← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30079

فقه الصيام ومستجداته المعاصرة

فضل مراد

Полный текст (554 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

عونا في تكون الملكة الفقهية وتخريج المجتهد، فنقول قد انقسموا في هذا إلى فريقين: الفريق الأول في تعليل محل المفطرات عند الحنفية، والمالكية فهؤلاء جعلوا العلة ما كان موصلا إلى الجوف وهو الجهاز الهضمي فيكون محلا لإفساد الصوم، وهذا التعليل منصوص في كلامهم كما تقدم وسيأتي كذلك، وعلى هذا التعليل تكلموا عن تجويف الرأس. فالمالكية كل ما وصل للحلق والمعدة من منفذ علوي ولو مساما وما وصل من مائع من منفذ سفلي طبيعي واسع وهو الدبر والفرج. فتصورا أن المسام العلوية من الرأس توصل للحلق وأن الفرج يوصل إلى الجهاز الهضمي. وتصور الحنفية اتصال الرأس بجوف الجهاز الهضمي فقالوا بأنه محل للمفطرات لأنه أحد الجوفين كما سيأتي النص عنهم. الفريق الثاني في تعليل محل المفطرات: الشافعية، والحنابلة. وهؤلاء جعلوا العلة هي الجوفية فما كان تجويفا في الجسم كان محلا لإبطال الصوم، ولم ينظروا إلى وصوله إلى البطن والجهاز الهضمي، أم لا. وقد تقدم النقل عن الشافعية، والحنابلة في ذلك فلا معنى لإعادته هنا. وللشافعية علتان الجوفية، وهو الأصح والمعتمد والجوف المحيل، وهو الصحيح. وللحنابلة علتان، لكن يعمل بهما جميعًا. الأولى: الجوفية كجوف البطن والدماغ، وأي جوف غيرها كان له قوة إحالة الدواء، أو الغذاء فأدخلوا بهذا الأذن؛ لأنها عندهم محيل للدواء، أو موصل للدماغ. ٦ - وسنلاحظ قاعدة اليسر التي نص الله تعالى بأنه أرادها في الصيام،

стр. 247

فقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ، ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، والتنصيص على هذا الأصل خاصة في الصيام مع أنه أصل كلي عام في جميع أبواب الشرع يدل دلالة ظاهرة على قصد الشرع التيسير في باب الصيام. وعليه فكل فرع فقهي خرج من اليسر إلى العسر فهو مصادم لهذا الأصل المنصوص عليه في آيات الصيام ومنابذ لقصد الشريعة الكي العام في التيسير. وقد وجدنا فروعا عجيبة فيها من المشقة على عباد الله وتكليفهم بما لم يكلفهم الله، ولا رسوله لا نصا، ولا معنى. ٧ - ومن الأصول في الباب أن الوضوء مشروع لكل صلاة والصائم يتوضأ ويتمضمض، ولا شك أن لماء المضمضة أثرا يبقى في الفم ولم يرد عن الشرع التكلف في التخلص منه فدل أنه لا أثر له في إفساد الصوم فدل أن هذا الأثر لا حكم له، وفرق بينه وبين النهي عن المبالغة في الاستنشاق للصائم؛ لأن الماء نفسه يصل إلى الحلق حين المبالغة، أما هنا فهي آثار بسيطة وبقايا عفى عنها الشرع لذلك فما كان مثلها فهو معفو عنه. وهكذا مسألة السواك وفيه مركبات ورطوبة ولم ينه الصائم عنه، ولا أمره بالتحرز عن أثر في الفم. وعليه فما كان مثل هذا الأثر اليسير لا حكم له، وهذا سيفيدنا في النظر في نوازل العصر. لهذا نجد في الحديث المتفق عليه: ﴿يدع طعامه من أجلي، ويدع شرابه من أجلي، ويدع شهوته من أجلي، ويدع زوجته من أجلي﴾. وهذا غاية في الوضوح فلا أدري كيف وصلت المفطرات عند بعض المذهب إلى ستين نوعًا مما يعجز عن أذكى الفقهاء ويحتار فيه كبار العلماء بالشرع فكيف بعامة الناس. ومسألة أثر المضمضة مجمع عليها بين المذاهب أنها لا تؤثر في الصوم كما دلت عليه نصوصهم.

стр. 248

فعند الحنفية: "ولو ابتلع ريقه لم يفسد صومه فهذا مثله يوضح الفرق أنه لا يمكنه التحرز عن اتصال ما بقي بين أسنانه إلى جوفه خصوصا إذا تسحر بالسويق وما لا يمكنه التحرز عنه فهو عفو ألا ترى أن الصائم إذا تمضمض فإنه يبقى في فمه بلة، ثم تدخل بعد ذلك حلقه مع ريقه وأحد لا يقول: بأن ذلك يفطره" (١). وقال ابن القاسم: "ويجوز بلع ريقه إذا تمضمض. الباجي: يريد بعد زوال طعم الماء منه. (أو سواك) ابن الحاجب: يكره السواك بالرطب يتحلل، فإن تحلل وصل إلى حلقه فكالمضمضة" (٢). وقال النووي: "إذا تمضمض الصائم لزمه مج الماء، ولا يلزمه تنشيف فمه بخرقة ونحوها، بلا خلاف، قال المتولي؛ لأن في ذلك مشقة، قال ولأنه لا يبقى في الفم بعد المج إلا رطوبة لا تنفصل عن الموضع إذ لو انفصلت لخرجت في المج والله تعالى أعلم" (٣). وعند الحنابلة: "أو بلع ما بقي من أجزاء الماء بعد المضمضة لم يفسد" (٤). تعليل نصوصهم في ذلك: الظاهر من تصرفات الفقهاء أنهم اعتمدوا العمل بلا نكير من أيام الصحابة ولم يرد نص مبين فدل أنه معفو عنه، وقد قدمنا آثار الصحابة في ذلك. ولأنه يشق التحرز من ماء المضمضة والشريعة مبنية على دفع المشقات، فما كان مثل ذلك من المسائل فهو عفو كبقايا الطعام بين الأسنان الذي يشق التحرز عنه.

стр. 249

المطلب الثاني: منافذ المفطرات قراءة تحليلية للعلل الفقهية التي بني عليها الفقه المذهبي في المفطرات ومناقشة التعليل في ضوء الطب الحديث ما ينبني على تعليل محل المفطرات من المسائل: ١ - تجويف الدماغ: أولا: تصور الحنفية اتصال الدماغ بالبطن. من خلال تتبع كلامهم يتبين أن علة الإفطار بمداوة المأمومة في الرأس ليس مجرد وصول الدواء إليها؛ بل وصوله إلى الحلق والبطن، وهذا مبني على تصور تشريحي غير صحيح وعليه فمن أفتى اليوم مقلدا لهم في المسألة فقد جنى على المذهب؛ لأنه ما أدرك تعليلهم. لأنهم نصوا صراحة على هذا فقالوا: "فما وصل إلى الدماغ وصل إلى الجوف لما أن بين الدماغ والجوف منفذ .... " (١). بل صرح ابن نجيم أن هذا هو التحقيق فقال: "وفي التحقيق أن بين الجوفين منفذا أصليا فما وصل إلى جوف الرأس يصل إلى جوف البطن" (٢). ثانيا: تصور المالكية في وصول مفطر من الرأس إلى الحلق والبطن من خلال تتبع كتب المذهب تبين أنهم تصوروا أن الرأس ولو من المسام له وصول للحلق. وحاصل المذهب المالكي: أن كل مائع ومتحلل وصل الحلق من كل المنافذ العلوية عين أو أذن أو أنف ولو مساما فإنه يفطر وكل مائع وصل

стр. 250

المعدة من كل المنافذ العلوية ضيقة أو متسعة أما المنافذ السفلية فيشرط كونها متسعة وهي الدبر والفرج فقط. وكل جامد وصل المعدة من أي منفذ علوي لا سفلي فلا تضر التحاميل ونحوها قال ابن رشد: «وتحصيل مذهب مالك أنه يجب الإمساك عما يصل إلى الحلق من أي المنافذ وصل، مغذيا كان أو غير مغذ» (١) جاء في المدونة: قلت: أرأيت من كانت به جائفة فداواها بدواء مائع، أو غير مائع ما قول مالك في ذلك؟ فقال: لم أسمع منه في ذلك شيئا، قال: ولا أرى عليه قضاء، ولا كفارة، قال:؛ لأن ذلك لا يصل إلى مدخل الطعام والشراب، ولو وصل ذلك إلى مدخل الطعام والشراب لمات من ساعته. (٢) وحاصل معتمد المذهب: أنها مبنية على ما يوصل للحلق أو المعدة من منفذ علوي فم أو عين أو أنف أو أذن أو مسام الرأس نهارا والجامد إن وصل للحلق لا يضر إن لم يبلعه أما المائع فبمجرد الوصول (٣)

стр. 251

فأصلهم مبني على التعليل بمجرد الوصول للحلق إلا في مسألة واحدة حصل فيها خلاف هي: استنشاق بخار الماء فقالوا بأنه مفطر للصائم وعلة ذلك أنه يقوي ويغذي الدماغ فيلحق بالأكل ولم يتعرضوا لشرط طعمه في الحلق قال الخرشي: «واستنشاق قدر الطعام بمثابة البخور؛ لأن ريح الطعام له جسم يتقوى به الدماغ فيحصل به ما يحصل بالأكل» (١). لكن الحطاب لما ذكر هذه العبارة ربطها بالقاعدة وهو أن يجد طعمه في حلقه فقال: فكأنه يقول إذا وجد طعم دخان القدر يفطر والله أعلم انتهى. وقاعدتهم في البخور كذلك وهو أن يجده في حلقه قال في المواهب «(وبخور) ش: أي بخور يصل إلى حلقه» (٢). والظاهر أن هذا هو معتمد المذهب والخلاف موجود في اشتراط الطعم من عدمه، وفي عدم الإفطار بالبخور كما قال ابن الماجشون.

стр. 252

ثالثا: الشافعية، والحنابلة وتعليلهم بالجوفية وأثره في المسألة: أما الشافعية، والحنابلة فنظرا لأنهم وسعوا معنى الجوف سواء كان محيلًا للغذاء، أم لا كما تقدم، فإنهم يطلقون القول بعلة الجوفية لا بعلة الوصول إلى الجوف الهضمي فقط فشمل كل ما له تجويف في البدن. وعلى هذا فمداواة المأمومة عندهم مفسدة للصوم، وعلى هذا الأصل بنيت مسائلهم. والتعليل شرطه أنه يكون منصوصًا، أو مجمعًا عليه، أو مناسبًا، ولا شيء من هذا في علة الجوف. فإنها لم تذكر بأي نص في كتاب، ولا سنة ولم يجمع الناس عليها وليست مناسبة فإي مناسبة في القول بأن من أدخل طرف أصبعه في دبره، أو أدخلت طرف إصبعها في فرجها أنه يحصل الإفطار. ٢ - منفذ الفرج وتعليله: وعلة الاتصال بالجهاز الهضمي (المعدة) هذه العلة عند المالكية هي ما أدت إلى القول بأن ما وصل من فرج المرأة يفسد الصوم؛ لأنه نافذ إلى المعدة، وهذا تصور تشريحي أثبت الطب عدم صحته،، وقد قدمنا قول الدسوقي: «وقوله وأذن وعين أي أو مسام رأس على المعروف؛ لأن ما وصل للمعدة من منفذ عال موجب للقضاء سواء كان ذلك المنفذ واسعا أو ضيقا بخلاف ما يصل للمعدة من منفذ سافل فإنه يشترط فيه كونه واسعا كالدبر وقبل امرأة والثقبة لا كإحليل وجائفة، وهي الخرق الصغير جدا الواصل للبطن وصل للمعدة أو لا» (١). أما الشافعية، والحنابلة فلأن علتهم الجوفية، فقالوا: بأن فرج المرأة تجويف فما وصل إليه من المفطرات أفسد الصوم (٢).

стр. 253

٣ - منفذ الإحليل وتعليله: فالحنفية في هذه المسألة بنوها على نفس التعليل هل هو موصل إلى المعدة، أم لا؟ وعلى ذلك اختلفوا (١)، وهذا عينه هو السبب في عدم القول عندهم بالإفطار بما يدخل إلى الإحليل؛ لأنه لا يتصل بالجوف جاء في (الاختيار لتعليل المختار): "وأما الإقطار في الإحليل فعندهما لا يفطر. وقال أبو يوسف: يفطر بناء على أن بينه وبين الجوف منفذًا بدليل خروج البول، والأصح أن ليس بينهما منفذ؛ بل البول يترشح إلى المثانة، ثم يخرج، وما يخرج رشحًا لا يعود رشحًا فلا يصل، والخلاف إذا وصل إلى المثانة، أما إذا وقف في القصبة لا يفطر بالإجماع. " (٢) ولأبي حنيفة رواية أخرى كأبي يوسف، وهذا يدل على التردد في المسألة؛ لأن تعليلها خفي ويحتاج إلى طب وتشريح، وهو متعذر على حقيقته في زمنهم؛ ولهذا التردد نقل عن محمد التوقف وقيل هو مع أبي حنيفة (٣). وكذلك عند المالكية نفس العلة، لكن قيدوها بالمنافذ السفلية الواسعة كالدبر وفرج المرأة؛ لأن الواسعة موصلة، وأما الضيقة كالإحليل فلا أثر لها ولو أوصلت إلى المعدة، وهذا اضطراب في التأصيل والتفريع، فإن

стр. 254

العلل يجب أن تكون مطردة فما أوصل إلى المعدة هو العلة المركزية، فإن وجدت بني عليها الحكم من أي منفذ كان والتفريق بالعلوية والسفلية طردي لا معنى له. أما الشافعية؛ فلأن علتهم الجوفية قالوا أن ما وصل إلى الإحليل مفسد للصوم (١). والحنابلة يمنعون كون التقطير في الإحليل مفسدا للصوم والعلة أنه ليس بجوف لهذا وجد خلاف عندهم حال وصولها للمثانة؛ لأنها جوف قال في الإنصاف: "أو قطر في إحليله. لم يفسد صومه، وهو المذهب، نص عليه، وعليه أكثر الأصحاب، وقطع به أكثرهم. وقيل: يفطر إن وصل إلى مثانته؛، وهو العضو الذي يجتمع فيه البول داخل الجوف" (٢). ٤ - منفذ العين وتعليله: ونفس التعليل يأتي في مسألة العين هل تصل الدماغ والحلق، أم لا؟ فإن وصلت الدماغ فهو متصل بالجوف كما مر لذلك لا يفطر من العين شيء عند الحنفية معللين ذلك؛ "لأنه ليس بين العين والدماغ منفذ) ش: فما وجد في حلقه من طعمه إنما هو أثره لا عينه. " (٣). أما المالكية فالعين موصلة إلى الحلق وكذلك الحنابلة كما تقدم (٤).

стр. 255

والكل علقوها على ما وصل فإن لم يصل للحلق فلا شيء. وخالفهم الشافعية فلا يفطر التقطير؛ لأن العين ليست جوفًا وليس لها منفذ مفتوح إلى الحلق؛ بل ما يصل إنما هو عبر المسام (١).

стр. 256

إذا فالعلة المتعلقة بالعين عند جميع المذاهب باعثه سؤال هل هي موصلة لمحل الإفطار أم لا؟ وزاد الشافعية عدم الجوفية. والقول بعلة اتصالها بالحلق علة تحتاج في تحريرها إلى الطب المعاصر وتوهم وجود الأثر، أو الطعم في الحلق إنما هو بالمسام وليست المسام منفذا. ٥ - منفذ الأذن وتعليله: وهكذا الخلاف في الأذن مبني على نفس العلل فمنهم من ظن أنها موصلة للحلق والمعدة فتفسد الصوم وهم المالكية طردا لعلتهم وكذلك الحنابلة (١). ومنهم من جعلها جوفا قياسا على الجوف الحقيقي وهم الشافعية فتفسد الصيام (٢). والملاحظ أن الحنابلة لم يجعلوا العلة تجوف الأذن؛ بل الواصل منها إلى جوف الدماغ (٣). ولهم نص آخر أن التجويف المحيل للدواء، أو الغذاء مفسد للصوم بالمفطرات. وعلى هذا النص، فإن الأذن عندهم تجويف محيل للدواء (٤).

стр. 257

واختلف قول الحنفية لهذا المدرك فمنهم من قال؛ لأنها محل تغذية علاجية بالقطرة وليست محل تغذية حقيقية بأكل وشرب، ولهذا اختلف قول أبي حنيفة كما تقدم فقال إن وضع قطرة الأذن العلاجية يفطر بخلاف الماء فيها؛ لأنها ليست محلا له (١). ٦ - الامتصاص الجلدي. ولهذا اتفق الجميع على أن مجرد الامتصاص الجلدي لا يفطر لعدم اتصاله بالجوف، ولا يمكن قياسه عليه، وقد نقلت: عن المالكية قبلا أن من وضع الحناء على رأسه فوجد طعمه في حلقه أنه يفطر؛ لأنهم تصوروا وصوله إلى الجوف من الرأس، وهذا غاية في البعد قياسًا ومعنى ومقصودًا وخالفهم الثلاثة، والظاهرية. فقال الحنفية: "وإن وصل عين الكحل إلى باطنه فذلك من قبل المسام لا من قبل المسالك إذ ليس من العين إلى الحلق مسلك فهو نظير الصائم يشرع في الماء فيجد برودة الماء في كبده، وذلك لا يضره، وعلى هذا إذا دهن الصائم شاربه" (٢). وفي الفقه الشافعي "لا يضر وصول الدهن بتشرب المسام" (٣). وهكذا في الحنبلي نجد قولهم: "أو لطخ باطن قدمه بشيء فوجد طعمه بحلقه لم يفسد؛ لأن القدم غير نافذ للجوف أشبه ما لو دهن رأسه فوجد طعمه في حلقه" (٤).

стр. 258

٧ - منفذ الحلق وتعليله: انقسم الفقهاء إلى فريقين: الفريق الأول: يرى أن الحلق محل إفطار بدون تقييد بباطن، أو بظاهر وهم المالكية والحنفية، والحنابلة فقد صرح المالكية بأن وصول المفطرات إلى الحلق مفطر للصائم سواء كان مائعا، أو جامدا متحللا؛ لأن المائع يغلب في دخول شيء منه (١). قال ابن رشد: "وتحصيل مذهب مالك أنه يجب الإمساك عما يصل إلى الحلق من أي المنافذ وصل مغذيا كان، أو غير مغذ. " (٢) ولو بخورا (٣). وظاهر فروع الحنفية تدل على أن الوصول للحلق يفطر قال الكاساني: "وكذا يكره للمرأة أن تذوق المرقة لتعرف طعمها؛ لأنه يخاف وصول شيء منه إلى الحلق فتفطر" (٤). ومثلهم الحنابلة فإنهم جعلوا الوصول للأعيان المفطرة إلى الحلق يفطر الصائم.

стр. 259

فأما الكحل، فإن وجد طعمه في حلقه، أو علم وصوله إليه، فطره، وإلا لم يفطره. نص عليه أحمد (١). الفريق الثاني: الشافعية فقسموا الحلق إلى ظاهر وباطن: فشرط الشافعية أن يتجاوز القسم الباطن منه، وهو مخرج الهمزة والهاء (٢)، أما الخاء والحاء فخارجي لا يضر الصيام وصول المفطرات إليه وما ذهب إليه الشافعية هو الصواب؛ لأن مخرج الهمزة والهاء من الداخل الذي لا يمكن إرجاع المفطر منه غالبًا. تحليل وتعليل مذاهب الفقهاء في هذه المسألة: الظاهر من تصرفات الفقهاء أن العلة الحقيقية هي النزول من الحلق، لكن لما كانت علة خفية ويغلب على ما وصل إلى الحلق من المائعات النزول أقيم الوصول للحلق مقام العلة، وهو تجاوزه. لكن إلحاق الجامد بالسائل هنا ضعيف جدًا؛ لأن علة السائل غلبة تجاوزه الحلق، أما الجامد كالحصاة فكيف يقال أن مجرد وصولها الحلق يفطر الصائم ولو لم تنزل، لكن تحليل قولهم يمكن أن يكون كالتالي: وهو أنهم قاسوا الجامد على المائع والعلة في هذا أن محل الإفطار إن وصل إليه المفطرات فلا فرق بين مائع وجامد وبما أنا قلنا الحلق محل إبطال الصوم يجب أن يكون للجامد والمائع .. لكن هذا غير صحيح؛ لأن الحلق ليس محل الإفطار حقيقة بل؛ لأنه

стр. 260

يغلب نزول شيء المفطرات إن وصلت إليه فهو قياس مع الفارق الكبير فلا يصح. ولم يأت نص يدل على أن الحلق محل تفطير سوى دلالة حديث: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا). فإن منعه من المبالغة حالة الصوم دليل أن ما وصل إلى الحلق من الماء يفسد الصوم. وما سبق إلى الحلق فالغالب نزوله. والذي يظهر أن ما وصل إلى الحلق من المائعات، أو المفطرات وتيقن عدم نزولها، أو غلب على ظنه فإنه لا يفطر، وقد أصاب الشافعية في جعل الحلق الباطن محلًا للإفطار؛ لأن ذلك المحل لاشك في نزوله منه إلى المعدة ويتعذر رده. وهو ما وافقهم الطب الحديث كما في بحث طبي مقدم للمجمع الفقهي، للدكتور حسان، "ما هي أجزاء البلعوم؟ من المهم تحديد البلعوم (وهو ما يسميه الفقهاء بالحلق) وأجزائه، فهو الطريق الواصل إلى المريء، ومن، ثم إلى المعدة والأمعاء. والبلعوم هو جزء من القناة الهضمية يلي تجويف الفم، وهو ينقسم إلى ثلاثة أجزاء: الجزء العلوي: وهو ما يسمى بالبلعوم الأنفي (Nasopharynx) وفيه تصب إفرازات الأنف والجيوب الأنفية، وما يوضع في الأنف من دواء، أو بخاخ، كما تصل إليه الدموع من العين والقطرات التي توضع في العين. الجزء الأوسط: وهو ما يسمى بالبلعوم الفمي (Oropharynx) وعن طريقه يتم ابتلاع الطعام والشراب والدواء، وفيه تقع اللهاة واللوزتان. الجزء السفلي: وهو ما يسمى بالبلعوم الحنجري: وفيه تقع فتحة الحنجرة والحبال الصوتية" (١).

стр. 261

٨ - منفذ الأنف وتعليله. اتفقت المذاهب الأربعة على أن ما دخل من الأنف من المفطرات كالسعوط مفسد للصوم (١)، ويدور تعليلهم على أنه يصل إلى الدماغ وهذه العلة نص عليها الشافعية. ونص الحنفية، والحنابلة على أن ما يصل للجوف، أو الدماغ مفطر وذكروا منها ما يدخل من الأنف من السعوط وغيره وعلل المالكية أنه واصل إلى الحلق. مذهب ابن حزم الظاهري في المفطرات. توقف ابن حزم عليه -رحمة الله- عند أمور حددتها النصوص بدون أي قياس عليها لا مساو، ولا قريب، ولا خفي، ولا جلي؛ لأنه يبطل القياس أصلًا لذلك فقاعدته لا يفطر الصائم إلا الأكل والشرب من منفذهما الطبيعي، وهو الحلق وكذلك الجماع والمعاصي. أما كل تفاريع الفقهاء المبنية على المعاني القريبة، أو البعيدة فلا عبرة بها عنده، وقد لخص مذهبه فقال: "ولا ينقض الصوم حجامة، ولا احتلام، ولا استمناء، ولا مباشرة الرجل امرأته، أو أمته المباحة له فيما دون الفرج، تعمد الإمناء، أم لم يمن، أمذى، أم لم يمذ، ولا قبلة كذلك فيهما، ولا قيء غالب، ولا قلس خارج من الحلق، ما لم يتعمد رده بعد حصوله في فمه وقدرته على رميه، ولا دم خارج من الأسنان، أو الجوف ما لم يتعمد بلعه، ولا حقنة، ولا سعوط، ولا تقطير في أذن، أو في إحليل، أو في أنف، ولا استنشاق وإن بلغ الحلق، ولا مضمضة دخلت الحلق من غير تعمد، ولا كحل و إن بلغ إلى الحلق نهارًا، أو ليلًا - بعقاقير، أو بغيرها، ولا غبار

стр. 262

طحن، أو غربلة دقيق، أو حناء، أو غير ذلك، أو عطر، أو حنظل، أو أي شيء كان، ولا ذباب دخل الحلق بغلبة، ولا من رفع رأسه فوقع في حلقه نقطة ماء بغير تعمد لذلك منه؛ ولا مضغ زفت، أو مصطكى، أو علك، ولا من تعمد أن يصبح جنبًا، ما لم يترك الصلاة، ولا من تسحر، أو وطئ، وهو يظن أنه ليل فإذا بالفجر كان قد طلع، ولا من أفطر بأكل، أو وطء، ويظن أن الشمس قد غربت فإذا بها لم تغرب، ولا من أكل، أو شرب، أو وطئ ناسيا؛ لأنه صائم، وكذلك من عصى ناسيًا لصومه، ولا سواك برطب، أو يابس، ولا مضغ طعام، أو ذوقه، ما لم يتعمد بلعه، ولا مداواة جائفة، أو مأمومة بما يؤكل، أو يشرب، أو بغير ذلك، ولا طعام وجد بين الأسنان -: أي وقت من النهار وجد، إذا رمي، ولا من أكره على ما ينقض الصوم، ولا دخول حمام، ولا تغطيس في ماء، ولا دهن شارب؟ " (١). مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في المفطرات: بين ابن تيمية أن الصيام ركن من أركان الإسلام وأن ما يفسده يلزم بلاغه، وهو ما بين أيدينا من النصوص التي بينت الأكل، والشرب، والجماع والقيء والحجامة في الجملة، وما لم يبلغه فليس من الدين؛ لأن لوكان دينا لبلغه الصحابة ولنقلوه إلينا كما نقلوا سائر الدين. ثم بين أن مبنى هذا المفطرات الفروعية القياس وإن القياس شرطه الصحة، ومعنى الصحة أن يرجع إلى الكتاب والسنة، ولم نجد في الكتاب، والسنة ما صرحوا به من المفطرات فكان القياس فاسدًا؛ لأنه بغير أصل. هذا مجمل كلامة (٢).

стр. 263

قرار المجمع الفقهي في المفطرات: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه. قرار رقم: ٩٩/ ١/ د ١٠ بشأن: المفطرات في مجال التداوي: إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره العاشر بجدة

стр. 264

بالمملكة العربية السعودية، خلال الفترة من ٢٣ إلى ٢٨ صفر ١٤١٨ هـ (الموافق ٢٨ يونيو -٣ يوليو ١٩٩٧ م). بعد اطلاعه على البحوث المقدمة في موضوع المفطرات في مجال التداوي، والدراسات والبحوث والتوصيات الصادرة عن الندوة الفقهية الطبية التاسعة التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، بالتعاون مع المجمع وجهات أخرى، في الدار البيضاء بالمملكة المغربية، في الفترة من ٩ إلى ١٢ صفر ١٤١٨ هـ (الموافق ١٤ - ١٧ يونيو ١٩٩٧ م)، واستماعه للمناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة الفقهاء والأطباء، والنظر في الأدلة من الكتاب والسنة، وفي كلام الفقهاء. قرر ما يلي: أولًا: الأمور الآتية لا تعتبر من المفطرات: ١ - قطرة العين، أو قطرة الأذن، أو غسول الأذن، أو قطرة الأنف، أو بخاخ الأنف، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق. ٢ - الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية وغيرها، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق. ٣ - ما يدخل المهبل من تحاميل (لبوس)، أو غسول، أو منظار مهبلي، أو إصبع للفحص الطبي. ٤ - إدخال المنظار، أو اللولب ونحوهما إلى الرحم. ٥ - ما يدخل الإحليل - أي مجرى البول الظاهر للذكر والأنثى - من قثطرة (أنبوب دقيق)، أو منظار، أو مادة ظليلة على الأشعة، أو دواء، أو محلول لغسل المثانة. ٦ - حفر السن، أو قلع الضرس، أو تنظيف الأسنان، أو السواك وفرشاة الأسنان، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.

стр. 265

٧ - المضمضة، والغرغرة، وبخاخ العلاج الموضعي للفم، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق. ٨ - الحقن العلاجية الجلدية، أو العضلية، أو الوريدية، باستثناء السوائل والحقن المغذية. ٩ - غاز الأوكسجين. ١٠ - غازات التخدير (البنج) ما لم يعط المريض سوائل (محاليل) مغذية. ١١ - ما يدخل الجسم امتصاصًا من الجلد؛ كالدهونات والمراهم واللصقات العلاجية الجلدية المحملة بالمواد الدوائية، أو الكيميائية. ١٢ - إدخال قثطرة (أنبوب دقيق) في الشرايين لتصوير، أو علاج أوعية القلب، أو غيره من الأعضاء. ١٣ - إدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء، أو إجراء عملية جراحية عليها. ١٤ - أخذ عينات (خزعات) من الكبد، أو غيره من الأعضاء، ما لم تكن مصحوبة بإعطاء محاليل. ١٥ - منظار المعدة إذا لم يصاحبه إدخال سوائل (محاليل)، أو مواد أخرى. ١٦ - دخول أي أداة، أو مواد علاجية إلى الدماغ، أو النخاع الشوكي. ١٧ - القيء غير المتعمد، بخلاف المتعمد (الاستقاءة). ثانيًا: ينبغي على الطبيب المسلم نصح المريض بتأجيل ما لا يضر تأجيله إلى ما بعد الإفطار من صور المعالجات المذكورة فيما سبق. ثالثا: تأجيل إصدار قرار في الصور التالية، للحاجة إلى مزيد من البحث

стр. 266

والدراسة في أثرها على الصوم، مع التركيز على ما ورد في حكمها من أحاديث نبوية وآثار عن الصحابة: أ- بخاخ الربو، واستنشاق أبخرة المواد. ب - الفصد، والحجامة. ج - أخذ عينة من الدم المخبري للفحص، أو نقل دم من المتبرع به، أو تلقي الدم المنقول. د - الحقن المستعملة في علاج الفشل الكلوي حقنًا في الصفاق (البريتون)، أو في الكلية الاصطناعية. هـ - ما يدخل الشرج من حقنة شرجية، أو تحاميل البوس)، أو منظار، أو إصبع للفحص الطبي. و العمليات الجراحية بالتخدير العام إذا كان المريض قد بيت الصيام من الليل، ولم يعط شيئًا من السوائل (المحاليل) المغذية. والله أعلم" (١). ثم استأنف المجمع النظر فيما توقف فيه في القرار السابق وأصدر بعد أكثر من عشرين عاما قرارا في ذلك هذا نصه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين. قرار رقم: ٢١٩ (٢٣/ ٣) بشأن المفطرات في مجال التداوي (استكمال ما سبق) إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة التعاون الإسلامي، المنعقد في دورته الثالثة والعشرين بالمدينة المنورة، خلال الفترة

стр. 267

من: ١٩ - ٢٣ صفر ١٤٤٠ هـ، الموافق: ٢٨ أكتوبر- ا نوفمبر ٢٠١٨ م، واستكمالًا لقرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم ٩٣ (١٠/ ١) بشأن المفطرات في مجال التداوي، والذي حدد المسائل المطلوب بحثها في هذه الدورة، وهي: ١. بخاخ الربو. ٢. الفصد والحجامة. ٣. أخذ عينة من الدم للفحص المخبري، ونقل الدم من المتبرع به، أو تلقي الدم المنقول. ٤. الغسيل الكلوي الدموي، والغسيل الكلوي البريتواني. ٥. ما يدخل الشرج من حقنة شرجية أو تحاميل أو منظار. ٦. العمليات الجراحية بالتخدير العام. وبعد اطلاع المجلس على البحوث المقدمة إلى المجمع بخصوص الموضوع، وبعد استماعه إلى المناقشات الموسعة التي دارت حوله، قرر ما يأتي: • المفطرات هي تعمدُ الأكل والشرب والجماع-وما في معناه- والقيء. • الجوف الذي يفسد الصوم بما يصل إليه هو ما تجاوز الحلق إلى الجهاز الهضمي، ووصل إلى المعدة مغذيًا كان أم غير مغذٍ، من طريقٍ معتاد أو غير معتاد. أ- ما لا يفسد معه الصيام: ١. بخاخ الربو لا يؤثر على صحة الصوم، فهو يستهدفُ الجهازَ التنفسي، وما يصل إلى المعدة منه جزء يسير مغتفر غير مقصود، أقل مما يصل المعدةَ من بقايا المضمضة والسواك. ٢. سحب الدم للتحاليل المخبرية أو التبرع به.

стр. 268

٣. كل ما يدخل عن طريق الشرج من حقن وتحاميل ومنظار ومراهم، ما عدا الحقن المغذية. ٤. لصقة إزالة الشعور بالجوع. ٥. عملية شفط الدهون مالم تترافق باستخدام السوائل المغذية. ٦. المنظار الشرجي وإصبع الفحص الطبي. ٧. الحجامة والفصد. ٨. فقد الوعي (الإغماء) بسبب التخدير العام لجزء من النهار، ولو استمر فقدان الوعي بقية يومه؛ إن كان قد وقع التخدير أثناء الصوم، مالم يصاحب ذلك إعطاء السوائل. ب_ ما يفسد الصوم: ١. كل ما يدخل إلى الجهاز الهضمي متجاوزًا الفم والبلعوم، و مما هو محيل- هاضم- للطعام، وهو المريء والأمعاء الدقيقة. ٢. كل ما يتغذى به جسم الصائم، ومن أي منفذ طبيعي، لأنه في معنى الأكل، ولمنافاته لمقصد الصوم كالحقنة المغذية. ٣. جهاز التبخير الرئوي (البنيوليزر) المستخدم في علاج الربو مفطر، لأن الكمية الداخلة منه إلى المعدة أكبر بكثير من القدر المعفو عنه. ٤. نقل الدم لاحتوائه على كمية كبيرة من الماء. ٥. الغسيل الكلوي البريتواني والدموي، لما فيه من إدخال كمية كبيرة من الماء والأملاح والسكر. ٦. الكبسولات المستخدمة في بخاخ الربو المحتوية على البودرة الجافة، لخروج جزء منها وهو جرم يصل إلى المعدة. التوصيات: ١. دور الطبيب المعالج مهم جدًا في تحديد الضرورة أو الحاجة إلى

стр. 269

إجراء مداخلات علاجية أو تشخيصية يمكن أن تفسد الصوم. فإذا لم تكن هناك ضرورة لذلك الإجراء، وأمكن تأجيله لوقت الفطر، فعليه أن يشير على مريضه بذلك. ٢. العمل على توعية المرضى بكل ما يتعلق بأداء عبادتهم على الوجه الصحيح المجزئ شرعًا، والدعوة إلى الرجوع إلى أهل العلم الثقات فيما قد يشكل عليهم من مسائل الصوم. ٣. إعلام المريض بالفشل الكلوي الذي لا يرجى برؤه؛ بعدم الصوم حفاظًا على حياته، فهو معذور، وعليه فدية طعام مسكين عن كل يوم. والله أعلم؛ المطلب الثالث: الضبط الجامع المانع للمفطرات دلالة اللفظ القرآني كلوا واشربوا تشمل يقينا الطعام كان معتادا، أو نادرًا قليلًا، أو كثيرًا نباتا، أو شجرا، أو ثمرة، أو حبوبا ولو حبة واحدة لعموم الإطلاق مطبوخًا، أو نيئا وكل ما يطلق عليه أنه مؤكل دخل تحت اللفظ القرآني فمن أكل ورق شجر فهو مفطر؛ لأنه يتغذى به عند الضرورة ويدخل في إعداد الأطعمة والطبخ فهو مأكول، وقد أكله الصحابة ففي الحديث عند البخاري: عن سعد يقول: «إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، ورأيتنا نغزو وما لنا طعام إلا ورق الحبلة وهذا السمر، وإن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ما له خلط.» (١). وجميع الأدوية؛ لأنها مأكولة، أو مشروبة. وتشمل يقينا الماء وكل شراب وكل سائل مغذ كان، أو غير مغذ دواء،

стр. 270

أو غيره؛ لأنه يسمى شربا حتى الصبغة الطبية، أو السوائل العلاجية؛ لأنها شراب فيصدق عليها المنع ولأنها ماء في أصل تكوينها. وكل مائع. هو هذا المفطر يقينا كم تدل عليه اللفظة القرآنية. فالضبط: كل مأكول أو مشروب عادي أو نادر، فهو مفطر. فخرج ما لم يكن مأكولا أو مشروبا كالبخور ونحوه وخرج ما ليس مأكولا ولو على وجه الندرة كالزجاج. الحد الجامع المانع لمحل المفطرات: أما محل هذه المفطرات فهو دخولها إلى الجهاز الهضمي من الحلق الباطن إلى المعدة وتوابعها من الأمعاء. والبلعوم والمريء وسيلتان موصلتان إلى المعدة كالفم، لكن الفم يمكن التحكم فيما دخل فيه بلفظة بخلافهما فإذا وصل الطعام لهما فلا يمكن عودته عادة ولو تصورنا إمكان عودته لكان مجرد الوصول للمحل مفطرًا؛ لأنه لا بد أن جزءًا من الشيء الداخل قد تحلل ودخل المعدة، وقد تصور الحنفية مسألة الخيط وتعليق المفطر بها، وزعموا فرضية أنه معلق بخيط وأعيد بسحب الخيط لما كان مفطرًا. لذلك شرطوا استقرار المفطر وهي مع أنها إيغال في النظريات لاستحالة رجوع الطعام بدون أن يتحلل ويبقى منه جزء يصل إلى المعدة إلا في حالة وضع في كيس بلاستيكي. وهذا في الحالة الطبيعية من فعل ذلك، وهو صائم فهو لاعب، أو مجنون، أو مريض نفسي. أما في الحالات العلاجية فهذا لم يوجد إلا في زماننا في مسألة منظار المعدة، وأما الأمعاء الدقيقة والغليظة فكلها محل امتصاص للغذاء واستقراره بتفاوت.

стр. 271

ولو أن الأطباء أدخلوا الطعام والشراب إلى المعدة عن طريق فتحة طبية من خلال جدار المعدة، أو البلعوم، أو المري، أو الأمعاء أو المنافذ السفلية. فإنه مفطر بلا شك؛ لأن قد تحقق وصوله إلى محله وإنما المنفذ الطبيعي وسيلة فإذا تغيرت الوسيلة لعارض طبي أخذت الحكم، ولا فرق والشريعة تساوي بين المتماثلات. والخلاصة: أن الضابط المتعلق بالحال و بالمحل هو: كل مأكول، أو مشروب معتادًا، أو نادرًا وصل إلى الجهاز الهضمي من منفذ عادي، أو طبي أو وصل من الوريد ما يقوم مقام الغذاء فهو مفطر والجهاز الهضمي هو المبتدئ بالحلق الباطن والمنتهي بنهاية الأمعاء الغليظة، فلا يدخل الفم؛ لأن ما وصل إليه لا يفطر. و المغذيات الوريدية؛ لأنها طعام وشراب مستخلص حقيقة يقوم مقام الأكل والشرب ويساويه، فهو مثله في الحكم لعدم الفارق. اعتراض ودفعه: من أكل زجاجًا وأكل حجارة فهل هو داخل في لفظ الآية؛ لأنها تسمى أكلًا؟! قلت: الشريعة جاءت على مجاري الحالات الطبيعية وهذه الحالات الكلام عليها وشغل البال من الفضول فأي إنسان يأكل الحجارة، أو الزجاج فهو مجنون مرفوع عن القلم، أو عنده مرض نفسي يجب معالجته لا الإفتاء بحكم صومه وكذا من أكل التراب، أو الحديد، أو نحو هذه كمن ابتلع العملة المعدنية عمدًا، أو خطأ ولو فعله صحيح عمدًا لقلنا فيه بالتعزير، كما قال ابن القاسم، ولا نجرؤ على القول بفساد صومه. وثم حالة شائعة عادية هي اشتهاء بعض الحوامل أكل الطين وحكمها

стр. 272

أنها مفطرة؛ لأن الطين يحتوي على الماء. وهي حالة مرضية ينبغي فيها العلاج. فإن خلت عن الماء وكانت ترابًا محضًا فلا تفطر. الرأي الطبي في قضايا الجوف المتصورة قديمًا: لا يوجد نص من القرآن، أو السنة تذكر الجوف في الصوم، أو علة له لهذا لم نجد في منهج الصحابة في الإفتاء هذا التعليل، وهم أهل اللسان وأهل التقوى ولو كان مقصود القرآن والسنة هو الجوفية، أو التعليل بها لفهمها الصحابة لأنهم أهل اللغة واللسان؛ ولأن التعليل يكون إما بالنص عليه، أو بالإجماع، أو بالمناسبة، أو بالمساواة وعدم الفارق، أو القياس الأولوي. ولا شيء في هذا التعليل فلا نص عليه في الكتاب والسنة، ولا أجمع عليه الناس، ولا هو علة مناسبة إذ كيف يقال أن من أدخل طرف أصبعه في دبره، أو إصبعها في فرجها أنه يفسد الصوم فأي مناسبة في هذا. ولا هو قياس مساو، ولا أولوي فتبين عدم صحة التعليل بمطلق الجوف، فلما لم يرد ما يدل على ذلك يجب أن نرجع إلى اللفظ القرآني في المفطرات ودلالته البينة ونرجع إلى أهل الطب في تحديد ما أشكل من المنافذ المدعاة علينا هنا أن نحدد الجوف الطبي المعاصر من خلال كلام الأطباء (١). وهو الجهاز الهضمي ابتداء من أول المريء إلى فتحة الشرج هذا هو محل الأكل والشرب وما في معناه، وما ساواه وما في مقصوده، ولا علاقة مطلقًا للجمجمة بذلك، ولا للأذن، ولا للعين إلا في حالات انخراق قناة الأذن إلى الحلق. وهذا نادر وإن وصل شيء فهو تافه جدًا كما سيأتي تحقيقه. يقول الدكتور حسان شمسي باشا -الخبير بالمجمع الفقهي-: "واعتبروا الإحليل جوفًا وما هو بموضع طعام، ولا شراب، ولا علاقة له بالجهاز الهضمي، وكذلك اعتبروا المهبل جوفًا والمثانة جوفًا وهكذا. والفقهاء

стр. 273

معذورون في ذلك فربما كان بعض ذلك ناجمًا عن عدم درايتهم بتشريح الجسم في ذلك الحين. أما الآن فليس هناك أدنى شك في أن الدماغ لا يرتبط بالجهاز الهضمي، وأن المثانة والإحليل لا علاقة لهما بالجهاز الهضمي، وأن المهبل والرحم منفصلان كليًّا عن جهاز الهضم. وعليه، فإن ما ذكره الفقهاء من أن المأمومة ومداواتها، أو إدخال شيء في الإحليل، أو المثانة يفطر: لا أساس له من الصحة. والذي أراه هو أن الجهاز الهضمي هو الجوف المقصود في الصيام فهو موضع الطعام والشراب (١). ٣ - ما كان في معنى الجهاز الهضمي كإيصال الغذاء عبر الوريد فهذا الغذاء حقيقي ولو لم يصل عبر الجهاز الهضمي، لكنه قام مقام الأكل تمامًا ومن الجمود أن يقال بعدم الإفطار؛ لأن الشريعة تساوي بين المتساويات في الحكم منجا وتفريعا. وسيأتي الكلام عليه. ٤ - ، وعلى هذا فما سنعتمده مطمئنين في تقنين المفطرات المعاصرة هي القاعدة السابقة التي وصلنا لها وهي: المفطر كل مأكول، أو مشروب معتادًا، أو نادرًا وصل إلى الجهاز الهضمي من منفذ عادي، أو طبي أو وصل من الوريد ما يقوم مقام الغذاء فهو مفطر. هذه هي القاعدة: فكل ما دخل الجهاز الهضمي من منفذ معتاد، أو منفذ طبي من كل مأكول ومشروب معتادا، أو غير متعاد، من المغذيات ولو نادرًا، أو الدوائيات.

стр. 274

وكل ما كان غذاء طبيًا ولو من غير الجهاز الهضمي؛ لأن المعنى متحد فإنه يقوم مقام الأكل والشرب بلا فرق. ونجري هذه القاعدة على كل الفروع المعاصرة؛ بل والمتقدمة؛ لأن المتقدمين من الفقهاء لو اطلعوا على التفاصيل الطبية التي اطلعنا عليها في عصرنا لتغيرت أنظارهم إلى فقه التنزيل. ومن جمد في عصرنا على ما بناه فقهاؤنا على تصورات عصرهم بعد ظهور تصور حقيقي للمسألة الطبية فما أصاب. ولنشرع الآن في الكلام على المفطرات المعاصرة بعد أن تكلمنا عن تأصيلها وضبطها

стр. 275

المبحث الثاني: التصور الحديث لمفردات المفطرات المعاصرة المطلب الأول: ما يكون عبر الفم والرأس والأنف وفي هذا مسائل: أولًا: بخاخ الربو: ونتكلم فيه عن ماهيته التي تحدده وتضبطه وتكشف حقيقته التركيبية حتى نرى هل يدخل تحت أصل من الأصول الشرعية التي ضبطت المفطرات، أم لا يدخل. ثم نتكلم عن اجتهادات فقهاء عصرنا ومستندات كل فريق. ١_ التصور الطبي: بخاخ الربو كما يقول الخبراء في مجال الأدوية: "تحتوي عبوة بخاخ الربو على حوالي ١٠ ميلي ليتر من السائل بما فيه من المادة الدوائية، وهذه الكمية مصممة على أن تنطلق على ٢٠٠ بخة (أي أن ال ١٠ ميلي ليتر تنتج ٢٠٠ بخة)، وهذا معناه أنه في كل بخة يخرج جزء من ٢٥ جزء من الميلي ليتر الواحد، وبمعنى آخر، فإن البخة الواحدة تشكل أقل من قطرة واحدة، وهذه القطرة الواحدة ستقسم إلى أجزاء يدخل الجزء الأكبر منه إلى جهاز التنفس، وجزء آخر يترسب على جدار البلعوم الفمي، فكم يتبقى من تلك القطرة للوصول إلى الجوف" (١).

стр. 276

وبهذا يتبين أن بخاخ الربو لا يصل أساسًا إلى المعدة ومركبه سائل طيار يسير جدًا فلا يعد من المفطرات: ١ - لأنه ليس بمأكول، ولا مشروب، ولا في معناهما. ٢ - لأن ما يمكن أن يدخل للبلعوم منه شيء يسير جدًا أقل من أثر المضمضة المعفو عنه. ٣ - لأن السواك رخص الشرع باستعماله وفيه من السوائل التي عفى الشارع عنها ولم يفصل وصلت إلى الحلق أم لا، وكذلك بخاخ الربو من جهة أولى. ٤ - الشريعة قائمة على التيسير ودعوى الإفطار بمثل هذا مخالف لذلك، وإلا لأفطر الصائم من أثر المضمضة، وقد ذهب إلى عدم تأثير بخاخ الربو على الصوم المجمع الفقهي وجماعة من علماء العصر وهو ما نختاره (١). أما لو نظرنا إلى أصول المذاهب الأربعة، فإن المسألة ستكون مترددة بين القياس على أثر المضمضة التي اتفقوا على عدم ضررها كما سبق، أو القياس على مسألة البخور وهي خلافية. والذي يظهر أن قياسه على أثر المضمضة أولى؛ لأنه قياس لفرع على أصل شرعي منصوص بخلاف البخور، فهو قياس بعيد وخفي، ولا أصل له في الشرع. فهو إلى البطلان أقرب فكيف يقاس عليه. ومن شرط القياس أن يكون على أصل لا على فرع.

стр. 277

وقد قال قوم من العلماء المعاصرين أنه مفطر (١). مستدلين: ١ - بقول ابن عباس الفطر مما دخل والوضوء مما خرج. والجواب أنه عموم أغلبي على ما في الكتاب، والسنة مما يشمل الأكل والشرب ونحوها؛ لأن هذه التفاريع ما ثبت منها شيء عن الصحابة فكيف يدعى أنه يقصدها. ٢ - وبالقياس على البخور. ويجاب بأنه قياس فاسد؛ لأن الأصل لا دليل عليه فهو فاسد، وقد نبه عليه ابن تيمية. ٣ - وبأن مقصود الصوم المنع من كل عين تدخل الجوف. قلنا هذا المقصود ممنوع؛ لأن الشرع لم يقل كل عين حتى الحجارة والخشب، ولم يجعل الجوف علة لا في كتاب، ولا سنة، ولا عمم هذا التعميم فهو استدلال بما ننازع فيه. ثانيا: الأكسجين يحتاج بعض المرضى إلى الأكسجين وتصوير المسألة: تصور المسألة طبيا: عبارة عن هواء طبيعي يعطى للمريض من أسطوانة عبر أنبوب، وهو هواء محض ليس فيه معنى المفطرات من أي جهة. النظر الفقهي: بناء على التصور الطبي فإن إعطاء الأكسجين للمريض هو إدخال هواء

стр. 278

مجرد إلى الرئتين، وهو على هذا لا يتصور فيه خلاف، إلا أن الكيفية قد تؤثر في صناعة الرأي الفقهي، وهو جزء من تصوير المسالة، فإن كان الأنبوب يدخل إلى جوف الرئة، أو البلعوم جرى فيه الخلاف الفقهي القديم. في دخول عين الجوف والحلق فالثلاثة يبطلون الصيام بخلاف الحنفية لأنهم يشرطون الاستقرار لا يبطلونه وكذلك هو مذهب الظاهرية وشيخ الإسلام كما تقدم. وأما الخلاف المعاصر فلا أعلم مخالفًا، وهو ما ذهب إليه المجمع الفقهي. وثم صورة أخرى ذكرها بعض الباحثين (١) هي في حال طول تناول المريض للأكسجين يضخ رذاذ الماء عبر القصب الهواية لترطيبها حتى لا تجرح، ولا يصل البلعوم، ولا إلى الحلق، أو المعدة. وهذه المسألة جديدة تحتاج لتصور فقهي أكثر وبحث طبي واضح حتى نعطي فيها الرأي. ثالثا: التخدير وسنتكلم عن ماهيته أولا ليتبين التصور الصحيح حتى يبنى عليه فقه المسألة. التصوير الطبي: يؤكد الأطباء الخبراء بالمجمع الفقهي أنه عبارة عن استنشاق غازات مثل الأثير وغيره، ويتم فيه عادة إعطاء حقنة في الوريد من مادة دوائية سريعة التأثير

стр. 279

تنوم المريض بسرعة، ثم يدخل أنبوب خاص مباشرة إلى الرغامي (القصبة الهوائية) عبر الأنف، أو الفم ويوصل هذا الأنبوب إلى جهاز التنفس الاصطناعي، ويتم عن طريقه إعطاء الغازات التي تؤدي إلى تخدير المريض خلال فترة العملية الجراحية، وهذه الغازات لا علاقة لها بالجهاز الهضمي (١). النظر الفقهي: تبين من خلال هذا التصور الطبي أن هذا النوع لا مدخل له في المفطرات لا حقيقة، ولا معنى، ولكن وصول أنبوب إلى القصبة الهوائية التي تسمى الرغامي، هو تجاوز للحلق الذي سبق وأن تكلمنا عنه ونقلنا المذاهب الفقهية، وإن أخذنا بظاهر كلام المذاهب الأربعة، فإن إدخال هذا الأنبوب عبر الحلق إلى القصبة الهوائية يفسد الصيام عند المذاهب الفقهية حاشا الحنفية، والظاهرية. لأن المالكية، والحنابلة لم يفصلوا في باطن وظاهر للحلق؛ بل حتى على قول الشافعي؛ لأن الأنبوب تجاوز الحد الباطن للحلق إلا أن الحنفية اشترطوا استقرار المفطرات، أما اتصالها بالخارج ولم تستقر فلا تفطر وعليه فلا يفطر على قولهم. ولكن إن نظرنا إلى تحليل كلامهم نجد أن الحلق أصلًا وسيلة إلى الجوف ولما كان وصول الشيء إليه غالبا يوصل إلى الجوف تعلق الحكم به؛ لأن وصول الشيء إلى المعدة وعدم وصوله أمر خفي لا ندركه فنعلق العلة بالظاهرات ولذلك نقول إن القول بالتخريج على ظاهر مذاهبهم بدون معرفة أسرار الفقه قد يوقع الناظر في الخطأ والتقول عليهم. والصحيح أن إدخال الأنبوب إلى الجهاز التنفسي لا علاقة له

стр. 280

بالمفطرات، ولا بموضع وصولها؛ بل الجهاز التنفسي مستقل أصلًا، والاشتراك في المدخل لا يقتضي الإفطار، لكن ثم إشكال مذهبي آخر هو: أن من يرى العلة الجوف كالشافعية فإدخال الأنبوب إلى الجهاز التنفسي دخول عين إلى الجوف. والسبب في هذا التعليل هو التصورات في عصرهم عن الجوف والجهاز الهضمي واتصالاته. وأجزم لو شهد فقهاء الشافعية المجتهدون هذا الانفصال الواضح بين الجهازين لكان عندهم قول على الأقل بعدم الإفطار. إشكالات ترافق إدخال الأنبوب: بين الخبراء من الأطباء في المجمع أن هناك أمورًا هامة ينبغي التنبه لها عند مناقشة حكم تأثير أنبوب التنفس على الصيام، وهي ملخصة في أربع نقاط (١): الأولى: إعطاء السوائل عبر الوريد. الثانية: الإغماء وفقدان الوعي أثناء التخدير. والثالثة: أنه قد يدخل أحيانًا أنبوب إلى المعدة لاستخراج السوائل المتراكمة فيها. والرابعة: أن المريض قد يتقيأ بعد العملية من أثر التخدير. قلت: الإشكالية البينة هي المحاليل المغذية عبر الوريد وهذه مفطرة بلا شك كونها طعاما وشرابا في شكله النهائي القابل للامتصاص. وهذا من القياس المساوي، وعليه فإن التخدير الكلي مفطر للصائم لا لأجل الأنبوب؛ بل لأجل المحاليل الغذائية التي تقوم مقام الطعام والشراب، أما القيء فهو غير متعمد والنص على أنه لا يضر الصوم، وقد تقدم تحقيقه.

стр. 281

أما الإغماء فالغالب إدراكه جزءًا من النهار (١)، وهذا كاف في صحة صومه لولا وجود المحاليل، وهي تعطى للمريض. والحاصل أن المسألة في مجملها لا ينبني عليها عمل كثير؛ لأن من هذا حاله مريض تشمله قطعيات الشريعة في العذر. لكن في حال حصول ذلك رابعا: غسول الفم، ومنظفات الأسنان ١ - غسول الفم: التصوير الطبي: غسول الفم -طبيًا- عبارة عن سائل محتو على مواد مطهرة يستعملها المريض مضمضة، أو غرغرة لتطير الفم وعليه النظر الفقهي: إن المضمضة لا تؤثر؛ لأنها أصلًا جزء من الوضوء فيقاس عليها بلا فرق هذه المضمضة، وأما الغرغرة فهي تصل إلى الحلق وعليه، فإن الخلاف الفقهي القديم بتعليلاته التي ذكرناها يأتي هنا. فالمالكية والحنفية، والحنابلة يذهبون في نصوصهم إلى أن ما وصل الحلق مفطر للصائم. وعلتهم أنه يغلب نزول شيء، ولا يمكن دفع ذلك. لكن قولهم فيما وصل الحلق، والغرغرة لا تصل الحلق بل آخر الفم. وأما الشافعية فلا يؤثر عندهم؛ لأن المؤثر هو باطن الحلق، أما محل الغرغرة فهو ظاهر. أو هو من الفم.

стр. 282

وكذلك هو مذهب الظاهرية، وعليه فالغرغرة ما لم تدخل الحلق عند الجميع لا تضر؛ لأن العلة منتفية ومن تحقق نزوله من الحلق، أو غلب على ظنه فهو مفطر يجب عليه القضاء، وهذا ما اختاره المجمع الفقهي. ٢ - معجون الأسنان أما معجون الأسنان ومطهراتها مما لا يصل للحلق فلا خلاف في جوازه للصائم بشرط عدم المبالغة قياسًا على النص «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما» (١). وإلى الجواز ذهب جميع المذاهب المتقدمة تخريجا، وهو ما اختاره المجمع الفقهي والأزهر (٢) واللجنة الدائمة (٣).

стр. 283

خامسا: قطرة العين التصوير الطبي: أما قطرة العين فعلينا أولا تصور التشريح الطبي المعاصر ومن ثم القول في حكم المسألة. أما التصور الطبي: فجاء في البحث الطبي المقدم للمجمع: "تنفتح القناة الدمعية التي تخرج من جوف العين على الأنف، عبر فتحة فيه، وبالتالي، فإن وضع قطرة في العين تصل إلى الأنف ومنه إلى البلعوم، ولا بد هنا من توضيح بعض النقاط: فجوف العين لا يتسع لأكثر من قطرة واحدة فقط، وكل ما زاد عن ذلك تلفظه العين إلى الخارج فيسيل على الخد، ومن المعروف أن أطباء العين يصفون وضع قطرة، أو قطرتين في العين كل ٤ - ٦ ساعات مثلًا. ولكي نتمثل كمية هذه القطرة الواحدة لا بد أن نذكر بأن الميلي ليتر الواحد يحتوي على ١٥ قطرة وأن ملعقة الشاي الصغيرة تحتوي على ٥ ميلي ليتر من السائل، وعليه، فإن القطرة الواحدة التي توضع في العين تبلغ جزءًا من ٧٥ جزءًا مما تحتويه ملعقة الشاي الصغيرة من السائل، وهذه تعتبر كمية ضئيلة جدًا … والحقيقة أن كمية قطرة العين التي تعارف عليها الأطباء كمية زهيدة جدًّا، وما يتذوق من طعمها المر فإنما يتذوق في مؤخرة اللسان، حيث أن الحليمات الذوقية موجودة في اللسان فقط) (١) انتهى. قلت: فهذا التصور الطبي أثبت - أن القناة الدمعية متصلة بالأنف - والأنف يفتح على البلعوم. - وأن القناة الدمعية لا تستوعب سوى قطرة واحدة من الدواء.

стр. 284

- أن القطرة يمتص أكثرها في العين والقناة. - أن الطعم الموجود هو من الخلايا آخر اللسان وهي المسؤولة عن الطعم، ولا دخل للحلق فيه. الحكم الشرعي: وعلى هذا التصور يتبين لنا أن هذه القطرة تتوزع على العين والقناة والأنف وتصل إلى مؤخرة اللسان، فهذا يدل أنه لا يصل للحلق منها شيء؛ لأن الطعم من اللسان لا من الحلق، وعلى هذا التصور فلا تفطر وتبقي أقوال المذاهب على ما تقدم، لكن يمكن أن تتغير الفتوى في المذاهب فتكون القطرة متفق على عدم الإفطار بها. لأن من قال منهم أنها مفطرة علل ذلك بوصولها للحلق بدليل الطعم، وقد أثبت الطب أن الطعم ليس دليلا؛ لأنه أثرها على آخر اللسان. ثانيًا: الكمية التي وصلت إلى آخر اللسان جزء من أجزاء يسيرة من قطرة واحدة توزعت على العين وقناتها والأنف ومؤخر الفم واللسان، فكم يكون الواصل فهو كمية مجهرية في الحقيقة، فكيف يفطر الصائم؟! ثالثًا: من قياس الأولى عفا الشرع عن أثر المضمضة وعفا عن أثر السواك. بل عفا الشرع عن الاكتحال وكان العادة أن الناس يكتحلون رجالا ونساء في زمن التشريع ولم يبين لهم كلمة وحدة في ذلك ولو كان يؤثر على الصيام لبينه؛ لأنه مكلف ببيان التشريع للناس وبلاغ الدين. رابعًا: تبين من هذا أن قطرة العين لا تفطر الصائم، والله أعلم. خامسًا: تقدم ذكر مذاهب العلماء في قطرة العين فالحنفية، والشافعية، والظاهرية لا يرون إنها تفسد الصوم وتقدم تعليهم، وأما المالكية فقالوا هي موصلة للحلق فهي مفطرة بدليل الطعم فإن وصل منها شيء إلى الحلق فسد الصوم، وقد تبين لك أن القطرة لا تصل إلى الحق؛ بل إلى آخر اللسان.

стр. 285

وكذلك الحنابلة علقوا الإفطار على وصولها للحلق. وبالجملة فلا دليل لمن ذهب إلى أن قطرة العين تفطر الصائم سوى القول بوصولها إلى الحلق، وقد تبين لك أن الوصول إنما هو لكمية مجهرية يسيرة جدًا تصل آخر اللسان لا الحلق، كما أن هذه الكمية المجهرية يعفى عنها شرعًا، قياسًا على المضمضة والسواك؛ وأثره أكثر منه بالأولى. وقد ذهب إلى عدم تأثيرها على الصيام. المجمع الفقهي والندوة الطبية الفقهية كما تقدم في القرار، وهو ما اختاره شيخ الإسلام وهو ما نختاره. سادسا: قطرة الأنف التصور الطبي: أما قطرة الأنف فهي عبارة علاج طبي يستعمله المريض بحسب حاجته، أو بوصفة طبية، والأنف منفذ إلى الحلق بلا شك، فإن استعمل القطرة الأنفية فوصلت الحلق ونزلت فهو مفسد للصيام، وقد نهى النبي ﷺ عن المبالغة في الاستنشاق للصائم وتخريجًا على كلام الفقهاء، فإن الأربعة يجعلونه مفطرًا إن دخل الحلق. جاء في المحلى: وأما المضمضة، والاستنشاق فيغلبه الماء فيدخل حلقه عن غير تعمد. فإن أبا حنيفة قال: إن كان ذاكرا لصومه فقد أفطر وعليه القضاء، وإن كان ناسيا فلا شيء عليه - وهو قول إبراهيم. وقال مالك: عليه القضاء في كل ذلك. وقال ابن أبي ليلى: لا قضاء عليه، ذاكرا كان أوغير ذاكر. وروينا عن بعض التابعين - وهو الشعبي، وحماد - وعن الحسن بن حي: إن كان ذلك في وضوء لصلاة فلا شيء عليه، وإن كان لغير وضوء فعليه القضاء.
следующие страницы →