مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، فدل على عدم قبول شهادة وإلا لما أمرنا بالتبين (١).
والنصوص مطلقة لم تفرق بين رجل وامرأة في ذلك فيقبل قول المرأة في ذلك (٢).
أما حديث ابن عمر وابن عباس فيدلان على قبول خبر الواحد، وهو واقع في الدخول، وهو دليل واضح على ذلك، ولا فرق بين الدخول والخروج كون ذلك عبادة واحدة فاستوى طرفا الوقت فيها في الحكم.
فتعارض هذا مع النوع الأول الذي فيه تعليق الصوم بالرؤية أو بشهادة عدلين، ولا يتعارض مع النوع الثالث؛ لأنه فعل ومجرد قبول الاثنين لا يدل على نفي ما عداه بخلاف النوع الأول الذي علقه بالشرط.
وللتعامل الفقهي والأصولي بين هذه الأحاديث، نقول:
أولًا: محل الاتفاق
وقع الاتفاق على أن الإفطار لا يكون إلا باثنين، قال الترمذي: "ولم يختلف أهل العلم في الإفطار أنه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين" (٣).
стр. 72
قلت: إلا ما روي عن أبي ثور (١)، قياسًا على الدخول لعدم الفارق ولأنه خبر؛ فيكفي فيه الواحد، ووافقه الظاهرية والشوكاني كما سيأتي.
ثانيا: العمل بالزائد منها جميعا وهي اعتبار الاثنين في الدخول والخروج.
وهو قول مالك ورواية عن أحمد. والليث، والأوزاعي، وإسحاق (٢).
ولعل مالكًا اتبع في ذلك الواقع العملي عن عمر وعثمان وعلي، فجاء في المدونة "أن عمر بن الخطاب أجاز شهادة رجلين على رؤية هلال".
قال ابن مهدي عن سفيان عن منصور عن أبي وائل، قال: كتب إلينا عمر أن الأهلة بعضها أكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهارًا فلا تفطروا حتى تمسوا، إلا أن يشهد رجلان مسلمان أنهما أهلاه بالأمس عشية.
وأن عثمان بن عفان أبى أن يجيز شهادة هشام بن عتبة وحده على هلال رمضان.
وعن علي بن أبي طالب قال: إذا شهد رجلان مسلمان على رؤية الهلال فصوموا أو قال فأفطروا. ذكر هذه الآثار في المدونة.
واللجوء إلى فتوى عمر معروف عند مالك لأن كتبه أعني عمر وفتواه كانت في محل إمامته فتلزم الناس.
إلا أنه ليس إجماعًا لأن إلزام الإمام بقول معتبر جائز ولا يعد إجماعًا وهذا يدل على خطأ المتأخرين الذي اعتبروا مثل هذه المواضع إجماعًا.
وفعل عمر يدل أنه أجاز شهادة اثنين في رمضان، ولا يدل على نفي ما سواه، لولا أنه ورد معلقًا في قوة الشرط، وهذا يدل على اشتراط الاثنين.
كما أن كتابه وهم بخانقين باعتبار شهادة اثنين في الخروج دليل على أنه يرى ذلك في الخروج فقط. لكن ورد ما يعارضه من طريق صحيح عنه
стр. 73
قال أبو محمد ابن حزم: فقد صح عن عمر في هذا خلاف ذلك، كما روينا من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن أبي عبد الأعلى الثعلبي عن أبيه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب: أن عمر بن الخطاب كان ينظر إلى الهلال، فرآه رجل، فقال عمر: يكفي المسلمين أحدهم؛ فأمرهم فأفطروا أو صاموا - فهذا عمر بحضرة الصحابة؟ (١).
وأما رد عثمان لشهادة هشام بن عتبة وحده في رمضان فيحتمل أنه لأمر آخر لا أنه لا يجيز شهادة الواحد (٢).
وأما ما نقل عن علي فهو على التردد من الراوي فيدل على عدم الحفظ. وقد ثبت عن علي خلافه (٣).
فتبين قوة الاحتمالية في ذلك وسيأتي النقل عنهم في القول بشهادة واحد في الدخول وباثنين في الخروج.
الثالث: من عمل بكل نص من جهة
وهذه طريقة الشافعي فذهب إلى الجمع بين الأحاديث فجعل الدخول بواحد وعمل باثنين في الخروج؛ لأنه أحوط (٤).
وهو قول عمر، وعلي، وابن عمر، وابن المبارك، وأحمد في رواية وأبي حنيفة في الغيم أما في الصحو فلا يعمل عنده إلا بشهادة الكثرة (٥).
стр. 74
الرابع: العمل بالأقل فيهما
وتفرد أبو ثور بالقول بأنه في الدخول والخروج واحد (١).
وهذا ما مال إليه الشوكاني؛ لأن أحاديث الاثنين لا تدل على نفي ما عداها إلا بالمفهوم والمنطوق المصرح بواحد مقدم (٢).
قال ابن حزم:: ومن صح عنده بخبر من يصدقه - من رجل واحد، أو امرأة واحدة: عبد، أو حر، أو أمة، أو حرة، فصاعدًا -أن الهلال قد رئي البارحة في آخر شعبان ففرض عليه الصوم، صام الناس أو لم يصوموا، وكذلك لو رآه هو وحده، ولو صح عنده بخبر واحد أيضًا - كما ذكرنا - فصاعدًا: أن هلال شوال قد رئي فليفطر (٣).
فهؤلاء رأوا أن الأحاديث التي تقول بالاثنين لا تعارض الواحد؛ لأنها تدل على مجرد الحصول باثنين وهو لا يدل على نفي ما عداه؛ ولأن الأصل عند الاختلاف الرجوع إلى أصل الشرع وهو هنا قبول الواحد فإنه ﷺ قال ﴿كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم﴾ (٤)، وهذا واحد علق عليه الأكل والإمساك.
قلت حديث: ﴿فإن شهد شاهدان فصوموا﴾ (٥) ظاهر في التعليق الشرطي، ولما ثبت أنه صام بخبر الواحد صار هذا الفعل معارضًا لحديث: ﴿فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا﴾ (٦)؛ لأنه دل على جواز الواحد.
ووجب الجمع وهو العمل بالواحد في الدخول والعمل باثنين في
стр. 75
الخروج؛ لأنه لم يثبت أنه عمل بالواحد في الخروج لا قولًا ولا عملًا، فنبقى على أصل النقل في اشتراط اثنين للخروج.
فهذه هي الأصول ومناهج النظر التي يبنى عليها التفريع الفقهي في مسألة الرؤية.
الخامس: من اشترط الجمع الغفير في الصحو
وهو قول الحنفية قال الكاساني: فإن كانت السماء مصحية ورأى الناس الهلال صاموا وإن شهد واحد برؤية الهلال لا تقبل شهادته ما لم تشهد جماعة يقع العلم للقاضي بشهادتهم، في ظاهر الرواية ولم يقدر في ذلك تقديرًا، وروي عن أبي يوسف أنه قدر عدد الجماعة بعدد القسامة خمسين رجلًا، وعن خلف بن أيوب أنه قال: خمسمائة، ببلخ قليل وقال بعضهم: ينبغي أن يكون من كل مسجد جماعة واحد، أو اثنان، وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى: أنه يقبل فيه شهادة الواحد العدل وهو أحد قولي الشافعي -رحمه الله تعالى-، وقال في قول آخر: تقبل فيه شهادة اثنين (١).
قلت: هذا خلاف ما دلت عليه النصوص الصحيحة الصريحة وقولهم أنه مع الصحو يدل على كذبه أو غلطه لعدم رؤية غيره لا يصح؛ لأن الرؤية تختلف باختلاف الأشخاص وزاوية الرؤية واختلاف المكان. إلا إن كان الجمع في محل واحد ولم يره أحد وادعى أحد رؤيته مع استوائهم في العلم والخبرة والنظر والآلات الحديثة. فهذا يدل على غلط.
حكم من رأى الهلال وحده هل يصوم ويفطر:
الأصول الحاكمة في هذه المسألة هي عموم الأدلة الآمرة وهي شاملة للفرد والجمع.
ولهذا ذهب سائر العلماء من المذاهب الأربعة والظاهرية وغيرهم بلزوم
стр. 76
صوم من رآه وحده، إلا ما جاء عن عطاء والحسن وابن سيرين وأبي ثور وإسحق بن راهويه (١).
أما في خروج الشهر فالأصل أن من رآه وحده أنه يفطر للعموم المتقدم وهذا ما ذهب إليه الشافعي، خلافًا للأئمة الثلاثة.
ولعلهم خصصوا هذه العمومات في الإفطار أن احتمال خطئه كبير لمخالفته الناس ولفعل عمر ﵁ من طريق معمر عن أبي قلابة: أن رجلين رأيا الهلال في سفر؛ فقدما المدينة ضحى الغد، فأخبرا عمر، فقال لأحدهما: أصائم أنت؟ قال: نعم، كرهت أن يكون الناس صياما وأنا مفطر، كرهت الخلاف عليهم، وقال للآخر: فأنت؟ قال: أصبحت مفطرا؛ لأني رأيت الهلال، فقال له عمر: لولا هذا - يعني الذي صام - لأوجعنا رأسك، ورددنا شهادتك؛ ثم أمر الناس فأفطروا. ومن طريق ابن جريج: أخبرت عن معاذ بن عبد الرحمن التيمي: أن رجلا قال لعمر: إني رأيت هلال رمضان، قال: أرآه معك أحد؟ قال: لا قال: فكيف صنعت؟ قال: صمت بصيام الناس، فقال عمر: يا لك فيها (٢)، لكنه معارض بما ذكرنا من عمله برؤية الواحد.
стр. 77
كما أن احتمال الخطأ يقال في الدخول فكيف يلزمه هناك. فالأصح قول الشافعي دلالة وقياسا، ويمكن أن يستدلوا بحديث: عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن المنكدر، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال في هلال رمضان: ﴿إذا رأيتموه فصوموا، ثم إذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين، صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون﴾، وزاد ابن جريج في هذا الحديث: ﴿وأضحاكم يوم تضحون﴾ (١). قلت: هذا سند صحيح.
وعن عائشة عند الترمذي قالت: قال رسول الله ﷺ : ﴿الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس﴾: سألت محمدًا: قلت له: محمد بن المنكدر سمع من عائشة؟ قال: نعم، يقول في حديثه، سمعت عائشة: هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه (٢).
стр. 78
قلت: وهذا إن استدلوا به هنا يلزمهم كذلك رد صومه في الدخول؛ لأنه مخالف للحديث.
المطلب الثاني: الحساب الفلكي واعتباره
ثبت في الصحيحين ﴿فاقدروا له﴾ كما تقدم وهو يحتمل التضييق عليه ويحتمل غير ذلك فهو مشترك:
١ - وتفسير المشترك المجمل يرجع فيه إلى الأحاديث المفسرة وقد تقدم ذكر تفسيرها بإتمام العدة في عشرة أحاديث عن عشرة من الصحابة ونقل عن الصحابة كما تقدم وعليه فهذا متعين.
٢ - أما على الاحتمال الآخر وهو ﴿اقدروا﴾ أي ضيقوا فهو محتمل المعنى إما ضيقوا عليه فصوموا يوم الشك أو اقدروا له بالحساب أو اقدروا له بالاجتهاد وغلبته.
فابن عمر رأى أنه يصام يوم الشك حال الغيم تضييقا على الشهر، وإليه ذهب طاووس، وروي عن عائشة وأسماء، وهو قول أحمد (١).
٣ - أما على معنى التقدير له بالحساب، فهو قول ابن قتيبة وذلك أن معناه اقدروا له أي: بالحساب ومنازل القمر وهذا القول منقول عن مطرف بن عبد الله بن الشخير من كبار التابعين (٢)، قال ابن عبد البر: وقد حكى بن سريج عن الشافعي أنه قال: من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر ثم تبين له من جهة النجوم أن الهلال الليلة وغم عليه جاز له أن يعتقد الصوم ويبيته ويجزئه. وقد بين ابن عبد البر أنه خلاف المثبت في كتبه.
стр. 79
بيان مذاهب الفقهاء في الحساب الفلكي قديمًا وحديثًا وتفصيل أدلتهم.
أولا: تصوير المسألة فلكيًا.
لما كان تصوير المسألة هو ركن من أركان التنزيل الفقهي فإنه لا بد هنا من ذلك وبتتبع كلام الخبراء في الفلك ومناقشتهم والنظر في بحوثهم تبين أنهم على أقسام:
١ - قسم يثبت دخول الشهر بمجرد وجوده فلكيًا وهو بعد مرحلة المحاق والاسترار مباشرة، وهي مرحلة تعامد الشمس والقمر وهذه قد يكون بينها وبين الرؤية الشرعية ٢٤ ساعة بمعنى أنه لو كان اليوم هو ٢٩ رمضان، ونحن نترقب غروب الشمس فإن الهلال يكون قد وجد في نفس الساعة يوم أمس وعلى هذا القول فإن الهلال موجود قبل زهاء ٢٤ ساعة، فالشهر بدأ من حينها وعليه فيكون يوم ٢٩ من رمضان يوم فطر، وهذا باطل البتة ويبطل قول من يقول يكفي مجرد الوجود.
وأقل ما قيل في رؤية الهلال بعد المحاق هو ١٣ ساعة و ١٤ دقيقة بالأجهزة، أما بالعين المجردة فأقلها ١٥ ساعة و ٣٣ دقيقة (١).
فلو اعتمدنا مجرد الوجود بعد المحاق فيكون قد وجد الهلال قبل ١٤ ساعة أو ١٣ ساعة من الرؤية، فلو كنا نراقبه مغرب ٢٩ من رمضان وكان موجودا قبل ١٣ ساعة فإنه يكون قبل فجر ٢٩ من رمضان فكيف يصام. فتبين بطلانه.
وهنا يأتي قول من قال في اعتباره لما مضى وقول من قال باعتباره لليلة القادمة، فمن رآه نهارا فهو لما سيأتي كان قبل الزوال أو بعده وهذا
стр. 80
مذهب الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة ومحمد وقال الثوري وابن أبي ليلى وأبو يوسف وعبد الملك بن حبيب المالكي: إن رأوه قبل الزوال فلليلة الماضية أو بعده فللمستقبلة سواء أول الشهر وأخره (١).
وإطلاق النصوص ﴿صوموا لرؤيته﴾ يقيده العمل القاطع في زمنه ﷺ والصحابة أنهم كانوا يتراءون الهلال لليوم الآتي عند غروب الشمس.
فلما حصلت حادثة رؤية الهلال نهارًا أيام عمر كتب لهم عمر أنه لما سيأتي قائلًا: إن الأهلة بعضها أكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى تمسوا إلا أن يشهد رجلان مسلمان أنهما أهلاه بالأمس عشية (٢).
كما أنهم احتجوا بما جاء بإسناد صحيح عن سالم بن عبد الله ابن عمر: ﴿أن ناسا رأوا هلال الفطر نهارا فأتم عبد الله بن عمر ﵄ صيامه إلى الليل، وقال لا حتى يرى من حيث يروه بالليل﴾ وفي رواية قال ابن عمر: "لا يصلح أن يفطروا حتى يروه ليلًا من حيث يرى"، وجاء في ذلك عن عثمان ابن عفان وعبد الله ابن مسعود ﵃. (٣)
واعتمد من قال بالتفريق على التجربة الفلكية بأنه لا يظهر قبل الزوال بالتجربة الفلكية إلا أن يكون لما مضى.
كما استشهدوا برواية البيهقي بإسناده عن إبراهيم النخعي قال كتب عمر ﵁ إلى عتبة بن فرقد إذا رأيتم الهلال نهارًا قبل أن تزول الشمس لتمام ثلاثين فأفطروا وإذا رأيتموه بعد ما تزول الشمس فلا تفطروا حتى تصوموا.
قلت: وهو ضعيف؛ لأن النخعي لم يدرك عمر، قاله النووي (٤).
стр. 81
٢ - معيار الاستطالة:
وقسم يثبت دخول الشهر بوجوده وإمكان رؤيته ولو لم ير نتيجة لوجود سحب أو ما شابه.
وهذا يشترط أن يكون في الأفق مع الشمس على بعد ٨ درجات ويستحيل أن يرى ولو بالأجهزة
أقل من ٦ درجات كما قيل، ويكون بعده عن الأفق سطح الأرض ٥ درجات (١).
وعليه لا يكون في درجة ٨ إلا وهو في عمر أكثر من ١٥ ساعة؛ لأن أقل من ١٥ ساعة له من المحاق يستحيل أن يرى بالعين المجردة أو أقل من ١٣ يستحيل ولو بالأجهزة الحديثة وعمر الهلال معيار مستقل عند البعض لكنه متداخل مع الاستطالة؛ لأنه والاستطالة مبني على رصد الراصد بيرس والراصد استاف (٢).
стр. 82
وهذا يرده أنه ثبت عام ١٤٤٣ هـ أنه أمكن رؤيته بالتلسكوب بدرجة ٥ من القارة الإفريقية، وهذه الصورة من مركز الفلك الدولي تبين ذلك:
الخارطة المرفقة تبين مدى إمكانية رؤية هلال شهر رمضان يوم الجمعة ٠١ إبريل من جميع مناطق العالم، بحيث أن:
- رؤية الهلال مستحيلة من المناطق الواقعة في اللون الأحمر بسبب
стр. 83
غروب القمر قبل غروب الشمس أو بسبب حصول الاقتران السطحي بعد غروب الشمس.
- رؤية الهلال غير ممكنة لا بالتلسكوب ولا بالعين المجردة من المناطق غير الملونة.
- رؤية الهلال ممكنة فقط باستخدام التلسكوب من المناطق الواقعة في اللون الأزرق.
- رؤية الهلال ممكنة باستخدام التلسكوب من المناطق الواقعة في اللون الزهري، ومن الممكن رؤية الهلال بالعين المجردة في حالة صفاء الغلاف الجوي التام والرصد من قبل راصد متمرس.
- رؤية الهلال ممكنة بالعين المجردة من المناطق الواقعة في اللون الأخضر (١).
٣ - معيار الغروب بعد الشمس ويكون المحاق قد تم قبل ذلك ولو بدقيقة.
يقول أصحاب هذا المعيار: إنه إذا غرب القمر في التاسع والعشرين من الشهر الهجري بعد غروب الشمس ولو بدقيقة، وحدث المحاق قبل غروب الشمس ولو بدقيقة، فإن القمر يمكن رؤيته بعد غروب الشمس كهلال، وعليه يكون اليوم التالي هو أول أيام الشهر الهجري الجديد. وهذا هو المعمول به في تقويم أم القرى السعودي ابتداء من العام ١٤٢٣ هـ، وكذلك فإن هذا المعيار أو ما يشبهه هو المعتمد في تقاويم دول الخليج باستثناء سلطنة عمان، وفي مصر وفي كثير من الدول الإسلامية الأخرى.
والملاحظ: أن الفلكيين بنوا أقل مقدار يمكن رؤية الهلال فيه على أنه
стр. 84
أقل ما رصده راصد، فأقل ما رصد هو رصد ستاف عام ٢٠٠٤ فرأى الهلال في درجة استطالة ٦. ٤.
قلت فدل هذا أنه لم يوجد من رصده أقل من ذلك فبنوا عليه أنه لا أقل منه ويقصدون إلى الآن، أما بالعين المجردة فبنوا الأقلية أنه من عام ١٨٥٩ وحتى ٢٠٠٥ حصلوا على أقل نتيجة بالعين المجردة وهي ٧. ٧ وكانت من قبل الراصد بيرس يوم ٢٥ فبراير ١٩٩٠ م.
فبنوا على هذا استحالة ما دون ذلك وهم يقصدون حسب ما بلغهم من حركة الرصد، فدل هذا على أن هذه الاستحالة قائمة على التجربة الوجودية لا على العلم المحض القاطع، كما أن هذه يجب أن تبنى على خبر المسلم العدل لا على غيره فإن غيره قد يدعي ذلك لأجل تسجيل اسمه في معيار السبق العلمي وهذا قد يحصل للفاسق.
لهذا فالمعيار المجمع عليه ما كان بالرؤية المجردة أو ما قام مقامها من الأجهزة ويمكن القول إنه في حال وجود شخص مسلم عدل خبير بالفلك رأى الهلال بالأجهزة في درجة ٦ فإنه لا ينفي ما عداه فكيف بغيره.
رأينا في المسألة:
لو اتفقوا على أن الهلال في هذه الدرجة موجود لكن لا يرى لوجود قترة في الجو فأرى القول بجواز الحكم بالصيام بهذا؛ لأنه مشاهد لولا المانع. ويشترط أن يتفقوا على وجوده في هذه الدرجة وأن يكونوا مسلمين خبراء عدولًا؛ لأن رؤية الهلال يشترط لها ذلك.
فإن اتفقوا صام الناس على ذلك؛ لأنها درجة أمكن الرؤية عندها لولا القتر ونحوه.
وخلاصة ما مضى: أن اعتبار الهلال إما أن يكون بوجوده أو بإمكان رؤيته ولو لم ير.
стр. 85
١ - أما الأول فباطل؛ لأنه قد يوجد قبل فجر يوم الرؤية فيكون يوم الرؤية وهو يوم ٢٩ من الشهر القادم.
٢ - أما الثاني وهو الوجود مع إمكان الرؤية ولو لم ير لعلة سماوية فهو جامع بين المعنى الشرعي والفلكي، بدليل الحديث الصحيح: ﴿أنهم صاموا زمن النبي ﷺ يوم الثلاثين فجاء ركب آخر النهار فأخبروهم أنهم رأوا الهلال أمس فأمر الناس أن يفطروا ويخرجوا للعيد من غدهم﴾. (١)
فدل أن امتناع الرؤية لوجود علة في السماء مانع زال بالرؤية عند زوال المانع وهكذا الحساب الفلكي كالرؤية بعد زوال المانع.
أما إن كان في درجة وجودية ولا يمكن رؤيته كونه في ضوء الشمس، فتكون العلة هي الوجود وهو باطل؛ لأنا لو اعتمدنا مجرد الوجود لاعتبرنا وجوده قبل ذلك كما في المعيار الأول.
فإن قيل إنما اعتبرناه مع الغروب؛ لأن به يبدأ الشهر الهجري، فجوابه هذا استدلال بمحل النزاع
ثم اطلعت على كلام لابن دقيق العيد يقول هذا في جزئية إمكان الرؤية مع مانع القترة: حيث قال: الذي أقول إن الحساب لا يجوز أن يعتمد عليه في الصوم لمقارنة القمر للشمس على ما يراه المنجمون فإنهم قد يقدمون الشهر بالحساب على الرؤية بيوم أو يومين وفي اعتبار ذلك إحداث شرع لم يأذن الله به، وأما إذا دل الحساب على أن الهلال قد طلع على وجه يرى لكن وجد مانع من رؤيته كالغيم فهذا يقتضي الوجوب لوجود السبب الشرعي قلت لكن يتوقف قبول ذلك على صدق المخبر به، ولا نجزم بصدقه إلا لو شاهد والحال أنه لم يشاهد فلا اعتبار بقوله إذا والله أعلم (٢).
стр. 86
٣ - العلل الشرعية المنصوصة لا يجوز إبدالها بغيرها
والعل الشرعية المنصوصة التي علقت عليها الأحكام لا يجوز إسقاطها واستبدالها بغيرها، بما يظن أنه أولى منها. فعدة الوفاة والطلاق لا تسقط ولو ثبت طبيا خلو الرحم من الولد.
ثم العلل في كل باب محكومة بأصول ذلك الباب، فالعلة في إثبات النسب هو العقد والفراش، فمن عقد وجاءه ولد نسب إليه ولو لم يفترشها؛ لاحتمال وقوع الفراش ولا ينفى عنه إلا بلعان.
أما إن انتفى أحد وصفي العلة وهو الفراش فالعلة باطلة لذلك لو عقد لرضيع على بالغة وحملت لما لحق به؛ لعدم تحقق العلة. وعلة الخمر الإسكار وعلة الصوم رؤية الهلال، فلو شرب أحد خمرًا ولو لم يسكر لقلته فهو حرام لوجود الإسكار وكذا العلة في القصاص العمد العدوان.
وهذه علة مجمع عليها.
فإن قيل: لو شهد أربعة على الزنا وتبين للقاضي أنها بكر أو أنه مجبوب فهنا سقطت العلة.
قلنا ليس هذه العلة، بل العلة هو إيلاج في فرج محرم، فلما تبين أنه مجبوب لم تثبت العلة أصلًا.
وعلى هذا علة ثبوت الشهر الرؤية أو إتمام الشهر، فمن قال العلة مجرد الوجود فقط أبطل العلة الشرعية واستبدلها بغيرها، ومن قال هي وسيلة للإثبات والوسائل غير مقصودة، قلنا: الوسائل التي علقت عليها التعبدات أو الأحكام الشرعية علل مقصودة، مثل الوضوء وسيلة للصلاة وهي مقصودة، والحاصل أنه يجب الحفاظ على العلل الشرعية للأحكام وإلا لأدى إلى بطلان النصوص.
٤ - أين القطع في الحساب الفلكي؟
ومما يستدل به أن الحساب الفلكي مقطوع به فهو أولى من الرؤية.
стр. 87
وجوابه أن الرؤية مقطوع بها؛ لأنها منتهى الحس، لكن الإخبار بها يفيد العلم لا القطع.
وكذلك الحساب الفلكي مقطوع به في وجود الهلال، لكنه عند الإخبار به يفيد العلم لا القطع
فاستويا.
فإن شهد شهود بلغوا حد التواتر من جهات عديدة فهذا مقطوع به رؤيةً وإخبارًا.
فإن تعارض مع الحساب الفلكي الذي تواتر، بأن قال الشهود: رأينا. وقال الحساب: غاب قبل الشمس. فهذه الصورة مستحيلة الوقوع لكن لو قال الحساب الفلكي موجود وتعذرت الرؤية أو استحالت فقولهم متعذر أو مستحيل راجع إلى تجارب رصد عبر سنين طويلة بنوا عليها أقل إمكان للرؤية.
فهو هنا يفيد العلم القريب من القطع، لكن لو عارضه شهادة متواترة بطل؛ لأنها قاطعة لأنا إذا تركناها وقد تواترت كنا قد رددنا ما علق عليه الشرع بالنص والإجماع بما لم يعلق عليه الشرع بلا بنص ولا إجماع.
كما أنه يقال هل تقصدون مقطوعًا به من حيث الوجود أم من حيث إمكان الرؤية؟
فإن قلتم من حيث إمكان الوجود قلنا مجرد الوجود مؤد إلى إبطال الحكم الشرعي؛ لأنه قد يولد قبل مغرب يوم الرؤية بعشرين ساعة فيؤدي إلى صيام يوم التاسع والعشرين من شعبان.
وإن كان المعنى مقطوع به من حيث إمكان الرؤية قلنا ليس مقطوعًا به؛ لأن هذا أقل ما وجد فهو مبني على التجربة وعلى خبر راصد واحد كما تقدم، فكيف يكون مقطوعًا به، بل هو أقل ما وجد. وإن قلتم مقطوع به من حيث أنه لو غرب قبلها أو معها أو غربت كاسفة أو لم يولد وهذه هي محلات القطع الأربعة فلكيًا.
стр. 88
قلنا القطع يحتاج إلى نقل يفيد التواتر، فإن كان ذلك فهو مقطوع به من كل جهة ويتعين العمل به ولكن لا يلغى الترائي في هذه الحالات؛ لأنه ثابت بالنص والإجماع وهي طرق التشريع فلا يعدل عنها.
وطريق العمل بالحساب ولو مقطوعًا ليس منصوصًا ولا مجمعًا عليه، فلا يعدل عن المنصوص والإجماع.
وهذا كإثبات النسب بفراش الزوجية ولو أثبت الجينوم أنه ليس ابنه. فلا ينفى عنه إلا بالطرق الشرعية.
ويستفاد من الحساب في تعضيد الشرع لا في نقضه؛ لذلك نرى أنه يمكن العمل بالحساب في حالة وجوده في درجة إمكان الرؤية لكنه مستتر بسحاب ونحوه فلو أثبت الفلك ذلك فإنه يصام؛ لأنه أحوط.
أما الإفطار فيجب إتمام الشهر في هذه الحالة احتياطًا للعبادة فلا يخرج عنها إلا بمقطوع به شرعًا.
ثانيا: مذاهب الفقهاء في الحساب الفلكي قديمًا وحديثًا
الحنفية:
للحنفية ثلاثة أقوال في المذهب، والمعتمد عدم اعتبار الحساب الفلكي، والثاني العمل به مطلقًا، والثالث العمل به إن قال به جماعة (١).
стр. 89
الشافعية:
وحاصل أقوال الشافعية:
١ - المعتمد في المذهب أنه لا يعمل بالحساب مطلقا (١).
٢ - وإنما الخلاف في اعتماد الحساب للحاسب ومن صدقه.
فثم فتاوى للشهاب الرملي في مسألة العمل بالحساب الفلكي تفيد أن الحاسب يعمل بها لنفسه ويجوز لمن صدقه.
ولهذا ثلاثة مراتب: أن يقطع بوجوده ويقطع بعدم رؤيته، أن يقطع بوجوده وجواز رؤيته، أن يقطع بوجوده وإمكان رؤيته.
فأطلق الشهاب الرملي أنه الحاسب يعمل ومن صدقه في الحالات الثلاث.
وتعقبه أئمة الشافعية بأن الأصحاب على خلافه في المسألة الأولى والثانية.
٣ - وفي جميع الأوجه الثلاثة شرطه إذا لم يكن خلاف الشهادة وإلا لم يعتبر قال في حواشي الشرواني: لكن كل ذلك عند م ر ووالده إذا لم يكن على خلاف الشهادة وإلا لم يعتبر ....
وتعقبه كذلك الرشيدي وعبارة الرشيدي قوله م ر نعم له أن يعمل بحسابه إلخ. أي الدال على وجود الشهر وإن دل على عدم إمكان الرؤية كما هو مصرح به في كلام والده وهو في غاية الإشكال؛ لأن الشارع إنما أوجب علينا الصوم بالرؤية لا بوجود الشهر ويلزم عليه أنه إذا دخل الشهر في أثناء النهار أنه يجب الإمساك من وقت دخوله، ولا أظن الأصحاب يوافقون على ذلك، وقد بسطت القول على ذلك في غير هذا المحل. ا. هـ.
٤ - إذا نفى الحساب وأثبت الشاهد.
قال في النهاية فيما لو دل الحساب على كذب الشاهد ما نصه أن
стр. 90
الشارع لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية كما أفتى به الوالد - رحمه الله تعالى - ا. هـ.
قلت: فهذا يدل على أن اختيار السبكي في النفي غير موافق عليه حتى في المذهب الشافعي ووافق السبكي على ذلك العبادي، كما نقله القليوبي عنه أنه قال: "إذا دل الحساب القطعي على عدم رؤيته لم يقبل قول الشهود العدول برؤيته وترد شهادتهم بها ولا يجوز الصوم حينئذ ومخالفة ذلك معاندة ومكابرة اه. " (١) وتوقف الأذرعي عن موافقة هذا القول (٢).
وحاصل كلام السبكي:
- أن مجرد الوجود كما يقول الفلكيون باطل بإجماع.
- أن مجرد الوجود مع إمكان الرؤية مجمع عليه أعني العمل به.
- إذا دل الحساب على مفارقته للشعاع ومضت مدة يمكن رؤيته فيها وقت الغروب فهل يجب على الحاسب ويجوز لغيره الصيام.
هذا محل فيه قولان ويقصد في المذهب الشافعي كما هو معلوم:
الأول: يجب عليه ويجوز لغيره، الثاني: لا يجب ولا يجوز.
والأول هو الأصح والثاني قاله الكبار يعني من المذهب هذا خلاصة قوله (٣).
- في حالة تعارض النفي القاطع في الفلك ويكون القطع بمقدمات وشروط معروفة فإن تعارض مع شهادة واحد ممن يحتمل خبره الكذب أو الغلط فلا عبرة به وكذا لو تعارض مع شهادة اثنين فترد.
стр. 91
قلت وقد استدل بعض علماء عصرنا بهذا الكلام على العمل بالحساب الفلكي في النفي، وهذا غير صحيح على إطلاقه فإن النفي درجات فإن كان نفي إمكان الرؤية مع وجوده لكن لقربه من الشمس مثلًا فهذا ظني؛ لأنه مبني على أن الراصد بيرس والراصد ستام استطاعا أن يبلغا في الرصد إلى درجة لم يبلغها أحد. وهذا ليس كاف في القطع.
فإن كان المقصود القطع بأن الهلال غاب قبل الشمس فيحتاج الخبر لبلوغ القطع أن يكون من قرر ذلك من علماء الفلك المسلمين متواترًا وأن يصل الخبر إلينا متواترا. فهذا قاطع ترد به شهادة اثنين وقد تقدم.
المالكية:
١ - ذهب المالكية كغيرهم إلى عدم اعتماد الحساب الفلكي.
٢ - ولا يقتدى عندهم بالإمام إن صام وأفطر على الحساب.
"وقد روى ابن نافع عن مالك في المزنية في الإمام لا يصوم لرؤية الهلال ولا يفطر لرؤيته، وإنما يصوم ويفطر على الحساب أنه لا يقتدى به ولا يتبع، قال القاضي أبو الوليد ﵁ فإن فعل ذلك أحد، فالذي عندي أنه لا يعتد بما صام منه على الحساب ويرجع إلى الرؤية وإكمال العدد، فإن اقتضى ذلك قضاء شيء من صومه قضاه، والله أعلم. " (١)
٣ - إلا أن هناك رواية شاذة في المذهب بالقول به قال الحطاب: " وهي رواية شاذة في المذهب، رواها بعض البغداديين عن مالك"، انتهى.
وقال ابن عرفة: "وحساب المنجمين؛ لقول ابن بشير: ركون بعض البغداديين له باطل". قال ابن عرفة: "قلت: لا أعرفه لمالكي" (٢).
стр. 92
٤ - فرق القرافي بين العمل بالحساب في المواقيت لا في رؤية الهلال.
والحاصل أن الشرع نصب نفس الزوال سببًا، فبأي شيء علم حصل، ولم ينصب وجود الهلال سببًا؛ بل رؤيته (١).
رأي شيخ الإسلام في الحساب الفلكي واعتماده في الصوم:
وحاصل كلامه المنع وانتزع ذلك من اسم الهلال، إذ الاسم يتطلب الظهور للرؤية وإلا فلا عبرة به ولا يسمى هلالًا.
стр. 93
"فإن الهلال مأخوذ من الظهور ورفع الصوت فطلوعه في السماء إن لم يظهر في الأرض فلا حكم له لا باطنًا ولا ظاهرًا واسمه مشتق من فعل الآدميين يقال: أهللنا الهلال واستهللناه فلا هلال إلا ما استهل فإذا استهله الواحد والاثنان فلم يخبرا به فلم يكن ذاك هلالا فلا يثبت به حكم حتى يخبرا به فيكون خبرهما هو الإهلال الذي هو رفع الصوت" (١).
كما استدل على مذهبه بحديث: ﴿نحن أمة أمية﴾ وعلى اضطراب الفلكيين في ذلك، وله كلام طويل في المسألة حاصلها ما ذكرنا والاستدلال بالحديث متعقب إذا أرجح التأويلات أنه إخبار عن زمنه ﷺ أو أن المقصود أنه الشريعة جمهورية الفهم أعني يفهما العوام والخواص (٢).
стр. 94
اختيار المجامع الفقهية وهيئات الفتوى:
١ - المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث
بيان: بخصوص تحديد بداية شهر رمضان ١٤٣٥ هـ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين ...... وبعد
فإن الأمانة العامة للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث تنتهز هذه الأيام المباركة لتدعو المسلمين قاطبة إلى الاعتصام بحبل الله تعالى ووحدة الصف ولمِّ الشمل متذكرين قول الله تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ....... الآية﴾ [آل عمران ١٠٣].
كما نسأل الله تعالى أن يتقبَّل من الجميع صيامهم وصلاتهم وصالح أعمالهم وأن يجعل هذا الشهر الكريم شهر فتح ونصر وبركة لعباده المستضعفين في الأرض. "إنه ولىّ ذلك والقادر عليه".
كما تود الأمانة العامة بخصوص هلال شهر رمضان أن تؤكد على قرار المجمع الفقهي الدولي في قراره رقم (١٨) في مؤتمره الثالث لعام ١٩٨٦ م، أنه لا عبرة باختلاف المطالع لعموم الخطاب: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" متفق عليه، وعلى ما صدر عن المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في دورته التاسعة عشرة حول إثبات دخول الشهور القمرية والتي أشارت إلى:
١ - أن الحساب الفلكي أصبح أحد العلوم المعاصرة التي وصلت إلى درجة عالية من الدقة بكل ما يتعلق بحركة الكواكب السيارة وخصوصًا حركة القمر والأرض ومعرفة مواضعها بالنسبة للقبة السماوية، وحساب مواضعها بالنسبة لبعضها البعض في كل لحظة من لحظات الزمن بصورة قطعية لا تقبل الشك.
٢ - أن وقت اجتماع الشمس والأرض والقمر أو ما يعبر عنه بالاقتران أو الاستسرار أو المحاق حدث كوني يحصل في لحظة زمنية واحدة، ويستطيع
стр. 95
علم الفلك أن يحسب هذا الوقت بدقة فائقة بصورة مسبقة قبل وقوعه لعدد من السنين، وهو يعني انتهاء الشهر المنصرم وابتداء الشهر الجديد فلكيًا. والاقتران يمكن أن يحدث في أي لحظة من لحظات الليل والنهار.
٣ - يثبت دخول الشهر الجديد شرعيًا إذا توافر ما يلي:
أولًا: أن يكون الاقتران قد حدث فعلًا قبل غروب الشمس.
ثانيًا: أن يكون هناك إمكانية لرؤية الهلال بالعين المجردة أو بالاستعانة بآلات الرصد في أي موقع على سطح الأرض، ولا عبرة لاختلاف المطالع لعموم الخطاب بالأمر بالصوم والإفطار.
ثالثًا: لقبول إمكانية رؤية الهلال لا بد أن تتحقق الشروط الفلكية التالية:
أ - أن يغرب الهلال بعد غروب الشمس في موقع إمكانية الرؤية.
ب - ألا تقلّ زاوية ارتفاع القمر عن الأفق عند غروب الشمس عن (٥°) خمس درجات.
ج - ألاّ يقلّ البعد الزاوي بين الشمس والقمر عن (٨°) ثماني درجات.
٤ - على المسلمين في البلاد الأوروبية أن يأخذوا بهذه القاعدة في دخول الشهور القمرية والخروج منها وخصوصًا شهري رمضان وشوال وتحديد مواعيد هذه الشهور بصورة مسبقة، مما يساعد على تأدية عباداتهم وما يتعلق بها من أعياد ومناسبات وتنظيم ذلك مع ارتباطاتها في المجتمع الذي تعيش فيه.
٥ - يوصي المجلس أعضاءه وأئمة المساجد وعلماء الشريعة في المجتمعات الإسلامية وغيرها بالعمل على ترسيخ ثقافة احترام ما انتهى إليه القطعي من علوم الحساب الفلكي عندما يقرر عدم إمكانية الرؤية، بسبب عدم حدوث الاقتران، وأن لا يُدعى إلى ترائي الهلال، ولا يقبل ادِّعاء رؤيته.
وبناءً عليه تعلن الأمانة العامة للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث
стр. 96
بخصوص رؤية هلال شهر رمضان للعام الهجري ١٤٣٥ هـ ٢٠١٤ م، أن المعلومات الفلكية العلمية تثبت التالي:
١ - أكدت الحسابات الفلكية الدقيقة أن هلال شهر رمضان لعام ١٤٣٥ هـ يلد في الساعة (٠٨) و (٠٨) دقيقة حسب التوقيت العالمي الموحد (غرينتش GMT) من صباح يوم الجمعة الواقع في (٢٧) حزيران/ يوليو ٢٠١٤ م أو ما يوافق الساعة (١١) و (١١) دقيقة حسب التوقيت المحلي لمكة المكرمة.
٢ - وتؤكد الدراسات الفلكية على إمكانية رؤية الهلال حسب الشروط التي تبناها المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في قراره الذي اتخذه في دورته العادية التاسعة عشرة المنعقدة في استانبول في الفترة ٨ - ١٢ رجب ١٤٣٠ هـ الموافق ٣٠ حزيران - ٤ تموز (يوليو) ٢٠٠٩ من أن الرؤية ممكنة بوضوح في أغلب دول أمريكا اللاتينية وخاصة بالاستعانة بالراصدة، والرؤية غير ممكنة في الدول العربية والآسيوية.
٣ - وبناء على هذه الشروط: وعلى ما أكده المجلس الفقهي الدولي في قراره رقم (١٨) في مؤتمره الثالث لعام ١٩٨٦ م، أنه لا عبرة باختلاف المطالع لعموم الخطاب: " صُومُوا لرُؤيَتِه وأفْطِرُوا لِرُؤيَته" متفق عليه، وكذلك مقررات الدورة الأولى للجنة التقويم الهجري الموحد المنعقدة في مدينة استانبول في الفترة ما بين (٢٦ - ٢٩) ذي الحجة ١٣٨٩ هـ الموافق ل (٢٧ - ٣٠) تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩٧٨ م، وكذلك ما توصلت إليه ندوة التقويم الهجري في ضوء المعطيات العلمية المنعقدة بباريس في الفترة (١٢ - ١٣) ربيع الأول ١٤٣٣ هـ الموافق ل (٤ - ٥) شباط/ فبراير ٢٠١٢ م التي حضرها ثلة من علماء الفقه والفلك، وكان من توصياتها: " إن قرار المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في دورته (١٩) المنعقدة في استانبول من (٨ - ١٢) رجب ١٤٣٠ هـ الموافق ل ٣٠ يونيو إلى ٤ يوليو ٢٠٠٩ م حول
стр. 97
تحديد أوائل الشهور القمرية قرار مقبول فقهًا ومطلوب لتوحيد المسلمين في أوروبا ومحقق للأغراض المنشودة والمقاصد المطلوبة من ضبط العبادة والأعياد، ولا سيما في هذه البلاد التي تطلب من المسلمين أن تكون أيام العطل محددة حتى يحسب لها الحساب. فهذا القرار متوافق مع مقاصد الشريعة ومصالح البلاد والعباد، وقد أثنى الفلكيون على قرار المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث باعتماد الحساب الفلكي كمنهج أساسي لتحديد بدايات الشهور، واعتبروه خطوة تاريخية مهمة في طريق إصدار التقويم الهجري الذي يسمح بتفادي الأخطاء والخلافات بين المسلمين داخل أقطارهم وخارجها، ويؤدي إلى وحدة الأمة في مجموعها. ولا بد من الإشارة إلى البيان الختامي للمؤتمر العالمي لإثبات الشهور القمرية بين علماء الشريعة والحساب الفلكي الذي عقده المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في الفترة من ١٩ - ٢١ ربيع الأول ١٤٣٣ هـ الموافق ل ١١ - ١٣ شباط/ فبراير ٢٠١٢ وشارك فيه عدد كبير من الفقهاء والعلماء الفلكيين، والذي جاء في إحدى توصياته ما يلي: (إن الحساب الفلكي علم قائم بذاته، له أصوله وقواعده، وقد كان للمسلمين فيه إسهام متميز، وكان محل اهتمام الفقهاء المسلمين، وبعض نتائجه ينبغي مراعاتها، ومن ذلك معرفة وقت الاقتران، ومعرفة غياب القمر قبل غياب قرص الشمس أو بعده، وأن ارتفاع القمر في الأفق في الليلة التي تعقب اقترانه قد يكون بدرجة أقل أو أكثر. ولذلك يلزم قبول الشهادة برؤية الهلال إلا أن تكون مستحيلة حسب حقائق العلم الصحيحة وحسب ما يصدر من المؤسسات الفلكية المعتمدة، وذلك في مثل عدم حدوث الاقتران أو في حالة غروب القمر قبل غياب الشمس. وأن تكون رؤية الهلال للأقليات الإسلامية في البلد الواحد في بعض المناطق والأقاليم رؤية لبقيتهم عملًا على توحيد صومهم وفطرهم.
لذا سيكون أول شهر رمضان لعام ١٤٣٥ هـ بإذن الله تعالى في يوم السبت الموافق ل (٢٨) حزيران/ يونيو ٢٠١٤ م
стр. 98
سائلين الله تعالى أن يستقبل المسلمون هذا الشهر المبارك وهم في خير وبركة وعزة ومنعة، وكل عام وأنتم بخير.
تقبل الله منا ومنكم صالح العمل والحمد لله رب العالمين
الأمانة العامة - دبلن
٠٨ شعبان ١٤٣٥ هـ ٠٦ يونيو ٢٠١٤ م
٢ - فتوى اللجنة الدائمة الفتوى رقم (٣٨٦)
س: هل يجوز للمسلم الاعتماد في بدء الصوم ونهايته على الحساب الفلكي، أو لا بد من رؤية الهلال؟
ج: الشريعة الإسلامية شريعة سمحة وهي عامة شاملة أحكامها جميع الثقلين الإنس والجن، على اختلاف طبقاتهم علماء وأميين أهل الحضر وأهل البادية، فلهذا سهل الله عليهم الطريق إلى معرفة أوقات العبادات، فجعل لدخول أوقاتها وخروجها أمارات يشتركون في معرفتها، جعل زوال الشمس وميلها عن وسط السماء إلى جهة الغرب أمارة دخول وقت الظهر، وغروب الشمس على دخول وقت المغرب وخروج وقت العصر، وغروب الشفق الأحمر أمارة على دخول وقت العشاء مثلًا، وجعل رؤية الهلال بعد استتاره آخر الشهر أمارة على ابتداء شهر قمري جديد وانتهاء الشهر السابق، ولم يكلفنا معرفة بدء الشهر القمري بما لا يعرفه إلا النزر اليسير من الناس، وهو علم النجوم، أو علم الحساب الفلكي، وبهذا جاءت نصوص الكتاب، والسنة بجعل رؤية الهلال ومشاهدته أمارة على بدء صوم المسلمين شهر رمضان، والإفطار منه برؤية هلال شوال، وكذلك الحال في ثبوت عيد الأضحى ويوم عرفات قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، وقال النبي ﷺ : ﴿إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين﴾ فجعل ﷺ الصوم لثبوت رؤية هلال شهر رمضان، والإفطار منه
стр. 99
لثبوت رؤية هلال شوال، ولم يربط ذلك بحساب النجوم وسير الكواكب، وعلى هذا جرى العمل زمن النبي ﷺ وزمن الخلفاء الراشدين والأئمة الأربعة والقرون الثلاثة التي شهد لها النبي ﷺ بالفضل والخير، فالرجوع في إثبات الشهور القمرية إلى علم النجوم في بدء العبادات والخروج منها دون الرؤية من البدع التي لا خير فيها، ولا مستند لها من الشريعة، وإن المملكة العربية السعودية متمسكة بما كان عليه النبي ﷺ والسلف الصالح من إثبات الصيام والإفطار والأعياد وأوقات الحج نحوها برؤية الهلال، والخير كل الخير في اتباع من سلف في الشئون الدينية، والشر كل الشر في البدع التي أحدثت في الدين. حفظنا الله وإياك وجميع المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. (١).
المطلب الثالث: توحيد دخول الشهر
هذه من مشهورات المسائل قديمًا وحديثًا، وهي خلافية بين المذاهب الفقهية وحاصل ذلك منحصر في قولين:
فذهب الشافعية في المعتمد إلى أن لكل بلد رؤيتهم، والمذاهب الثلاثة على لزوم الرؤية للجميع (٢)
وهي مبنية على إطلاق ﴿صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته﴾ (٣)، ولما كانت
стр. 100
الرؤية من الجميع مستحيلة عادة قام البعض مقامهم ضرورة، وعليه عمل الرسول ﷺ والصحابة ﵃ والأمة فلو رآه من تصح رؤيته لزم الجميع.
ويعارضه ظاهرًا حديث كريب: ﴿أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل علي رمضان، وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم. ورآه الناس وصاموا، وصام معاوية فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه، فقال: لا. هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ﴾ (١). فدل ظاهره على القول بتعدد الرؤية.
ولا يعارضه ﴿صوموا لرؤيته﴾ بل يصدق عليه في واقعهم الماضي لامتناع بلوغ الخبر من الشام إلى المدينة ليلة الرؤية فالإشكال القديم كان مبنيا على تعذر وصول الخبر من إقليم إلى إقليم
فكان لكل بلد رؤيتهم والنص ﴿صوموا لرؤيته﴾ يشمله لأنهم صاموا لرؤيته ولا يصل إليهم رؤية غيرهم أو إتمامهم في زمن يمكن بناء الحكم عليه.
ولهذا ففتوى الشافعية من جهة التنزيل المتقدم في زمنهم واقعية؛ حيث ذهب إلى أن لكل رؤيتهم.
وفتوى المذاهب الثلاثة والظاهرية من جهة العموم ظاهرة؛ حيث ذهبوا إلى أن الرؤية الواحدة تلزم الكل.
وحديث كريب الذي استدل به ابن عباس ﵄ على استقلال الشام برؤية والمدينة برؤية ليس صريحًا في المسألة؛ لأن قوله (هكذا أمرنا) يحتمل أنه حديث ﴿صوموا لرؤيته﴾؛ لأنه لم يرد نص واحد من قول النبي ﷺ
стр. 101
أن لكل بلد رؤيتهم وهذا دليل قوي على أن قوله ﴿هكذا أمرنا رسول الله﴾ أي قوله: ﴿صوموا لرؤيته﴾، فكانت فتوى ابن عباس واقعية تنزيلًا كما هو الحال في قول الشافعية.
ولهذا ذهب الشافعية إلى ضبط الاختلاف بمسافة القصر على المعتمد (١).
وما ذلك إلا أن مسافة القصر يتعذر فيها أن يأتي رجل من ذلك المكان في نفس الليلة ليبلغهم الرؤية من عدمها فكان التكليف على قدر الاستطاعة.
وأما في مسافة أدنى من القصر فتجري العادات على تناقل الرؤية في هذه الحدود أو اقل منها
والمسألة تقريبية عندهم لكن ملحظهم الفقهي ما ذكرناه أما من ذهب إلى أن الرؤية لازمة للكل، وهم الأئمة الثلاثة والجمهور ففتواهم بنيت على الإطلاق والعموم من غير نظر إلى التنزيل الواقعي إذ كيف يقال إن رؤية مصر أو الشام تلزم المدينة ومكة مع تعذر بلوغ الخبر في زمنهم.
لكن ذلك ممكن في صورة الخروج من رمضان فلو أن شخصًا جاء من الشام وأخبرهم أنهم رأوا الهلال قبلهم فإن قلنا بمذهب الثلاثة يلزمهم.
وعليه فإن كان في المدينة ٢٩ يقابله في الشام ٣٠ يوما لأنهم رأوا قبلهم الهلال وهكذا قصة كريب مع ابن عباس.
لكن الإشكال باق إذ يمكن أنهم في الشام رأوا هلال الفطر لتسع وعشرين من رمضان الموافق ٢٨ في المدينة. فلا يصح هذا التعميم من جهة التنزيل في الواقع فصح مذهب الشافعية ولابد في ذلك الواقع.
لكن في زمننا تختلف الفتوى ويجتمع النص وتنزيله واقعيًا بدون تعذر فإطلاق النص وعمومه ﴿صوموا لرؤيته﴾ يدل لزومًا أن من رأى لزم الجميع
стр. 102
وتنزيله أيسر ما يكون في زمننا؛ لأن الأخبار تصل لحظة بلحظة إلى العالم في نفس الوقت.
وعليه فصحة القول بأنه يلزمهم رؤية واحدة ظاهر جلي في زمننا والقول بغيره ضعيف كما كان العكس من قبل.
كما أنه قد ثبت بالحساب الفلكي أن الهلال يمكن أن يكون متعذرا في شرق بلاد المسلمين كماليزيا ولكنه ممكن بالأجهزة في جزيرة العرب والشام وممكن بالعين في موريتانيا والأندلس. والفارق بين موريتانيا وماليزيا ٨ ساعة في التوقيت، فلو أنهم في ماليزيا رأوا الهلال فيكون في موريتانيا الساعة الحادية عشرة ظهرًا، فبقي لهم نصف النهار لغروب الشمس فيكتفون برؤية ماليزيا.
والبلاد الإسلامية يجمعها ليل واحد فإن شرقها يكون في آخر الليل في ثلث الليل الآخر بماليزيا وآخرها في جهة الغرب وهي موريتانيا تكون في صلاة المغرب تقريبا.
فإن أمكنت رؤيته في المشرق لزم المغرب ولو تعذرت الرؤية في ماليزيا فإنها تعمل برؤية جزيرة العرب ومصر بعد أربع ساعات أو خمس ويبعد أن لا تراه بلاد الإسلام من شرقها بماليزيا إلى مصر فإن رأته إحدى هذه الدول وصل الخبر في نفس الليلة مشرقًا ومغربًا.
فإن لم يشاهد في جميع هذه البلاد الشاسعة من شرق الأرض بماليزيا إلى غربها بموريتانيا فكيف نلزم عباد الله بالصوم بمجرد الوجود ولم ير في المشارق والمغارب.
وهذا يدل على ضعف القول هنا بأن الرؤية إن أمكنت وحال دونها مانع فإن الصيام لازم؛ لأن عدم الرؤية من المشارق إلى المغارب ليس ناتجا عن حائل أو مانع حتى نقول أنه موجود لولا القترة؛ لأن المانع يندر أن يعم كل هذه البلاد.
стр. 103
وفي هذه الحالة لو قال الفلكيون هو موجود لكن يستحيل رؤيته، فقولهم غير لازم لنا؛ لأن السبب الشرعي انعدم وهو الرؤية، ولا نكلف الأمة من شرقها لغربها بما لم يكلفها الله وبما تعذر عليها جميعًا رؤيته.
وإنما يفتى بهذه الفتوى في مناطق جزئية مثل اليمن ومكة والشام المتقاربة؛ لأنه يحتمل حصول ضباب أو غيم أو قترة في بعضها.
وقد نقل ابن رشد أن الإجماع انعقد على أن البلاد المتباعدة جدًا كالأندلس والمشرق أن لكل قوم رؤيتهم.
المطلب الرابع: حكم من سافر من بلد الرؤية إلى بلد لم يروه وعكسه
هذه المسألة تنزل في عصرنا كثيرًا حيث يسافر المرء بالطيران ووسائل النقل الحديثة من بلد إلى بلد آخر ويمكن أن يختلف البلدان في الرؤية والعيد.
فهل يتغير حكمه أم لا؟
أصول هذه النازلة هي النصوص المتواترة التي قدمناها عن أكثر من ثلاثة عشر صحابيًا وهو قوله ﷺ ﴿صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته﴾.
فهذا كان في بلد صحت الشهادة الشرعية بالرؤية فالصيام فرض عليه وعلى من سمع بذلك.
فإن وصل إلى أهل ذلك البلد الذي لم يروه، فإنه لا يزمه حكمهم؛ لأن المثبت مقدم على النافي؛ ولأن النصوص عامة في الرؤية فإن ثبتت لزمت الجميع وكان على أهل هذا البلد الصوم.
ولا يصح التعلق باختلاف المطالع في عصرنا؛ لأنه لم يثبت في ذلك نص عن الشرع بل هو اجتهاد تنزيلي عن ابن عباس ﵁ في حديث كريب ووافقه الشافعية كما تقدم.
стр. 104
وكان هذا الاجتهاد في زمن لا يمكن بلوغ الخبر إلى بلد آخر إلا بعد فوات يوم أو أيام، فوجب لكل بلد رؤيتهم.
لأن الشرع لا يكلف إلا بالوسع، وهذا وسعهم، أما في عصرنا فوسعنا معرفة خبر الرؤية في كل الأرض لحظة بلحظة ليلة الرؤية فلا يسع أهل الإسلام إلا العمل بالرؤية.
ولو كان المسلمون اليوم دولة واحدة لكانت الرؤية واحدة، فما هو الذي اختلف سوى تفرق الدول، واعتماد كل بلد رؤيتها وتحريها؛ ودافعه الأول إثبات الاستقلالية قبل إثبات الهلالية، فهو تالٍ لذلك.
وعكس هذه المسألة لو سافر من بلده إلى بلد الرؤية لزمه العمل برؤيتهم لا لأنه صار منهم بل؛ لأن الرؤية عامة لأهل الإسلام.
ولو أن هذا الشخص في بلد لم يروا الهلال عشية التاسع والعشرين من رمضان فسافر بالطائرة إلى بلد ووصل إليهم وهم في عيد فإن كان عيدهم لأنهم رأوا الهلال لزمه تلك الرؤية.
وإن كان عيدهم لأنهم قد أتموا العدة فهذا يحتمل أنهم رأوا الهلال أول الشهر، وأن بلد ذلك الرجل لم يره أول الشهر لغيم ونحوه فيكون قد صام تسعة وعشرين، فعليه أن يعيد معهم وأن يقضي يومًا؛ لأن الرؤية كانت لازمة له ولكل بلد.
وإن كان في بلده عيد فسافر ليلة العيد إلى بلد لم يروا الهلال فإنه لا يصوم معهم؛ لأن أهل ذلك البلد كان عليهم العمل بعموم الرؤية.
الفتوى لهذا الشخص على قول من يرى تعدد الرؤية في زمننا.
فإن كان عاملًا بمذهب من يرى تعدد الرؤية لكل بلد فإن الفتوى تختلف، على هذا الوجه فلهم قولان: فمنهم من قال له حكم بلده التي انتقل منها؛ لأنه التزم حكمها.
ومنهم من قال له حكم البلد التي انتقل إليها؛ لأنه أصبح منهم في الرؤية.
стр. 105
والقولان في مذهب الشافعي، والأصح الثاني ووافقهم من الحنابلة ابن تيمية على اختلاف في بعض الأمور.
وعلى هذا الوجه الأخير صور:
١ - فإن وصل إليهم أول الشهر وقد رأوه ولم يكن رؤي ببلده لزمه الصوم معهم.
٢ - وإن كان في آخر الشهر فوصل إليهم ولم يروه لزمه متابعتهم ولم يعمل برؤية بلده التي سافر منها.
٣ - وإن وصل في يوم العيد وكان العيد برؤية الهلال لزمه أن يعيد معهم ولو كان صومه ناقصًا لصومه مع بلده الآخر المتأخر يومًا. وعليه القضاء.
وهذا الذي ذكرناه هو الأصح عن الشافعية أعني موافقه البلد التي سافر إليها على كل حال.
ومقابل الأصح يعمل بالبلد التي سافر منها.
وهو ما استظهره الرافعي نقلًا عن القفال والغزالي وصاحب البيان نقلًا عن المسعودي.
وهو المنصوص عليه في المنهاج. وقد اختار هذا القول من الحنابلة ابن تيمية خلافًا لمذهبه (١).
قال الرافعي: أظهرهما وبه قال القفال وهو المذكور في الكتاب أنه
стр. 106
يصوم معهم؛ لأنه بالانتقال إلى بلدتهم أخذ حكمهم وصار من جملتهم. وقد روى أن ابن عباس ﵄ "أمر كريبًا بان يقتدى باهل المدينة " (والثانى) أنه يفطر؛ لأنه التزم حكم البلدة الأولى فيستمر عليه وشبه ذلك بمن أكرى دابة يجب الكراء بنقد البلد المنتقل عنه واوهم في التهذيب ترجيح هذا الوجه (١).
قلت فأنت ترى أن الخلاف في الصورة في مذهب الشافعي بعد العلم أن الأصح هو أن لكل بلد رؤيتهم، وأن الأصح أنه يلزم البلد الذي انتقل إليه، والأقوال في المذهب مبنية على أصلين:
الأول: يعمل بتعميم الرؤية
ولا إشكال على القول بالتعميم أن على الرجل موافقة الرؤية حيث كانت ببلده أم بالبلد التي وصل إليه وعلى أهل البلد إن صحت عندهم شهادته العمل بها.
الثاني: يعمل باختصاص كل بلد برؤية
وعلى هذا القول وهو المعتمد في المذهب حصل إشكال في حل هذه النازلة فهذا الشخص هل يعمل برؤية البلد التي انتقل منها أم بالبلد التي انتقل إليها؟ فهل على الرجل أن يوافق البلد التي انتقل منها؛ لأنه لزم حكمها أم يعمل بالبلد التي انتقل إليها؟ والسبب الذي أدى إلى اختلاف التنزيل في المذهب على أصل أن لكل بلد رؤيتهم، أثر ونظر، أما الأثر فهي فتوى ابن عباس لكريب أن يعمل برؤية المدينة لا برؤية الشام التي جاء منها، وأما النظر فلأنه صار الآن من هذه البلد فتلزمه أحكامه.
وعارض ذلك قياس هو أن من اكترى دابة من بلد إلى بلد آخر لزمه النقد المتداول في البلد الذي سافر منها.
قلت هذا قياس مع الفارق؛ لأن العقد إنما انعقد ولزمه بشرطه على
стр. 107
عرف ذلك البلد بخلاف الصوم فلزم عليه بالرؤية في البلد التي هو فيها فإن انتقل إلى آخر لزمه حكم الرؤية فيه؛ لذلك فالوجه المعتمد هو اللزوم.
ويفهم من تعليل فقهاء المذهب أن السبب في هذا الاختيار هو الموافقة لأهل الإسلام في ذلك البلد، ويمكن أن يستدل لهم بالحديث الصحيح عن أبي هريرة وعائشة مرفوعا: ﴿صومكم يوم يصوم الناس وفطركم يوم يفطرون﴾ وقد تقدم.
قال الرملي: (وإذا لم نوجب على أهل البلد الآخر) وهو البعيد (فصار إليه من بلد الرؤية) من صام به (فالأصح أنه يوافقهم) حتما (في الصوم آخرا) وإن كان قد أتم ثلاثين؛ لأنه بالانتقال إليهم صار منهم، وروي أن ابن عباس أمر كريبا بذلك، والثاني يفطر؛ لأنه لزمه حكم البلد الأول فيستمر عليه (ومن سافر من البلد الآخر) أي الذي لم ير فيه (إلى بلد الرؤية)، (عيد معهم) حتما لما مر سواء أصام ثمانية وعشرين بأن كان رمضان ناقصا عندهم أيضًا فوقع عيده معهم في التاسع والعشرين من صومه أم تسعة وعشرين بأن كان رمضان تاما عندهم (وقضى يومًا) إن صام ثمانية وعشرين إذ الشهر لا يكون كذلك، بخلاف ما لو صام تسعة وعشرين فلا قضاء عليه؛ إذ الشهر يكون كذلك.
(و) على الأصح (من أصبح معيدا فسارت سفينته) مثلًا (إلى بلدة بعيدة أهلها صيام) (فالأصح أنه يمسك بقية اليوم) حتما لما مر، والثاني لا يجب إمساكها لعدم ورود أثر فيه، وتجزئة اليوم الواحد بإمساك بعضه دون بعض بعيد، ورد الرافعي الاستبعاد بيوم الشك إذا ثبت الهلال في أثنائه فإنه يجب إمساك باقيه دون أوله ونازع فيه السبكي، وتتصور المسألة بأن يكون ذلك يوم الثلاثين من صوم البلدين لكن المنتقل إليهم لم يروه، وبأن يكون التاسع والعشرين من صومهم لتأخر ابتدائه بيوم" (١).
стр. 108
و رأى فقهاء المذهب اختصاص هذه المتابعة بالصوم (١).
стр. 109
لذلك لو أن هذا الرجل الذي انتقل من بلد فيه عيد إلى آخر فيه صوم فعليه أن يوافق في الصوم البلد الذي انتقل إليه لا في بقية الأحكام المترتبة.
فطرأت هنا نازلتان لهذا الرجل وهما فيما لو كان حاجًا وأحرم برؤية بلده ولما وصل إلى ذلك البلد كانوا صيامًا فإحرامه صحيح؛ لأنه بدأه في شوال.
وكذلك لو جامع أهله في ذلك اليوم وهو صائم فلا كفارة عليه.
قال ابن حجر الهيتمي: "فيصح إحرامه به فيه، وإن انتقل بعده إلى بلد أخرى تخالف مطلع تلك ووجدهم صيامًا على الأوجه؛ لأن وجوب موافقته لهم في الصوم لا يقتضي بطلان حجه الذي انعقد لشدة تشبث الحج ولزومه بل قال في الخادم نقلًا عن غيره لا تلزمه الكفارة لو جامع في الثانية، وإن لزمه الإمساك. قال وقياسه أنه لا تجب فطرة من لزمته فطرته بغروب شمسه" (١).
وقد أورد فقهاء المذهب إشكالات على هذه الصور؛ لأنه إن كان انتقل معيدًا مفطرًا فلا تلزمه الكفارة أصلًا وإن كان انتقل ووصل نهارًا ولم يبيت النية فلا كفارة أصلًا.
ولا تصح إلا في صورة من انتقل ليلة العيد إلى بلد آخر له رؤيته، لكن
стр. 110
هذا مشكل في زمنهم لعدم إمكان ذلك. أما في زمننا فيمكن تصورها بسهولة لذلك حاول بن قاسم تصوير المسألة فقال: "تصوير المسألة بما إذا انتقل في الليلة التي رئي فيها هلال شوال في البلد الأول إلى البلد الثاني فوجدهم لم يروا الهلال وقد بيتوا النية فبيتها معهم فلو جامع في البلد الثاني فلا يبعد عدم وجوب الكفارة؛ لاحتمال كون هذا اليوم يوم عيد في حق المنتقل إليهم" (١).
قلت هذه الإشكالات في هذه النازلة باقية:
صورتها: رجل أحرم ببلد فيه عيد ذاهبا الحج فركب الطائرة ووصل مكة وهم صيام لزمه موافقتهم في الصوم على المذهب ويلزم منه بطلان إحرامه؛ لأن في رمضان وتعليلهم أن الحج شديد اللزوم ليس بينًا؛ لأن كونه شديد اللزوم إنما يصح إن كان في وقته أما إن وصل إلى مكة وهم صيام فقد تبين أنه في غير زمنه فكيف يلزم.
وكيف لا تلزم الكفارة وهو مبيت نية الصوم في بلد صام أهله.
لأنه إما أن يكون هذا اليوم بالنسبة له من رمضان أم لا إن لم يكن فلا يلزمه شيء وإن كان استتبعت جميع الأحكام من كفارة جماع وعدم صحة إحرام وزكاة فطرة.
هذا ما يقتضيه النظر في اطراد العلل وأحكام الشرع. ومسألة الحج هذه في عصرنا قد تقع.
والذي أختاره في الفتوى صحة حجه؛ لأن المختار عندي هو القول بتعميم الرؤية وفاقا لمقابل الأصح في المذهب وللمذاهب الأخرى والجمهور.
لكن يحتاط لنسكه فيجعلها عمرة. ثم اطلعت بعد تقرير هذا على تفنيد