يصوم معهم؛ لأنه بالانتقال إلى بلدتهم أخذ حكمهم وصار من جملتهم. وقد روى أن ابن عباس ﵄ "أمر كريبًا بان يقتدى باهل المدينة " (والثانى) أنه يفطر؛ لأنه التزم حكم البلدة الأولى فيستمر عليه وشبه ذلك بمن أكرى دابة يجب الكراء بنقد البلد المنتقل عنه واوهم في التهذيب ترجيح هذا الوجه (١).
قلت فأنت ترى أن الخلاف في الصورة في مذهب الشافعي بعد العلم أن الأصح هو أن لكل بلد رؤيتهم، وأن الأصح أنه يلزم البلد الذي انتقل إليه، والأقوال في المذهب مبنية على أصلين:
الأول: يعمل بتعميم الرؤية
ولا إشكال على القول بالتعميم أن على الرجل موافقة الرؤية حيث كانت ببلده أم بالبلد التي وصل إليه وعلى أهل البلد إن صحت عندهم شهادته العمل بها.
الثاني: يعمل باختصاص كل بلد برؤية
وعلى هذا القول وهو المعتمد في المذهب حصل إشكال في حل هذه النازلة فهذا الشخص هل يعمل برؤية البلد التي انتقل منها أم بالبلد التي انتقل إليها؟ فهل على الرجل أن يوافق البلد التي انتقل منها؛ لأنه لزم حكمها أم يعمل بالبلد التي انتقل إليها؟ والسبب الذي أدى إلى اختلاف التنزيل في المذهب على أصل أن لكل بلد رؤيتهم، أثر ونظر، أما الأثر فهي فتوى ابن عباس لكريب أن يعمل برؤية المدينة لا برؤية الشام التي جاء منها، وأما النظر فلأنه صار الآن من هذه البلد فتلزمه أحكامه.
وعارض ذلك قياس هو أن من اكترى دابة من بلد إلى بلد آخر لزمه النقد المتداول في البلد الذي سافر منها.
قلت هذا قياس مع الفارق؛ لأن العقد إنما انعقد ولزمه بشرطه على
стр. 107
عرف ذلك البلد بخلاف الصوم فلزم عليه بالرؤية في البلد التي هو فيها فإن انتقل إلى آخر لزمه حكم الرؤية فيه؛ لذلك فالوجه المعتمد هو اللزوم.
ويفهم من تعليل فقهاء المذهب أن السبب في هذا الاختيار هو الموافقة لأهل الإسلام في ذلك البلد، ويمكن أن يستدل لهم بالحديث الصحيح عن أبي هريرة وعائشة مرفوعا: ﴿صومكم يوم يصوم الناس وفطركم يوم يفطرون﴾ وقد تقدم.
قال الرملي: (وإذا لم نوجب على أهل البلد الآخر) وهو البعيد (فصار إليه من بلد الرؤية) من صام به (فالأصح أنه يوافقهم) حتما (في الصوم آخرا) وإن كان قد أتم ثلاثين؛ لأنه بالانتقال إليهم صار منهم، وروي أن ابن عباس أمر كريبا بذلك، والثاني يفطر؛ لأنه لزمه حكم البلد الأول فيستمر عليه (ومن سافر من البلد الآخر) أي الذي لم ير فيه (إلى بلد الرؤية)، (عيد معهم) حتما لما مر سواء أصام ثمانية وعشرين بأن كان رمضان ناقصا عندهم أيضًا فوقع عيده معهم في التاسع والعشرين من صومه أم تسعة وعشرين بأن كان رمضان تاما عندهم (وقضى يومًا) إن صام ثمانية وعشرين إذ الشهر لا يكون كذلك، بخلاف ما لو صام تسعة وعشرين فلا قضاء عليه؛ إذ الشهر يكون كذلك.
(و) على الأصح (من أصبح معيدا فسارت سفينته) مثلًا (إلى بلدة بعيدة أهلها صيام) (فالأصح أنه يمسك بقية اليوم) حتما لما مر، والثاني لا يجب إمساكها لعدم ورود أثر فيه، وتجزئة اليوم الواحد بإمساك بعضه دون بعض بعيد، ورد الرافعي الاستبعاد بيوم الشك إذا ثبت الهلال في أثنائه فإنه يجب إمساك باقيه دون أوله ونازع فيه السبكي، وتتصور المسألة بأن يكون ذلك يوم الثلاثين من صوم البلدين لكن المنتقل إليهم لم يروه، وبأن يكون التاسع والعشرين من صومهم لتأخر ابتدائه بيوم" (١).
стр. 108
و رأى فقهاء المذهب اختصاص هذه المتابعة بالصوم (١).
стр. 109
لذلك لو أن هذا الرجل الذي انتقل من بلد فيه عيد إلى آخر فيه صوم فعليه أن يوافق في الصوم البلد الذي انتقل إليه لا في بقية الأحكام المترتبة.
فطرأت هنا نازلتان لهذا الرجل وهما فيما لو كان حاجًا وأحرم برؤية بلده ولما وصل إلى ذلك البلد كانوا صيامًا فإحرامه صحيح؛ لأنه بدأه في شوال.
وكذلك لو جامع أهله في ذلك اليوم وهو صائم فلا كفارة عليه.
قال ابن حجر الهيتمي: "فيصح إحرامه به فيه، وإن انتقل بعده إلى بلد أخرى تخالف مطلع تلك ووجدهم صيامًا على الأوجه؛ لأن وجوب موافقته لهم في الصوم لا يقتضي بطلان حجه الذي انعقد لشدة تشبث الحج ولزومه بل قال في الخادم نقلًا عن غيره لا تلزمه الكفارة لو جامع في الثانية، وإن لزمه الإمساك. قال وقياسه أنه لا تجب فطرة من لزمته فطرته بغروب شمسه" (١).
وقد أورد فقهاء المذهب إشكالات على هذه الصور؛ لأنه إن كان انتقل معيدًا مفطرًا فلا تلزمه الكفارة أصلًا وإن كان انتقل ووصل نهارًا ولم يبيت النية فلا كفارة أصلًا.
ولا تصح إلا في صورة من انتقل ليلة العيد إلى بلد آخر له رؤيته، لكن
стр. 110
هذا مشكل في زمنهم لعدم إمكان ذلك. أما في زمننا فيمكن تصورها بسهولة لذلك حاول بن قاسم تصوير المسألة فقال: "تصوير المسألة بما إذا انتقل في الليلة التي رئي فيها هلال شوال في البلد الأول إلى البلد الثاني فوجدهم لم يروا الهلال وقد بيتوا النية فبيتها معهم فلو جامع في البلد الثاني فلا يبعد عدم وجوب الكفارة؛ لاحتمال كون هذا اليوم يوم عيد في حق المنتقل إليهم" (١).
قلت هذه الإشكالات في هذه النازلة باقية:
صورتها: رجل أحرم ببلد فيه عيد ذاهبا الحج فركب الطائرة ووصل مكة وهم صيام لزمه موافقتهم في الصوم على المذهب ويلزم منه بطلان إحرامه؛ لأن في رمضان وتعليلهم أن الحج شديد اللزوم ليس بينًا؛ لأن كونه شديد اللزوم إنما يصح إن كان في وقته أما إن وصل إلى مكة وهم صيام فقد تبين أنه في غير زمنه فكيف يلزم.
وكيف لا تلزم الكفارة وهو مبيت نية الصوم في بلد صام أهله.
لأنه إما أن يكون هذا اليوم بالنسبة له من رمضان أم لا إن لم يكن فلا يلزمه شيء وإن كان استتبعت جميع الأحكام من كفارة جماع وعدم صحة إحرام وزكاة فطرة.
هذا ما يقتضيه النظر في اطراد العلل وأحكام الشرع. ومسألة الحج هذه في عصرنا قد تقع.
والذي أختاره في الفتوى صحة حجه؛ لأن المختار عندي هو القول بتعميم الرؤية وفاقا لمقابل الأصح في المذهب وللمذاهب الأخرى والجمهور.
لكن يحتاط لنسكه فيجعلها عمرة. ثم اطلعت بعد تقرير هذا على تفنيد
стр. 111
الشبراملسي الشافعي في حاشيته على النهاية قائلًا: "وما ذكره في الكفارة قريب؛ لأنها تسقط بالشبهة، وفي الفطرة يتعين فرضه فيما إذا حدث المؤدى عنه في البلد الأول قبل غروب اليوم الثاني، وإلا فالوجه لزومها؛ لأن العبرة فيها بمحل المؤدي، وأما الإحرام فالذي يتجه عدم صحته؛ لأنه بعد أن انتقل إليها صار مثلهم في الصوم، فكذا الحج؛ لأنه لا فارق بينهما ولا ترد الكفارة لما علمت" (١).
المطلب الخامس: حكم من صلى العصر ثم غربت الشمس وأفطر وركب الطائرة ورأى الشمس
صورة المسألة: توجه شخص إلى المطار عصرًا وأتم إجراءات السفر ثم صلى العصر وقبل الإقلاع سمع صوت المؤذن فأفطر وصلى المغرب وهم على الطائرة ثم أقلعت الطائرة ولما ارتفعت في الجو رأوا الشمس فهل يلزمه إعادة المغرب وقضاء اليوم.
هذه المسألة نازلة معاصرة وواقعة.
والأصل الحاكم لها أن الله وضع التكليف على الاستطاعة الزمانية والمكانية، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وعلق الصلاة والفطر بعلامات ظاهرة هي الشمس غروبًا وتختلف باختلاف المكان.
والتكليف مرتبط بذلك. فمن أدى صلاته في مكانه في وقته المعين شرعًا فقد أدى ما عليه؛ لأن علامات التكليف الشرطية وهو غروب الشمس هنا قد
стр. 112
وقع فعلًا. فإن انتقل إلى مكان آخر لم تغرب فيه الشمس فهل يلزمه إعادة المغرب بعد غروبها وقضاء الصوم؟
لا دليل على عودة التكليف لما يلي:
١ - أن الله -سبحانه- وضع التكليف على الوسع فمن أداه على الوسع فقد أدى ما طلب منه.
٢ - أن التكليف بالصلاة والصوم يقوم على علامات ظاهرة وهي هنا غروب الشمس وهي علامات قاطعة يدخل بها وقت المغرب ويفطر بها الصائم.
٣ - أن إلزام المكلف إعادة التكليف إما أن يكون؛ لأن الأول باطل أو لا.
فإن لم يكن باطلًا كان الثاني ماذا إما أن يكون تكليفا جديدا وهذا لا تدل عليه الشريعة
لأن التكليف بفرائض الصلاة لا يزاد فيه على المرة في يوم.
٤ - أن نهار الصوم ينتهي بالصوم وقد انتهى بيقين وعمل المكلف بما عليه فيه فلا يعود عليه.
والحاصل أنه لا يعيد؛ لأنه إما أن يكون قد أدى فرضه صحيحًا مجزئًا في وقته أم لا، فإن كان فما هو الذي أبطله. حتى يقضي الصوم وحتى يعيد أداء الصلاة.
وقد ذكر قريبًا من هذه المسألة فقهاء الشافعية وافترضوا ذلك.
فظاهر كلام الزركشي أنه يصلي ولا يضر بقاؤها بعد ذلك وظاهر كلام ابن العماد أن الشمس لو غابت ثم عادت عاد وقت صلاة العصر ووجهه الهيتمي ونقل الرملي عن والده إعادة المغرب إن سافر من بلد بعد الغروب لبلد فوصل قبل الغروب قال الرملي: ولو غربت الشمس في بلد فصلى المغرب ثم سافر إلى بلد آخر فوجد الشمس لم تغرب فيه وجب عليه إعادة المغرب كما أفتى به الوالد - رحمه الله تعالى (١).
стр. 113
وقد تعقب الجميع ابن قاسم وهو الصواب؛ لأن التكليف إنما هو على الوسع (١).
المطلب السادس: حكم من في الطائرة والأبراج العالية كيف يفطرون ويصلون وهم يرون الشمس
وأصل هذه المسألة عائد إلى الكليات التكليفية وتنزيلها راجع إلى تحقق الاشتراطات الوضعية التي جعلها الشرع مناطًا لأداء التكليف يوجد بوجوده وينعدم بعدمه وراجع إلى خصوص الأدلة الحاكمة لهذه المسألة، أما الكليات فهو قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] …
стр. 114
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
أما الاشتراطات الوضعية فهي هنا أن الشرع وضع لصلاة المغرب وإفطار الصائم غياب الشمس على وجه العموم. فمتى غربت الشمس أفطر وصلى حيثما كان في أي زمان ومكان، وأما النصوص الخاصة فهي ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وتنزيل ذلك على هذه المسألة نقول:
هذا يختلف باختلاف الأسفار فمنها ما يكون فيه الراكب متوجها إلى الشرق عكس الشمس فسيكون وقته وقت المغرب أسرع؛ لأن الشرق سابق للغرب في الوقت وواجبه هنا أن يلتزم رؤية الشمس كما هي في مكانه وزمانه في الطائرة فمتى غابت عن الرؤية أفطر وصلى على أي بلد كان. ولا عبرة بوقت البلد الذي تمر الطائرة بسمائها؛ لأن التكليف معلق على الغروب في مكان المكلف نفسه لا في مكان غيره ولا من يحاذيه.
فمن أفطر على وقت البلد التي يمر في سمائها مع أنه يرى الشمس من الطائرة فعليه القضاء، أما إن كان متجها إلى الغرب فله حالان:
١ - فإن الوقت سيطول عليه وقد يصل الوقت إلى ٢٠ ساعة، قبل أن يرى غروب الشمس. فيأخذ برخصة الشرع للصائم في الإفطار فإن أبى التزم رؤية الشمس، أما صلاة المغرب فمتعلقة برؤية الشمس.
٢ - إن استمر رؤيته للشمس بدون انقطاع فإنه يجب أن يقدر الوقت تقديرًا على حسب وقت البلد الذي يمر عليه، والدليل على ذلك:
دليل كلي وقياس:
أولا: أما الدليل الكلي: أن التكليف معلق بالاستطاعة وبجريان العادة على وفق الناموس الإلهي وغاية استطاعته هنا هي الصلاة بالتقدير؛ لأن اضطراب العاديات يخرج المكلف من قدرة الأداء على الوجه الطبيعي والعادي. فيجري فيه التكليف بالسعة والطاقة.
стр. 115
ولنا في ذلك نظائر في الشرع فالمريض تسقط عنه بعض الأركان والشروط وصلاة الخوف فيها من الحركات وإسقاط بعض الشروط والأركان من قبلة وركوع وسجود وغير ذلك.
فالشريعة مرنة وواقعية مقصدها الحفاظ على التكليف في كل ظرف من الظروف.
ثانيا: أما القياس فهو على قوله ﷺ في حديث الدجال ﴿اقدروا له قدره﴾ (١).
فأحال الشرع عند اختلال جريان السنن العادية على طبيعتها على التقدير والاجتهاد.
وقد ذهب الزركشي في مسألة إن توقف غياب الشمس فإنه يصلي المغرب في وقته الطبيعي بالتقدير.
قال ابن حجر: وقضية كلام الزركشي خلافه وأنه لو تأخر غروبها عن وقته المعتاد قدر غروبها عنده وخرج الوقت وإن كانت موجودة. ا. هـ (٢).
стр. 116
المبحث الثاني: شرط القدرة وما يتخرج عليه من المسائل والتنزيلات المعاصرة
ومن شروط وجوب الأداء القدرة على الصيام ودليلها كلي معلوم في أصول الفقه كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة (٢٨٦)].
ومن أصول المسألة أن الخطاب في آية الصيام مشروط بالقدرة لذلك لحقت التخفيفات غير القادر كما سيأتي.
والقدرة تنقسم إلى قسمين: قدرة بدنية وخلو عن المانع أما البدنية فأن يكون صحيحًا مقيمًا.
فقد أسقط الله عن المريض الأداء حتى يصح والمسافر حتى يقيم.
وعن العاجز لكبر أو زمانة وألحق بهما المرضع والحامل، أما القدرة الجبلية أو الخلو عن المانع فطهارة من حيض ونفاس، وهذه جميعًا إما عارضة أو دائمة:
فرخص الصوم على هذا نوعان إما دائمة وهي للعاجز وذي الزمانة والنوع الثاني رخص عارضة أو طارئة وهي للمسافر والمريض والحائض والنفساء فلا صيام على حائض ولا نفساء للنص على ذلك في السنة المطهرة.
والكلام في هذا كله في مطالب:
المطلب الأول: المريض والصوم
الأصل الحاكم لهذه المسألة قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ [البقرة (١٧٨)] نص على إسقاط الأداء عنه واسم
стр. 117
المريض أطلق في الآية لمعلوميته في العرف والوضع اللغوي، ويتعلق به مسائل:
المسألة الأولى: من حيث تعلق الحكم به يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أنواع
النوع الأول: المريض مرضًا خفيفًا
وهو ما لا أثر له كوجع الأصبع أو الجرح اليسير فهذا لا يسمى صاحبه مريضا لا لغة ولا عرفًا.
فلا يجوز أن يتعلق بالآية للترخص في هذا النوع لعدم تناولها له.
ولهذا المدرك الفقهي الدلالي اتفق العلماء على عدم جواز الفطر في هذا النوع (١).
فدل أن الآية لا تتناوله؛ لأن ألفاظ القرآن والسنة جارية على عرف العرب واستعمالهم ولا يسمى هذا مريضا عندهم. ولا كذلك في العرف العالمي الجاري على العاديات حتى يومنا هذا.
وورد خلاف نادر في المسألة عن ابن سيرين: فعنطريف بن شهاب العُطاردي: أنه دخل على محمد بن سيرين في رَمضان وهو يأكل، فلم يسأله. فلما فرغ قال: إنه وَجعتْ إصبعي هذه (٢).
قلت بحثت عن صحة هذا النقل عنه لمخالفته لواقع تنزيل النص وإطلاقه فتبين لي أنه ضعيف من طريق العطاردي وهو واه (٣)، ولم أجد له طريقا غيرها ولو صح لم يكن حجة ولم يصح عن الحسن أنه يقول بذلك بل مذهبه أن المريض من لم يستطع القيام في الصلاة وكذا قال النخعي.
стр. 118
النوع الثاني: المرض الذي تتعلق به المشقة
وقد رام العلماء ضبط المرض فجعله مالك على ما يعرفه الناس فقال: الأمر الذي سمع أن المريض إذا أصابه المرض يشق عليه الصيام معه، ويتعبه، ويبلغ منه، فإن له أن يفطر (١).
وكلام العلماء من المذاهب الأربعة وعامة العلماء أنه المرض الذي يحصل فيه مشقة؛ لأن المرض رخص فيه لأجل دفع المشقات والحرج.
وهذه المشقة المرجع في معرفتها إلى المريض نفسه أو العرف الجاري أو خبر طبيب عدل.
فما كان لا يقدر معها على الصوم لإدائها للهلكة أو يقدر لكن بمشقة وتعب.
أو لا يكون تعب ولا مشقة في الصيام، لكن يغلب على ظنه أو يخبره طبيب عدل أن الصيام يضره إما بتأخر شفاء، أو بتجدد مرض، أو زيادته، أو تلف شيء، فهذه كلها مشقات تدخل تحت اللفظ في الآية، وعلى هذا مدار كلام الفقهاء في المذاهب الأربعة وغيرها (٢).
وأما النوع الثالث: فهو الشديد المؤدي إلى التلف:
فهذا واجب الإفطار فيه على ما تقتضيه كليات الشريعة كقوله -تعالى-: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة (١٩٥)]، وبهذا قالت الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية (٣).
стр. 119
قال الشوكاني: ووجوب الإفطار لخشية التلف معلوم من قواعد الشريعة كلياتها وجزئياتها، كقوله تعالي: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ التغابن: ٦]. وفي البخاري: ﴿عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم﴾ (١).
стр. 120
وحفظ النفس واجب ولم يتعبد الله عباده بما يخشى منه تلف الأنفس (١).
المسألة الثانية: مريض السكر
قانون الأسئلة الخمسة التأصيلية الذي عرفناه بالتتبع قانون ضابط للنظر الفقهي، فسؤال الماهية أول سؤال وثانيها الدلالة وثالثها الثبوت ورابعها المعارضة وخامسها الحكم.
وفي سؤال التصور واجب أن يرجع لتحقيق تصوره إلى واقع المسألة كما هي ولا يكون ذلك في مسألتنا إلا بسؤال أهل الخبرة وهم الأطباء العدول المسلمون؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]، وكونه عدلًا يدل له قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، فأوجب التبين في الفاسق فعلمنا أن خبره مردود، والتبين يكون من عدل فسقط خبر الفاسق رأسًا.
لذلك يجب على الفقيه الرجوع إلى أهل الطب في معرفة المرض على وجه كاف لبناء الفتوى والحكم الشرعي ولا يجوز للفقيه أن يفتي في مسائل الأمراض التي قد يترتب عليها ضرر على المريض إلا بخبر الطبيب الثقة الخبير في علمه.
وقد تبين من كلام الأطباء أن مرض السكر له تفصيل كالتالي:
يقسم مرضى السكر إلى فئتين، فئة تستطيع الصوم وأخرى تمنع منه.
الفئة الأولى: مريض السكري الذي يستطيع الصوم.
١ - مريض السكري الكهلي (سكري النضوج) الذي يعالج بالحمية الغذائية فقط.
стр. 121
٢ - مريض السكري الكهلي الذي يعالج بالحمية الغذائية والأقراص الخافضة لسكر الدم: وهذه الفئة تقسم بدورها إلى قسمين:
الأول: المريض الذي يتناول حبة واحدة يوميًّا: يستطيع الصيام عادة، على أن يفطر بعد أذان المغرب مباشرة على تمرتين، أو ثلاث تمرات مع كأس من الماء، وبعد صلاة المغرب يتناول وجبة الدواء ثم يبدأ بالوجبة الرئيسية للإفطار.
الثاني: الذي يتناول حبتين يوميًّا: يستطيع الصوم عادة، على أن يتناول حبة واحدة قبل الإفطار ونصف حبة قبل السحور بدلًا من الحبة الكاملة التي كان يتناولها قبل شهر رمضان.
الفئة الثانية: مريض السكري الذي لا يستطيع الصوم
١ - مريض السكري الشبابي (المريض الذي يصاب بمرض السكري دون الثلاثين عاما من العمر)
٢ - مريض السكري الذي يحقن بكمية كبيرة من الأنسولين (أكثر من ٤٠ وحدة دولية يوميًا)، أو الذين يتعاطون الأنسولين مرتين يوميًّا.
٣ - المريض المصاب بالسكري غير المستقر.
٤ - المريضة الحامل المصابة بالسكري.
٥ - المريض المسن المصاب بالسكري لسنين طويلة، وفي الوقت نفسه يعاني من مضاعفات مرض السكر المتقدمة.
٦ - المريض الذي أصيب بحماض ارتفاع السكر قبل شهر رمضان بأيام، أو في بدايته.
وينبغي التأكيد على الحقائق التالية:
١ - يجب على المريض الذي يصاب بنوبات نقص السكر، أو الارتفاع الشديد في سكر الدم أن يقطع صيامه فورًا؛ لأنه يضطر إلى علاج فوري.
стр. 122
٢ - ينبغي تقسيم الوجبات إلى ثلاثة أجزاء متساوية، الأولى عند الإفطار، والثانية بعد صلاة التراويح، والثالثة عند السحور.
٣ - يفضل تأجيل وجبة السحور قدر الإمكان.
٤ - الحذر من الإفراط في الطعام، وخاصة الحلويات، أو السوائل المحلاة.
وبصفة عامة فإن السماح بالصيام، أو عدمه إضافة إلى تنظيم الدواء وأوقات تناولها يعود إلى الطبيب المعالج دون غيره (١).
والذي يهم الفقيه في تكوين النظر الفقهي ما يلي:
أولا: النظر العام.
١ - أن يكون المريض متضررا من الصوم بخبر طبي موثوق من طبيب عدل فهذا له الإفطار وعليه القضاء؛ لأنه مريض فيدخل تحت عموم الآية.
٢ - من كان مرضه يوجب عليه أن يتناول الحبوب في النهار ويتضرر بتركها فهذا حكمه كالذي سبقه أما إن كان لا يتضرر بتأخيرها إلى الليل بإفادة من طبيب مختص عدل فواجب عليه الصيام لزوال الرخصة، إلا أن الوضع يختلف في حال تضرر بترك علاجه بالحبوب نهارا؛ لأن تناولها عن طريق الفم يفسد الصيام فهذا هو الفرق بين مريض السكر وغيره.
٣ - إن كان علاجه بالإبر فهي لا تفسد صومه ويجوز له أن يستعملها ولو نهارًا إن كان مرضه يسمح له بالصوم ويسمح له طبيبه باستعمالها نهار الصوم.
стр. 123
ثانيا: النظر حسب التفصيل الطبي
أما إن أردنا التفصيل بحسب الحالات التي عينها الأطباء حسب ما تقدم فنقول: إن الصوم متعلق بالاستطاعة وتبين من قرار الأطباء أن مرضى السكر من النوع الكهلي بنوعيه يستطيعون الصيام بلا ضرر عليهم فيلزمهم الصوم.
فإن قيل فلماذا لا يقال بجواز إفطارهم فأقول علق الله الرخصة بالمرض، وهي راجعة إلى العرف الطبي والعرف الشائع فيمن سمي مريضا كان له الإفطار ويقضي.
لكن مريض السكر الكهلي هل يسمى مريضًا ممن يحق له الرخصة الجواب لا يجوز له ذلك؛ لأن مرض السكر كما أفاد الأطباء من هذه الدرجة هو خلل في عمل الأنسولين في الجسم وهذا يعالج بالحمية، أو الحمية مع الحبوب الخافضة وبهذه الإجراءات يكون في حكم الصحيح. فيجب عليه الصيام والالتزام بتوجيه الطبيب.
وأما من النوع الثاني فهو مرض ظاهر يترتب على الصوم في هذه الحالة ضرر بالجسم، فعليه الفطر بل قد يجب في بعض الحالات.
وعليه أن يطعم عن كل يوم مسكينًا؛ لأنه عاجز عن الصوم والقضاء.
المسألة الثالثة: الأمراض المعاصرة والصوم
ما يتعلق بالمفطرات المعاصرة عقدنا لها فصلًا مفصلًا مؤصلًا وليس هو غرضنا هنا.
إنما غرضنا ما بينه الأطباء من الأمراض المعاصرة التي عمت بها البلوى وتأثير ذلك المرض في الإفطار؛ لأن الأمراض المعاصرة توسعت حتى شملت ما يتعايش معه المريض جبلة فلا يسمى كل مرض معاصر مرضا شرعيًا يبيح الفطر للصائم.
فالمرض المقصود هو ما عرف في الوضع والعرف الجاري على
стр. 124
العادات، أو ما أدى إلى ضرر أما الاصطلاح الطبي فهو واسع جدا، فتسمي السمنة مرضا ولا يجوز له الفطر.
وأمراض القلب أنواع وأمراض الكلى والجهاز الهضمي والتنفسي والصرع وأمراض الأذن والعين وأمراض اللثة والأسنان وغير ذلك. ومنها ما يجوز فيها الفطر ومنها ما يجب ومنها ما لا يجوز.
فكل هذه درجات والقول الفصل فيها للطبيب المسلم العدل المختص.
فيجب على المسلم مراجعة الطبيب في ذلك فإن بين له أنه يضرر من الصوم أفطر وعليه القضاء بعد تجاوز مرحلة الضرر.
أما أن يفطر كل مريض لما يسمى مرضًا اصطلاحيًا في الطب فلا يجوز ذلك. (١)
المسألة الرابعة: الصحيح إن خاف المرض
أولا: تأصيل المسألة راجع إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة: ١٨٥] وراجع إلى تحقيق الوصف في النص على الواقع وهو ما يسمى تحقيق المناط.
فلفظ المريض يطلق على المريض فعليًا كما تقدم ضبطه، ولا يشمل الصحيح لو خاف على نفسه المرض فهو اسم حالي لا مآلي والنظر المآلي له أصل آخر.
فمجرد الخوف مستقبلا في وقوع المرض لم يعتبره الشرع في إسقاط التكليف.
والقول به على إطلاقه مؤد إلى إبطال التكليف.
стр. 125
والحاصل:
١ - أن الشرع علَّق الرخصة بوصف واقعي حالي لا بغيره.
٢ - أن تكليفات الشرع كلها جارية على العاديات الطبيعية ولا تؤدي إلى المرض، وإلا لكانت من تكليف ما لا يستطاع.
٣ - أن الصوم له خصوصية صحية أثبتها الطب الحديث فكيف يكون سببًا للمرض.
٤ - في حال كان الصوم يؤدي إلى المرض بتقرير طبي مختص فهي نازلة خاصة معينة لشخص معين فيه اعتلال صحي معين. وعليه فإن كان الخوف من شخص معين مبنيا على تقرير طبيب مسلم عدل بأنه لو صام حصل له المرض فيقال بالرخصة له.
وعلى هذا يحمل كلام الحنفية، والمالكية، والحنابلة (١).
فصرح الحنفية أنه على غلبة الظن لا الوهم (٢) ولهذا قيد الحنفية خوف المريض زيادة المرض، أو بطء برء ونحوه بثلاثة أمور بينة هو غلبة الظن عن أمارة، أو تجربة، أو بإخبار طبيب مسلم غير ظاهر الفسق، وقيل عدالته
стр. 126
شرط، فلو برئ من المرض، لكن الضعف باق وخاف أن يمرض سئل عنه القاضي الإمام فقال: الخوف ليس بشيء (١).
وهكذا في نصوص المالكية كما يفهم من شرطهم وتمثيلهم بتعليق الخوف بالهلاك الشديد والأذي كتعطيل منفعة سمع، أو بصر، أو غيرهما فقالوا: ووجب الفطر لمريض وصحيح (إن خاف) على نفسه بصومه (هلاكا، أو شديد أذى) كتعطيل منفعة من سمع، أو بصر، أو غيرهما لوجوب حفظ النفس (٢).
وهذا لا يكون إلا عن خبر طبيب، أو تجربة. فيعطى حكم المريض.
وكذلك ما جاء في نصوص الحنابلة: "أَوْ كَانَ صحيحًا فَمَرِضَ فِي يَوْمِهِ، أو خَافَ مَرَضًا لأَجْلِ عَطَشٍ، أو غَيْرِهِ" (٣)، فهذا دليل على أن الشخص إن خاف مرضا محققًا، أو ضررًا بينًا بتقرير طبي، أو معلومية شخصية صحيحة منه مبنية على التجربة لا مجرد الخوف المطلق.
وإلا فإنها تخمينات وأوهام فلا نسقط التكليف عن أحد إلا بأمر شرعي.
فهذا المتوهم، أو الخائف ليس ممن شملهم العذر فإن الله قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة: ١٨٥] وهذا يشمل المريض حقيقة لا بما يظن حصوله في المستقبل.
إلا في حال قرر الطبيب الخبير ذلك بما ظهر له من الفحوصات الطبية والإجراءات المعروفة فإنه يتبين حينئذ أن هذا الشخص على خلاف الطبيعة؛ لأن الصوم لا يحصل به مرض عادة؛، وإلا لكان من تكليف ما لا يطاق؛
стр. 127
فمن حصل له به مرض فليس بصحيح؛ بل فيه سبب مرضي كامن يثور بالصوم. فهو كالمريض، وهذا على خلاف الطبيعية العادية (١).
المطلب الثاني: المسافر ووسائل العصر وأثرها في الصوم.
المسألة الأولى: تأصيل الباب
الأصل الذي تبنى عليه أحكام السفر والمتعلقة بالصيام هو النص في الآية وأفعال الرسول ﷺ وصحابته بين يديه سفرا. والإجماع والعرف.
أما النص من القرآن فهو: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا، أو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤].
أما النص من السنة فكثيرة بالغ حد التواتر، فمنها ما رويناه من طريق البخاري، عن ابن أبي أوفى ﵁ قال: ﴿كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال لرجل: انزل فاجدح لي قال: يا رسول الله، الشمس؟ قال: انزل فاجدح لي، قال: يا رسول الله، الشمس؟ قال: انزل فاجدح لي، فنزل فجدح له فشرب، ثم رمى بيده هاهنا، ثم قال: إذا رأيتم الليل أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم﴾ (٢).
تابعه جرير وأبو بكر بن عياش، عن الشيباني، عن ابن أبي أوفى قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، عن عائشة ﵂، زوج النبي ﷺ : ﴿أن حمزة بن
стр. 128
عمرو الأسلمي، قال للنبي ﷺ : أأصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام، فقال: إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر﴾ (١).
عن ابن عباس ﵄: ﴿أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة في رمضان فصام، حتى بلغ الكديد أفطر فأفطر الناس﴾. قال أبو عبد الله: والكديد ماء بين عسفان وقديد (٢).
عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء ﵁ قال: ﴿خرجنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره في يوم حار، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا ما كان من النبي ﷺ وابن رواحة﴾ (٣).
عن جابر بن عبد الله ﵃ قال: ﴿كان رسول الله ﷺ في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه، فقال: ما هذا، فقالوا: صائم فقال: ليس من البر الصوم في السفر﴾ (٤).
وقال: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال:
﴿كنا نسافر مع النبي ﷺ فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم﴾ (٥)، وعن ابن عباس ﵄ قال: ﴿خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بماء، فرفعه إلى يديه ليريه الناس، فأفطر حتى قدم مكة، وذلك في رمضان. فكان ابن عباس يقول: قد صام رسول الله ﷺ وأفطر، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر﴾ (٦).
стр. 129
فهذه النصوص النبوية تبين جواز الفطر في السفر ويتعلق به مسألة الأفضلية وستأتي.
أما من دليل الإجماع: فأجمعوا على أن المسافر سفرًا تقصر فيه الصلاة أن له أن يفطر في السفر إن أهل عليه الشهر في السفر، أو طلع عليه الفجر مسافرًا. (١).
واتفقوا أن من أفطر في سفر، أو مرض فعليه قضاء أيام عدد ما أفطر ما لم يأت عليه رمضان آخر واختلفوا في وجوب قضائه إذا أتى عليه رمضان آخر (٢)
أما العرف: فهو في إطلاق السفر على ماذا يكون.
تقدير آية السفر:
أما النص في الآية فتقديره، أو على سفر (فأفطر) فعدة من أيام أخر.
وهذا التقدير هو ما فهمه أهل اللسان من الصحابة بين يدي النبي ﷺ ، فكان منهم المفطر وكان منهم الصائم في السفر، وهذا يبين أن هذا التقدير قاطع، وإلا لما فعله الصحابة أهل اللسان مع إقرارا الشرع لهم على ذلك.
ولو كان الفرض هو الفطر وإلغاء التقدير لفهمه الصحابة، أو بعضهم، أو جرى فيه خلاف راجع إلى اللسان العربي في فهم النص.
لكن لم يكن من ذلك شيء مما يدل على أن التقدير قاطع وأن هذا كالملفوظ في لسان العرب.
وزعم ابن حزم أن فرض المسافر الإفطار.
ولا تقدير في الآية؛ بل حملها على ظاهرها، وهذا باطل بفعل الصحابة وإقرار النبي ﷺ ، والظاهرية إن تعاملت مع اللغة هكذا أبطلت ما هو معقول من لسان العرب.
стр. 130
وقد استدل ابن حزم على مذهبه بما أخرجه مسلم: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ ﴿أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ. فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ. فَصَامَ النَّاسُ. ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ. حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ. ثُمَّ شَرِبَ. فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ. فَقَالَ: " أُولَئِكَ الْعُصَاةُ. أُولَئِكَ الْعُصَاةُ "﴾ (١)
فسماهم العصاة، وهذا دليل على منع الصوم في السفر.
كما استدل بحديث ﴿ليس من البر الصيام في السفر﴾. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁. قَالَ: ﴿كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سفره. فَرَأَى رَجُلًا قَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ. وَقَدْ ضلل عليه. فقال: "ماله؟ " قالوا: رجل صائم. فقال رسول اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تصوموا في السفر"﴾ (٢).
وادعى أن هذه الأدلة ناقلة عن الأصل فهي ناسخة.
وجوابه إن كانت دعوى النسخ هي ما حركته أن يلغي تقدير الآية فباطل؛ لأن الانتقال إلى دعوى النسخ دليل على ثبوت التقدير قطعيا في الآية بفعل الصحابة السابق الكثير بين يديه ﷺ ؛ بل بفعل النبي نفسه؛ لأنه ثبت عنه الصيام في السفر بالأدلة الصحيحة المستفيضة. إذا تبين هذه فدعوى النسخ لا تكون إلا بحجة ولا حجة فيما ادعاه وإنما قال العصاة لمن امتنعوا من الفطر مع أمره به لعلة مواجهة العدو. كما في النص.
وأما حديث ﴿لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تصوموا في السفر﴾، ففي رجل طاعن في السن أرهقه الصوم في السفر فترتب عليه ضرر بين حتى اجتمعوا عليه وقد ظلل. فيكون الخطاب له ولمن في حالته لا في كل حالة، وإلا لزم أن يقر الصحابة على غير البر.
стр. 131
ويرد مذهبه صراحة حديث أبي سعيد في مسلم أنه صاموا بعد ذلك مع رسول الله ﷺ في السفر ﴿حدثني قزعة. قال: أتيت أبا سعيد الخدري ﵁ وهو مكسور عليه. فلما تفرق الناس عنه، قلت: إني لا أسألك عما يسألك هؤلاء عنه. سألته عن الصوم في السفر؟ فقال: سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام. قال: فنزلنا منزلا. فقال رسول الله ﷺ : "إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم". فكانت رخصة. فمنا من صام ومنا من أفطر. ثم نزلنا منزلا آخر. فقال: "إنكم مصبحوا عدوكم. والفطر أقوى لكم، فأفطروا" وكانت عزمة. فأفطرنا. ثم قال: رأيتنا نصوم، مع رسول الله ﷺ بعد ذلك، في السفر﴾ (١).
المسألة الثانية: ما هو السفر المقصود؟
أما ما يطلق عليه اسم السفر فالقاعدة في هذا وأمثاله أن إطلاقات القرآن التي لم تحدد لا في القرآن ولا في السنة يرجع فيها إلى اللغة، أو العرف.
ولم نجد حدًا في القرآن وأما في السنة فنجد إطلاقات السفر في عدد من النصوص التي لأجلها اختلفت أنظار الفقهاء وليس هذا الباب من التعارض؛ لأن إطلاق اسم السفر على حد لا ينفي ما عداه، وقد تقدم بسط الكلام على معاني النصوص في أحكام السفر.
فمنهم من أخذ بالأقل ومنهم بالأكثر ومنهم من رجع إلى العرف؛ لأن مجرد تسميته سفرًا في نص لا يدل على نفي ما عداه أما من أخذ بالأكثر فسلكوا مسلك الترجيح؛ لأن الترجيح بأكثر ما أطلق في السفر أحوط وهذه طريقة من طرق الترجيح.
أما من أخذ بالأقل؛ فلأن تسمية السفر على هذا الحد ثبت بلفظ شرعي فما صدق عليه اسمه فهو سفر له أحكام السفر.
أما من أخذ بالعرف فادعى أن الأحاديث لم تقصد تحديد ما هو
стр. 132
السفر،؛ بل منها ما هو متعلق بتحديد المحرم في سفر المرأة، ومنها ما وقع اتفاقا من فعله ﷺ أن قصر في مسافة كذا، وليس فيه نفي ما عداه.
ومحل بسط المسألة باب السفر ومسائل العصر من فقه السفر والسياحة.
إذا تبين هذا فلا فرق بين الترخص للمسافر في سفر الطائرة، أو القطار، أو السفينة، إن سمي سفرًا في العرف. فهذا هو تحقيق المناط ولا التفات للمشقة من عدمها لعدم تعليق الشرع الحكم عليها؛ بل على السفر نصًا وعلى هذا اتفاق فقهاء العصر وفتاواهم.
المسألة الثالثة: متى يجوز له أن يأخذ برخصة السفر؟
هذه المسألة مبنية على أصل: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أي حضر، وعلى الاستثناء منه وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا، أو عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وراجعة إلى تحقيق المناط الشرعي في وصف المسافر متى يكون مسافرًا.
وهل إذا طرأ الوصف الشرعي اقتضى العمل بالرخصة أم لا؟
ولهذه المسألة ثلاث صور:
الأولى: من أدركه رمضان في السفر فهذا لا خلاف في الترخص له (١)؛ لأنه لم يشهد رمضان فلم
يدخل في النص وشمله الاستثناء: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾.
الثانية: من سافر ليلًا فأدركه نهار رمضان وقد خرج فهذا لا خلاف كذلك في جواز فطره إلا ما روى عن أبي مجلز وأبي عبيدة السلماني وسويد بن غفلة (٢)، وحجتهم ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وهذا شاهد.
وجوابه أن معنى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ أي كله، أو بعضه فليصمه أي ليصم ذلك الذي شهده بعضا، أو كلا فيشمله هذا النص ومفهومه. ويشمله
стр. 133
الرخصة في ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ لأن الإطلاق لم يقيد بشيء كمل يدل لهذا فعله ﷺ ، فعن ابن عباس، قال: ﴿خرج رسول الله ﷺ عام الفتح في شهر رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر وأفطر الناس﴾. متفق عليه.
الثالثة: من سافر أثناء النهار صائما فهل يجوز له الإفطار.
فهذا حضر بعض يوم وسافر في بعضه فقد طرأت عليه الرخصة كالمريض إذا مرض في نهار رمضان فإنه يفطر بلا خلاف فهل كذلك المسافر أم له حكم خاص به؟.
وهذه المسألة راجعة إلى أصلين:
الأول: تحقيق مناط الوصف الشرعي على الواقع.
والثاني: تعارض الأصول؛ لأن الأصل أن طروء الوصف الشرعي يستتبع الرخصة.
فمن صار مريضًا ترخص ومن صار مسافرا ترخص ومن حاضت ترخصت.
هذا هو القانون الأصلي. فإن عارضه أصل بقاء التكليف قبل طروء العذر فلا يجعل معارضا؛ لأن محله قبل طروء العذر، وعلى تحقيق هذين الأصلين جرى كلام العلماء على مذهبين.
الأول: أنه يفطر كالشخص الذي طرأ عليه المرض فجاز له الفطر ذهب إليه الحنابلة، والشعبى، وإسحاق، وداود، وابن المنذر (١). ولأنه سمي مسافرًا وقد أطلق الشرع النص بلا تفصيل، فعم كل الصور فإخراج صورة منه يحتاج إلى دليل، خاصة وأن نظيره وهو المرض مجمع على عمومه كل الصور.
стр. 134
الثاني: أنه لا يفطر قال به جماعة من العلماء وهم مكحول، والزهري، ويحيى الأنصاري، والأوزاعي، والحنفية ومالك، والشافعي. (١)
وطريق النظر عندهم أنهم قالوا بأن المسافر تعارض في حقة الحظر والإباحة فغلب الحظر وكذلك تعارض حكم السفر وحكم الحضر فغلب الحضر.
والجواب أن المريض كذلك تعارض له الحظر في أول النهار مع الإباحة عند طروء المرض ومع ذلك أجمعوا على الرخصة له.
كما أن تعارض حكم الحضر والسفر قاعدة مستنبطة لم يجمع عليها وليست دليلا فكيف تعارض ظاهر عموم الدليل وإطلاقه. فالقواعد أدنى مرتبة من دلالات النصوص فلا تتقدم عليها، أو تعارض بها كما هو معلوم في باب الموازنات والترتيب بين الأدلة.
كما أنه قد ثبت ما روى عبيد بن جبير، قال: (ركبت مع أبى بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في شهر رمضان، فدفع، ثم قرب غداءه، فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة، ثم قال: اقترب. قلت: ألست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ ؟ فأكل). رواه أبو داود قلت في سنده كليب بن ذهل قال الحافظ مقبول وذكره بن حبان في الثقات وقال الذهبي وثق عن عبيد بن جبير وتفرد العجلي فقال "مصري تابعي ثقة" (٢)، وذكره الفسوي في الثقات (٣)، قلت: مثل هذا لا يقل عن الحسن.
стр. 135
وهو دليل على الأصل أن الصائم إن سافر أفطر والقول بغيره لا حجة بينة عليه.
قال ابن المنذر: قول أحمد صحيح؛ لأنهم يقولون لمن أصبح صحيحًا ثم اعتل: إنه يفطر بقية يومه، وكذلك إذا أصبح في الحضر ثم خرج إلى السفر فله كذلك أن يفطر (١).
وقد ثبت عند الدارقطني قال: حدثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا العباس بن محمد، ومحمد بن أحمد بن الجنيد، قالا: نا روح، ثنا شعبة، عن عمرو بن عامر، قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: قال لي أبو موسى: «ألم أنبأ أنك إذا خرجت خرجت صائما وإذا دخلت دخلت صائما، فإذا خرجت فاخرج مفطرا وإذا دخلت فادخل مفطرا». (٢). قال الحافظ «كلهم ثقات»
قلت يشهد له ما أخرجه في سنن أبي داود بسند حسن، عن منصور الكلبي، أن دحية بن خليفه خرج من قريه من دمشق مرة إلى قدر قرية عقبة من الفسطاط، وذلك ثلاثة أميال، في رمضان، ثم إنه أفطر وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى قريته قال: والله لقد رأيت اليوم أمرا ما كنت أظن أني أراه، إن قوما رغبوا عن هدي رسول الله ﷺ وأصحابه، يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك (٣).
منصور الكلبي لم أجد فيه كلاما سوى قول العجلي: قال العجلي: منصور الكلبي مصري تابعي ثقة، العجلي (٤).
قال أبو عمر رادا على المنع: وليس هذا بشيء،؛ لأن الله -سبحانه- قد
стр. 136
أباح له الفطر في الكتاب والسنة. وأما قولهم لا يفطر فإنما ذلك استحباب لما عقده فإن أخذ برخصة الله كان عليه القضاء، وأما الكفارة فلا وجه لها، ومن أوجبها فقد أوجب ما لم يوجبه الله ولا رسوله ﷺ . وقد روي عن ابن عمر في هذه المسألة: يفطر إن شاء في يومه ذلك إذا خرج مسافرًا، وهو قول الشعبي وأحمد وإسحاق (١).
المسألة الرابعة: أما من أين يفطر المسافر إذا خرج من البنيان وبيان ما يتنزل عليه من فقه العصر
الأصول الحاكمة لهذه المسألة الآية: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا، أو عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٥] وسؤال الدلالة هنا أن ننظر في تحقيق المناط وهو اسم السفر متى يتحقق.
والأصل الآخر ضبط ذلك بالعرف؛ لأن العادة محكمة.
والأصل الثالث أن الفتوى تتغير بتغير العادات والأعراف.
ومن خلال هذه الأصول انطلق الدرس الفقهي في المذاهب الأربعة، والظاهرية.
أما الأربعة فقد اتفقوا في الجملة على أنه لا يأخذ برخص السفر إلا بعد مجاوزة العمران، ثم اختلفوا نوعا ما في تفاصيل ذلك؛ نظرا لاختلاف الأعراف بين البلدان.
وأبرز ما اتفقوا عليه هو مجاوزة العمران وما يتبعه عرفًا ولو تعددت القرى واتصل بناؤها، أو كانت تابعة عرفًا والتبعية تضبط عند كل فريق بما يقضي عرفه.
وأبرز ما اختلفوا فيه نظرا لاختلاف عرف كل منهم: الاختلاف في تبعية
стр. 137
البساتين والمزارع فإن قلنا تابعة اشترط مجاوزتها للمسافر ليترخص، وعلى هذا انقسموا إلى فريقين:
فالمالكية (١)، والحنابلة (٢) جعلوا البساتين والمزارع تابعة، ومعنى التبع
стр. 138
كونها متصلة اتصالًا حقيقيًا،
أو حكميًا والحكمي هو كونها مسكونة ولو بعض العام وأهلها يرتفقون من القرى بخدمات الطبخ والنار والماء ونحو ذلك، هذا عند المالكية، وهو قريب من الحنابلة فإنهم قالوا بأن تسكن ولو بعض العام.
فالإمام مالك اعتبر البساتين المتصلة تابعة والبساتين المنفصلة غير تابعة فلا عبرة بها، ولعل ذلك راجع إلى واقعه في المدينة المنورة وهي أرض بساتين فضبط الأمر بذلك.
بينما نجد الشافعي يقسم البلاد إلى ما له سور، أو شبهه، فهذا كل ما داخل السور يشترط مجاوزته أيا كان أما العمران الذي لا سور له، فيشترط مجاوزة العمران فقط، ولا يشرط مجاوزة البساتين ولا المزارع على المعتمد سواء كانت متصلة أم منفصلة؛ لأنها لا تتخذ للإقامة، وتجد الشافعي يذكر النهر ويجعله تابعا فعلى المسافر أن يتجاوزه ولو كان كبيرا ولعل ذلك راجع إلى الطبيعة المصرية التي خرج فيها فقه مذهبه الجديد (١).
стр. 139
بينما الحنفية يوافقون الشافعية على عدم اعتبار البساتين، لكن لهم
стр. 140
تفصيل مدني آخر حسب المدنية التي كانت في تنظيم العراق فقسموا المدينة إلى عمران وربض لها وهي ما كان تابعا لها لخدماتها اليومية كالمواقف في عصرنا والحدائق والأسواق والميادين العامة.
والقسم الآخر هو فناء المصر، أو فناء المدينة وهي المساحات المنفصلة خارج المدينة لإلقاء التراب، أو لركض الخيل، أو دفن الموتى فهذه منفصلة عن المدينة فلا تعتبر منها إلا إن اتصلت بها (١).
стр. 141
واتفقت المذاهب الأربعة على أن القرى المتصلة ببعض لها حكم القرية الواحدة، ومعنى الاتصال أي: في الارتفاق والخدمات المشتركة.
فأنت ترى أن الخلاف مبني على تلك الأصول الثلاثة.
وخالف ابن حزم الجميع، فمن خرج من قريته، أو محلته ميلا فهو مسافر.
والظاهر أنه يقصد مع نية السفر، وإلا كان عبثا ودليله فعل ابن عمر وهو من أهل اللغة. ومن خرج عن بيوت مدينته، أو قريته، أو موضع سكناه فمشى ميلًا فصاعدًا: صلى ركعتين ولا بد إذا بلغ الميل، فإن مشى أقل من ميل: صلى أربعا؟ (١).
стр. 142
المسألة الخامسة: هل يترخص من بيته؟
وثم مسألة أخرى:
هي: من عزم على الخروج للسفر فهل يسمى مسافرًا ولا يزال في بيته، أم لا بد من الخروج؟
الثاني هو الأصح؛ لذلك لا يقصر الصلاة حتى يخرج، وهو مذهب الكافة من المذاهب والعلماء.
وروي عن عطاء والحسن: أنه يفطر من بيته.
ويدل لهذا القول ما في الترمذي: عن محمد بن كعب، أنه قال: (أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرا، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ قال: سنة ثم ركب.) قال الترمذي هذا حديث حسن، ومحمد بن جعفر هو ابن أبي كثير هو مديني ثقة، وهو أخو إسماعيل بن جعفر، وعبد الله بن جعفر هو ابن نجيح والد علي بن عبد الله المديني، وكان يحيى بن معين يضعفه وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث، وقالوا: للمسافر أن يفطر في بيته قبل أن يخرج وليس له أن يقصر الصلاة حتى يخرج من جدار المدينة، أو القرية، وهو قول إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (١).
قلت: هذا حديث فيه ضعف من جهة الرواية ومن جهة الدراية، أما الرواية: فهو لضعف والد ابن المديني، فمثله لا تقوم به حجة إلا أن الطريق الأخرى تصححه، وأما الدراية: فلأن مثل هذا لا يمكن أن يعدل عن الأصول استدلالا به؛ لأن العدول عن الأصول لا يكون إلا بحجة ثابتة تزحزح عنها، والأصول هنا لا يسمى مسافرًا في اللغة والعرف إلا من خرج من عمران بلده وقد خالفه ابن عمر من الصحابة، قال أبو داود: حدثنا
стр. 143
مسدد، حدثنا المعتمر، عن عبيد الله، عن نافع أن ابن عمر كان يخرج إلى الغابة فلا يفطر ولا يقصر (١)، وهو صحيح موقوف هذا مع شدة متابعة ابن عمر للنبي ﷺ .
ولكن مع هذا إن لم يطعن في الخبر أئمة الشأن فهو بين الدلالة، ثم اطلعت على علة قادحة أعله به أبو حاتم، حاصلها: ورود رواية أصح وأوثق وفيها ليس سنة، فهذا قادح لا تقوم معه حجة.
ففي العلل: وسألت أبي عن حديث رواه عبد العزيز الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن المنكدر، عن محمد بن كعب: أنه أتى أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرًا، فوجده قد رحلت راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلنا: أسنة؟ قال: ليس بسنة.
ورواه محمد بن عبد الرحمن بن مجبر، عن ابن المنكدر، عن محمد بن كعب: أنه أتى أنس بن مالك … فذكر الحديث قال: فقلت: سنة؟ فقال: نعم، سنة.
قال أبي: حديث الدراوردي أصح. (٢)
стр. 144
المسألة السادسة: الخروج إلى الصالة الداخلية من المطار
وفي عصرنا لا يسمى مسافرًا حتى يخرج من المدينة ولو كانت مساحتها كبيرة هذا إن سافر برًا، أما سفر البحر فركوبه السفينة، وأما الجو فإن وصل إلى الصالة الداخلية بعد تمام الإجراءات وختم الجوازات فهذا مسافر له أن يترخص.
المطلب الثالث: أصحاب الرخص الصحية الدائمة
ونقصد بهم العجزة والزمنى مَرَضيًا، أو عمْريًا ممن لا يستطيع الصوم.
المسألة الأولى: الأصول الحاكمة لأحكام أصحاب الرخص.
والأصول الحاكمة للمسائل المتعلقة بهم أصول كلية، وهي قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فالتكليف بالصيام ساقط عنهم؛ لهذا العموم الكلي المحكم، وهذا محل إجماع، وهل عليهم كفارة أم لا؟
هذا يلزم له النظر في معنى قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ … الآية … ﴾ [البقرة: ١٨٤]، من حيث المعنى ومن حيث بقاء الحكم واستمراره، ففيه سؤال الدلالة، وسؤال المعارضة.
أما من حيث بقاء الحكم واستمراره، فالأصل هو الاستمرار حتى يثبت الدليل البين على النسخ.
وعلى الاستمرار يحصل إشكال هو أن الذين يطيقونه إن كان معناه تخيير القادر على الصوم فهذا لا شك في نسخه بمحكم النص الآتي، وهو: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]
وإرجاع النصوص المحتملة إلى محكمات النصوص هو منهج الشريعة والتشريع، وإلا لزم أن قوله -تعالى-: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] يناقض قوله -تعالى-: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ لأن
стр. 145
المعنى في الآيتين على القادر، أحدهما تخاطب القادر ألا يصوم، والثانية تخاطبه بالصوم.
وهذا باطل؛ لأنه لا تناقض في النصوص، فوجب النظر في معنى الآيتين، فما كان لفظه غير بين أرجعناه إلى المحكم البين.
ولفظة: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ محتملة للقادر ولمن عليه مشقة ولكبار السن والعجزة.
ولفظة ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] لا احتمالات فيها؛ بل بينة محكمة في الوجوب. فهي التي عليها العمل.
أما الأخرى فننظر إن كان معناها تخيير الذين يشق عليهم الصوم، ففيه إشكال من جهة أن المشقة تنقسم إلى مؤقتة، كعمال المناجم والطرقات في أيام الصيف الشديد، وإلى دائمة كمثل كبير السن العاجز وبعض مرضى السكر العاجزين عن الصوم.
فالقسم الأول يؤدي إلى رفع الصوم على كل من ادعى المشقة، وهذا غير منضبط ويؤدي إلى إبطال التكليف، وما أدى إلى إبطال التكليف فهو باطل، ولا تعلق أحكام الشريعة على ما يعود عليها بالإبطال.
فتبين أن معنى ذلك هو الزمانة والعجزة ونحوهم.
المسألة الثانية: تحقيق نسخ آية وعلى الذي يطيقونه.
صرح بذلك ابن أبي ليلى عن الصحابة قال البخاري: وقال ابن نمير حدثنا الأعمش حدثنا عمرو بن مرة حدثنا ابن أبي ليلى حدثنا أصحاب محمد ﷺ نزل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينًا ترك الصوم ممن يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] فأمروا بالصوم (١).