أما الإغماء فالغالب إدراكه جزءًا من النهار (١)، وهذا كاف في صحة صومه لولا وجود المحاليل، وهي تعطى للمريض.
والحاصل أن المسألة في مجملها لا ينبني عليها عمل كثير؛ لأن من هذا حاله مريض تشمله قطعيات الشريعة في العذر.
لكن في حال حصول ذلك
رابعا: غسول الفم، ومنظفات الأسنان
١ - غسول الفم:
التصوير الطبي:
غسول الفم -طبيًا- عبارة عن سائل محتو على مواد مطهرة يستعملها المريض مضمضة، أو غرغرة لتطير الفم وعليه
النظر الفقهي:
إن المضمضة لا تؤثر؛ لأنها أصلًا جزء من الوضوء فيقاس عليها بلا فرق هذه المضمضة، وأما الغرغرة فهي تصل إلى الحلق وعليه، فإن الخلاف الفقهي القديم بتعليلاته التي ذكرناها يأتي هنا.
فالمالكية والحنفية، والحنابلة يذهبون في نصوصهم إلى أن ما وصل الحلق مفطر للصائم.
وعلتهم أنه يغلب نزول شيء، ولا يمكن دفع ذلك.
لكن قولهم فيما وصل الحلق، والغرغرة لا تصل الحلق بل آخر الفم.
وأما الشافعية فلا يؤثر عندهم؛ لأن المؤثر هو باطن الحلق، أما محل الغرغرة فهو ظاهر. أو هو من الفم.
стр. 282
وكذلك هو مذهب الظاهرية، وعليه فالغرغرة ما لم تدخل الحلق عند الجميع لا تضر؛ لأن العلة منتفية ومن تحقق نزوله من الحلق، أو غلب على ظنه فهو مفطر يجب عليه القضاء، وهذا ما اختاره المجمع الفقهي.
٢ - معجون الأسنان
أما معجون الأسنان ومطهراتها مما لا يصل للحلق فلا خلاف في جوازه للصائم بشرط عدم المبالغة قياسًا على النص «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما» (١).
وإلى الجواز ذهب جميع المذاهب المتقدمة تخريجا، وهو ما اختاره المجمع الفقهي والأزهر (٢) واللجنة الدائمة (٣).
стр. 283
خامسا: قطرة العين
التصوير الطبي:
أما قطرة العين فعلينا أولا تصور التشريح الطبي المعاصر ومن ثم القول في حكم المسألة.
أما التصور الطبي: فجاء في البحث الطبي المقدم للمجمع: "تنفتح القناة الدمعية التي تخرج من جوف العين على الأنف، عبر فتحة فيه، وبالتالي، فإن وضع قطرة في العين تصل إلى الأنف ومنه إلى البلعوم، ولا بد هنا من توضيح بعض النقاط: فجوف العين لا يتسع لأكثر من قطرة واحدة فقط، وكل ما زاد عن ذلك تلفظه العين إلى الخارج فيسيل على الخد، ومن المعروف أن أطباء العين يصفون وضع قطرة، أو قطرتين في العين كل ٤ - ٦ ساعات مثلًا.
ولكي نتمثل كمية هذه القطرة الواحدة لا بد أن نذكر بأن الميلي ليتر الواحد يحتوي على ١٥ قطرة وأن ملعقة الشاي الصغيرة تحتوي على ٥ ميلي ليتر من السائل، وعليه، فإن القطرة الواحدة التي توضع في العين تبلغ جزءًا من ٧٥ جزءًا مما تحتويه ملعقة الشاي الصغيرة من السائل، وهذه تعتبر كمية ضئيلة جدًا … والحقيقة أن كمية قطرة العين التي تعارف عليها الأطباء كمية زهيدة جدًّا، وما يتذوق من طعمها المر فإنما يتذوق في مؤخرة اللسان، حيث أن الحليمات الذوقية موجودة في اللسان فقط) (١) انتهى.
قلت: فهذا التصور الطبي أثبت
- أن القناة الدمعية متصلة بالأنف
- والأنف يفتح على البلعوم.
- وأن القناة الدمعية لا تستوعب سوى قطرة واحدة من الدواء.
стр. 284
- أن القطرة يمتص أكثرها في العين والقناة.
- أن الطعم الموجود هو من الخلايا آخر اللسان وهي المسؤولة عن الطعم، ولا دخل للحلق فيه.
الحكم الشرعي:
وعلى هذا التصور يتبين لنا أن هذه القطرة تتوزع على العين والقناة والأنف وتصل إلى مؤخرة اللسان، فهذا يدل أنه لا يصل للحلق منها شيء؛ لأن الطعم من اللسان لا من الحلق، وعلى هذا التصور فلا تفطر وتبقي أقوال المذاهب على ما تقدم، لكن يمكن أن تتغير الفتوى في المذاهب فتكون القطرة متفق على عدم الإفطار بها.
لأن من قال منهم أنها مفطرة علل ذلك بوصولها للحلق بدليل الطعم، وقد أثبت الطب أن الطعم ليس دليلا؛ لأنه أثرها على آخر اللسان.
ثانيًا: الكمية التي وصلت إلى آخر اللسان جزء من أجزاء يسيرة من قطرة واحدة توزعت على العين وقناتها والأنف ومؤخر الفم واللسان، فكم يكون الواصل فهو كمية مجهرية في الحقيقة، فكيف يفطر الصائم؟!
ثالثًا: من قياس الأولى عفا الشرع عن أثر المضمضة وعفا عن أثر السواك.
بل عفا الشرع عن الاكتحال وكان العادة أن الناس يكتحلون رجالا ونساء في زمن التشريع ولم يبين لهم كلمة وحدة في ذلك ولو كان يؤثر على الصيام لبينه؛ لأنه مكلف ببيان التشريع للناس وبلاغ الدين.
رابعًا: تبين من هذا أن قطرة العين لا تفطر الصائم، والله أعلم.
خامسًا: تقدم ذكر مذاهب العلماء في قطرة العين فالحنفية، والشافعية، والظاهرية لا يرون إنها تفسد الصوم وتقدم تعليهم، وأما المالكية فقالوا هي موصلة للحلق فهي مفطرة بدليل الطعم فإن وصل منها شيء إلى الحلق فسد الصوم، وقد تبين لك أن القطرة لا تصل إلى الحق؛ بل إلى آخر اللسان.
стр. 285
وكذلك الحنابلة علقوا الإفطار على وصولها للحلق.
وبالجملة فلا دليل لمن ذهب إلى أن قطرة العين تفطر الصائم سوى القول بوصولها إلى الحلق، وقد تبين لك أن الوصول إنما هو لكمية مجهرية يسيرة جدًا تصل آخر اللسان لا الحلق، كما أن هذه الكمية المجهرية يعفى عنها شرعًا، قياسًا على المضمضة والسواك؛ وأثره أكثر منه بالأولى.
وقد ذهب إلى عدم تأثيرها على الصيام. المجمع الفقهي والندوة الطبية الفقهية كما تقدم في القرار، وهو ما اختاره شيخ الإسلام وهو ما نختاره.
سادسا: قطرة الأنف
التصور الطبي:
أما قطرة الأنف فهي عبارة علاج طبي يستعمله المريض بحسب حاجته، أو بوصفة طبية، والأنف منفذ إلى الحلق بلا شك، فإن استعمل القطرة الأنفية فوصلت الحلق ونزلت فهو مفسد للصيام، وقد نهى النبي ﷺ عن المبالغة في الاستنشاق للصائم وتخريجًا على كلام الفقهاء، فإن الأربعة يجعلونه مفطرًا إن دخل الحلق.
جاء في المحلى: وأما المضمضة، والاستنشاق فيغلبه الماء فيدخل حلقه عن غير تعمد.
فإن أبا حنيفة قال: إن كان ذاكرا لصومه فقد أفطر وعليه القضاء، وإن كان ناسيا فلا شيء عليه - وهو قول إبراهيم.
وقال مالك: عليه القضاء في كل ذلك.
وقال ابن أبي ليلى: لا قضاء عليه، ذاكرا كان أوغير ذاكر.
وروينا عن بعض التابعين - وهو الشعبي، وحماد - وعن الحسن بن حي: إن كان ذلك في وضوء لصلاة فلا شيء عليه، وإن كان لغير وضوء فعليه القضاء.
стр. 286
قال أبو محمد: قال الله تعالى: ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾ [الأحزاب: ٥] وقال رسول الله ﷺ : «رفع عن أمتي: الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». وروينا قولنا في هذه المسألة عن عطاء بن أبي رباح.
واحتج من أفطر بذلك بالأثر الثابت عن رسول الله ﷺ : «وإذا استنشقت فبالغ، إلا أن تكون صائما».
قال أبو محمد: ولا حجة لهم فيه؛ لأنه ليس فيه أنه يفطر الصائم بالمبالغة في الاستنشاق؛ وإنما فيه إيجاب المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم، وسقوط وجوب ذلك عن الصائم فقط؛ لا نهيه عن المبالغة؛ فالصائم مخير بين أن يبالغ في الاستنشاق وبين أن لا يبالغ فيه، وأما غير الصائم فالمبالغة في الاستنشاق فرض عليه، وإلا كان مخالفا لأمره ﵇: بالمبالغة؛ ولو أن امرأ يقول: إن المبالغة في الاستنشاق تفطر الصائم لكان أدخل في التمويه منهم؛ لأنه ليس في هذا الخبر من وصول الماء إلى الحلق أثر ولا عثير ولا إشارة ولا دليل؛ ولكنهم لا يزالون يتكهنون في السنن ما يوافق آراءهم بالدعاوى الكاذبة وبالله تعالى انتهى (١).
قلت: وفي كلام ابن حزم نظر لأن من بالغ حال الصيام فقد أتى بفعل غير مشروع فما ترتب عليه غير مشروع.
وحكمه مأخوذ من عموم المنع عن إدخال شيء عبر الحلق، ولو أذن الشرع له في المبالغة لكان الخطأ في ذلك على العفو، أما وقد نص الشرع على المنع فهو مستثنى من رفع الخطأ.
والحاصل أن القطرة إذا نزلت من الحلق وتبين نزولها فعليه القضاء، ومن كان مريضًا ويحتاج القطرة لمرضه نهارًا في رمضان فعليه أن يتحرز
стр. 287
غاية التحرز ألا تصل إلى الحلق. فإن وصلت إلى الحلق ولم يتحقق نزولها منه، فإن صومه صحيح.
وإن سبق إلى حلقه بدون تفريط فلا شيء عليه قياسا على الناسي؛ لأن الخطأ تجاوز الله عنه وما سبق للحلق غير مفطر عند الشافعية، والحنابلة كما تقدم.
سابعا: بخاخ الأنف
أما بخاخ الأنف المستعمل لبعض أنواع الحساسية فلا يصل إلى الحلق أصلًا وعليه فالقول فيه كالقول في القطرات من باب أولى فهو لا يفطر الصائم ولو قسناه على السعوط في المذاهب الأربعة فهو مفطر؛ لأن علة السعوط عندهم أنه موصل للجوف، أو الدماغ، وقد تقدم مناقشة ذلك وبيان عدم اتصال الأنف بالدماغ تشريحيًا.
ثامنا: المعالجات في الدماغ وأثرها في الصوم
أما ما يعالج به الدماغ فقد تكلم الفقهاء كلام مبنيا على تصور طبي تشريحي أبطله الطب الحديث فلا علاقة للدماغ بالجوف، ولا بالجهاز الهضمي البتة.
ولو اعتبرنا علة الجوفيات فقد بين الطب الحديث وجود جوفيات كثيرة في الجسم (١)
وقد تقدم نقض هذه العلة ولتصور الدماغ ننقل كلام الخبراء: "الدماغ لا علاقة له بالجهاز الهضمي، وبالتالي فإن ما يدخل إلى الدماغ من جرح (وهو ما يسميه الفقهاء بالمأمومة) لا يصل شيء منه إلى البلعوم، أو الأنف مهما وضع فيه دواء، أو غيره. وبالتالي، فإن المأمومة لا تعتبر سببًا لإفساد الصيام. ولا يصل (السائل الدماغي - الشوكي) الذي يسيل حول النخاع الشوكي إلى الأنف والبلعوم
стр. 288
الفمي إلا في حالة وجود كسر في قاعدة الجمجمة. وهذه الحالة بالأصل حالة خطيرة تحتاج إلى دخول المستشفى وغالبًا في قسم العناية المركزة. وقد يحتاج المريض إلى إجراء عملية جراحية. كما يعطى عادة سوائل مغذية بالوريد. وبالتالي فهي حالة تستدعي الإفطار أصلًا كما تعتبر سببًا لإفساد الصيام. أما الإفرازات التي كان القدماء يظنونها آتية من الدماغ؛ فما هي إلا إفرازات من الجيوب الأنفية، ولا علاقة لها بالدماغ" (١).
"وليس لبطون الدماغ، ولا للسائل المخ - شوكي أي علاقة بالجهاز الهضمي، وبالتالي، فإن كل ما ذكره الفقهاء من أن ذلك سبب للإفطار لا أساس له من الصحة، فالمأمومة ومداواتها وبطون الدماغ كلها بعيدة كل البعد عن الجوف المقصود في الصيام" (٢).
وعلى هذا التصور يتبين أن مسألة مداواة المأمومة وعلاج الدماغ ودخول شيء إليه كان متخيلا لا حقيقة فلا حاجة إلى القياس عليه. فكل ما يعالج به الدماغ لا مدخل له في إفساد الصوم.
وهذا ما عليه القرارات المجامعية، وهو مذهب المالكية، والظاهرية وشيخ الإسلام وهو ما نختاره
تاسعا: قطرة الأذن وغسولها
التصوير الطبي الحديث:
في البحث الطبي المقدم للمجمع: "تنقسم الأذن إلى ثلاثة أجزاء: الأذن الخارجية، والوسطى، والداخلية، ويفصل الأذن الخارجية عن الوسطى غشاء الطبل (طبلة الأذن). وتتصل الأذن الوسطى بالبلعوم عن طريق قناة ضيقة تسمى (قناة أستاكيوس) وهذه القناة تمرر الهواء عادة لتحافظ على توازن
стр. 289
الضغط داخل الأذن. ولا يمكن لأي سائل، أو قطرة توضع في الأذن الخارجية الوصول إلى البلعوم ما لم يكن غشاء الطبل مثقوبًا، ولهذا، فإن نبس الأذن، أو إدخال عود، أو وضع قطرة من الدواء، أو سائل ما في الأذن وغشاء الطبل غير مثقوب: لا يعتبر مفسدًا للصيام، أما إذا كان غشاء الطبل مثقوبًا؛ فيمكن لقطرة الأذن الوصول إلى البلعوم رغم أن الكمية التي ستصل إلى البلعوم ضئيلة جدًّا".
ويقول د البار في بحثه: "وهناك فتحة في الأذن الوسطى وتتصل بقناة أستاكيوس التي تصل إلى البلعوم وتعرف بالقناة البلعومية السمعية، ولكن الأذن الخارجية (وتشمل الصيوان وقناة السمع الخارجية) تفصلها عن الأذن الوسطى الطبلة وهي غشاء جلدي. ولهذا، فإن إفرازات الأذن الخارجية، أو وضع قطرات من الدواء، أو الماء، أو أي سائل في الأذن الخارجية لا تصل إلى الأذن الوسطى، وبالتالي لا تصل إلى القناة السمعية البلعومية (قناة أستاكيوس) إلا إذا كانت طبلة الأذن مخروقة.
وفي الحالات العادية، فإن وضع عود في الأذن، أو وضع قطرة دواء في الأذن، أو نقطة من ماء فإنها لا تصل إلى الأذن الوسطى، وبالتالي لا تصل إلى البلعوم إلا عن طريق المسام الموجودة في الطبلة، وبما أن الطبلة تشبه الجلد فتأخذ حكمه … ولا يوجد من يقول: أن وضع الماء على الجلد يسبب الإفطار.
ولهذا من يقول من الفقهاء بأن إدخال عود، أو وضع قطرة من الدواء في الأذن (والطبلة غير مخروقة) مفسد للصيام لا حجة له في ذلك. أما إذا كانت الطبلة مخروقة وبالتالي يمكن وصول قطرات إلى البلعوم، فإن هناك وجه لهذا القول، وإن كان ما يصل إلى البلعوم منها ضئيل جدًّا، وربما كان أقل مما يصل إلى البلعوم بعد المضمضة بغير مبالغة" (١).
стр. 290
النظر الفقهي:
من خلال كلام الفقهاء في المذاهب الأربعة كان هناك تصور عن اتصال بين الجوف والأذن، أو الدماغ والأذن، أو أنها جوف مستقل فالذين قالوا بأنها جوف مستقل، وهو ما نحى إليه الشافعية.
لا يتغير عندهم بعد معرفة التصور الطبي الحديث شيء؛ لأن العلة ليست اتصالها بالحلق، أو الدماغ، أو الجوف بل؛ لأنها هي جوف، وقد عرفناك ما في هذا التعليل.
وقد تردد الحنفية في هذا المعنى فإنهم لما رأوا أنها محل للدواء جعلوها جوفًا ولما رأوا أنها ليست محلًا للماء اختلفوا في إفساد الصوم بدخول الماء لها.
لأن الماء لم يدخل على جهة التغذية والدواء؛ بل هو فساد على الأذن فمعنى التغذية، أو التداوي منعدم هنا، هذا حاصل تحليل تعليلهم وخلافهم الذي نقلناه قبلا، أما المالكية، والحنابلة فعلتهم أنها توصل إلى الحلق وتبين من خلال التصور الطبي الحديث عدم صحة هذا في الوضع الطبيعي للأذن.
وعليه فقطرة الأذن لا تصل الجوف، ولا الدماغ البتة، إلا في حالة واحدة، وهو حالة انخراق الطبلة فممكن أن يصل شيء يسير جدًا من القطرة إلى الحلق، وهذا اليسير يتسامح فيه إن كان مساوية لأثر المضمضة، وإلا فإن كان كثيرًا ونزل الحلق فإنه مفطر.
وفي حالة الغسول إن كانت الطبلة سليمة فلا تأثير للغسول، ولا يصل منه شيء إلى الحلق، ولا المعدة وفي حالة انخراقها وكان الغسول بماء كثير، فإن على المريض إن شعر بوصول الماء إلى حلقة ونزوله فعليه أن يقضي الصيام كما أن عليه تأخير العلاج إلى الليل إن استطاع.
والقول بعدم الإفطار بقطرة الأذن هو ما قرره المجمع الفقهي.
стр. 291
عاشرا: الحبوب العلاجية التي توضع تحت اللسان
التصور الطبي:
هذا النوع من العلاج يعطى لبعض مرضى القلب والذي يهم الفقيه هنا هو أنه يمتص من الغشاء تحت اللسان.
النظر الفقهي:
وقد اتفق فقهاء المذاهب على أن الفم من الظاهر لا علاقة له بإفساد الصوم (١) ولذلك فالصائم يتمضمض، ولا يبطل صومه بإجماع أهل الملة.
وعلى هذا، فإن الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان وتمتص من المسام لا تفسد الصوم؛ لأنها امتصت امتصاصًا لا بلعًا، فلم تتحقق فيها أي علة تؤثر في الصوم، سواء من العلل التي اعتمدتها المذاهب، أو الاجتهادات المعاصرة. وبهذا قرر المجمع الفقهي.
الحادي عشر: منظار المعدة
التصور الطبي:
أما تصوره ففي تقرير الخبراء الطبيين بالمجمع تبين أن المناظير منها:
١ - ما هو خاص بالتجويف البطني (LAPROSCOPE) بدون أن يدخل باطن الجهاز الهضمي.
(وإنما ينظر في تجويف البطن والأحشاء، والذي تجري حاليًا بواسطته العديد من العمليات الجراحية كاستئصال المرارة والزائدة وغيرها من العمليات،) (٢).
стр. 292
٢ - ما هو مختص بالجهاز الهضمي، وهو نوعان فمنه ما (هو منظار المعدة: ويدخل عن طريق الفم فالبلعوم فالمريء فالمعدة. والآخر هو (منظار المستقيم والقولون) ويدخل عن طريق الدبر. وهذان المنظاران يدخلان إلى الجهاز الهضمي للتشخيص كما في أكثر الحالات، وقد تؤخذ فيها خزعات من المعدة، أو المستقيم مما قد يسبب نزفًا بسيطًا مكان الخزعة.
وقد يدخل منظار المعدة للعلاج في بعض الحالات، كحقن دوالي المريء بمادة مصلبة لإيقاف النزف منها مثلًا. كما قد يدخل منظار القولون لاستئصال مرجلات (POLYPS) وهي نتوءات لَحْمِيَّة في القولون) (١).
الحكم الفقهي:
في حال بنينا الحكم الفقهي على التصور المذهبي القديم، فإن الشافعية يفسدون الصيام بكل ما دخل الجوف ولو لم يصل باطن المعدة والأمعاء ف: "لو كان ببطنه جائفة فوضع عليها دواء فوصل جوفه
أفطر وإن لم يصل باطن الأمعاء اه" (٢).
وظاهر إطلاق الحنابلة كذلك فإنهم أطلقوا في مداواة الجائفة الفطر فنصوا على فطر من "داوى الجائفة، أو جرحا بما يصل إلى جوفه) وعللوا ذلك (لأنه أوصل إلى جوفه شيئًا باختياره أشبه ما لو أكل"؛ بل أطلقوا الفطر بإدخال أي شيء إلى الجوف كأصبع، أو خيط، (ابتلعه كله، أو ابتلع بعضه، أو رأس سكين من فعله، أو فعل غيره بإذنه فغاب في جوفه فسد صومه، ويعتبر العلم بالواصل) (٣).
ووافقهم الحنفية بشرطين الاستقرار وأن يكون معه دهن أو سائل.
стр. 293
ولهذا نجدهم يتصورون ما لا يمكن عادة في زمنهم، لكن دافعهم كان لتوضيح إطلاق قاعدة المذهب. فذكروا مسألة الخيط الشهيرة ف: "لو شد الطعام بخيط وأرسله في حلقه وطرف الخيط في يده لا يفسد الصوم إلا إذا انفصل" (١).
وحاصل كلامهم أنه ما دخل الجوف من رطب، أو يابس واستقر فيه ويجب العلم بوصوله فهو مفسد: حتى لو علم أن الرطب لم يصل لم يفسد ولو علم أن اليابس وصل فسد صومه كذا في العناية، لكن بقي ما إذا لم يعلم يقينا أحدهما وكان رطبا فعند أبي حنيفة يفطر للوصول عادة وقالا لا لعدم العلم به، فلا يفطر بالشك بخلاف ما إذا كان يابسًا، ولم يعلم فلا فطر اتفاقًا (٢).
ولو أدخل شيئًا في جوفه ولم يستقر كمن أدخل أصبعه في دبره، أو أدخلت أصبعها في فرجها فلا يفسد الصوم، إلا إذا كانت الأصبع مبتلة بالماء، أو الدهن فحينئذ يفسد لوصول الماء، أو الدهن وقيل إن المرأة إذا حشت الفرج الداخل فسد صومها والصائم إذا أصابه سهم وخرج من الجانب الآخر لم يفسد صومه ولو بقي النصل في جوفه يفسد صومه اه. " (٣).
وثم تعليل لطيف في المذهب على القوم بعدم الفساد أن النصل ولو استقر في جوفه فلا يفسد وتعليله أنه لا يؤثر في صلاح البدن وهذه ملحظ فقهي هام يخرج عليه مسألة زراعة شيء طبي في الجوف (٤).
أما المالكية فلا يؤثر عندهم وصول أي شيء إلى الجوف من المنافذ السفلية إلا أن تكون فتحة طبيعية واسعة كدبر وفرج المرأة وقاعدتهم العامة
стр. 294
هي أنه لا فرق فيما يصل إلى الحلق من المنفذ الأعلى بين أن يكون قد وصل من منفذ واسع كالفم، أو غير واسع كالأنف والأذن والعين والمسام بخلاف ما يصل من المنفذ الأسفل يشترط كونه واسعا كالدبر لا كإحليل، أو جائفة فلا شيء فيه (١).
ما نراه في مسألة المناظير للصائم:
أما التي تدخل من الفم إلى المعدة فالذي نراه أنه لا يفطر الصائم إن لم يكن معها سوائل، أو مرطبات، والدليل على ذلك:
١ - أن منظار المعدة لا يمت للغذاء، ولا للمأكول، ولا للمشروب بأي صلة لا من قريب، ولا بعيد.
فلا يدخل في قول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ .. الآية، لا باللفظ، ولا بمعناه القريب، أو البعيد المعتاد، أو النادر.
٢ - مقصود الشرع هو تعبد الله بالكف عن شهوة البطن والفرج، وهذا لا يشمله المقصد بأي وجه.
٤ - لا إجماع منقول يدل عليه، فإن المخالف في مناظير المعدة كلها الحنفية؛ لأنها غير مستقرة وكذلك مقتضى مذهب الظاهرية.
٤ - لا يدخل في القياس الجلي لأن القياس الجلي قائم على العلل المنصوصة أو عدم الفارق أو الأولوي وليس شيء من هذا هنا، ولا المناسب لأن الإفطار بإدخال حديدة معدنية إلى الجوف لا يناسب الحكم بالإفطار عقلا، ولا الشبهي لأنه لا يشبه المنصوص عليه وهي خمسة
الأكل والشرب والجماع والحجامة القيء، ومن زعم دخوله فبخيالات ومخيلات بعيدة صورية لا قيمة لها.
стр. 295
وعليه: فإن ما ذهب إليه المجمع الفقهي هو الراجح في كافة المناظير، ويشرط في منظار المعدة ألا يصحبه سوائل.
المطلب الثاني: ما يكون عبر الجلد والعضل
أولا: دهانات الجلدية واللصوق التصور والحكم
تقدم تحقيق المنافذ الموصلة إلى الجوف وبينا تفرد المالكية بالقول بأنه لو وصل الحناء الذي طلى به رأسه إلى حلقة فإنه يفسد الصيام، وبينا هناك مناقشة ذلك، وهنا نزيد فنقول إن ما قرره الأطباء في بحوثهم المقدمة إلى المجمع الفقهي: أن ما يتشرب بالمسام الجلدية لا علاقة له بالجهاز الهضمي و (لا شك أن الأدهان الجلدية والمروخات واللصقات الجلدية (مثل لصقة نيترودرم) التي تعطى للمصابين بالذبحة الصدرية؛ كلها تمتص عن طريق الجلد، ولكن ذلك لا علاقة له بالجهاز الهضمي، ولا تسبب إفساد الصوم) (١).
لكن لا يختلف المالكية مع الجمهور هنا؛ لأن مسألتهم مفروضة فيما وصل من منفذ علوي عبر المسام الرأسية إلى الحلق ولذلك لا تأثير لغيرها وهي هنا لا تصل إلى الحلق كما أنها ليست من منفذ علوي إلا إن وضعت على الرأس ووجد طعمها في الحلق.
ولهذا قرر المجمع الفقهي عدم تأثير ما يتشرب بواسطة الجلد من أدوية، أو دهانات. وعليه فهي مسألة إجماعية بين المذاهب قديمًا وحديثًا.
ثانيا: الحقن العضلية واللقاحات تصورا وحكما
والقول فيها كالقول في سابقتها، وقد نص الشافعية، والحنابلة صراحة
стр. 296
على عدم تأثير الداوء الواصل من العضل فلو (أوصل الدواء إلى داخل لحم الساق) لا يفسد صومه (١).
أو (كمداواة جرح عميق لم ينفذ إلى الجوف) (٢).
كما أن المذاهب الأخرى لا تقول بذلك حسب قواعدهم التي ذكرناها؛ لأن العلة عند الحنفية وصول المادة إلى أحد الجوفين، وهو البطن والدماغ من أي منفذ مفتوح وقاعدة المالكية وصل المادة إلى الحلق من أي منفذ علوي، أو وصول السائل عبر الدبر، أو فرج المرأة وبناء عليه فهذا محل اتفاق بين المذاهب الخمسة.
ولهذا قرر المجمع الفقهي بناء على ما قدمه الخبراء من أهل الطب من تصور يفيد أنه لا علاقة لها بالجهاز الهضمي؛ لأن تصوير المسألة عبارة عن تشرب للمادة الدواية عبر المسام الجلدية.
فالإبر العضلية الدوائية، أو التطعيمات وغيرها لها هذا الحكم، ولا مخالف نعلمه من علماء العصر في هذه المسألة، وقد نقل الشيخ القرضاوي الإجماع عليها (٣).
ثالثا: الإبر التي تسبب الإقياء تصورها وحكمها
هذه نوع من الإبر تعطى تحت الجلد تسبب التقيؤ (وتدعى (أبومورفين) تعطى في حالات التسممات الدوائية). (٤)
وعلى هذا يجري الخلاف فيها بناء على مسألة من تعمد التقيؤ، وقد
стр. 297
قدمنا تحقيق القول فيها والذي نراه أن التقيؤ لا يؤثر على الصيام لا عمدًا، ولا إجبارًا لضعف الأدلة.
المطلب الثالث: ما يكون عبر الوريد
ينقسم ما يكون عبر الوريد إلى قسمين رئيسيين نذكرها تصورا وحكما:
القسم الأول: فهذا القسم هو مغذيات تقوم مقام الأكل والشرب كما أفادها الأطباء (١).
وقد اختلف فيها فقهاء العصر فمنهم من ذهب إلى أنها مفطرة للصائم، وهو قول ابن باز وابن عثيمين.
وهو من قرارات المجمع الفقهي، وفتاوى اللجنة الدائمة (٢).
ومنهم من ذهب إلى أن الوريدية المغذية لا تفطر، كالشيخ محمد بخيت المطيعي، ومحمود شلتوت، سيد سابق، يوسف القرضاوي (٣).
وتعليل هذا الاختلاف هو أن علة المفطراات المجمع عليه هو وصول
стр. 298
الأكل والشرب وما في معناه إلى محله من الجهاز الهضمي، فهي علة مركبة فهل يلحق بها ما يقوم مقامها من المساويات وإن لم يصل إلى ذلك المحل، فمن قال يلحق بها قال بأنها تفطر الصائم وبيان ذلك:
١ - لأن الله حرم الأكل والشرب على الصائم، وهذا طعام وشراب حقيقي في صورته النهائية للهضم وصل إلى محله الذي يوصل إليه الجهاز الهضمي، وهذا من نوع تحقيق مناط لا خلاف بين العلماء فيه.
٢ - أنها من القياس المساوي، وهو قياس متفق عليه.
٣ - أنه يعمل ما يعمل الطعام والشراب ويقوم مقامهما والشريعة ترعى المعاني والمقاصد فما قام مقام الطعام والشراب وأدى مقصوده فله حكمه.
وللمخالف أن يقول العلة المجمع عليها ليست موجودة هنا وجوابه: أن معنى العلة، وهو القياس المساوي موجود حقيقة وإن لم يكن صورة والتوقف عند الصور مؤد إلى خلاف مقصودات الشرع البينة، وهو جمود ظاهر.
القسم الثاني: ما يدخل من أدوية أخرى لا تقوم مقام الطعام والشراب بأي وجه، ولا تساويه
ولا تغني عنه فهذه لا تفطر الصائم؛ لأنها ليست طعاما، ولا شرابا لا على وجه الغالب، ولا الندرة
هذا إن كانت دوائية محضة كالمهدئات والمضادات ونحوها.
أما إن كان فيها نوع غذاء كإبر الفيتامينات، فهي نوع غذاء وصل إلى منفذ متفق على الإفطار به في المغذيات في عصرنا سوى من ذكرنا فما هو الفارق.
إلا أن القياس الذي ألحق المغذيات هو القياس المساوي؛ لأنها قامت مقام الأكل والشرب، وأدت وظيفته فساوته.
وهذه ليست كذلك. والمسألة تحتاج إلى مزيد نظر؛ لأن المفطرًات قاعدتها مركبة من نوع المفطر ومحله فلابد من ملاحظة هذا.
стр. 299
وللمسألة طرفان وواسطة:
أما الطرف الأول فهو ما كان المفطر فيه في محل متفق عليه، وهو البطن والأمعاء.
والطرف الثاني ما كان المفطر في محل متفق عليه أنه ليس بمحل إفطار، وهو الجلد وتحته.
والطرف الثالث: وهو الوريد فإنه ليس بمحل منصوص عليه قديمًا، لكنه حين النظر على أن العلة وصول الغذاء إلى محله فيمكن القول أن الطب كشف أن الوريد محل للغذاء ونقله؛ بل هو المحل النهائي الموصل للخلايا فالغذاء فيه كالغذاء في المعدة ولكن هذا مشكل؛ لأن الله -سبحانه- يقول ﴿وَكُلَوا وَاِشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيْنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة ٢: ١٨٧]. وليس هذا أكلا، ولا شربا.
وإنما ألحقت المغذيات كونها مساوية لوظيفة الأكل والشرب بخلاف غيرها فتبقى على الأصل؛ لأنه لا تكليف بالشك. والله أعلم.
وقد ذهب إلى القول بعدم تأثيرها أعني الإبر الوريدية غير المغذيات القرضاوي، وابن باز، وابن عثيمين، والألباني، وهو من قرارات المجمع الفقهي، وفتاوى اللجنة الدائمة، وقطاع الإفتاء بالكويت وهو ما نميل إليه (١)
стр. 300
سحب الدم:
أما سحب الدم فالقول فيه متردد؛ لأنه يمكن قياسه على الفصد المجمع على عدم تأثيرها على الصيام ويمكن إلحاقه بالحجامة من باب أولى وفيها خلاف تقدم وبينا أن الأظهر عدم الإفطار بها.
المطلب الرابع: ما يكون عبر الفتحات السفلية، أو الطبية
أولا: المنفذ السفلي الدبر
والكلام عن المسألة يكون بتصوريها من أهل الطب.
ثم عن حكمها من جهة معاني النصوص القريبة؛ لأن البعيدة تكلف تصان عنه الشريعة.
١ - التصوير الطبي:
وهو منفذ إلى الجهاز الهضمي وموصل إلى الأمعاء التي يتم فيها امتصاص الغذاء والسوائل.
ولزيادة إيضاح طبي لتصوير المسألة يقول الخبير الطبي بالمجمع الفقهي، البار: "ما يدخل إلى الدبر: وهو الحقنة الشرجية ومنظار الشرج وإصبع الطبيب، والفرزجات (اللبوس)، والدبر متصل بالمستقيم، والمستقيم متصل بالقولون، وهو المعي الغليظ. يبدأ بالقولون السيني sigmoid Colon، ثم القولون النازل Descending Colon، ثم القولون المعترض Transverse colon، ثم القولون الصاعد Ascending colon، ثم الأعور، ومنه إلى الأمعاء الدقيقة. ويمكن امتصاص الدواء، أو السوائل منها، وهي جزء من تعريفنا للجوف، وهو الجهاز الهضمي" (١).
стр. 301
الأحكام الفقهية المتعلقة بها:
١ - الحقنة الشرجية
وهي عبارة عن محاليل مائية ودوائية تدخل من الشرج لأغراض طبية:
ومن خلال تصوير أهل الاختصاص الطبي تبين أن الأمعاء الغليضة محل امتصاص للداوء والسوائل وعليه، فهي جزء من الجهاز الهضمي فما وصل إليها من المفطرات كالسوائل فإنها تعتبر مفطرة للصائم؛ لأن هذه السوائل تصل إلى نفس المحل الذي يفطر الصائم وهي الأمعاء الغليظة والدقيقة، وقد تصل على نهايتها عند المعدة.
ولا شك أن هذه الحقنة مفسدة للصوم؛ لأن الأشربة المفطرة إن وصلت إلى الأمعاء لا فرق بينها وبين ما يصل من المعدة والمري.
ولذلك لو أن مريضًا انسدت معدته فوضع له محاليل من الأشربة في الأمعاء بواسطة فتحة طبية لكانت مفطرة لها والحقنة الشرجية فيها محاليل ومياه مفطرة.
وعلى هذا فتوى المذاهب من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، والمالكية كما تقدم، أما المالكية فالمعتبر عندهم أنه يكون مائعا وعلة جميعهم أنه جوف وصل إليه عين من المفطرات وهذا بين والمالكية أنه موصل للمعدة والأمعاء، وهذا المدرك نص عليه الفقيه الخرشي: "والحقنة ما يعالج به الأرياح الغلاظ، أو داء في الأمعاء يصب إليه الدواء من الدبر بآلة مخصوصة فيصل الدواء للأمعاء وما وصل للأمعاء من طعام حصل به فائدة الغذاء" (١).
وأجيب بأنه ليس بطعام، ولا شراب، ولا في معناهما.
ورد هذا بأن السوائل المدخلة أثبت الطب أن الأمعاء الغليظة محل امتصاص لها، وأما الأمعاء الدقيقة، فهي محل امتصاص الغذاء والماء فكيف
стр. 302
لا يفطر، وهو سائل مكون من الماء دخل الجهاز الهضمي وذهب الظاهرية كما تقدم وابن تيمية (١) وابن عبد البر (٢) وبن باز (٣) والعثيمين (٤) أنه لا يفطر الصائم وعند المالكية قول بذلك قدمناه.
ودليلهم: أنه ليس بطعام، ولا شراب، ولا يقصد منه ذلك، ولا هو في معني ذلك؛ بل مقصوده الاستفراغ، وهذا مردود بأن أي سائل يدخل الجهاز الهضمي الذي هو محل الإفطار فهو مفطر لعدم الفارق بين سائل للتشخيص شرب من الفم، أو زرق به إلى المعدة وبين هذا لأنها عبارة عن سوائل ماء وأنواع من الغذاء والدواء.
والحاصل من هذا الخلاف ناتج عن تحقيق المناط فمن قال إن الحقنة عبارة عن مياه وسوائل مفطرة، وقد دخلت الجهاز الهضمي قال بإفسادها للصوم.
ومن قال إن دخولها الجهاز الهضمي لا يسمى أكل ولا شربا قال بخلافهم
ما نراه في تأثير الحقنة على الصيام:
والذي يتبين أن الحقنة نوعان:
فمنها ما هو محتو على المياه والسوائل والمواد المغذية كالقهوة والكافئين فهذا لا فرق بين وصوله للجهاز الهضمي بين أن يكون من منفذ معتاد، أو طارئ جراحي، أو منفذ سفلي.
والنوع الثاني: ما هو علاجي يدخل لتنظيف المستقيم، ولا يتجاوزه
стр. 303
فهذا الظاهر أنه غير مفطر؛ لأن المستقيم ليس محلا للامتصاص؛ بل للإفراغ.
٢ - مناظير الشرج وأدوات الفحص
أما ما يدخل من مناظير عبر الشرج، أو الأصبع للفحص الطبي، فإن خرجناه على ما تقدم من المذاهب التي ذكرناه سابقا، فإنهم سيكونون على فريقين:
الشافعية، والحنابلة مقتضى مذاهبهم القول بأنها تفسد الصوم؛ لأن قاعدتهم: "كل عين دخلت الجوف من أي منفذ"، كما تقدم تحقيقه.
وأما الحنفية، والمالكية، والظاهرية والمجمع الفقهي، فإنهم يقولون بأنها لا تفسد الصوم، لكن اختلفوا في التعليل.
فالحنفية؛ لأن شرطهم الاستقرار وهذه ليست مستقرة، وقولهم بالاستقرار شرط، أي: غيابه في الجملة، أعني من الجامدات التي لا تتحلل إذا دخلت الجوف أما السوائل فبمجرد تحقق وصولها تفسد الصوم. (١)
وهذا تعليل غير بين، فإن العربي يطلق على ما دخل الجوف سواء استقر، أم لا أنه داخل للجوف.
أما المالكية، فإن قاعدتهم أن المنافذ السفلية الواسعة الموصلة إلى
стр. 304
الجوف منفذان فقط هما الدبر وفرج المرأة ولكن يشترط أن يكون الداخل منها مائعًا أي سائلًا، فالجامدات لا أثر لها.
والذي يظهر في تحليل مذهبهم في التفريق أن الجامد إن دخل من الحلق سمي أكلًا فشمله معنى النص، أو القياس عليه؛ لأنه داخل من منفذ الأكل والشرب.
بخلاف المنافذ السفلية فلا هي بمنفذ للأكل والشرب، ولا يسمى ما دخل منها أكلا، أو شربا.
إلا أن ما دخل من السوائل ووصل الأمعاء، فإن المعنى أنه شراب وصل محل الإفطار.
فهو في معنى الغذاء ولكن لما كان هذا المعنى غير ظاهر اختلف قول المالكية في الحقنة الشرجية. قال الدسوقي: "فإن أوصل للمعدة حقنة من مائع وجب القضاء على المشهور، ومُقابِله ما لابن حبيب- أي القول الذي لابن حبيب- من استحباب القضاء بسبب الحقنة من المائع الواصلة للمعدة من الدبر، أو فرج المرأة" (١).
ولم يختلف قولهم في الجامد أنه لا يفسده إن دخل من الفتحتين السفليتين لخروجه عن الإطلاق الشرعي والقياس عليه لفظا ومعنى.
وعلى هذا، فإن منظار الشرج لا يفسد عندهم وكذلك أجاز مالك إدخال الفتائل ويقاس عليها التحاميل التي توضع للمريض من الحمى، أو الباسور فإنها غير مفطرة؛ لأنها لا تدخل إلى محل امتصاص الغذاء.، فهي أشبه بالامتصاص الجلدي الخارجي.
وقد تقدم تحقيق هذا في مناظير الجهاز الهضمي.
وأما الظاهرية فلأنهم عملوا بظاهر النص، وهو ما سمي أكل، أو شربا
стр. 305
عادة من منفذه العادي
وكذلك ما قدمناه عن شيخ الإسلام المعنى عنده القياسي بعيد؛ لأنه مما عمت به البلوى ولم يبينه الشرع، ولا يدخل فيما بينه.
ولما تقدم قرر المجمع الفقهي عدم تأثير هذه المناظير على الصيام، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والظاهرية. والقول بأنها تفطر الصائم خروج عن المعاني الشرعية والعلل البينة فلا هو أكل، ولا شرب، ولا يقوم مقامه، ولا في معناه فكيف يفطر الصائم.
ثانيا: منظار الإحليل والإحليل وما يدخل فيه من أدوية، أو سوائل
١ - التصوير الطبي للمسألة:
بين الأطباء أن الإحليل هو الموصل على المثانة وهي:
"عضو كيسي يتجمع فيه البول الذي تفرزه الكليتان. وتتصل المثانة من الأسفل بقناة مجرى البول والتي تسمى بالإحليل. ورغم أن المثانة عضو أجوف إلا أنه لا علاقة لها بالجهاز الهضمي، وليست هي مدخلًا للطعام، أو الشراب .. " (١) و (لا علاقة له بالمهبل إذ فتحة مجرى البول في المرأة بعيدة عن فتحة المهبل) (٢).
٢ - النظر الفقهي:
بناء على ما تقدم من النقل المذهبي، فإن الشافعية انفردت بالقول بأن دخول شيء في الإحليل يفطر الصائم وعلتهم أنه جوف. ووافقهم أبو يوسف، لكن تعليله مختلف، وهو اتصاله بالجوف.
وخالفهم الثلاثة من المالكية والحنفية، والحنابلة، والظاهرية، وهو ما رجحه شيخ الإسلام.
وقد تقدم تحرير مذاهبهم وتأصيلها.
стр. 306
وعليه، فإن ما يدخل الإحليل من تقطير، أو مداواة، أو قسطرة، أو تصوير كله يجري فيه هذا الخلاف. وتعليل الشافعية أنه جوف متعقب بأن هذه العلة غير منصوصة في الشرع، ولا مجمع عليها، ولا هي مناسبة كما قدمناه.
والقول أنه متصل بالجوف الهضمي أثبت الطب بطلانه وعليه فالقول الصحيح هو قول الجمهور وعليه قرار المجمع الفقهي كما تقدم.
ثالثا: مناظير أخرى كمنظار الكبد
التصوير الطبي:
يبين الدكتور البارأن تنظير البطن:
_من الجدار الخارجي للبطن عبر جهاز التنظير، ويتم ذلك لإجراء التشخيص للأمراض وإجراء العمليات الجراحية، ولسحب البيضات في عملية التلقيح الصناعي (طفل الأنبوب)، وغيرها من الأغراض، وهذه كلها لا تعتبر الجوف الذي حددناه بالجهاز الهضمي.
_ أخذ عينات (خزعات) من الكبد، أو غيره من الأعضاء: الباطنة مثل الكبد، أو الرئة، أو الكلى، أو _أخذ شيء من السائل الموجود في الغشاء البلوري المحيط بالرئة، أو الغشاء البريتوني المحيط بأحشاء البطن في حالة الاستسقاء، أو السائل الموجود حول الجنين، وهو السائل الأمينوسي (الرهل).
فكلها كما يبدو لا علاقة لها بالجهاز الهضمي الذي قلنا إنه المقصود بالجوف في حالة الصيام .. (١)
النظر الفقهي:
قدمنا لك أن الشافعية، والحنابلة يطلقون أن أي عين دخلت الجوف، فهي تفطر الصائم بناء على تحديد للجوف في عصرهم.
стр. 307
وأن الحنفية، والمالكية، والظاهرية لا تقول بذلك وعليه فهذه عندهم لا تؤثر في هذه الصورة لأن الحنفية تشرط الاستقرار وهذه غير مستقر.
والقول بعدم تأثيره على الصوم هو الصواب.
رابعا: ما يدخل إلى الجهاز التناسلي للمرأة
أما ما يدخل الجهاز التناسلي للمرأة فالكلام عليه من جهة التصوير الطبي، ثم من جهة القول الفقهي.
١ - التصوير الطبي:
بين الخبراء أنه "ليست هناك أي علاقة بين المهبل والرحم بالجهاز الهضمي، وبالتالي، فإن إدخال الأصبع أثناء الفحص الطبي، أو المنظار المهبلي، أو اللبوسات (التحاميل، أو الفرزجات) في المهبل لا علاقة له بجهاز الهضم، أو موضع الطعام والشراب .. " (١).
و (ما يدخل عن طريق الجهاز التناسلي للمرأة: وفيه المهبل Vagina، وهو الذي يطلق عليه الفرج والقبل، وقد أسلفنا القول إنه ليس بالتجويف على الحقيقة؛ بل الجداران الأمامي والخلفي ملتصقان، ولكنهما مرنان فيسمحان بدخول الذكر، أو نزول الجنين، أو الدم، أو إدخال منظار، أو إصبع، أو فرزجة، ويمكن امتصاص الدواء من المهبل، وتستخدم بعض الأدوية لهذا الغرض بواسطة الفرزجات (اللبوس، التحاميل)، أو بواسطة ما يسمى دوش مهبلي (غسيل المهبل) … إلخ،) (٢).
٢ - النظر الفقهي
هذه المسألة تشمل كل ما يدخل للفرج والمهبل من المناظير، أو تركيب لولب، أو إصبع فحص، أو غسول مهبلي، أو مداواة، فإن أصل الكلام على
стр. 308
المسألة واحد في حالة التخريج الفقهي على ما تقدم من المذاهب، فإن الشافعية، والحنابلة يرون أن ما دخل فرج المرأة مبطل للصوم.
ويرى الحنفية أن لو دخل الجامد فشرطه الاستقرار إلا أن يكون مبلولًا، أو يكون الداخل إلى فرجها مائعًا، وأما المالكية فرأوا انه يفسد الصوم إن كان مائعًا وخالف الجميع الظاهرية وبعض المالكية وبعض الحنابلة. وقد تقدم نقل كلامهم وتأصيل مذاهبهم فلا معنى لإعادته.
وعلة من قال بإفساد الصوم أنه متصل بالجوف، وهذا تعليل الحنفية، والمالكية.
ولهذا تعقب بعض المالكية مذهبهم فقالوا بعدم الاتصال بالجوف وهذه العلة أبطلها الطب الحديث وعليه فسقوط هذا القول بين، أما الشافعية، والحنابلة فعلتهم أنه جوف وهذه العلة تقدم مرارا أنها غير منصوصة، ولا في معنى المنصوص، فإن المنصوص هو الأكل والشرب فأي معنى يجمع إدخال بين إدخال الإصبع فرجها وبين الأكل والشرب كما أنه لا يشمله لا صورة، ولا لفظًا، ولا معنى فالتعليل بعيد جدًا.
وإلى القول بعدم التأثير أفتى المجمع الفقهي واللجنة الدائمة وابن باز وابن عثيمين والقرضاوي، وهو ما نختاره (١).
خامسا: غسيل الكلى
التصوير الطبي للمسألة:
بين الخبراء من أهل الطب أنه يتم غسيل الكلى عادة بطريقتين:
الأولى: تتم بواسطة آلة خاصة تسمى (الكلية الاصطناعية) وفيها يسحب
стр. 309
الدم إلى هذا الجهاز، حيث تتم تصفيته من البولة الدموية والمواد المؤذية الأخرى، ومن، ثم يعاد إلى الجسم عن طريق الوريد. وهناك عدة أنواع من جهاز الكلية الاصطناعية لا مجال لبحثها في هذه الخلاصة ولكن الأمر الهام هنا هو أن المريض قد يحتاج إلى سوائل مغذية تعطى عن طريق الوريد …
والطريقة الأخرى لغسيل الكلية: تتم عن طريق الغشاء البريتواني في البطن، حيث يدخل أنبوب عبر فتحة صغيرة يحدثها الطبيب في جدار البطن فوق السرة، ومن ثم يدخل عادة ليتران من السوائل التي تحتوي على نسبة عالية من سكر الغلوكوز إلى داخل جوف البطن، وتبقى هناك لفترة، ثم تسحب مرة أخرى، وتكرر هذه العملية مرات عديدة في اليوم الواحد، ويتم أثناء ذلك تبادل الشوارد والسكر والأملاح الموجودة في الدم عبر البريتوان، ومن الثابت علميًّا أن كمية من سكر الغلوكوز الموجودة في السائل الذي يوضح في داخل جوف البطن تدخل إلى دم الصائم عبر الغشاء البريتواني، وهذه برأيي في حكم السوائل المغذية. (١)
ويقول د البار: إجراء غسيل الكلى البريتوني: وفي هذه الحالة يتم إدخال لترات من السوائل إلى الغشاء البريتوني، وإبقائها فترة، ثم سحبها مرة أخرى، ثم إعادة العملية ذاتها مرات عديدة، وفي هذه الحالة يتم تبادل المواد الموجودة في الدم عبر البريتون، ويبدو لي - والله أعلم - أن هذا كله لا علاقة له بالجهاز الهضمي، وبالتالي ليس سببًا لإفساد الصوم (٢).
النظر الفقهي:
بالنسبة للصورة الأولى تخرج مذهبيًا على من يقول ببطلان الصوم بالحجامة، وهم الحنابلة، أما غيرهم من المذاهب فلا تأثير لها.
стр. 310
أما الصورة الثانية، فإن كان إدخال السوائل خارج الجهاز الهضمي فالقول أنها كالمغذيات قريب، وهو راجع إلى قول أهل الطب وأنت ترى أنهم مختلفون كما قدمنا في كلامهم.
وقد أخر المجمع الفقهي البت في المسألة أكثر من عشرين عاما حتى حسم قراره فيها فقد جاء في القرار ضمن المفطرات: الغسيل الكلوي البريتواني والدموي، لما فيه من إدخال كمية كبيرة من الماء والأملاح والسكر أنتهى (١).
وقد اختارت اللجنة الدائمة أنه يفسد الصوم: وجوابها على الاستفتاء ما نصه:
«جرت الكتابة لكل من: سعادة مدير مستشفى الملك فيصل التخصصي بالخطاب رقم ١٧٥٦\ ٢ في ١٤\ ٨ \ ١٤٠٦، وسعادة مدير مستشفى القوات المسلحة بالرياض بالخطاب رقم ١٧٥٧\ ٢ في ١٤\ ٨ \ ١٤٠٦ للإفادة عن صفة واقع غسيل الكلى، وعن خلطه بالمواد الكيماوية، وهل تشتمل على نوع من الغذاء.
وقد وردت الإجابة منهما بالخطاب رقم ٥٦٩٣ في ٢٧\ ٨ \ ١٤٠٦ ورقم ١٠\ ١٦ \ ٧٨٠٧ في ١٩\ ٨ \ ١٤٠٦ بما مضمونه: أن غسيل الكلى عبارة عن إخراج دم المريض إلى آلة (كلية صناعية) تتولى تنقيته ثم إعادته إلى الجسم بعد ذلك، وأنه يتم إضافة بعض المواد الكيماوية والغذائية كالسكريات والأملاح» (٢)
стр. 311
وحاصل الحكم الشرعي:
أن كلام المجمع واللجنة مبني على تحقيق المناط والتصور الصحيح من الأطباء.
والقول بالإفساد معلل بدخول كمية كبيرة من الماء والأملاح والسكريات إلى البدن.
وهو تعليل ظاهر قوي.
سادسا: ما يتعلق بالأوردة والعضلات:
التصوير الطبي:
بين الأطباء أن نقل الدم لإسعاف المريض لا علاقه له بالجهاز الهضمي وأن النقل نوعان كما يظهر من كلامهم:
- نقل الدم للعلاج، ولا تحتوي على مغذ.
- احتواؤه على مغذ (كالسيروم) فيمكن أن تغني عن الطعام والشراب (١).
النظر الفقهي:
وعلى ما تقدم تبنى الفتوى فالصورة الأولى لا تفطر على أي مذهب.
والصورة الثانية لا تفطر على نصوص المذاهب الخمسة لعدم إدراكهم هذه المسألة، وأظن لو تبين لهم هذه الصورة فالذي يظهر لي أنهم سيفتون بالإفطار؛ لأنهم أفتوا بالقياس في صور بعيدة جدًا فكيف بما يدخل في الوريد مما يقوم مقام الأكل والشرب. وسينفرد الظاهرية بالقول بعدم الإفطار بناء على أصولهم. والحاصل أن الأطباء في الصورة الثانية بينوا أنها محتوية على ما يغني عن الغذاء لذلك فيفطر المنقول إليه بهذه الطريقة.
стр. 312
الفصل الخامس
زكاة الفطر وما يتعلق بها من المسائل المتقدمة والمعاصرة
سنذكر بتوفيق الله ما تعلق بشهر الصيام من أحكام غير الصيام
فمنها زكاة الفطر وصلاة التراويح والتهجد وتحري ليلة القدر والاعتكاف وإفطار الصائم وختم القرآن. والبرامج الإعلامية الرمضانية. والعادات المجتمعية، ثم نتبع ذلك بأنواع الصيام الأخرى غير رمضان. وسنرتب هذا في فصول، وهذا الفصل نعقده لزكاة الفطر وما يتعلق بها من مسائل الفقه المتقدم والمعاصر تأصيلًا وتنزيلًا. وفيه هذا مباحث:
المبحث الأول: زكاة الفطر التعريف والبناء الفقهي
المبحث الثاني: كيفية استنباط أحكامها من النصوص والجواب على أسئلتها
стр. 313
المبحث الأول: زكاة الفطر التعريف والبناء الفقهي
هي مبنية على ستة أسئلة:
ما حكمها على من تجب ولمن ومم تجب وكم ومتى تخرج؟
ولنبدأ بالتعريف والبناء في هذا المبحث:
١ - أما التعريف:
فيقال لها زكاة الفطر والفطرة وصدقة الفطر، وهي مضافة إلى الفطر، أو إلى الفطرة التي هي الخلقة: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، فكأنها تزكية للنفس والخلقة وتطهير لها من الأوضار، وهو ما جاء في نص الحديث: ﴿طهرة للصائم من اللغو والرفت وطعمة للمساكين﴾ رواه أبو داوود وابن ماجه.
قال النووي: يقال زكاة الفطر وصدقة الفطر ويقال للمخرج فطرة بكسر الفاء لا غير وهي لفظة مولدة لا عربية ولا معربة بل اصطلاحية للفقهاء وكأنها من الفطرة التى هي الخلقة أي زكاة الخلقة ومن ذكر هذا صاحب الحاوي. (١)
٢ - بنائية زكاة الفطرة الدليلية:
زكاة الفطر مبنية على النصوص والإجماع، والقياس،
أما النصوص فنصوصها ثلاثة تدور عليها أحكامها وهي:
ما أخرجه الإمام البخاري حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري، أنه سمع
стр. 314
أبا سعيد الخدري ﵁، يقول: ﴿كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من أقط، أو صاعا من زبيب﴾ (١).
وقال حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: ﴿أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير على كل حر، أو عبد ذكر، أو أنثى من المسلمين﴾ (٢) وفي رواية عن ابن عمر ﴿أن رسول الله ﷺ أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة﴾. رواه الجماعة إلا ابن ماجه.
وعن ابن عباس قال: ﴿فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات﴾. رواه أبو داود وابن ماجه.
فهذه الأصول النصوصية التي تبنى عليها هذه الفريضة.
أما الإجماع: فثابت في مشروعيتها؛ بل وفي فرضيتها إلا ما روي عن ابن علية والأصم.
نقل الإجماع ابن المنذر قاله الحافظ (٣).
وأما القياس: فاستعمل هنا في قياس القوت غير المنصوص على المنصوص.
وفي قياس مصارف الفطرة على مصارف الزكاة كما سيأتي.
وكذلك قياس القيمة على العين بجامع تحقيق المقصود الشرعي، أو عدم الفارق، أو اعتبار المصالح.
стр. 315
المبحث الثاني: كيفية استنباط أحكامها من النصوص والجواب على أسئلتها
وفيه مسائل
المسألة الأولى: في وجوبها.
أما وجوبها فمأخوذ من النص (فرض) في حديثي ابن عمر وابن عباس، (وأمر) في حديث ابن عمر، وهذا اللفظ يدل على الوجوب، ولا فرق عند العلماء بين الفرض والواجب إلا عند الحنفية ففرقوا كما هو معلوم في الأصول.
فهي عندهم واجب لا فرض.
ولكن يعارض هذه النصوص عموم كلي وخصوص.
أما العموم: فحديث الأعرابي: ﴿حين سأل عن الزكاة فقال هل علي غيره قال لا إلا أن تتطوع﴾ (١) فهذا عموم كلي ينفي أي واجب غير الزكاة في الماليات
стр. 316
أما الخصوص: فما أخرجه عبد الرزاق، ﴿عن الثوري، عن سلمة بن كهيل، قال: حدثني القاسم بن مخيمرة، عن أبي عمار، قال: سألنا قيس بن سعد، عن زكاة الفطر؟ فقال: أمرنا بها رسول الله ﷺ قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت الزكاة لم يأمرنا، ولم ينهنا﴾ (١).
قال أبو زكريا: وهذا سند صحيح متصل رجاله كلهم ثقات وقال الحافظ في الفتح أن في سنده مجهولا (٢)، فإن أرد أبا عمار فلا جهالة فقد وثقه هو في التقريب بناء على توثيق أحمد وابن معين وابن حبان.
والخلاف الذي أشار إليه النسائي بعد أن أخرجه من طريق شعبة عن الحكم عن القاسم عن عمرو بن شراحيل عن قيس: بقوله قال أبو عبد الرحمن: ﴿أبو عمار اسمه عريب بن حميد، وعمرو بن شرحبيل يكنى أبا ميسرة، وسلمة بن كهيل خالف الحكم في إسناده، والحكم أثبت من سلمة بن كهيل﴾ (٣).
قلت: لا يضر هذا الخلاف فلعله سمعه من الطريقين وإن رجحنا طريق شعبة عن الحكم فلا يخرج الحديث عن الصحة.
هذا من جهة الرواية، أما من جهة الدراية فليس فيه التصريح بالنسخ، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وفي حديث بن عمرو (فرض).
والفرض لا ينسخ إلا بنص صريح.
ولهذا قال البيهقي: وهذا لا يدل على سقوط فرضها؛ لأن نزول فرض لا يوجب سقوط آخر، وقد أجمع أهل العلم على وجوب زكاة الفطر وإن اختلفوا في تسميتها فرضا، فلا يجوز تركها، وبالله التوفيق (٤).
стр. 317
قال الطحاوي: ففي هذا الحديث ذكر فرض رسول الله ﷺ إياها، وفيه تعديل الناس إياها بمدين من حنطة، وذلك لا يكون إلا مع بقاء فرضها، فكان هذا مخالفا لما قاله قيس في ذلك، غير أنا تأملنا ما قاله قيس فيه فوجدنا له وجها محتملا لما قاله فيه، وهو أنه قد كانت صدقة الفطر في البدء في فرضها على مثل ما في زكاة الأموال عليه في فرضها بعد أن فرضت فيها حتى صارت في فرضها كالصلوات الخمس في الإيمان بها، وفي وجوب الكفر على من جحدها، فكانت صدقة الفطر كذلك، ثم فرضت زكاة الأموال، فرد الفرض الذي كان فيها إلى زكاة الأموال، وجعل مكانه لزكاة الفطر فرض دون ذلك على ما في حديث ابن عمر مما لو جحده جاحد لم يكن بجحده إياه كافرا، كما يكون بجحده زكاة الأموال كافرا. فهذا هو معنى صحيح يخرج به ما قال قيس في فرض زكاة الفطر كان عليه. والله نسأله التوفيق (١).
قلت: فتبين أنه لا حجة في معارضة النص بهذا الاحتمال؛ لأن من شرط المعارض أن يتساوى مع ما يعارضه في الدلالة والثبوت، ولا شك أنهما هنا غير متساويين.
أما الجواب على حديث الأعرابي هل علي غيرها.
فمعناه في هل علي فرض غيرها بسبب المال، لا في سبب غيره فمعلوم أن نفقة الزوجة والأبناء واجبة لكن لا بسبب المال، وكذا صلة الرحم ونحوه وبذل المال للمحتاج.
فالمقصود من (لا إلا أن تتطوع) يعني لا يؤخذ من مالك وجوبًا بسبب المال إلا هذه.
أما بسبب الدية، أو الأرش، أو التلف، أو الضمان، أو الزوجية فهذا سبب مختلف.
стр. 318
وكذلك زكاة الفطر سببها دخول الشهر، ولا ينظر فيها للمال، وشروط ملكه، وحوله، ونصابه.
المسألة الثانية: مذهب العلماء في الوجوب
الوجوب ذهب إليه الأربعة، والظاهرية (١) والذين ذهبوا إلى الوجوب، قد سلكوا مسلك العمل
بالنص الظاهر في الفرضية مع ضعف دلالة ما يقابله على الصرف عنها.
ونقل في الفتح عن أشهب، وبعض الظاهرية، وابن اللبان من الشافعية أنها سنة مؤكدة (٢).
стр. 319
والقول بالسنية عسر أمام النص الظاهر، إلا أن تعاملهم مع النصوص سلك مسلك الجمع فاضطروا إلى تأويل الحديث بأن جعلوا (فرض) أي قدر مع أن الحقائق الشرعية لا تحمل على اللغوية، لكن ألجأهم الجمع وهي طريقة أصولية لكنه ضعيف هنا.
المسألة الثالثة: على من تجب.
هي واجبة على كل مسلم قادر على إخراجها عن نفسه وعمن في ولايته ممن يمونه من صغير وكبير وذكر وأنثى، وهذا محل اتفاق في الجملة والأول مأخوذ من نص الحديث المتقدم والثاني مأخوذ من عموم التكليف كما يلي:
١ - أما كونها لا تجب إلا على مسلم فلنص الحديث (من المسلمين).
إلا أن الشافعية في الأصح قالوا بوجوبها على الكافر الأصلي عن قريبه المسلم الذي ينفق عليه، وإنما ذهبوا إلى هذا قياسًا على النفقة، فإن النفقة على الكافر واجبة لقريبه المسلم، وهكذا زكاة الفطر؛ لأنها واجبة أولًا على القريب، ثم تحمل الوجوب الكافر عنه (١).
стр. 320
قلت: لكن هذا القياس معارض بعموم النص (من المسلمين)، وهذا قيد لا يتجاوز، لذلك فالموافق لظاهر الدليل هو مقابل الأصح وهو الصحيح عند الشافعية.
٢ - أما كونها لا تجب على غير القادر؛ فلأن التكليف مرتفع في الشريعة عن غير القادر لعموم: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ولم يأت نص خاص في زكاة الفطر يحدد لمخرجها اشتراطات كالنصاب، إلا أن عموم الشريعة تأبى التكليف إلا على القادر، فمن كان قادرًا على ذلك وجبت، وهذا راجع إلى العرف.
المسألة الرابعة: مدراك العلماء في مسألة الوجوب وسبب خلافهم
ولهذا أراد العلماء أن يحدوا حدًا لذلك فاختلفوا:
١ - فالجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة (١) قالوا من ملك قوت يومه وليلته، فما زاد عليه وجب عليه الإخراج، وهذا اجتهاد مقارب لأصول الشريعة الكلية، وإلا فلم يرد نص بهذا التحديد، والشافعية،