***
ذكر الواحات الخارجة
هذه المدينة بناها إحدى ملوك القبط الأول ويقال البردسير من أولاد قفطيم قال المسعودى: وأما بلاد الواحات هى بين بلاد مصر وبلاد الصعيد وهى أراضى بلاد الأحابش من النوبة وهو بلد قائم بنفسه غير متصل بغيره ولا مفتقر إليه ويحمل منه الثمر والزبيب والعناب وغيره.
قال الشيخ حسام الدين بن زنكى الشهرورى أنه سمع ببلاد الواحات أن فيها شجرة نارنج يقطف منها فى سنة واحدة أربعة عشر ألف حبة نارنج ما سوى ما يتناثر من الريح وسوى ما هو أخضر.
قال الشيخ شهاب الدين المقريزى: فلما سمعت بهذا القول لم أصدقه لغرابته وسافرت إلي هذا المكان حتى شاهدت هذه الشجر المذكور، فإذا هى كاعظم ما يكون من شجر الجمنز بمصر وسألت مستوي البلد عنها فأحضر إلى جرايد حسابا عنها فتصفحها فإذا فيها قطف
стр. 220
فى سنة كذا من شجرة النارنجة الفلاينة أربع عشرة ألف حبة نارنج مستوية صفراء سوى ما بقى علي ها من الأخضر، وهذا من العجائب الذى لم يسمع بمثلها الشب الأبيض بوادى هناك وكان فى زمن الملك الكامل وغيره من الملوك مقرر على أهل الواحات، وحمل ألف قنطار من الشب الأبيض فى كل سنة إلي القاهرة ويطلق لهم فى نظير ذلك جوالى الواحات، ثم أهل هذا الأمر وبطل.
***
ذكر مدينة قوص
أعلم أن قوص من أعظم مدائن الصعيد وهى على شاطئ النيل بنيت فى أيام شدات بن عديم. قال ابن وصيف شاه: وهو الذى بنى الأهرام الدهشورية وغيرها من البرابى.
وقيل أن فى شهر رمضان سنة أثنين وستين وستمائة أحضر إلى الملك الظاهر بيبرس فلوس وجدت مدفونة فى مكان بقوص فأخذ منها فلسا فإذا على إحدى وجهيه صورة ملك واقف وفى يده اليمنى ميزان، وفى يده اليسرى سيف، وعلى الوجه الأخر رأس فيه أذن كبيرة مفتوحة وعين مفتوحة وبداير كل فلس كتابه فقرأها راهب يونانى فكان تاريخه إلى وقت قرائته ألفين وثلاثمائة سنة وفيه: أنا الملك غلياث ميزان العدل يمينى لمن أطاع والسيف بيسارى لمن عصى وعلى الوجه الآخر: أنا غلياث الملك أذنى مفتوحة لسماع شكوا المظلوم وعينى مفتوحة أنظر بها مصالح رعيتى ومصالح ملكى ومدينة قوص مشهورة بكثرت العقارب والورغ حتى أن أهلها إذا مشوا فى الصيف يأخذوا فى أيديهم مشكاك من حديد يشكوا به العقارب ولم تزل محكمة العمارة كثيرة إلينا إلى سنة ست وسبعين وسبعمائة.
***
стр. 221
ذكر مدينة البهنسا
هذه المدينة بناها ملك من ملوك القبط يقال له مناوش بن منقاوش.
قال ابن وصيف شاه: وهو أول من عبد البقر من أهل مصر وكان السبب فى ذلك أنه اعتل علة حتى أيس منه فيها رأى فى منامه صورة روحانى عظيم يقول له أنه لا يخرجك من علتك إلا عبادتك للبقر ففعل ذلك، وأمر باحضار ثورا بلق حسن الصورة وعمل له مجلسا فى قصره وسقفه بقية مذهبه وكان يبخره ويطيب موضعه ووكل به من يخدمه وينكس تحته ويعبده سرا فبرئ من علته ولا زال الشيطان يعونه حتى أنطلق له الثور فسر بذلك وأمر أهل مملكته بعبادته فأقاموا يعبدونه مدة من الزمان وصار ذلك الثور لا يبول ولا يروث ولا أكل أولا أطراف ورق القصب الأخضر فى كل شهر مرة فافثين الناس به وكل ذلك من الشيطان فكان ذلك سببا بعبادة البقر وفى زمانه بنيت البهنسا ويقال إنه عاش ثمانمائة سنة، وكان بالبهنسا من العجائب والحكم ما ليس فى غيرها من البلاد.
***
ذكر مدينة الأشمونين
يقال أنها بناء أشمون بن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇ قال ابن وصيف شاه: وهو الذى بنى المجالس المصفحة بالزجاج الملون فى وسط النيل، ويقال إنه بنى من الأشمونين إلى انصنا سرب تحت النيل، وكان هذا السرب مبلط الأرض والحيطان والسقف بالزجاج الملون النحيت، وقيل أنه عمله لبناته إذا حين من انصنا إلى الأشمونين لزيارة هيكل الشمس، وكان بها الطلسمات والعجائب والبناء والمحكم وكان يجلب منها الخيل والبغال والحمير وكان ينزل بها عدة من بنى جعفر بن أبى طالب ﵁ وعدة من أولاد بنى أمية وأقاموا بها زمانا طويلا.
***
стр. 222
ذكر مدينة أخميم
قال بن وصيف شاه هذه المدينة كانت من أجل مدن الصعيد، وكان بها العجائب الكثيرة والبرابى المحكم، وكان بها السحرة الذى استعان بهم فرعون يوم ألقى موسى العصا.
وحكى أن رجلا دخل إلى البربا التى بأخميم فوجد صورة عقرب فى الحائط فالصق عليه شمعا وأخذه فكان إذا تركها فى موضع انحاشت العقارب إليها ولا تبرح عنها ويقال إنه كان في بربا أخميم صنم قائم وله احليل كبير، وكان يذكر أن من ذلك أحليلة بذلك الأحليل فإنه لا يزال أحليلة قائما ولو جامع ما أحب دائما فإذا أراد إبطال ذلك أحليلة فى ظهر تلك الصنم. ويقال أن الذى بنى بربا أخميم كان اسمه ذو مريا وأنه جعل هذه البربا مثلا للأمم الأتية بعده وأودعها من الحكم والفوائد ما لا فعله أحد من الملوك قبله، وفيها أشخاص من يملك مصر على هباتهم إلى آخر الدهر.
وذكر عبد الله محمد بن عبد الرحيم القيسى: أن هذه البربا مربعة من حجارة منحوتة ولها أربعة أبواب يقضى كل باب إلي بيت منها وله أربعة أبواب كلها مظلمة ويصعد منها إلى بيوت كثيرة، ولم تزل على ذلك حتي سد بعض الولاة بابها خوفا على الناس وكانت تجلب الأنطاع إلى مصر من أخميم وإليها ينسب سيدى ذى النون المصرى الأخميمى، ولم تزل عامرة محكمة إلى سنة ثمانين وسبعمائة.
***
ذكر مدينة العقاب
قال المسعودى: مدينة العقاب غربى أهرام بوصير الجيزة على مسيرة خمسة أيام بلياليها للراكب المجد، والآن قد نسى طريقها وعمى المسلك إليها، وفيها من عجائب البنيان ما ليس فى مدينة غيرها وبها من الكنوز والجواهر والأموال شئ كثيرة.
وهذه المدينة بناها الوليد بن دومع العمليقى وجعل أساسها من حجر أسود فوقه حجر أصفر وفوقه حجر أخضر، وفوق الجميع حجر أبيض يشف وكلها مبنية بالرصاص المضبوب
стр. 223
بين الحجارة وجعل طول حصنها مائة وستين ذراعا فى عرض مائة وعشرين ذراع بالذراع الملكى، وساق إليها ماء النيل من بابها الشرقى ينحدر إلى الباب الغربى ويصب في صهاريج هناك، وجعل فى وسط هذه المدينة عقاب كبير من ذهب مكلل بالجواهر واللؤلؤ منشور الجناحين قائم على عامود من الرخام، يدور بتلك العقاب إلى الجهات الأربع فيقيم فى كل جهة من السنة ست أشهر، وكان لهذا العقاب أربعة أعياد فى السنة فى الأوقات التى يتحول فيها العقاب فى كل سنة أشهر من السنة، ونصب حوله التماثيل والعجائب وكان قد حسن له الشيطان عبادة هذه العقاب فبنا تلك المدينة وجعل فيها ذخائر وأمواله وسميت بمدينة العقاب لذلك.
***
ذكر مدينة الفيوم
أعلم أن مدينة الفيوم بناها يوسف نبى الله ﵇. قال ابن وصيف شاه: ولما كانت أيام فرعون يوسف ﵇ وهو الذى تسميه أهل التواريخ العزيز، وكان جميل الخلق حسن الهياته عاقلا منصفا للرعية عادلا فيهم وكان اسمه عند القبط نهراوش، ويقال أنه كان أمن وكتم إيمانه خوفا من فساد أمره، ويقال أنه أقام ملكا على مصر مائة وعشرين سنة.
وفى أيامه بنى يوسف مدينة الفيوم وكلن سبب ذلك إن يوسف ﵇ لما ملك أرض مصر وعظمت منزلته من العزيز وكلن يوسف قد جاوز من العمر مائة سنة فوشا به بعض وزراء الملك وقالوا للملك أن يوسف قد قل علمه وتغير عقله فعفهم الملك عن ذلك ورد عليهم مقالتهم وأسالهم فكفوا عند ذلك ثم عاودوه بذلك القول مرة أخرى. فقال لهم الملك هلموا إلى شئ تختبروه به فيظهر لكم ما قلتوه عنه.
وكانت أرض الفيوم يومئذ تدعى بالجوبة وكانت لمغايض الماء الفاصلة عن المزارع والقرى فاجتمع رأيهم على أن يكون هذه هى المحفة التى تمحنون بها يوسف ﵇، فقالوا للملك: سل أن يصرف ماء الجوبة ويخرجه منها فتزرع ويتزايد خراج بلدك، فأحضر الملك يوسف وقال له أنت تعلم مكان ابنتى فلانة منى رأيت أن أصنع لها بلدا وأقطعها لها، ولما رأه يصلح لذلك إلا هذه الجوبة وذلك أنه بلد قريب بعيد عن الشر والفتن وهى وسط أرض مصر فدبر لى أمرها. فقال يوسف. نعم أنها الملك أفعل ذلك إن شاء الله تعالى فأوحى الله إلى نبيه يوسف أن يحفر ثلاثة خلجان خليجا من أعلى الصعيد وخليجا شرقيا وخليجا غربيا، فعند
стр. 224
ذلك شرع يوسف فى حفر هذه الثلاثة خلجان، فلما فعل ذلك خرج حميع ما كلن بها من الأهواء الذى كانت تصب فيها ولم يبق فى الجوبة قطرة ماء وانصب جميعه فى بحر النيل وقطع ما كان فيها من القصب والطرفاء ونظفها من جميع الحلفاء، وقد صارت الجوبة أرضا نقية برية، ولما أرتفع النيل دخل من رأس خليج المنهى وجرى فيها الماء فصارت لجة من النيل فعند ذلك خرج إليها الملك وقال لوزرائه أمضوا لتنظروا ما يصنع يوسف وكان عمل ذلك كله فى سبعين يوما فتعجب الملك ووزراؤه من ذلك وقالوا هذا كان يعمل فى ألف يوم فسميت من حينئذ الفيوم، وصارت تزرع كما تزرع أراضى مصر، ثم بلغ يوسف قول وزراء الملك إنما كان ذلك منهم علي سبيل المثال الأمتحان له. فقال للملك عندى من الحكمة والتدبير غير ما رأيت فقال له الملك وما هو قال أنزل فى الفيوم أهل كورة من كور مصر وأمرهم أن يبنوا لأنفسهم كل أحد قرية وكانت قرى الفيوم على عدد كور مصر فإذا فرغوا من بناء قراهم صيرت لكل قرية من الماء بقدر ما أصير لها من الأرض لا يكون فى ذلك زيادة ولا ينقص وأصير لكل قرية من الماء قرية من الماء الذى يشربوه في زمان لا ينالهم فيه الماء بقدر ما يكفيهم من السنة فقال له الملك: هذا من ملكوت السماء فقال يوسف نعم وأمر ببنيان القرى وحد لها حدودا وكانت أول قرية عمرت بالفيوم قرية يقال لها سانة وهى القرية التى كانت تنزل إليها بنت الملك، ثم حفر بها الخلجان وبنى القناطر فلما فرغ من ذلك استقبل وزن الأرض ووزن الماء وهو أول من أظهر الهندسة ولم يكن الناس يعرفونها قبل ذلك وكان هو أول من قاس النيل بمصر ووضع له مقياسا بمنف وذلك هو يوسف بن إسحاق بن إبراهيم الخليل صلوات الله عليهم أجمعين أحد الأسباط الأثنا عشر وولد بأرض كنعان من بلاد الشام وكان قد رأى في المنام أن إحدى عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين وعمره إذ ذاك سبع عشرة سنة وكادوه أخوته وباعوه لقايد فرعون فأقام فى منزله أثنى عشر شهرا، ثم راودته امرأة الملك المسمى بالعزيز وهو فرعون يوسف عن نفسه فاعتصم من ذلك وكذبت عليه وشهد شاهد من أهلها ودخل السجن ومكث به سبعة سنين، ولم يزل فى السجن إلى أن رأى الساقى والخباز تلك المنامين وفسرها لهما يوسف فأخرجا من السجن، ثم رأى الملك تلك الرؤيا فأخرجه من السجن وقص عليه الرؤيا فعبرها له فعند ذلك استوزره الملك وجعله على خزائن الأرض، ثم اجتمع بيعقوب أبيه وأخوته ولم يزل حاكما على مصر إلى: مات وعمره مائة وسبع وأربعين سنة، وكان بينه وبين موسى ﵇ مائة وثلاثون سنة والله أعلم.
***
стр. 225
ذكر ما قيل فى الفيوم وخلجانه وضياعه
قال ابن رضوان: الفيوم يخزن فيها ماء النيل وتزرع عليه مرات فى السنة وأكثر ما يحبس فى البحيرة التى بين سفط ونهيا وصاعدا إلى ما يلى الفيوم.
قال القاضى أبى عمر وعثمان بن يوسف القرشى فى كتاب المنهاج فى علم الخراج:
وهذه المدينة من أحسن الأشياء تدبيرا وأوسعها أرضا وأجودها زرعا وإنما غلب على بعضها الخراب لخلوها من أهلها ولاستيلاء الرمل على كثير من أرضها، وقد أوردت من حال الخلجان الأمهات الذى بمدينة الفيوم وما لها من الضياع ورسمها من كل مكان وتحريرها ونبتدى بذكر البحر الذى منه هذا الخليج الأعظم وهو البحر الصغير المعروف بالمنهى وفوهة هذا البحر من عند الجبل المعروف بكرسى الساحر من أعمال الأشمونين ومنه شرب بعض الضياع الأشمونية والقيسية والأهناسية وعلى جانبيه ضياع كثيرة شربها منه.
***
ذكر الحجر اليوسفى
وهذا الحجر اليوسفى جدار مبنى بالطوب والجير والزيت بناه يوسف ﵇ من جهة الشمال إلى جهة الجنوب ويتصل من نهايته من الجنوب بجدار بناؤه مثل بنائه على استقامة من الغرب إلي الشرق وطوله مائتا ذراع بذراع العمل ويتصل بهذا الجدار على طوله ثمانين ذراعا منه من جهة الغرب نهاية الجدار الأعظم من الجنوب، وفائدة بناء هذا الجدار الأعظم رد الماء إذا انتهى إلى حدود أثنى عشر ذراعا إلى مدينة الفيوم، وكان بها قديما عشرة قناطر وعليها أبواب من حديد.
وأما خليج الأواسى فإنه ينتهى إلى الضيعة المعروفة ببياض فيملأ بركتها وينتهى إلى الضيعة المعروفة بالأوسية الكبرى فمنه شربها وشرب بساتينها، وكان على هذا الحد طاحون تدور بالماء وعلى هذا الخليج عدة ضياع تسرب منه.
стр. 226
وأما خليج سمسطوس فإنه ينتهى إلى سمسطوس وغيرها من الضياع، ثم ينتهى إلى الخليج الأعظم وإلى خليج دهالة ومنه تشرب عدة ضياع وكان بها عدة خلجان، وهم خليج دهالة وخليج دله وخليج بنتطاوة وخليج المجنونة، وسمى بذلك لدوى مائه وخليج بنلاله وخليج بنيموه وخليج تبدود.
وهذا الخليج لما حفروه ظهر به عين حلوة فهو يجرى فيه صيفا وشتاء. وهذه الخلجان تفتح بتقدير وتدبير فى أيام معلومة من السنة فى الأشهر القبطية.
وقد حكم يوسف بناء الفيوم على ثلاثمائة وستين قرية على عدد أيام السنة، فكانت تعل على أهل مصر جميعهم كل يوم قرية من قرى الفيوم بعدد أيام السنة لما كان فيها من العمارة والحكمة والتدبير والبركة من سيدنا يوسف ﵇ مستمرة فيها إلى اليوم. ولما مات يوسف ﵇ مستمرة فيها إلى اليوم. ولما مات يوسف ﵇ جعلوه فى تابوت ودفنوه في إحدى جانب النيل فأخصب تلك الجانب دون الآخر فحملوا إلى الجانب الآخر فاختصب الذى حولوه إليه أجدب الجانب الآخر فلما رأوا ذلك جمعوا عظامه وجعلوها فى صندوق من حديد وجعلوه فى سلسلة وأقاموا عمودا من الصوان على شاطئ النيل وجعلوا فى أصله سكة من الحديد وجعلوا السلسلة فى السكة والقوا الصندوق فى وسط بحر النيل فأخصب الجانبان جميعا، وكان سبب جمل عظام يوسف ﵇ من مصر إلى الشام وهو أم موسى ﵇ لما سرى ببنى إسرائيل من أرض مصر إلى التيه، فحيل بينهم وبين الطرق فأوحى الله إلى موسى أن يهتدى إلى الطريق حتى تحمل معك عظام يوسف قال: ومن يدرى أين موضعها، فقيل له أن عجوزا كبيرا ذاهبة البصر تركناها فى أرض مصر وهى تعرف موضع عظام يوسف، فرجع موسى إلى تلك العجوز فلا سمعت حسه قالت:
له ما ردك؟. قال موسى: أمرت أن أحمل عظام يوسف معى، قالت: ما أدلك على عظام يوسف حتى تحملنى معك؟ قال أفعل ذلك إن شاء الله فدلته على عظام يوسف فأخذها وحملها معه إلى التيه وحمل تلك العجوز معه، وسار بها وكان اسم تلك العجوز سارح بنت أشر بن يعقوب ﵇.
***
стр. 227
ذكر فتح مدينة الفيوم على يد المسلمين
قال ابن عبد الحكم: ولما فتح عمرو بن العاص مدينة مصر بعث على جرائد الخيل إلى الفيوم، فأقاموا نحو سنة لا يعلموا بمكانها حتى أتاهم رجل ودلهم على طريقها بعد ما أعيا صبرهم وهموا بالأنصراف فلم يسيروا إلا قليلا حتى طلع لهم سور مدينة الفيوم فهجموا على أهلها فلم يكن عندهم قتال وألقوا بأيديهم ويقال بل خرج إليهم من كان بها ويقتلوا معهم.
قال الكندى (١) فى كتاب فضائل مصر وأما كورة الفيوم وهى ثلاثمائة وستون قرية دبرت على عدد أيام السنة لا ينقصن الرى فإن قصر النيل فى سنة من السنين كانت تغل على أهل مصر (٢) كل يوم قرية بعدد أيام السنة وليس فى الدنيا بلدا أخصب منهما ولو عد من أهل العقل والمعرفة/ ما فى الفيوم من الخير والبركة والنفع فإذا هى لا تحصى.
وقال ابن زولاق: وقد عقدت الفيوم فى زمان كافور الأخشيدى فى سنة ست وخمسين وثلاثمائة على ستمائة ألف دينار ونيف وعشرين ألف دينار.
وقال القاضى الفاضل فى متجددات حوادث سنة خمس وثمانين وخمسمائة أن الفيوم بلغت فى تلك السنة من الخراج مائة ألف دينار وأثنين وخمسين ألف دينار وذلك قد نقل من خطة وقد اعتبر فى قديم الزملن فإذا هى تغل فى كل يوم بقدر ألفى مثقال من الذهب.
***
стр. 228
ذكر مدينة النحريرية
أعلم أن النحريرية كانت أرضا مقطعة لعشرة من أجناد الحلقة ومن جملتهم شمس الدين سنقر السعدى نقيب الجيوش المنصورة فأخذ قطعة من أرض هذه القرية وجعلها اصطبلا لدوابه وخيله فشكاه بعض شركائه إلى السلطان الملك المنصور قلاوون فسأله عن ذلك فقال أريد أن أجعل موضع ذلك جامعا فى القرية تقام فيه الخطبة فإذن له السلطان فى ذلك فابتدأ فى عمارته فى سنة ثلاث وثمانين وستمائة حتى كمل وعمل له منبر وخطب به واستمر إلى يومنا هذا ولم تزل هذه قرية بيده حتى مات وورتها ابناه خليل وعمر فأقامت معهم مدة، ثم باعوها للأمير شيخو العمرى وقفا على الخانقاه والجامع الذين أنشأهما بخط الصليبة الطولونية.
***
ذكر دقلديانوس الذى يعرف تاريخ القبط به
أعلم أن دقلديانوس هذا أحد ملوك الروم المعروفين بالقياصرة، وكان من غير بيت المملكة. فلما ملك واشتد ملكه ولى مدائن الأكاسرة ومدينة انطاكية ومدينة بابل فاستخلف ابنه على مملكة رومه وأتخذ هو تخت ملكه بمدينة انطاكية وجعل لنفسه بلاد الشام ومصر إلى أقصى المغرب، فلما كان فى السنة التاسعة عشر من ملكه خامرت عليه أهل مصر والإسكندرية، فسار إليهم وقتل منهم خلقا كثيرا وأوقع بالنصارى واستباح دماءهم وغلق كنائسهم ومنع من دين النصارى وحمل الناس على عبادة الأصنام وبالغ فى الإسراف من قتل النصارى وأقام ملكا إحدى وعشرين سنة وهو آخر من عبد الأصنام من ملوك الروم. فلما ملك بعده قسطنطين الأكبر أظهر دين النصرانية بعد ما كان قد دثر من أيام دقلديانوس، وكانت أيامه أيام شنعة من كثرت القتل والسبى وهدم بيوت العبادات وكانت واقعة بالنصارى أشنع وأشد لأنها دامت عليهم نحو عشرين سنة لا يغتر فيها يوما واحدا عن قتل أحد من النصارى وابطال دين النصرانية من الأرض فلهذا أتخذوا القبط من ابتداء ملك دقلديانوس تاريخا.
***
стр. 229
ذكر أسابيع أيام
أعلم أن القدماء من الفرس وقبط مصر الأول لم يكونوا يستعملون الأسابيع من الأيام فى الشهور، وأول من استعملها أهل الجانب الغربى ولا سيما أهل الشام من أجل ظهور الأنبياء ﵈ وهناك وأخبارهم من الأسبوع الأول وبدوا لعالم وأن الله تعالى خلق السموات والأرض فى ستة أيام من الأسبوع ثم انتشر ذلك منهم فى سائر الأمم حتى استعملوه العرب العاربة بسبب مجاورتهم لديارهم فإنهم كانوا قبل تحويلهم إلى أرض اليمن ببابل وعندهم أخبار من نوح ﵇، ثم بعث فيهم نبى الله هود، ثم صالح، ثم نزل فيهم إبراهيم الخليل ﵇ ثم ولده إسماعيل فتعرف إسماعيل وكانت القبط فى الأول تستعمل أسماء الأيام الثلاثين من كل شهر فيحلوا لكل يوم منها أسماء كما هى فى تاريخ الفرس وما زالت القطب علي هذا إلى أن ملك مصر أغسطس بن يوجس فأراد أن يحملهم على كبس السنين ليوافقوا الروم فيها فوجدوا الباقى حينئذ إلى تمام السنة الكبيسة الكبرى خمس سنين فاشطر حتى مضى من ملكه خمس سنين، ثم حملهم على كبس الشهور فى كل أربع سنين بيوم، كما تفعل الروم فترك القبط من حينئذ استعمال أسماء الأيام الثلاثين لاحتياجهم فى يوم الكبس إلى اسم يخصه وانقرض من بعد ذلك أسماء الأيام الثلاثين من أهل مصر والعارفين بها ولم يبق لها ذكر يعرف فى العالم، بل دثرت كما دثر غيرها من أسماء شهور القبط في الزمن القديم توت ياونى اثور شواقه طوبى ماكير فامينوت ترمونى ناخون باوبى اقيقى أبيقا وكل شهر منها ثلاثون يوما ولكل يوم اسم يخصه، ثم أخذت بعض القبط بعد استعمالهم الكبس الأسماء التى هى اليوم متداولة بين الناس بمصر وهو توت بابة هاتور كيهك أمشير برمهات برمودة بشنس ناونه أبيب مسرى، ومن الناس من يسمى الخمسة أيام الزائدة أيام النسبى، ومن الناس من تسميها أبو غمنا ومعنى ذلك الشهر الصغير والقبط تزعم أن شهورهم هى شهور سنين نوح وشيث وآدم ﵈، وهى من مبتدأ العالم وأنها لم تزل على ذلك إلى أن خرج موسى بن عمران ببنى إسرائيل من مصر فعلموا أول سنتهم خامس عشر نيسان.
***
стр. 230
ذكر أعياد النصارى من القبط بديار مصر
أعلم أن نصارى مصر من القبط الآن التي هى مشهورة بديار مصر أعيادهم أربعة عشر عيدا فى كل سنة من سيهم القبطية منها سبعة أعياد يسمونها أعيادا كبارا وسبعة يسمونها أعيادا صغارا.
فالأعياد الكبار: وهم عيد البشارة وعيد الزيتونة وعيد الفسح وعيد الأربعين وعيد الخميس وعيد الميلاد وعيد الغطاس.
والأعياد الصغار: وهم عيد الختان وعيد الأربعين الصغير وعيد خميس العهد وسبت النور وحد الحدود والبجلى وعيد الصليب، ولهم موسم آخر ليس هو عندهم من الأعياد الشرعية لكنه من المواسم المعتادة وهو يوم النوروز.
فأما عيد البشارة، هذا العيد عند النصارى أصله بشارة جبريل ﵇ لمريم بميلاد المسيح ﵇ وهم يسمون جبريل غبريال ويقولون على المسيح ياشوع، وربما قالوا السيد يشوع وهذا [ق ٢١٦ أخ العيد بعمله نصارى مصر فى اليوم التاسع والعشرين من شهر برمهات، وعيد الزيتونة ويعرف عندهم بعيد السعانين ومعناه التسبيح ويكون فى سابع حد فى صومهم وسنتهم فى عيد السعانين أن يخرجوا بسعف النخيل من الكنيسة ويزعمون أنه يوم ركوب المسيح الحمار فى بيت المقدس ودخوله إلى صهيون وهو راكب والناس بين يديه يسبحون، وعيد الفسح هذا العيد عندهم هو العيد الكبير ويزعمون أن المسيح ﵇ لما تمالى اليهود عليه واجتمعوا على تضليله وقتله فقضوا عليه وأحضروه إلى الخشبة ليصلبه عليها فصلب على الخشبة لصان، وعندنا وهو الحق أن الله رفعه إليه كما قال ﴿وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (١) وكان الذى صلب على الخشبة مع اللصين غير المسيح وقد ألقى الله تعالى شبه المسيح على ذلك الشخص فعند ذلك غشى الأرض ظلمة، وكانت السادسة من النهار وأقامت إلى الساعة التاسعة وكان ذلك يوم الجمعة خامس عشر شهر نيسان من أشهر العبرانيين وتاسع عشرين من شهر برمهات ودفن الشبه فى آخر النهار بقبر وأطبق عليه بحجر عظيم وختم عليه وأقاموا عليها الحرس باكر يوم السبت كيلا يسرق، فزعموا أن المقبورا
стр. 231
قام من القبر ليلة الأحد سحرا ومضى بطرس ويوحنا التلمذان إلى القبر فإذا الثياب التى كانت على المقبور فقط بغير ميت وعلى القبر مليكة ثياب بيض فأخبروهما أن المقبور قام من القبر وقيل غير ذلك وهو أن فى عشية يوم الأحد هذا دخل المسيح على تلاميذه وسلم عليهم وأكل معهم وكلمهم وأوصاهم وأمرهم بأمور قد تضمنها انجيلهم، وهذا العيد عندهم بعد عيد الصلبوت بثلاثة أيام. وعيد الأربعين ويعرف عند الشام بالسلاق ويقال له أيضا عيد الصعود وهو الثانى والأربعين من الفطر، ويزعموا أن المسيح ﵇ بعد أربعين يوما من قيامه خرج إلى بيت عينا والتلاميذ معه فرفع يده وبارك عليهم وصعد إلى السماء وذلك عند إكماله ثلاث وثلاثين سنة وثلاثة أشهر، فرجع التلاميذ إلى بيت المقدس وقد وعدهم باشتهار أمرهم وغير ذلك مما هو معروف عندهم، فهذا أعتقادهم فى كيفية رفع المسيح، والله أعلم.
وعيد الخميس وهو العنصرة ويعملونه بعد خمسين يوما من يوم القيامة، وزعموا أن بعد عشرة أيام من الصعود وخمسين يوما من قيامه المسيح ويزعموا أن التلاميذ اجتمعوا فى صهيون فتجلى لهم روح القدس شبه ألسنة من نار فامتلوا أمن روح القدس وتكلموا بجميع الألسن وظهرت على أيديهم آيات كثيرة فعاداهم اليهود وحبسوهم فنجاهم الله منهم وخرجوا من السجن فساروا فى الأرض متفرقون يدعون الناس إلى دين المسيح عيد الميلاد، وقد قيل هو اليوم الذى ولد فيه المسيح وهو يوم الأثنين فيجعلون عشية الأحد ليلة الميلاد وسنتهم فى ذلك الكنائس وتزينها ويعملونه فى التاسع والعشرين من كيهك، ولم يزل ذلك بديار مصر من المواسم المشهورة وكانوا يفرقوا فيه فى أيام الدولة الفاطمية أرباب الرسوم من المباشرين وسائر الناس من الكتاب وغيرهم الجامات من الحلاوة القاهرية والمتارد التى فيها السميد وقرابات الجلاب وطياقير الزينة والبورى.
ومن عادات النصارى فى الميلاد يلعبوا بالنار، ومن أحسن ما قيل فى ذلك شعر:
ما اللعب بالنار فى الميلاد من سنن … وإنما فيه للإسلام مقصود
وفيه بكت النصارى أن ربهم … عيسى بن مريم مخلوق ومولود
وقال الشيخ عبد العزيز الدرينى فى ذلك:
عجبا للمسيح بين النصارى … حين قالوا أن لإله أبوه
ثم قالوا ابن الإله إله … ثم قاموا بجهلهم عبدوه
стр. 232
ثم جاءوا بشئ أعجب من ذا … حيث قالوا بأنهم صلبوه
ليت شعرى وليتنى كنت أدرى … ساعة الصلب ابن كان أبوه
حين خلا ابنه رهين الأعادى … أتراهم أرضوه أم أغضبوه
فلين كان راضيا باذاهم … فاحمدوهم لأنهم عذبوه
ولين كان ساخطا فاتركوه … وأعبدوهم لأنهم غلبوه
***
ذكر ما قاله العلماء
قال بعض العلماء: فلم تستطع علماء النصرانية أن يجيبوا عن ذلك بجواب واحد، وقد كان فى الميلاد بالقاهرة ومصر وسائر إقليم مصر يعمل موسما جليلا يباع فيه من الشموع المزهرة بالأصابع المليحة والتماثيل البديعة بأموال لا تنحصر فلا يبقى أحد من الناس أعلاهم وأدناهم حتي يشترى من ذلك الشمع، وكانوا يسمونها الفوانيس وتتباهون فى أثمانها حتى قيل أن شمعة عملت لبعض القبط بمصر فكان مصروفها ما ينوف على سبعين دينارا. فلما أجبلت أمور مصر فكانت من جملة ما بطل عمل الفوانيس فى الميلاد. وعيد الغطاس يعمل فى الحادى عشر من طوبة، وأصله عند النصارى أن يحيى بن زكريا ﵇ المعروف عندهم بيوحنا المعمدان عمد المسيح أى غسله فى بحيرة الأردن وعند ما خرج المسيح من الماء اتصل به روح القدس فصاروا النصارى لذلك ينغمسون هم وأولادهم فى الماء فى هذا اليوم وينزلون فيه بأجمعهم ولا يكون ذلك إلا فى شدة البرد ويسمونه يوم الغطاس وكان له بمصر عيد عظيم إلى الغاية.
قال المسعودى: وكان لليلة الغطاس بمصر شأن عظيم عند القبط وهى ليلة الحادى عشر من طوبة. قال المسعودى: ولقد حضرت سنة ثلاثين وثلاثمائة ليلة الغطاس بمصر فى أيام الأخشيد محمد بن طغج أمير مصر فى داره المعروفة بالمختار فى الجزيرة الراكبة على النيل، والنيل يطوف بها وقد أمرت أن يسرح جانب الجزيرة جانب الفسطاط فأسرج ألف مشغل
стр. 233
غيرها أسرجوه أهل مصر من المشاعل والشمع وقد حضر بشاطئ النيل فى تلك الليلة من الناس ما بين مسلمين ونصارى فى الزواريق ما لا يحصى عددهم ولا يحضر غير الذى فى الدور على النيل والذى على الشطوط لا يتناكرون فى كل ما يمكنهم أظهاره من المآكل والمشارب والملابس من الذهب والجوهر وغير ذلك وأظهار الملاهى والخمور والقصف واللهو وهى أحسن ليلة تكون بمصر وأشملها شرورا وكان لا يقلق فى تلك الليلة، وكان أكثر الناس يغطسوا فى النيل ويزعمون أن من فعل فى تلك الليلة ذلك يأمن من المرض فى تلك السنة.
وقال المسبحى فى تاريخه: ولما كانت سنة سبع وستين وثلاثمائة منعوا النصارى من اظهار ما كانوا يفعلوا فى ليلة الغطاس من الاجتماع وكثرت الملاهى وإظهار المحرمات ونودى أن من فعل شيئا من ذلك شنق فلم يغطس فى تلك الليلة أحد منهم فى البحر وبطل هذا الأمر إلى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة ثم تجدد أمر الغطاس على ما كان فى الأول وضربت الخيام فى عدة مواضع على شاطئ النيل ونصبت أسرة للرؤساء من القبط وحضر فهد بن إبراهيم النصرانى كاتب برجوان وأوقدت له الشموع والمشاعل وحضر معه جماعة من القبط كلهم وغطسوا.
قال: وفى حوادث سنة خمسة عشر وأربعمائة كان الغطاس بمصر، ونزل أمير المؤمنين الظاهر لدين الله إلى قصر جده العزيز على شاطئ النيل لينظر ليلة الغطاس ومعه الحريم ونودى ألا تختلط المسلمون مع النصارى عند نزولهم فى البحر وقت الغطاس وضربت الخيام متولى الشطين وجلس فيها أمير المؤمنين وأوقدت فى تلك الليلة من الشموع والمشاعل شئ كثير.
وكانت من أعجب الليالى بمصر وحضر سائر الناس من المسلمين والنصارى والرهبان وغيرهم وغطسوا جميعا وكان يفرق فى تلك اليوم مما جرت به العادة من القبط الأترح والنارنج والليمون المراكبى وأطناب القصب والبورى والحلوى القاهرية والفواكه الشامية وغير ذلك وعيد الختان يعمل فى سادس شهر بؤنة ويزعمون أن المسيح تختن فى مثل هذا اليوم فصاروا يختنون فيه أولادهم تبركا، وعيد الأربعون وهو عندهم دخول المسيح إلى الهيكل وبارك عليهم ويعمل هذا العيد فى ثامن شهر أمشير وخميس العهد وهو يعمل قبل عيد الفسح بثلاثة أيام وسنتهم فيه أن يملؤا أناء من ماء زمرمون عليه، ثم يغسل للتبرك به أرجل سائر النصارى. ويزعمون أن المسيح فعل هذا بتلامذته في مثل هذا اليوم كى يعلمهم التواضع، ثم أخذ عليهم العهد أن لا يتفرقوا وأن يتواضع بعضهم لبعض وقد صاروا
стр. 234
أعوام أهل مصر يسمونه خميس العدس لكون أن النصارى يطبخون فيه العدس المصفى وتسمية أهل الشام خميس البيض، وكان فى الدولة الفاطمية يضرب فى خميس العدس خمسمائة دينار وتعمل ضراريب ويفرق فى أهل الدولة برسيم التبرك وكان خميس العدس من جملة المراسم العظيمة بمصر يباع فيه فى أسواق القاهرة وأعمالها من البيض المصبوغ عدة ألوان فيقامر بها العبيد والصبيان وينتدب لذلك من جهة المحتسب من يرد عنهم عن ذلك فى بعض الأحيان وكانت النصارى يهدون فيه إلى المسلمين أنواع السمك المنوع مع العدس المصفى والبيض المصبوغ بأنواع الألوان الفاخرة وقد قل عمل ذلك فى هذه الأيام.
وسبت النور وهو قبل عيد الفسح بيوم ويزعمون أن النور يظهز على قبر المسيح فى هذا اليوم ولهم فى كنيستهم التي فى بيت المقدس فى ليلة سبت النور حركات يعملونها فى القناديل فتقدمن من غير فاعل لذلك ويزعمون أنه أمر إلى وكان بمصر هذا اليوم من جملة المواسم ويكون ذلك فى ثالث يوم من خميس العدس وحد الحدود وهو بعد الفسح بثمانية أيام فيعمل أول حد بعد الفطر فيه يجددون الآلات والآلات من اللباس وغيره ويأخذون فى المعاملات والأمور الدنيوية وأسباب المعاش وعيد التجلى يعمل فى ثالث عشر مسرى يزعمون أن المسيح تجلى لتلاميذه بعد ما رفع وتمنوا عليه أن يحضر لهم فحضر بمصلى بيت المقدس، ثم صعد إلى السماء عيد الصليب يعمل فى اليوم السابع عشر من توت وهو من الأعياد المحدثة وسببه ظهور الصليب على يد هيلانة أم قسطنطين وله خبر طويل عندهم وملخصه ما سنقف عليه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
***
ذكر قسطنطين
وهو ابن قسطنطين الأكبر وهو أول من ثبت دين النصرانية وأمر بقطع الأوثان وهدم هياكلها وآمن بدين المسيح، وكان فى أول أمره على دين المجوس، وسبب رجوعه إلي دين النصرانية أنه ابتلى بجذام وظهر عليه فاغتم لذلك غما شديدا وأجمع الحداق من الأطباء فاتفقوا على أدوية دبروها له وأوجبوا أن ينفع تلك الأدوية فى صهريج مملوء من دم أطفال رضع ساعة يسيل منهم، فتقدم بجمع جملة من أطفال الناس وأمر بذبحهم فى تلك الصهريج،
стр. 235
فجمعت له سائر أطفال وبرز ليمضى فيهم من أمر الذبح فسمع صحيح النساء على أولادهن فعند ذلك عطف عليهن وأمر بدفع كل طفل إلى أمه وقال احتمال علتى أولي بى من إهلاك هذه الأطفال العظيمة، فانصرفن النساء بأولادهن وقد سررت بذلك سرورا عظيما فلما كانت تلك الليلة ونام الملك رأى فى منامه شيخا يقول له إنك قد رحمت الأطفال ورأيت احتمال علتك أولى من ذبحهم فرحمك الله بذلك ووهبك العافية فإذا أصبحت أرسل خلف رجل يقال له شلبشتر وقد فر منك خوفا، فإذا حضر إلى عندك أسمع منه جميع ما يأمرك به وإنتهى جميع ما ينهاك عنه فتتم لك العافية فانتبه عند ذلك مذعورا وبعث فى طلب ذلك الرجل وكان من عباد النصارى فأتى به وهو يظن أنه يريد قتله لما يعهد منه من بغضه للنصارى فعند ما رآه تلقاه وأعلمه بما رآه فى منامه فعند ذلك أمره شلبشتر وهو ذلك الرجل أن يتدين بدين النصرانية وجرى بينه وبين ذلك الراهب شلبشتر مباحث عظيمة، ثم أن قسطنطين تدين بدين النصرانية وشفاه الله من الجذام الذى كان به ورحل من الأرض التى كان بها وترك ملة المجوس وبنى مدينة القسطنطينية بنيانا جليلا فعرفت به وسكنها وصارت من حينئذ تحت الملك من بعده، ولما سكن قسطنطين فى تلك المدينة جمع أهل دين المسيح من بعد ما كانوا مشتتين فى البلاد على زمان نيرون الملك الذى قتل الحواريين وكان دين النصرانية فحزى فى زمانه فعند ذلك أظهر دين النصرانية واذل عباد الأوثان فشق ذلك علي أهل روما وخلعوا عن طاعته وقدموا عليهم ملكا غيره وجرى بينه وبينهم حروبا كثيرة وظفر بهم وقتل منهم وسبأ خلقا كثيرة فلما مضى ملكه عشرين سنة رأى قسطنطين فى منامه كان بنودا شبه الصليب قد رفعت وقائل يقول له أن أردت أن تظفر عن خالفك فاجعل هذه العلامات على جميع أوانيك وفرسك فلما انتبه أمر بتجز أمه هيلانة إلى بيت المقدس فى طلب آثار المسيح، فسارت أمه إلى بيت المقدس وسألت عن قبر المسيح فدلها عليه مقارنوس فإذا عليه ثلاث خشبات علي شكل الصليب وهى التى صلب عليها المسيح وقص عليها ما عمله به اليهود، فزعموا أنهم ألقوا الثلاث خشبات على ثلاث أموات … (١) فقاموا الثلاثة أحياء عندما وضعت عليهم تلك الأخشاب فأتخذوا ذلك اليوم عدا وسموه عيد الصليب وكان فى السابع عشر من توت، وذلك بعد ولادة المسيح بثلاثمائة وعشرين سنة. وجعلت هيلانة أم الملك قسطنطين لتلك الأخشاب علوفا من الذهب، وقيل هى التى بنت كنيسة القيامة ببيت المقدسعلى مكان قبر المسيح، ثم انصرفت إلى ابنها ومعها تلك لأخشاب الذى قيل صلب عليهم المسيح وما زار قسطنطين ملك على الروم حتى مات
стр. 236
وملك بعده ابنه قسطنطين الأصغر، وقد كان الصليب بمصر موسم عظيم تخرج إليه سائر الناس إلى بنى وائل بظاهر القاهرة ويتظاهرون فى ذلك اليوم بالمنكرات من أنواع المحرمات ويخرجوا فيه عن الحد.
فلما كانت الدولة الفاطمية بمصر وبنوا القاهرة واستوطنوها وكانت فى خلافة العزيز بالله إلى رابع شهر رجب سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة فلما كان يوم عيد الصليب أرادت الناس أن تخرج إلى بنى وايل على جرى عاداتهم فمنعوهم من ذلك وضبطت الطرق والدروب، ثم أعيد ذلك فى سنة أثنين وثمانين وثلاثمائة وخرج الناس إلى بنى وأيل على عاداتهم من الاجتماع واللهو، ثم بطل ذلك حتى لم يلد يعرف فى هذه الأيام بديار مصر ودثر كما دثر غيره.
والنوروز هو أول السنة القبطية وهو أول يوم من توت وسنتهم فيه أشعال النيران والرش بالماء، وكان من مواسم المصريين قديما وحديثا قال الحافظ أبو الحافظ أبو القاسم على بن عساكر فى تاريخ دمشق من حديث ابن عباس ﵁ قال أن فرعون لما قال للملأ من قومه أن هذا الساحر عليهم، وقالوا له ابعث إلى السحرة، فقال فرعون لموسى يا موسى اجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت فتجمع أنت وهارون وتجتمع السحرة، فقال موسى موعدكم يوم الزينة.
قال ووافق ذلك يوم السبت فى أول يوم من السنة وهو يوم النوروز ويقال أول من أحدثه جمر شيد أحد ملوك الفرس وكان قد ملك الأقاليم السبعة فلما تكمل ملكه ولم يبق له عدو أتخذ ذلك اليوم عيدا وسماه نوروزا أى اليوم الجديد.
وقيل إن سليمان بن داود ﵇ أول من وضعه وهو اليوم الذى رجع إليه فيه خاتمه.
وقيل هو اليوم الذى شفى فيه أيوب ﵇ وقال له الله ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ﴾ (١) فجعل ذلك اليوم عيدا وسنوا فيه رش الماء ويقال كان بالشام سبط من بنى إسرائيل أصابهم الطاعون فخرجوا إلى العراق فبلغ ملك العجم فأمر أن بنى عليهم حظيرة ويجعلون فيها، فلما صاروا فيها ماتو جميعا وكانوا أربعة آلاف رجل، ثم أن الله أوحى إلى نبى ذلك الزمان أذهب إلى بلاد كذا وكذا فحارب سبط بنى فلان فقال يا رب وكيف أحاربهم وقد ماتوا فأوحى الله إليه إنى أحيهم لك فأمطر الله عليهم فى تلك الليلة وهم فى الحظيرة فأصبحوا أحياء فهم الذين قال الله فيهم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ﴾
стр. 237
﴿وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾ (١) فرفع أمرهم إلى ملك فارس. فقال تبركوا بهذا اليوم ورشوا بعضكم بعضا فيه بالماء وكان ذلك اليوم يوم النوروز فصارت سنة إلى هذا اليوم.
وقال على بن حمزة الأصفهانى فى كتاب أعياد الفرس أن أول من أتخذ النوروز جمشيد وقيل جمشاد أحد ملوك الفرس الأول ومعنى النوروز وهو اليوم الجديد، والنوروز عند الفرس يكون يوم الأعتدال الربيعى كما أن المهرجان أول الأعتدال الخريفى ويزعمون أن النوروز أقدم من المهرجان ويقولون أن المهرجان كان فى أيام أفريدون وأنه أول من عمله وذلك لما قتل الضحاك وهو بيورانيب فجعل يوم قتله عيدا وسماه المهرجان، وكان حدوثه بعد النوروز بألفى سنة.
وقال ابن وصيف شاه فى ذكر منادش بن منقاوش أحد ملوك القبط فى الدهر القديم وهو أول من عمل النوروز بمصر وكانوا يقيمون سبعة أيام يأكلون ويشربون إكراما للكواكب السبعة.
وقال ابن رضوان: ولما كان النيل هو السبب الأعظم فى عمارة أرض مصر رأى بعض ملوك مصر أن يجعل أول السنة أول الخريف عند استكمال النيل فجعل أول شهورهم توت بابه على ترتيب الشهور القبطية.
وقال ابن زولاق: وفى هذه السنة يعنى سنة ثلاث وستين وثلاثمائة منع أمير المؤمنين المعز لدين الله من وقود النيران ليلة النيروز فى السكك، ومن صب الماء يوم النوروز ورأى من فعل ذلك فضربوا وطيف بهم على الجمال.
وقال ابن المأمون في تاريخه وحل موسم النوروز فى اليوم التاسع من رجب سنة سبع عشرة وخمسمائة وكان يحتمل فى يوم النوروز لأكابر مصر من القبط وغيرهم من أصناف البطيخ والرمان وتمرا جين الموز وأفراد البر وأقفاس الثمر القوس ومشتاب السفر جل وقدور الهريسة المعمولة من لحم الدجاج ولحم الضأن ولحم البقر من كل لون قدره ومعهم بطط الجلاب وغير ذلك.
وقال القاضى الفاضل فى متجددات سنة أربع وثمانين وخمسمائة، ولما كان يوم النوروز وهو مستهل توت أول السنة القبطية وكان فى الأيام الماضية والدول الخالية من
стр. 238
أجل المواسم بمصر فى اللهو والخلاعة وارتكاب المحرمات وأظهار الفواحش وغير ذلك وكان يركب فيه شخص من الخلعة يسمونه أمير النوروز ومعه جمع كبير ويتسلطوا على الناس والأكابر أى رسم ويرسم أميرهم على دور الأكابر ويكتب مناشير على أرباب الدولة بحسب ما يختار من الجمل الكبار ومن امنتع من الأعطاء يهدلوه ويسبوه ولا يزالوا مترسمين حتى يأخذوا معلومهم المقرر على أكابر الدولة فى كل سنة وكانت المونثون والفساق يجتمعون تحت قصر اللؤلؤة بحيث يشاهدهم الخليفة وبأيديهم الملاهى وترتفع الأصوات بالغنى ويشربون الخمر والمزر شربنا ظاهرا ولا ينكر عليهم ذلك فى هذا اليوم وكانوا يتراششون بالماء والخمر وبالماء الممزوج بالأقدار وأن غلط راببس وخرج من داره فى ذلك اليوم شوشوا عليه وأفسدوا ثيابه واستخفوا بحر منه، فإما يغدى نفسه منهم بشئ وإلا بهدلوه ولم يزل الحال على ذلك بطول النهار من رش الماء وإفساد ثياب الناس.
وقال اقاضى الفاضل أيضا فى متجددات سنة أثنين وتسعين وخمسمائة وجرى الأمر فى يوم النوروز على العادة من رش الماء وقد استحدثوا فى هذا العام التراجم بالبيض والتصافع بالأنطاع وانقطعوا الناس فى ذلك اليوم عن الخروج من دورهم وكل من ظفروا به فى الطريق طرشوه بماء نجس وصفعوه بذلك الأنطاع ولم يزل يوم النوروز يعمل فيه ما ذكراه من الرش بالماء والتصافع بالجلود وغير ذلك من الأمور الشنيعة إلى أن كانت سنة سبع وثمانين وسبعمائة وكان يؤمئذ الأمر إلى الأمير الكبير برقوق قبل أن يجلس على سرير الملك ويتسلطن فمنع من اللعب فى يوم النوروز وتهدد من لعبه بالعقوبة فأنكفوا الناس عن اللعب من حينئذ وصاروا يعملون بعض شئ من ذلك فى الخلجان والبرك ونحوها من مواضع النزه بعد ما كانت أسواق القاهرة تتعطل في يوم النوروز من البيع والشراء ويتعاطى الناس فيه من اللهو واللعب ما يخرجون به عن انوروز وربما كان يقتل فيه الناس نحو أثنين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك إلى أن بطل على ي الملك الظاهر برقوق ﵀ وقد قال بعضهم فى ذلك شعر:
ولما أتى النوروز باغاية المنى … وأنت على الأعراض والهجر والصد
بعثت بنار الشوق ليلا إلى الحبشى … فنورت صبحا بالدموع على الخد
وقال آخر فى المعنى:
كيف انتها جك بالنوروز يا سكنى … وكلما فيه يحكينى وأحكيه
فتارة كلهيب النار فى كبدى … وتارة كتوالى عبرتى فيه
стр. 239
وقد كتب الشيخ عبد العظيم بن الجزار مراسله إلى بعض أصحابه فى يوم النوروز على سبيل المداعبة فقال:
كتبت بها فى يوم لهو وهامتى … تمارس من أبطاله ما تمارس
وعندى رجال للمجون ترجلت … عما يمهم عن هامهم والطيالس
وللرج ما رزت عليه حيونها … وللماء ما دارت عليه القلانس
مساحت من جر الزقاق على القفا … وأضعات انطاع جنى ويابس
***
стр. 240
ذكر ما يوافق أيام الشهور القبطية من الأعمال فى الزروعات وزيادة النيل وغير ذلك عن ما نقله أهل مصر من قدمائهم واعتمدوا عليه فى أمورهم
أعلم أن المصريين القدماء اعتمدوا فى تاريخهم على السنة الشمسية ليصير الزمان محفوظا وأعمالهم واقعة فى أوقات معلومة من كل سنة لا يتغير وقت عمل من أعمالهم بتقديم ولا تأخير فأول شهورهم.
توت: بالقبطية وهو أيلول وكانت عادة أهل مصر فيه يستخرجوا الخراج عند تمام الماء وافتراشه على سائر الأراضى مصر ويقع تمام الزيادة فى ذلك الشهر، ثم لا يزال النيل يتراجع فى الزيادة والنقصان حتى يفرغ شهر توت، وفى أوله يكون يوم النوروز رابعة أول أيلول وفى سابعة يلفظ الزيتون وثانى عشرة يطلع الفجر بالصرفة وسابع عشرة يكون عيد الصليب، وفيه يشرط البلسان وهو البلسم ويستخرج دهنه ويفتح ما تأخر من الترع وترتب المدامسية لحفظ الجسور، وفى ثامن عشرة تنتقل الشمس إلى برج الميزان فيدخل فصل الخريف، وفى خامس عشرينه يطلع الفجر بالقوا ويكثر صغر السمك وفيه يعم ماء النيل أراضى مصر وفيه تسجيل النواحى وتطلق التقاوى من سائر الغلال لتخضير الأراضى وفيه يدرك الرمان والبسر والرطب والزيتون والقطن والسفرجل، وفيه يكون هبوب ريح الشمال، أقوى من هبوب الجنوب وهبوب الصبا أقوى من آدبور وكان قدماء المصريين لا ينصبون فيه أساسات وكان فيه يكثر العنب الشتوى وتبدوا فيه المحمضات.
بابة: فى أوله يحصد الأرز ويزرع فيه الفول والبرسيم وسائر الحبوب التى لا يشق لها الأرض، وفى رابعة أول تشرين الأول وفى ثامنه يطلع الفجر بالسمك وهو نهاية زيادة النيل في تاسعة يكون مجئ الكراكي إلى أرض مصر فى عاشره يزرع الكتان وفى ثانى عشرة يكون ابتداء شق الأرض بصعيد مصر لبذر القمح والشعير وفى ثامن عشرة نتقل الشمس
стр. 241
إلى برج العقرب وفيه يقطع الخشب، وفى تاسع عشرة يكون ابتداء نقصان النيل وتكثر فيه البعوض، وفى حادى عشرينه يطلع الفجر بالعقر وفى هذا الشهر تصرف المياه عن الأراضى ويخرج المزارعون لتخضير الأراضى فيبدروا بزرع القرط وهو البرسيم، ثم. بثيت الغلة البدرية أولا فأولا وفيه يستخرج ودهن الاس ردهن النوفر وفيه يدرك الثمر والزبيب والسمسم والقلقاس وفيه يكثر صغار السمك ويقل كباره ويسمن الرأى والابرميس من السمك وتستحكم حلاوة الرومان ويكون فى ذلك الشهر أطيب من سائر الشهور لتى قبلها وفيه تصنع الغنم الضأن والمعز والبقر الجنسية وفيه يملح السمك المعروفة بالبورى، وفيه يهزل الغنم الضأن والمعز والبقر ولا يطيب لحومها وفه يدرك المخمصات وفيه يجب كتابة التذاكر بالأعمال وفيه يغرس المنثور ويزرع السلجم.
هاتور: فى خامسه يكون أول تشرين الثانى ويطلع الفجر بالزبانات فى رابعه وفى سادسه يزرع الخشخاش وفى سابعه يصرف ماء النيل عن أراضى الكتان ويبذر فى النصف منه تمام شهر يسبخ، وفى ثامنه آوان المطر الموسمى وفى حادى عشرة تهب ريح الجنوب، وفى خامس عشرة تبرد المياه بمصر، وفى سابع عشرة يطلع الفجر بالأكليل، وفى ثامن عشرة تحل الشمس فى برج القوس، وفى تاسع يغلق البحر المالح، وفى سابع عشرينه تهب الرياح اللواقح، وفى هذا الشهر تلبس أهل مصر الصوف فى سابعة، وفيه تكشف ما يحتاج إليه من قصب السكر برسم المعاصر وتزاح الغلة في جميع ما يحتاج إليه وفيه يدرك البنفسج والنوفر والمنثور من البقولات الأسبانج واللبسان وأخبر قدماء المصريين أن فى شهر هاتور تنصب الأساساة وفيه يزرع القمح وكان يكثر العنب الذى تحمل من قوص فى ذلك الشهر، ثم بطل.
كيهك: أوله الأربعينيات بمصر وتدخل فيه الطير أوكارها، وفى سادسه كان بشارة مريم يحمل عيسى ﵉، وفى سابعه يكون أول كانون الأول، وفى عاشرة الليالى البلق وأولها هاتور فى حادى عشرة أول الليالى السود وتدخل فيه النمل إلى الأجحرة، وفى ثالث عشرة يطلع الفجر بالشؤلة ويظهر فيه البراغيث ويسخن باطن الأرض، وفى سادس عشرة يسقط ورق الشجر، وفى سابع عشرة تنتقل الشمس إلى برج الجدى ويدخل فصل الشتاء ويزرع فيه الهليون، وفى حادى عشرينه يكون آخر الليالى وفي ثانى عشرينه يكون البشارة للقبط، وفى ثالث عشرينه تزرع الحلبة والترمس، وفى سادس عشرينه يطلع الفجر بالنعائم، وفى عشرينه يبيض النعام، وفى تاسع عشرينه يكون الميلاد وفى هذا الشهر
стр. 242
يزرع الخيار بعد غراق أرضه وفيه يتكامل بذر القمح والشعير والبرسيم الحرانى، وفيه ترتب خراس الطير، وفيه يكون كسر قصب السكر واعتصاره واستخدام الطباخين لطبخ البثور، وفيه يكون إدراك النرجس والفول الأخضر والكرنب والجزر والكرات الأبيض واللفت وفيه يقل هبوب ريح الشمال ويكثر هبوب ريح الجنوب وفيه يزرع أكثر حبوب الحرث ولا يزرع بعده شئ في أرض مصر سوى السمسم والمقاتى والقطن.
طوبة: فى ثالثه يكون إبتداء زراعة الحمص والجليات والعدس وفى سادسه كانون الثانى، وفى تاسعه يطلع الفجر باللبدة، وفى عاشره يكون صوم الغطاس، وفى حادى عشرة الغطاس، وفي عشرة يشتد البرد، وفى رابع عشرة يرتفع الوباء من مصر، وفى يغرس النخل، وفى سابع عشرة تحل الشمس أول برج الدلو ويكثر فيه النداء ويكون فيه ابتداء غرس الأشجار، فى عشرينه يكون آخر الليالى السود، وفي حادى عشرينه يكون أول ابتداء الليالى البلق الثانية، وفي ثانى عشرينه يطلع الفجر بسعد الرابع، وفى ثالث عشرينه تهب الرياح الباردة، وفى رابع عشرينه يفرح جوارح الطير. وفى خامس عشرينه يكون نتاج الإبل المجمورة وفي سابع عشرينه يصفوا ماء النيل، وفى ثامن عشرينه يتكامل إدراك القرط، وفى الشهر تقلم الكروم وتنظف زروع الغلة من اللبسان وغيره، وفيه تبرش الأراضى أول سكة بوسم الصيافى والمقات والقطن والسمسم ويثنى برشها فى أول أمشير وفيه يسقى أرض القلقاس والقصب ونشق الجسور فى آخره، وفيه يستخرج أراضى الخرس وفيه يكسر القصب الرأسب بعد أفراد ما تحتاج إليه من الزريعة وهو لكل فدان طين قيراط طيب قصب رأس وفيه يهتم بعمارة السواقى وجغرافية الأبار، وفيه يظهر اللوز الأخضر والنبق والهليون، وفيه هبوب ريح الحبوب أكثر من هبوب ريح الشمال وهبوب الصبا أكثر من هبوب الدبور وفيه يكون الفول الأخضر والجزر أطيب منهما فى غيره وفيه يتناهى ماء النيل فى صفائه ويحرن فلا يتغير ولو طال مكثه، وفيه يطيب لحوم الضأن وتربط فيه الخيول والبغال على القرط، وفيه يطالب بثمن الخراج من الفلاحين.
أمشير: فى أوله يختلف الرياح وفى خامسه يطلع الفجر بسعد بلغ، وفى سادسه يكون أول أشباط وفي تاسعه يجرى الماء فى العود وفى سابع عشرة تحل الشمس أول برج الحوت.
وفى ثامن عشرة يخرج النمل من الأحجرة، وفي تاسع عشرة يطلع الفجر بسعد السعود، وفى عشرينه تنقل المرم، وفي خامس عشرينه يورق الشجر وهو آخر غرسها وفى آخره يكون آخر الليالى البلق وفيه يقلع الشلجم ويستخرج خراجه وفيه يثنى برش الصيافى ويبرش أيضا ثالث
стр. 243
سكة وفيه يعمل مقاطع الجسور وتمسح الأراضى وترقد البيض فى المعامل أربعة أشهر آخرها بشنس، وفيه يكون ريح الشمال أكثر الرياح هبوب وفيه ينبغى أن يعمل الخرق للماء فإن عمل فيه من أوانى الخرف للماء كان يبرد الماء فى الصيف أكثر من تبريد ما يعمل فى غيره من الشهور وفيه يتكامل غرس الشجر ويكثر فيه المنثور ويقال أمشير يقول للزرع سير ويلحق الطويل القصير، وفيه يقل البرد ويهب الهواء الذى يسخن الماء فيه وفيه يأخذوا المقطعين ربع الخراج.
برمهات: أول يوم يطلع الفجر فيه بالأخبية، وفى خامسه يحصن دود القز، وفى سادسه يزرع السمسم وفى ثانى عشرة يقلع الكتان، وفى رابع عشرة يكون أول الأعجاز ويطلع الفجر بالفرع المقدم، وفى سادس عشرة يفتح الحيات أعينها، وفى سابع عشرة تنتقل الشمس إلى برج الحمل وهو أول فصل الربيع، وفى عشرينه يكون آخر الأعجاز، وفى خامس عشرينه يظهر هوام الأرض، وفى سابع عشرينه يطلع الفجر بالفرع المؤخر وفى آخره يتفرق السحاب، وفى هذا الشهر يجرى المراكب السفرية فى البحر المالح إلى ديار مصر من المغرب والروم وفيه تزرع المقاتى والصيفى ويدرك الفول والعدس ويقلع الكتان، وفيه يزرع أقصاب السكر فى الأراضى المبروشة المختارة لذلك البعيدة العهد عن لزراعة وفيه يؤخذ فى تحصيل النطرون وحمله من وادى هيب ري الشونة السلطانية وفيه يكون ريح الشمال أكثر الرياح هبوبا وفيه يزهد وتعقد أكثر الثمار وفيه يكون اللبن الرايب أطيب منه فى جميع الشهور التي يعمل فيها، وفى برمهات يطالبوا الفلاحين بالربع الثانى والثمن من الخراج.
برمودة: فى سادسه أول نيسان، وفى عاشره يطلع الفجر بالرشا، وفى ثانى عشرة يقلع الفجل، وفى سابع عشرة تحل الشمس أول برج الثور، وفى ثالث عشرينه يطلع الفجر بالشرطين وهو رأس الحمل وأول منازل القمر، وفيه ابتداء كسار الفول وحصاد القمح وهو ختام الرع الشتوى وفي هذا الشهر يهتم بقطع خشب السنط وفيه يكثر الورد، وفيه يظهر الطن الأول من الجميز، وفيه يقع المساحة على أهل الأعمال ويطالب الفلاح بنصف الخراج ويحصد بذرى الزرع فيه.
بشنس: فى خامسة تكثر الفاكهة وفى سادسه أول أيار وفيه يطلع الفجر بالطين، وفى ثامنه يكون عيد الشهيد وفى تاسعه انفتاح البحر المالح وفى رابع عشرة يزرع الأرز، وفى ثامن عشرة تحل الشمس أول برج الجوزاء وفيه يطيب الحصاد، وفي تاسع عشر يطلع الفجر بالتريا وفيه يزرع السمسم، وفى رابع عشرية يكون عيد البلسم بالمطرية ويزعمون أنه اليوم
стр. 244
الذى دخلت فيه مريم إلى مصر، وفي هذا الشهر يكون دراس الغلة ونقص الكتان وتحصل بزره وفيه يكثر التين وتحمل إلى مصر وفيه يستخرج دهن البلسم وفيه يزرع من شهر بؤونة إلى آخر هاتور وأصلح ما يكون طبح ذهنه فى فصل الربيع في برمهات وفيه أكثر ما يهب من الرياح الشمال، وفيه يدرك التفاح القاسمى ويبتدى فيه التفاح المسكى والبطيخ العبدلى ويقال أنه أول ما عرف بمصر عندما قدم إليها عبد الله بن طاهر بعد المائتين من سنين الهجرة فنسب إليه وقيل العبدلى وفيه يبتدى البطيخ الحوفى والمشمش والخوخ الزهرى ويجيد الورد الأبيض، وفيه يطالب الفلاح بما يضاف إلى المساحة من أبواب وجوه المال كالصرف والجهبذة وحق الراعى وفيه يستخرج تمام الربع بما تقررت عليه العقود والمساحة ويطلق الحصاد لجميع الناس.
بؤونة: فى ثانية يطلع الفجر بالدبران، وفى خامسه يتنفس النيل، وفى سابعة يكون أول حزيران، وفى تاسعه أوان قطع النخل، وفى حادى عشرة تهب رياح السموم، وفى ثانى عشرة يكون عيد ميكائيل وتزل النقطة وفي ثالث عشرة يشتد الحر، وفى خامس عشرة يطلع الفجر بالهقعة، وفي عشرينه تحل الشمس أول برج السرطان وهو أول فصل الصيف، وفى سابع عشرينه ينادى على النيل بما زاده من الأصابع، وفى ثامن عشرينه يطلع الفجر بالهنعة، وفيه تسافر المراكب لاحضار الغلال والتين والقنود والأعسال وغير ذلك من الأعمال القوصية ونواحى الوجه البحرى، وفيه يقطف عسل النحل. وفيه تزرع النيلة بالصعيد الأعلى وتسقى كل عشرة أيام دفعتين ويقيم فى الأرض الحيدة ثلاث سنين، وفى هذا الشهر ينمو التين الفيومى والخوخ الزهرى والكمثرى والقراصيا والقثاء والحصرم ويبتدى إدراك العصفر، وفيه يدخل بعض العنب ويطيب التوت الأبيض والأسود والخيار وفيه يستخرج تمام نصف الخراج ما بقى بعد المساحة.
أبيب: فى سابعه أول تموز، وفى عاشره أول قطع الخشب وفى حادى عشرة يطلع الفجر بالذراع، وثانى عشرة ابتداء تعطين الكتان، وفى خامس عشرة يقل ماء الآبار وفيه تدرك الفواكه ويموت الدود، وفى حادى عشرينه تحل الشمس بأول برج الأسد وتذهب البراغيث ويبرد باطن الأرض وتهيج أوجاع، وفى خامس عشرينه يطلع الفجر بالنثرة، وفى سادس عشرينه يطلع الشعرى العيون اليمانية، وفيه أكثر ما يهب من الرياح ريح الشمال ويكثر فيه العنب ويجوز فيه التين المقرون بمجئ العنب ويتغير فيه البطيخ العبدلى وتقل حلاوته ويكثر فيه الكمثرى السكرى ويطيب البلح، وفيه يقوى زيادة النيل فيقال إذا دخل أبيب رى الماء
стр. 245
زبيب ويباع البزر برسيم البدار، وفيه يحصد القرطم، وفيه يعصر الخمر من العنب والزبيب وهو أجود ما يكون إذا عمل فيه الخمر ويقال عند القبط فى أبيب بل الزبيب.
مسرى: فى سابعه يطلع الفجر بالطرف وفى ثامنه أول آب وفى حادى عشرة يجمع القطن وفي رابع عشرة يحمى الماء ولا يبرد وفى حادى عشرينه تحل الشمس برج السنبلة وفيه استكمال الثمار وفى عشرينه يطلع الفجر بالجبهة، وفى ثالث عشرينه يكون آخر السموم، وفى تاسع عشرينه يطلع سهيل بمصر.
وفى هذا الشهر يكون وفاء النيل وهو ستة عشر ذراعا. وفى ذلك يقول الشيخ تقى الدين ابن حجة فى واقعة حال.
أيا ملكا بالله صار مؤيدا … ومنتصبا فى ملكه نصب تميز
كسرت بمسرى سد مصر … وتنقضى وحقك بعد الكسر أيام نوروز
حتى قيل إذا لم يوف النيل فى مسرى فانتظره فى السنة الأخرى وفيه يجرى ماء النيل فى خليج الإسكندرية وتسافر فيه المراكب بالغلال والبهار وغير ذلك وفيه يكثر البسر ويدرك الموز وأطيب ما يكون الموز فيه، وفى هذا الشهر يكون ابتداء إدراك الرملن، وكذلك الليمون وإذا انقضت أيام أيام مسرى ابتدأت أيام النسبى وفيه تهيج النعام ويطلع الفجر بالخرتان، وفى مسرى يغلق الفلاحون خراج أراضى زراعتهم.
***
стр. 246
ذكر تحويل السنة الخراجية القبطية إلى السنة الهلالية العربية وكيف عمل ذلك فى الملة الإسلامية وما السبب فيه
قال أبو الحسين بن أحمد بن أبى طاهر فى كتاب أخبار أمير المؤمنين المعتضد بالله أبى العباس أحمد بن أبى طلحة بن المتوكل، قال أمر المعتضد بالله فى ذى الحجة سنة إحدى وثمانين ومائتين بتأخير النوروز لإحدى عشرة ليلة خلت من حزيران رأفة بالرعية وخرج التوقيع فى المحرم سنة أثنين وثمانين ومائتين بإنشاء الكتب إلى جميع العمال فى النواحى والأمصار بترك إفتتاح الخراج في النوروز الفارسى وأن يجعل فى الحادى عشر من حزيران ويسمى هذا النوروز المعتضدى، وكان السبب فى نقل الخراج إلى حزيران في أيام المعتضد بالله مما حدث به أبو أحمد بن يحيى المنجم النديم.
قال كنت أحدث أمير المؤمنين المعتضد بالله فذكرت خبر المتوكل في تأخير النوروز فاستحسنه، وقال: كيف كان ذلك قلت حدثنى أي قال دخل المتوكل قبل تأخير خبر النوروز فى بعض بساتينه فمر بزرع فرآه أخضر، فقال: يا على إن الزرع أخضر بعد ما أدرك، وقد استأمرنى عبيد الله بن يحيى فى استفتاح الخراج فكيف كانت الفرس تستفتح الخراج فى النوروز والزرع لم يدرك بعد، قال فقلت له ليس يجرى الأمر اليوم على ما كان يجرى عليه فى أيام الفرس ولا النوروز فى هذه الأيام فى وقته الذى كان فى أيامى قال وكيف ذلك فقلت لأنها كانت تلبس فى كل مائة وعشرين سنة شهرا واحدا وكان النوروز إذا تقدم شهرا فيصير فى الخامس من حزيران، وقد كبست ذلك الشهر فصار فى خامس أيار واسقطت شهرا ورددته إلى خامس حزيران فكان لا يتجاوز هذا، فلما تقلد خالد بن عبد الله القسرى على العراق وحضر الوقت الذى يكبس فيه الفرس فمنعها من ذلك، وقال: هذا من النسبى الذي نهي الله عنه حيث قال إنما النسبي زيادة في الكفر وأنا لا أطلقه حتي استاء مر فيه أمير المؤمنين فبدلوا علي ذلك ما لا جزيلا، فامتنع قبول ذلك، وكتب إلى هشام بن عبد الملك بعرفه بذلك
стр. 247
ويعلمه أنع من النسبي الذي نهي عنه، فأمره بمتعهم من ذك، فلما امتنعوا من الكبيس تقدم النوروز تقدما شديدا حتي صار يقع في نيسان والزرع أخضر فعند ذلك قال له المتوكل:
فأعمل لهذا يا على عملا يرد النوروز فيه إلي وقته الذي كان يقع فيه أيام الفرس. وقال:
فسرت إلي أبي الحسن عبيد الله بن يحيي عرفته ما جرى وبين المتوكل في أمر النوروز، فقال لي أبو الحسن قدو الله فرجت عن الناس كربة عظيمة فأحسن الله جزاك ومثلك من يجالس الخلفاء وأحب أن تحرر الحساب في استفتاح الخراج قال: فرجعت وحررت الحساب فوجدت النوروز لم يكن يقدم في أيام الفرس أكثر من شهر يتقدم من تخلوا من حزيران فيصير في خمسة أيام تخلوا من أيار فتكبس سنتها فتزده إلي خمسة أيام من حزيران ونفدته إلى عبيد الله بن يحيي فعند ذلك أمر أن يستفتح الخراج في خمس من حزيران ويقدم إلي إبراهيم بن العباس كتابه المشهور وأيدي الناي. قال أبو أحمد يحيي بن علي النديم: فلما سمع المعتضد ذلك فقال يا يحيي والله هذا فعل حسن وينبغى أن يعمل به فقلت ما أحد أولي بإحياء السنن الشريفة من سيدنا أمير المؤمنين لما جمعه الله فيه من المحاسن ووهب له من الفضائل فعند ذلك دعا بعبيد بن سليمان وقال اسمع من يحيي ما يخبرك به وأمضى الأمر فى استفتاح الخراج عليه. قال يحيي فصرت إلي عبيد الله بن سليمان وهو في الديوان وعرفته الخبر فأجب تأخيره ليلا تجري الأمر علي المجري الأول بعينه فجعله في إحدي عشر من حزيران واستأمر المعتضد في ذلك فامضاه قال يحيي فأنشدت المعتضد في هذا المعني شعره:
يوم نور وزاك يوم واحد لا يتأخر … من حزيران يوافي ابدا فهو حد عشر
وقال: بعض المؤرخين كانت الخلفاء تأخر النوروز عن وقته عشرين يوما وأقل وأكثر ليكون ذلك سببا لتأخير افتتاح الخراج على أهله. فأما المهرجان فلم يكن تؤخره عن وقته يوما واحدا، فكان أول من قدمه عن وقته بيوم المعتمد بالله بمدينة السلام في سنة خمس وستين ومائتين، وأمر المعتمد بالهه بتأخير النوروز عن وقته ستين يوما.
وقال: أبو الريحان محمد بن أحمد البيرونى في كتاب الأثار الباقية عن القرون الخالية، ومنه نقلت بمعنى ما ذكره ابن أبي ظاهر وقد زاد علي ذلك بقوله ونفدت الكتب إلي الأفاق يعني عن المتوكل عن محرم سنة ثلاث وأربعين ومائتين، وقيل إن المتوكل لم يتم له ما دبره فى أمر
стр. 248
النوروز واستمر الأمر حتى ولي الخلافة المعتضد بالله فاغتنا بما فعله المتوكل في تأخير النوروز غير أنه نظر، فإذا المتوكل قد أخذ ما بين سنته وبين أول تاريخ ملك يزدجرد ملك الفرس، فجاء المعتضد بالله أخذ ما بين سنته وبين السنة التي زال فيها ملك الفرس بهلاك يزدجرد ظنا أن إهمالهم أمر الكبيس من ذلك الوقت فوجده مايتي سنة وثلاث وأربعين سنة ووجد حصتها من الأرباع ستين يوما وكسر، فرد ذلك على النوروز في سنته ويجعله منتهي تلك الأيام وهو من خرداد ماءه في تلك السنة، وكان يوم الاربعاء ووافقه اليوم الحادي عشر من حزيران.
ثم وضع النموروز علي شهور الروم لتكبس شهوره إذا كبست الروم شهورها. وقال القاضي أبو الحسن المخزومي في كتاب المنهاج في علم الخراج والسنة الخراجية مركبة علي حكم السنة الشمسية لأن السنة الشمسية ثلاثمائة خمسة وستون يوما وربع يوم وترتب المصريون سنتهم علي ذلك ليكون إذا الخراج عند إدراك الغلات من كل سنة وواقفها السنة القبطية لأن أيام شهورها ثلاثمائة وستون يوما وتبيعها خمسة أيام النسبي وربع يوم مضي مسري، وفي كل أربع سنين يكون أيام النسبي ستة أيام لينجبر الكسر ويسمون تلك السمة كبيسة، وفي كل ثلاث وثلاثين سنة يسقط سنة فيحتاك إلي نقلها لأجل الفضل بين السنين الشمسية والسنين الهلالية، لأن السنة الشمسية ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم والسنة الهلالية ثلاثمائة وأربع وخمسون يوما وكسر، ولما كان الأمر كذلك احتاج إلي استعمال النقل الذي يطابق به أحدي السنين، وقد قال زبو الحسن المذكور عهدت جباية أموال الخراج في السنين الذي قبل سنة إحدي وأربعين ومائتين من خلافة أمير المؤمنين المتوكل يجري كل سنة في السنة التي بعدها بسبب تأخير الشهور الشمسية عن الشهور القمرية في كل سنة أحد عشر يوما وربع يوم زيادة الكسر عليه فلما دخلت سنة أثنين وأربعين ومائتين كان قد انقضي من السنين التي قبلها ثلاثة وثلاثون سنة أولهم سنة ثمان وماذتين من خلافة المأمون واجتمع من هذا المتاجر فيها أيام السنة الشمسية كاملة وهي ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم وزيادة الكسر ونهايات إدراك الغلات المتحصلة في سنة إحدي وأربعين ومائتين في صدر سنة أثنين وأربعين ومائتين، فعند ذلك أمر المتوكل بالغاء ذكر سنة إحدي وأربعين وماذتين إذ كانت قد انقضت وكسب الخراج إلي سنة أثنين وأربعين ومائتين فجرت الأعمال على ذلك سنة بعد سنة إلي أن انقضت ثلاثة وثلاثون سنة آخرهن انقضاء سنة أربع وسبعين وماذتين.
وقال القاضى الفاضل في متجددات سنة سبع وستين وخمسمائة ومن خطة نقلت نسخة
стр. 249
منشورة بنقل السنة الخراجية إلي السنة الهلالية والمطابقة بين اسمها الموافقة للشهور العربية وللشهور القبطية وخلو سنة سبع من نوروز فنقلت سنة خمس وستين وخمسمائة الخراجية إلي هذه السنة وكان آخر نقلت هذه السنة في الأيام الأفضلية فإن سنة ثمان وتسعين وأربعمائة وسنة وتسع وتسعين الخراجتين نقلنا إلي سنة إحدي وخمسمائة وسبب هذا الانفراج ينتهي زيادة عدد السنة الشمسية علي عدد الهلالية إحدي عشر يوما وإغفال النقل في سنة ثلاث وثلاثين في أيام الوزير الأفضل رضوان ابن رلحشي وانسخت ذيل الزيادة وتداخل السنين بعضها في بعض إلي أن صار التقارب بينهما سنتين في هذا السنة وهو أثقل لا يغدوا التسمية ولا يتجاوز اللفظ ولا ينقص ما لا لديوان ولا لقطع وإنما يقصد به، إزالة الألباس وحل الأشكال وقال القاضي أبو الحسين وسخت الكتاب الذي إنشاه القاضي الفاضل خرجت الأوامر الملكية الناصرية زاد الله في علايها بإيداع هذا المنشور أنا نؤثر من حسن النظرة ما يؤثر أحسن الخبر ولا ينصرف وبناء الفكر عما تحلي السير ويتجلي الغير ولا تزال خواطرنا تعتلي فتطلع الذراري وتعوض فتخرج الذزر وإن أولي ما استجدت به البصاير وحرست فيه المصادرة كل أمر يصحح المعاملات ويشرحها ويطلق عقولهم من عقول الأشكال ويسحها، ولما وجب نقل السنة الخراجية والمطابقة بينها وبين الهلالية، لافراجها سنين وموافقة الشهور الخراجية والهلالية في هذه السنة مطلع مستهلين أمضينا هذه السنة الخالية في هذه السنة الآتية راستخرت الله تعالي في نقل سنتي خمس وست وستين وخمسمائة إلي سنة سبع وستين وخمسمائة التي سميت بهذا النقل هلالية خراجية نفيا للأمور المشتبة والتسمية المموهة وتنزه سنين الإسلام عن الكبيس ولتاريخه عن ملابسة التلبيس وأعلاما بالوفاق الذي استشعرته أباؤنا وبنوها وإعلانا بمن مضي من السلف التي خلفوها وبنوها، وفي ذلك ما تحمد به العواقب، وتنفسخ به المذاهب ويتيسر به المطال ويزول به الأشكال ويؤمن به الاحتمال وينسجم به الغلط في الحساب ويؤلف بين السنين المختلفة الإنساب ويقرب على الكاتب محاولة ويصرف عن نعمة الله هجنته كونها مقدمة في التسنية مؤخرة في التسمية وعن معاملة بيت المال كونها معذوقة بالمطال، وقد بالغت في التوفية لأن من أعطى في سنة سبع وستين وخمسمائة استحقاق سنة خمس وستين وخمسمائة فلا ريب أنه قد ظل وبحكم السمع وإن كان قد انجز بحكم الشرع فتوسم هذه السنة بالهلالية الخراجية وترفع الحسبانات بهذا الموضع وتعرف التقريرات والتسجيلات علي هذا فليفعل في ذلك ما يقضي بارتياح هذا الانفراج وخبر هذا
стр. 250
الصدع وليعلم في الدواوين علمه ولينفذ فيها بعد نبوته بحيث ثبت مثله إن شاء الله تعالي.
وإما تاريخ العرب فإنه لم يزل في الجاهلية والإسلام يعمل بشهور الأهلة وعدة شهور السنة عندهم أثنا عشر شهرا إلا أنهم اختلفوا في أسمائها فكانت ت - العرب العارية تسميها فناتق ويفنل وطليق واسخ وانتح وخلل وكسح وزاهر ونوط وخوف وبغش ونفل، فناتق هو المحرم ونفيل هو صفر وهكذا ما بعده على عدد أسماء الشهور. وكانت ثمود تسميها موجب وجوجز ومورد وملزم ومصدر وهوبر وهوبل وموها وديمر ودابر وحيفل ومسبل، فموجب هو المحرم وموخر هو صفر وهكذا، أما بعده علي عدد أسماء الشهور وكانوا يبدون في شهورهم بديمر وهو شهر رمضان الآن فيكون أول شهور السنة عندهم، ثم كانت العرب الثانية تسميها بأسماء آخر وهي موتمر وناجر وخوان وصوان والبايدو وزيا وعادل وناتق وواغل ووغل وهواع وبركة فمعني موتمر أنه يأتمر كل شيء مما يأتي به السنة من قضيتها وناجر من النجر وهو شدة الحر وخوان من فعال الخيانة وصوان بكسر الصاد وضمها من فعال الصيانة والبايد وهو كانوا يبتدوا فيه بالقتال وزبا فهو الزاهية العظيمة المتكاتقة لكثرة القتال فيه، وقد جري به المثل فقيل العجب كل العجب بين جمادى ورجب، وكانوا يستعجلون فيه ويأخذوا الثأر وكثرة الغارات قبل مجيء رجب فإنه شهر حرام، وكانوا يسمونه عادل، وقيل الأصم لأنهم كانوا يكفون فيه عن القتال فلا يسنع فيه قعقعة الرماح فسمي الأصم لذلك، وناتق وهو شعبان وواغل وهو رمضان، وكانوا يكبرون فيه من شرب الخمر ويسمونه مكيال أيضا لأفراطهم فيه بالشرب، وكثرت المكيال بالخمر ووغل وهو شوال أول أشهر الحج وهواع وهو ذو القعدة وبركة وهو ذو الحجة وإنما سمي برك لبروك الإبل إذا أحضرت في يوم النحر ويقال له أيضا أيروك، ثم سميت العرب أشهرها بالمحرم وصفر وربيع الأول وربيع الآخر وجمادي الأول وجمادي الآخر ورجب وشعبان ورمضان وشوال وذو القعدة وذو الحجة، فالمحرم كانوا يحرمون فيه القتال، وصفر كانت تصفر فيه بيوتهم لخروجهم إلي الغزوات وشهرين الربيع لأجل زمن الربيع وجمادين كان يحمد فيهما الماء من شدة البرد ورجب الفرد لأن إفراده عن الأشهر الحرم شعبان تتشعب فيه القبائل ورمضان من الرمضا لأنه كان يأتي فيه القيظ وشوال سيل فيه الإبل إذ بها وذو القعدة لقعودهم في الدور وذو الحجة كانوا يحجون فيه فكانت العرب أولا تستعمل هذه الشهور نحو ما يستعملها أهل الإسلام، أما بطريق الا هي أو لأن العرب لم يكن لها دراية بمراعاة حساب حركات النيرين فاجتاجت إلي استعمال مباديء الشهور لرؤية الأهلة وجعلت