قال الحنفية: "ومن استأجر حمالًا يحمل له الخمر فله الأجر في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف، ومحمد لا أجر له، كذا ذكر في الأصل، وذكر في الجامع الصغير أنه يطيب له الأجر في قول أبي حنيفة، وعندهما يكره لهما أن هذه إجارة على المعصية؛ لأن حمل الخمر معصية لكونه إعانة على المعصية، وقد قال الله ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ولهذا لعن الله تعالى عشرة: منهم حاملها والمحمول إليه، ولأبي حنيفة إن نفس الحمل ليس بمعصية، بدليل أن حملها للإراقة والتخليل مباح، وكذا ليس بسبب للمعصية، وهو الشرب؛ لأن ذلك يحصل بفعل فاعل مختار وليس الحمل من ضرورات الشرب فكانت سببًا محضًا، فلا حكم له كعصر العنب وقطفه، والحديث محمول على الحمل بنية الشرب، وبه نقول: إن ذلك معصية، ويكره أكل أجرته" (١).
أما المالكية ففي المدونة نقل المنع الشديد عن مالك وابن القاسم وابن وهب.
جاء في المدونة "قلت: أرأيت لو أن مسلمًا آجر نفسه من نصراني يرعى له خنازير فرعاها له، فأراد أخذ إجارته؟ قال: قال مالك في النصراني يبيع من المسلم خمرًا: إن النصراني يضرب على بيعه الخمر من مسلم إذا كان النصراني يعرف أنه مسلم فباعه، وهو يعرف أنه مسلم أدبًا للنصراني، قال: وأرى أن يؤخذ الثمن فيتصدق به على المساكين أدبًا للنصراني وتكسر الخمر في يد المسلم.
قال ابن القاسم: وأنا أرى أن تؤخذ الإجارة من النصراني فيتصدق بها على المساكين، ولا يعطاها هذا المسلم أدبًا لهذا المسلم، ولأن الإجارة أيضًا لا تحل لهذا المسلم إذا كانت إجارته من رعي الخنازير، فأرى أن
стр. 177
يضرب هذا المسلم أدبًا له فيما صنع من رعيه الخنازير ورضاه بالأجر من رعيته الخنازير، إلا أن يكون ممن يعذر بالجهالة، فيكف عنه في الضرب، ولا يعطى من هذه الإجارة شيئًا ويتصدق بالأجرة على المساكين، ولا تترك الأجرة للنصراني مثل قول مالك في الخمر" (١).
"قلت: أرأيت إن آجرت داري ممن يتخذها كنيسة، أو بيت نار وأنا في مصر من الأمصار، أو في قرية من قرى أهل الذمة؟ قال: قال مالك: لا يعجبني أن يبيع الرجل داره ممن يتخذها كنيسة، ولا يؤاجر داره ممن يتخذها كنيسة، ولا يبيع شاته من المشركين إذا علم أنهم إنما يشترونها ليذبحوها لأعيادهم؟
قال مالك: ولا يكري دابته منهم إذا علم أنهم إنما استكروها ليركبوها إلى أعيادهم.
قلت: أرأيت الرجل أيجوز له أن يؤاجر نفسه في عمل كنيسة في قول مالك؟ قال: لا يحل له؛ لأن مالكًا قال: لا يؤاجر الرجل نفسه في شيء مما حرم الله.
قال مالك: ولا يكري داره، ولا يبيعها ممن يتخذها كنيسة" (٢).
"قلت: أرأيت مسلمًا آجر نفسه من نصراني يحمل له خمرا على دابته، أو على نفسه أيكون له من الأجر شيء، أم تكون له إجارة مثله؟ قال: قال مالك: لا تصلح هذه الإجارة، ولا أرى له أنا من الإجارة التي سمى، ولا من إجارة مثله قليلًا، ولا كثيرا؛ لأن مالكًا قال لي في الرجل المسلم يبيع خمرا قال مالك: لا أرى أن يعطى من ثمنها قليلًا، ولا كثيرًا فالكراء عندي بهذه المنزلة لا أرى أن يعطى من الإجارة قليلًا، ولا كثيرا" (٣).
стр. 178
قال خليل مبينا حرمة الإجارة في المعصية: "ولا تعليم غناء، أو دخول حائض لمسجد، أو دار: لتتخذ كنيسة: كبيعها لذلك وتصدق بالكراء وبفضلة الثمن على الأرجح" (١).
قال المواق معلقا على هذه الجملة: "قال مالك: لا يعجبني أن يبيع الرجل داره، أو يكريها ممن يتخذها كنيسة. ابن يونس:، فإن نزل ذلك فقال بعض شيوخنا: يتصدق بالثمن وبالكراء.
وقال بعضهم: يتصدق بفضلة الثمن وبفضلة الكراء؛ تقوم الداران لو بيعت، أو أكريت على أن تتخذ كنيسة، وتقوم أن لو بيعت، أو أكريت على غير ذلك الوجه فيعلم الزائد، فإن كانت مثل الكراء، أو ربعه تصدق بمثل ذلك الجزء من المسمى؛ لأن الفضل هو ثمن ما لا يحل.
وقال بعضهم: أما في البيع فيتصدق بالفضل كما ذكرنا، وأما في الكراء فيتصدق بالجميع؛ لأنه أجر داره لما لا يحل كمن أكرى داره لبيع الخمر، أو دابته لحمل الخمر. ابن يونس: وبهذا أقول" (٢).
وقال الشافعية: " ولا تجوز على المنافع المحرمة؛ لأنه يحرم فلا يجوز أخذ العوض عليه كالميتة والدم" (٣).
"ويؤيد ذلك ما صرحوا به من حرمة بيع الطعام للكافر في نهار رمضان مع أنا لا نتعرض له إذا وجدناه يأكل، أو يشرب اه (٤).
"(فرع) قال في العباب، ولا يمنع ذمي لبس حرير وتعممًا وتطيلسًا وتطيبًا كثيرًا وإفطارًا في رمضان اه، وعدم منعه من الإفطار لا ينافي حرمته عليه
стр. 179
فإنه مكلف بفروع الشريعة ومن، ثم أفتى شيخنا م ر بأنه يحرم على المسلم أن يسقي الذمي في رمضان بعوض، أو غيره؛ لأن في ذلك إعانة على معصية، لكن يشكل عليه أنه يجوز الإذن له في دخول مسجد وإن كان جنبًا، إلا أن يفرق بأن حرمة الفطر أشد وبأنه أدل على التهاون بالدين فليتأمل" (١).
قال الخطيب مفصلا الإجارة على المعصية: (و) لا استئجار مسلمة (حائض)، أو نفساء، أو مستحاضة إجارة عين (لخدمة مسجد)، وإن أمنت التلويث، وجوزنا العبور لاقتضاء الخدمة المكث، أو التردد، وهي ممنوعة منه. أما الكافرة إذا أمنت التلويث فالأشبه الصحة كما قاله الأذرعي بناء على الأصح من تمكين الكافر الجنب من المكث بالمسجد؛ لأنها لا تعتقد حرمته، ولو استأجر عين امرأة مسلمة، لكنس مسجد فحاضت، أو نفست انفسخت الإجارة، فلو دخلت وكنست عصت ولم تستحق أجرة، وفي معنى خدمة المسجد تعليم القرآن، وفي معنى الحائض المستحاضة، ومن به جراحة نضاحة إذا لم يأمن التلويث. وأما إجارة من ذكر في الذمة فتصح، ولا استئجار لتعليم التوراة، والإنجيل، والسحر، والفحش، والنجوم، والرمل، ولا لختان الصغير الذي لا يحتمل، ولا لختان الكبير في شدة الحر والبرد، ولا لتثقيب الأذن ولو لأنثى، ولا للزمر والنياحة وحمل الخمر غير المحترمة لا للإراقة، ولا لتصوير الحيوانات وسائر المحرمات، وجعل في التنبيه من المحرمات الغناء، وفيه كلام ذكرته في شرحه، ولا يجوز أخذ العوض على شيء من ذلك كبيع الميتة. أما الاستئجار على حمل الخمر للإراقة، أو حمل المحترمة (٢)، فجائز كنقل الميتة إلى المزبلة، وكما يحرم أخذ الأجرة على المحرم يحرم
стр. 180
إعطاؤها، إلا لضرورة كفك الأسير، وإعطاء الشاعر؛ لئلا يهجوه، والظالم ليدفع ظلمه، والحاكم ليحكم بالحق، فلا يحرم الإعطاء عليها" (١).
وصرح الحنابلة بأن الكفار: يمنعون أيضًا من إظهار (أكل وشرب في نهار رمضان ومن إظهار بيع مأكول فيه كشواء ذكره القاضي) لما فيه من المفاسد" (٢).
ولذلك شرطوا في الإجارة "أن تكون المنفعة مباحة مقصودة: فلا تجوز الإِجارة على الزنا والزمر والغناء، ولا إِجارة الدار لتجعل كنيسة، أو بيت نار، أو لبيع الخمر، ولا يصح الاستئجار على حمل الميتة والخمر، وعنه يصح ويكره أكل أجرته. " (٣)
قال ابن قدامة: ولا يجوز الاستئجار على حمل الخمر لمن يشربها، ولا على حمل خنزير، ولا ميتة؛ لذلك. وبهذا قال أبو يوسف، ومحمد، والشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز؛ لأن العمل لا يتعين عليه، بدليل أنه لو حمله مثله جاز، ولأنه لو قصد إراقته، أو طرح الميتة، جاز.
وقد روي عن أحمد، في من حمل خنزيرا، أو ميتة، أو خمرا لنصراني: أكره أكل كرائه، ولكن يقضى للحمال بالكراء، فإذا كان لمسلم فهو أشد. قال القاضي: هذا محمول على أنه استأجره ليريقها، فأما للشرب فمحظور، ولا يحل أخذ الأجرة عليه. وهذا التأويل بعيد؛ لقوله: أكره أكل كرائه، وإذا كان لمسلم فهو أشد. ولكن المذهب خلاف هذه الرواية؛ لأنه استئجار لفعل محرم، فلم يصح، كالزنى" (٤).
стр. 181
وعلى ما تقدم تبين حكم مسألة العمل في متجر، أو مطعم يقدم الخمر والخنزير لغير المسلمين أنه لا يجوز للمسلم فعل ذلك.
وهذا ما عليه المالكية، والشافعية، والحنابلة في المعتمد وأصحاب أبي حنيفة مخالفين لإمامهم في ذلك، أما الخمر فلحرمة حمله ولعن بائعه، وهكذا الخنزير يحرم بيعه ولو لكافر؛ لأن محرمات العين محرمة البيع فثمنها حرام ونقلها، أو تقديمها بإجارة محرم؛ لأنها بيع منافع متعلقة بالحرام.
وإن حرم بيعها والمعاوضة بها حرم على المسلم مزاولة العمل فيها، أو توصيلها، أو تقديمها ولو بدون مقابل؛ لأن المنكر على المسلم يحرم عليه المساعدة عليه، أو القيام به، أو تسهيله، وهذا داخل في عموم ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]
والإثم ما كان إثما في شريعتنا فمحرم التعاون عليه، ولو لم يعتقده الغير إثما.
ولهذا جاء في فتوى دار الإفتاء المصرية: "يؤخذ من هذا أن أجير الكنيسة إذا كان قد تعاقد معهم على أخذ الأجرة في نظير تعاطيه عملية الفراشة ودق الناقوس فالإجارة فاسدة، وأكل الأجرة مكروه؛ لأنه تعاقد معهم على عمل اقترن بمعصية وهى دق الناقوس، وينبغى له أن يترك هذا العمل ويبحث عن مرتزق أخر "مجلة الإسلام -المجلد الرابع -العدد الثالث " (١)
ولا يقاس على المسافر والمريض، أما المسافر والمريض فإنه معذور أصلًا غير مكلف بالصيام الآن فجاز تقديم الطعام له، أما الكافر فيحرم تقديم الطعام له في نهار رمضان، وكذلك تقديمه لمسلم عاص.
وكذلك العمل في المطاعم التي تقدم الخمر والخنزير للكفار، فلا يجوز ذلك إن كان هو من يقدمها لدخوله في اللعن. وما أخذ من أجرة فهي حرام.
стр. 182
ويستثنى من ذلك حال الضرورة التي لا يجد معها المسلم عملًا لرزقه وعياله إلا هذا، ولا يقدر على الانتقال. وسنبسط القول في فقه الأقليات إن شاء الله تعالى.
المسألة الثانية: إسلام الكافر في نهار رمضان
لو أسلم الكافر أثناء اليوم فلا تكليف عليه بصوم يومه؛ لأنه فات.
بخلاف الصلاة لو أدرك ما يسع بعض الفرض والفرق أن الصلاة يمكن إتمامها ولو خرج الوقت.
بخلاف الصوم فلا يمكن إتمام ما فات من النهار بصوم الليل.
فالتكليف مرتفع هنا هذا هو النظر، إلا أن الأثر ورد موهما المعارضة، وهو أمره ﷺ لمن أصبح مفطرًا في عاشورا أن يتم صومه ولم يأمره بقضاء.
وذلك فيما رواه البخاري: عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: ﴿أمر النبي ﷺ رجلا من أسلم: أن أذن في الناس: أن من كان أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء﴾ (١).
وعارضه أن شرط وجوب الأداء إدراك ما يسع العبادة. وهذا لم يدرك محل الصيام، وهو اليوم من الفجر إلى الليل. وأما الصلاة فمن أدرك منها ما يسع ركعة فعليه أداؤها؛ لأنه بإدراكها تصح منه ولو خرج الوقت بخلاف الصيام. فلو أدرك جزءا منه لا يصح بإتمامه في الليل.
فالأقرب هو القول بعدم اللزوم. وهو ما ذهب إليه الشافعية قال إمام الحرمين: "وهو الأصح؛، فإن وجوب الإمساك تبع لزوم الصوم، وهؤلاء لم يلتزموا الصوم؛ فإنهم لم يدركوا وقتًا يسع الصوم الشرعي، وشرط التكليف الإمكان. " (٢)
стр. 183
وهو مذهب ابن حزم؛ حيث قال: "ولا يختلفون في أن الذي بلغ، والذي أسلم إن أكلا فليس عليهما قضاؤه، فصح أنهم في هذا اليوم غير صائمين أصلًا، وإذا كانوا غير صائمين فلا معنى لصيامهم، ولا أن يؤمروا بصوم ليس صومًا، ولا هم مؤدون به فرضًا لله تعالى، ولا هم عاصون له بتركه - وبالله تعالى التوفيق. " (١)
أما الحنفية (٢)، والمالكية، والحنابلة فذهبوا إلى وجوب الإمساك بقية اليوم وعمدتهم ما تقدم من حديث عاشورا.
قال القرافي: "فلو أسلم الكافر قال مالك يمسك لكونه مخاطبا بفروع الشرع خلافًا لأشهب" (٣).
وقال المرداوي: " (وإن أسلم كافر، أو أفاق مجنون، أو بلغ صبي، فكذلك) يعني يلزمهم الإمساك والقضاء إذا وجد ذلك في أثناء النهار، وهذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب. وعنه لا يجب الإمساك، ولا القضاء" (٤).
стр. 184
المبحث الرابع: ركن الصيام النية والإمساك عن المفطرات
أما النية فالأصل فيها كلي من القرآن والسنة، وجزئي من السنة،
ويدخل في هذا الباب الاستدلال بالإجماع، والقياس.
أما الإجماع: فإنهم أجمعوا أن من بيت النية من الليل فقد أدى ما عليه (١).
واختلفوا فيما سوى ذلك.
أما الأصول الكلية الحاكمة لهذا الباب فقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
ومعلوم أن الصوم من العبادات فشملها النص، وهو اشتراط الإخلاص لله فيه، ولا إخلاص إلا بنية؛ لأنه نية وزيادة.
وأما الكلي من السنة فحديث: ﴿إنما الإعمال بالنيات﴾، فلزم أن لا صوم إلا بنية لهذا العموم الكلي.
أما الخصوص فقول وفعل معارض له فيما يظهر للناظر.
أما القول فحديث: ﴿من لم يبيت النية من الليل فلا صيام له﴾.
قال الإمام أحمد: "حدثنا حسن بن موسى، قال: حدثنا ابن لهيعة، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن ابن شهاب، عن سالم، عن حفصة، عن
стр. 185
النبي ﷺ أنه قال: "من لم يجمع الصيام مع الفجر، فلا صيام له" (١)، قال الشيخ الأرناؤط فيه ابن لهيعة روى عن حسن بن موسى بعد الاختلاط واحتراق كتبه، قلت: ولكن أخرجه أبوداود من طريق ابن وهب عنه وما روى عنه فهو صحيح كما هو معلوم في علم العلل.
وقد جمعت ذلك في منظومتي في العلل:
وقبلوه إن روى العبادلة … . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
القعنبي وابن يزيد المقري … وابن المبارك ابن وهب المصري
فأبو داوود أخرجه عن عبد الله بن وهب، حدثني ابن لهيعة، ويحيى بن أيوب، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن حفصة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿من لم يجمع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له﴾ قال أبو داود: رواه الليث، وإسحاق بن حازم أيضًا جميعًا عن عبد الله بن أبي بكر مثله، وأوقفه على حفصة معمر، والزبيدي، وابن عيينة، ويونس الأيلي كلهم عن الزهري (٢).
قلت: هذه هي العلة التي تضعفه فلا يصح مرفوعا لذلك قال الترمذي: «حديث حفصة حديث لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه»، وقد روي عن نافع، عن ابن عمر قوله، وهو أصح، «وهكذا أيضا روي هذا الحديث عن الزهري موقوفا ولا نعلم أحدا رفعه إلا يحيى بن أيوب» وإنما معنى هذا عند بعض أهل العلم: لا صيام لمن لم يجمع الصيام قبل طلوع الفجر في رمضان، أو في قضاء رمضان، أو في صيام نذر، إذا لم ينوه من الليل، لم يجزه، وأما صيام التطوع، فمباح له أن ينويه بعد ما أصبح، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق " (٣).
стр. 186
وقال البخاري: عن حفصة، عن النبي ﷺ خطأ، وهو حديث فيه اضطراب، والصحيح عن ابن عمر موقوف، ويحيى بن أيوب صدوق (١).
قال ابن الملقن قال البيهقي في خلافياته: رواته ثقات، وصححه مرفوعًا في سننه أيضًا، والدارقطني والخطابي وعبد الحق وابن الجوزي. وموقوفًا الترمذي وأبو حاتم، وإليه يميل كلام أبي داود (٢).
قال أبو زكريا: مع هذا الاختلاف والاضطراب لا يعتمد على الحديث في مثل هذا الحكم
لكن النية حكم كلي يدخل في الأعمال ولا يصح عمل عبادي إلا بها
ولذلك تجب في سائر العبادات ركنا فلا صلاة ولا صوم ولا زكاة ولا حج إلا بنية.
أما الفعل فحديث عن عائشة، أم المؤمنين عند مسلم قال: ﴿وحدثنا أبو كامل فضيل بن حسين، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا طلحة بن يحيى بن عبيد الله حدثتني عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: «قال لي رسول الله ﷺ ذات يوم: يا عائشة هل عندكم شيء؟ قالت: فقلت: يا رسول الله ما عندنا شيء، قال: فإني صائم، قالت: فخرج رسول الله ﷺ ، فأهديت لنا هدية، أو جاءنا زور، قالت: فلما رجع رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله، أهديت لنا هدية، أو جاءنا زور، وقد خبأت لك شيئا، قال: ما هو؟ قلت: حيس، قال: هاتيه، فجئت به فأكل، ثم قال: قد كنت أصبحت صائما» قال طلحة: فحدثت مجاهدا بهذا الحديث فقال: ذاك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله، فإن شاء أمضاها، وإن شاء أمسكها﴾ (٣).
وعند مسلم كذلك: «وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا وكيع عن طلحة بن يحيى، عن عمته عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين. قالت:
стр. 187
دخل علي النبي ﷺ ذات يوم فقال "هل عندكم شيء؟ " فقلنا: لا. قال "فإني إذن صائم" ثم أتانا يوما آخر فقلنا يا رسول الله! أهدي لنا حيس. فقال" أرينيه. فلقد أصبحت صائما" فأكل» (١)
قلت: وهذا دليل أنه صام حينها لأنه قال فإني إذا صائم، وتدل الرواية أنها تكررت منه ﵊، فكان مرة ينوي الصوم حينها، ومرة كان يصبح صائما، ثم يطلب الطعام فإن لم يجد أتم صومه.
وعند ابن ماجه: فقال: ﴿هل عندكم شيء؟ فنقول: لا، فيقول: إني صائم فيقيم على صومه، ثم يهدى لنا شيء، فيفطر، قالت: وربما صام وأفطر، قلت: كيف ذا؟ قالت: إنما مثل هذا مثل الذي يخرج بصدقة، فيعطي بعضا، ويمسك بعضا (٢).
وعن عائشة، أم المؤمنين ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ فقلت: إنا خبأنا لك حيسًا، فقال: ﴿أما إني كنت أريد الصوم، ولكن قربيه﴾ (٣).
وعند الدارقطني: عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة، أم المؤمنين، قالت: كان النبي ﷺ يأتينا فيقول: ﴿هل عندكم من غداء؟﴾، فإن قلنا: نعم تغدى، وإن قلنا: لا قال: إني صائم، وإنه أتانا ذات يوم وقد أهدي لنا حيس، فقلت: يا رسول الله قد أهدي لنا حيس وقد خبأنا لك، فقال: أما إني أصبحت صائما فأكل﴾. قال الدارقطني وهذا إسناد صحيح (٤).
وهذه السنن القولية والفعلية يجمع بينها بأن الأول عام لصوم الفرض والنفل بدلالة (ال) في الصيام. ودلالة (من) التي تفيد العموم وهو حديث قولي.
стр. 188
والثاني لا عموم له؛ لأنه فعل، فلا يشمل سوى صورة صوم التطوع.
لكنه مؤثر من جهة المعارضة، ففي النظر إلى هذه النصوص لنا طرق:
الطريق الأول: إما أن نغلب العموم القولي ونرجحه على الفعل.
وهذا ما فعله المالكية فذهبوا إلى أن التبييت واجب للنفل والفرض ومتمسكهم العموم القولي (من لم يبيت) (١).
وأجابوا عن الحديث الفعلي: أنه معل من جهة الرواية سندًا ومتنًا (٢) ومأول من جهة الدراية بما لا يستقيم معه الاستدلال.
١ - أما من جهة إعلال الرواية فقد رواه طلحة بن يحيى، واضطرب في إسناده، فرواه عنه طائفة عن مجاهد، عن عائشة، وروته طائفة عنه عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة، أم المؤمنين.
قلت: وهذا لا يضر؛ لأن مجاهدًا سمعه مرة بواسطة، ومرة بدونها، والحديث أخرجه مسلم من طريق غير هذه ثابتة الصحة.
٢ - أما إعلال المتن، فإن منهم من لا يقول فيه: (إذًا إني صائم) ومنهم من يقول: (إني صائم)
قلت: ولا تناف بينهما؛ لأن الأخرى بالفاء فإني صائم، وهذا يدل على الاستئناف.
٣ - ، أما من جهة الدراية: فقد رام ابن القصار تأويله فزعم أنه كان صائما -يعني من الليل- وإنما سألهم لأجل أن يخبؤه له إلى وقت الإفطار فتسكن نفسه إليه، فلا يتكلف ما يفطر عليه، فلما قالوا له: (لا) قال: (إني صائم إذا)، أي إني ما كنت أو إني بمنزلة الصائم، أو أنه عزم على الفطر لعذر فلما لم يجد شيئًا تمم صومه الذي كان.
стр. 189
وهذه التأويلات متكلفة لا تحتملها اللغة ولا الحال.
أما اللغة فظاهر، أما الحال فكيف يقال إنه ﷺ قال ذلك لتسكين نفسه حتى لا يتكلف ما يفطر عليه.
وهذا لا يليق بحاله عليه الصلاة والسلم أن يبحث عن الإفطار أول النهار لتسكن نفسه. ولا يعمله عوام الناس فضلًا عن غيرهم. فكيف برسول الله ﷺ . (١)
ويبطل هذا التأويل أنه جيء بطعام بعدما قال إني صائم فأكله، فدل أنه لا يقصد أن يخبؤوه لإفطاره إلى المغرب.
стр. 190
فعن عائشة، أم المؤمنين ﵂، قالت: قال لي رسول الله ﷺ : ذات يوم يا عائشة، هل عندكم شيء؟ قالت: فقلت: يا رسول الله، ما عندنا شيء قال: فإني صائم قالت: فخرج رسول الله ﷺ فأهديت لنا هدية -، أو جاءنا زور - قالت: فلما رجع رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله، أهديت لنا هدية -، أو جاءنا زور - وقد خبأت لك شيئا، قال: ما هو؟ قلت: حيس، قال: هاتيه فجئت به فأكل، ثم قال: قد كنت أصبحت صائما قال طلحة: فحدثت مجاهدا بهذا الحديث، فقال: ذاك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله، فإن شاء أمضاها وإن شاء أمسكها (١).
كما أن هذا التأويل ترده أفعال الصحابة فقد جاء عن بن عباس وابن مسعود وحذيفة وأنس أنهم أجازوا في التطوع أن ينويه بالنهار قبل الزوال، وفعله أبو طلحة وأبو هريرة وقالت أم الدرداء: كان أبو الدرداء يقول هل عندكم طعام، فإن قلت: لا. قال إني صائم يومي هذا (٢).
стр. 191
وقد رجعت إلى أسانيدها، وهي صحيحة وحسنة عنهم (١).
ونقل عن هؤلاء أن منهم من فعل ذلك ضحى ومنهم في الظهر ومنهم بعد الزوال.
وعن بن عباس أنه كان يصبح حتى يظهر، ثم يقول والله لقد أصبحت وما أريد الصوم وما أكلت من طعام، ولا شراب منذ اليوم ولأصومن يومي هذا.
وعن حذيفة بسند قال النووي صحيح (٢) أنه قال من بدا له الصيام بعد ما تزول الشمس فليصم وكان إذا بدا له في الصوم بعد ما زالت الشمس صام (٣)
قال الحافظ: أما أثر أبي طلحة فوصله عبد الرزاق من طريق قتادة وبن أبي شيبة من طريق حميد كلاهما عن أنس ولفظ قتادة أن أبا طلحة كان يأتي أهله فيقول هل من غداء فإن قالوا لا صام يومه ذلك قال قتادة وكان معاذ بن جبل يفعله ولفظ حميد نحوه وزاد وإن كان عندهم أفطر ولم يذكر قصة معاذ
وأما أثر أبي هريرة فوصله البيهقي من طريق بن أبي ذئب عن حمزة عن يحيى عن سعيد بن المسيب قال رأيت أبا هريرة يطوف بالسوق ثم يأتي
стр. 192
أهله فيقول عندكم شيء فإن قالوا لا قال فأنا صائم ورواه عبد الرزاق بسند آخر فيه انقطاع أن أبا هريرة وأبا طلحة فذكر معناه
وأما أثر بن عباس فوصله الطحاوي من طريق عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن بن عباس أنه كان يصبح حتى يظهر ثم يقول والله لقد أصبحت وما أريد الصوم وما أكلت من طعام ولا شراب منذ اليوم ولأصومن يومي هذا.
وأما أثر حذيفة فوصله عبد الرزاق وبن أبي شيبة من طريق سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي قال قال حذيفة من بدا له الصيام بعد ما تزول الشمس فليصم وفي رواية بن أبي شيبة أن حذيفة بدا له في الصوم بعد ما زالت الشمس فصام انتهى (١)
وذهب ابن حزم إلى وجوب تبييت النية لعدم التصريح في حديث الفعل أنه أصبح مفطرًا.
فقال: قال أبو محمد فنقول: معاذ الله أن نخالف شيئًا صح عن رسول الله ﷺ ، أو أن نصرفه عن ظاهره بغير نص آخر، وهذا الخبر صحيح عن رسول الله ﷺ إلا أنه ليس فيه أنه ﵇ لم يكن نوى الصيام من الليل، ولا أنه ﵇ أصبح مفطرا، ثم نوى الصوم بعد ذلك، ولو كان هذا في ذلك الخبر لقلنا به، لكن فيه: أنه ﵇، كان يصبح متطوعا صائما، ثم يفطر، وهذا مباح عندنا لا نكرهه، كما في الخبر، فلما لم يكن في الخبر ما ذكرنا، وكان قد صح عنه ﵇ ﴿لا صيام لمن لم يبيته من الليل﴾ لم يجز أن نترك هذا اليقين لظن كاذب. ولو أنه ﷺ أصبح مفطرا، ثم نوى الصوم نهارًا لبينه. (٢)
الطريق الثاني: ترجيح الفعل وهي طريقة الحنفية.
وإما أن نغلب الفعل فنقول يدل هذا على أن التبييت ليس بواجب ودلالته ظاهرة
ويلحق بالنفل صوم الفرض؛ لأنه لا فرق بينهما ومن ادعى الفرق المؤثر فعليه الدليل.
стр. 193
وهذا الاتجاه جنح إليه الحنفية ومعلوم أن الترجيح عنده مقدم على الجمع، وللحنفية أن يقولوا بإعلال حديث ﴿من لم يبيت النية من الليل فلا صيام له﴾؛ حتى لا يلزمهم الجمع. وإعلاله هو الصحيح وتصحيح ابن حزم له متعقب. (١).
وعلى فرض تسليم صحته فهو لنفي الكمال بدليل حديث عاشورا، وهو الأصل الذي اعتمدوا عليه وذلك أن عاشورا أمر النبي ﷺ بصيامه نهارًا ولم يكن الناس قد بيتوا النية وكان حينئذ إيجاب فيصح قياس صوم رمضان عليه؛ لأنه قياس واجب على واجب، وهذا أصل القياس الذي نبهنا عليه قبلًا.
ونوقش بأن الوجوب منازع فيه ولو سلم فإنه قد نسخ فكيف يقاس عليه.
ولكن نسخ وجوب الصوم في عاشوراء لا علاقة له بنية الواجب في النهار؛ لأن التعليل ينسحب إلى غيره. إلا لو قيل إن نسخ وجوبه يقتضي نسخ ما تعلق به من أحكام، وهذا غير بين.
стр. 194
ثم شرطوا أن تكون النية قبل الزوال لتكون النية في أكثر الفرض، وعلة ذلك أنه أحوط؛ ولأن الشريعة اعتبرت الأكثر مقام الكل في كثير من أمورها (١).
ورد هذا بأن العبادات لا يعتبر فيها الأكثر مقام الكل؛ لأن المطلوب شرعًا جميعها، كالوضوء والصلاة والحج والزكاة، فما كان من ماهيتها وجب أن يؤتى به كله، ولا تصح أجزاء العبادة إلا بالنية هذا هو الأصل، فوجب أن تكون من أولها، وإنما استثني التطوع في الصيام فقط للنص ولولاه لكان حكمه كالفرض.
الطريق الثالث: الجمع.
وإما أن نحاول الجمع بينهما فنحمل القول على الفرض ونقصر الفعل على ما ورد فيه، وهو النفل. وهذا اتجاه ذهب إليه الشافعية، والحنابلة (٢).
قلت: الذي يظهر أن حديث التبييت لا يصح رفعه من طريق.
وعلى الوقف فإنه ليس في حكم المرفوع.
لأنه قابل للاجتهاد لا كما قال الشيخ الألباني بعد أن أيس من تصحيح إحدى طرق الرفع. لكنه بعد ذلك صححه لميل قلبه أن فتوى حفصة وغيرها لا تكون إلا عن رفع للنبي، وهذا متعقب؛ لأن استنباط مثل هذا من كليات الشريعة الآمرة بالنية ممكن ولأن النية ركن الصوم ومعلوم أن بدايته أول طلوع الفجر فلابد أن تكون النية من الليل جزمًا فهذا من حيث النظر ليصح كل جزء من الصيام.
وأحاديث صيامه بعد طلبه الغداء صحيحة تدل أنه أراد الصوم واستأنفه، وهي متعددة القصة.
стр. 195
وتدل بعضها أنه أنشأ الصيام حينها ولم يكن نوى من الليل فهي متعددة كما تقدم.
والعجب من ابن حزم حيث رأى بطلان من نوى الفطر بمجرد النية، ثم هو يدعى أنه لا يوجد ما يدل أنه لم يبيت النية من الليل؛ لأنه لو قال بذلك لنقض مذهبه في أن قطع النية مبطل للصوم. لذلك لجأ المالكية إلى القول بالتأويل لأنهم يبطلون الصوم بمجرد قطع النية
стр. 196
الفصل الثالث
مبطلات الصيام تأصيلًا وتنزيلًا
المبحث الأول: المفطرات عصر الصحابة والتابعين ومتى جاء التوسع فيها
المبحث الثاني: الكلام على الحال -بالتشديد- وهي المفطرات
المبحث الثالث: الكلام على محل الإفطار وبيان دوائره الثلاث النصية ومعني النص والقياس، أو المقصود
стр. 197
المبحث الأول: المفطرات عصر الصحابة والتابعين ومتى جاء التوسع فيها
الكلام في مبطلاته وبيان دائرة المنصوص ودائرة معنى المنصوص ودائرة الشبه، أو القياس الجنسي. وهو ما تركب عليه النظر الفقهي من عصر فقهاء التابعين ومن بعدهم من الأئمة والمذاهب الخمسة وفقهاء الأمة بعدهم إلى عصرنا.
وأبدأ أولا بذكر المفطرات عند الفقهاء من الصحابة ومن بعدهم من التابعين والمذاهب الخمسة ومن جاء بعدهم من الأئمة، ثم أبين الوجه الفقهي ومن أين انتزع كل مذهب وفقيه قوله.
وأقسمه تقسيما ثلاثيا معتمدا على الدلالة النصية والمعنوية والقياسية بحسب رتبة القوة.
وهي مقاربة فقهية تسهل قانون النظر، وتؤسس لتجديد منهجي في دراسة الفقه وفهمه.
ليكون الناظر على بصيرة وفقه من أين يؤخذ الفقه ومنهجية، كل فقيه بما يؤدي إلى تقوية النظر لدى العالم والمتعلم وتكوين العقلية الفقيه القادرة على الاستنباط والاجتهاد.
أولا: المفطرات عند المذاهب من الصحابة والتابعين والمذاهب الخمسة ومن بعدهم
أما ما جاء من المفطرات عن الصحابة مما يدخل الجوف:
فقد تتبعت سائر مرويات الصحابة مما وقفت عليه من المراجع لأطلع على أقوالهم في المفطرات
стр. 198
والمفطر عندهم الأكل والشرب والجماع ومعلوم الخلاف في الحجامة والقيء.
ولم يصح عنهم في الأعيان غير المغذية شيء كحصاة، أو تراب، أو غيره.
ولم يأت عنهم في الريق، والنخاعة شيء، وقد كانوا يتمضمضون للوضوء.
وثبت عن أنس أنه كان يكتحل وهو صائم (١).
ولم يأت عنهم شيء في دم اللثة، أو بقايا الطعام في الفم مما يعسر التحرز منه.
ولم يأت عنهم شيء في الفطر بالحقنة.
وورد عن بعضهم أنهم كانوا يذوقون الطعام فعن ابن عباس بسند حسن قال: لا بأس أن يتطاعم الصائم من القدر (٢).
ولم يصح عن عائشة الترخيص في مضغ العلك للصائم.
وورد عن ابن عباس فيمن طار إلى حلقه ذباب أنه لا يضر (٣).
стр. 199
كما صح عنهم السواك في نهار الصوم في مختلف الأوقات بالرطب وغيره.
حتى صح عن زياد بن حدير قال: ما رأيت أحدا أدوم سواكا، وهو صائم من عمر بن الخطاب (١) أخرجه ابن أبي شيبة، وفي رواية عبد الرزاق. ولكن بعود قد ذوي يعني يابس.
وثبت عن نافع عن ابن عمر قال: لا بأس أن يستاك الصائم بالسواك الرطب واليابس (٢)
وفي مصنف ابن أبي شيبة بسند حسن: سئل ابن عباس عن السواك للصائم؟ فقال: نعم الطهور، استك على كل حال (٣)
ولم ينقل في عصر الصحابة شيء من المفطرات المتأخرة. وجاء عن أبي طلحة قال ابن حزم، وهو أبو طلحة، الذي روينا بأصح طريق عن شعبة، وعمران القطان كلاهما عن قتادة عن أنس: ﴿أن أبا طلحة كان يأكل البرد،
стр. 200
وهو صائم قال عمران في حديثه: ويقول: ليس طعاما، ولا شرابا﴾، وقد سمعه شعبة من قتادة، وسمعه قتادة من أنس؟ (١).
وصحت أحاديث في جواز القبلة للصائم وروي عن الصحابة في ذلك وغيرهم قال ابن حزم: وقد روينا ذلك من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر، وعلي بن الحسين، وعمرو بن ميمون، ومسروق، والأسود، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، كلهم عن عائشة بأسانيد كالذهب؟ ورويناه بأسانيد في غاية الصحة عن أمهات المؤمنين: أم سلمة، وأم حبيبة، وحفصة وعمر بن الخطاب، وابن عباس وعمر بن أبي سلمة، وغيرهم كلهم: عن النبي ﷺ (٢) انتهى.
ولم يتكلم الصحابة ولا التابعين عن الإمناء والنظر للصائم حتى قال ابن حزم: نقض الصوم بتعمد الإمناء خاصة لا نعلمه عن أحد من خلق الله تعالى قبل أبي حنيفة، ثم اتبعه مالك، والشافعي؟ (٣).
أما ما جاء عن التابعين من الأعيان المفطرة:
فمنها السعوط والكحل:
فعن إبراهيم النخعي لا بأس بالسعوط للصائم؟ ومن طريق عبد الرزاق عن المعتمر بن سليمان التيمي. أن أباه، ومنصور بن المعتمر، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة كانوا يقولون: إن اكتحل الصائم فعليه أن يقضي يوما مكانه (٤).
أما في الاكتحال فجاءت الكراهة والإباحة (٥).
стр. 201
- عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: كره أن يكتحل الصائم بالصبر، ولا يرى بالإثمد بأسًا عن ابن جريج قال: قلت: لعطاء: الصبر يكتحل به الصائم؟ قال: نعم إن شاء
- عن الثوري، عن القعقاع، أنه: سأل إبراهيم عن الصبر للصائم قال: اكتحل به، ولا تستعطه.
- عن الثوري، عن يونس، عن الحسن، وعن ليث، عن عطاء قال: لا بأس بالكحل للصائم.
- عبد الرزاق، عن ابن التيمي، أن أباه، ومنصور بن المعتمر، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة قالوا: إن اكتحل الصائم فعليه أن يقضي يومًا مكانه قال: "كان أبوه يكره الكحل للصائم.
- عن معمر، عن قتادة قال: لا بأس أن يزدرد الصائم ريقه.
- عن ابن جريج قال: قلت: لعطاء تمضمض، وهو صائم، ثم أفرغ الماء، أيضره أن يزدرده؟ قال: "لا يضره، وماذا بقي في فيه؟ "
- عن ابن جريج قال: قلت: لعطاء: أيمضغ الصائم علكا؟ قال: [لا] قلت: إنه ينفث ريق العلك، ولا يزدرده، ولا يمصه قال:، فإن لم يزدرد ريقه فإنه مرواة له، فإن ازدرد ريقه، وهو يقول: إنه ينهى عن ذلك فقد أفطر.
- عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر قال: سمعت قتادة يسأل عن العلك، فقال: "إني لأكرهه للصائم، وغير الصائم".
- عن ابن جريج، عن عطاء، كره أن يستدخل الإنسان شيئًا في رمضان بالنهار، فإن فعل فليبدل يومًا، ولا يفطر ذلك اليوم.
- عن الثوري قال: يفطر الذي يحتقن بالخمر، ولا يضرب الحد.
стр. 202
ثانيا: التوسع في المفطرات حين ظهور المدارس الفقهية.
فأدخلوا ما لا يتغذى ولو كان خشبًا، أو حديدًا وأمورًا كثيرة أخرى بالقياس لم يفت فيها الصحابة، ولا من بعدهم من التابعين.
فتوسعت المفطرات في المذاهب الأربعة جدًا بسبب القياس الخفي والبعيد (١) وخالفهم الظاهرية فتمسك بما فيه نص من المفطرات من أكل وشرب وجماع واستقاءة وحجامة.
فأما ما يعود على الأركان بالإبطال فهي:
١ - إبطال النية عمدًا وقد تقدم الكلام عليها بتوسع في التبييت
٢ - الأكل والشرب.
٣ - الجماع.
وهذا مما لا خلاف فيه، أما كيفية الاستدلال له: فمن ظاهر النص في آية الصوم: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. فهذا نص في الامتناع من هذه نهارًا إلى الليل. وسبق كيفيته الاستدلال تفصيلا.
وسينقسم النظر هنا بحسب الترتيب والتتبع إلى قسمين:
القسم الأول: الكلام عن الحال بالتشديد وهي المفطرات.
القسم الثاني: عن المحل.
وكل له ثلاث دوائر النص والمعنى والقياس والكلام عنها في التالي:
стр. 206
المبحث الثاني: الكلام على الحال -بالتشديد- وهي المفطرات
والكلام عليها ينقسم إلى ثلاث دوائر:
الدائرة الأولى: ما هو منصوص.
وهذه تدور على ما في الآية من سورة البقرة والتي نصت على ثلاثة مفسدات للصوم الأكل، والشرب، والجماع ومن السنة نصوص في مسألة الحجامة ومسألة القيء وفي هذا مسائل:
المسألة الأولى: في الأكل والشرب.
والمتفق عليه هنا أن من أكل، أو شرب عمدًا، فإن صومه يبطل وعمدته هذا النص.
إلا أن النص مطلق عن العمدية، أو أي مقيد فأحل الله الأكل والشرب: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
فعقل من النص أن الأكل والشرب نهارًا محرم وأنه ركن الصيام وعقل من إطلاقه أن من شرب، أو أكل عامدًا، أو ناسيًا، أو مكرهًا، أو مخطئًا الأصل فيه الإفطار وإطلاقات الشرع يجب اعتبارها، إلا إن ورد ما يقيدها، وهذا ماسنبينه في ما يلي وهي:
المسالة الثانية: من نسي فأكل أو شرب.
عمدة مسائل النسيان على أصول كلية حاكمة له وعلى أصول كلية معارضة تخص باب الصيام وعلى أدلة جزئية خاصة في باب الصيام وعلى القياس.
стр. 207
وكيفية التعامل مع هذه الأصول أدى إلى منتوجات فقهية في المدارس الفقهية.
أما الأصول الكلية فقوله -تعالى-: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا، أو أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].
والحديث عند ابن حبان قال «ذكر الإخبار عما وضع الله بفضله عن هذه الأمة.
أخبرنا وصيف بن عبد الله الحافظ، بأنطاكية، حدثنا الربيع بن سليمان المرادي، حدثنا بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال: ﴿إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه﴾ (١)
стр. 208
قال أبو زكريا: هذا حديث صحيح الإسناد رجاله كلهم ثقات قال عبد الحق: «مِمّا رويته بالإسناد المتصل الصحيح إلى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلى: "إن الله تجاوز عن أمتىِ الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»
أما الأصول المعارضة لهذه في باب الصيام هو أن الأصل أن من أكل، أو شرب، أو جامع فصومه فاسد لعموم النص في آية الصيام وإطلاقه؛ لإنه أذن في الأكل، والشرب، والجماع إلى تبين الفجر، ثم أمر بإتمام الصيام إلى الليل فمن فعل شيئًا من ذلك لا يكون متما للصيام.
وأما النص الخاص فما رويناه من طريق البخاري قال: حدثنا عبدان، أخبرنا يزيد بن زريع، حدثنا هشام، حدثنا ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: ﴿إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه﴾ (١).
стр. 209
وفي رواية للدارقطني وغيره: ﴿ولا قضاء عليه، ولا كفارة﴾ حسنها النووي والألباني (١).
قال أبو زكريا: وقد كان في نفسي من هذه الزيادة استغراب واستنكار، حتى اطلعت على قول ابن عدي: هذا غريب المتن والإسناد، فغربة متنه حيث قال: فلا قضاء عليه، ولا كفارة، وغربة الإسناد من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ولم أر لابن مرزوق هذا أنكر من هذين الحديثين، وهو لين، وأبوه محمد بن مرزوق ثقة. (٢) انتهى كلام ابن عدي، وهو الصواب.
أما القياس فهو قياس ما لم ينص، وهو الجماع نسيانًا على نسيان الأكل والشرب، أو تنزيل الأصول الكلية عليه في إعذار الناسي.
وعلى هذا جرى الخلاف الفقهي في مذهبين مشهورين:
الأول: من ذهب إلى أن الناسي إن أكل، أو شرب لا شيء عليه
قال ابن المنذر: روينا هذا القول عن على، وابن عمر، وأبى هريرة، وعطاء، وطاوس، والنخعى، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والثورى، والأوزاعى، والشافعى، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق (٣).
الثاني: أنه يفسد الصيام، وهو قول ربيعة، ومالك، وسعيد بن عبد العزيز،
قال ابن جزي: تلخيص المذهب في القضاء والكفارة، أما من أفطر عامدا في جميع أنواع الصيام فعليه القضاء، ولا يكفر إلا في رمضان ومن
стр. 210
أفطر في جميعها ناسيا فعليه القضاء دون الكفارة إلا في التطوع فلا قضاء، ولا كفارة (١)
فالفريق الأول: عملوا بالنصوص الكلية والجزئية التي تسقط التبعة عن الناسي وجعلوها مخصصة للأصل الذي ادعاه الفريق الآخر، وهو عموم وإطلاق آيات الصوم التي تشمل العامد والناسي في الحكم.
وهذا هو الصواب؛ لأن الحديث نص في المسألة ولعل مالكًا ما بلغه ذلك ودلالة الحديث على المطلوب من حيث أنه نص على أنه أكل وشرب ناسيًا.
ومن جهة أنه بيان، ولا يجوز تأخير شيء منه وليس فيه القضاء أو الكفارة.
وقد حاول بعض فقهاء المالكية المنافحة عن المذهب إما بالاستدلال، أو بالتأويل تارة وبالقياس تارة:
١ - ، أما بالاستدلال فبما روى مالك في "الموطأ" عن زيد بن أسلم: أن عمر بن الخطاب أفطر ذات يوم في رمضان في يوم ذي غيم، ورأى أنه قد أمسى وغابت الشمس، فجاءه رجل فقال له: يا أمير المؤمنين، قد طلعت الشمس، فقال عمر: "الخَطْب يسير، وقد اجتهدنا".
قال مالك: يريد بقوله: "الخطب يسير" القضاءَ فيما نُرى. والله أعلم (٢).
وكذلك قال الشافعي. قال ابن القيم وقوله: "وقد اجتهدنا" مُؤذِن بعدم القضاء، (٣).
قلت: يعارضه ما جاء من "طريق عبد الرزاق: ثنا معمر عن الأعمش عن
стр. 211
زيد بن وهب قال: أفطر الناس في زمن عمر بن الخطاب فرأيت عساسا أخرجت من بيت حفصة فشربوا، ثم طلعت الشمس من سحاب، فكأن ذلك شق على الناس، فقالوا: نقضي هذا اليوم فقال عمر: لم؟ والله ما تجانفنا لإثم" (١). وأخرجه البخاري فقال: حدثني عبد الله بن أبي شيبة: حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: «أفطرنا على عهد النبي ﷺ يوم غيم، ثم طلعت الشمس». قيل لهشام: فأمروا بالقضاء؟ قال: بد من قضاء وقال معمر: سمعت هشاما: لا أدري أقضوا أم لا. (٢)
قلت: وردت عن عمر رواية بالقضاء ووردت رواية بعدمه، وهذا تعارض شديد يدخل الحديث في قسم المضطرب. فلا حجة فيه. فيرجع إلى الأصل في الباب، وهو النص المذكور، وهو أن من أفطر ناسيا فصومه صحيح.
٢ - ، أما ما استدلوا به من جهة القياس فقالوا من أكل بعد الفجر يظن بقاء الليل فهو مفطر.
فيقاس عليه من أكل، أو شرب ناسيا بجامع الخطأ وجوابه أنه قياس مقابل نص، وهو فاسد الاعتبار، مع أن الأصل المقيس عليه ليس محل اتفاق؛ بل ذهب جماعة إلى أن من أكل وشرب ظانا بقاء الليل أنه يتم صومه وقد ذكرهم أبو محمد في المحلى نقله "عن عمر بن الخطاب، والحكم بن عتيبة، ومجاهد؛ والحسن، وجابر بن زيد أبو الشعثاء، وعطاء بن أبي رباح، وعروة بن الزبير -، وهو قول أبي سليمان. " وعن معاوية، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، وهشام بن عروة، وعطاء، وزياد بن النضر، (٣).
стр. 212
٣ - ، أما التأويل: فزعم ابن القصار أن قوله فليتم صومه أي باعتبار ما كان وأن عليه القضاء، وأن الرجل كان متطوعا؛ لأن المتطوع يفطر، ولا قضاء عليه، ولا كفارة (١)
стр. 213
وهذا كله تكلف لا قبل للغة بها، إنما هو إلف الكفاح عن المذهب الذي يسوق إلى مثل هذه المضايق والتأويلات الغريبة.
من أخطأ فسبق الماء إلى حلقه والمكره:
والمخطئ كالناسي تأصيلا واستدلالًا، وأما المضمضة، والاستنشاق فيغلبه الماء فيدخل حلقه عن غير تعمد. (١)
فإن أبا حنيفة قال: إن كان ذاكرا لصومه فقد أفطر وعليه القضاء، وإن كان ناسيًا فلا شيء عليه، وهو قول إبراهيم. وقال مالك: عليه القضاء في كل ذلك.
وقال ابن أبي ليلى: لا قضاء عليه، ذاكرا كان، أو غير ذاكر.
وعن بعض التابعين -، وهو الشعبي، وحماد - وعن الحسن بن حي: إن كان ذلك في وضوء لصلاة فلا شيء عليه، وإن كان لغير وضوء فعليه القضاء.
قال أبو محمد: قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وقال رسول الله ﷺ : ﴿رفع عن أمتي: الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه﴾. وروينا قولنا في هذه المسألة عن عطاء بن أبي رباح.
واحتج من أفطر بذلك بالأثر الثابت عن رسول الله ﷺ : ﴿وإذا استنشقت فبالغ، إلا أن تكون صائما﴾. قال أبو محمد: ولا حجة لهم فيه؛ لأنه ليس فيه أنه يفطر الصائم بالمبالغة في الاستنشاق؛ وإنما فيه إيجاب المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم، وسقوط وجوب ذلك عن الصائم فقط؛ لا نهيه عن المبالغة؛ فالصائم مخير بين أن يبالغ في الاستنشاق وبين أن لا يبالغ فيه، وأما غير الصائم فالمبالغة في الاستنشاق فرض عليه، وإلا كان مخالفا لأمره ﵇: بالمبالغة؛ ولو أن امرأ يقول: إن المبالغة في الاستنشاق تفطر الصائم
стр. 214
لكان أدخل في التمويه منهم؛ لأنه ليس في هذا الخبر من وصول الماء إلى الحلق. قال الحسن إذا مضمض، وهو صائم فدخل حلقه شيء لم يتعمده، فليس عليه شيء يتم صومه (١).
المسالة الثالثة: المجامع في رمضان.
أما حكم المجامع في نهار رمضان، فالأصل فيه الآية ونص الحديث.
أما الآية فقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
وجملة ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ تعود على الأكل، والشرب، والجماع بلا خلاف؛ لأن الحكم الواحد في الآية يعود عليها كلها إلا بدليل.
وفي الآية التنصيص على الرفث، وهو كناية عن الجماع والاستمتاع، فهذه كلها محرمات في نهار الصوم هذا هو الأصل.
إلا أن السنة خصصت هذا المعنى فاستثنت ما عدا الجماع فقد أخرج البخاري: ﴿أنه كان يباشر ويقبل، وهو صائم وكان أملككم لإربه﴾ (٢).
والتخصيص نوع من بيان النص المشترك.
وأما الجماع فمع نص الآية على تحريمه نهارًا فيه نص مخرج في الصحاح رويناه في صحيح البخاري عن هريرة ﵁، قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ ، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت. قال: ﴿ما لك؟﴾ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : ﴿هل
стр. 215
تجد رقبة تعتقها؟﴾ قال: لا، قال: ﴿فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين﴾، قال: لا، فقال: ﴿فهل تجد إطعام ستين مسكينا﴾. قال: لا، قال: فمكث النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أتي النبي ﷺ بعرق فيها تمر - والعرق المكتل - قال: ﴿أين السائل؟﴾ فقال: أنا، قال: ﴿خذها، فتصدق به﴾ فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: ﴿أطعمه أهلك﴾ (١)
ويتعلق به مسائل
١ - هل الكفارة على الترتيب؟
أما الترتيب فقد ورد من طريق ثلاثين نفسا عن الزهري كما بينه الحافظ فهو أرجح من طرق تحتمل اختصار القصة.
وقد اعتمدت المالكية على رواية عدم الترتيب في تقرير ما ذهبوا إليه، وهو مرجوح من جهة الرواية (٢).
وقد أشار اللخمي وهو مالكي إلى ضعف هذا المسلك وهو القول بالتخيير لأن حديث الترتيب مفسر وحديث التخيير من كلام أبي هريرة وهو مجمل فقال: «وقال أبو هريرة في الموطأ: "أمره رسول الله ﷺ أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا"، فجعله في الحديث الأول على الترتيب، وظاهر قوله في الحديث الثاني التخيير، وقد يجعل اللفظ في الحديث الثاني من قول أبي هريرة ليجمع بين الحديثين فيكون المعنى أنه أمره بعتق، أو صيام عند عدم العتق، أو اطعام عند عدم القدرة