الصلاة بالقراءة من المصحف، ولا بحمله، وإن كان مكروها عند بعضهم كالمالكية لكثره الشغل بذلك ويكره عند صاحبي أبي حنيفة إن قصد التشبه بأهل الكتاب.
وقال بالبطلان ابن حزم؛ لأنه عمل ليس من الصلاة (١).
ووردت القراءة في المصحف عن عائشة ﵂ كان يؤمها غلام لها في المصحف، وكان يقال له ذكوان في رمضان بالليل.
وسئل ابن شهاب ﵀ عن الرجل يؤم الناس في رمضان في المصحف قال: "ما زالوا يفعلون ذلك منذ كان الإسلام، كان خيارنا يقرءون في المصاحف".
عن سعيد بن المسيب ﵀ في الذي يقوم في رمضان: "إن كان معه ما يقرأ به في ليلة، وإلا فليقرأ في المصحف" (٢).
وعليه فيجوز الصلاة من المصحف وحمله وتقليب ورقه ومن الجوال وتحريك شاشته بأصبعه ومن المصحف بين يديه ومن الحاسوب الموضوع أمامه.
المسألة الثامنة: إطفاء الأنوار في صلاة التراويح والقيام طلبا للخشوع
هذه المسألة من المسائل التي ليس فيها نص والذي يوافق أصول الشرع أن يقال إنه مباح، وقد كان ﷺ يصلي في الظلام صلاة الليل؛ لأن البيوت ليس فيها مصابيح كما في حديث عائشة والعلة عدم التوسع في استعمال المصابيح.
стр. 387
وأما القول بأن ذلك بدعة فبعيد عن أصول الشرع؛ لأن الإضاءة أو الإظلام لا علاقة له بصحة صلاة ولا بطلانها، ولا هو سنة ولا واجب؛ بل أمر مباح.
﴿وقد نزع النبي ﷺ الأنبجانية، وقال ألهتني آنفا عن صلاتي﴾ (١)، مع أن لبسها مباح.
فامتنع من المباح لإلهائه في صلاته.
وإضاءة الكهرباء وإطفاؤها من المباح، فإن كان إطفاء الأنوار أثناء صلاة القيام أدعى للخشوع فهو أمر لا ينكره الشرع، ولا يأمر به.
بل لو قيل بأنه أقرب لأصول الشرع في هذه الحالة لكان أولى قياسًا على الأنبجانية.
ويشبه هذا ما أخرجه الخلال: سئل الإمام أحمد عن القوم، يجتمعون ويقرأ لهم القارئ قراءة حزينة، فيكون ربما أطفئوا السرج، فقال لي أحمد: إن كان يقرأ قراءة أبي موسى فلا بأس. (٢)
стр. 388
المبحث الثاني: ليلة القدر ومتى تكون وتأثير التقدم التقني في ذلك
الكلام عن ليلة القدر يكون من حيث معنى التسمية والفضل ومتى تكون والعلامة وتأثير التقدم التقني
المطلب الأول: معنى ليلة القدر
القدر في اللغة يطلق على الشرف والمنزلة الرفيعة ويطلق على الحكم والقضاء والتضييق.
وهذه المعاني اللغوية أراد العلماء انتزاع معنى للتسمية من خلالها في أقوال بحسب المنزع اللغوي.
١ - أنها بمعنى ليلة التشريف والمنزلة الرفيعة؛ لأن الله أنزل فيها القرآن وتنزل فيه الملائكة والروح فيها ومن يحيها ينال من ذلك القدر والمنزلة عند الله.
٢ - أنها بمعنى التضييق ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أي ضُيِّقَ (١) وتعني أنه ليلة ضيق علمها، أو تضيق الأرض بالملائكة لكثرتهم.
٣ - ، أو أنها من القضاء والحكم فالله -سبحانه- يقدر الأقدار فيها (٢).
قال العلماء: وسميت ليلة القدر لما يكتب فيها للملائكة من الأقدار
стр. 389
والأرزاق والآجال التي تكون في تلك السنة كقوله -تعالى-: فيها يفرق كل أمر حكيم وقوله -تعالى-: تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ومعناه يظهر للملائكة ما سيكون فيها ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم وكل ذلك مما سبق علم الله تعالى به وتقديره (١).
وقال التوربشتي: إنما جاء القدر بسكون الدال وإن كان الشائع في القدر الذي هو مؤاخي القضاء فتح الدال ليعلم أنه لم يرد به ذلك وإنما أريد به تفصيل ما جرى به القضاء وإظهاره وتحديده في تلك السنة لتحصيل ما يلقى إليهم فيها مقدارا بمقدار (٢).
المطلب الثاني: تحري ليلة القدر وطلبها
ثبتت النصوص عن النبي صلى الله عليه أنه أمر بتحريها بقوله: ﴿تحروها، التمسوها ابتغوها﴾. وكلها في الصحيحين، وهو أمر ترغيب وحث.
وثبت من فعله ﷺ أنه كان يتحراها وثبت أنه اعتكف في العشر الوسطى، ثم في الأواخر، وكان يلتمس ليلة القدر (٣).
فعن أبي سعيد الخدري ﵁: ﴿كان رسول الله ﷺ يجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر، فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين، رجع إلى مسكنه، ورجع من كان يجاور معه، وأنه أقام في شهر جاور فيه الليلة التي كان يرجع فيها، فخطب الناس، فأمرهم ما شاء الله، ثم قال: كنت أجاور هذه العشر، ثم قد بدا لي أن أجاور هذه
стр. 390
العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه، وقد أريت هذه الليلة، ثم أنسيتها، فابتغوها في العشر الأواخر، وابتغوها في كل وتر، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين فاستهلت السماء في تلك الليلة فأمطرت، فوكف المسجد في مصلى النبي ﷺ ليلة إحدى وعشرين، فبصرت عيني نظرت إليه﴾ (١).
في البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد: حدثنا إسماعيل بن جعفر: حدثنا أبو سهيل، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: ﴿تحروا ليلة القدر في الوتر، من العشر الأواخر من رمضان﴾ (٢).
عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: ﴿التمسوا﴾ (٣).
عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: ﴿التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى﴾ (٤).
عن عبادة بن الصامت قال: ﴿خرج النبي ﷺ ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة﴾ (٥).
وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود: حدثنا عبد الواحد: حدثنا عاصم، عن أبي مجلز وعكرمة: قال ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ : ﴿هي في العشر، هي في تسع يمضين، أو في سبع يبقين﴾، يعني ليلة
стр. 391
القدر قال عبد الوهاب عن أيوب وعن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس: التمسوا في أربع وعشرين (١).
المطلب الثالث: متى تكون؟
اختلف في تحديد وقتها على أقوال كثيرة حتى أوصلها الحافظ إلى خمسة وأربعين قولا.
ووقد تتبعت الأدلة لهذه الأقوال في كتب السنة تتبعا طويلا وحاصل ذلك:
١ - أنها في العشر الأواخر:
وعلى هذا دلت الأحاديث الصحيحة:
- حديث ابن عمر، ﴿فمن كان متحريها فليتحرها من العشر الأواخر﴾ (٢).
- وحديث: ﴿من كان ملتمسها فليلتمسها في العشر الأواخر﴾ (٣).
- وحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿أريت ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي، فنسيتها فالتمسوها في العشر الغوابر﴾ (٤).
- وأبي سعيد: ﴿فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر﴾ (٥).
- وحديث: ﴿فابتغوها في العشر الأواخر، وابتغوها في كل وتر﴾ (٦).
стр. 392
- عن عائشة قالت: ﴿كان رسول الله ﷺ يجاور في العشر الأواخر من رمضان، ويقول: تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان﴾ (١).
- عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: ﴿التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى﴾ (٢).
٢ - أن أرجى ما تكون في الأوتار لأمرين:
الأول: وردود الأمر بذلك صريحا في الأوتار على وجه العموم:
- في حديث ابن عمر: ﴿فاطلبوها في الوتر منها﴾ (٣).
- وفي حديث أبي سعيد السابق ﴿فابتغوها في العشر الأواخر، وابتغوها في كل وتر﴾.
الثاني: النصوص الصحيحة الثابتة التي عينت بعض الليالي الوترية
• نصت على ليلة واحد وعشرين:
كما في حديث أبي سعيد: ﴿فقيل لي: إنها في العشر الأواخر فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف، فاعتكف الناس معه، قال: وإني أربئتها ليلة وتر، وإني أسجد صبيحتها في طين وماء، فأصبح من ليلة إحدى وعشرين، وقد قام إلى الصبح فمطرت السماء، فوكف المسجد فأبصرت الطين والماء، فخرج حين فرغ من صلاة الصبح، وجبينه وروثة أنفه فيهما الطين والماء، وإذا هي ليلة إحدى وعشرين من العشر الأواخر﴾ (٤).
• وليلة ثلاث وعشرين:
- كما في حديث، عن عبد الله بن أنيس أن رسول الله ﷺ قال: ﴿أريت ليلة
стр. 393
القدر، ثم أنسيتها وأراني صبحها أسجد في ماء وطين، قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين فصلى بنا رسول الله ﷺ ، فانصرف، وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه﴾. قال:، وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاث وعشرين﴾ (١).
- وجاء في سنن أبي داوود أنه سأل النبي ﷺ فدله على الثالثة والعشرين فلزمها.
- عبد الله بن أنيس ﵁ قال: ﴿قلتُ: يا رسول الله، إن لي بادية أكون فيها، وأنا أصلِّي فيها بحمد الله، فمُرني بليلة أنزِلُها إلى هذا المسجد، فقال: انزل ليلة ثلاث وعشرين، قيل لابنه: كيفَ كانَ أبوك يصنعُ؟ قال: كان يدخلُ المسْجِدَ إذا صلَّى العصرَ، فلا يخرجُ منه لحَاجَة حتى يصليَ الصُّبْحَ، فإذا صلَّى الصُّبْحَ وجد دَابّتَه على بابِ المسجِدِ، فجلس عليها ولحِقَ ببادِيَتِه﴾ (٢) وهذا حديث حسن صحيح.
- وفي رواية ﴿الموطأ﴾: أنه قال لرسول الله ﷺ : إني رجل شَاسِعُ الدَّارِ، فمرني ليلة أنزل لها، فقال رسولُ الله ﷺ : ﴿انزِل ليلة ثلاث وعشرين من رمضان﴾ (٣).
• وليلة سبع وعشرين:
- كما في حديث زر بن حبيش يقول: ﴿سألت أبي بن كعب ﵁ فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر، فقال: ﵀ أراد أن لا يتكل الناس، أما إنه قد علم أنها في رمضان وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين، فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ قال: بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها﴾ (٤).
стр. 394
- وحديث معاوية بسند صحيح عن معاوية بن أبي سفيان، عن النبي ﷺ ﴿في ليلة القدر، قال: ليلة القدر ليلة سبع وعشرين﴾ (١).
- وحديث أبي ذر عند أحمد بسند صحيح عن أبي ذر، قال: ﴿قمنا مع رسول الله ﷺ ليلة ثلاث وعشرين في شهر رمضان، إلى ثلث الليل الأول، ثم قال: "لا أحسب ما تطلبون إلا وراءكم"، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قال: "لا أحسب ما تطلبون إلا وراءكم " فقمنا معه ليلة سبع وعشرين حتى أصبح وسكت﴾ (٢).
• كما نصت على الجملة على ليلة تاسعة وسابعة وخامسة:
- في حديث أبي سعيد ﴿فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة﴾، قال: قلت: يا أبا سعيد إنكم أعلم بالعدد منا، قال: أجل نحن أحق بذلك منكم، قال: قلت: ما التاسعة والسابعة والخامسة قال: إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها ثنتين وعشرين، وهي التاسعة فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة، فإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة﴾ (٣).
- وفي الحديث الصحيح عند أحمد: عن أبي بكرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿التمسوها في العشر الأواخر لتسع يبقين، أو لسبع يبقين، أو لخمس، أو لثلاث، أو آخر ليلة﴾ (٤).
فهذه النصوص ترجح أن أرجى ذلك يكون في أوتار العشر.
стр. 395
٣ - إنها تكون في الشفع والدليل على ذلك أمران:
الأول: ورود حديث عن النبي ﷺ يعين لأحد أصحابه ذلك:
عبد الله بن أنيس ﵁ قال: ﴿كنت في مجلس بني سَلِمَةَ وأنا أصغرهم، فقالوا: من يسألُ لنا رسولَ الله ﷺ عن ليلةِ القَدْرِ؟ وذلك صبيحة إحدى وعشرين من رمضان، فخرجتُ فوافيتُ مع رسولِ الله ﷺ صلاةَ المغرب، ثم قمتُ بباب بيته، فمرَّ بي، فقال: ادخل، فدخلتُ، فأُتيَ بعَشائه، فلقد كنتُ أكفُّ يدي عنه من قِلَّته، فلما فرغ قال: ناولني نَعْليَّ، فقام، وقمتُ معه، فلما خرجنا قال: كانت لك حاجة؟ فقلتُ: أجل، أرسَلَني إليك رهط من بني سلمة، يسألونك عن ليلة القَدْرِ؟ فقال: كم الليلة؟ قلتُ: اثنتان وعشرون، قال: هي الليلة، ثم رجع فقال: أو القابلة، يريد: ليلة ثلاث وعشرين﴾ أخرجه أبو داود.
وفي سنده ضمرة بن عبد الله بن أنيس لم يوثقه غير ابن حبان، وقال الحافظ فيه مقبول والقاعدة أنه من وثقه ابن حبان منفردا، وقال فيه الحافظ مقبول أنه صالح الحديث، أو حسن.
الثاني: ورود نصوص تدل على ذلك على وجه يحتمل أنها شفعية، أو وترية:
وهي: قوله ﷺ .
فمنها حديث أبي سعيد المتقدم في الصحيحين
وحديث حديث ابن عباس المتقدم
وحديث عن الصنابحي: ﴿أنه قال له: متى هاجرت؟ قال: خرجنا من اليمن مهاجرين، فقدمنا الجحفة، فأقبل راكب فقلت: له: الخبر؟ فقال: دفنا
стр. 396
النبي ﷺ منذ خمس، قلت: هل سمعت في ليلة القدر شيئا؟ قال: نعم، أخبرني بلال مؤذن النبي ﷺ : أنه في السبع في العشر الأواخر﴾ (١).
٤_ لم يصح نص عن النبي ﷺ أنها في غير العشر الأواخر ..
إلا حديث أنها في السابع عشر من رمضان: بسند صحيح ﴿عن ابن مسعود، قال: قال لنا رسولُ الله ﷺ : " اطلُبُوها ليلةَ سَبعَ عشرةَ من رمضان، وليلةَ إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين"، ثم سكت﴾ (٢).
٥_خلاصة ما تبين لي بعد البحث والتتبع في وقت ليلة القدر:
الذي يتبين مما سبق من التتبع أنها في العشر الأواخر لصراحة الأحاديث بذلك، وأنها تتنقل في العشر الأواخر وأن انتقالاتها بين الأوتار أكثر وأرجى لثبوت ذلك في الأحاديث الصريحة تعيينا لليلة واحد وعشرين وثلاث وعشرين وسبع وعشرين وليلة تسع وعشرين.
وأن انتقالها بين الشفع ثابت، لكنه أقل. يدل له حديث ابن أنيس وحديث في سابعة تبقى على اختلاف الحساب هذا خلاصة ما بحثته وتتبعت فيه الأقوال وكتب السنة في الصحيحين والمسانيد والسنن والزوائد. والله أعلم.
وخلاصة ما بحثه الحافظ ابن حجر "وأرجحها كلها أنها في وتر من العشر الأخير وأنها تنتقل كما يفهم من أحاديث هذا الباب وأرجاها أوتار العشر وأرجى أوتار العشر عند الشافعية ليلة إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين على ما في حديث أبي سعيد وعبد الله بن أنيس وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين".
стр. 397
ونقل الحافظ أن من قال بالتنقل في العشر الأخير كله قاله أبو قلابة ونص عليه مالك والثوري وأحمد وإسحاق وزعم الماوردي أنه متفق عليه وكأنه أخذه من حديث بن عباس أن الصحابة اتفقوا على أنها في العشر الأخير، ثم اختلفوا في تعيينها منه كما تقدم.
وأما الحنفية وجماعة فنقل عنهم القول أنها مبهمة في رمضان كله، "أنها مختصة برمضان ممكنة في جميع لياليه، وهو قول بن عمر رواه بن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه وروي مرفوعا عنه أخرجه أبو داود، وفي شرح الهداية الجزم به عن أبي حنيفة، وقال به بن المنذر والمحاملي وبعض الشافعية ورجحه السبكي في شرح المنهاج وحكاه بن الحاجب رواية، وقال السروجي في شرح الهداية قول أبي حنيفة إنها تنتقل في جميع رمضان، وقال صاحباه إنها في ليلة معينة منه مبهمة وكذا قال النسفي في المنظومة
وليلة القدر بكل الشهر … دائرة وعيناها فادر
وهذا القول حكاه بن العربي عن قوم (١).
قال الخطيب: وظاهر كلام المصنف انحصارها في العشر الأخيرة، وهو ما نص عليه الشافعي -رحمه الله تعالى- وعليه الجمهور، وأنها تلزم ليلة بعينها لا تنتقل. وقال المزني وابن خزيمة: إنها منتقلة في ليالي العشر جمعا بين الأحاديث. قال في الروضة: وهو قوي،، وقال في المجموع: إنه الظاهر المختار، لكن المذهب الأول. قال المصنف في شرح مسلم: ولا ينال فضلها إلا من أطلعه الله عليها، فلو قامها إنسان ولم يشعر بها لم ينل فضلها.
قال الأذرعي: وكلام المتولي ينازعه حيث قال: يستحب التعبد في كل ليالي العشر حتى يحوز الفضيلة على اليقين اه.
стр. 398
وهذا أولى، نعم حال من اطلع أكمل إذا قام بوظائفها. وقد نقل في زوائد الروضة عن نصه في القديم أن من شهد العشاء والصبح في جماعة فقد أخذ بحظه منها، وروي عن أبي هريرة مرفوعًا ﴿من صلى العشاء الأخيرة في جماعة من رمضان فقد أدرك ليلة القدر﴾. (١)
الدعاء في ليلة القدر:
﴿عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: " قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني"﴾. هذا حديث حسن صحيح (٢).
وهذا الدعاء مستحب لورود السنة به ويجوز أن يدعو الإنسان بما شاء من خيري الدنيا والآخرة.
المطلب الرابع: علاماتها
أورد الحافظ علاماتها وحاصلها مع زيادات (٣).
١ - أكثرها لا تظهر إلا بعد أن تمضي.
٢ - منها في صحيح مسلم عن أبي بن كعب أن الشمس تطلع في صبيحتها لا شعاع لها.
وفي رواية لأحمد من حديثه مثل الطست ونحوه لأحمد من طريق أبي عون عن بن مسعود وزاد صافية ومن حديث بن عباس نحوه.
стр. 399
٣ - ولابن خزيمة من حديثه مرفوعا ليلة القدر طلقة لا حارة، ولا باردة تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة
٤ - ولأحمد من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا إنها صافية بلجة كأن فيها قمرًا ساطعًا ساكنة صاحية لا حر فيها، ولا برد، ولا يحل لكوكب يرمى به فيها ومن أماراتها أن الشمس في صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، ولا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ.
وسكت عليه الحافظ؛ لأن لجمله شواهد عديدة تدل أنه حسن (١).
ولابن أبي شيبة من حديث بن مسعود أن الشمس تطلع كل يوم بين قرني شيطان إلا صبيحة ليلة القدر موقوف صحيح عند ابن أبي شيبة (٢)، وهو شاهد للحديث المتقدم.
стр. 400
ولابن خزيمة من حديث جابر مرفوعا في ليلة القدر: ﴿وهي ليلة طلقة بلجة لا حارة، ولا باردة تتضح كواكبها، ولا يخرج شيطانها حتى يضئ فجرها﴾ (١).
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿ليلة القدر ليلة السابعة، أو التاسعة وعشرين، وإن الملائكة تلك الليلة أكثر في الأرض من عدد الحصى﴾ قلت: سنده حسن سكت عليه الحافظ، وقال الهيثمي: "رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات" (٢).
وقال البوصيري: "رواه الطيالسي بإسناد حسن" (٣)، ووافقهم الألباني (٤).
المطلب الخامس: تحديدها فلكيًا
تقدم في بحث دخول الشهر أن الحساب الفلكي يمكن أن يحدد دخول الشهر ووجود الهلال في الأفق بيقين، لكن هذا الوجود المعتبر منه هو الوجود وهو أن يكون موجودًا قبل الغروب ليلة الثلاثين من شعبان وليلة الثلاثين من رمضان، فإن وجد فله حالات كما تقدم والحالة التي يمكن أن يرى بالعين، أو بالتلسكوب لولا القترة، فإنه يلزم صيامه على ما نراه لذلك فيكون حساب ليلة القدر والعشر الأواخر بناء على ذلك، فإن لم يصوموا بذلك فإنهم يتحروا ليلة القدر جميع العشر لاختلاف الحساب؛ لأنه فلكيًا متقدم بيوم فتكون ليلة الواحد والعشرين فلكيًا هي ليلة العشرين بالرؤية، أو الإتمام.
فالأولى على هذا أن يتحرى ليلة القدر من ليلة عشرين.
стр. 401
وهكذا إذا اختلفت الدول في الصيام بناء على مذهب اختلاف المطالع فإنا نرجح اعتماد القول الفلكي في اعتبار ليلة القدر، لكن بالتحديد في الحالة التي ذكرنا.
أما بالنسبة لاختلاف المطالع باعتبار دول شرق الأرض وغربها؛ لأن مدار الشمس على الأرض كلها ٢٤ ساعة، فإن كان عند الشرق الأوسط فجر التاسع والعشرين من رمضان، فهو في بعض دول الأمريكيتين نهار الثامن والعشرين وتكون الليلة القادمة لهم هي التاسعة والعشرون من رمضان هي ليلة القدر مثلًا.
ولا يصلح أن يعتبرها ليلة القدر من كان في الشرق فيقوم ليلة القدر مرة أخرى باعتبار تباين التوقيت؛ لأن الخطاب الشرعي متعلق بالزمان والمكان الذي فيه المكلف.
وإلا لقلنا لمن فوت صلاة الظهر إن له أن يصليها بتوقيت البلد الآخر الذي حل فيه وقت الظهر، وهذا لا يقوله أحد.
وهكذا المعتبر في ساعة الجمعة هو كل بلد. بوقته وساعاته.
стр. 402
المبحث الثالث: الاعتكاف ومسائله ونوازله
يتعلق بالاعتكاف أسئلة:
- ما هي أصوله الكلية والجزئية التي تبنى عليه أحكامه؟
- من هو المعتكف؟
- محل الاعتكاف؟
- زمن الاعتكاف؟
- مفسدات الاعتكاف؟
المطلب الأول: التأصيل الكلي لفقه الاعتكاف
الأصول الحاكمة التي تؤخذ منها أحكام الاعتكاف من الكتاب، والسنة والإجماع، والقياس.
أما من الكتاب والسنة، فهي أدلة كلية وجزئية.
النوع الأول: الأدلة الكلية المتعلقة بالأهلية.
أما الأدلة الكلية، فهي الأدلة التي تدخل في كل باب وتحكم سائر الأبواب، فمنها ما تعلق بأهلية المكلف للعبادة: وهي هنا الإسلام والعقل.
أولا: الإسلام.
ودليله الكلي تقدم مرارا، لكنا نكرره ليترسخ في ذهنية الناظر قوله
стр. 403
تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤]
وجه ذلك: - أنه علل عدم قبول عبادة الإنفاق في سبيله بعلة الكفر فدل على أن الكفر علة مانعة من قبول سائر العبادات.
ولأنه عبادة محضة ويلزمه لها قصد خاص، وهو كونه مخلصا لله ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١]، وهذا لا يمكن من الكافر إلا بإسلامه.
وعدم القبول من الكافر عام في الدنيا والآخر؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
ثانيا العقل:
أما شرط العقل فالخطاب التكليفي في هذا النص، وفي كل نص إنما يكون للعقلاء ليتم الفهم والامتثال. فلا يدخل المجنون والصبي الذي لا يعقل الخطاب.
وثم أدلة كلية لهذا الأصل هي: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ولا وسع إلا بالعقل.
ودليل من السنة الكلي العام:
عن عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ﴿رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ، أو يُفِيقَ﴾. قال أَبُو بَكْرٍ فِي حَدِيثِهِ: ﴿وَعَنْ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ﴾ (١). وهو صحيح ثابت بيناه في غير هذا الموضع.
стр. 404
النوع الثاني: الأدلة الجزئية.
أما الأدلة الجزئية في الباب، فهي من القرآن والسنة.
أما من القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. [البقرة: ١٨٨].
رتب النهي على الاعتكاف في المساجد فدل أن صورة الاعتكاف الشرعي يكون في المساجد؛ لأن الأحكام الشرعية العبادية مرتبة على العبادة الشرعية المعينة وهي هنا الاعتكاف في المساجد.
ولم يعلق الأحكام على العكوف خارج المسجد؛ لأنه فعل عادي لا عبادي.
وبالتأمل في أحكام التعبدات تبين أن الشرع في العبادات إن حددها بمحددات معينة من أمر أو نهي ونحو هذا، فهي من الماهية الشرعية وهي مطلوبة في العبادة.
يدل لذلك لما طلب الشرع القبلة للصلاة علم أنها جزء من الماهية الشرعية وكذا الوضوء والوقت
والركوع والسجود والقيام والقراءة.
وفي الحج لما ذكر الطواف عرفنا أنه من ماهية العبادة التي هي الصورة والكيفية الشرعية التي لا يصح الحج والعمرة بدونها وهكذا.
وإن كانت هذه الأمور بعد ذلك تفصل في العرف الفقهي إلى شروط وأركان.
وهنا لما ذكر اجتناب النساء في عبادة الاعتكاف في المساجد علم أن هذه العبادة هذا محلها شرطا، وهذا مفسدها.
أما الأدلة الجزئية من السنة: فالنصوص التي يبنى عليها، ترجع إلى ثلاثة:
الأول: ما دل على فعل الاعتكاف في المسجد.
الثاني: ما دل على ما يجوز له أن يفعله.
الثالث: ما دل على الاعتكاف دون صيام أو بصيام.
стр. 405
أما الأول: فورد في الاعتكاف فعله ﷺ الثابت في الصحيحين وغيرها.
وقد تقدم ذكر تلك النصوص في مبحث ليلة القدر.
وقد اعتكف في رمضان في العشر الأول منه، ثم الوسطى يطلب ليلة القدر، ثم العشر الأواخر (١).
كما دلت على ذلك النصوص كحديث أبي سعيد المتقدم ثم داوم على الاعتكاف في العشر الأواخر كما في عائشة ﵂، زوج النبي ﷺ : أن النبي ﷺ ﴿كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده﴾ (٢).
أما النوع الثاني: فهو ما ثبت في الصحيحين: أن عائشة ﵂، زوج النبي ﷺ قالت: ﴿وإن كان رسول الله ﷺ ليدخل علي رأسه، وهو في المسجد، فأرجله،، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا﴾ (٣).
أما النوع الثالث: فثبت في الصحيح أنه أمر عمر أن يوفي بنذره فاعتكف ليلة فعن ابن عمر ﵄: عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ﴿يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ فقال له النبي ﷺ : أوف نذرك. فاعتكف ليلة﴾ (٤).
أما الإجماع:
فقد نقلها ابن المنذر وعددها وهي:
أجمعوا على أن الاعتكاف لا يَجب على الناس فرضًا إلا أن يوجبه المرء على نفسه فيَجب عليه.
стр. 406
وأجمعوا على أن الاعتكاف جائز: في المسجد الحرام، ومسجد الرسول، ومسجد إيليا وأجمعوا على أن للمعتكف أن يَخرج عن معتكفه للغائط والبول.
وأجمعوا على أن المعتكف ممنوع من المباشرة.
وأجمعوا على أن من جامع امرأته وهو معتكف عامدًا لذلك في فرجها أنه مفسدٌ لاعتكافه (١)
فهذه هي الأصول التي يبنى عليها الاعتكاف.
وبقي الأصل القياسي، والأصل المقاصدي.
أما القياسي: فأظهر ما جاء في هذا الباب قياس مباشرة الاعتكاف بشهوة مع عدم الانزال على مباشرة الصائم زوجته بشهوة بدون إنزال، والعلة المباشرة المتعمدة في عبادة بدون إنزال، والحكم عدم البطلان.
وكذلك قياس الخروج للمرض الشديد ونحوه على الخروج للحاجة من أكل وشرب.
وقياس رحبة المسجد على المسجد.
وقياس الحنفية الاعتكاف المرأة في مسجد بيتها على أفضلية صلاتها في بيتها.
ومسائل القياس عديدة وستأتي في محلها وبيان قوتها من ضعفها.
وأما الأصل المقاصدي: فظهر في الباب جليا في ماذا يفعل المعتكف في اعتكافه وعليها انبنت سؤال: هل يلزم الذكر فقط أم له أن يعمل ما يشاء من المباحات؟
стр. 407
المطلب الثاني: كيفية أخذ أحكام الاعتكاف تفصيلا من الأصول الكلية والجزئية والقياسية
ويتعلق بهذا المطلب:
المسألة الأولى: كيفية تحديد الماهية الشرعية
على الفقيه أن يسأل في كل مسائل الفقه أسئلة خمسة سميتها الأسئلة التأصيلية الخمسة، التي يصل بها إلى الحكم من خلال منهجية متزنة متدرجة منضبطة.
وعرفتها بالتجربة وإدمان النظر، وبالبحث والتأمل في الإنتاج الفقهي للمدارس الفقهية في المذاهب الخمسة وقبلها مذاهب الصحابة ومن بعدهم من كبار فقهاء الأمة.
وهي: سؤال الماهية، سؤال الدليل والدلالة، سؤال الثبوت، سؤال التعارض والموازنة، سؤال الحكم.
فالسير على هذه المنهجية تضبط النظر للفقيه في كافة أبواب الفقه وسأشرحها في مقدمة الموسوعة مع غيرها من قوانين التأصيل إن شاء الله.
وحين نطبقها هنا:
فإن سؤال الماهية يحدد ما هو الاعتكاف، ولا يمكن الوصول إلى الماهية الشرعية في العبادات إلا من خلال استقراء النصوص الشرعية كلية وجزئية في الباب.
ومن خلال النصوص الكلية والجزئية التي تقدم ذكرها في المطلب التأصيلي الكلي.
يتبين أن الشرع حدد مكان الاعتكاف، وهو المساجد كما في نص الآية وعمل الرسول الكريم وأصحابه.
وحدد مفسده، وهو مباشرة النساء بنص الآية.
стр. 408
وحدد عمله، وهو اللبث في المسجد وعدم الخروج إلا لحاجة، وهذا مأخوذ من دليل السنة الفعلي
لأن العبادة المجملة يعتبر فعل الرسول ﷺ مبينًا لها.
وماذا يعمل في الاعتكاف: يحدد ذلك المقاصد الشرعية له، وهو اللبث في المسجد تقربا إلى الله والتقرب إلى الله يكون بإخلاص النية وعمل الطاعات في هذا العمل، من ذكر الله والصلاة وتحري ليلة القدر والقيام والاعتكاف في المساجد هو تفرغ لذلك كله وتحصيل لأعظم الثمرات في شهر رمضان.
لأن الشخص في التفرغ للعمل يقوم بما لا يقوم به مع عدم التفرغ.
فكان مقصود الاعتكاف هو التفرغ للعمل الصالح في الأيام الفاضلة لإدراك الثمرة التي بينها الله في كتابه وهي لعلكم تتقون وإدراك ليلة القدر العظيمة التي تشد لطلبها وتحريها الرحال.
لذلك كان ﷺ في العشر الأواخر يعمل عملا عظيما لخصته عائشة ﵂ في أجزاء ثلاثة تلخص مقدار العشر ومقدار العمل. عن عائشة ﵂ قالت: ﴿كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله﴾ (١).
ومن خلال هذا المقصود بنيت مسائل فقهية فيما ينبغي للمعتكف أن يعمل.
ومن خلال ما تقدم من استقراء المحددات الشرعية تبين أن ماهية الاعتكاف هي: اللبث في المسجد بنية الاعتكاف من مسلم عاقل خال عن مانع شرعي.
وهذا الماهية شملت كل ما دلت عليه النصوص في الاعتكاف، أو في النصوص الكلية.
فاللبث في المسجد أخذ من النصوص في القرآن والسنة، والنية أخذت من كليات تقدمت كحديث إنما الأعمال.
стр. 409
وشرط الإسلام والعقل تقدم في التأصيل الكلي أنه متعلق بباب الأهلية ويدخل في كل باب فقهي.
وخال من الموانع: هذا الوصف أخذ من نصوص متعلقة بأحكام المساجد وهي هل يجوز دخول المسجد للحائض والنفساء والجنب.
ومن شرط الصوم زاد في التعريف الصوم.
ومن خلال هذا النظر انطلقت تعريفات الفقهاء:
فعرفه الحنفية بأنه: " اللبث في المسجد مع الصوم ونية الاعتكاف" (١).
وقال المالكية: " لزوم مسلم مميز مسجدا مباحا بصوم كافا عن الجماع ومقدماته يومًا وليلة فأكثر للعبادة بنية" (٢).
وقال الشافعية: "الاعتكاف في الشرع هو اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنية" (٣)
وقال الحنابلة: "لُزُومُ المسجدِ لطاعةِ الله، على صِفَة مَخصوصَة) يأتي بيانها (مِنْ مُسلم) لا كافر، ولو مرتدًّا (عاقل، ولو مميزًا) فلا يصحُّ مِنْ مجنون، ولا طفل؛ لعدم النيَّة (طاهر مما يوجب غُسلًا) فلا يصحُّ مِنْ جُنُب، ونحوه، ولو متوضئًا" (٤).
وقال الظاهرية: "الاعتكاف: هو الإقامة في المسجد بنية التقرب إلى الله ساعة فما فوقها، ليلا، أو نهارا؟ " (٥).
стр. 410
ولأن الماهية يتعلق بها تحديد مصححات العبادة نجد تعريفه متحدا عن المذاهب مع زيادات مذهبية طفيفة.
فالحنفية، والمالكية يشرطون الصوم فيه للحديث عندهم، وشرط المالكية يومًا وليلة كذلك لما سيأتي. أما بقية الماهية، فهي محل اتفاق.
ومن خلال ما تقدم يتبين أن الماهية المصححة للاعتكاف هي:
١ - اللبث في المسجد.
٢ - بنية الاعتكاف.
٣ - من مسلم.
٤ - عاقل.
٥ - طاهر من حيض ونفاس وجنابة.
فهذه هي ما يقوم عليها أحكام الباب.
وعلى هذا سنشرحها واحدة واحدة، ونبين من خلالها سؤال الدلالة، وسؤال الثبوت وسؤال التعارض وسؤال الحكم بالتفصيل؛ لأن سؤال الدلالة متعلق بمواضع دلالات النصوص على الحكم المعين.
المسألة الثانية: اشتراط الصوم وتطبيق سؤال الثبوت، والدلالة، والتعارض.
وسؤال الثبوت متعلق بثبوت نص السنة وتعلق بهذا السؤال معرفة الضعيف ليكون للفقيه على بال والضعاف في باب الاعتكاف هي:
قال أبو داود: حدثنا وهب بن بقية، أنا خالد، عن عبد الرحمن يعني: ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: ﴿السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم،
стр. 411
ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع﴾ (١) قال أبو داود: غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه: قالت السنة.
قال أبو داود: جعله قول عائشة.
قلت: إعلال أبي دواد له أن الثقات من أصحاب الزهري لم يقل السنة.
وهذه اللفظ تفرد بها عبد الرحمن ابن إسحاق، وهو في مرتبة أقل من الثقة لذلك قال الحافظ صدوق، وقد خالفه معمر بن راشد وابن جريج عن الزهري بهذا الإسناد عن عائشة من قولها وليس من السنة. وهذا علة قادحة، يبين عدم صحة الرفع أن الزهري نفسه نفاه. كما جاء في المحلى:
عن أبي سهيل بن مالك قال: كان على امرأة من أهلي اعتكاف، فسألت عمر بن عبد العزيز؟ فقال: ليس عليها صيام إلا أن تجعله على نفسها. فقال الزهري: لا اعتكاف إلا بصوم. فقال له عمر: عن النبي ﷺ ؟ قال: لا، قال: فعن أبي بكر؟ قال: لا، قال: فعن عمر؟ قال: لا، قال: فأظنه قال: فعن عثمان؟ قال: لا. قال أبو سهيل: لقيت طاووسا، وعطاء، فسألتهما؟ فقال طاووس: كان فلان لا يرى عليها صياما إلا أن تجعله على نفسها، وقال عطاء: ليس عليها صيام إلا أن تجعله على نفسها (٢).
قال ابن عبد البر: «قال أبو عمر لم يقل أحد في حديث عائشة هذا السنة إلا عبد الرحمن بن إسحاق ولا يصح الكلام عندهم إلا من قول الزهري وبعضه من كلام عروة» (٣)
ومن سؤال المعارضة: أن اشتراط الصوم عارضه حديث عمر المتفق
стр. 412
على صحته فعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ﴿يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ فقال له النبي ﷺ : أوف نذرك. فاعتكف ليلة﴾ (١).
وهذا دليل واضح على عدم اشتراط الصوم ولو صح أثر عائشة لصرفه هذا الحديث
ولهذا التعارض والخلاف في ثبوت الحديث حصل خلاف بين الفقهاء في اشترط الصوم للاعتكاف
على قولين من زمن الصحابة
١ - مذاهب الصحابة في الاشتراط:
لم يشرطه علي وابن مسعود وشرطته عائشة، وابن عباس وله رواية صحيحة بعدم الاشتراط.
٢ - مذاهب التابعين:
وهكذا مذاهب التابعين حصل فيها خلاف فصح اشتراطه عن عروة بن الزبير، والزهري وخالفهم الحسن والنخعي وعطاء وطاووس في رواية عنه.
والاختلاف بين الصحابة يسقط الاحتجاج ببعض وترك بعض.
٣ - فقهاء المذاهب:
وذهب إلى اشتراط الصوم الحنفية، والمالكية والليث وسفيان والحسن بن حي (٢).
وإلى عدم اشتراطه الشافعية، والحنابلة، والظاهرية (٣).
стр. 413
بيان وجه الاستدلال المذهبي:
١ - استدل القائلون بالاشتراط بالمنقول، وهو نوعان الأول حديث عائشة السالف.
ورد بعدم الرفع وأجاب الحنفية أنه لا يقال بالرأي، وهذا ضعيف؛ لأن جميع ما في الحديث يمكن استنباطه اجتهادًا.
والثاني: الاستدلال بالفعل فلم يرو أنه ﷺ اعتكف بلا صوم ولو كان جائزا لفعل تعليما للجواز (١).
ورد هذا الثاني أنه ثبت في الصحيح أنه اعتكف في شوال وليس محلا للصوم ولم يثبت من طريق أنه كان صائمًا.
كما أنه معارض بحديث عمر السالف.
٢ - استدل القائلون بعدم الاشتراط: بالقول والفعل.
أما القول فبحديث عمر السالف وحديث: ﴿لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صِيَامٌ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ (٢) ورد أنه لا يصح مرفوعًا.
كما نوقش الاستدلال بحديث عمر بورود بعض ألفاظه بذكر الصوم وبعضها يومًا وبعضها ليلة.
والجواب أن ذكر لفظ الصوم منكر تفرد به عبد الله بن بديل، وهو ضعيف وعد هذا من منكراته، كما قال الدارقطني وابن عدي وغيرهما (٣).
стр. 414
أما ذكر يوم فلو صح فليس فيه دليل على الصوم؛ لأن النبي ﷺ لم يأمره بذلك.
فهذه أدلة القوم.
فتبين أن عمدة القائلين بالصوم حديث عائشة الموقوف، وأنه يحتمل الاجتهاد.
وتبين أن فعله ﷺ في رمضان لا يدل على الاشتراط.
لأنه اعتكف في شوال ولم ينقل أنه صام ولم يأمر عمر بصيام مع اعتكافه.
كما أنه يلزم اشتراط اعتكاف عشرة أيام؛ لأنه ثبت عنه ذلك لا ما دونها. فتبين ضعف الاشتراط.
ولنذكر الآن ما بيناه من مفردات الماهية في مطالب. وما يتعلق به من أحكام.
المطلب الثالث: حكم الاعتكاف
الاعتكاف سنة مؤكدة في قول العلماء، لكن تختلف عباراتهم باختلاف أصولهم في تعريق السنة والمندوب ممن يفرق بين ذلك.
стр. 415
وهذا الاختلاف راجع إلى ماذا تفيد المداومة فمن عرف السنة بأنها ما داوم عليها قال بذلك، ومن رأى زيادة اختصاص شهر رمضان والعشر الأواخر قال إنه سنة مؤكدة فيه.
جاء في المجموع: أما الحكم فالاعتكاف سنة بالإجماع، ولا يجب إلا بالنذر بالإجماع ويستحب الإكثار منه ويستحب ويتأكد استحبابه في العشر الأواخر من شهر رمضان (١).
ولا يجب إلا في موضعين:
الأول: بالنذر بلا خلاف، قال ابن قدامة: معلقا على قول الخرقي: والاعتكاف سنة، إلا أن يكون نذرا، فيلزم الوفاء به.
لا خلاف في هذه الجملة بحمد الله. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الاعتكاف لا يجب على الناس فرضا، إلا أن يوجب المرء على نفسه الاعتكاف نذرا، فيجب عليه. ومما يدل على أنه سنة، فعل النبي ﷺ ، ومداومته عليه، تقربا إلى الله تعالى، وطلبا لثوابه، واعتكاف أزواجه معه وبعده، ويدل على أنه غير واجب أن أصحابه لم يعتكفوا، ولا أمرهم النبي ﷺ به، إلا من أراده.، وقال ﷺ : ﴿من أراد أن يعتكف، فليعتكف العشر الأواخر﴾ (٢). ولو كان واجبا لما علقه بالإرادة. وأما إذا نذره، فيلزمه؛ لقول
стр. 416
النبي ﷺ : ﴿من نذر أن يطيع الله فليطعه﴾. رواه البخاري. وعن عمر، أنه قال: ﴿يا رسول الله، إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. فقال النبي أوف بنذرك﴾ (١) ..
الثاني: يجب بالشروع عند المالكية وذهب الحنفية، والشافعية في الأظهر، والحنابلة إلى أنه لا يجب بالشروع (٢).
وهذه المسألة مبنية على أصل هو هل يجب النفل بالشروع فيه وتحقيقها في غير هذا الموضع.
يدل لمذهب الجمهور انصراف رسول الله من اعتكافه بعد دخوله فيه، عن عائشة ﵂ قالت: ﴿كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباء، فيصلي الصبح، ثم يدخله، فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء فأذنت لها، فضربت خباء، فلما رأته زينب ابنة جحش ضربت خباء آخر، فلما أصبح النبي ﷺ رأى الأخبية، فقال: ما هذا، فأخبر، فقال النبي ﷺ : آلبر ترون بهن، فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشرا من شوال﴾ (٣). ﴿فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف، إذا أخبية﴾ (٤).
ومعلوم أن محل اعتكافه هو المسجد، فأراد دخول خباءه المعد للاعتكاف فرأى تلك الأخبية فعدل عن الاعتكاف.
стр. 417
ويستوي في حكم الاعتكاف الرجال والنساء:
وأصل هذه المسألة أن التكليف عام للرجال والنساء، وفعل ذلك أزواج النبي ﷺ بين يديه وبعده، فعن عائشة ﵂، زوج النبي ﷺ : أن النبي ﷺ
﴿كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده﴾ (١).
عن عائشة ﵂ قالت: ﴿كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباء، فيصلي الصبح، ثم يدخله، فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء فأذنت لها، فضربت خباء، فلما رأته زينب ابنة جحش ضربت خباء آخر، فلما أصبح النبي ﷺ رأى الأخبية، فقال: ما هذا، فأخبر، فقال النبي ﷺ : آلبر ترون بهن، فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشرا من شوال﴾ (٢).
وهذا الحكم متفق عليه عند جميع المذاهب.
ويؤخذ من هذا الحديث جواز اعتكاف المرأة المتزوجة بدون إعلام زوجها بذلك.
والدليل مفاجأته عليه الصلاة السلام حين رأى اعتكافهن وأنكر عليهن؛ لأنه قد يكون الدافع لهن هو تنافس الضرائر؛ ولذلك قال: ﴿آلبر ترون﴾ (٣)؛ ولم ينكر لأجل الاستئذان، ولو كان لازمًا لبينه ﷺ .
стр. 418
وعارض هذا الدليل: أن للزوج حقا واعتكافها يمنعه حقه، وهو واجب عليها.
وهنا يأتي سؤال المعارضة والموازنة، وهو أحد الأسئلة التأصيلية الخمسة السابقة.
والمعارضة هنا بين دليل خاص هو فعل بعض أزواج النبي ﷺ بدون سابق علم منه، ودليل كلي في باب العشرة الزوجية، وهو وجوب حق الزوج.
لهذا اختلفت أنظار المذاهب في كيفية المقاربة الفقهية بين هذه.
فاختار الشافعية، والحنابلة ترجيح حق الزوج فشرطوا استئذان الزوجة (١).
وهل له حق إخراجها منه بعد إذنه؟
قال الحنابلة ليس له الحق سواء كان نذرا معينا، أم لا؛ لأنه لزم بالشروع وتعين (٢).
وقال الشافعية إن أذن في الشروع في الاعتكاف فلا يجوز له بعد الشروع إخراجها في اعتكاف النذر المعين، أو المتتابع. أو أذن لها في الاعتكاف في المعين ولو لم يأذن في الشروع؛ لأن الإذن في المعين إذن في الشروع فيه؛ وعلة ذلك أنه أسقط حقه فدخلت في واجب فيحرم عليه إبطاله عليها.
وأما إن كان نفلا فله ذلك؛ لأن النفل لا يلزم بالشروع.
واختار الحنفية أن ينبغي لها الاستئذان، فلا ينبغي لها الاعتكاف بلا إذنه (٣)
стр. 419
ولهم كذلك كراهة اعتكافها في المسجد؛ لأن مذهبهم أن تعتكف في مسجد بيتها، فإن أذن لها فلا يصح له منعها نفلا، أو فرضًا (١).
وهو ما يدل عليه صنيع المالكية أنها تعتكف بلا إذنه، لكن هل يحق له إخراجها:
١ - إن اعتكفت بغير إذنه فله أن يقطعها سواء كان نذرا معينا، أم مطلقًا، أو كان نفلًا.
٢ - ، أما إن اعتكفت بإذنه فلا يحق له قطعها في النذر المعين. (٢)
وحاصل الأقوال:
١ - أنه إن أذن لها لا يحق له إخراجها مطلقًا في نفل ونذر، وهو قول الحنفية.
٢ - لا يحق له في النذر فقط على تفصيل. وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة.
لأنه أسقط حقه الواجب والنذر الذي دخلت فيه واجب فيترجح.
والذي يظهر أنه يجب أن تستأذنه في الاعتكاف المتعارض مع حقه كالطويل، أما إن كان قصيرا كساعة فلا تعارض.
فإن أذن لها في نفل فله إخراجها متى شاء لأن تعارض النفل والواجب يقدم فيه الواجب وهو طاعة الزوج، أما إن أذن لها في نذر معين فليس له إخراجها لأنه فرض متعين مضيق وطاعته موسعة.
стр. 420
وطاعة الله في الإيفاء بالنذر مقدمة.
لأن طاعة الزوج أو الوالدين أو ولي الأمر مقيدة بما ليس فيه تعد على حدود الله.
والنذر المعين فرض يجب الإيفاء به.
المطلب الرابع: النية
أولا: ركن الاعتكاف هو ما تحددت به الماهية الشرعية وهي:
هنا النية واللبث في المسجد، وشرطه الإسلام والعقل.
أما النية فالأصل فيها قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
والإخلاص إفراد نية التعبد لله.
ومن السنة عموم الحديث ﴿إنما الأعمال بالنيات﴾.
وعليه، فإن النية داخلة في ماهية العبادة لا تصح بدونها، وهي ركن عند الثلاثة، وقال الحنفية (١): إنها شرط والدليل للجميع حديث ﴿إنما الأعمال بالنيات﴾.
وقال الحنفية، والشافعية، والحنابلة: إن خرج في النفل انقطع، وهو صحيح تام، فإن رجع احتاج إلى تجديد نية.
стр. 421
وقال المالكية أنه ينقطع بالخروج ويلزم القضاء؛ لأنه نفل لزم بالشروع (١).
والذي يظهر أنه ﷺ كان يخرج لحاجته ويرجع، وهو معتكف متنفل ولم ينقل شيء غير هذا ولو كان ذلك يبطل لبينه ﷺ .
فإن خروج المعتكف في حاجته كالمستثنى ولهذا ذكر في الروضة أن الاعتكاف المعين كاعتكاف العشر يستثنى منه ما كان لحاجته على الوجه الأصح (٢).
المطلب الخامس: محل الاعتكاف
النص المبين في القرآن وفعل النبي ﷺ أنها عبادة معينة في مكان معين هو المسجد.
ولا يشترط له أكثر من ذلك لعدم ورود ما يدل عليه ولو شرط لبينه النبي ﷺ .
فشمل النص بإطلاقه وعمومه كل مسجد.
وقد انعقد الإجماع على اشتراط المسجد إلا محمد بن عمر بن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان (٣).
стр. 422
واتفق الأربعة، والظاهرية على أنه يشرط المسجد، ولكن اختلفوا في أي مسجد (١).
فقال المالكية والشافعية وصاحبا أبي حنيفة في أي مسجد.
وقال أبو حنيفة، والحنابلة في مسجد الجماعة الذي تقام فيه الصلوات الخمس.
وثم تفصيل للمالكية سيأتي.
والحجة للأولين ما قدمنا من عموم القرآن ومن فعل النبي وأزواجه وأصحابه ومطلقاتها دليل على ذلك.
وإنما شرط الحنابلة مسجد الصلوات الخمس جماعة؛ لأنهم يوجبونها عليه فيجب الخروج لها فيبطل الاعتكاف بتكرر ما يمكن الاحتراز عنه "ولا يصحُّ مِمَّنْ تلزمه الجماعة إلا بمسجد تُقام فيه؛ حِذارًا مِنْ ترك الجماعة، أو تكرُّرِ الخروج المنافي له، مع إمكان التحرُّز منه" (٢).
اعتكاف أيام تتخللها جمعة:
والمالكية يشرطون مسجد جمعة لمن نذر اعتكاف أيام فيها جمعة فهذا لا يصح إلا في مسجد جمعة؛ لأنه يبطل بخروجه. (٣).
وخالفه سائر المذاهب والدليل عموم: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
стр. 423
وتخصيص مسجد يحتاج لدليل.
وأما خروجه للجمعة، فهي واجبة فتكون كالمستثنى من ضرورياته.
اعتكاف المرأة في مسجد بيتها:
وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو المكان المعد للصلاة فيه، وهو أفضل عندهم من المسجد، والأصل في هذا عموم ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٨] فشمل الرجل والمرأة، لكن لما كان النص أن أفضل صلاة المرأة في بيتها دل على أنها لو اتخذت مسجدًا لها في بيتها كان أفضل من الصلاة في غيره وهكذا الاعتكاف يكون أفضل لها من المسجد غيره (١).
قلنا هذا قياس مع الفارق؛ لأن الشرع لما أطلق في الآية ذكر المساجد علم أنها المسجد الذي يصلي فيه المسلمون لا مسجد المرأة في بيتها؛ لأنه لا يسمى مسجدا في الشرع.
ولذلك لم يأمر النبي أزواجه بذلك لما أمر برفع أخبيتهن من المسجد، ولو كان جائزا لقال اعتكفن في بيوتكن خير لكن. ولم يفهمه الصحابة وهم أهل اللسان.
стр. 424
بل قال ابن عباس: " إن أبغض الأمور إلى الله البدع، وإن من البدع الاعتكاف في المساجد التي في الدور" (١).
ولا يسمى مسجدا لذلك يجوز بيعه وتحويله إلى مجاري ومكب للنفايات، والمسجد لا يصنع به ذلك.
والقياس على الصلاة قياس مع الفارق؛ لأن الصلاة تتكرر فيسر لها الشرع ذلك، بخلاف الاعتكاف فقليل لا يتكرر، وفيه قول الشافعي قديم، ووجهان لأصحابه على القديم في جواز اعتكاف الرجل في مسجد بيته (٢).
ولبعض المالكية يجوز للرجال والنساء؛ لأن التطوع في البيوت أفضل.
قلت: مبنى المسألة على تحقيق المناط هل عموم المساجد في الآية يتنزل على المصلى في البيت، أم لا. الذي يظهر أنه لا يتنزل لما تقدم من فعل زوجات النبي ﷺ وأصحابه، وهم أهل اللسان.
وثم أقوال أخرى في اعتبار مكان الاعتكاف حاصلها (٣).
- وخصه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقًا وأومأ إليه الشافعي في القديم.
- وخصه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة.
- وعطاء بمسجد مكة والمدينة.
стр. 425
- وابن المسيب بمسجد المدينة.
المطلب السادس: زمن الاعتكاف
أصل هذه المسألة أنه لم يرد في الشرع تحديد بقول وإنما أخذ ذلك من فعله ﷺ ، وقد اعتكف العشر وقال لعمر: ﴿أوف بنذرك﴾ (١)، في اعتكاف ليلة.
فهذا يدل على جواز الليلة، ولا يدل على عدم ما دونها ومن هنا رجع الفقهاء إلى تحديد ذلك إلى ما يسمى اعتكافا؛ لأن الشرع إذا لم يضبط المقدار رجع به إلى ما يحقق الاسم في الواقع.
"واتفقوا على أنه لا حد لأكثره" (٢)، واختلفوا في أقله:
فمن شرط فيه الصيام قالوا أقل زمنه يوم وليلة وهم الحنفية، والمالكية، أما الحنفية فشرطوا الصوم في الاعتكاف الواجب لا في النفل (٣).
والمالكية شرطوه مطلقًا وأقل الاعتكاف يوم وليلة، وقيل: يوم فما فوق عندهم.