← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30079

فقه الصيام ومستجداته المعاصرة

فضل مراد

Полный текст (554 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أما الخصوص: فما أخرجه عبد الرزاق، ﴿عن الثوري، عن سلمة بن كهيل، قال: حدثني القاسم بن مخيمرة، عن أبي عمار، قال: سألنا قيس بن سعد، عن زكاة الفطر؟ فقال: أمرنا بها رسول الله ﷺ قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت الزكاة لم يأمرنا، ولم ينهنا﴾ (١). قال أبو زكريا: وهذا سند صحيح متصل رجاله كلهم ثقات وقال الحافظ في الفتح أن في سنده مجهولا (٢)، فإن أرد أبا عمار فلا جهالة فقد وثقه هو في التقريب بناء على توثيق أحمد وابن معين وابن حبان. والخلاف الذي أشار إليه النسائي بعد أن أخرجه من طريق شعبة عن الحكم عن القاسم عن عمرو بن شراحيل عن قيس: بقوله قال أبو عبد الرحمن: ﴿أبو عمار اسمه عريب بن حميد، وعمرو بن شرحبيل يكنى أبا ميسرة، وسلمة بن كهيل خالف الحكم في إسناده، والحكم أثبت من سلمة بن كهيل﴾ (٣). قلت: لا يضر هذا الخلاف فلعله سمعه من الطريقين وإن رجحنا طريق شعبة عن الحكم فلا يخرج الحديث عن الصحة. هذا من جهة الرواية، أما من جهة الدراية فليس فيه التصريح بالنسخ، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وفي حديث بن عمرو (فرض). والفرض لا ينسخ إلا بنص صريح. ولهذا قال البيهقي: وهذا لا يدل على سقوط فرضها؛ لأن نزول فرض لا يوجب سقوط آخر، وقد أجمع أهل العلم على وجوب زكاة الفطر وإن اختلفوا في تسميتها فرضا، فلا يجوز تركها، وبالله التوفيق (٤).

стр. 317

قال الطحاوي: ففي هذا الحديث ذكر فرض رسول الله ﷺ إياها، وفيه تعديل الناس إياها بمدين من حنطة، وذلك لا يكون إلا مع بقاء فرضها، فكان هذا مخالفا لما قاله قيس في ذلك، غير أنا تأملنا ما قاله قيس فيه فوجدنا له وجها محتملا لما قاله فيه، وهو أنه قد كانت صدقة الفطر في البدء في فرضها على مثل ما في زكاة الأموال عليه في فرضها بعد أن فرضت فيها حتى صارت في فرضها كالصلوات الخمس في الإيمان بها، وفي وجوب الكفر على من جحدها، فكانت صدقة الفطر كذلك، ثم فرضت زكاة الأموال، فرد الفرض الذي كان فيها إلى زكاة الأموال، وجعل مكانه لزكاة الفطر فرض دون ذلك على ما في حديث ابن عمر مما لو جحده جاحد لم يكن بجحده إياه كافرا، كما يكون بجحده زكاة الأموال كافرا. فهذا هو معنى صحيح يخرج به ما قال قيس في فرض زكاة الفطر كان عليه. والله نسأله التوفيق (١). قلت: فتبين أنه لا حجة في معارضة النص بهذا الاحتمال؛ لأن من شرط المعارض أن يتساوى مع ما يعارضه في الدلالة والثبوت، ولا شك أنهما هنا غير متساويين. أما الجواب على حديث الأعرابي هل علي غيرها. فمعناه في هل علي فرض غيرها بسبب المال، لا في سبب غيره فمعلوم أن نفقة الزوجة والأبناء واجبة لكن لا بسبب المال، وكذا صلة الرحم ونحوه وبذل المال للمحتاج. فالمقصود من (لا إلا أن تتطوع) يعني لا يؤخذ من مالك وجوبًا بسبب المال إلا هذه. أما بسبب الدية، أو الأرش، أو التلف، أو الضمان، أو الزوجية فهذا سبب مختلف.

стр. 318

وكذلك زكاة الفطر سببها دخول الشهر، ولا ينظر فيها للمال، وشروط ملكه، وحوله، ونصابه. المسألة الثانية: مذهب العلماء في الوجوب الوجوب ذهب إليه الأربعة، والظاهرية (١) والذين ذهبوا إلى الوجوب، قد سلكوا مسلك العمل بالنص الظاهر في الفرضية مع ضعف دلالة ما يقابله على الصرف عنها. ونقل في الفتح عن أشهب، وبعض الظاهرية، وابن اللبان من الشافعية أنها سنة مؤكدة (٢).

стр. 319

والقول بالسنية عسر أمام النص الظاهر، إلا أن تعاملهم مع النصوص سلك مسلك الجمع فاضطروا إلى تأويل الحديث بأن جعلوا (فرض) أي قدر مع أن الحقائق الشرعية لا تحمل على اللغوية، لكن ألجأهم الجمع وهي طريقة أصولية لكنه ضعيف هنا. المسألة الثالثة: على من تجب. هي واجبة على كل مسلم قادر على إخراجها عن نفسه وعمن في ولايته ممن يمونه من صغير وكبير وذكر وأنثى، وهذا محل اتفاق في الجملة والأول مأخوذ من نص الحديث المتقدم والثاني مأخوذ من عموم التكليف كما يلي: ١ - أما كونها لا تجب إلا على مسلم فلنص الحديث (من المسلمين). إلا أن الشافعية في الأصح قالوا بوجوبها على الكافر الأصلي عن قريبه المسلم الذي ينفق عليه، وإنما ذهبوا إلى هذا قياسًا على النفقة، فإن النفقة على الكافر واجبة لقريبه المسلم، وهكذا زكاة الفطر؛ لأنها واجبة أولًا على القريب، ثم تحمل الوجوب الكافر عنه (١).

стр. 320

قلت: لكن هذا القياس معارض بعموم النص (من المسلمين)، وهذا قيد لا يتجاوز، لذلك فالموافق لظاهر الدليل هو مقابل الأصح وهو الصحيح عند الشافعية. ٢ - أما كونها لا تجب على غير القادر؛ فلأن التكليف مرتفع في الشريعة عن غير القادر لعموم: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ولم يأت نص خاص في زكاة الفطر يحدد لمخرجها اشتراطات كالنصاب، إلا أن عموم الشريعة تأبى التكليف إلا على القادر، فمن كان قادرًا على ذلك وجبت، وهذا راجع إلى العرف. المسألة الرابعة: مدراك العلماء في مسألة الوجوب وسبب خلافهم ولهذا أراد العلماء أن يحدوا حدًا لذلك فاختلفوا: ١ - فالجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة (١) قالوا من ملك قوت يومه وليلته، فما زاد عليه وجب عليه الإخراج، وهذا اجتهاد مقارب لأصول الشريعة الكلية، وإلا فلم يرد نص بهذا التحديد، والشافعية،

стр. 321

والحنابلة قالوا ما زاد عن قوته وقوت من تجب عليه نفقتهم، وهذا قيد قوي؛ لأنه واجب مقدم بالنصوص على غيرها لما جاء في الأحاديث (ابدأ بنفسك) (١) وعلقها المالكية على القدرة ولو بتسلف لراجي القضاء. ٢ - خالف الجميع الحنفية فقالوا لا تجب إلا على من ملك نصابًا من مال (٢). وقد رأى الحنفية تقديم عموم أبوابي، وهو ﴿لا صدقة إلا عن ظهر غنى﴾ (٣) على تلك الكليات أعنى قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. ولهم أن يقولوا إن عموم: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ لا يخالف ﴿لا صدقة إلا عن ظهر غنى﴾ بل يعضده. لأن الوسع في الآية هو نفسه ظهر الغنى في الحديث فلا تعارض، وهذا ضعيف لحصول الوسع بأقل من الغنى كما لا يخفى. كذلك يمكن مناقشة هذا بأن زكاة الفطرة أمر يسير جدًا أربعة أمداد عن كل أحد، واشتراط النصاب لمثله غير مناسب في النظر. وزعموا أن الغنى هو ملك النصاب، وهذا نفسه محتاج إلى دليل، فإن الغنى أمر عرفي في الأصل.

стр. 322

كما أن قولهم ذلك مخالف للعمل، فإن الصحابة أخرجوها في زمنهم ولم يكن جميعهم غنيًا غنى الزكاة. كما أن ما استدلوا به معارض بما أخرجه ابن خزيمة عن سهل بن الحنظلية قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من سأل مسألة، وهو يجد عنها غناء فإنما يستكثر من النار﴾، قيل: يا رسول الله، وما الغناء الذي لا ينبغي معه المسألة قال: ﴿أن يكون له شبع يوم وليلة، أو ليلة ويوم﴾ (١). قال أبو زكريا سنده صحيح. فهذا بين أن الغنى له إطلاقات متعددة. والحاصل أن الخلاف بين الحنفية والجمهور قائم على التعارض بين الكليات الكبرى في التكليف بالوسع وبين كلية في باب معين ﴿لا صدقة إلا عن ظهر غنى﴾، كما أنه راجع كذلك في تفسير النص من حيث الماهية التي يطلق عليها الغنى. فالجمهور عملوا بحديث ﴿أن يكون له شبع يوم وليلة، أو ليلة ويوم﴾ والحنفية عملوا بحديث ﴿لا صدقة إلا عن ظهر غنى﴾ والغنى هو ملك النصاب.

стр. 323

والمرد إلى معرفة المقصود هو تطبيق الصحابة وعملهم المستفيض، وهو يبين رجحان قول الجمهور. المسألة الخامسة: على من يخرج المكلف الأصل في هذا هو قوله ﷺ ﴿عمن تمونون﴾ (١). أي تنفقون فمن وجبت نفقته وجبت فطرته، هذا هو ظاهر الحديث، وهو ما ذهب إليه الجمهور. إلا أنهم اختلفوا على ثلاث نسقات من الأشد تضييقًا للدائرة، إلى المتوسط، إلى الموسع.

стр. 324

١_ فالظاهرية أضيق المذاهب في ذلك حيث قالوا لا تجب إلا عمن نص عليهم الحديث كل واحد عن نفسه ولا يخرجها وليه عنه وجوبا. وضعفوا زيادة عمن تمونون. (١)

стр. 325

٢ - وأبو حنيفة كان أضيق المذاهب الأربعة في من تجب عليه صدقة الفطر مع أنه أوسع المذاهب في النفقة؛ حيث جعل من يمونه الشخص نفقة وولاية. أما النفقة فلظاهر الحديث، أم الولاية التامة فلأن رقبة الشخص تجب عليها النفقة، فما كان مثلها في النفقة وتمام الولاية أخذ حكمها. كولده الصغار الفقراء، فهؤلاء يدهم تحت يده مطلقًا فساووه في الحكم. ومعلوم أن مذهب الحنفية في وجوب النفقة أوسع المذاهب فأجبوا النفقة لعمودي النسب والحواشي من ذوي الأرحام المحرمة كالأعمام والعمات والأخوال والخالات. وهم كل ذي رحم محرم صغيرا من الذكور أو كبيرا عاجزا عن الكسب وأنثى ولو بالغة صحيحة. والنفقة على قدر الميراث للآية (وعلى الوارث مثل ذلك) (١) ٢ - وتوسط مالك فوسع الدائرة قليلًا لتشمل الوالدين الفقيرين والأولاد الفقراء المباشرين ذكورا وإناثا حتى تتزوج والزوجات وزوجة الأب الفقير واستدلوا بزيادة عمن تمونون وهي إنما تكون لهؤلاء (٢). ٣ - ووسعها الشافعي وأحمد، وظاهر النص معهما فقالوا عن من تجب

стр. 326

نفقته بالقرابة من الآباء والأجداد والأبناء والأحفاد بشرط الإسلام والفقر وبالزوجية بشرط الاسلام (١). والحنابلة يوجبون النفقة للحواشي ممن يرثهم المنفق. ولا يوجبها الشافعي. وما قاله الحنفية قياس خفي فالعمل بعموم النص مقدم عليه، ولا أدري ما وجه توقف مالك عند هذه الدائرة مع عموم النص. فالحاصل أن الخلاف دائر بينهم في تنزيل النص على الواقع فمنهم من وسع تحقيق المناط ومنهم من ضيق جدا. والخلاف في التنزيل سبب من أسباب الخلاف الفقهي، ولخلافهم مثار آخر في باب النفقات على من تجب. ويتفرع على هذا فروع: ١_ هل يخرج الزوج عن زوجته؟ هذه المسألة مبنية على لفظة في النص هي ﴿عمن تمونون﴾ أي تنفقون وإليه ذهب الثلاثة (٢). وأما أبو حنيفة فزاد قيدًا على النص، وهو الولاية التامة وهي أن تكون اليد كيد المولى عليهم، وهذا الزيادة زيادة على النص وهم يعظمون ذلك وأصل الخلاف آيل إلى أصول باب النفقات. ٢_ هل يخرج عن ولده الكبير الفقير؟ وهذا المسألة كالتي قبلها أصلها الحديث ﴿عمن تمونون﴾. إلا أن الخلاف مبني فيها على التنزيل في واقع المكلف، وهو ما يسمى بتحقيق المناط، وقد تقدم قبل قليل أن الفقهاء على نسقات في هذا.

стр. 327

فالولد الكبير الفقير تلزم نفقته، فتلزم فطرته في المذاهب سوى الحنفية كما تقدم. وقد ثبت أن الصحابة كانوا يخرجونها عن بنيهم كما في صحيح البخاري «عن ابن عمر ﵄ قال: فرض النبي ﷺ صدقة الفطر، أو قال: رمضان، على الذكر والأنثى، والحر والمملوك، صاعا من تمر أو صاعا من شعير، فعدل الناس به نصف صاع من بر. فكان ابن عمر ﵄: يعطي التمر، فأعوز أهل المدينة من التمر، فأعطى شعيرا. فكان ابن عمر: يعطي عن الصغير والكبير، حتى إن كان يعطي عن بني. وكان ابن عمر ﵄: يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين» (١). المسألة السادسة: سبب الوجوب ومتى تخرج. قوله ﷺ في البخاري ﴿عن ابن عمر ﵄ قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر، صاعا من تمر أو صاعا من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة﴾ (٢). وفيه «عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنا نخرج في عهد رسول الله ﷺ يوم الفطر صاعا من طعام. وقال أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير والزبيب، والأقط والتمر» (٣)

стр. 328

دليل على أن وجوبها متعلق بالفطر من رمضان والتسميات الشرعية علل شرعية لم تأت جزافًا، ولا عبثًا فمن أدرك الصيام والفطر فقد وجبت عليه. والفطر الشرعي هو رؤية هلال شوال، هذا يسمى فطرًا بإجماع. وهذا هو معتمد الجمهور الشافعية، والحنابلة، والمالكية في روية أشهب (١). ورأى أبو حنيفة ورواية ابن القاسم عن مالك أن الفطر الواجب لا يكون إلا بدخول فجر العيد (٢). وهذا لا دليل عليه؛ لأنه تقييد والتقييد للمطلقات لا يكون إلا بحجة بينة. وعلى هذا التأصيل انبى تنزيل الفروع منها من مات بعد الغروب فإنه لا زكاة فطر عليه عند الحنفية لعدم إدراك زمن الوجوب ويخرجها عند غيرهم. ومن أسلم بعد الغروب لم يدرك الوجوب وعند الحنفية أدركه. ومن ولد بعد الغروب عند الحنفية عليه زكاة فطر وعند غيرهم ليس عليه. متى تخرج: أما متى تخرج، فإن حديث ابن عمر كالنص في المسألة، وهو وأمر أن تؤدى قبل صلاة العيد. وهو محل اتفاق لوضوح دلالة النص، ولأن المواقيت الشرعية إنما تؤخذ عن الشرع.

стр. 329

ولكن يعارضه أن الصحابة كانوا يخرجونها قبل العيد بيوم، أو يومين كما في حديث ابن عمر المتقدم، وفي حديث أبي هريرة أن رسول الله وكله لحفظ زكاة رمضان. وهذا الفعل في زمن التشريع فدل على جواز التقديم بيوم أويومين، ودل على أن التحديد بقبل العيد إنما هو آخر ما يتحقق به مقصود الشرع من نفع الفقراء. ولهذا جاء الحديث أنها بعده صدقة من الصدقات مما يدل أن آخرها الشرعي في الأداء قبل العيد ودلت مقاصد النصوص منها على جواز تقديمها؛ لأن مقصودها ﴿طعمة للمساكين﴾ رواه أبو داود وابن ماجه. كما في حديث ابن عباس فما حقق ذلك فهو جائز شرعًا. فهذه دلالة النص ومقصوده. أما استعمال القياس هنا على تقديمها قبل عام كما ذهب إليه الحنفية فضعيف؛ لما فيه من بعد عن المقصود، وليس في معنى النص، ولا قريب منه والقياس إن جاء هكذا فهو ضعيف (١).

стр. 330

وقد أجاز الشافعية تقديمها على منتصف الشهر، أو في أوله (١). والأمر القريب الذي تساعده معاني ومقاصد النصوص في مشروعية هذه الزكاة أنها قبل العيد بأيام، فإن كان جمعها وتوصيلها يستغرق زمنًا جاز ولو من أول الشهر؛ لأن المقصود متحقق. المسألة السابعة: لمن تصرف تعارض هنا دلالة النص والقياس: - أما النص فهو: ﴿طعمة للمساكين﴾ رواه أبو داود وابن ماجه. - أما القياس فهو قياسها على مصارف الزكاة.

стр. 331

والأول ذهب إليه المالكية ورواية عن أحمد وهو اختيار ابن تيمية. والثاني ذهب إليه الجمهور من الحنفية والشافعية وأحمد في رواية والظاهرية، (١). والأول أصح عندي؛ لأنه محقق للمقاصد ومتوافق مع دلالة النص، وهل بلغهم النص فضعفوه، أم لم يضعفوه؛ بل قدموا القياس عليه والعلة الجامعة كونها زكاة مفروضة. وهذا يمكن مناقشته بأن الزكاة المفروضة في الإطلاق الشرعي تطلق على زكاة المال لا على زكاة البدن. ولأن العلة مركبة من وصف زائد هو، زكاة مال مفروضة، وهذا الزيادة هي جزء من العلة المؤثر. المسألة الثامنة: كم تخرج وهل تخرج بالقيمة أما مقدار الإخراج فهو صاع بالنص، وهو أربعة أمداد بمد الرجل المعتدل، وقد أراد علماء العصر موازنته بالمكاييل فاختلفوا اختلافًا بينًا، فمنهم من قال ثلاثة كيلو، ومنهم من قال اثنان ومئتا جرام، ومنهم من قال اثنان ونصف. والسبب في هذا أن المكاييل تختلف وزنا، فإن القطن لو وضعناه كيلًا مثلًا لما ساوى ما يذكر وزنا، ويختلف التمر مع الشعير في الوزن لا في الكيل. فهذه المكيلات ضبطها بالكيل والأمداد أدق. أما ماذا يخرج فلم يذهب إمام من الأئمة الأربعة إلى الاقتصار على المنصوص؛ بل منهم من قال هو خاص علته القوت.

стр. 332

لكن منهم من حصر القوت في أمور بعينها كمالك، وكأنه نظر للعرف في زمنه. ووسع الشافعي وأحمد فقالا بقوت البلد. أما الحنفية فعملوا بالمعنى والمقصود فعادلوها معادلة أخرى هي القيمة. وإخراج الزكاة بالقيمة مر الخلاف فيه، لكنه هنا جرى بين الصحابة، حيث ورد عن معادلة نصف صاع من البر بصاع تام من الشعير، كما في حديث أبي سعيد في الصحيحين، وعمل بهذا الصحابة كما يفيده هذا الحديث سوى خلاف أبي سعيد الخدري وابن عمر قال الحافظ «روى جعفر الفريابي في كتاب صدقة الفطر أن بن عباس لما كان أمير البصرة أمرهم بإخراج زكاة الفطر وبين لهم أنها صاع من تمر إلى أن قال أو نصف صاع من بر قال فلما جاء علي ورأى رخص أسعارهم قال اجعلوها صاعا من كل فدل على أنه كان ينظر إلى القيمة» (١)، وتتابع العمل به إلى زمن معاوية. ونقل الحافظ كلام ابن المنذر فقال: «وقال بن المنذر أيضا لا نعلم في القمح خبرا ثابتا عن النبي ﷺ يعتمد عليه ولم يكن البر بالمدينة ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير وهم الأئمة فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم ثم أسند عن عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر وبن عباس وبن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر بأسانيد صحيحة أنهم رأوا أن في زكاة الفطرة نصف صاع من قمح انتهى» (٢) وهذا ما عمله عمر بن عبد العزيز كما في المصنف حدثنا أبو أسامة،

стр. 333

عن ابن عون، قال: سمعت كتاب عمر بن عبد العزيز يقرأ إلى عدي بالبصرة «يؤخذ من أهل الديوان من أعطياتهم، عن كل إنسان نصف درهم. حدثنا وكيع، عن قرة، قال: جاءنا كتاب عمر بن عبد العزيز في صدقة الفطر «نصف صاع عن كل إنسان أو قيمته نصف درهم»» (١) قلت أسانيدها صحيحة ، وما نقله السبيعي عن الصحابة ففي المصنف حدثنا أبو أسامة، عن زهير، قال: سمعت أبا إسحاق، يقول: «أدركتهم وهم يعطون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام» (٢) وسنده صحيح وقد أدرك السبيعي أبو إسحاق آخر زمن عثمان «سمع من ثمانية وثلاثين صحابيا» (٣) ونقله الزهري عن عمل الأئمة قال ابن زنجويه أخبرنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني يونس، عن ابن شهاب قال: «أخذت الأئمة في الديوان زكاة الفطر في أعطياتهم» (٤) قال أبو زكريا هذا سند صحيح واختاره ابن زنجويه قائلا: القيمة تجزي في الطعام إن شاء الله، والطعام أفضل. وجاء عن كبار الأئمة من التابعين. عن الحسن، قال: «لا بأس أن تعطي الدراهم في صدقة الفطر. (٥) وقال بن رشيد وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم لكن قاده إلى ذلك الدليل (٦)

стр. 334

ومن الأئمة الحنفية ورواية عن الإمام أحمد ومن فقهاء المذاهب الأوزاعي، ومن الشافعية الرملي ومن المالكية أشهب وأصبغ،، (١) واختيار ابن تيمية الجواز عند الحاجة في إخراج القيمة في الزكاة قال «وأما إذا أعطاه القيمة ففيه نزاع: هل يجوز مطلقا؟ أو لا يجوز مطلقا؟ أو يجوز في بعض الصور للحاجة أو المصلحة الراجحة؟ على ثلاثة أقوال - في مذهب أحمد وغيره وهذا القول أعدل الأقوال» (٢). وهو اختيار شيخنا العمراني: قال «إذا كانت المصلحة تقتضي إخراجها

стр. 335

فلوسًا فتخرج فلوسًا، ويلاحظ مصلحة الفقراء فإن كان الفقير يريد شراء علاج لأولاده أو مستلزمات دراسة أولاده أو نحوها فلا مانع من أن تسلم له فلوسًا» (١) واختاره شيخنا القرضاوي. (٢) والحاصل أنه ليس في الحديث الذي نص على الأصناف الأربعة حصر ولم يفهم ذلك الصحابة؛ بل عادلوا وقاسوا ما لم ينص. وليس في دلالة النص حصر إنما فيه أن هذه الأمور تخرج في الفطرة، فإن ساوها مثلها في النفع فالشريعة لا تخالف بين المتساويين في الأحكام؛ بل تجمع بينهم. وهذا ما جعل سائر المذاهب سوى ابن حزم لا تلتزم حصرا على الأصناف المنصوصة بل قالوا المعتبر القوت الغالب، وهذا قياس وتقييم لا شك فيه، وهو الذي حدا بمن ذكرنا إلى القول بالمعادلة بالقيمة وإخراجها. فإن قال قائل فما فائدة ذكر هذه الأصناف إذن. فالجواب للتنبيه عليها وعلى ما في معناها؛ لأن هذا الدين عالمي والأقوات تختلف والمصالح تختلف من بلد لبلد، يعضد هذا النص على المقصود الشرعي لعلة زكاة الفطرة وهي طعمة للمساكين. فهذا بيان جلي للهدف الشرعي من هذا التكليف فكل ما حقق هذا المقصود فهو معتبر.

стр. 336

الفصل السادس الأحكام العامة المتعلقة بشهر رمضان هذا الفصل هدفه ذكر ما يتعلق بشهر رمضان كالتراويح والاعتكاف وليلة القدر، وما يتعلق بالصوم من جهة أنواعه وما يتعلق بشهر رمضان، مما يحصل فيه من العبادات والعادات ومسائل العصر في ذلك. وسيكون الكلام في مباحث: المبحث الأول: صلاة التراويح والتهجد وما يتعلق بها من مستجدات المبحث الثاني: ليلة القدر ومتى تكون وتأثير التقدم التقني في ذلك المبحث الثالث: الاعتكاف ومسائله ونوازله المبحث الرابع: إفطار الصائم وأحكامها ومسائل في الآداب المبحث الخامس: أنواع الصوم الأخرى وأحكامها

стр. 337

المبحث الأول: صلاة التراويح والتهجد وما يتعلق بها من مستجدات ويتعلق بهذا مسائل: المسألة الأولى: الفرق بين القيام والتهجد والتراويح وإحياء الليل التراويح في اللغة: مأخوذة من أرحته إذا أسقطت عنه ما يجد من تعبه كما يقول أهل اللغة. وصلاة التراويح سميت بذلك لأن الترويحة أربع ركعات فالمصلي يستريح بعدها وروحت بالقوم ترويحًا صليت بهم التراويح واستروح الغصن تمايل (١). "سميت بها (لاستراحة) القوم (بعد كل أربع ركعات)، أو لأنهم كانوا يستريحون بين كل تسليمتين. (واستروح) الرجل: (وجد الراحة)، والرواح (والراحة: من) الاستراحة) (٢) ". وقد اتفق الفقهاء مع أهل اللغة في هذا التعليل (٣). إحياء الليل: أما إحياء الليل فهو أعم فيشمل العام كله ويشمل إحياءه بعموم العبادة، من ذكر، وقرآن، وصلاة، وعلم شرعي. (٤)

стр. 338

قيام الليل: يطلق على صلاة النوافل ليلًا بعد العشاء، سواء في رمضان، أو غيره. وهو الذي جاء في الإطلاق الشرعي وبوب البخاري عليه: (باب فضل قيام الليل)، وأورد حديث ابن عمر وقول النبي ﷺ له: ﴿نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل. فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا﴾ (١). التهجد: التهجد من الأضداد يطلق على النوم، وعلى الصلاة بالليل، وعلى السهر، وعلى الصلاة في الليل بعد نوم، وهجد أيضًا صلى بالليل فهو من الأضداد وتهجد نام وصلى كذلك (٢). قال الحافظ: "وفي المجاز لأبي عبيدة قوله: فتهجد به أي: اسهر بصلاة، وتفسير التهجد بالسهر معروف في اللغة، وهو من الأضداد يقال تهجد إذا سهر، وتهجد إذا نام، حكاه الجوهري وغيره، ومنهم من فرق بينهما فقال هجدت نمت وتهجدت سهرت حكاه أبو عبيدة وصاحب العين فعلى هذا أصل الهجود النوم ومعنى تهجدت طرحت عني النوم وقال الطبري التهجد السهر بعد نومة، ثم ساقه عن جماعة من السلف وقال بن فارس المتهجد المصلي ليلًا" (٣). وهو لغة دفع النوم بالتكلف: والهجود النوم. يقال هجد إذا نام، وتهجد: إذا أزال النوم بالتكلف، واصطلاحا صلاة التطوع في الليل بعد النوم كما قاله القاضي حسين، سمي بذلك لما فيه من ترك النوم، فهو من باب قصر العام على بعض أفراده (٤).

стр. 339

المسألة الثانية: حكمها وصلاة الليل والتراويح جماعة أما حكمها فسنة بإجماع العلماء (١). قال ابن عابدين: (التراويح سنة) مؤكدة لمواظبة الخلفاء الراشدين (للرجال والنساء) إجماعًا (٢)، وورد فيها نصوص كثيرة منها حديث عن إياس بن معاوية المزني، أن رسول الله ﷺ قال: ﴿لا بد من صلاة بليل، ولو ناقة، ولو حلب شاة، وما كان بعد صلاة العشاء الآخرة فهو من الليل﴾ (٣). وعن ابن عباس قال: ذكرت صلاة الليل فقال بعضهم: إن رسول الله ﷺ قال: ﴿نصفه، ثلثه، ربعه، فواق حلب ناقة، فواق حلب شاة﴾. رواه أبو يعلى، قال الهيثمي ورجاله رجال الصحيح (٤). قلت: هذا شاهد للحديث المتقدم ومعنى فواق ناقة قيل بمقدار ما يفلت الضرع، وقيل: بمقدار ما بين الحلبتين أي يحلب، ثم يترك لولدها الضرع، ثم يحلب. صلاتها جماعة: أما صلاتها جماعة، فهي ثابتة أيام النبي ﷺ كما تقدم، ثم تركها جماعة بهم خشية أن تفرض على الناس. ثم استمر الأمر زمن أبي بكر وسنتين من خلافة عمر وكانوا يصلون

стр. 340

فرادى وجماعات، حتى جمعهم عمر واستمر الأمر على هذا، واتفق العلماء على مشروعية صلاتها جماعة في المساجد. وقال الحنفية هي سنة كفاية في المساجد وتجوز في البيوت جماعة، لكن ليس لها فضل جماعة المساجد، " (والجماعة فيها سنة على الكفاية) في الأصح، فلو تركها أهل مسجد أثموا إلا لو ترك بعضهم، وكل ما شرع بجماعة فالمسجد فيه أفضل قاله الحلبي" (١). وجنح المالكية في حالة إن لم تتعطل المساجد عن صلاتها أنها تندب في البيوت. وندب صلاة التراويح - في البيوت عندهم له ثلاثة شروط: أن لا تعطل المساجد، وأن ينشط لفعلها في بيته، ولا يقعد عنها، وأن يكون غير آفاقي بالحرمين، فإن تخلف شرط كان فعلها في المسجد أفضل، وإنما قالوا بذلك لأنهم غلبوا عموم الحديث عند مسلم ﴿خَيْرَ صَلاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلا الصَّلاةَ المكْتُوبَةَ﴾؛ ولأن صلاتها في البيت أبعد عن الرياء (٢). وقالت الشافعية: " (و) الأصح (أن الجماعة تسن في التراويح) " (٣).

стр. 341

ومذهب الحنابلة سنية الجماعة ونقل ابن قدامة إجماع الصحابة على الجماعة، قال: إجماع الصحابة على ذلك (١). ونقل الإجماع على سنية الجماعة النووي فقال: قال أبو العباس وأبو إسحق صلاة التراويح جماعة أفضل من الانفراد لإجماع الصحابة وإجماع أهل الأمصار على ذلك (٢). والحاصل أن الإجماع انعقد على المشروعية في جماعة في المساجد، والذين قالوا إنها في البيت أفضل كالمالكية بشرط ألا يتعطل المساجد ودليلهم عام في أفضيلة النوافل في البيت ودليل غيرهم خاص برمضان فلا تعارض، إذ يقدم الخاص على العام. كما هو مقرر في علم الأصول، وهو ما تدل عليه تصرفات الشرع. المسألة الثالثة: عدد ركعات التراويح وصلاة الليل عموما وثبوت ثلاثة عشر كيفية بذلك أما عددها فأصول المسألة الحاكمة لها هي سنن ثابتة بلا خلاف، قولية، وفعلية. فالقولية حديث ابن عمر المتفق عليه: ﴿عن ابن عمر: «أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن صلاة الليل، فقال رسول الله ﵇: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة، توتر له ما قد صلى﴾ (٣)، فهذا فيه إطلاق بدون تقييد إلا بالصبح. وأما الفعلية فقد ثبت عنه ﷺ صلاة أحدى عشرة ركعة، وصلى ثلاثة عشرة ركعة.

стр. 342

وعمل الفقيه هنا هو النظر في دلالة النص القولي، والنص الفعلي، ومعلوم أنه لا تعارض هنا؛ لأن القولي يفيد عموم صلاة مثنى مثنى، بدون تقييد إلا خشية طلوع الفجر. وهذا يفهمه العربي بداهة أنه لا حصر له. كما أنه لما أمر صاحبه الذي كان يقوم الليل أن يقوم وينام، ولم يحدد له عددًا وعند البخاري عن عبد الله بن عمرو قال: ﴿دخل علي رسول الله ﷺ فقال: ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟ قلت: بلى، قال: فلا تفعل، قم ونم، وصم وأفطر؛، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإنك عسى أن يطول بك عمر، وإن من حسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فإن بكل حسنة عشر أمثالها، فذلك الدهر كله. قال: فشددت فشدد علي، فقلت: فإني أطيق غير ذلك، قال: فصم من كل جمعة ثلاثة أيام. قال: فشددت فشدد علي، قلت: أطيق غير ذلك، قال: فصم صوم نبي الله داود. قلت: وما صوم نبي الله داود؟ قال: نصف الدهر﴾ (١). وأما فعله ﷺ فقد ثبت أنه إحدى عشرة وثلاثة عشرة ومعلوم أنه يفعل الوسط؛ خشية على أمته ولذلك قال: ﴿أفضل الصيام صيام أخي داوود﴾ (٢) مع أنه ﷺ كان لا يصوم يومًا ويفطر يوما، فدل هذا أن صلاة الليل حسب ما استطعت.

стр. 343

وهذا ما فهمه الصحابة بإجماع فقد ثبت عن عمر والصحابة صلاة إحدى عشرة، وصلاة ثلاثة عشرة ركعة، وصلاة عشرين. فقد أخرج مالك عن محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد، أنه قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة قال: "وقد كان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر". قلت: هذا سند صحيح. لكن ابن عبد البر قال إن مالكًا غلظ في رواية إحدى عشرة؛ لأن غيره يقول عشرين، وتغليط مالك عسر لذلك تعقبه الزرقاني والحق مع الزرقاني؛ لأن مالكًا لم يتفرد به فقد تابعه يحيى القطان وغيره (١). أما رواية ثلاثة عشرة، فهي عند ابن نصر من طريق رواه محمَّد بن إسحاق عن محمَّد بن يوسف عن السائب بن يزيد قال: " كنا نصلي في زمن عمر بن الخطاب في رمضان ثلاث عشرة ركعة ولكن والله ما كنا نخرج إلا في وجاه الصبح كان القارئ يقرأ في كل ركعة بخمسين آية ستين آية". رواه محمَّد بن نصر وقال قال ابن إسحاق: "وما سمعت في ذلك حديثًا هو أثبت عندي، ولا أحرى بأن يكون كان من حديث السائب وذلك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم كانت له من الليل ثلاث عشرة ركعة اه" (٢)، قلت: وهو حسن صحيح.

стр. 344

إثبات صلاة الصحابة على عهد عمر عشرين ركعة. وهو نوعان: النوع الأول: ما جاء بنص أنهم صلوا عشرين ركعة ١ - ما جاء عن السائب بن يزيد أن الصلاة زمن عمر عشرون. جاء في سنن البيهقي ﴿وقد أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسين بن فنجويه الدينوري بالدامغان، ثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني، أنبأ عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، ثنا علي بن الجعد، أنبأ ابن أبي ذئب، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد قال: " كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب ﵁ في شهر رمضان بعشرين ركعة " قال: " وكانوا يقرءون بالمئين، وكانوا يتوكئون على عصيهم في عهد عثمان بن عفان ﵁ من شدة القيام "﴾ (١) قال أبو زكريا: هذا إسناد صحيح.

стр. 345

٢ - المرسل الصحيح عن يحي بين سعيد أنهم صلوا زمن عمر عشرين. ويشهد له مرسل صحيح عند ابن أبي شيبة: ﴿حدثنا وكيع عن مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب أمر رجلا يصلي بهم عشرين ركعة﴾ (١). قلت: رجاله أثبات أعلام ويحيى بن سعيد أدرك من الصحابة وكبار التابعين، وقال بن المديني: لم يكن بالمدينة بعد كبار التابعين أعلم من بن شهاب ويحيى بن سعيد وأبي الزناد وبكير بن الأشج (٢) ٣_عن أبي بن كعب بسند صالح أنهم صلوا زمن عمر بعشرين: أخرجها الضياء: نا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: ﴿أن عمر أمر أبيا أن يصلي بالناس في رمضان، فقال: إن الناس يصومون النهار، ولا يحسنون أن يقرؤوا، فلو قرأت القرآن عليهم بالليل، فقال: يا أمير المؤمنين هذا شيء لم يكن، فقال: قد علمت، ولكنه أحسن، فصلى بهم عشرين ركعة﴾ (٣). قلت: هذا الطريق صالح في الشواهد المتابعات؛ لأن الرازي مختلف فيه فوثقه جماعة كابن المديني وابن معين وضعفه جماعة من قبل الحفظ، ويشهد له طريق أخرى صحيحة عن أبي عند عبد الرزاق أثبت فيها العشرين مع ركعة الوتر وسيأتي، كما يشهد له مرسل صحيح عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي سيأتي.

стр. 346

٤ - ومن الأدلة الصحيحة أن العشرين كانت زمن الصحابة فعل عبد الرحمن بن أبي بكر: وهو ما أخرجه ابن أبي الدنيا حدثنا شجاع، ثنا هشيم، أنبا يونس، قال: ﴿شهدت الناس قبل وقعة ابن الأشعث وهم في شهر رمضان، فكان يؤمهم عبد الرحمن بن أبي بكر صاحب رسول الله ﷺ ، وسعيد بن أبي الحسن، ومروان العبدي، فكانوا يصلون بهم عشرين ركعة، ولا يقنتون إلا في النصف الثاني، وكانوا يختمون القرآن مرتين﴾ (١). قلت: شجاع بن مخلد ثقه من رجال مسلم وهشيم بن بشير عن يونس بن عبيد ثقتان من رجال الشيخين. فهذا سند غاية في الصحة. النوع الثاني: ما ثبت فيه العشرون بزيادة الوتر إما ركعة، أو ثلاث: ٥ - أما رواية واحد وعشرون، فهي: عند عبد الرزاق، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ يُوسُفَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ عُمَرَ جَمَعَ النَّاسَ فِي رَمَضانَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعَلَى تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، عَلَى إِحْدَى وَعِشْرِينَ رَكْعَةً، يَقْرَءُونَ بِالْمِئِينَ وَيَنْصرِفُونَ عِنْدَ فُرُوعِ الْفَجْرِ (٢). وهذا صحيح ثابت مثبت في كتاب عبد الرزاق فأخطأ من زعم أنه لا يعلم أنه بعد الاختلاط، أم قبله؛ لأن ما رواه في كتابه صحيح قبل الاختلاط. ٦ - مرسل صحيح عند مالك، عن يزيد بن رومان فيه صلاة ثلاث وعشرين: أنه قال: ﴿كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة﴾ (٣).

стр. 347

قلت: يزيد بن رومان مات (١٣٠ هـ) لم يدرك زمن عمر، ولكنه أدرك الصحابة، ومرسله هذا شاهد على صلاة العشرين زمن عمر. ٧ - مرسل صحيح آخر في إثبات العشرين والوتر: قال ابن أبي شيبة: حدثنا حميد بن عبد الرحمن عن حسن (عن) عبد العزيز بن رفيع قال: كان أبي بن كعب يصلي بالناس في رمضان بالمدينة عشرين ركعة ويوتر بثلاث (١). قلت: هذا نص صريح أن أبيا كان يوتر بثلاث فوق العشرين، فمن نقل ثلاثًا وعشرين وواحدا وعشرين ليس فيه خلاف، أو اضطراب. الجمع بين الروايات التي تبين صلاة التراويح زمن عمر ﵁. ولا تعارض بين الروايات؛ لأن الكل تدل على عشرين ركعة مع زيادة الوتر، والوتر ركعة، أو ثلاث وبهذا تكون واحدًا وعشرين وتكون ثلاثًا وعشرين، وطريق الجمع هو اعتمده العلماء مشرقًا ومغربًا. وكان صلاة إحدى عشرة ركعة وثلاثة عشرة ركعة في أحوال، وصلاة عشرين في أحوال وهي الأكثر والتي بقيت زمن التابعين ومن بعدهم. قال البيهقي: ويمكن الجمع بين الروايتين، فإنهم كانوا يقومون بإحدى عشرة، ثم كانوا يقومون بعشرين ويوترون بثلاث، والله أعلم (٢). قال ابن عبد البر جامعا بين الروايات: وفي حديث مالك عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد قال أمر عمر أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة. (هكذا قال مالك في هذا الحديث إحدى عشرة ركعة) وغير مالك يخالفه

стр. 348

فيقول في موضع إحدى عشرة ركعة (إحدى وعشرين)، ولا أعلم أحدًا قال في هذا الحديث إحدى عشرة ركعة غير مالك والله أعلم. إلا أنه يحتمل أن يكون القيام في أول ما عمل به عمر بإحدى عشرة ركعة، ثم خفف عليهم طول القيام ونقلهم إلى إحدى وعشرين ركعة يخففون فيها القراءة ويزيدون في الركوع والسجود إلا أن الأغلب عندي في إحدى عشرة ركعة الوهم والله أعلم (١). وقال: وهذا محمول على أن الثلاث للوتر والحديث الأول على أن الواحدة للوتر والوتر بواحدة قد تقدمها ركعات يفصل بينهن وبينها بسلام وبثلاث لا يفصل بينها بسلام كل ذلك معروف معمول به بالمدينة (٢). قال ابن بطال: وقال الداودى وغيره: وليست رواية مالك عن السائب بمعارضة برواية من روى عن السائب ثلاثا وعشرين ركعة، ولا ما روى مالك عن يزيد ابن رومان قال: (كان الناس يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة) معارضة لروايته عن السائب؛ لأن عمر جعل الناس يقومون في أول أمره بإحدى عشرة ركعة كما فعل النبي ﷺ وكانوا يقرؤون بالمئين ويطولون القراءة، ثم زاد عمر بعد ذلك فجعلها ثلاثا وعشرين ركعة على ما رواه يزيد بن رومان، وبهذا قال الثوري، والكوفيون، والشافعي، وأحمد، فكان الأمر على ذلك إلى زمن معاوية، فشق على الناس طول القيام لطول القراءة، فخففوا القراءة وكثروا من الركوع، وكانوا يصلون تسعا وثلاثين ركعة، فالوتر منها ثلاث ركعات، فاستقر الأمر على ذلك وتواطأ عليه الناس، وبهذا قال مالك، فليس ما جاء من اختلاف أحاديث قيام" (٣).

стр. 349

قلت: لو جعل بين هذه الروايات خلاف لكان النقل عنه ﷺ في صلاته إحدى عشرة وثلاثة عشرة وسبعا وتسعا وخمسا أن ذلك اضطراب في النقل. بل كله ثابت وكله عمله ﷺ وهكذا فعل الصحابة أيام عمر. فتارة صلوا بهذا وتارة بهذا. ٨ - أثر صحيح عن عطاء بن أبي رباح: يثبت العشرين زمن الصحابة، وقد أدرك مئتين من الصحابة وولد زمن عثمان. قال ابن أبي شيبة: "حدثنا ابن نمير عن عبد الملك عن عطاء، قال: أدركت الناس وهم يصلون ثلاثا وعشرين ركعة بالوتر" (١). قال أبو زكريا: هذا صحيح على شرط الشيخين عبد الله ابن نمير وعبد الملك بن أبي سليمان وعطاء بن أبي رباح كلهم أثبات من رجال الشيخين. وقول عطاء أدركت الناس يعني الصحابة، وقد ولد في خلافة عثمان وأدرك مئتين من الصحابة كما في تهذيب الكمال؛ لأنه من كبار التابعين، ولا يقول التابعي أنه أدرك قرينه؛ بل لا يقول ذلك إلا من فوقه من الطبقة وهم الصحابة. وعلى فرض أنه يعني أنه بقوله ذلك الصحابة والتابعين فلا ضير؛ لأنه يدل على تواتر ذلك عصر الصحابة الذي أدركهم وهم مئتان، وعصر كبار التابعين. وقد ولد في أوائل خلافة عثمان واستشهد عثمان، وهو في سن السابعة، وهذا سن كبير للتميز والرواية وتوفي ١١٧ هـ، أو ١١٥ كما قال الحفاظ.

стр. 350

فتبين أنه أدرك زمن عثمان وعلي ومئتين من الصحابة فنقل عنهم هذه السنة. ٩ - صلاة عشرين زمن علي. قال البيهقي: "أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد أنبأ محمد بن أحمد بن عيسى بن عبدك الرازي، ثنا أبو عامر عمرو بن تميم، ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، ثنا حماد بن شعيب، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي ﵁ قال: "دعا القراء في رمضان فأمر منهم رجلا يصلي بالناس عشرين ركعة " قال: وكان علي ﵁ يوتر بهم وروي ذلك من وجه آخر، عن علي (١). قلت: عطاء اختلط، وهذا لا يعلم بعد أم قبل اختلاطه، لكنا سقناه؛ لأن له شاهدين: الأول: قال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع عن حسن بن صالح عن عمرو بن قيس عن ابن أبي (الحسناء) أن عليا أمر رجلا يصلي بهم في رمضان عشرين ركعة. (٢) قلت: سنده صحيح إلى ابن أبي الحسناء، وأما هو فهو مستور ومعلوم أن المجهول صالح في الشواهد والمتابعات كيف والجهالة في هذه الطبقة يستضاء بها في مواطن كما نص عليه أئمة الحديث. الثاني: أثر عطا ابن أبي رباح الصحيح المتقدم، وقد أدرك زمن عثمان وعلي ومن بعدهم. والضعيف باختلاط، أو حفظ إن شهد له مثل هذا ارتفع إلى الحسن كما هو معلوم في علم المصطلح.

стр. 351

ثبوت عشرين ركعة زمن التابعين: ١ - ما صح عن عطاء بن أبي رباح، وقد تقدم. ٢ - ما صح عن ابن أبي مليكة، وقد أدرك ثمانين صحابيا. قال ابن أبي شيبة: "حدثنا وكيع عن نافع بن عمر قال: كان ابن أبي مليكة يصلي بنا في رمضان عشرين ركعة ويقرأ بحمد الملائكة في ركعة" (١). قلت: روى عن عثمان وأدرك عصره وعصر علي وابن الزبير وغيرهم، وكان يصلي عشرين إما أنه على ما رأى من الصحابة أو هو اجتهاد من عنده، وهذا الثاني مع إمكانه مستبعد لأنه ما كان له أن يرى السنة عن الصحابة ثم يخالفها، وهو قرين عطاء بن أبي رباح وقد أدركا نفس الفترة الزمنية من عصر عثمان وما بعده، وقد قال عطاء: "كان الناس يصلون ثلاثا وعشرين" يعني بالوتر فهذا دليل أن ما فعله ابن أبي مليكة كان عن الصحابة ثم لو كان من عند نفسه لأنكر عليه الناس وكان يصلي بهم. وفيهم العلماء والفقهاء. ٣ - ما صح عن سعيد بن جبير: قال ابن أبي شيبة: حدثنا محمد بن فضيل عن (وقاء) قال: كان سعيد بن

стр. 352

جبير يؤمنا في رمضان فيصلي بنا عشرين ليلة ست ترويحات فإذا كان العشر (الآخر) اعتكف في المسجد وصلى بنا سبع ترويحات (١). قلت: وقاء بن إياس وثقه بن معين ولينه البعض، وله متابعة صالحة عند عبد الرزاق، عن الثوري، عن إسماعيل بن عبد الملك، قال: "كان سعيد بن جبير يؤمنا في شهر رمضان، فكان يقرأ بالقراءتين جميعا، يقرأ ليلة بقراءة بن مسعود، فكان يصلي خمس ترويحات، فإذا كان العشر الأواخر صلى ست ترويحات" (٢). قلت: إسماعيل يصلح متابعة. ٤ - ما صح عن شتير: قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو بكر قال: ثنا وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الله ابن قيس عن (شتير) بن شكل: "أنه كان يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر" (٣). قلت: شتير تابعي ثقة من أصحاب بن مسعود. ٥ - عن سعيد بن فيروز أبو البحتري: قال ابن أبي شيبة: حدثنا غندر عن شعبة عن خلف عن ربيع (وأثنى) عليه خيرا "عن أبي البختري أنه كان يصلي خمس ترويحات في رمضان ويوتر بثلاث" (٤). قال أبو زكريا: أبو البختري الطائي مولاهم اسمه سعيد بن فيروز أخرج له الجماعة من الثقات، وهو من القراء (٥). وخلف هو ابن حوشب من رجال

стр. 353

البخاري من الثقات وربيع لم أعرفه ولعله ابن خثيم، وهو ثقة ومهما يكن فقد أثنى عليه خيرا. ٦ - التابعي سويد بن غفلة: جاء في التاريخ الكبير للبخاري: قَالَ يحيى بْن مُوسَى قَالَ نا جَعْفَر بْن عون سَمِعَ أبا الخضيب الجعفِي كَانَ سويد بْن غفلة يؤمنا فِي رمضان عشرين ركعة (١). قلت: سنده صالح أبو الخضيب ذكره البخاري ولم يذكر فيه جرحًا، ولا تعديلا والبقية ثقات. ٧ - علي بن ربيعة: قال ابن أبي شيبة: حدثنا الفضل بن دكين عن سعيد بن عبيد أن علي بن ربيعة كان يصلي بهم في رمضان خمس ترويحات ويوتر بثلاث (٢). قلت: رجاله ثقات رجال البخاري. مناقشة الشيخ الألباني في عدد ركعات التراويح: خالف الشيخ الألباني الأمة فقال بعدم جواز صلاة التراويح فوق ثلاثة عشرة ركعة، وصرح أنها بدعة فخرق إجماع الأمة، وهذا من أخطائه المشهورة وقد بنى أقواله على: ١ - أن كل ما جاء من الروايات في صلاة عشرين زمن عمر شاذة لمخالفتها رواية مالك التي تدل أنهم صلوا زمن عمر إحدى عشر ركعة والدليل على شذوذها كذلك أنه ما كان عمر ليخالف صلاة رسول الله ﷺ . ٢ - ، وقد أبعد النجعة في دعوى شذوذ رواية عبد الرزاق مع صحتها الظاهرة واتفاق العلماء على صحتها ولم يطعن فيها أحد قبله ولما لم تكن تنفق هذه التهمة زاد أخرى أكبر وهي الطعن في عبد الرزاق أنه اختلط،

стр. 354

ولا يعلم هل هذه قبل، أم بعد وذهل، أو تجاهل أن هذا إنما يبحث عنه فما كان خارج كتابه، أما ما فيه فهو صحيح وقد صرح الحفاظ بذلك. قال الحافظ -في الميزان- محررا المقال: «قال ابن الصلاح: وقد وجدت فيما روى الدَّبَرِيّ، عَنْ عَبد الرزاق أحاديث أستنكرها جدًا فأحلت أمرها على الدَّبَرِيّ لأن سماعه منه متأخر جدًا والمناكير التي تقع في حديث الدَّبَرِيّ إنما سببها أنه سمع من عبد الرزاق بعد اختلاطه فما يوجد من حديث الدَّبَرِيّ، عَنْ عَبد الرزاق في مصنفات عبد الرزاق فلا يلحق الدَّبَرِيّ منه تبعة إلا إن صحف، أو حرف وإنما الكلام في الأحاديث التي عنده في غير التصانيف، فهي التي فيها المناكير وذلك لأجل سماعه منه في حالة الاختلاط والله أعلم» (١). ولهذا قال البخاري: «عبد الرزاق ما حدث من كتابه فهو أصح» (٢). وكذلك جاء في ميزان الاعتدال قال يحيى: «ما كتبت عنه من غير كتابه سوى حديث واحد» (٣). فما كانوا يتوقون كتابه، ولا قال بذلك أحد من الأعلام؛ بل خرجوا عنه في الصحاح والسنن والمسانيد، والمصنف ألفه قبل المئتين وأخذه الناس عنه، وكان يحدث عنه الحفاظ مما في كتابه. وقد قالت لجنة التحقيق: «فالراجح أنه صنفه في الفترة الواقعة بين استقراره في بلده بعيدًا عن الرحلات ورحلة العلماء إليه لينقلوا عنه العلم؛ لأن "المصنف" هو أبرز علمه، وقد ارتحل إليه العلماء قبل اختلاطه - أي قبل ٢٠٠ هـ» (٤).

стр. 355

ولهذا نص الحفاظ أنه إنما يخطئ إن حدث من غير كتابه، أما منه فلا جاء في إكمال تهذيب الكمال: «ولما ذكره ابن حبان في كتاب "الثقات" قال: كان ممن يخطئ إذا حدث من حفظه» (١). وكتابه المصنف يعد من أكبر موسوعات الحديث وأمهاته ولم يقل فيه أحد من الحفاظ أنه وضعه بعد الاختلاط ولو كان كذلك لنصوا عليه وحذروا من كتابه وبالعكس فكتابه من أجل ما صنف في الحديث قال ابن حزم «ثم ما كان فيه الصحيح فهو أجل، مثل "مصنف عبد الرزاق"» (٢) بل حتى اختلاطه لم يسقطه العلماء فأطلق ابن الصلاح القول أنه حجة بإطلاق فقال: «إنه استنكر كثيرًا من حديث إسحاق الدبري عنه؛ لأنه كتب عنه في آخر عمره، وبالجملة فهو حجة على الإطلاق» (٣). لذلك فقول الشيخ الألباني تجنّ على عبد الرزاق لنصرة مذهبه الشاذ في خلاف الأمة والله يغفر لنا وله. ٣ - ومن الملاحظات أن الشيخ الألباني: كان يذكر في الراوي ما يضعفه، ولا يذكر من وثقه كما حصل مع أبي جعفر الرازي. كما أنه اعتمد على التقريب وعلى من ضعفه فقط ولم يذكر توثيق الأئمة له كابن معين وعلي وغيرهم وأنا أسرد لك هؤلاء وغيرهم ممن قال فيه صالح، ولا بأس به، وما ضعفه البعض إلا من جهة حفظه. وقد بين علي أن العلة إذا روى عن المغيرة، فأقل ما يقال في هذا أنه حسن في الشواهد.
следующие страницы →