زيد بن وهب قال: أفطر الناس في زمن عمر بن الخطاب فرأيت عساسا أخرجت من بيت حفصة فشربوا، ثم طلعت الشمس من سحاب، فكأن ذلك شق على الناس، فقالوا: نقضي هذا اليوم فقال عمر: لم؟ والله ما تجانفنا لإثم" (١). وأخرجه البخاري فقال: حدثني عبد الله بن أبي شيبة: حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: «أفطرنا على عهد النبي ﷺ يوم غيم، ثم طلعت الشمس». قيل لهشام: فأمروا بالقضاء؟ قال: بد من قضاء وقال معمر: سمعت هشاما: لا أدري أقضوا أم لا. (٢)
قلت: وردت عن عمر رواية بالقضاء ووردت رواية بعدمه، وهذا تعارض شديد يدخل الحديث في قسم المضطرب. فلا حجة فيه. فيرجع إلى الأصل في الباب، وهو النص المذكور، وهو أن من أفطر ناسيا فصومه صحيح.
٢ - ، أما ما استدلوا به من جهة القياس فقالوا من أكل بعد الفجر يظن بقاء الليل فهو مفطر.
فيقاس عليه من أكل، أو شرب ناسيا بجامع الخطأ وجوابه أنه قياس مقابل نص، وهو فاسد الاعتبار، مع أن الأصل المقيس عليه ليس محل اتفاق؛ بل ذهب جماعة إلى أن من أكل وشرب ظانا بقاء الليل أنه يتم صومه وقد ذكرهم أبو محمد في المحلى نقله "عن عمر بن الخطاب، والحكم بن عتيبة، ومجاهد؛ والحسن، وجابر بن زيد أبو الشعثاء، وعطاء بن أبي رباح، وعروة بن الزبير -، وهو قول أبي سليمان. " وعن معاوية، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، وهشام بن عروة، وعطاء، وزياد بن النضر، (٣).
стр. 212
٣ - ، أما التأويل: فزعم ابن القصار أن قوله فليتم صومه أي باعتبار ما كان وأن عليه القضاء، وأن الرجل كان متطوعا؛ لأن المتطوع يفطر، ولا قضاء عليه، ولا كفارة (١)
стр. 213
وهذا كله تكلف لا قبل للغة بها، إنما هو إلف الكفاح عن المذهب الذي يسوق إلى مثل هذه المضايق والتأويلات الغريبة.
من أخطأ فسبق الماء إلى حلقه والمكره:
والمخطئ كالناسي تأصيلا واستدلالًا، وأما المضمضة، والاستنشاق فيغلبه الماء فيدخل حلقه عن غير تعمد. (١)
فإن أبا حنيفة قال: إن كان ذاكرا لصومه فقد أفطر وعليه القضاء، وإن كان ناسيًا فلا شيء عليه، وهو قول إبراهيم. وقال مالك: عليه القضاء في كل ذلك.
وقال ابن أبي ليلى: لا قضاء عليه، ذاكرا كان، أو غير ذاكر.
وعن بعض التابعين -، وهو الشعبي، وحماد - وعن الحسن بن حي: إن كان ذلك في وضوء لصلاة فلا شيء عليه، وإن كان لغير وضوء فعليه القضاء.
قال أبو محمد: قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وقال رسول الله ﷺ : ﴿رفع عن أمتي: الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه﴾. وروينا قولنا في هذه المسألة عن عطاء بن أبي رباح.
واحتج من أفطر بذلك بالأثر الثابت عن رسول الله ﷺ : ﴿وإذا استنشقت فبالغ، إلا أن تكون صائما﴾. قال أبو محمد: ولا حجة لهم فيه؛ لأنه ليس فيه أنه يفطر الصائم بالمبالغة في الاستنشاق؛ وإنما فيه إيجاب المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم، وسقوط وجوب ذلك عن الصائم فقط؛ لا نهيه عن المبالغة؛ فالصائم مخير بين أن يبالغ في الاستنشاق وبين أن لا يبالغ فيه، وأما غير الصائم فالمبالغة في الاستنشاق فرض عليه، وإلا كان مخالفا لأمره ﵇: بالمبالغة؛ ولو أن امرأ يقول: إن المبالغة في الاستنشاق تفطر الصائم
стр. 214
لكان أدخل في التمويه منهم؛ لأنه ليس في هذا الخبر من وصول الماء إلى الحلق. قال الحسن إذا مضمض، وهو صائم فدخل حلقه شيء لم يتعمده، فليس عليه شيء يتم صومه (١).
المسالة الثالثة: المجامع في رمضان.
أما حكم المجامع في نهار رمضان، فالأصل فيه الآية ونص الحديث.
أما الآية فقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
وجملة ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ تعود على الأكل، والشرب، والجماع بلا خلاف؛ لأن الحكم الواحد في الآية يعود عليها كلها إلا بدليل.
وفي الآية التنصيص على الرفث، وهو كناية عن الجماع والاستمتاع، فهذه كلها محرمات في نهار الصوم هذا هو الأصل.
إلا أن السنة خصصت هذا المعنى فاستثنت ما عدا الجماع فقد أخرج البخاري: ﴿أنه كان يباشر ويقبل، وهو صائم وكان أملككم لإربه﴾ (٢).
والتخصيص نوع من بيان النص المشترك.
وأما الجماع فمع نص الآية على تحريمه نهارًا فيه نص مخرج في الصحاح رويناه في صحيح البخاري عن هريرة ﵁، قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ ، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت. قال: ﴿ما لك؟﴾ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : ﴿هل
стр. 215
تجد رقبة تعتقها؟﴾ قال: لا، قال: ﴿فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين﴾، قال: لا، فقال: ﴿فهل تجد إطعام ستين مسكينا﴾. قال: لا، قال: فمكث النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أتي النبي ﷺ بعرق فيها تمر - والعرق المكتل - قال: ﴿أين السائل؟﴾ فقال: أنا، قال: ﴿خذها، فتصدق به﴾ فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: ﴿أطعمه أهلك﴾ (١)
ويتعلق به مسائل
١ - هل الكفارة على الترتيب؟
أما الترتيب فقد ورد من طريق ثلاثين نفسا عن الزهري كما بينه الحافظ فهو أرجح من طرق تحتمل اختصار القصة.
وقد اعتمدت المالكية على رواية عدم الترتيب في تقرير ما ذهبوا إليه، وهو مرجوح من جهة الرواية (٢).
وقد أشار اللخمي وهو مالكي إلى ضعف هذا المسلك وهو القول بالتخيير لأن حديث الترتيب مفسر وحديث التخيير من كلام أبي هريرة وهو مجمل فقال: «وقال أبو هريرة في الموطأ: "أمره رسول الله ﷺ أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا"، فجعله في الحديث الأول على الترتيب، وظاهر قوله في الحديث الثاني التخيير، وقد يجعل اللفظ في الحديث الثاني من قول أبي هريرة ليجمع بين الحديثين فيكون المعنى أنه أمره بعتق، أو صيام عند عدم العتق، أو اطعام عند عدم القدرة
стр. 216
على الصيام؛ ليزول التعارض؛ لأنه متى كان حديثان مفسر ومجمل رُدَّ المجمل إلى المفسر» (١)
٢ - هل تشمل الناسي؟
والذي أدى إلى القول في هذا، أعني هل على الناسي بالجماع كفارة، أم لا؟ هو تعارض نصوص كلية في عدم المؤاخذة على النسيان وكذا القياس على من نسي فأكل، أو شرب، تعارضت مع ترك الاستفصال في الحديث.
لكن هذه الحجة ضعيفة؛ نظرًا أن المجامع في رمضان قال هلكت واحترقت، وهو دليل على العمدية فيخص الحكم به. قال ابن قدامة: إن جامع ناسيا، فظاهر المذهب أنه كالعامد. نص عليه أحمد. وهو قول عطاء، وابن الماجشون.
وروى أبو داود، عن أحمد، أنه توقف عن الجواب، وقال: أجبن أن أقول فيه شيئا، وأن أقول ليس عليه شئ. قال: سمعته غير مرة لا ينفذ له فيه قول.
ونقل أحمد بن القاسم عنه: كل أمر غلب عليه الصائم، ليس عليه قضاء ولا غيره. قال أبو الخطاب: هذا يدل على إسقاط القضاء والكفارة مع الإكراه والنسيان. وهو قول الحسن، ومجاهد، والثورى، والشافعى، وأصحاب الرأي؛ لأنه معنى حرمه الصوم، فإذا وجد منه مكرها أو ناسيا، لم يفسده كالأكل.
وكان مالك، والأوزاعى، والليث، يوجبون القضاء دون الكفارة؛ لأن الكفارة لرفع الإثم، وهو محطوط عن الناسى. ولنا، أن النبى ﷺ أمر الذى قال: وقعت على امرأتى. بالكفارة، ولم يسأله عن العمد، ولو افترق الحال لسأل واستفصل، ولأنه يجب التعليل بما تناوله لفظ السائل، وهو الوقوع على المرأة فى الصوم، ولأن السؤال كالمعاد فى الجواب، فكأن النبى ﷺ
стр. 217
قال: من وقع على أهله فى رمضان فليعتق رقبة. فإن قيل: ففى الحديث ما يدل على العمد، وهو قوله: هلكت. وروى: احترقت. قلنا: يجوز أن يخبر عن هلكته لما يعتقده فى الجماع مع النسيان من إفساد الصوم، وخوفه من غير ذلك، ولأن الصوم عبادة (١)
المسألة الرابعة: الحجامة والقيء.
أما القيء فتأصيله من السنة.
وقد ورد فيه نصان يوهمان التعارض:
الأول: ﴿عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ ذَرَعَهُ قيءٌ، وهو صَائِمٌ، فليسَ عليهِ قَضَاءٌ، وإن استقاء فَلْيَقْضِ".﴾ (٢)
الثاني: أن أبا الدرداء حدَّثه: أن رسولَ الله ﷺ قاءَ فأفطَر، فلقيتُ ثوبانَ مولى رسولِ الله ﷺ في مسجدِ دمشق، فقلت: إن أبا الدرداء حدثني أنَّ رسولَ الله ﷺ قاءَ فأفطَر، قال: صَدَق، وأنا صببتُ له وَضوءَه. (٣).
فمن جهة الرواية حديث أبي هريرة قال الترمذي، وقال محمد: "لا أراه محفوظا"، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، ولا يصح إسناده (٤).
قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل قال: ليس من ذا شيء، قال الخطابي: يريد أن الحديث غير محفوظ. انتهى (٥).
стр. 218
أما حديث ثوبان فقد تتبعت طرقه وكلام الحفاظ عليه وخلاصة ما تبين لي أنه مضطرب سندا ومتنا قال البيهقي: "وإسناد هذا الحديث مضطرب واختلفوا فيه اختلافا شديدا، والله أعلم" (١).
أما من حيث المتن فجاء بزيادة ﴿قاء فتوضأ﴾ وهي معلة ليست محفوظة وجاء في رواية عبد الرزاق (٢) ﴿استقاء﴾ بدلا عن قاء وهي تغير الحكم بالكلية، إلا أنها شاذة خالف معمر فيها الحفاظ. وهذه الإعلالات من جهة المتن لا تضر؛ لأنها ليست محفوظة، وأما من جهة الإسناد فالخلاف حاصل بين الحفاظ، وقد حاول بعضهم الترجيح ودفع الاضطراب، ومع هذا فالتكليف بمثل هذا فيما تعم به البلوى لا يستقيم عندي.
أما من جهة الدراية، فإن ﴿قاء فأفطر﴾ محتمل هل أفطر؛ لأنه قد فسد صومه أم لأنه ضعف أم لأنه استقاء الكل محتمل، وحملها على الاستقاء أولى ليوافق حديث أبي هريرة المتقدم وحينئذ لا تعارض، كما أنها ليست من باب الإيماء والتنبيه المعروف في الأصول كما يقال: سها فسجد.
لأن هذا الأخير كان من باب الإيماء والتنبيه لورود نصوص أخرى تدل على تعلق الحكم به ولو لم يرد إلا هذا النص لبطل الاستدلال به؛ لأنه يكون حينئذ محتمل أنه سجد للسهو، أو سجد استدراكًا لما فاته من السجود حال السهو.
وعندي أن كلا الحديثين لا تقوم بهما حجة رواية، ولا يثبت الحكم إلا بالدليل الصحيح الصريح الخالي عن المعارضة، وهو غير موجود هنا.
ومن نقل الإجماع كابن المنذر على بطلان صيام المستقيء متعقب.
فقد نقل ابن بطال عن ابن عباس وابن مسعود: "لا يفطر مطلقًا". وهو
стр. 219
إحدى الروايتين عن مالك، وكان الحسن يذهب إلى بطلان الصوم مع القيء ولو بلا تعمد.
وفي المقابل قال عطاء والأوزاعي وأبو ثور أن من تعمد قضى وعليه الكفارة (١).
ويتخرج على قضية القيء والإفطار بها مسائل معاصرة كإدخال منظار المعدة ستأتي بعد هذا التأصيل.
أما الحجامة في هذه الدائرة أعني ما هو منصوص:
ففيها حديثان: الأول فعلي والآخر قولي: والثاني أرجح؛ لأنه كان في حجته ﵊، وهو محرم فدل على تأخره وعلى فرض عدم تأخره فهو صارف للأول إلى الكراهة وبها قال مالك والشافعي ولم يكرها أبو حنيفة، ولا ابن حزم ترجيحا للآخر وأفتى بالإفطار بها أحمد ترجيحا للأول.
قلت قديما في منظومة المذاهب:
والشيخ والهادي بكره الحجم … لا كره للنعمان وابن حزم
والشيخ عنيت به مالك والشافعي في المنظومة ولم أذكر أحمد لأنه قال بالضد وهو التحريم.
الدائرة الثانية: ما هو في معنى المنصوص من المفطرات:
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: ما هو في معنى المنصوص بالنسبة للطعام والشراب.
تبين في عصرنا ما هو في معنى المنصوص، وهو المغذيات عن طريق الوريد، فإن عناصر التغذية التامة فيها تقوم مقام الأكل والشرب.، وقد تعارف على تسميتها مغذية لاشتمالها على الغذاء لذلك فهي مفطرة كما سيأتي.
стр. 220
أما ما هو في معنى الأكل والشرب عند المتقدمين فهي مسائل معينة، لكن لا على وجه تام فعند الحنفية مثلًا أكل البذور، أو الحبوب نيئة، أو الملح فهذه لها حكم الغذاء وفيها القضاء بدون كفارة؛ لأن التغذي بها لا على وجه العادة؛ لأن القاعدة عندهم أن كل ما لا يتغذى به، أو يتداوى على وجه العادة فلا يوجب سوى القضاء لا الكفارة، فإن كان على وجه العادة أوجب القضاء والكفارة (١).
المسألة الثانية: ما هو في معنى المنصوص، أو مقيس عليه في مسألة الجماع:
١ - أما ما هو في معنى المنصوص فهو الإنزال بمباشرة الزوجة والاستمتاع بها، أو الاستمناء.
فنلحظ هنا أن البعض ألحقه به فأوجب القضاء والكفارة وهم الحنابلة، والمالكية (٢).
стр. 221
وذهب الآخرون إلى القضاء فقط؛ نظرًا لافتراق ذلك عن الجماع (١).
ولأنه ثبت: أنه ﷺ كان يباشر ويقبل، وهو صائم أنه كان يقبل ويباشر وهو صائم، قال البخاري حدثنا سليمان بن حرب قال: عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ قالت ﴿كان النبي ﷺ : يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه» وقال: قال ابن عباس: ﴿مآرب﴾ حاجة. قال طاوس: ﴿أولي الإربة﴾ الأحمق، لا حاجة له في النساء﴾ (٢)، فهذه الأفعال مباحة أصلًا، بخلاف الجماع، وهذا يضعف القول بالكفارة لعدم المساواة.
وقد بين الفقيه ابن قدامة ضعف هذا القياس والفروق التي تعتريه قائلا: «الجماع دون الفرج، إذا اقترن به الإنزال، فيه عن أحمد روايتان؛ إحداهما، عليه الكفارة، وهذا قول مالك، وعطاء، والحسن، وابن المبارك، وإسحاق؛ لأنه فطر بجماع، فأوجب الكفارة، كالجماع فى الفرج، والثانية: لا كفارة فيه. وهو مذهب الشافعى وأبى حنيفة؛ لأنه فطر بغير جماع تام، فأشبه القبلة، ولأن الأصل عدم وجوب الكفارة، ولا نص فى وجوبها ولا إجماع ولا قياس، ولا يصح القياس على الجماع فى الفرج؛ لأنه أبلغ، بدليل أنه
стр. 222
يوجبها من غير إنزال، ويجب به الحد إذا كان محرما، ويتعلق به اثنا عشر حكما. ولأن العلة فى الأصل الجماع بدون الإنزال، والجماع هاهنا غير موجب، فلم يصح اعتباره به» (١)
ولهذا نجد ترددًا في إلحاق بعض الصور من الدائرة الثالثة: وهي الإلحاق بالقياس كما يلي:
من أنزل بالنظر، أو الفكر حال كونه صائمًا.
وهذا دائرة أبعد من معنى المنصوص لأن المنصوص الجماع، وليس الفكر مساويا له إلا من جهة الإنزال بشهوة وهذا يقع حتى للنائم.
ولا يزال المالكية، والحنابلة في هذا الباب يلحقون النظر مع الإنزال بالجماع على تفصيل، فمنهم من لحظ العادة فقال: إن كانت عادته الإنزال فسد صومه وكفَّر، وإلا فسد صومه فقط، وهذا قول المالكية، وفرق الحنابلة بين الإنزال مع تكرار النظر فيقضي ويكفر (٢).
وكل هذا إنما هو محاولة لإلحاق هذه الأمور بالمعنى المنصوص، وهو
стр. 223
بعيد؛ لأن الفكر والنظر ليسا جماعا، ولا مباشرة وإن أديا إلى الإنزال فمجرد الإنزال ليس سببًا للإفساد، كما في النائم، وفيمن فكر عند الحنابلة فأنزل فلا شيء عليه؛ لعدم الفعل.
ونجد المالكية يفرقون بين النظر مع الاستدامة وعدمها، فمع عدم الاستدامة يقضي بدون كفارة.
ومع الاستدامة إن كانت عادته الإنزال بمثل هذا فيقضي ويكفر (١).
فانظر كيف جعلوا الاستدامة مع معلومية العادة بالإنزال، كالجماع في الكفارة.
وهناك أقيسة بعيدة كتعليل الحنابلة رواية مقابل المشهور عن أحمد فيمن كرر النظر فأمذى أنه يفطر قالوا؛ لأنه خارج بسبب الشهوة فأشبه المني.
قلت: لو كان هذا القياس صحيحًا لصح في النائم إن احتلم؛ لأنه خارج بسبب الشهوة، لذلك أطلق الحنفية، والشافعية عدم إفساد الصوم ولو أنزل؛ لأنه بلا فعل أشبه الاحتلام، ومن أنزل بالفكر كذلك عندهم فلا شيء عليه (٢).
وعلى كل الأحوال فإن المنصوص هو الجماع وكفارته معلومة فإلحاق غيره به ضعيف من أوجه:
منها أن الكفارات بمقاديرها وأعدادها تعبد محض غير معقول المعنى، والقياس إنما هو في معقول المعنى، ومن حمل عباد الله كفارة شرعها الله لأمر معين فجعلها لأمر آخر فقد شق على الخلق بلا حجة ظاهرة ولا نص ولا إجماع ولا قياس جلي قوي.
ومنها أن القول ببطلان صوم من استمنى أو باشر فأنزل أو تفكر فأنزل
стр. 224
قريب في القياس
إن كان بدون كفارة، لأن الامتناع عن الشهوة الفرجية من مقصودات الصيام.
وقضاء الشهوة الفرجية إنما تكون على وجه الكمال في الجماع وعليه علقت الكفارة أنزل أم لم ينزل.
وقد انعقد الإجماع على فساد الصوم ولو لم ينزل.
وانعقد الاجماع العام أنه يكفر ولو لم ينزل إلا ما حكي عن الشعبي النخعي وابن جبير الخلاف.
قال ابن قدامة: لا نعلم بين أهل العلم خلافا، فى أن من جامع فى الفرج فأنزل أو لم ينزل، أو دون الفرج فأنزل، أنه يفسد صومه
وقال كذلك: الكفارة تلزم من جامع فى الفرج فى رمضان عامدا، أنزل أو لم ينزل، فى قول عامة أهل العلم. وحكى عن الشعبى، والنخعى، وسعيد بن جبير (١)
فإلحاق الصور التي لا يحصل بها مقصود الشهوة الفرجية بالصورة التي يحصل بها المقصود وهو الجماع
بعيد من حيث الفساد ومن حيث الكفارة.
لذلك حصل الخلاف في الفساد وحصل الخلاف في الكفارة في جميع الصور سوى الجماع.
كالمباشرة ولو أنزل، والاستمناء، والنظر والفكر وغيرها.
قال ابن حزم: «وهم يقولون إن الجماع دون الفرج حتى يمني لا يوجب حدا ولا يلحق به الولد، وكان يجب أن يفرقوا بينه وبين الجماع في إبطال الصوم به، مع أن نقض الصوم بتعمد الإمناء خاصة لا نعلمه عن أحد من خلق الله تعالى قبل أبي حنيفة، ثم اتبعه مالك، والشافعي؟» (٢)
стр. 225
المسألة الثالثة: ما هو في معنى المنصوص في مسألة القيء والحجامة:
تقدم القول في القيء والحجامة من جهة النص أما من جهة ما هو في معنى النص أو مقيس عليه فمن المسائل المعاصرة مسألة سحب الدم وغسيل الكلى ومنظار المعدة وسنوردها في محلها
الدائرة الثالثة: فيما ألحق بالغذاء بالقياس أو المقصود.
تكلمنا عما هو مقيس، أو داخل في مقصود النص فيما تعلق بالجماع في نهار رمضان وكذلك القيئ والحجامة لذلك سنتكلم هنا عن مسألة واحدة. هي:
ما هو مقيس على الطعام والشراب مما ليس في معناه
وهذه أهم مسألة في الباب؛ لانْبِناءِ أكثر مسائل المفطرات المتقدمة والمعاصرة عليها.
وقد توسعت المذاهب في هذه المسألة جدًا حتى ألحقوا بالأكل والشرب كل عين ولو حجرًا، أو خشبًا؛ بل حتى الأعيان التي لا ترى بالعين المجردة كالبخور.
فقال الحنفية: (أو ابتلع حصاة، أو حديدا، أو نحاسا، أو ذهبا، أو فضة، أو ترابا، أو حجرا ولو زمردا لم تلزمه الكفارة لقصور الجناية وعليه القضاء لصورة الفطر) (١).
والقاعدة الكلية عند الأربعة في الجملة، كل عين تدخل الجوف تفطر الصائم على تفاصيل ستأتي.
ووصل التوسع إلى الأعيان المجهرية ومن هنا نجد الخلاف في مسألة استنشاق البخور، فإن من قال إنه يفسد الصيام طبق فيه قاعدة كل عين
стр. 226
تدخل الجوف والبخور لها جرم، وعلى هذا فيجب القضاء، وهذا ما جرى عليه الحنفية، والمالكية، والحنابلة (١).
بل حتى بخار القدر عند المالكية؛ لأنه جسم وصل إلى الحلق وله مدخل في التغذية.
وهذا هو الملحظ الفقهي في الفرق عندهم بين دخان الحطب ودخان البخور، فإن دخان البخور له مدخل له في تكييف وإفادة البدن.
فنصوا أن: ما لا يحصل به غذاء للجوف كدخان الحطب فلا قضاء في وصوله لحلقه كذا في فتاوى عج وظاهره ولو استنشقه؛ لأنه لا يتكيف فالدخان الذي يشرب مفطر إذ هو متكيف ويصل إلى الحلق،؛ بل إلى الجوف أحيانا ويقصد (٢).
ولعلة التكييف والجسمية ذهبوا إلى القول بالإفطار من الدخان التبغي كالسيجارة والشيشة، وبعضهم؛ لأنها أجسام تدخل الجوف اختيارا، وهذا ما قرره أصحاب المذاهب الأربعة.
فالحنفية نصوا أنه «حتى لو تبخر ببخور وآواه إلى نفسه واشتمه ذاكرا لصومه أفطر لإمكان التحرز عنه وهذا مما يغفل عنه كثير من الناس، ولا يتوهم أنه كشم الورد ومائه والمسك لوضوح الفرق بين هواء تطيب بريح المسك وشبهه وبين جوهر دخان وصل إلى جوفه بفعله إمداد وبه علم حكم شرب الدخان ونظمه الشرنبلالي في شرحه على الوهبانية بقوله:
ويمنع من بيع الدخان وشربه … وشاربه في الصوم لا شك يفطر
ويلزمه التكفير لو ظن نافعا … كذا دافعا شهوات بطن فقرروا» (٣).
стр. 227
وانظر إلى العلة عند الحنفية وهي أنه جوهر دخان وصل إلى جوفه بفعله.
وهذه علة تشمل البخور ودخان التبغ ونصوا على الإفطار بالدخان التبغي، وهو كذلك عند المالكية فقد نصوا على المبطلات فمنها: «كف عن وصول بخور تتكيف به النفس كبخور عود أو مصطكى أو جاوي أو نحوها، أو بخار قدر لطعام فمتى وصل للحلق أفسد الصوم ووجب القضاء، ومن ذلك الدخان الذي يشرب أي يمص بنحو قصبة بخلاف دخان الحطب ونحوه وغبار الطريق» (١).
ونص الحنابلة على نفس التعليل والقول: «من ابتلع الدخان قصدا فسد صومه» (٢).
ووافقهم الشافعية في تعميم دخول العين إلا أنهم منعوا القول بالعين المجهرية كالبخور والدخان بلا خلاف، إلا أنه يجب التنبه أنه وقع الخلاف في الدخان التبغي عند الشافعية، أما البخور فلا خلاف في عدم إفساده للصيام (٣).
قال الشرواني معللا المذهب في عدم الإفطار بالبخور: لما تقرر أنها ليست عينا .. انتهى
ثم تكلم كلامًا حاصله راجع إلى تحقيق المناط، وهو: أن دخان البخور لا يسمى عينًا في العرف وعليه فالدخان المعروف، وهو الشيشة والتتن والسيجارة اليوم كذلك لا يفطر لنفس العلة. وهذا هو ما قاله ابن حجر
стр. 228
وغيره، وهو المذهب، لكن نقل عن الزيادي، وهو أحد فقهاء المذهب الرجوع بعد الرؤية الحسية لتراكم الدخان في القصبة (١).
ونوقش أن الأثر ليس من الدخان؛ بل من بقايا الرماد.
ثم رجح الشرواني ونقله عن بن قاسم وابن الجمال وابن زياد اليمني أن الدخان (التبغ) مفطر للصائم؛ لأن له عينًا.
شرب السيجارة المعاصرة والشيشة والمداعة ونحوها مفطر للصائم:
تقدم أن المذاهب الأربعة على أنه مفطر، وهذه الفتوى هي ما عليه فقهاء العصر لا أعلم بينهم خلافا ونقل الاتفاق على ذلك رشيد رضا فقال «شرب الدخان في رمضان ما علمت أن أحدًا من فقهاء المسلمين قال: إن شرب هذا الدخان غير مفطر
للصائم؛ ولذلك أستغرب هذا السؤال، ولا شك في أن مادة هذا الدخان تدخل في
الجوف وأنها تؤثر في شاربه تأثيرًا ينافي الصيام وحكمته، ولذلك اتفق جميع الناس
على تسمية التدخين شربًا، فشرب الدخان مبطل للصيام قطعًا» (٢)
стр. 229
ونقل الاتفاق كذلك مؤلفو موسوعة الدرر (١) وقال شيخنا العمران: حينما سئل «هل إذا جلس الشخص وهو صائم عند شخص يشرب المداعة والسيجارة ويصل دخان السيجارة إلى فمه وانفه يبطل الصيام؟
ج: لا يبطل الصيام لأنِّ وصول دخان المداعة أو السيجارة إلى فمه أو انفه بغير اختياره هو مثل دخان المطبخ لا يفطر الطباخ، أمَّا في من يشرب السيجارة أو المداعة فإن شربهما يفطر الصائم كما قرره علماء العصر» (٢)، وبه أفتى العثيمين (٣)، وبه نفتي. والعلة أنه اتفق على أنه شرب فيقال شرب الدخان، فيشمله المنع المنصوص من الأكل والشرب.
стр. 230
المبحث الثالث: الكلام على محل الإفطار وبيان دوائره الثلاث النصية ومعني النص والقياس، أو المقصود
تقدم الكلام على الحال بتشديد اللام وهي المفطرات وكيف وصل الفقهاء إلى هذه الاستنباطات التي منها ما هو قريب من المنصوص، ومنها ما هو غريب وتشديد.
وهنا نتكلم عن المحل، وهو الحلق والمعدة والجوف وما يلحق بها، وقد جعناها في دوائر ثلاث تيسيرا على الفقيه وتقريبا للمتفقه وأدعى لتكوين الملكة الاستنباطية والاجتهادية كما هو هدف هذا الكتاب
وسأبدأ بتلخيص مذاهبهم، ثم أعود لتفصيلها بحسب كل منفذ فأقول:
الدائرة الأولى: وهي المحل المأخوذ من النص
وهو الحلق والمعدة والأمعاء؛ لأن هذا محل الطعام والشراب.
وهذا محل اتفاق بين الأربعة وجميع العلماء إلا أن الشافعي قال باطن الحلق كما سيأتي.
الدائرة الثانية: ما هو في معنى المنصوص بلا فرق
وهو القسطرة الغذائية بإدخال الغذاء بقصبة طبية إلى المعدة عبر الجلد، أو وصول الغذاء عبر الحقن الشرجية المعاصرة التي تحتوي على محاليل وسوائل وجلوكوز وتصل إلى كامل الأمعاء الدقيقة.
فهذه وصل الغذاء فيها على محل المنع فلا فرق بينها وبين غيرها.
стр. 231
الدائرة الثالثة: هي المقيسة
وهو الدماغ وما يلحق بالجوف مثل الأذن والإحليل وفرج المرأة، وهذا محل خلاف كثير ستأتي عند الكلام عليها مفردة في الفصل التالي.
فالدماغ محل إفساد للصوم عند الشافعية، والحنابلة والحنفية وعلته عند الشافعية، والحنابلة كونه جوفًا فيقاس على الجوف البطني لعلة الجوفية.
أما الحنفية فالعلة كونه موصلًا للجوف، وهذا هو المعتمد.
أما المالكية فلم يعتبروا الرأس البتة، ولا عبرة عندهم بمأمومة، ولا غيرها إلا إن وصل إلى الحلق ولو من مسام الرأس كمن وضع حناء على رأسه فوجد طعمه في حلقه فالعبرة عندهم بالوصول إلى الحلق من أي منفذ علوي ضيقا، أو واسعا.
قاعدة المنافذ الكلية:
سأذكر هنا قاعدة المنافذ على جهة الإجمال، ثم أفصل كل منفذ بالقول فيما سيأتي (١).
فللجوف منافذ علوية وسفلية طبيعية، أو طارئة كطعنة في الجوف، أو مأمومة، فما وصل من هذه المنافذ أفسد الصوم عند الثلاثة الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
أما المالكية فقصروا ما يصل من المنافذ العلوية الطبيعية على اشتراط وصوله للحلق فقط ووسعوا المذهب في المنافذ العلوية جدًا وضيقوا القول في حكم المنافذ السفلية.
стр. 232
فكل منفذ علوي طبيعي يوصل للحلق كان مفتوحًا، أم لا ويشمل هذا عندهم المسام فلو دخلت منها عين مائعة، أو جامدة فوجده في حلقه أفطر، وعليه فمن طلى رأسه بالحناء فوجدته في حلقه أفطر على المشهور.
وأما السفلية فلا تعتبر عندهم إلا الطبيعية الواسعة، وهي الدبر وفرج المرأة لا الإحليل، ولا الجائفة، ولا يؤثر إلا المائع الداخل منها فقط.
ولعل العلة في تفريق مالك أن السفلية لا توصل إلى ما يسمى جوفا إلا إن كانت طبيعية واسعة.
أما الضيقة فتصور أنها لا توصل.
أما العلوية فهي موصلة إلى الحلق، وهو موصل قطعا إلى الجوف المتفق وهي المعدة فاستوت كل المنافذ.
القاعدة الكلية المركبة للمفطرات:
حين نجمع بين أقوال الفقهاء في تحديد المفطرات ومحلها يتبين أنها من نوع العلة المركبة
فضابط الحنفية (١)، والشافعية (٢)،
стр. 233
والحنابلة (١): كل عين تدخل الجوف من منفذ خارجي.
فشمل هذا المنافذ علوية وسفلية العادية والطارئة وشمل كل عين.
وجميعهم استثنى النسيان عملًا بالحديث السابق نصًا في الأكل والشرب وقياسا في غيره.
واستثنى الشافعية، والحنابلة الإكراه والخطأ؛ لأنه كالناسي، إلا أن الحنفية اشترطوا في العين الاستقرار (٢).
стр. 234
ولا بد من حقيقة الوصول كما نبه إليه ابن عابدين حتى لو لم يصل لا يفسد الصيام.
ويستوي عندهم العمد والخطأ والإكراه في فساد الصوم إلا النسيان أكلًا وشربًا وجماعًا فلا يضر (١).
وعندهم خلاف في الإحليل والمذهب أنه لا يفطر (٢).
стр. 235
وكذا ما وصل إلى الدماغ بفتحة طارئة، لكن ما ذكرنا هو معتمد المذهب.
ضابط المالكية:
أما ضابط المالكية: أنه يجب الإمساك عما يصل إلى الحلق من أي المنافذ وصل، مغذيا كان، أو غير مغذ أو وصل مائع من منفذ الدبر وفرج المرأة. (١).
وحاصل الضبط عندهم: أن ما وصل للمعدة إن كان من منفذ عال فهو مفسد للصوم سواء كان مائعا، أو غير مائع، وإن كان من منفذ سافل فلا يفسد إلا إذا كان مائعا فوصول المائع للمعدة مفسد مطلقًا كان المنفذ عاليا، أو سافلا ووصول الجامد لها لا يفسد إلا إذا كان المنفذ عاليا (٢).
انفراد المالكية بقضايا جوهرية في الصيام.
وهي: تأثير الشك، تأثير المسام، استواء العمد والنسيان، لو بلع غير مغذ ففيه قول ابن القاسم.
فأقول: انفرد المالكية بأمر هام جدًا له أثر في الفتوى، وهو تعليق الإفطار بمجرد الشك في الوصول إلى الحلق فقرروا أن ما وصل من الأنف إلى الحلق (تحقيقًا، أو شكًا) (٣)، وهكذا الكحل (إن تحقق وصوله للحلق، أو شك فيه أفطر، فإن تحقق عدم وصوله فلا يفطر) (٤).
خلافًا للحنفية حيث اشترطوا العلم بحقيقة الوصول كما نص عليه غير واحد (٥).
стр. 236
والشافعية أطلقوا الوصول كما نقلنا عنهم وظاهر قواعدهم التحقق، أو الغالبة
كما يشترط عند الحنابلة تحقق بالوصول ورجح المجد العلم بالغلبة لا التحقق (١).
وانفرد المالكية كذلك بقضية أخرى هي الإفطار بما يصل من المسام إن وصل إلى الحلق (٢).
وفي هذا توسيع كثير لدائرة الإفطار.
فمن وضع الحناء على رأسه نهارًا فوصل إلى حلقه نهارًا أفطر.
وخالفهم جمهور الأمة من المذاهب الثلاثة، والظاهرية وغيرها فلا عبرة بما يدخل بالمسام (٣)
وثم قضية أخرى هامة عندهم وهي أنه لا عبرة عندهم بالنسيان والخطأ حيث أنهم يطلقون مجرد الوصول ولو لم يتعمد ذلك (٤). ولو سبقه خطأ وصول شيء يغلب سبقه لحلقه من أثر ماء مضمضة، أو رطوبة سواك (٥).
стр. 237
فأصلهم في الناسي والمخطئ أنه مفطر؛ ولعل مالكًا لم يبلغه الحديث.
وكذلك أصلهم إحدى روايات عمر في أنهم قضوا لما أفطروا قبل الغروب، كما تقدم.
أما انفرادهم في من بلع غير مغذ على الإطلاق، ولا له مدخل في الغذاء كالحصاة، فإنهم اختلفوا، فمن المالكية من قال يفطر وعلة ذلك أنه أشبه الطعام؛ لأن شغل حيزا من المعدة وكسر كلب الجوع، ونص كلام اللخمي: " اختلف في الحصاة والدرهم فذهب ابن الماجشون في المبسوطة إلى أن للحصاة والدرهم حكم الطعام فعليه في السهو القضاء وفي العمد القضاء والكفارة ولابن القاسم في كتاب ابن حبيب لا قضاء عليه إلا أن يكون متعمدًا فيقضي لتهاونه بصومه فجعل القضاء مع العمد من باب العقوبة والأول أشبه؛ لأن الحصاة تشغل المعدة اشتغالا ما وتنقص كلب الجوع وإليه أشار المصنف بالمختار اه عدوي (١).
مناقشة مسألة الدائرة الثالثة:
من المفطرات ومحل الإفطار وهي الأعيان المجهرية كالبخور وغير المغذية الحصى ومسألة الشك والمسام.
من الإشكالات التي سببت ضيقا وحرجا في هذا الباب أن جمهور الفقهاء الحنفية، والمالكية، والحنابلة كما تقدم النقل عنهم أفتوا أن استنشاق البخور يفطر الصائم والعلة أن له جرما ومع أن هذا الجرم مجهري لا يرى بالعين المجردة، لكنهم جعلوه مفطرا عند استنشاقه.
وهذا التعليل غير المنصوص ولا المجمع عليه ولا يدل له قياس جلي ولا عليه قول صاحب ولا تابع يدخل المكلف في حرج شديد جدًا.
стр. 238
والشرع إنما كلف بالأكل والشرب وما هو مساو لهما، أو له وجه في التغذية ولو نادرا هذا محل اتفاق، وهو ما تدل عليه النصوص.
والبعيد أن يقال إن من بلع حصاة فهو مفطر؛ لأنه ليس له أي معنى من المعاني السابقة، أو القريبة؛ لهذا رأى ابن القاسم أن من أكلها عمدًا عزر ولم يفت بالقضاء كما تقدم.
لكن الأبعد هو المسألة المجهرية فمسألة الحصاة على بعدها يمكن وضعها للمناقشة الفقهية الدلالية، أو المقاصدية.
أما الأعيان المجهرية التي لا ترى بالعين المجردة فتكليف عباد الله بها خارج عن دلالات النصوص لا بمطابقة، ولا تضمن، ولا التزام وخارج عن القياس الجلي والقياس الصحيح المناسب وخارج عن خدمة أي مقصد من مقاصد التكليف، وهو التعبد بترك شهوة البطن والفرج فأي شهوة بطنية، أو فرجية في شم البخور.
وأنت ترى أن النص ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٨]. وليس البخور، ولا الروائح العطرة كذلك فلا تسمى أكلا، ولا شرابا لا على وجه بعيد، ولا قريب، ولا عرفي، ولا لغوي، ولا شرعي، وهذا سببه التعليل الجنسي الواسع، وهو دخول كل عين إلى محل الإفطار.
وهذا العلة ليست في النص مطلقًا،؛ بل مستنبطة، ولو كلف الله بها؛ لدخلت الأعيان جليلها وصغيرها مما يرى على جهة العادة لا ما كان مجهريا فإلحاق البخور بها متخيل متوهم على كل وجه.
وإنما لم يرد التكليف بها؛ لأن الشرع لم يقصد من الصيام سوى ترك الشهوة البطنية والفرجية تعبدا. ولم يقصد كل عين دخلت جوفا.
فالتكليف بها خارج عن النص ومقصوده وخارج عن التيسير المقصود صراحة في باب الصيام ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ، ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
فما هذه التفريعات الغريبة إلا تعسير شديد على المكلفين ونستطيع أن
стр. 239
نقول مطمئنين أن جمهورها ليست من التكليف الشرعي في شيء وأنها من الاجتهاد الخاطئ المأجور عليه أجرا واحدا.
ولهذا نجد الظاهرية؛ بل الشافعية في مسالة البخور يرفضون هذا التوجه.
أما الشافعية فعللوا ذلك بأن البخور والدخان ليس له عين عرفًا والشريعة جارية على العادات الطبيعية.
أما الظاهرية فمذهبهم معروف. وهو التوقف عند النص وكذلك هو مذهب ابن تيمية في المفطرات
وهو ما ذهب إليه الشوكاني في السيل (١)
ولو عملنا بهذا الرأي الذي يعتمد المجهريات في الإفطار، أو يوسع في معنى المفطرات ومحلها بما لا مدخل له في معنى النصوص ولو من بعيد لضيقنا على المكلفين خاصة في مسائل العصر بلا برهان بين ولا دليل يدل ظاهرا أو نصا، ولا معنى نص.
وعلى ما تقدم يتبين أن الكلام حول الشيء المفطر وعلى محل الإفطار مبني في الدائرة الثالثة على القياس الشبهي الخفي الصوري المحض.
فمن بلع حصاة صورته كمن أكل طعاما، ولا تعلق الشرائع بالصور؛ بل بالمعاني.
وهذا ما جعل ابن القاسم لا يقول بالإفطار فيمن بلع حصاة متعمدًا؛ بل يعزر ويقضي لتهاونه، وهذا يدل أنه سدا للذريعة ودفعا للتهاون لا أنه يفطر حقيقة.
ومعلوم أن القياس الشبهي إن كان في مجرد الصورة بدون النظر إلى المعنى فهو بعد عن المقاصد والمعاني ويدخل الفقيه والناظر في مآزق كثيرة، والتكليف الشرعي جاء بإطلاقه لفظ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٨]، بما هو مأكول، أو مشروب مطلقًا معتادا، أو غير معتاد ولو نادرا كورق الشجر؛ لأنها تؤكل عند الحاجة كما فعل الصحابة.
стр. 240
أما الحصاة والحديد والنحاس فلا يأكله إنسي، ولا حيوان، ولا يسمى مأكولا، ولا مشروبا حتى عند الاضطرار والحاجة، ولا عند العادة الطبيعية.
ومجرد وصوله إلى المعدة وكونه شغل حيزا من الفراغ ليس كافيا في الإفطار، فإنا لو ملأنا المعدة هواء لما كان له تأثير في الإفطار، وقد شغل حيزا.
ومن استدل لهذا التوجه أن من بلع حصاة يقال فيه أكل حصاة، أو ترابا، أو زجاجا، فدخل تحت عموم الأكل والشرب.
فالجواب أن عمومه هو لكل مطعوم ولو نادرا وكل مشروب ولو نادرا، والحجارة والخرز لا يقال لها مطعوم، وقد تصفحت كلام أهل اللغة وما فيهم أحد يقول أكل الحجارة، ولا الخرزة؛ بل الأكل هو كل مطعوم من الرزق كما نصوا على ذلك ومنه قوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ [الرعد: ٣٥]، ولا يقال: إن معناه ثمراتها وحجارتها؛ لأنه يدخل في المأكول.
ومما يتعجب منه أن أحد العلماء يدافع عن بلع الخرز أنه يشمله عموم الأكل بحجة أن القطا يأكل الحجارة، ولعمري هل كلفنا الله بمأكول القطا، أم بمأكول بني آدم.
ولذلك فرق بين أكل الأنعام وأكل بني آدم فقال ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ﴾ [يونس: ٢٤]؛ لذلك قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَة كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥].
وليس معناه أنه يأكل غير الطعام؛ لأن إثبات البشرية هو بأكل الطعام. ولا بشر يأكل غير ذلك.
وقوله -تعالى-: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣]، ولا يتبادر إلى الذهن أنه يشمل الحجارة والخرز والخشب: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣]، ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧].
стр. 241
وقد ورد الأكل في القرآن من الجنات والثمار والأسماك والأرزاق والأموال، ولم يرد غير ذلك من الخرز والحجارة والحديد، فلغة القرآن ولغة العرب لا شأن لها بعرف الفقهاء الذين أرادوا إدخال ذلك بمجرد أنهم يسموه أكلا، وإلا لأدخلنا قوله فلان تجرع الهم؛ لأنه دليل على الشرب، وهذا لا يقوله أحد
وقد قال أهل اللغة: "الشراب ما يشرب من المائعات" (١)، وقال الراغب: " الأَكْل: تناول المطعم" (٢).
وفي تاج العروس: " أكله ﴿أكلا﴾ ومأكلا قال ابن الكمال: ﴿الأكل: إيصال ما يمضغ إلى الجوف ممضوغا أولا، فليس اللبن والسويق﴾ مأكولا. قلت: وقول الشاعر:
من الآكلين الماء ظلما فما أرى … ينالون خيرًا بعد أكلهم الماء
فإنما يريد قوما كانوا يبيعون الماء، فيشترون بثمنه ما يأكلونه، فاكتفى بذكر الماء الذي هو سبب المأكول عن ذكر المأكول. قال المناوي: وفي كلام الرماني ما يخالفه، حيث قال: "الأكل حقيقة: بلع الطعام بعد مضغه، قال: فبلع الحصاة ليس بأكل حقيقة" (٣).
والذي يظهر أن الفقهاء تأثروا بالاصطلاح المتأخر حيث يطلق الأكل عندهم على غير ما في اللغة
قال النسفي في الغريب «وإذا حلف لا يأكل كذا فالأكل هو المضغ
стр. 242
والابتلاع والمضغ اللوك من حد دخل وصنع والابتلاع افتعال من البلع وهو من حد علم والازدراد افتعال من الزرد» (١).
أما قضية إفساد الصوم بمجرد وصول شيء من المسام الجلدية إلى الحلق فهو توهم كما أثبته الطب الحديث؛ لأن المسام الجلدية لا علاقة لها بالحلق، ولا يوصل إليه.
فمسألة الحناء عند المالكية مسألة مبنية على تصور تشريحي ليس بصحيح.
وأما مسألة الإفطار بمجرد الشك فهو ففيه مشقة على المكلفين؛ لأن الشريعة مبنية على اليقين، أو الراجح، وهذا معلوم في أصول الشريعة وفروعها، فكيف يبنى عليه،؛ بل صرح النص على إبطاله في الصلاة (وليطرح الشك وليبن على ما استيقن) والصوم أخت الصلاة، ومن القواعد المجمع عليها اليقين لا يزول بالشك.
стр. 243
الفصل الرابع
المفطرات المعاصرة من التصور إلى الحكم
أصولها، عللها، محلها، مفرداتها، تصورها القديم والحديث، أحكامها.
الكلام على المفطرات المعاصرة يمكن أن نقسمها إلى مباحث:
المبحث الأول: أصول المفطرات المعاصرة وتعليل المذاهب الفقهية في كل منفذ
المبحث الثاني: التصور الحديث لمفردات المفطرات المعاصرة
стр. 244
المبحث الأول: أصول المفطرات المعاصرة وتعليل المذاهب الفقهية في كل منفذ
المطلب الأول: أصول ضبط النظر في المفطرات المعاصرة
يجب على الناظر في المسائل المعاصرة، أو المتقدمة أن يرجعها إلى أصولها من الكتاب، والسنة وما هو راجع إليهما من إجماع، أو دلالته، أو قياس، أو مصلحة، أو مقصودات شرعية، أو قواعد فقهية اتفاقية.
و المسائل المعاصرة في المفطرات يضبطها أصول:
١ - من القرآن والسنة وهي الأصول التي قدمناها فآيات الصيام التي ضبطت المفطرات في الأكل، والشرب، والجماع وحديث الحجامة والقيء على الخلاف المتقدم في هاتين المسألتين وعلى خلاف في صحة أحاديث القيء ومثل هذا لا يجعل أصلًا تكليفيا أعني ما تعلق بالحديث المختلف في ثبوته.
٢ - وأصل آخر هو الإجماع على مسائل معينة أنها من المفطرات ولم أطلع على إجماع في مسألة من مسائل المفطرات المعاصرة سوى نقل شيخنا القرضاوي الإجماع في مسألة الإبر العضلية والجلدية، وما نقلته قبلا من عدم معرفة أي خلاف من فقهاء العصر المعتبرين في الإفطار بشرب الدخان المعاصر، وقد قام الفقه الجماعي المجامعي في عصرنا مقاما ترجيحيا مكينا، كما كان يرجح أبو بكر وعمر لما كانا يشاوران الصحابة فيما أشكل.
стр. 245
٣ - ما هو في معنى النص المساوي له مثل المغذيات فإنها تساوي الأكل والشرب بلا فرق، ومن فرق فبما ليس بحجة كما سيأتي في محله.
٤ - ما هو مقصود النص وذلك أن الشرع قصد المنع من إدخال أي شيء للجوف مما يشمله أنه مأكول، أو مشروب ولو نادرا، وهو أصل صحيح ومحل إجماع، لكن تنزيل هذا الأصل هو الذي سبب توسيع دائرة المفطرات؛ لأنه صار جنس علة كلي فتوسع جدًا، وقد حصل الاضطراب في تنزيله على الواقع بين المذاهب وجعل الفقيه يذهب إلى أن هذه الصورة المعينة داخلة في المقصود وآخر يدعي أنها ليست داخلة.
لكن يدخل في هذا الأصل مثل أكل ورق شجر، أو من شرب غير مغذ ولو سما، أو شرب سائلا طبيا بقصد التصوير للأشعة فهذا؛ لأنه يسمى أكلا وشربا فيقال أكل ورق الشجر وشرب السم وشرب الصبغة الطبية، والآية نصت على منع الأكل والشرب فما سمي أكلا وشربا دخل فيه على وجه العادة، أو الندرة لا ما خارج عن ذلك كالزجاج.
٥ - ويأتي هنا أصل آخر هو وصول ذلك المفطر إلى محل الإفطار، وقد نقلنا أقوال المذاهب في ذلك قبلا ولكن في الفقه المعاصر يختلف النظر والتحقيق هنا؛ لأن مبنى كلام من تقدم في تحديد الجوف قياسي نظري وليس طبيا علميا كما هو الحال اليوم.
فكان من يظن اتصال الدماغ بالجوف وأن من وضع فيه علاجا أفطر؛ لأنه يتسرب إليه.
ومنهم من جعله جوفا والعلة عنده أن الجوف محل التغذية فيقاس على الجوف الحقيقي، وهو البطن.
ومعرفة تعليلهم يكشف لنا مناهجهم في الاستنباط والتفريع؛ لأن العلل هي مناطات الأحكام، ولهذا سنفصل القول في تعليلهم في كل منفذ، أو محل ذكروا أنه يحصل به الإفطار؛ لتتضح المنهجية الفقهية بجلاء وتكون
стр. 246
عونا في تكون الملكة الفقهية وتخريج المجتهد، فنقول قد انقسموا في هذا إلى فريقين:
الفريق الأول في تعليل محل المفطرات عند الحنفية، والمالكية
فهؤلاء جعلوا العلة ما كان موصلا إلى الجوف وهو الجهاز الهضمي فيكون محلا لإفساد الصوم، وهذا التعليل منصوص في كلامهم كما تقدم وسيأتي كذلك، وعلى هذا التعليل تكلموا عن تجويف الرأس.
فالمالكية كل ما وصل للحلق والمعدة من منفذ علوي ولو مساما وما وصل من مائع من منفذ سفلي طبيعي واسع وهو الدبر والفرج.
فتصورا أن المسام العلوية من الرأس توصل للحلق وأن الفرج يوصل إلى الجهاز الهضمي.
وتصور الحنفية اتصال الرأس بجوف الجهاز الهضمي فقالوا بأنه محل للمفطرات لأنه أحد الجوفين كما سيأتي النص عنهم.
الفريق الثاني في تعليل محل المفطرات: الشافعية، والحنابلة.
وهؤلاء جعلوا العلة هي الجوفية فما كان تجويفا في الجسم كان محلا لإبطال الصوم، ولم ينظروا إلى وصوله إلى البطن والجهاز الهضمي، أم لا.
وقد تقدم النقل عن الشافعية، والحنابلة في ذلك فلا معنى لإعادته هنا.
وللشافعية علتان الجوفية، وهو الأصح والمعتمد والجوف المحيل، وهو الصحيح.
وللحنابلة علتان، لكن يعمل بهما جميعًا.
الأولى: الجوفية كجوف البطن والدماغ، وأي جوف غيرها كان له قوة إحالة الدواء، أو الغذاء فأدخلوا بهذا الأذن؛ لأنها عندهم محيل للدواء، أو موصل للدماغ.
٦ - وسنلاحظ قاعدة اليسر التي نص الله تعالى بأنه أرادها في الصيام،
стр. 247
فقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ، ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، والتنصيص على هذا الأصل خاصة في الصيام مع أنه أصل كلي عام في جميع أبواب الشرع يدل دلالة ظاهرة على قصد الشرع التيسير في باب الصيام.
وعليه فكل فرع فقهي خرج من اليسر إلى العسر فهو مصادم لهذا الأصل المنصوص عليه في آيات الصيام ومنابذ لقصد الشريعة الكي العام في التيسير.
وقد وجدنا فروعا عجيبة فيها من المشقة على عباد الله وتكليفهم بما لم يكلفهم الله، ولا رسوله لا نصا، ولا معنى.
٧ - ومن الأصول في الباب أن الوضوء مشروع لكل صلاة والصائم يتوضأ ويتمضمض، ولا شك أن لماء المضمضة أثرا يبقى في الفم ولم يرد عن الشرع التكلف في التخلص منه فدل أنه لا أثر له في إفساد الصوم فدل أن هذا الأثر لا حكم له، وفرق بينه وبين النهي عن المبالغة في الاستنشاق للصائم؛ لأن الماء نفسه يصل إلى الحلق حين المبالغة، أما هنا فهي آثار بسيطة وبقايا عفى عنها الشرع لذلك فما كان مثلها فهو معفو عنه.
وهكذا مسألة السواك وفيه مركبات ورطوبة ولم ينه الصائم عنه، ولا أمره بالتحرز عن أثر في الفم.
وعليه فما كان مثل هذا الأثر اليسير لا حكم له، وهذا سيفيدنا في النظر في نوازل العصر.
لهذا نجد في الحديث المتفق عليه: ﴿يدع طعامه من أجلي، ويدع شرابه من أجلي، ويدع شهوته من أجلي، ويدع زوجته من أجلي﴾.
وهذا غاية في الوضوح فلا أدري كيف وصلت المفطرات عند بعض المذهب إلى ستين نوعًا مما يعجز عن أذكى الفقهاء ويحتار فيه كبار العلماء بالشرع فكيف بعامة الناس.
ومسألة أثر المضمضة مجمع عليها بين المذاهب أنها لا تؤثر في الصوم كما دلت عليه نصوصهم.
стр. 248
فعند الحنفية: "ولو ابتلع ريقه لم يفسد صومه فهذا مثله يوضح الفرق أنه لا يمكنه التحرز عن اتصال ما بقي بين أسنانه إلى جوفه خصوصا إذا تسحر بالسويق وما لا يمكنه التحرز عنه فهو عفو ألا ترى أن الصائم إذا تمضمض فإنه يبقى في فمه بلة، ثم تدخل بعد ذلك حلقه مع ريقه وأحد لا يقول: بأن ذلك يفطره" (١).
وقال ابن القاسم: "ويجوز بلع ريقه إذا تمضمض. الباجي: يريد بعد زوال طعم الماء منه. (أو سواك) ابن الحاجب: يكره السواك بالرطب يتحلل، فإن تحلل وصل إلى حلقه فكالمضمضة" (٢).
وقال النووي: "إذا تمضمض الصائم لزمه مج الماء، ولا يلزمه تنشيف فمه بخرقة ونحوها، بلا خلاف، قال المتولي؛ لأن في ذلك مشقة، قال ولأنه لا يبقى في الفم بعد المج إلا رطوبة لا تنفصل عن الموضع إذ لو انفصلت لخرجت في المج والله تعالى أعلم" (٣).
وعند الحنابلة: "أو بلع ما بقي من أجزاء الماء بعد المضمضة لم يفسد" (٤).
تعليل نصوصهم في ذلك:
الظاهر من تصرفات الفقهاء أنهم اعتمدوا العمل بلا نكير من أيام الصحابة ولم يرد نص مبين فدل أنه معفو عنه، وقد قدمنا آثار الصحابة في ذلك.
ولأنه يشق التحرز من ماء المضمضة والشريعة مبنية على دفع المشقات، فما كان مثل ذلك من المسائل فهو عفو كبقايا الطعام بين الأسنان الذي يشق التحرز عنه.
стр. 249
المطلب الثاني: منافذ المفطرات قراءة تحليلية للعلل الفقهية التي بني عليها الفقه المذهبي في المفطرات ومناقشة التعليل في ضوء الطب الحديث
ما ينبني على تعليل محل المفطرات من المسائل:
١ - تجويف الدماغ:
أولا: تصور الحنفية اتصال الدماغ بالبطن.
من خلال تتبع كلامهم يتبين أن علة الإفطار بمداوة المأمومة في الرأس ليس مجرد وصول الدواء إليها؛ بل وصوله إلى الحلق والبطن، وهذا مبني على تصور تشريحي غير صحيح وعليه فمن أفتى اليوم مقلدا لهم في المسألة فقد جنى على المذهب؛ لأنه ما أدرك تعليلهم.
لأنهم نصوا صراحة على هذا فقالوا: "فما وصل إلى الدماغ وصل إلى الجوف لما أن بين الدماغ والجوف منفذ .... " (١).
بل صرح ابن نجيم أن هذا هو التحقيق فقال:
"وفي التحقيق أن بين الجوفين منفذا أصليا فما وصل إلى جوف الرأس يصل إلى جوف البطن" (٢).
ثانيا: تصور المالكية في وصول مفطر من الرأس إلى الحلق والبطن
من خلال تتبع كتب المذهب تبين أنهم تصوروا أن الرأس ولو من المسام له وصول للحلق.
وحاصل المذهب المالكي: أن كل مائع ومتحلل وصل الحلق من كل المنافذ العلوية عين أو أذن أو أنف ولو مساما فإنه يفطر وكل مائع وصل
стр. 250
المعدة من كل المنافذ العلوية ضيقة أو متسعة أما المنافذ السفلية فيشرط كونها متسعة وهي الدبر والفرج فقط.
وكل جامد وصل المعدة من أي منفذ علوي لا سفلي فلا تضر التحاميل ونحوها
قال ابن رشد: «وتحصيل مذهب مالك أنه يجب الإمساك عما يصل إلى الحلق من أي المنافذ وصل، مغذيا كان أو غير مغذ» (١)
جاء في المدونة: قلت: أرأيت من كانت به جائفة فداواها بدواء مائع، أو غير مائع ما قول مالك في ذلك؟ فقال: لم أسمع منه في ذلك شيئا، قال: ولا أرى عليه قضاء، ولا كفارة، قال:؛ لأن ذلك لا يصل إلى مدخل الطعام والشراب، ولو وصل ذلك إلى مدخل الطعام والشراب لمات من ساعته. (٢)
وحاصل معتمد المذهب: أنها مبنية على ما يوصل للحلق أو المعدة من منفذ علوي فم أو عين أو أنف أو أذن أو مسام الرأس نهارا والجامد إن وصل للحلق لا يضر إن لم يبلعه أما المائع فبمجرد الوصول (٣)