← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30079

فقه الصيام ومستجداته المعاصرة

فضل مراد

Полный текст (554 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

واتفقت المذاهب الأربعة على أن القرى المتصلة ببعض لها حكم القرية الواحدة، ومعنى الاتصال أي: في الارتفاق والخدمات المشتركة. فأنت ترى أن الخلاف مبني على تلك الأصول الثلاثة. وخالف ابن حزم الجميع، فمن خرج من قريته، أو محلته ميلا فهو مسافر. والظاهر أنه يقصد مع نية السفر، وإلا كان عبثا ودليله فعل ابن عمر وهو من أهل اللغة. ومن خرج عن بيوت مدينته، أو قريته، أو موضع سكناه فمشى ميلًا فصاعدًا: صلى ركعتين ولا بد إذا بلغ الميل، فإن مشى أقل من ميل: صلى أربعا؟ (١).

стр. 142

المسألة الخامسة: هل يترخص من بيته؟ وثم مسألة أخرى: هي: من عزم على الخروج للسفر فهل يسمى مسافرًا ولا يزال في بيته، أم لا بد من الخروج؟ الثاني هو الأصح؛ لذلك لا يقصر الصلاة حتى يخرج، وهو مذهب الكافة من المذاهب والعلماء. وروي عن عطاء والحسن: أنه يفطر من بيته. ويدل لهذا القول ما في الترمذي: عن محمد بن كعب، أنه قال: (أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرا، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ قال: سنة ثم ركب.) قال الترمذي هذا حديث حسن، ومحمد بن جعفر هو ابن أبي كثير هو مديني ثقة، وهو أخو إسماعيل بن جعفر، وعبد الله بن جعفر هو ابن نجيح والد علي بن عبد الله المديني، وكان يحيى بن معين يضعفه وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث، وقالوا: للمسافر أن يفطر في بيته قبل أن يخرج وليس له أن يقصر الصلاة حتى يخرج من جدار المدينة، أو القرية، وهو قول إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (١). قلت: هذا حديث فيه ضعف من جهة الرواية ومن جهة الدراية، أما الرواية: فهو لضعف والد ابن المديني، فمثله لا تقوم به حجة إلا أن الطريق الأخرى تصححه، وأما الدراية: فلأن مثل هذا لا يمكن أن يعدل عن الأصول استدلالا به؛ لأن العدول عن الأصول لا يكون إلا بحجة ثابتة تزحزح عنها، والأصول هنا لا يسمى مسافرًا في اللغة والعرف إلا من خرج من عمران بلده وقد خالفه ابن عمر من الصحابة، قال أبو داود: حدثنا

стр. 143

مسدد، حدثنا المعتمر، عن عبيد الله، عن نافع أن ابن عمر كان يخرج إلى الغابة فلا يفطر ولا يقصر (١)، وهو صحيح موقوف هذا مع شدة متابعة ابن عمر للنبي ﷺ . ولكن مع هذا إن لم يطعن في الخبر أئمة الشأن فهو بين الدلالة، ثم اطلعت على علة قادحة أعله به أبو حاتم، حاصلها: ورود رواية أصح وأوثق وفيها ليس سنة، فهذا قادح لا تقوم معه حجة. ففي العلل: وسألت أبي عن حديث رواه عبد العزيز الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن المنكدر، عن محمد بن كعب: أنه أتى أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرًا، فوجده قد رحلت راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلنا: أسنة؟ قال: ليس بسنة. ورواه محمد بن عبد الرحمن بن مجبر، عن ابن المنكدر، عن محمد بن كعب: أنه أتى أنس بن مالك … فذكر الحديث قال: فقلت: سنة؟ فقال: نعم، سنة. قال أبي: حديث الدراوردي أصح. (٢)

стр. 144

المسألة السادسة: الخروج إلى الصالة الداخلية من المطار وفي عصرنا لا يسمى مسافرًا حتى يخرج من المدينة ولو كانت مساحتها كبيرة هذا إن سافر برًا، أما سفر البحر فركوبه السفينة، وأما الجو فإن وصل إلى الصالة الداخلية بعد تمام الإجراءات وختم الجوازات فهذا مسافر له أن يترخص. المطلب الثالث: أصحاب الرخص الصحية الدائمة ونقصد بهم العجزة والزمنى مَرَضيًا، أو عمْريًا ممن لا يستطيع الصوم. المسألة الأولى: الأصول الحاكمة لأحكام أصحاب الرخص. والأصول الحاكمة للمسائل المتعلقة بهم أصول كلية، وهي قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فالتكليف بالصيام ساقط عنهم؛ لهذا العموم الكلي المحكم، وهذا محل إجماع، وهل عليهم كفارة أم لا؟ هذا يلزم له النظر في معنى قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ … الآية … ﴾ [البقرة: ١٨٤]، من حيث المعنى ومن حيث بقاء الحكم واستمراره، ففيه سؤال الدلالة، وسؤال المعارضة. أما من حيث بقاء الحكم واستمراره، فالأصل هو الاستمرار حتى يثبت الدليل البين على النسخ. وعلى الاستمرار يحصل إشكال هو أن الذين يطيقونه إن كان معناه تخيير القادر على الصوم فهذا لا شك في نسخه بمحكم النص الآتي، وهو: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وإرجاع النصوص المحتملة إلى محكمات النصوص هو منهج الشريعة والتشريع، وإلا لزم أن قوله -تعالى-: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] يناقض قوله -تعالى-: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]؛ لأن

стр. 145

المعنى في الآيتين على القادر، أحدهما تخاطب القادر ألا يصوم، والثانية تخاطبه بالصوم. وهذا باطل؛ لأنه لا تناقض في النصوص، فوجب النظر في معنى الآيتين، فما كان لفظه غير بين أرجعناه إلى المحكم البين. ولفظة: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ محتملة للقادر ولمن عليه مشقة ولكبار السن والعجزة. ولفظة ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] لا احتمالات فيها؛ بل بينة محكمة في الوجوب. فهي التي عليها العمل. أما الأخرى فننظر إن كان معناها تخيير الذين يشق عليهم الصوم، ففيه إشكال من جهة أن المشقة تنقسم إلى مؤقتة، كعمال المناجم والطرقات في أيام الصيف الشديد، وإلى دائمة كمثل كبير السن العاجز وبعض مرضى السكر العاجزين عن الصوم. فالقسم الأول يؤدي إلى رفع الصوم على كل من ادعى المشقة، وهذا غير منضبط ويؤدي إلى إبطال التكليف، وما أدى إلى إبطال التكليف فهو باطل، ولا تعلق أحكام الشريعة على ما يعود عليها بالإبطال. فتبين أن معنى ذلك هو الزمانة والعجزة ونحوهم. المسألة الثانية: تحقيق نسخ آية وعلى الذي يطيقونه. صرح بذلك ابن أبي ليلى عن الصحابة قال البخاري: وقال ابن نمير حدثنا الأعمش حدثنا عمرو بن مرة حدثنا ابن أبي ليلى حدثنا أصحاب محمد ﷺ نزل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينًا ترك الصوم ممن يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] فأمروا بالصوم (١).

стр. 146

وبالنسخ قال ابن عمر كما أخرجه البخاري، قال حدثنا عياش: حدثنا عبد الأعلى: حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: ﴿قرأ: ﴿فدية طعام مساكين﴾ قال: هي منسوخة (١) ومثله أو أصرح منه: ﴿عن سلمة بن الأكوع ﵁، قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها"﴾ (٢). وفي رواية لمسلم: ﴿كنا في رمضان على عهد رسول الله ﷺ ، من شاء صام ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين﴾، حتى أنزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فهذه الرواية صريحة وأنها كانت أول الأمر، ثم نسخت، ومن علم حجة على من لا يعلم. قال الحافظ: "قوله في حديث بن الأكوع لما نزلت ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] فدية إلخ، هذا أيضًا صريح في دعوى النسخ، وأصرح منه ما تقدم من حديث بن أبي ليلى" (٣). فالنقل الصريح عن الصحابة أنها كانت في أول الأمر رخصة للقادر على الصيام أن يفطر ويطعم، أما العاجز فلم يذكر أصلًا؛ لأنه لا تكليف عليه. فكيف يقال إن العاجز كان يفدي، وهو أصلًا غير داخل في خطاب التكليف؟ إنما كان التخيير للقادر على الصيام. يدل لهذا تصريح ابن عباس بسند صحيح في السنن والمنتقى: «عن ابن عباس، ﵄ قال: رخص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة في ذلك وهما

стр. 147

يطيقان الصوم أن يفطرا إن شاءا أو يطعما كل يوم مسكينا ولا قضاء عليهما ثم نسخ ذلك في هذه الآية ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥] وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان الصوم والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكين». (١) واتفقت الروايات على النسخ؛ لأن رواية ابن عمر وابن أبي ليلى صرحت بذلك ورواية ابن عباس قال الخطابي: "مذهب ابن عباس في هذا أن الرخصة مثبتة للحبلى والمرضع، وقد نسخت في الشيخ الذي يطيق الصوم فليس له أن يفطر ويفدي" (٢). وبهذا يتبين عدم التعارض وأن النسخ متفق عليه في الروايات. ولا يشكل عليه ما جاء عن ابن عباس صراحة بعدم نسخها (٣)، وصراحة بنسخها (٤) وبقاء حكم العاجز، والجمع بينهما أن النسخ كان على الشيخ

стр. 148

الكبير القادر على الصيام، أما الشيخ الكبير الذي لا يقدر وكذلك الحامل والمرضع فيطعمان. وهذا ما دلت عليه رواية البيهقي. ويبقى من أين استنبط ابن عباس بقاء حكم العاجز غير القادر والمرضع والحامل؛ لأن النص لا يدل عليه دلالة لغوية حتى على قراءة يطوقونه أي: يتجشمونه، كما فسرها ابن عباس. لأن هذه القراءة دليل أنها كانت على من استطاع الصيام، لكن بمشقة والكبير الذي لا يقدر على الصيام أصلًا غير داخل في هذا. وليس هناك دليل أن ابن عباس أخذ ذلك من رسول الله ﷺ ؛ بل هو اجتهاد منه. وفي مثل هذا الاختلاف مع عدم النقل، ولا الإجماع على المجتهد أن يرجع إلى الأصول والمحكمات لبيان النص والبناء عليه هو المسلك البين. المسألة الثالثة: والحاصل أن الناس في التكليف بالصيام على أربعة أقسام: ١ - القادر عليه بلا مشقة. ٢ - القادر عليه بمشقة. ٣ - المريض والمسافر. ٤ - العاجز عنه مطلقًا. أما الأول والثاني فقد نسخت الرخصة لهم، وهو ما اتفقت عليه الروايات عن الصحابة، من حديث ابن أبي ليلي وعن سلمة ابن الأكوع وابن عمر، وأما المريض والمسافر فهو منصوص عليه في الآيتين. وأما الرابع وهو العاجز عنه مطلقًا، فهذا لم يتعرض له النص لا قبل النسخ، ولا بعده.

стр. 149

وهو داخل تحت الحكم الكلي ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وما كان كذلك فلا صوم عليه، ولا قضاء، ولا كفارة، وهذا ما أختاره. وللفقهاء اختلاف كثير هنا؛ نظرًا لمنهجية كل فقيه في التعامل مع النص وأبرز ذلك مذهبان: فمنهم من قال الآية لم تنسخ كلية وهو أبو حنيفة (١)، والشافعي وأحمد (٢). وقالوا بموجبها في بعض صورها فحملوا قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] .. على العاجز عن الصيام والمسن العاجز والحامل والمرضع. فأبو حنيفة والشافعي وأحمد تابعوا أثر ابن عباس في الشيخ الكبير في الإفطار والفدية. أما مالك فكأنه رأى أن الآية منسوخة كلية وحكم العاجز أنه لا تكليف عليه، ولا إطعام ولكنه استحبه لفعل أنس ففي الموطأ: "عن مالك أنه بلغه أن أنس بن مالك كبر حتى كان لا يقدر على الصيام فكان يفتدي، قال مالك، ولا أرى ذلك واجبًا، وأحب إلي أن يفعله إذا كان قويًا عليه فمن فدى فإنما يطعم مكان كل يوم مدًا بمد النبي ﷺ " (٣).

стр. 150

المسألة الرابعة: ما تردد في إلحاقه بنوع منصوص وهم الحامل والمرضع والمغمى وتحرير المقام رواية ودراية. وأما ما تردد إلحاقه بنوع منصوص فهو الحامل، والمرضع، والمغمى عليه، فهذه الأنواع غير منصوصة بأعيانها، لكن بأوصافها. أولا: الحامل والمرضع. فالحامل والمرضع إن خافتا على أنفسهما من الصوم فهما في حكم المريض؛ لأنه إما أن يترتب عليه ضرر بها، أو على رضيعها، أو جنينها فإن كانت الضرر عليها فلها حكم المريض فتفطر وتقضي. أما إن كان على الرضيع، أو الجنين فالحفاظ على النفس مقدم على عين العبادة المفروضة التي لها بدل. ولذلك رخص في قول كلمة الكفر لمن أكره حفاظًا على النفس؛ لأنه حال الإكراه لا حكم له حقيقة، فكأنه في الحقيقة محافظ على مقصدين، مقصد النفس، ومقصد الدين؛ لأن قلبه مطمئن بالإيمان، فلا أثر للإكراه. والصوم هنا له بدل لأهل الأعذار من سفر ومرض، وهذا العذر يوجد أولى منه في مسألة المرضع والجنين إن وقع عليهما ضرر فوجب دفعه عنه وتقضي. هذا ما أختاره في المسألة. وفي المسألة مذاهب استوفاها ابن عبد البر وابن بطال. الأول: القضاء والإطعام إن خافت على نفسها وولدها أفطرت وأطعمت عن كل يوم مسكينًا، فإذا فطمت ولدها قضته، وهو قول مجاهد، وبه قال الشافعي وأحمد. الثاني: عليهما الإطعام، ولا قضاء، وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن جبير، والظاهرية (١).

стр. 151

الثالث: عكسه وهو أن عليهما القضاء، ولا إطعام عليهما، وجعلوهما بمنزلة المريض، وهو قول عطاء، والنخعى، والحسن، والزهري، وربيعة، والأوزاعي، وأبى حنيفة، والثوري، وروى ابن عبد الحكم عن مالك مثله، ذكره ابن القصار، وهو قول أشهب. الرابع: فرقوا بين الحبلى، والمرضع، فقال في الحبلى: "هي بمنزلة المريض تقضى، ولا إطعام عليها، والمرضع تطعم وتقضى"، هذا قول مالك في المدونة، وهو قول الليث. (١)

стр. 152

وإنما اختلفوا هذا الاختلاف نتيجة لاختلاف نظرهم وتأويلهم للآية. - فمن قال بالإطعام فقط قال لم يذكر في الآية غيره فلا تكليف عليها. - ومن قال به وبالقضاء قال لها حكم المريض وحكم: ﴿الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ فأخذ حكمًا من كل آية حتى يخرج من العهدة بيقين. - وأما من رأى القضاء فقط فقال: هي كالمريض والآية السابقة منسوخة. - ومن فرق رأى أن الحامل كالمريض فعليها القضاء، أما المرضع فلها شبه من آية المرض وشبه من آية الذين يطيقونه (١). فالشافعي تابع ابن عمر، وابن عباس في فتواه، وهي الإطعام، ثم استنبط القضاء من النص الآخر، كما بين ذلك البيهقي ﴿أنا الربيع بن سليمان، أنا الشافعي، أنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها، قال: تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكينًا مدًا من حنطة. زاد أبو سعيد في روايته: قال الشافعي: قال مالك: وأهل العلم يرون عليها مع ذلك القضاء. قال مالك: عليها القضاء؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا، أو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]﴾ (٢). قال البيهقي مبينا هذه المنهجية: فالفدية وجبت بقول ابن عمر، وابن عباس ﵄، والقضاء واجب بقوله : ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا، أو عَلَى سَفَرٍ

стр. 153

فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وبإجماع من بعدهما على وجوب القضاء على الحامل، والمرضع (١). وأشهر أقواله: أنهما إن خافتا على أنفسهما فقط، أو مع ولديهما أنهما تقضيان، ولا فدية، والعلة أنه مرض في هذه الحالة. وأما إن خافتا على ولديهما فقط فتقضيان؛ لأنه فطر بعذر مع استطاعة القضاء أشبه المريض. أما الفدية فله أقوال: تجب عليهما، تجب على المرضع، مستحبة، ووجه الاستحباب أنه فطر بعذر كالمريض فلا وجوب. (٢) أما أبو حنيفة فقال عليهم القضاء فقط؛ لأن الآية منسوخة. أما مالك فله روايات ففي حالة إن خافتا على ولدهما، أشهرها أن

стр. 154

الحامل كالمريض، وصرح بهذا التشبيه في الموطأ فتقضي فقط، أما المرضع فتقضي وتطعم. وله قول أنهما يقضيان فقط، وقول أنهما يطعمان فقط، أما حال الخوف على أنفسهما فله قول واحد، هو القضاء عليهما بلا خلاف بين أهل المذهب (١). وأنت ترى هذه الاختلاف الكثير حتى في أقوال الإمام الواحد؛ نظرًا لعدم الدليل البين في ذلك، وإنما هو تشبيه، وإلحاق، ومحاولة للعمل للجمع بين الأصول. حتى قال ابن عبد البر: "قال أبو عمر الاحتجاج بهذه الأقوال يطول وقد أكثروا فيها والصحيح في النظر - والله أعلم - قول من قال إن الفدية غير واجبة على من لا يطيق الصيام؛ لأن الله تعالى لم يوجب الصيام على من لا يطيقه؛ لأنه لم يوجب فرضًا إلا على من أطاقه والعاجز عن الصوم، كالعاجز عن القيام في الصلاة، وكالأعمى العاجز عن النظر لا يكلفه، وأما الفدية فلم تجب بكتاب مجتمع على تأويله، ولا سنة يفقهها من تجب الحجة بفقهه، ولا إجماع في ذلك عن الصحابة، ولا عن من بعدهم والفرائض لا تجب إلا من هذه الوجوه والذمة

стр. 155

بريئة قالوا أحب أن لا يوجب فيها شيء إلا بدليل لا تنازع فيه، والاختلاف عن السلف في إيجاب الفدية موجود والروايات في ذلك عن بن عباس مختلفة وحديث علي لا يصح عنه وحديث أنس بن مالك يحتمل أن يكون طعامه عن نفسه تبرعًا وتطوعًا، وهو الظاهر في الأخبار عنه في ذلك" (١). قلت: وأما الحديث الذي أخرجه أحمد: ﴿عن أنس بن مالك رجل من بني عبد الله بن كعب قال: أغارت علينا خيل رسول الله ﷺ فأتيته وهو يتغدى، فقال: " ادن فكل " قلت: إني صائم. قال: " اجلس أحدثك عن الصوم، أو الصائم، إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل، والمرضع الصوم، أو الصيام "، " والله لقد قالهما رسول الله ﷺ كلاهما، أو أحدهما، فيا لهف نفسي، هلا كنت طعمت من طعام رسول الله ﷺ "﴾ (٢) فهو حديث مضطرب سندًا ومتنًا، ولا تطمئن النفس لمثله في الأحكام. ثانيا: حكم فاقد الوعي لمدة طويلة بسبب حادث، أو غيره: أما حكم فاقد الوعي في الصوم فنقول إن الشريعة لما فصلت التكليف في الصيام بينت أهل الأعذار، وحصرتهم في المريض والمسافر: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا، أو عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٥].

стр. 156

وعلى هذين النوعين كان مدار اجتهاد العلماء في الإلحاق، فإن لم يجدوا ذلك في النص أرجعوها إلى الأصول الكلية. فالشيخ الفاني الذي يعجز عن الصوم البتة لا يشمله وصف المريض؛ لأن عذر المريض مؤقت، فأرجعوه إلى الأصول الكلية في عدم التكليف، وهو قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة (٢٨٦)]، وهذا بإجماع. والفقهاء ملاذهم الأصول الكلية في عموم الشريعة عند عدم النص الخاص؛ لأن كليات الشريعة تعتبر حاكمة على كافة أبوابها. وألحقوا الحامل، والمرضع إن خشيتا على نفسيهما بالمريض في وجوب القضاء، والضرر (المرض) المتوقع هنا إما بالتجربة، أو قول الطب لا بمجرد الوهم. ثم التقطوا من النصوص الكلية رخصًا لمن لحقت به مشقة بالغة في نفسه، أو ماله من العموم الكلي في قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ، ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. ولما كان الباعث الحقيقي في الترخيص للمريض والمسافر هو دفع المشقة عنه، علق ذلك الحكم بمجرد السفر والمرض؛ لأنهما مظنة لحصول المشقة؛ ولأن التعليل بهما منضبط. لكن إن وجدت المشقة الظاهرة الغالبة التي هي سر التكليف وحكمته وباعثه بدون هذين الوصفين فهل يترخص، أم لا؟ فمنهم العامل إن خشي الهلاك بالصوم والمقاتل إن خشي الضعف للقاء العدو أفطرا ولو في الحضر (١).

стр. 157

وذكر فقهاء الشافعية من لحقته المشقة لنحو حصاد، أو بناء، أو توقف كسبه المضطر إليه بسبب الصوم للمشقة البالغة، أو كسب من يعول وتعذر العمل ليلًا، أو كان لا يكفيه بأن يتلفه، أو يؤدي لنقص فاحش (١). كل هذه الصور ترخص له الفطر والعلة ما بينا لك، وهو دفع المشقة الشديدة المتلفة للنفس، أو المال، أو العضو. المسألة الأولى: إذا تبين هذا، فإن مسائل المغمى عليه مبنية على تحقيق المناط، كما يلي: ١ - فهو إما أن يكون مريضًا فنلحقه بالنص، أو يكون في حكم النائم، أو المجنون، وللفقهاء في المغمى عليه اجتهادات تدور كلها حول تحقيق المناط، وهو المرض وتنزيله على المغمى عليه؛ لهذا أجمعوا على أن المغمى عليه إن طال فوق اليوم أنه يقضي؛ لأنه مريض، وهذا من تحقيق المناط. إلا الحسن فإنه قال ليس عليه شيء (٢). قال الطبري: وقد أجمع الجميعُ على أن من فقد عقله جميع شَهر الصوم بإغماء، أو بِرْسام، ثم أفاق بعد انقضاء الشهر، أن عليه قضاءُ الشهر كله. ولم يخالف ذلك أحدٌ يجوزُ الاعتراضُ به على الأمة. وإذ كان إجماعًا، فالواجب أن يكون سبيلُ كل من كان زائلَ العقل جميع شهر الصوم، سبيلَ المغمى عليه (٣).

стр. 158

قلت: خالف في هذا أئمه كبار مجتهدون كإسحاق وداوود الظاهري، وهو مروي عن الحسن البصري (١)، وهو مروي عن مالك فيمن طال فوق الخمس قال ابن حبيب: قال المدنيون من أصحاب مالك: إنما يقضي الصوم في مثل خمس سنين ونحوها، فأما عشر، أو خمس عشر فلا قضاء عليه، وذكره عن مالك (٢). والخلاف كذلك عند الحنابلة في رواية لا يلزمه القضاء (٣)، ومن الشافعية

стр. 159

قال ابن سريج لا قضاء عليه، مطلقًا قلَّ أم كثُر، حتى لو أطبق عليه طوال الشهر، ووافقه صاحب الحاوي، وصحح المزني صومه إن نوى، ثم أغمي عليه إلى المغرب، ثم أفاق. (١)، وهو القول الأول لأبي محمد بن حزم وذكره

стр. 160

ابن حزم عن عبيد الله بن الحسين أنه لا قضاء على المجنون، ولا المغمى عليه وقد رجع ابن حزم إلى القول بأنه مريض يجب عليه القضاء (١).

стр. 161

المسألة الثانية: في صحة صوم من أغمي عليه وأفاق في لحظة من النهار فمنهم من قال بعدم صحته، وهو مالك (١). وقد اضطربت أقوال المالكية اضطرابا كثيرًا في ذلك فقهًا واستدلالًا. وأنقل إليك نصوصهم وتعليلهم، ثم أبين ما يرد عليها، ولكنها مع اختلافها تدل على عظمة المدرسة المالكية، وحرية الاجتهاد والنظر، وكانت هذه سنتهم إلى القرن الخامس، ثم اضمحلت إلى خليل، ثم انتهت بعده، أو كادت. جاء في الجامع لمسائل المدونة: "ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أغمى عليه ليلًا في رمضان وقد نوى صوم ذلك اليوم فلم يفق إلا عند المساء، أو بعد ما أضحى لم يجزئه صوم ذلك اليوم ويقضيه. إنما قال ذلك؛ لأن الإغماء معنى ينافي التكليف فخرج من وجد به أن يكون من أهل النية، فإذا أفاق وجب عليه قضاء ما أغمي عليه فيه، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: أن لا قضاء عليه. دليلنا أن الإغماء مرض منعه الصوم، فوجب عليه قضاؤه؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيضًا، أو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أيام أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ولأنه مسلم عرض له ما منع انعقاد، صومه فلزمه قضاؤه عند زواله، كالحيض. قال ابن القاسم: وبلغني عن بعض من مضى من أهل العلم أنه قال: من أغمي عليه قبل الفجر فلم يفق إلا بعده لم يجزئه صومه، وهو بخلاف النائم؛ لأنه لو نام قبل الفجر فانتبه عند الغروب أجزأه صومه، ولو كان ذلك إغماء لمرض به لم يجزئه صومه م والفرق بينهما أن النوم أمر لازم لنا، فلو لم يجز

стр. 162

الصوم إلا من كان منتبهًا قبل الفجر إلى ما بعده لأدى ذلك إلى الحرج، والله تعالى رفعه عنا، والإغماء غير ملازم، وإنما هو أمر طارئ فافترقا؛ ولأن المغمى عليه غير مكلف فلم تصح له نية، والنائم مكلف؛ لأنه لو نبه لانتبه. قال ابن القاسم: "وإذا أفاق المغمى عليه بعد أيام لم يجزئه صوم يوم إفاقته؛ لأنه لم يبيت الصوم". قال مالك: "وإن أغمي عليه بعد أن أصبح ونيته الصوم فأفاق نصف النهار، أو أغمي عليه وقد مضى أكثر النهار أجزأه صوم ذلك اليوم. قال: وإن أغمي عليه قبل طلوع الشمس فأفاق عند الغروب لم يجزئه صومه؛ لأنه أغمي عليه قبل طلوع الشمس أكثر النهار". وقال أشهب: "هذا استحسان، ولو اجتزأ به ما عنف". وقال ابن نافع في غير المدونة: "يجزئه صومه". قال ابن حبيب: وقاله مطرف وابن الماجشون. وهو أصوب. قال ابن الماجشون: "والإغماء الذي يفسد به الصوم من يغمى عليه قبل الفجر ويفيق بعده، إنما ذلك إذا تقدمه مرض، أو كان بإثره متصلًا، وأما ما قل من الإغماء ولم يكن لمرض فهو كسكر، أو نوم، فلو طلع عليه الفجر، وهو كذلك، ثم تجلى عنه أنه يجزئه صومه. وقال ابن سحنون عن أبيه: لا ينظر في ذلك إلى المرض، وكذلك قال ابن القاسم وأشهب. وهو أصوب؛ لأنه خرج من حد التكليف. وقال محمد بن عبد الحكم: القليل من الإغماء والكثير سواء، وعليه القضاء وإن كان بعد العصر. إنما يفسد صومه عدم النية فإذا صحت نيته لم يفسد صومه ولو أغمي عليه نهاره كله، كمريض في نهار رمضان لم يأكل ولم يشرب فإنه يجزئه صومه.

стр. 163

ووجه قول ابن عبد الحكم: أن الإغماء معنى يمنع انعقاد الصوم فيه، فوجب أن لا يفترق قليله من كثيرة أصله الحيض. ومن المدونة قال مالك: ومن بلغ، وهو مجنون مطبق فمكث سنين، ثم أفاق فليقض صوم تلك السنين، ولا يقض الصلاة، كالحائض، ولم يختلف فيها. م وأيضًا: فإن الله تعالى إنما خاطب بالصلاة ذوي العقول، فقال تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] والإيمان هو الإخلاص، فلما كان المجنون لا يفهم الإخلاص فكأنه غير مخاطب بالصلاة، وأما الصيام فوجب عليه قضاؤه؛ لأنه كالمريض. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا، أو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيام أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وكذلك القول في المغمى عليه، وهما بخلاف النائم؛ لأن النائم يستطاع إنباهه في وقت الصلاة فتوجه عليه الخطاب، ولا يستطاع إزالة الجنون والإغماء فانتفى عنهما التكليف في تلك الحال. وقال ابن حبيب: قال المدنيون من أصحاب مالك: إنما يقضي الصوم في مثل خمس سنين ونحوها، فأما عشر، أو خمس عشر فلا قضاء عليه، وذكره عن مالك (١). وحاصل الأقوال: ١ - أن النية لازمة قبل الفجر، فإن أغمي عليه إلى الفجر بطلت وعليه، فإن أفاق بعد الفجر، أو الضحى، أو أي جزء من النهار فلا صوم له، وهذا قول ابن القاسم. ٢ - ولابن الماجشون قول آخر هو أن الإغماء اليسير قبل الفجر، ثم أفاق بعد طلوعه فصومه صحيح. ٣ - من أغمي عليه بعد الفجر أكثر النهار فلا صوم له مطلقًا، وهذا من

стр. 164

منصوص مالك وخالفه أشهب وابن نافع ومطرف وابن الماجشون. فقالوا بالإجزاء. ٤ - وقال محمد بن عبد الحكم: القليل من الإغماء والكثير سواء، وعليه القضاء وإن كان بعد العصر. أما القضاء، فإن المجنون والمغمى عليه يقضيان الصوم لا الصلاة ولو سنين كما قال مالك، وثم رواية مدنية عنه أن الخمس يقضيها بخلاف ما فوقها كعشر سنين فلا قضاء. علل هذا الأقوال ومبناها الفقهي: اعتمدت هذه الأقوال على ثلاثة أصول: أصل كلي، وهو قوله تعالى: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩] وأصل كلي من السنة وهو: ﴿إنما الإعمال بالنيات﴾، وأصل من السنة جزئي، وهو حديث تبييت النية، فركن الصوم النية ليلًا. فإن ورد عليها ما يبطلها بطل الصوم ويبطلها ذهاب العقل بجنون، أو إغماء. وعلى هذا الأصل كان يتعين أن من أغمي عليه بعد الفجر قليلًا، أم كثيرًا فقد بطلت نيته، فكيف يكون زوال العقل مبطلًا في حال وغير مبطل في حال آخر؟! لذلك ذهب مطرف وابن الماجشون وأشهب وابن نافع إلى الصحة مطلقًا إن كان الإغماء بعد الفجر سواء كثُر، أم قلَّ؛ لأن التفريق لا معنى له فإما أن نقول بالبطلان مطلقا؛ لأن النية بطلت بعارض زوال العقل، وهو كما هو مذهب ابن عبد الحكم، وإما أن نقول صحت منه قبل الفجر فلا يضر زوالها بعده مطلقا.

стр. 165

وأما القضاء فلهم أصلان: الأول: عموم آية المرض في الصيام، والجنون والإغماء مرض، ولكن يرد عليهم أن المريض يصح صومه لو صام بإجماع. وهم لا يصححون صوم المريض بإغماء، أو جنون. فقد وجدت العلة ولم يوجد الحكم فدل على عدم بطلانها. الثاني: القياس على الحيض، فإنه مانع للصحة وعليه يجب قضاء الصوم، ولا يجب قضاء الصلاة. ويرد عليه أن الحيض إن ورد بعد الفجر مباشرة، أو بعد نصف النهار، أو قبل المغرب فصومها باطل، وأنتم لا تقولون بذلك في المغمى والمجنون. وهذا نوع من القياس الشبهي، وهو هنا ضعيف؛ لأنه شبه صوري مجرد فالحائض ورد عليه مانع الحيض، فأبطل العبادة مع كمال عقلها ووجود نيتها الصحيحة وكل قواها. فما هو وجه الشبه بينها وبين المغمى سوى أن الحيض مانع بالنص، وهذا مانع بالاجتهاد. والحقيقة لا وجه مناسب كما أن مانع الحيض لا يناسب المنع من الصلاة ورفعها بالكلية بدليل المستحاضة وبدليل المحدث بغائط، أو بول مثلًا فهو مع خبثه يبطلها لبطلان الوضوء ولكن لا يرفعها. وكذلك المستحاضة لا ترفع استحاضتها الصلاة، ولا الصوم. فهو أمر تعبدي لذلك قالت عائشة -منكرة على السائلة التي تطلب الفرق-: "أحرورية أنت كنا نؤمر بقضاء الصوم لا الصلاة". أي فهو معنى تعبدي؛ لذلك تزلزلت الأنظار واختلفت.

стр. 166

المسألة الثالثة: وهي من نوى من الليل وأغمي عليه قبل طلوع الفجر إلى الليل فهل صومه صحيح وهذه المسألة من نوع المسائل التي ينحصر عمل المجتهد فيها على تحقيق المناط. فإن الصيام له ركنان: الأول النية، الثاني الإمساك. فهل يصدق على المغمى عليه في هذه المسألة أنه حقق ركن الإمساك، أم لا؟. الظاهر أنه يصدق عليه ذلك، ولنا نظير مجمع عليه، وهو النائم. ودعوى الفرق غير بينة، فإن المغمى عليه كالنائم والفارق المدعى أن النوم ينتبه منه غير مؤثر؛ لأن أكثر الإغماء ينتبه منه بنوع تنبيه عادي أو طبي. ومنه طويل لا يتنبه معه حتى للأطباء. ولا يمكن قياسه على المجنون؛ لأن المجنون بكامل قواه سوى ذهاب العقل، وهو مناط التكليف. فمن جن فهو غير مخاطب أصلًا، ولا نية له، ولا تعبد؛ لأنه يأتي بما يناقض العبادة، فإن صلى فلا يتحرز من مبطل وكذلك الصوم. بخلاف النائم، فإن صومه صحيح بإجماع؛ لأنه نيته صحت قبلا وزوال عقله بالنوم لا يبطلها بإجماع أهل الملة من الصحابة ومن بعدهم؛ لأن النوم من أصل الصحة الطبيعة في الخلق كما أنه لا يزاول أي مبطل من أكل، ولا شرب، ولا جماع. وأما الإغماء فهو مرض والشريعة تصحح عبادة المريض إن عملها فمن نوى الصيام، ثم أغمي عليه فلا دليل على البطلان البتة؛ لأن ذهاب العقل مؤثر في المجنون. والنائم والمغمى لا يذهب عقلهما؛ بل وعيه وتعقله.

стр. 167

وعلى هذا التنزيل الفقهي اختلف الفقهاء على قولين في المسألة وهي من نوى من الليل، ثم أغمي عليه إلى الليل. الأول: للشافعية، والحنابلة (١). وهو بطلان صومه ودليلهم أن ركن الصوم النية والإمساك والنية وإن تحققت، لكن معنى الإمساك التعبدي لم يتحقق؛ لأن شرطه أن يكون مضافا لله كما في الحديث ﴿يترك طعامه وشرابه من أجلي﴾ (٢) وصيام المغمى عليه ليس كذلك لعدم القصد فعليه القضاء كالمريض. وتعقب هذا أن النائم الذي نوى الصيام ليلا، ثم نام يومه كله يصدق عليه ذلك؛ لأنه نوى، وهذا كاف. وأما المالكية فهم يبطلونها في هذه الصورة ولهم أقوال تقدمت. الثاني: ومنهم من ذهب إلى صحة صومه؛ لأنه نوى وأمسك فكان كالنائم، ولا فرق. وهذا قول أبي حنيفة (٣). وصومه صحيح عند ابن حزم ثم رجع عنه إلى القضاء.

стр. 168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 169

ولا دليل على البطلان. (١). المسألة الرابعة: حاصل ما نراه في صوم المغمى وتحقيق المناط أقول: المغمى عليه مريض والدليل على ذلك، جابر يقول: ﴿جاء رسول الله ﷺ يعودني وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ، وصب علي من وضوئه، فعقلت: فقلت: يا رسول الله، لمن الميراث؟ إنما يرثني كلالة. فنزلت آية الفرائض﴾ (٢). الأصل الثاني: أن التكليف معلق على العقل والفهم، فلا يكلف الله من لا يعقل، ولا يفهم، وإلا كان تكليف ما لا يطاق، فإذا بلغ المرض هذا المبلغ فالتكليف ساقط عنه لذلك صح عن ابن عمر أن لم يقض الصلاة حال إغمائه. ففي الموطأ: حدثنا نافع، عن ابن عمر، أنه أغمي عليه، ثم أفاق، فلم يقض الصلاة، قال محمد: وبهذا نأخذ إذا أغمي عليه أكثر من يوم وليلة، وأما إذا أغمي عليه يوما وليلة، أو أقل قضى صلاته (٣). وعند ابن المنذر: حدثنا كثير بن شهاب، ببغداد، ثنا محمد بن سعيد بن سابق، ثنا عمرو يعني ابن أبي قيس، عن عاصم، قال: «أغمي على أنس بن مالك فلم يقض صلاته». قال أبو زكريا هذا إسناد حسن من أجل كثير قال أبو حاتم كتبت عنه صدوق، ومحمد ثقة وبقية رجاله من رجال البخاري (٤)

стр. 170

وما روي عن عمار في قضاء الصلوات حين أغمي عليه ضعيف من جميع طرقه فيما وقفت عليه. وكذلك ما روي عن غيره مراسيل، فلم يصح إلا ما جاء عن ابن عمر. وقد اختلفت فتاوى التابعين بناء على هذا. وأما الصيام، فإن الله أمر المريض بعدة من أيام أخر. والمغمى عليه مريض، لكن لما كان مرضه بلغ إلى ذهاب العقل فالكلية الشرعية هي عدم التكليف حينئذ لقوله -تعالى-: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة (٢٨٦)]. فكيف يقضي الصوم، وهو لا يعقل، فيغلب هذا الأصل الكلي؛ لأنه حاكم على كل الشريعة، ومن ادعى أن عليه القضاء جعله مريضا على الطبيعة، وليس كذلك فإن الأمراض تختلف فمنها ما يرفع العقل كمرض الجنون. ثم يلزمهم على القول أنه مريض أن صومه صحيح في اليوم الذي أغمى فيه، وصحيح على من يقول بعدم النية، وصحيح على قول المالكية في إجزاء نية واحدة كل رمضان. فدل على أن مرض ذهاب العقل يرفع به التكليف لذلك رفع عن المجنون، وهو مرض معروف يرتفع به العقل؛ فتسميته مرضا لم تؤثر في إعطائه أحكام المريض العادي مع انعدام أصل التكليف، وهو العقل. وقد قال ابن عبد البر مبينًا تنازع الأصول في المسألة: والأصول مختلفة في قضاء ما يجب من الأعمال في أوقات معينة إذا فاتت أوقاتها. فمنها أن صوم رمضان في وقت بعينه، فإذا منع المسلم من صيامه علة، كان عليه أن يأتي بعدته من أيام أخر. ومنها أن أعمال الحج أوقات معينة، فإذا فات وقتها لم تعمل في غيرها؛ كالوقوف بعرفة وبمزدلفة، وغير ذلك من أعمال الحج، وكرمي الجمار في أيامها، وكالضحايا في أيامها، لا يعمل شيء من ذلك في غيرها،

стр. 171

قام دليل الإجماع على ذلك، وقام الدليل من القرآن على ما ذكرنا في قضاء الصيام، فلما احتملت الصلاة الوجهين جميعا طلبنا الدليل على ذلك، فوجدنا رسول الله ﷺ قد بين مراد الله منها فيمن نام، أو نسي أنه يقضي، ورأينا العاجز عن القيام في الصلاة أنه يسقط عنه، وكذلك إن عجز عن الجلوس ونحوه حتى يومئ إيماء، فإذا لم يقدر على الإيماء فهو المغمى عليه، ووجب سقوط ذلك عنه بخروج الوقت. ودليل آخر من الإجماع، وذلك أنهم أجمعوا على أن المجنون المطبق لا شيء عليه بخروج الوقت من صلاة، ولا صيام، إذا أفاق من جنونه وإطباقه، فكان المغمى عليه أشبه به منه بالنائم، إذ لا يجتذبه غير هذين الأصلين، ووجدناه لا ينتبه إذا نبه، فكان ذلك فرقا بينه وبين النائم. وفرق آخر: أن النوم لذة ونعمة، والإغماء علة ومرض من الأمراض، فحاله بحال من يجن أشبه منه بحال النائم (١). وعلى هذا اختلفت فتاوى المعاصرين في المغمى عليه بحادث، وهو تحت أجهزة الإنعاش: فذهب بن باز إلى أنه لا شيء عليه في الاغماء الطويل، أما اليوم واليومين فيقضي احتياطا، وهو الأرجح الذي نميل إليه أعني عدم القضاء مطلقا لا في القليل ولا الكثير إلا أن يحتاط فقط أما على جهة التكليف فلا؛ لأن الله تعالى أخذ منه محل التكليف وهو العقل فرفع معه الطلب. وذهب ابن عثيمين إلى القضاء وهو قول درا الإفتاء المصرية (٢).

стр. 172

فإن استمر الإغماء فلا قضاء عليه، ولا كفارة، ولا يقضي عنه وليه. قال الخطابي: واتفق عامة أهل العلم على أنه إذا أفطر في المرض، أو السفر، ثم لم يفرط في القضاء حتى مات فإنه لا شيء عليه، ولا يجب الإطعام عنه. غير قتادة فإنه قال يطعم عنه، وقد حكي ذلك أيضًا عن طاووس (١).

стр. 173

المبحث الثالث: شرط الإسلام ويتعلق بهذه الشرط مسألتان من النوازل المعاصرة: المسالة الأولى: تقديم الطعام في شهر رمضان لغير المسلمين في بلاد الغرب: تقدم أن الإسلام شرط لصحة الصوم والكافر مطالب به وبشرطه، وهو الإسلام كما هو مقرر في الأصول. وينبني على هذا مسألة معاصرة يكثر حصولها في بلاد الغرب. وهي تقديم المسلم الطعام لغير المسلمين كأن يكون عاملًا، أو مالكًا لمطعم فهل يجوز له ذلك. وأصل هذه المسألة قوله -تعالى-: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]. وأصل أصولي، وهو تكليف الكافر بفروع الشريعة. وورد أن عمر أهدى لأخ له مشرك حلة من الحرير مع حرمته على المسلم كما في الصحيحين: أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا عليك. فقال رسول الله ﷺ : إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة.، ثم جاءت رسول الله ﷺ منها حلل فأعطى عمر بن الخطاب ﵁ منها حلة، فقال عمر: يا رسول الله كسوتنيها وقد قلت: في حلة عطارد

стр. 174

ما قلت! قال رسول الله ﷺ : إني لم أكسكها لتلبسها. فكساها عمر بن الخطاب ﵁ أخًا له بمكة مشركًا (١). ومن هذه الأصول يؤخذ: ١ - حرمة التعاون على الإثم ويبقى تحقيق المناط وتنزيله وهو: هل تقديم الطعام للكافر في رمضان من التعاون على المعصية، فإن قلنا هم مكلفون بالشريعة حرم وكان تعاونًا على الإثم، وإن قلنا ليسوا مكلفين بفروع الشريعة فلا يتعلق بهم حل، ولا حرمة في هذه المسألة، فصار كتقديم الأكل للمريض والمسافر. ٢ - وحديث عمر في إهدائه لأخيه الحلة دليل على أنهم كانوا لا يرونهم مطالبين بفروع الشريعة. وإلا لما فعل عمر ذلك وقد تبين له الزجر البليغ فيها. وحديث عمر يرجح القول بجواز تقديم المسلم الطعام للكافر نهار رمضان، إلا أنه يناقش بأن حرمة الحرير ليست من كل وجه فهو جائز للنساء، ويجوز القليل منه للرجال على تفصيل سيأتي في محله، أما المحرمات من خمر وزنا فتحرم من كل وجه، فلو جاز تقديم الخمر للكافر لجاز تقديم البغية له للزنا. إلا أن يقال إن الزنا محرم في كل الشرائع بخلاف الخمر والخنزير. وللمسألة أصل آخر في الإجارة على المعصية وإجارة المسلم نفسه للكافر. أما الثانية فمكروهة تنزيها؛ لأنها عقد معاوضة محض، وهو جائز إلا إن كان فيها إذلال للمسلم فمحرم ذلك وقد جاء عن مالك كراهة ذلك. ففي المدونة: قلت: أرأيت لو أن نصرانيًا استأجر مسلمًا ليخدمه أتجوز هذه الإجارة، أم لا؟ في قول مالك؟ قال: سئل مالك عن المسلم يأخذ من النصراني مالًا قراضًا فكره ذلك له وغيره من أهل العلم قد كره ذلك،

стр. 175

ولا أرى مالكًا كره ذلك إلا من وجه الإجارة وقد بلغني أن مالكًا كره أن يؤاجر المسلم نفسه من النصراني. قلت: أرأيت إن آجره المسلم نفسه على أن يحرس له هذا المسلم زيتونه، أو يحرث له، أو يبني له بنيانا؟ قال: أكره للمسلم أن يؤاجر نفسه في خدمة هذا النصراني (١). أما أن يؤجر في المعصية فقد انقسم العلماء في هذا إلى فريقين: فريق ذهب إلى المنع وهم: أصحاب أبي حنيفة، والمالكية، والشافعية، والحنابلة. وورد المنع كذلك عن ابن عمر وسعيد بن المسيب (٢) ١ - ما روي عن عياض بن عبد الله السلامي أنه قال لعبد الله بن عمر ﵄: إن لي إبلًا تعمل في السوق ريعها صدقة تحمل الطعام فإذا لم تجحد فربما حملت خمرًا؟ فقال: لا يحل ثمنها، ولا كراؤها، ولا شيء منه كان ثمنها فيه سببا"، ففتوى عبدا لله بن عمر صريحة ناطقة بتحريم كل ثمن أنجز من حركة في الخمر. ٢ - ما روي عن عميرة المعافري فقال: خرجت حاجًا أنا وصاحب لي حتى قدمنا المدينة فأكرى صاحبي راحلته من صاحب خمر فأخبرني، فذهب إلى عبد الله بن عمر فسأله عن ذلك، فنهاه عن ذلك وقال: لا خير فيه. ٣ - ما روي عن مالك بن كلثوم أنه سأل سعيد بن المسيب عن غلمان له يعملون في السوق على دواب له، فربما حملت خمرًا، قال: فنهاني سعيد عن ذلك أشد النهي، وقال: إن استطعت أن لا تدخل البيت الذي فيه الخمر، فلا تدخله.

стр. 176

قال الحنفية: "ومن استأجر حمالًا يحمل له الخمر فله الأجر في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف، ومحمد لا أجر له، كذا ذكر في الأصل، وذكر في الجامع الصغير أنه يطيب له الأجر في قول أبي حنيفة، وعندهما يكره لهما أن هذه إجارة على المعصية؛ لأن حمل الخمر معصية لكونه إعانة على المعصية، وقد قال الله ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ولهذا لعن الله تعالى عشرة: منهم حاملها والمحمول إليه، ولأبي حنيفة إن نفس الحمل ليس بمعصية، بدليل أن حملها للإراقة والتخليل مباح، وكذا ليس بسبب للمعصية، وهو الشرب؛ لأن ذلك يحصل بفعل فاعل مختار وليس الحمل من ضرورات الشرب فكانت سببًا محضًا، فلا حكم له كعصر العنب وقطفه، والحديث محمول على الحمل بنية الشرب، وبه نقول: إن ذلك معصية، ويكره أكل أجرته" (١). أما المالكية ففي المدونة نقل المنع الشديد عن مالك وابن القاسم وابن وهب. جاء في المدونة "قلت: أرأيت لو أن مسلمًا آجر نفسه من نصراني يرعى له خنازير فرعاها له، فأراد أخذ إجارته؟ قال: قال مالك في النصراني يبيع من المسلم خمرًا: إن النصراني يضرب على بيعه الخمر من مسلم إذا كان النصراني يعرف أنه مسلم فباعه، وهو يعرف أنه مسلم أدبًا للنصراني، قال: وأرى أن يؤخذ الثمن فيتصدق به على المساكين أدبًا للنصراني وتكسر الخمر في يد المسلم. قال ابن القاسم: وأنا أرى أن تؤخذ الإجارة من النصراني فيتصدق بها على المساكين، ولا يعطاها هذا المسلم أدبًا لهذا المسلم، ولأن الإجارة أيضًا لا تحل لهذا المسلم إذا كانت إجارته من رعي الخنازير، فأرى أن

стр. 177

يضرب هذا المسلم أدبًا له فيما صنع من رعيه الخنازير ورضاه بالأجر من رعيته الخنازير، إلا أن يكون ممن يعذر بالجهالة، فيكف عنه في الضرب، ولا يعطى من هذه الإجارة شيئًا ويتصدق بالأجرة على المساكين، ولا تترك الأجرة للنصراني مثل قول مالك في الخمر" (١). "قلت: أرأيت إن آجرت داري ممن يتخذها كنيسة، أو بيت نار وأنا في مصر من الأمصار، أو في قرية من قرى أهل الذمة؟ قال: قال مالك: لا يعجبني أن يبيع الرجل داره ممن يتخذها كنيسة، ولا يؤاجر داره ممن يتخذها كنيسة، ولا يبيع شاته من المشركين إذا علم أنهم إنما يشترونها ليذبحوها لأعيادهم؟ قال مالك: ولا يكري دابته منهم إذا علم أنهم إنما استكروها ليركبوها إلى أعيادهم. قلت: أرأيت الرجل أيجوز له أن يؤاجر نفسه في عمل كنيسة في قول مالك؟ قال: لا يحل له؛ لأن مالكًا قال: لا يؤاجر الرجل نفسه في شيء مما حرم الله. قال مالك: ولا يكري داره، ولا يبيعها ممن يتخذها كنيسة" (٢). "قلت: أرأيت مسلمًا آجر نفسه من نصراني يحمل له خمرا على دابته، أو على نفسه أيكون له من الأجر شيء، أم تكون له إجارة مثله؟ قال: قال مالك: لا تصلح هذه الإجارة، ولا أرى له أنا من الإجارة التي سمى، ولا من إجارة مثله قليلًا، ولا كثيرا؛ لأن مالكًا قال لي في الرجل المسلم يبيع خمرا قال مالك: لا أرى أن يعطى من ثمنها قليلًا، ولا كثيرًا فالكراء عندي بهذه المنزلة لا أرى أن يعطى من الإجارة قليلًا، ولا كثيرا" (٣).

стр. 178

قال خليل مبينا حرمة الإجارة في المعصية: "ولا تعليم غناء، أو دخول حائض لمسجد، أو دار: لتتخذ كنيسة: كبيعها لذلك وتصدق بالكراء وبفضلة الثمن على الأرجح" (١). قال المواق معلقا على هذه الجملة: "قال مالك: لا يعجبني أن يبيع الرجل داره، أو يكريها ممن يتخذها كنيسة. ابن يونس:، فإن نزل ذلك فقال بعض شيوخنا: يتصدق بالثمن وبالكراء. وقال بعضهم: يتصدق بفضلة الثمن وبفضلة الكراء؛ تقوم الداران لو بيعت، أو أكريت على أن تتخذ كنيسة، وتقوم أن لو بيعت، أو أكريت على غير ذلك الوجه فيعلم الزائد، فإن كانت مثل الكراء، أو ربعه تصدق بمثل ذلك الجزء من المسمى؛ لأن الفضل هو ثمن ما لا يحل. وقال بعضهم: أما في البيع فيتصدق بالفضل كما ذكرنا، وأما في الكراء فيتصدق بالجميع؛ لأنه أجر داره لما لا يحل كمن أكرى داره لبيع الخمر، أو دابته لحمل الخمر. ابن يونس: وبهذا أقول" (٢). وقال الشافعية: " ولا تجوز على المنافع المحرمة؛ لأنه يحرم فلا يجوز أخذ العوض عليه كالميتة والدم" (٣). "ويؤيد ذلك ما صرحوا به من حرمة بيع الطعام للكافر في نهار رمضان مع أنا لا نتعرض له إذا وجدناه يأكل، أو يشرب اه (٤). "(فرع) قال في العباب، ولا يمنع ذمي لبس حرير وتعممًا وتطيلسًا وتطيبًا كثيرًا وإفطارًا في رمضان اه، وعدم منعه من الإفطار لا ينافي حرمته عليه

стр. 179

فإنه مكلف بفروع الشريعة ومن، ثم أفتى شيخنا م ر بأنه يحرم على المسلم أن يسقي الذمي في رمضان بعوض، أو غيره؛ لأن في ذلك إعانة على معصية، لكن يشكل عليه أنه يجوز الإذن له في دخول مسجد وإن كان جنبًا، إلا أن يفرق بأن حرمة الفطر أشد وبأنه أدل على التهاون بالدين فليتأمل" (١). قال الخطيب مفصلا الإجارة على المعصية: (و) لا استئجار مسلمة (حائض)، أو نفساء، أو مستحاضة إجارة عين (لخدمة مسجد)، وإن أمنت التلويث، وجوزنا العبور لاقتضاء الخدمة المكث، أو التردد، وهي ممنوعة منه. أما الكافرة إذا أمنت التلويث فالأشبه الصحة كما قاله الأذرعي بناء على الأصح من تمكين الكافر الجنب من المكث بالمسجد؛ لأنها لا تعتقد حرمته، ولو استأجر عين امرأة مسلمة، لكنس مسجد فحاضت، أو نفست انفسخت الإجارة، فلو دخلت وكنست عصت ولم تستحق أجرة، وفي معنى خدمة المسجد تعليم القرآن، وفي معنى الحائض المستحاضة، ومن به جراحة نضاحة إذا لم يأمن التلويث. وأما إجارة من ذكر في الذمة فتصح، ولا استئجار لتعليم التوراة، والإنجيل، والسحر، والفحش، والنجوم، والرمل، ولا لختان الصغير الذي لا يحتمل، ولا لختان الكبير في شدة الحر والبرد، ولا لتثقيب الأذن ولو لأنثى، ولا للزمر والنياحة وحمل الخمر غير المحترمة لا للإراقة، ولا لتصوير الحيوانات وسائر المحرمات، وجعل في التنبيه من المحرمات الغناء، وفيه كلام ذكرته في شرحه، ولا يجوز أخذ العوض على شيء من ذلك كبيع الميتة. أما الاستئجار على حمل الخمر للإراقة، أو حمل المحترمة (٢)، فجائز كنقل الميتة إلى المزبلة، وكما يحرم أخذ الأجرة على المحرم يحرم

стр. 180

إعطاؤها، إلا لضرورة كفك الأسير، وإعطاء الشاعر؛ لئلا يهجوه، والظالم ليدفع ظلمه، والحاكم ليحكم بالحق، فلا يحرم الإعطاء عليها" (١). وصرح الحنابلة بأن الكفار: يمنعون أيضًا من إظهار (أكل وشرب في نهار رمضان ومن إظهار بيع مأكول فيه كشواء ذكره القاضي) لما فيه من المفاسد" (٢). ولذلك شرطوا في الإجارة "أن تكون المنفعة مباحة مقصودة: فلا تجوز الإِجارة على الزنا والزمر والغناء، ولا إِجارة الدار لتجعل كنيسة، أو بيت نار، أو لبيع الخمر، ولا يصح الاستئجار على حمل الميتة والخمر، وعنه يصح ويكره أكل أجرته. " (٣) قال ابن قدامة: ولا يجوز الاستئجار على حمل الخمر لمن يشربها، ولا على حمل خنزير، ولا ميتة؛ لذلك. وبهذا قال أبو يوسف، ومحمد، والشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز؛ لأن العمل لا يتعين عليه، بدليل أنه لو حمله مثله جاز، ولأنه لو قصد إراقته، أو طرح الميتة، جاز. وقد روي عن أحمد، في من حمل خنزيرا، أو ميتة، أو خمرا لنصراني: أكره أكل كرائه، ولكن يقضى للحمال بالكراء، فإذا كان لمسلم فهو أشد. قال القاضي: هذا محمول على أنه استأجره ليريقها، فأما للشرب فمحظور، ولا يحل أخذ الأجرة عليه. وهذا التأويل بعيد؛ لقوله: أكره أكل كرائه، وإذا كان لمسلم فهو أشد. ولكن المذهب خلاف هذه الرواية؛ لأنه استئجار لفعل محرم، فلم يصح، كالزنى" (٤).
следующие страницы →