ثبوت عشرين ركعة زمن التابعين:
١ - ما صح عن عطاء بن أبي رباح، وقد تقدم.
٢ - ما صح عن ابن أبي مليكة، وقد أدرك ثمانين صحابيا.
قال ابن أبي شيبة: "حدثنا وكيع عن نافع بن عمر قال: كان ابن أبي مليكة يصلي بنا في رمضان عشرين ركعة ويقرأ بحمد الملائكة في ركعة" (١). قلت: روى عن عثمان وأدرك عصره وعصر علي وابن الزبير وغيرهم، وكان يصلي عشرين إما أنه على ما رأى من الصحابة أو هو اجتهاد من عنده، وهذا الثاني مع إمكانه مستبعد لأنه ما كان له أن يرى السنة عن الصحابة ثم يخالفها، وهو قرين عطاء بن أبي رباح وقد أدركا نفس الفترة الزمنية من عصر عثمان وما بعده، وقد قال عطاء: "كان الناس يصلون ثلاثا وعشرين" يعني بالوتر فهذا دليل أن ما فعله ابن أبي مليكة كان عن الصحابة ثم لو كان من عند نفسه لأنكر عليه الناس وكان يصلي بهم. وفيهم العلماء والفقهاء.
٣ - ما صح عن سعيد بن جبير:
قال ابن أبي شيبة: حدثنا محمد بن فضيل عن (وقاء) قال: كان سعيد بن
стр. 352
جبير يؤمنا في رمضان فيصلي بنا عشرين ليلة ست ترويحات فإذا كان العشر (الآخر) اعتكف في المسجد وصلى بنا سبع ترويحات (١).
قلت: وقاء بن إياس وثقه بن معين ولينه البعض، وله متابعة صالحة عند عبد الرزاق، عن الثوري، عن إسماعيل بن عبد الملك، قال: "كان سعيد بن جبير يؤمنا في شهر رمضان، فكان يقرأ بالقراءتين جميعا، يقرأ ليلة بقراءة بن مسعود، فكان يصلي خمس ترويحات، فإذا كان العشر الأواخر صلى ست ترويحات" (٢). قلت: إسماعيل يصلح متابعة.
٤ - ما صح عن شتير:
قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو بكر قال: ثنا وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الله ابن قيس عن (شتير) بن شكل: "أنه كان يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر" (٣).
قلت: شتير تابعي ثقة من أصحاب بن مسعود.
٥ - عن سعيد بن فيروز أبو البحتري:
قال ابن أبي شيبة: حدثنا غندر عن شعبة عن خلف عن ربيع (وأثنى) عليه خيرا "عن أبي البختري أنه كان يصلي خمس ترويحات في رمضان ويوتر بثلاث" (٤).
قال أبو زكريا: أبو البختري الطائي مولاهم اسمه سعيد بن فيروز أخرج له الجماعة من الثقات، وهو من القراء (٥). وخلف هو ابن حوشب من رجال
стр. 353
البخاري من الثقات وربيع لم أعرفه ولعله ابن خثيم، وهو ثقة ومهما يكن فقد أثنى عليه خيرا.
٦ - التابعي سويد بن غفلة:
جاء في التاريخ الكبير للبخاري: قَالَ يحيى بْن مُوسَى قَالَ نا جَعْفَر بْن عون سَمِعَ أبا الخضيب الجعفِي كَانَ سويد بْن غفلة يؤمنا فِي
رمضان عشرين ركعة (١). قلت: سنده صالح أبو الخضيب ذكره البخاري ولم يذكر فيه جرحًا، ولا تعديلا والبقية ثقات.
٧ - علي بن ربيعة:
قال ابن أبي شيبة: حدثنا الفضل بن دكين عن سعيد بن عبيد أن علي بن ربيعة كان يصلي بهم في رمضان خمس ترويحات ويوتر بثلاث (٢). قلت: رجاله ثقات رجال البخاري.
مناقشة الشيخ الألباني في عدد ركعات التراويح:
خالف الشيخ الألباني الأمة فقال بعدم جواز صلاة التراويح فوق ثلاثة عشرة ركعة، وصرح أنها بدعة فخرق إجماع الأمة، وهذا من أخطائه المشهورة وقد بنى أقواله على:
١ - أن كل ما جاء من الروايات في صلاة عشرين زمن عمر شاذة لمخالفتها رواية مالك التي تدل أنهم صلوا زمن عمر إحدى عشر ركعة والدليل على شذوذها كذلك أنه ما كان عمر ليخالف صلاة رسول الله ﷺ .
٢ - ، وقد أبعد النجعة في دعوى شذوذ رواية عبد الرزاق مع صحتها الظاهرة واتفاق العلماء على صحتها ولم يطعن فيها أحد قبله ولما لم تكن تنفق هذه التهمة زاد أخرى أكبر وهي الطعن في عبد الرزاق أنه اختلط،
стр. 354
ولا يعلم هل هذه قبل، أم بعد وذهل، أو تجاهل أن هذا إنما يبحث عنه فما كان خارج كتابه، أما ما فيه فهو صحيح وقد صرح الحفاظ بذلك.
قال الحافظ -في الميزان- محررا المقال: «قال ابن الصلاح: وقد وجدت فيما روى الدَّبَرِيّ، عَنْ عَبد الرزاق أحاديث أستنكرها جدًا فأحلت أمرها على الدَّبَرِيّ لأن سماعه منه متأخر جدًا والمناكير التي تقع في حديث الدَّبَرِيّ إنما سببها أنه سمع من عبد الرزاق بعد اختلاطه فما يوجد من حديث الدَّبَرِيّ، عَنْ عَبد الرزاق في مصنفات عبد الرزاق فلا يلحق الدَّبَرِيّ منه تبعة إلا إن صحف، أو حرف وإنما الكلام في الأحاديث التي عنده في غير التصانيف، فهي التي فيها المناكير وذلك لأجل سماعه منه في حالة الاختلاط والله أعلم» (١).
ولهذا قال البخاري: «عبد الرزاق ما حدث من كتابه فهو أصح» (٢).
وكذلك جاء في ميزان الاعتدال قال يحيى: «ما كتبت عنه من غير كتابه سوى حديث واحد» (٣).
فما كانوا يتوقون كتابه، ولا قال بذلك أحد من الأعلام؛ بل خرجوا عنه في الصحاح والسنن والمسانيد، والمصنف ألفه قبل المئتين وأخذه الناس عنه، وكان يحدث عنه الحفاظ مما في كتابه.
وقد قالت لجنة التحقيق: «فالراجح أنه صنفه في الفترة الواقعة بين استقراره في بلده بعيدًا عن الرحلات ورحلة العلماء إليه لينقلوا عنه العلم؛ لأن "المصنف" هو أبرز علمه، وقد ارتحل إليه العلماء قبل اختلاطه - أي قبل ٢٠٠ هـ» (٤).
стр. 355
ولهذا نص الحفاظ أنه إنما يخطئ إن حدث من غير كتابه، أما منه فلا جاء في إكمال تهذيب الكمال: «ولما ذكره ابن حبان في كتاب "الثقات" قال: كان ممن يخطئ إذا حدث من حفظه» (١).
وكتابه المصنف يعد من أكبر موسوعات الحديث وأمهاته ولم يقل فيه أحد من الحفاظ أنه وضعه بعد الاختلاط ولو كان كذلك لنصوا عليه وحذروا من كتابه وبالعكس فكتابه من أجل ما صنف في الحديث قال ابن حزم «ثم ما كان فيه الصحيح فهو أجل، مثل "مصنف عبد الرزاق"» (٢)
بل حتى اختلاطه لم يسقطه العلماء فأطلق ابن الصلاح القول أنه حجة بإطلاق فقال: «إنه استنكر كثيرًا من حديث إسحاق الدبري عنه؛ لأنه كتب عنه في آخر عمره، وبالجملة فهو حجة على الإطلاق» (٣).
لذلك فقول الشيخ الألباني تجنّ على عبد الرزاق لنصرة مذهبه الشاذ في خلاف الأمة والله يغفر لنا وله.
٣ - ومن الملاحظات أن الشيخ الألباني:
كان يذكر في الراوي ما يضعفه، ولا يذكر من وثقه كما حصل مع أبي جعفر الرازي.
كما أنه اعتمد على التقريب وعلى من ضعفه فقط ولم يذكر توثيق الأئمة له كابن معين وعلي وغيرهم وأنا أسرد لك هؤلاء وغيرهم ممن قال فيه صالح، ولا بأس به، وما ضعفه البعض إلا من جهة حفظه.
وقد بين علي أن العلة إذا روى عن المغيرة، فأقل ما يقال في هذا أنه حسن في الشواهد.
стр. 356
ويشهد له الطريق الأخرى برواية الثقات وهي مرسلة.
جاء في تقريب التهذيب: «أبو جعفر الرازي التميمي [التيمي] مولاهم مشهور بكنيته واسمه عيسى ابن أبي عيسى عبد الله ابن ماهان وأصله من مرو، وكان يتجر إلى الري صدوق سيء الحفظ خصوصا عن مغيرة من كبار السابعة مات في حدود الستين بخ» (١).
وفي تهذيب التهذيب: «قال عبد الله بن أحمد عن أبيه ليس بقوي في الحديث، وقال حنبل عن أحمد صالح الحديث» (٢).
وفيه: «وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين كان ثقة خراسانيا انتقل إلى الري ومات بها، وقال ابن أبي مريم عن ابن معين يكتب حديثه، ولكنه يخطئ، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين صالح، وقال الدوري عن ابن معين ثقة، وهو يغلط فيما يروي عن مغيرة، وقال عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه هو نحو موسى بن عبيدة، وهو يخلط فيما روى عن مغيرة ونحوه، وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن علي بن المديني كان عندنا ثقة، وقال ابن عمار الموصلي ثقة، وقال عمرو بن علي فيه ضعف، وهو من أهل الصدق سيء الحفظ، وقال أبو زرعة شيخ يهم كثيرًا، وقال أبو حاتم ثقة صدوق صالح الحديث، وقال زكريا الساجي صدوق ليس بمتقن، وقال النسائي ليس بالقوي، وقال ابن خراش صدوق سيء الحفظ، وقال ابن عدي له أحاديث صالحة، وقد روى عنه الناس وأحاديثه عامتها مستقيمة وأرجو أنه لا بأس به، وقال ابن سعد كان ثقة، وكان يقدم بغداد فيسمعون منه، وقال عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الدشتكي سمعت أبا جعفر الرازي يقول لم أكتب عن الزهري لأنه كان يخضب بالسواد، وقال أبو عبد الله فابتلي أبو جعفر حتى لبس السواد، وكان زميل النهدي إلى
стр. 357
مكة قلت، وقال ابن حبان كان ينفرد عن المشاهير بالمناكير لا يعجبني الاحتجاج بحديثه إلا فيما وافق الثقات، وقال العجلي ليس بالقوي، وقال الحاكم ثقة، وقال ابن عبد البر هو عندهم ثقة عالم بتفسير القرآن» (١).
وقارن بين ما سبق وبين ما قاله الشيخ في صلاة التراويح «قال أبو زرعة: يهم كثيرًا، وقال أحمد: ليس بقوي، وقال مرة: صالح الحديث،، وقال الفلاس: سيء الحفظ، وقال آخر ثقة ثم أعاده الذهبي في " الكنى " وقال: جرحوه كلهم، وجزم الحافظ في " التقريب " بأنه سيء الحفظ، وقال ابن القيم (٢): صاحب مناكير لا يحتج بما تفرد به أحد من أهل الحديث البتة» (٣) انتهى كلامه.
فانظر إلى نقله عن الحافظ سيئ الحفظ فقط.
ونقله عن الفلاس سيء الحفظ فقط.
ونقله عن الذهبي في الكنى جرحوه كلهم، وهذا قول لو صح عن الذهبي لكان خطأ لأن كبار الأئمة وثقه. وقد رجعت إلى الكنى فلم أجد هذا (٤).
وذكره في السير وفصل كلام الموثقين والمضعفين من قبل الحفظ (٥).
بل قال في الميزان: «عيسى بن أبي عيسى ماهان، أبو جعفر الرازي. صالح الحديث. روى عن الشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وقتادة، وجماعة» (٦). وفي الكاشف ذكر ما فيه من كلام الأئمة (٧).
стр. 358
وفي المغني قال: «عِيسَى بن أبي عِيسَى ماهان أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ صَدُوق» (١).
وفي تنقيح التحقيق «قَالَ ابنُ أبي حاتمٍ: سألتُ أبي وَأَبا زرْعَة عَنهُ فَقَالَا: صدوقٌ ثقةٌ» (٢).
فانظر كيف تجاهل كل هذا واختار كلمة واحدة.
٤ - ومن الملاحظات جرحه للثقات رجال الصحيحين بأي كلمة وتركه الإجماع على توثيقه.
كما في توهينه لرواية يزيد بن خصيفه زاعمًا أنه منكر الحديث، وحكم عليه بالنكارة والاضطراب، وقد أجمعوا على أنه ثقة وأخرج له البخاري ومسلم.
قال الحافظ: «عن أحمد وأبي حاتم والنسائي ثقة، وقال الآجري عن أبي داود قال أحمد منكر الحديث، وقال بن أبي مريم عن بن معين ثقة حجة، وقال بن سعد كان عابدا ناسكا كثير الحديث ثبتا وذكره بن حبان في الثقات قلت: زعم بن عبد البر أنه بن أخي السائب بن يزيد، وكان ثقة مأمونا» (٣).
فانظر كيف ترك كل هذا والتقط قول أحمد الثاني. مع أنه لم يقل أحد أن هذا من مناكيره؛ بل أجمع الناس على صحته وعملوا به.
٥ - ، وأما الاضطراب فليس كذلك؛ بل رواية عشرين صحيحة ورواية واحد وعشرين يعني مع ركعة الوتر صحيحة كذلك. وهكذا ضعف بقية الروايات ولم يجعل المراسيل الصحاح شواهد لبعضها كما هي عادته في تصحيح الحديث حيث يصحح الضعاف ببعضها مما هو أدنى بدرجات من
стр. 359
حديث التراويح كما هو معروف من منهجية وجزم بعدم صحة أي أثر عن الصحابة في صلاة العشرين، أو ما فوقها. وقد بينا لك فيما سبق الدراسة العلمية بالمنهجية الحديثية وبينا ما اتفق عليه العلماء ومشت عليها الأمة جيلا بعد جيل من زمن الصحابة والتابعين وما بعدهم، وقد رد عليه جماعات من العلماء وأنكروا عليه هذا الشذوذ المنكر.
المسألة الرابعة: مقدار القراءة وهل يبحث عن المسجد المطول، أم المخفف، أم ذي الصوت الحسن وهل يختم القرآن.
أما مقدار القراءة فله أصول من القرآن والسنة:
أما القرآن فقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٣٠]، وهذه الآيات في قيام الليل.
وأما السنة، فهي ثلاثة أنواع:
١ - من فعله لوحده ﷺ .
٢ - من فعله مع أصحابه.
٣ - من قوله العام للناس.
أما النوع الأول:
فكان ﷺ يقرأ قراءة طويلة في قيامه ويسجد سجودا طويلا ويركع كذلك
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه أخبره ﴿أنه سأل عائشة ﵂: كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا، فلا تسل عن حسنهن
стр. 360
وطولهن، ثم يصلي أربعا، فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا. قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر؟ فقال: يا عائشة، إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي﴾ (١).
حدثنا محمد بن المثنى: حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام قال: أخبرني أبي، عن عائشة ﵂ قالت: ﴿ما رأيت النبي ﷺ يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسا، حتى إذا كبر قرأ جالسا، فإذا بقي عليه من السورة ثلاثون، أو أربعون آية، قام فقرأهن، ثم ركع﴾ (٢)
حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري عن عروة: أن عائشة أخبرته: أن رسول الله ﷺ ﴿كان يصلي إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته، تعني بالليل، فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية، قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن للصلاة﴾ (٣).
أما النوع الثاني:
صلاته ومعه أحد أصحابه، أو جماعة منهم:
قال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله ﵁ قال: ﴿صليت مع النبي ﷺ ليلة، فلم يزل قائما حتى هممت بأمر سوء، قلنا: وما هممت؟ قال: هممت أن أقعد وأذر النبي ﷺ ﴾ (٤)
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا عبد الله بن نمير وأبو معاوية. ح وحدثنا زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم. جميعا عن جرير. كلهم عن
стр. 361
الأعمش. ح وحدثنا ابن نمير (واللفظ له) حدثنا أبي. حدثنا الأعمش عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر، عن حذيفة؛ قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة. فافتتح البقرة. فقلت: يركع عند المائة. ثم مضى. فقلت: يصلي بها في ركعة. فمضى. فقلت: يركع بها. ثم افتتح النساء فقرأها. ثم افتتح آل عمران فقرأها. يقرأ مترسلا. إذا مر بآية فيها تسبيح سبح. وإذا مر بسؤال سأل. وإذا مر بتعوذ تعوذ. ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم" فكان ركوعه نحوا من قيامه. ثم قال "سمع الله لمن حمده"، ثم قام طويلا. قريبًا مما ركع. ثم سجد فقال "سبحان ربي الأعلى فكان سجوده قريبًا من قيامه. (قال)، وفي حديث جرير من الزيادة: فقال "سمع الله لمن حمده. ربنا لك الحمد﴾ (١).
وعن النعمان بن بشير، يقول على منبر حمص: " قمنا مع رسول الله ﷺ ، ليلة ثلاث وعشرين في شهر رمضان إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قام بنا ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح، قال: وكنا ندعو السحور الفلاح (٢).
أما النوع الثالث:
فهو ما جاء في الصحاح من قوله عليه الصلاة والسام: صلاة الليل مثنى مثنى وغير ذلك من النصوص القولية وهي كثيرة.
هل يبني الإمام على قراءة صاحبه، أم يقرأ حيث يشاء؟
هذه المسألة من المسكوت عنه فليس فيها نص، ولا معنى نص، ولكن استحب ذلك بعض العلماء منهم مالك عليه رحمة الله، حيث سئل ﵀ عن قراءة القرآن في رمضان يقرءون متتابعين أحدهما على أثر صاحبه، أم يقرأ كل
стр. 362
واحد منهم في حزبه حيث أحب؟ قال: بل يقرأ كل واحد منهم على أثر صاحبه أحب إلي بكثير وما يعجبني هذا الذي يفعله بعضهم يقرءون حيث أحبوا، وإن منهم من يفعل ذلك التماس ما يوافقه من حسن صوته حتى إن بعض الضعفاء يغبطونه بذلك، وهذا ما لا خير فيه، ولكن أحبوا بذلك السمعة، قيل له: فالناس فيما مضى لم يكونوا يقرءون متفرقين، قال: لا، ولكن كان يقرأ كل واحد منهم على أثر صاحبه، وهو الصواب وكذلك أنزله الله فليقرأ كما أنزل (١).
متى يقوم الليل في رمضان؟
صلاة التراويح، أو قيام رمضان، أو قيام الليل مطلقًا وقتها يبدأ بعد صلاة العشاء كما هو فعل النبي ﷺ وأصحابه من بعده، وأما في أي ساعة فثبت أنه قام بعد العشاء ففي مسلم ﴿عن عائشة زوج النبي ﷺ ؛ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء (وهي التي يدعو الناس العتمة) إلى الفجر، إحدى عشرة ركعة. يسلم بين كل ركعتين. ويوتر بواحدة. فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر، وتبين له الفجر، وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين. ثم اضطجع على شقه الأيمن. حتى يأتيه المؤذن للإقامة﴾ (٢).
وثبت عنه أنه نام بعد العشاء وقام في الثلث الأخير في حديث ابن عباس ﵄ قال: ﴿بت في بيت ميمونة والنبي ﷺ عندها، فلما كان ثلث الليل الآخر، أو بعضه قعد فنظر إلى السماء، فقرأ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (٣).
وثبت عنه ﷺ أنه صلى في أوقات الليل المختلفة، في البخاري: حدثنا عمر بن حفص قال: حدثنا أبي قال: حدثنا الأعمش قال: حدثني مسلم،
стр. 363
عن مسروق، عن عائشة قالت: ﴿كل الليل أوتر رسول الله ﷺ ، وانتهى وتره إلى السحر﴾ (١).
ومنه حديث عائشة: ﴿كنا نعد له سواكه وطهوره. فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل. فيتسوك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات. لا يجلس فيها إلا في الثامنة﴾ (٢).
وقام في رمضان إلى الثلث وإلى النصف وإلى آخر الثلث الأخير: كما في المسند ﴿عن أبي ذر، قال: صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان، فلم يقم بنا من الشهر شيئًا حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب نحو من ثلث الليل، ثم لم يقم بنا الليلة الرابعة، وقام بنا الليلة التي تليها حتى ذهب نحو من شطر الليل، قال: فقلنا: يا رسول الله، لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه قال: "إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته "، ثم لم يقم بنا السادسة، وقام بنا السابعة، قال: وبعث إلى أهله واجتمع الناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح قال: قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور﴾ (٣).
وهذه النصوص تبين أن الأمر واسع.
وقد أورد المروزي الآثار عن الصحابة في اختيار الصلاة بعد العشاء، وأورد عن البعض ما يدل على اختيارهم آخر الليل لمن قدر فمن ذلك (٤):
قول عمر بن الخطاب ﵁: "والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون"، يريد آخر الليل،، وكان الناس يقومون أوله وينامون آخره.
وعن طاوس ﵀: سمع ابن عباس ﵁ يقول: "دعاني عمر ﵁ أتغدى
стр. 364
عنده يعني السحر فسمع هيعة الناس، فقال: ما هذا؟ فقلت: الناس خرجوا من المسجد، قال: ما بقي من الليل، أي مما مضى".
وقال الحسن ﵀: كان الناس يصلون العشاء في شهر رمضان في زمان عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان ﵃ ربع الليل الأول، ثم يقومون الربع الثاني، ثم يرقدون ربع الليل، ويصلون فيما بين ذلك.
وكان علي بن أبي طالب ﵁ إذا تعشى في شهر رمضان هجع هجعة، ثم يقوم إلى الصلاة فيصلي.
وعن عكرمة ﵀: كنا نصلي، ثم أرجع إلى ابن عباس ﵁ فأوقظه فيصلي فيقول لي: يا عكرمة هذه أحب إلي مما تصلون، ما تنامون من الليل أفضله يعني آخره
وعن عمران بن حدير ﵀: أرسلت إلى الحسن ﵀ فسألته عن صلاة العشاء في رمضان أنصلي، ثم نرجع إلى بيوتنا فننام، ثم نعود بعد ذلك؟، فأبى، قال: لا، صلاة العشاء، ثم القيام.
وقال أبو داود ﵀: قيل لأحمد ﵀ وأنا أسمع يؤخر القيام يعني التراويح إلى آخر الليل؟ قال: لا، سنة المسلمين أحب إلي.
وفي مذهب الحنفية: نصوا أن (وقتها بعد صلاة العشاء) إلى الفجر (قبل الوتر وبعده) في الأصح، فلو فاته بعضها وقام الإمام إلى الوتر أوتر معه، ثم صلى ما فاته (ويستحب تأخيرها إلى ثلث الليل)، أو نصفه، ولا تكره بعده في الأصح (١).
وعند المالكية قالوا: وأما وقتها فبعد صلاة العشاء، وقبل الوتر من خط القاضي جمال الدين الأقفهسي انتهى.
стр. 365
وقال الشيخ أحمد زروق في شرح الإرشاد: وكونها بعد صلاة العشاء، وقبل الوتر هي السنة انتهى (١).
وقال الشافعية: (ووقت الوتر، والتراويح من بعد أن يصلي العشاء) وإن جمعها تقديما (إلى الفجر الثاني) لنقل الخلف عن السلف (٢).
وقال الحنابلة: (و) فعلها (أول الليل أفضل)؛ لأن الناس كانوا يقومون على عهد عمر أوله (٣).
ختم القرآن:
لا مقدار معين للقراءة في صلاة الليل في رمضان وغيره:
ولم يرد تحديد في مقدار قراءة القرآن في صلاة التراويح والقيام فهو راجع إلى اختيار المكلف
فإن كان منفردا فله أن يختار ما يشاء وإن كان إماما فعليه أن ينظر في أحوال من يصلي بهم، وقد كان الصحابة يقرؤون في التراويح بالمئين.
وقد اتفقت كلمة المذاهب الأربعة على أفضيلة الختم في رمضان في صلاة التراويح (٤).
стр. 366
حكم من صلى التراويح أربعًا بلا فصل:
من صلى التراويح بأربع بتسليمة واحدة فقد انفرد الشافعية بإبطالها.
ودليلهم قياسي فقالوا: "ولا تصح بنية مطلقة؛ بل ينوي ركعتين من التراويح، أو من قيام رمضان، ولو صلى أربعًا بتسليمة لم تصح؛ لأنه خلاف المشروع بخلاف سنة الظهر والعصر كما أفتى به المصنف، والفرق بينهما أن التراويح لمشروعية الجماعة فيها أشبهت الفرائض فلا تغير عما وردت" (١).
ولم يبطلها غيرهم، فإن الحنفية يجيزون ذلك لو قعد بين كل ركعتين قدر التشهد، ثم يقوم، ولكن لو لم يقعد فنص محمد على فسادها وصححها الإمام وأبو يوسف (٢).
ونص المالكية على الصحة مع الكراهة (٣).
стр. 367
قلت: إبطالها لا يكون إلا بمبطل بين ومجرد شبهها بالفرض جماعة في كونها تأخذ أحكامها في بطلان تغيير الهيئة ضعيف؛ لأنها نافلة بإجماع الفقهاء فقياسها الشبهي ببابها من النوافل مقدم على القياس من غير بابها وهي الفرائض.
كما أنها صليت جماعة وفرادى أيام النبي ﷺ وأيام الصحابة حتى في زمن عمر كان هناك من يصليها جماعة وفرداي. ثم مجرد الشبه بصلاتها جماعة علة غير مناسبة لهذا الحكم.
بل التزام الكيفية المعينة في صلاة الفريضة نفسها ليس لكونها تصلى جماعة؛ لأنه يجوز أن تصلى جماعة وفرادى، بل لأنها توقيفية.
كما أن هذه العلة وهي شبهها بالفريضة كونها تصلى جماعة يلزمهم عليه أنه لا يزاد في العدد على ما صلاه النبي ﷺ ومع هذا زاد الصحابة ومن بعدهم.
كما أنه ورد في صحيح البخاري ما يفيد أنه صلى أربعا، ثم أربعا، ثم ثلاث، وبه قال جماعة في الوتر في الأربع قال ابن عبد البر: "وقال آخرون الوتر ثلاث ركعات لا يفصل بينهن بسلام.
روي ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس على اختلاف عنه وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وأنس بن مالك وأبي أمامة، وبه قال عمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة وأصحابه، وهو الذي استحبه الثوري،، وكان الأوزاعي يقول إن شاء فصل قبل الركعة بسلام وإن شاء لم يفصل. وحجة هؤلاء حديث عائشة إذ سئلت عن صلاة رسول الله ﷺ فقالت كان يصلي أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا، قالوا صلى أربعًا بغير سلام وأربعا كذلك وثلاثا أوتر بها" (١).
стр. 368
وقد فسرها الآخرون بالطريق الأخرى يسلم من كل ركعتين، لكن هذا ليس لازما إذ لا ملجئ له فحمله على تعدد الحال مقدم، وقد ثبت أنه صلى الوتر بثلاثة عشر كيفية استوفاها أبو محمد ابن حزم.
والخلاصة أن الدليل غير ناهض على الدعوى فالحق مع الجمهور في عدم بطلان صلاة أربع ركعات في التراويح بتسليمة والله أعلم.
حكم تتبع حسن الصوت في صلاة التراويح وحكم التغني بالقرآن:
مسألة تتبع حسن الصوت هذه المسألة مبنية على جواز تزيين التلاوة بالصوت، وهذا مشروع ورد في نصوص حاكمة للباب.
فمنها ما يبين المشروعية في ذلك كما ورد في الصحيحين: عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: قال رسول الله ﷺ : ﴿لم يأذن الله لشيء ما أذن للنبي ﷺ يتغنى بالقرآن﴾ (١).
وقال صاحب له: يريد يجهر به قال سفيان: تفسيره: يستغني به (٢).
ومنها ما يفيد الحث المؤكد على ذلك منها: ما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ﴿ليس منا من لم يتغن بالقرآن﴾.
ومنها ما يفيد الأمر والطلب فما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي عن البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال: ﴿زينوا القرآن بأصواتكم﴾.
ومنها ورود المدح بذلك. كما في الصحيحين: عن أبي موسى؛ قال:
стр. 369
قال رسول الله ﷺ لأبي موسى: ﴿لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة! لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود﴾ (١).
وهذه النصوص تدل على تلحين القرآن وتجميل الصوت به.
وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم من الفقهاء والمذاهب في كيفية ذلك:
١_ فمنهم من حملها على ظاهرها وقالوا بجواز التغني وتلحين القرآن:
وهو قول جماعة من الصحابة وعليه مذهب الحنفية، والشافعية (٢).
وورد في ذلك آثار فمنها ما جاء عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول لأبى موسى ذكرنا ربنا، فيقرأ أبو موسى ويتلاحن.، وقال مرة: "من استطاع أن يغني بالقرآن غناء أبي موسى فليفعل".
وكان عقبة بن عامر من أحسن الناس صوتا بالقرآن. فقال له عمر: "اعرض على سورة كذا، فقرأ عليه فبكى عمر وقال: ما كنت أظن أنها نزلت".
وأجازه ابن عباس وابن مسعود، وروى عن عطاء بن أبى رباح.
وكان عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد يتتبع الصوت الحسن في المساجد في شهر رمضان.
وذكر الطحاوي عن أبى حنيفة وأصحابه أنهم كانوا يسمعون القرآن
стр. 370
بالألحان،، وقال محمد بن عبد الحكم: رأيت أبى والشافعي ويوسف بن عمير يسمعون القرآن بالألحان. (١)
وتأولها ابن عيينة أن معناها الجهر والاستغناء.
وهذا مردود بصراحة النصوص الأخرى كقوله زينوا القرآن، وحديث أبي موسى. وبين الشافعي بطلان هذا القول لغة.
قال الشافعي ﵀: "لا بأس بالقراءة بالألحان وتحسين الصوت بأي وجه ما كان وأحب ما يقرأ إلي حدرا وتحزينا (قال المزني) ﵀ سمعت الشافعي يقول لو كان معنى يتغنى بالقرآن على الاستغناء لكان يتغانى وتحسين الصوت هو يتغنى، ولكنه يراد به تحسين الصوت " (٢).
٢ - أما الذي كرهوا ذلك:
فهو منقول عن بعض الصحابة والتابعين، وهو قول مالك (٣) وأحمد (٤) قال ابن بطال روي عن أنس بن مالك وسعيد بن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وسعيد بن جبير والنخعي،، وقال النخعي: كانوا يكرهون القراءة بتطريب، وكانوا إذا قرأوا القرآن قرأوه حدرا ترتيلا بحزن، وهو قول
стр. 371
مالك: روى ابن القاسم عنه أنه سئل عن الألحان في الصلاة فقال: لا يعجبني، وأعظم القول فيه، وقال: إنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم (١).
قلت: أما ما روي عن عمر عند ابن شبة وغيره في سبب جمعهم على إمام أنهم كانوا يتتبعون صاحب الصوت الحسن فهي زيادة لا تصح؛ ففي تاريخ المدينة لابن شبة: حدثنا أحمد بن عيسى قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن مسلم بن جندب، عن نوفل بن أبي إياس الهذلي قال: " كان الناس يقومون في رمضان في المسجد فرقا، فكانوا إذا سمعوا قارئا حسن الصوت مالوا إليه فقال عمر ﵁: "قد اتخذوا القرآن أغاني، والله لئن استطعت لأغيرن هذا، فلم يمكث إلا ليالي حتى جمع الناس على أبي بن كعب ﵁، وقال: كانت هذه بدعة، فنعم البدعة (٢).
قلت: نوفل بن أبي إياس مجهول وقال الحافظ مقبول لذكر ابن حبان له في الثقات، ولم أجد له متابعا في زيادة قد اتخذوا القرآن أغاني والقصة في الصحيحين وغيرهما بدونها فهي شاذة أو منكرة جاء في تحرير التقريب: نَوْفَل بن إِياس الهُذَلي، المدني: مقبولٌ، من الثانية. تم.
• بل: مجهولٌ، فقد تفرد بالرواية عنه مسلم بن جندب الهذلي، وذكره ابن حبان وحده في "الثقات"، وقال أبو جعفر الطبري: غير معروف في نقلة العلم والآثار (٣)
٣ - تفسير كلام مالك وأحمد في كراهة القراءة بالألحان.
وقد بين ابن رشد الجد تفسير كراهة ذلك بما يفهم منه أن الذم إنما هو
стр. 372
إن قصد به الصوت فقط، أما لو قصد استدعاء الخشوع ورقة القلب لسماع الصوت الحسن في القرآن فهذا لا يشمله (١)
وبين ابن قدامة أن الذي كرهه أحمد هو الإفراط (٢).
المسألة الخامسة: صلاة التراويح عبر البث لمن بجوار المسجد في جائحة كورونا وجوازه للنساء.
في زمن جائحة كورونا الوبائية كثرت التساؤلات عن حكم صلاة شخص التراويح من منزله، أو شقته في العمارة بجيرانه عبر مكبر الصوت أو الصوت والصورة.
стр. 373
فنقول:
تأصيل المسألة:
من خلال الأسئلة التأصيلية الخمسة، فإن نظر الفقيه هنا يتركز على نوع المسألة وصورتها الشرعية التي تشكل منها الماهية التي شرعت.
فمعرفة نوع المسألة يختلف معه النظر والبناء الفقهي ومعرفة الصورة والماهية الشرعية
هي المحددة لما يكون جزء صحة أو فساد. ويتعلق بهذا سؤال الماهية.
فنوع مسألتنا هي صلاة الجماعة. وهي من نوع العبادة المحض في كيفيتها وأحكامها.
وما كان كذلك فهو محكوم بأصول الاتباع فقط وترك الابتداع.
وأما صورتها الشرعية التي تتركب منها الماهية التي تتعلق بها الصحة والفساد
فهي: إمام ومأموم، أو مأمومين أو أكثر بكيفية شرعية معينة في الصفوف ومتابعة الإمام.
وموقف الإمام والماموم.
وليس في العدد توقيف فهي تصح من اثنين فصاعدا.
وفي كيفية الوقوف مع الإمام الوارد أن الصورة الشرعية التي تشكل ماهية صلاة الجماعة
أن المنفرد يقف عن يمين الإمام وأن ما فوقه يصفون خلفه. وأن النساء تكون خلف الرجال.
وأن المأموم يتابع الإمام ولا يخالفه ولا يسابقه. وأن الجماعة تكون باجتماعهم في مكان واحد.
وتكون مع العلم بصلاة الإمام أو من قبله من الصفوف.
والحاصل أن هذه المسألة راجعة إلى أن العبادة المحضة يلزم فيها الاتباع والتوقف عند ذلك.
стр. 374
وهذا الأصل قطعي في الكيفيات والأعداد والشروط والأركان والسنن والماهيات الشرعية
لعموم جزئي: صلوا كما رأيتموني أصلي
وعموم كلي: من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد
وعموم كلي آخر: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا
ويشمل الاتباع المحض: كيفية الصلاة من التكبير إلى التسليم وما يتعلق بها من شرط القبلة والستر والوضوء.
ويشمل: هيئة صلاة الجماعة وصورتها الشرعية التي وردت عن النبي ﵊
وورد ما يدل على صحة صلاة الجماعة ولو بحائل عن الإمام في مكان متحد.
والدليل على هذا ما جاء في صحيح البخاري عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل في حجرته، وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص النبي ﷺ ، فقام أناس يصلون بصلاته (١)
وفي المستدرك على الصحيحين للحاكم عن عائشة، قالت: «صلى رسول الله ﷺ في حجرته، والناس يأتمون به من وراء الحجرة» هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه " (٢)
وصلت عائشة وأسماء الكسوف مع رسول الله من حجرتها كما في صحيح البخاري (٣)
وتعددت الروايات في ذلك لتعدد الأحوال كما قال ابن الملقن (٤)
стр. 375
قال: وفي رواية يحيى بن سعيد عن عمرة عنها: صلى في حجرتي والناس يأتمون به من وراء الحجرة، يصلون بصلاته قال: فلعلها كانت أحوالًا.
والحجرة: البيت وكل موضع حجر عليه فهو حجرة. انتهى كلامه
فدلت هذه النصوص على حصول المتابعة والجماعة بهذه الصورة.
وفرض أن يتابع المأموم إمامه لعموم (إنما جعل الإمام ليؤتم به)
والمتابعة لا تكون إلا بمشاهدة أو سماع صوت.
ولابد أن يكون من صلى بصلاته في الحجرة سامعا للنبي ﷺ .
ويجوز أن يكون الإمام مرتفعا أو المأموم كما دل عليه حديث المنبر وارتفاعه ﵊ على أصحابه، فتحصل من هذه الأدلة أن صورة صلاة الجماعة المنقولة عن النبي ﷺ
هي الاجتماع في مكان واحد أو ما اتصل به من البيوت كبيوته ﵊
فهذا يسمى جماعة في الشرع بلا شك، هذه هي الصورة الشرعية.
وقد أجمع العلماء أنه مع اتصال الصفوف تصح الجماعة مهما تباعدت.
وهذه صورة إجماعية أخرى.
والحاصل من هذا التأصيل:
_ أن من صلى مع الإمام في المسجد أو ملحقاته الملصقة به مع علم بصلاة الإمام فهذه صورة شرعية تصح بها الصلاة.
_ إذا امتدت الصفوف جازت الجماعة مهما امتدت الصفوف واتصلت لدلالة الاجماع.
_ من صلوا في غير المسجد فالجماعة ما جمعهم المكان عرفا مع إمكان العلم بالإمام فصلاة الجماعة الشرعية: الصلاة خلف إمام يجمعهم المكان الواحد عرفا بكيفية معينة مع إمكان العلم بأفعال الامام.
стр. 376
وإنما قلنا خلف إمام في مكان واحد لأن هذه هي الصورة المنقولة عن النبي ﷺ
وهو يقول: (صلوا كما رأيتموني أصلى) (ومن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)
ولأن كيفية العبادة توقيفي يحرم تغييره ومن كيفية ذلك الكيفية في صلاة الجماعة.
فإن صلاها في بيته اقتداء بجماعة المسجد بسماع مكبرات الصوت أو البث المباشر
فقد خالف الصورة الشرعية التي تحدد الماهية الشرعية المتعلقة بالصحة
وخالف سائر الأصول المتقدمة (صلوا كما رأيتموني أصلى)
وقد أحدث في الدين ما ليس منه وغير في كيفية صلاة الجماعة وصورتها، وإنما استثنينا صورة الملاصق لورود ذلك عن نسائه ﷺ ، فلا يتعدى لأوسع من ذلك.
فكل من صلى بصلاة الإمام وهو في بيته غير ملاصق للمسجد فليس في جماعة
بل اسمه الشرعي مصل في بيته، فيشمله نص الحديث في التهديد. (لقد هممت أن أحرق على الذين يصلون في بيوتهم)، ولأنه هدم لمقصود صلاة الجماعة وتعطيل للمسجد.
أما الملاصق للمسجد فيجوز وما سوى ذلك خروج عن الصورة الشرعية لصلاة الجماعة
إلا إن اتصلت الصفوف وتتابعت في الشوارع فمن صلى في دكانه وحجرته معهم فهو في جماعة لاتصال الصفوف لأن الاجماع منعقد على أن اتصال الصفوف مهما امتد تصح به الجماعة
فدلالة الاجماع تدل على هذه الصورة.
ويلحق بهذه الصور ما أفتى بها العلماء السابقون من الاجتماع العرفي في مكان واحد مع إمكان العلم بصلاة الإمام.
لأن هذه الصور مبنية على الاجتماع في مكان واحد عرفا.
وعلى هذا لا يجوز الاقتداء إن تباعدت المسافات عرفا ولا عبر التلفاز
стр. 377
لأن هذا خارج
عن الصورة الشرعية المنقولة وهي: الاجتماع في مكان واحد وما في معناه عرفا وخارج عن دلالة الإجماع.
والجماعة مشتقة من الاجتماع في مكان واحد وما كان له نفس المعنى شرعا عرفا وليس كذلك الصلاة مع التلفاز والمذياع أو الاماكن المتباعدة.
وليست الصورة المصححة لصلاة الجماعة هي مجرد سماع الصوت، لأنه لو كان كذلك لأجزنا تغيير صلاة الجماعة كأن يصلى الإمام خلف الصفوف.
وأن يصلي المأمومين فرادى متناثرين بصورة عشوائية مع الامام بلا صفوف.
وأن يسبق الإمام من شاء أو يتأخر ما شاء، ولا يلتزموا بمتابعته، لأن المطلوب فقط هو المتابعة بالسماع. وهذا لا يقوله ناظر ولا عاقل من أهل الإسلام
فصلاة الجماعة لها صورة منقولة عن النبي ﷺ توقيفية لا تصح إلا بها.
وتشمل الصورة الكيفية المعينة في مكان متصل عرفا مع العلم بصلاة الإمام.
والدليل على أن اتحاد المكان جزء علة من الصورة الشرعية ما قدمنا من الأصول الجزئية والكلية
كقوله ﵊ صلوا كما رأيتموني أصلي وحديث من أحدث
وحديث صلاة نسائه من الحجرة.
والاجماع على جواز الجماعة حال اتصال الصفوف. ولو تباعدت
فهذ أصول الاستدلال من النص والاجماع
فتبين من هذا أن العلم بصلاة الإمام جزء علة لا كل العلة.
النقل عن العلماء في مثل المسألة:
وجميع العلماء لم يخرجوا عن هذه المراتب في كيفية صلاة الجماعة
١_ الصلاة مع الإمام في المسجد
٢_ الصلاة معه في غير المسجد
стр. 378
٣_ الصلاة معه وهو في المسجد والمأموم خارجه
٤_ صحة الجماعة حال اتصال الصفوف مطلقا أعني مهما امتدت في الصور الثلاثاء
وجميع هذه الصور جامعة للكيفية الشرعية لصلاة الجماعة وهي اجتماع الإمام والمأموم في مكان واحد حقيقة أو عرفا.
أما حقيقية فالصورة الأولى والثانية، أما عرفا فإن تباعد ما بينهما بما يطلق عليه اسم الاجتماع عرفا مع إمكان العلم بصلاة الامام
وحاصل: الصورة الشرعية لما يسميه الشرع صلاة الجماعة هي:
اقتداء مأموم بإمام يعلم صلاة إمامه مع اتصال الصفوف بما يسمى اتصالا في العرف.
وقدر الشافعية ذلك: بحيث لا يكون بينه وبين الإمام أكثر من ثلاث مئة ذراع أو بينه وبين آخر صف لأن ما فوق ذلك يكون منفصلا لا متصلا عرفا.
وشرطوا السماع أو المشاهدة وفرعوا على العلة إن صلى مع وجود جدار فاصل ليس له منفذ إلى الرحبة أو المسجد فلا تصح الجماعة لأنه غير متصل عرفا.
وقد جوز العلماء صورا كثيرة تدل على ما قلنا وهذه بعض نصوصهم
قال النووي: يشترط أن لا تطول المسافة بين الإمام والمأمومين إذا صلوا في غير المسجد وبه قال جماهير العلماء وقدر الشافعي القرب بثلثمائة ذراع وقال عطاء يصح مطلقا وإن طالت المسافة ميلا وأكثر إذا علم صلاته (الثانية) لو حال بينهما طريق صح الاقتداء عندنا وعند مالك والأكثرين: وقال أبو حنيفة لا يصح لحديث رووه مرفوعا " من كان بينه وبين الإمام طريق فليس مع الإمام " وهذا حديث باطل لا أصل له وإنما يروى عن عمر من رواية ليث بن أبي سليم عن تميم وليث ضعيف وتميم مجهول (الثالثة) لو صلى في دار أو نحوها بصلاة الإمام في المسجد وحال بينهما
стр. 379
حائل لم يصح عندنا وبه قال أحمد وقال مالك تصح إلا في الجمعة وقال أبو حنيفة تصح مطلقا (الرابعة) يشترط لصحة الاقتداء علم المأموم بانتقالات الإمام سواء صليا في المسجد أو في غيره أو أحدهما فيه والآخر في غيره وهذا مجمع عليه قال أصحابنا ويحصل له العلم بذلك بسماع الإمام أو من خلفه أو مشاهدة فعله أو فعل من خلفه ونقلوا الإجماع في جواز اعتماد كل واحد من هذه الأمور فلو كان المأموم أعمى اشترط أن يصلي بجنب كامل ليعتمد موافقته مستدلا بها (١) انتهى كلامه
وذكر الفقهاء صورا للمسألة تدور حول إمكان السماع والمشاهدة وهو تنزيل على واقعهم القديم حيث أن العلم بصلاة الإمام لا تكون إلا مع قرب المكان، فكان هذا القرب مرتبطا بإمكان السماع والمشاهدة، وجميع الصور تدور حول هذا القرب وهذا الشرط.
وتنزيله على واقعهم مقارب والفتوى تختلف زمانا ومكانا فثم صور في عصرنا وواقعنا يمكن القول بجوازها لمساواتها للصلاة في أبيات النبي ﵊
وصور يمكن قياسها بموجب العلة المركبة وهو اتحاد المكان والسماع.
وهذا الاتحاد هو ما تكلم عنه العلماء وضبطوه بالعرف كما الشافعية أو بإمكان السماع والمتابعة كالمالكية وغيرهم.
فمن نص على السماع أو المشاهدة تضمن كلامه في جميع المذاهب أن يكون المكان متحدا
لاستحالة السماع مع عدم اتحاد المكان.
فلا يمكن التخريج على مذهب من علل بإمكان السماع والمشاهدة على واقعنا؛ لأنهم اعتبروا واقعهم في التنزيل والفتوى.
стр. 380
أما أن ننزله على واقعنا وندعي أنه مذهب فلان أو مخرج على كلامه، فهذا ادعاء وجمود.
أما الادعاء فلأن المذاهب لم تقل به، أما الجمود فلأن النص على إمكان السماع متضمن لواقع الفتوى في ذلك بلا شك.
فأبو حنفية ومالك والشافعي وأحمد إنما أفتوا بما رأوا وعلموا من واقعهم ولم يقل واحد من المذاهب أنه لو صلى في المشرق أو المغرب وسمع الصوت، لأنه محال في عصرهم.
فكانت فتاواهم متضمنة للمكان وما دل على اتحاده والقرب وهو السماع
وسأسوق لك طرفا من هذا.
فبعد أن بين ابن قدامة أن الصلاة خارج المسجد متابعة للإمام شرطها اتصال الصفوف ضبط معنى الاتصال بالعرف قائلا: المغني لابن قدامة (٣/ ٤٤ ت التركي):
قال في اشتراط الاتصال: «وإن كان المأموم في غير المسجد أو كانا جميعا في غير مسجد، صح أن يأتم به، سواء كان مساويا للإمام أو أعلى منه، كثيرا كان العلو أو قليلا، بشرط كون الصفوف متصلة ويشاهد من وراء الإمام» المغني لابن قدامة (٣/ ٤٥ ت التركي):
قال في ضبط الاتصال: «فإن معنى اتصال الصفوف أن لا يكون بينها (٥) بعد لم تجر العادة به، ولا يمنع إمكان الاقتداء. وحكى عن الشافعي أنه حد الاتصال بما دون ثلاث مائة ذراع. والتحديدات بابها التوقيف، والمرجع فيها إلى النصوص والإجماع، ولا نعلم في هذا نصا نرجع إليه ولا إجماعا نعتمد عليه، فوجب الرجوع فيه إلى العرف، كالتفرق والإحراز، والله أعلم» ثم فرع على هذا الجواز عند الأربعة في صورة الصلاة على السفينتين أو فصل نهر أو طريق خلافا للحنفية في الطريق.
стр. 381
وانظر إلى نص مالك اشتراط القرب في السفينتين، ويفتي في غير الجمعة بجواز صلاة من في الدور بشرط العلم بصلاة الإمام. (١)
وعند جمع أطراف كلامهم نجدهم تارة يتكلمون عن القرب ويضبطونه بالعرف وتارة بالسماع والعلم بصلاة الإمام.
стр. 382
والحقيقة أنه لا تعارض أبدا في كلامهم جميعا، لأن ما نصوا عليه من القرب متضمن للعلم بصلاة الإمام وما نصوا عليه من العلم متضمن للقرب، لأن هذا منزل على واقعهم
وخلاصة المسألة
١_ أن صلاة التراويح عبر البث المباشر من المسجد إلى البيوت المجاورة، أو البعيدة خارج عن التنزيل الفقهي المتقدم في المذاهب الفقهية، لأن اشتراطاتها تؤول إلى القرب واتحاد المكان نصا أو تضمنا.
٢_ أن الصورة الجائزة هي حال التصق البيت بالمسجد.
٣_ جيران المسجد المباشرين يمكنهم للحاجة الصلاة مع الامام بسماع المكرفون
والحاجة كما حصل في جائحة كورونا.
والدليل على ذلك أن الجيران المباشرين يجمعهم المكان ويتصل مع المسجد فإن أمكن السماع قرب في الجواز قياسا على فتاوى المذاهب السالفة.
٤_ من بعد من المسجد أو اختلفت الحارة أو المدينة أو الدولة فلا يجوز له الاقتداء بإمام في حارة أخرى أو مدينة أو دولة أخرى، وهو خارج عن جميع المذاهب، والقول بذلك إحداث في الشريعة التوقيفية، ومن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد.
وبالله التوفيق.
المسألة السادسة: الاستراحة والموعظة بين الركعات:
الاستراحة كل أربع ركعات وتسمى الترويحة ثبتت على عهد الصحابة أيام عمر رضي الله تعالى عنه، فقد قال ابن أبي الدنيا في فضائل رمضان: حدثنا هاشم بن الوليد، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: أخبرني الربيع بن سحيم، عن زيد بن وهب، قال: «كان عمر يروحنا في رمضان ما يذهب رجل إلى سلع من المسجد»
стр. 383
قال أبو زكريا: هذا إسناد حسن صحيح (١)
وهذه الاستراحة اتفقت عليها المذاهب الأربعة.
فاستحبها الحنفية فنصوا على أنه " (يجلس) ندبا (بين كل أربعة بقدرها وكذا بين الخامسة والوتر) ويخيرون بين تسبيح وقراءة وسكوت، وصلاة فرادى" (٢).
وقال الحنابلة: "ويستراح بين كل أربع ركعات بجلسة يسيرة، (ولا بأس بترك استراحة) بينها، (ولا يسن دعاء إذا استراح) لعدم وروده" (٣).
وذكرها المالكية، والشافعية في سبب التسمية (٤).
стр. 384
وعللت المذاهب فعلها بأنها متوارث عن السلف.
قال الحافظ: "والتراويح جمع ترويحة وهي المرة الواحدة من الراحة كتسليمة من السلام سميت الصلاة في الجماعة في ليالي رمضان التراويح لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين، وقد عقد محمد بن نصر في قيام الليل بابين لمن استحب التطوع لنفسه بين كل ترويحتين ولمن كره ذلك وحكى فيه عن يحيى بن بكير عن الليث أنهم كانوا يستريحون قدر ما يصلي الرجل كذا كذا ركعة" (١).
حكم الموعظة بين التروايح:
ولم ينص فقهاء المذاهب على حكم الموعظة بين الأربع، وهي أمر معاصر يعمل في الكثير من المساجد في العالم الإسلامي وليس هناك ما يدل على منعه لتعلقه بمصلحه شرعية يعلم فيها الناس ويفقهون وترقق قلوبهم والمصالح الشرعية مطلوبة.
والدعوة والوعظ عمل صالح أمر الله به على وجه عام ﴿وَذَكِّرْ، فإن الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥].
فاستغلال استراحة المصلين بعد الأربع داخل تحت العموم خاصة والجمع كثير والقلوب مقبلة على العلم والتذكير.
وقد نص فقهاء الحنفية على إشغال ذلك الوقت بالتسبيح ونحوه مع أنه غير وارد بالنص في هذا الموضع، لكنه من عموم العمل الصالح.
ومن قال هو بدعة قيل له ما قال عمر لما جمع الناس على قارئ في التراويح نعمت البدعة. (٢)
стр. 385
المسألة السابعة: القراءة في الصلاة من المصحف والجوال ومتابعة الإمام كذلك
الأصول في هذه المسألة أن العمل في الصلاة بما هو من مصلحة الصلاة، ولا يخل بركن، أو يخرجها عن هيئة الصلاة، جائز هذا هو الأصل.
عارضه القياس، وهو أن التعلم في الصلاة يخرجها عن حقيقتها والقراءة في المصحف تعلم فلذلك تفسد الصلاة به، أما إن حمله فهو عمل لا من الصلاة وتعلم.
وقد ذهب على هذا القياس أبو حنفية فقال بفساد الصلاة بالقراءة من المصحف، أو حمله (١)، فإن كان حافظا وقرأ من المصحف بلا حمل فلا تبطل ولم يسبق إلى هذا القول قال محمد بن نصر: ولا نعلم أحدا قبل أبي حنيفة أفسد صلاته، إنما كره ذلك قوم لأنه من فعل أهل الكتاب فكرهوا لأهل الإسلام أن يتشبهوا بهم، فأما إفساد صلاته فليس لذلك وجه نعلمه لأن قراءة القرآن هي من عمل الصلاة ونظره في المصحف كنظره إلى سائر الأشياء التي ينظر إليها في صلاته، ثم لا يفسد صلاته بذلك في قول أبي حنيفة وغيره (٢).
وخالفه صاحباه والجمهور من المذاهب الثلاثة (٣) فقالوا بعدم فساد
стр. 386
الصلاة بالقراءة من المصحف، ولا بحمله، وإن كان مكروها عند بعضهم كالمالكية لكثره الشغل بذلك ويكره عند صاحبي أبي حنيفة إن قصد التشبه بأهل الكتاب.
وقال بالبطلان ابن حزم؛ لأنه عمل ليس من الصلاة (١).
ووردت القراءة في المصحف عن عائشة ﵂ كان يؤمها غلام لها في المصحف، وكان يقال له ذكوان في رمضان بالليل.
وسئل ابن شهاب ﵀ عن الرجل يؤم الناس في رمضان في المصحف قال: "ما زالوا يفعلون ذلك منذ كان الإسلام، كان خيارنا يقرءون في المصاحف".
عن سعيد بن المسيب ﵀ في الذي يقوم في رمضان: "إن كان معه ما يقرأ به في ليلة، وإلا فليقرأ في المصحف" (٢).
وعليه فيجوز الصلاة من المصحف وحمله وتقليب ورقه ومن الجوال وتحريك شاشته بأصبعه ومن المصحف بين يديه ومن الحاسوب الموضوع أمامه.
المسألة الثامنة: إطفاء الأنوار في صلاة التراويح والقيام طلبا للخشوع
هذه المسألة من المسائل التي ليس فيها نص والذي يوافق أصول الشرع أن يقال إنه مباح، وقد كان ﷺ يصلي في الظلام صلاة الليل؛ لأن البيوت ليس فيها مصابيح كما في حديث عائشة والعلة عدم التوسع في استعمال المصابيح.
стр. 387
وأما القول بأن ذلك بدعة فبعيد عن أصول الشرع؛ لأن الإضاءة أو الإظلام لا علاقة له بصحة صلاة ولا بطلانها، ولا هو سنة ولا واجب؛ بل أمر مباح.
﴿وقد نزع النبي ﷺ الأنبجانية، وقال ألهتني آنفا عن صلاتي﴾ (١)، مع أن لبسها مباح.
فامتنع من المباح لإلهائه في صلاته.
وإضاءة الكهرباء وإطفاؤها من المباح، فإن كان إطفاء الأنوار أثناء صلاة القيام أدعى للخشوع فهو أمر لا ينكره الشرع، ولا يأمر به.
بل لو قيل بأنه أقرب لأصول الشرع في هذه الحالة لكان أولى قياسًا على الأنبجانية.
ويشبه هذا ما أخرجه الخلال: سئل الإمام أحمد عن القوم، يجتمعون ويقرأ لهم القارئ قراءة حزينة، فيكون ربما أطفئوا السرج، فقال لي أحمد: إن كان يقرأ قراءة أبي موسى فلا بأس. (٢)
стр. 388
المبحث الثاني: ليلة القدر ومتى تكون وتأثير التقدم التقني في ذلك
الكلام عن ليلة القدر يكون من حيث معنى التسمية والفضل ومتى تكون والعلامة وتأثير التقدم التقني
المطلب الأول: معنى ليلة القدر
القدر في اللغة يطلق على الشرف والمنزلة الرفيعة ويطلق على الحكم والقضاء والتضييق.
وهذه المعاني اللغوية أراد العلماء انتزاع معنى للتسمية من خلالها في أقوال بحسب المنزع اللغوي.
١ - أنها بمعنى ليلة التشريف والمنزلة الرفيعة؛ لأن الله أنزل فيها القرآن وتنزل فيه الملائكة والروح فيها ومن يحيها ينال من ذلك القدر والمنزلة عند الله.
٢ - أنها بمعنى التضييق ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أي ضُيِّقَ (١) وتعني أنه ليلة ضيق علمها، أو تضيق الأرض بالملائكة لكثرتهم.
٣ - ، أو أنها من القضاء والحكم فالله -سبحانه- يقدر الأقدار فيها (٢).
قال العلماء: وسميت ليلة القدر لما يكتب فيها للملائكة من الأقدار
стр. 389
والأرزاق والآجال التي تكون في تلك السنة كقوله -تعالى-: فيها يفرق كل أمر حكيم وقوله -تعالى-: تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ومعناه يظهر للملائكة ما سيكون فيها ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم وكل ذلك مما سبق علم الله تعالى به وتقديره (١).
وقال التوربشتي: إنما جاء القدر بسكون الدال وإن كان الشائع في القدر الذي هو مؤاخي القضاء فتح الدال ليعلم أنه لم يرد به ذلك وإنما أريد به تفصيل ما جرى به القضاء وإظهاره وتحديده في تلك السنة لتحصيل ما يلقى إليهم فيها مقدارا بمقدار (٢).
المطلب الثاني: تحري ليلة القدر وطلبها
ثبتت النصوص عن النبي صلى الله عليه أنه أمر بتحريها بقوله: ﴿تحروها، التمسوها ابتغوها﴾. وكلها في الصحيحين، وهو أمر ترغيب وحث.
وثبت من فعله ﷺ أنه كان يتحراها وثبت أنه اعتكف في العشر الوسطى، ثم في الأواخر، وكان يلتمس ليلة القدر (٣).
فعن أبي سعيد الخدري ﵁: ﴿كان رسول الله ﷺ يجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر، فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين، رجع إلى مسكنه، ورجع من كان يجاور معه، وأنه أقام في شهر جاور فيه الليلة التي كان يرجع فيها، فخطب الناس، فأمرهم ما شاء الله، ثم قال: كنت أجاور هذه العشر، ثم قد بدا لي أن أجاور هذه
стр. 390
العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه، وقد أريت هذه الليلة، ثم أنسيتها، فابتغوها في العشر الأواخر، وابتغوها في كل وتر، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين فاستهلت السماء في تلك الليلة فأمطرت، فوكف المسجد في مصلى النبي ﷺ ليلة إحدى وعشرين، فبصرت عيني نظرت إليه﴾ (١).
في البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد: حدثنا إسماعيل بن جعفر: حدثنا أبو سهيل، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: ﴿تحروا ليلة القدر في الوتر، من العشر الأواخر من رمضان﴾ (٢).
عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: ﴿التمسوا﴾ (٣).
عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: ﴿التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى﴾ (٤).
عن عبادة بن الصامت قال: ﴿خرج النبي ﷺ ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة﴾ (٥).
وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود: حدثنا عبد الواحد: حدثنا عاصم، عن أبي مجلز وعكرمة: قال ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ : ﴿هي في العشر، هي في تسع يمضين، أو في سبع يبقين﴾، يعني ليلة