← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30079

فقه الصيام ومستجداته المعاصرة

فضل مراد

Полный текст (554 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وقال المالكية أنه ينقطع بالخروج ويلزم القضاء؛ لأنه نفل لزم بالشروع (١). والذي يظهر أنه ﷺ كان يخرج لحاجته ويرجع، وهو معتكف متنفل ولم ينقل شيء غير هذا ولو كان ذلك يبطل لبينه ﷺ . فإن خروج المعتكف في حاجته كالمستثنى ولهذا ذكر في الروضة أن الاعتكاف المعين كاعتكاف العشر يستثنى منه ما كان لحاجته على الوجه الأصح (٢). المطلب الخامس: محل الاعتكاف النص المبين في القرآن وفعل النبي ﷺ أنها عبادة معينة في مكان معين هو المسجد. ولا يشترط له أكثر من ذلك لعدم ورود ما يدل عليه ولو شرط لبينه النبي ﷺ . فشمل النص بإطلاقه وعمومه كل مسجد. وقد انعقد الإجماع على اشتراط المسجد إلا محمد بن عمر بن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان (٣).

стр. 422

واتفق الأربعة، والظاهرية على أنه يشرط المسجد، ولكن اختلفوا في أي مسجد (١). فقال المالكية والشافعية وصاحبا أبي حنيفة في أي مسجد. وقال أبو حنيفة، والحنابلة في مسجد الجماعة الذي تقام فيه الصلوات الخمس. وثم تفصيل للمالكية سيأتي. والحجة للأولين ما قدمنا من عموم القرآن ومن فعل النبي وأزواجه وأصحابه ومطلقاتها دليل على ذلك. وإنما شرط الحنابلة مسجد الصلوات الخمس جماعة؛ لأنهم يوجبونها عليه فيجب الخروج لها فيبطل الاعتكاف بتكرر ما يمكن الاحتراز عنه "ولا يصحُّ مِمَّنْ تلزمه الجماعة إلا بمسجد تُقام فيه؛ حِذارًا مِنْ ترك الجماعة، أو تكرُّرِ الخروج المنافي له، مع إمكان التحرُّز منه" (٢). اعتكاف أيام تتخللها جمعة: والمالكية يشرطون مسجد جمعة لمن نذر اعتكاف أيام فيها جمعة فهذا لا يصح إلا في مسجد جمعة؛ لأنه يبطل بخروجه. (٣). وخالفه سائر المذاهب والدليل عموم: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٨].

стр. 423

وتخصيص مسجد يحتاج لدليل. وأما خروجه للجمعة، فهي واجبة فتكون كالمستثنى من ضرورياته. اعتكاف المرأة في مسجد بيتها: وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو المكان المعد للصلاة فيه، وهو أفضل عندهم من المسجد، والأصل في هذا عموم ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٨] فشمل الرجل والمرأة، لكن لما كان النص أن أفضل صلاة المرأة في بيتها دل على أنها لو اتخذت مسجدًا لها في بيتها كان أفضل من الصلاة في غيره وهكذا الاعتكاف يكون أفضل لها من المسجد غيره (١). قلنا هذا قياس مع الفارق؛ لأن الشرع لما أطلق في الآية ذكر المساجد علم أنها المسجد الذي يصلي فيه المسلمون لا مسجد المرأة في بيتها؛ لأنه لا يسمى مسجدا في الشرع. ولذلك لم يأمر النبي أزواجه بذلك لما أمر برفع أخبيتهن من المسجد، ولو كان جائزا لقال اعتكفن في بيوتكن خير لكن. ولم يفهمه الصحابة وهم أهل اللسان.

стр. 424

بل قال ابن عباس: " إن أبغض الأمور إلى الله البدع، وإن من البدع الاعتكاف في المساجد التي في الدور" (١). ولا يسمى مسجدا لذلك يجوز بيعه وتحويله إلى مجاري ومكب للنفايات، والمسجد لا يصنع به ذلك. والقياس على الصلاة قياس مع الفارق؛ لأن الصلاة تتكرر فيسر لها الشرع ذلك، بخلاف الاعتكاف فقليل لا يتكرر، وفيه قول الشافعي قديم، ووجهان لأصحابه على القديم في جواز اعتكاف الرجل في مسجد بيته (٢). ولبعض المالكية يجوز للرجال والنساء؛ لأن التطوع في البيوت أفضل. قلت: مبنى المسألة على تحقيق المناط هل عموم المساجد في الآية يتنزل على المصلى في البيت، أم لا. الذي يظهر أنه لا يتنزل لما تقدم من فعل زوجات النبي ﷺ وأصحابه، وهم أهل اللسان. وثم أقوال أخرى في اعتبار مكان الاعتكاف حاصلها (٣). - وخصه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقًا وأومأ إليه الشافعي في القديم. - وخصه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة. - وعطاء بمسجد مكة والمدينة.

стр. 425

- وابن المسيب بمسجد المدينة. المطلب السادس: زمن الاعتكاف أصل هذه المسألة أنه لم يرد في الشرع تحديد بقول وإنما أخذ ذلك من فعله ﷺ ، وقد اعتكف العشر وقال لعمر: ﴿أوف بنذرك﴾ (١)، في اعتكاف ليلة. فهذا يدل على جواز الليلة، ولا يدل على عدم ما دونها ومن هنا رجع الفقهاء إلى تحديد ذلك إلى ما يسمى اعتكافا؛ لأن الشرع إذا لم يضبط المقدار رجع به إلى ما يحقق الاسم في الواقع. "واتفقوا على أنه لا حد لأكثره" (٢)، واختلفوا في أقله: فمن شرط فيه الصيام قالوا أقل زمنه يوم وليلة وهم الحنفية، والمالكية، أما الحنفية فشرطوا الصوم في الاعتكاف الواجب لا في النفل (٣). والمالكية شرطوه مطلقًا وأقل الاعتكاف يوم وليلة، وقيل: يوم فما فوق عندهم.

стр. 426

قال ابن القاسم: "وبلغني عن مالك أنه قال: أقل مدة الاعتكاف يوم وليلة، فسألته عنه فأنكره، وقال: أقله عشرة أيام وبه أقول. " (١). ومن لم يشترط الصوم قالوا أقله ما يطلق عليه اسم لبث، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، والظاهرية (٢) ، ولا يشترط القعود عند الشافعي ويكفي المرور مع النية كوقوف عرفة وروى عبد الرزاق عن يعلى بن أمية الصحابي إني لأمكث في المسجد الساعة وما أمكث إلا لأعتكف (٣) المطلب السابع: عمل المعتكف وخروجه من المسجد أما عمل المعتكف فينقسم قسمين: ما هو داخل المسجد، وما هو خارجه. أما ما هو داخله فهو راجع إلى تحقيق مقصد الاعتكاف من ذكر وتفرغ للعبادة والصلاة والقيام وتلاوة القرآن ولم ينه الشرع عن شيء داخل المسجد للمعتكف إلا أن يباشر أهله حال الاعتكاف كان في المسجد، أو خارجه. ومن الأصول الحاكمة هنا ما جاء في الصحيحين أن نساءه كن يزرنه في معتكفه. وكانت عائشة ترجل له شعره وتغسله يدني لها رأسه إلى البيت، وهو في المسجد. وقام ﷺ وشيع زوجته إلى باب المسجد وظاهر رواية البخاري أنه خرج يوصلها إلى باب بيتها وكانت أبيات نسائه حول المسجد. وتقدمت هذه النصوص.

стр. 427

فانحصر النهي فيما يعود على الاعتكاف بالإبطال، وهو المباشرة والخروج بلا عذر ومعصية الله، أما كل مباح فجائز. لكن بالنظر إلى مقاصد الاعتكاف كره بعض الفقهاء الاشتغال بما يخل بذلك المقصد، ولذلك قال مالك: ولا يشتغل في مجالس العلم، قيل له: أفيكتب العلم في المسجد؟، فكره ذلك، قال ابن نافع: في الكتاب إلا أن يكون الشيء الخفيف،، وقال ابن وهب: وسئل مالك: أيجلس مجالس العلماء ويكتب العلم؟، فقال: لا يفعل إلا الشيء الخفيف، والترك أحب إلي. قال ابن القاسم: ولا بأس أن يشتري ويبيع الشيء الخفيف من عيشه الذي لا يشغله. ولا يأخذ من شعره وأظفاره، ولا يدخل إليه في ذلك حجام وإن جمعه وألقاه، وإنما كره ذلك لحرمة المسجد، ويعتكف في عَجُز المسجد، ولا بأس أن يعتكف في رحابه. وكره مالك للمؤذن المعتكف أن يرقى على ظهر المسجد، واختلف قوله في صعوده المنار، فمرة قال: لا، ومرة قال: نعم، وجل قوله فيه الكراهية، وذلك رأيي. ولا يشتغل بشيء من التجارات، ولا بأس أن يأمر من يكفيه أمر ضيعته وضيعة أهله ومصلحته وبيع ماله أمرًا خفيفًا لا يشغله (١). قال ابن رشد: فأما العمل الذي يخصه ففيه قولان: قيل: إنه الصلاة وذكر الله وقراءة القرآن لا غير ذلك من أعمال البر والقرب، وهو مذهب ابن القاسم. وقيل: جميع أعمال القرب والبر المختصة بالآخرة، وهو مذهب ابن وهب، فعلى هذا المذهب يشهد الجنائز ويعود المرضى ويدرس العلم، وعلى المذهب الأول لا (٢).

стр. 428

وقال ابن حزم: ويعمل المعتكف في المسجد كل ما أبيح له من محادثة فيما لا يحرم، ومن طلب العلم أي علم كان، ومن خياطة، وخصام في حق، ونسخ، وبيع وشراء، وتزوج وغير ذلك لا يتحاش شيئا؛ لأن الاعتكاف: هو الإقامة كما ذكرنا، فهو إذا فعل ذلك في المسجد فلم يترك الاعتكاف (١). الخروج من المسجد: أما الخروج من المسجد فالأصل الحاكم له: أن تحقيق ركن الاعتكاف يكون باللبث في المسجد، فكان الخروج منه يناقض ذلك، وجاءت أصول حاكمة أخرى معارضة تخصص هذا الأصل. من ذلك أن عائشة ﵂، زوج النبي ﷺ قالت: ﴿وإن كان رسول الله ﷺ ليدخل علي رأسه، وهو في المسجد، فأرجله،، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا﴾ (٢).، وفي رواية ﴿فأغسله وأنا حائض﴾ (٣). فدل أن حاجات الإنسان مستثناة من عدم الخروج من قضاء الحاجة ودخول الحمام وأكل وشرب، فهذه حاجاته الأساسية التي يشملها حديث عائشة ويلحق بها ما سواها من حاجاته وحاجات أهله. وورد أنه قام مع صفية، ففي الحديث أن صفية زوج النبي ﷺ أخبرته: ﴿أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تزوره في اعتكافه في المسجد، في العشر الأواخر من رمضان فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبي ﷺ معها يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب، أم سلمة، مر رجلان من الأنصار، فسلما على رسول الله ﷺ ، فقال لهما النبي ﷺ : على رسلكما، إنما هي صفية بنت حيي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله، وكبر عليهما،

стр. 429

فقال النبي ﷺ : إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا﴾ (١). عن علي بن الحسين: ﴿كان النبي ﷺ في المسجد، وعنده أزواجه، فرحن، فقال لصفية بنت حيي: لا تعجلي حتى أنصرف معك.، وكان بيتها في دار أسامة، فخرج النبي ﷺ معها، فلقيه رجلان من الأنصار﴾ (٢). فدل هذا الحديث والذي قبله أن للمعتكف أن يقضي حوائجه وحوائج أهل؛ لأنه أوصلها إلى باب بيتها حول المسجد. قال الحافظ: "فذهب معها حتى أدخلها بيتها، وفي رواية هشام المذكورة، وكان بيتها في دار أسامة زاد في رواية عبد الرزاق عن معمر، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد أي الدار التي صارت بعد ذلك لأسامة بن زيد؛ لأن أسامة إذ ذاك لم يكن له دار مستقلة بحيث تسكن فيها صفية، وكانت بيوت أزواج النبي ﷺ حوالي أبواب المسجد" (٣). ويلحق بذلك القيام بفرض متعين عليه؛ لأنه من الحاجة. ومن ذلك فرض الجمعة، وصلاة الجماعة عند من يقول بفرضيتها وأداء الشهادة وطاعة والدين. وكل فرض أمر الله به يجوز الخروج؛ لأن الله أمر بهذا وأمر بهذا فيخرج له بقدره، ثم يعود؛ لعموم ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ٦]. ولكيفية تنزيل هذه الأصول وتوظيفها اختلفت أنظار الفقهاء ومقارباتهم الفقهية وموازناتهم بينها

стр. 430

فمن المسائل ما اتفقوا عليه ومنها ما اختلفوا والعلة في تنزيل هذا الحديث، وفي تحقيق الخروج الذي لا ينقض الركن. والقاعدة المجمع عليها في ضبط خروج المعتكف: الخروج للحاجات الأساسية من دخول حمام وأكل وشر ونحوه، ويلحق بها على خلاف الخروج لكل فرض، أو دفع ضرر عن نفسه، أو الغير، وتجري هنا قاعدة: الضرورة تقدر بقدرها، فإن تجاوز بطل اعتكافه. وعلى هذه القواعد والأصول يجري فقه هذه المسائل وتنزيلاتها (١). ١ - اتفقت المذاهب على الخروج للأكل والشرب إن لم يكن لم يكن له من يأتيه به، فإن كان له من يأتيه به للمسجد بطل اعتكافه عند الحنفية، والمالكية، والحنابلة وصح عند الشافعية؛ لأن الأكل في المسجد فيه حرج ومشقة يستحيا منها. ٢ - الخروج لصلاة الجمعة أجازها الحنفية، والحنابلة ويعود بعد ذلك، ولا يتمادى لأنها فرض يؤدي على قاعدة استثناء الفروض عارضه فرض المكث فكان كالمستثنى جمعا بينهما ومن قال بالبطلان كالمالكية قال لأنه يمكن له أن يتحرز من الخروج بالاعتكاف في مسجد الجمعة، وهذا خلاف عموم نص الآية المقتضية لعموم المساجد فلا تعارض. ٣ - وتنزيل هذه القواعد على مسألة عيادة المريض عند الأربعة يبطل الاعتكاف إن كان خرج قصدا له لا تبعًا إلا إن اشترط عند الحنفية، والشافعية، والحنابلة.

стр. 431

ويجب الخروج عند المالكية في مسألة عيادة الأبوين ويبطل اعتكافه ويقضي. وأجاز ذلك مطلقًا الظاهرية. والدليل للجميع أن الشريعة رخصت لحاجة الإنسان وللفرض والضرورة والعيادة ليست كذلك؛ بل هي سنة، أو فرض كفاية ولزوم الاعتكاف فرض. أما الظاهرية؛ فلأن زيارة المريض فرض وشهود الجنازة وغيرها التي في الحديث حق المسلم على المسلم. ٤ - الخروج للمرض الشديد. وهذا من الضرورات فالأصل أن يلحق بالحاجات الأساسية. وتنزيل القاعدة اختلف فيه هنا فأبطل الحنفية اعتكافه إن خرج. وأجاز المالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية ويرجع ويبني بعد شفائه. والجواز هو الصواب؛ لأنه مساو للضرورة التي يجيزها الجميع كحالة الإكراه لخصومة، أو حالة الإغماء. ٥ - الخروج لأداء الشهادة المتعينة عليه، أو تحملها جائز عند الشافعية، والحنابلة، والظاهرية عملا بقاعدة استثناء الفرض المتعينة، أو دفع المفاسد والضرر عن النفس والغير وهي تساوي الحاجات الأساسية التي كان النبي ﷺ يخرج لها ولعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. أما الحنفية، والمالكية فرأوا أن الخروج لها مبطل؛ لأنه مناقض للبث في المسجد. ٦ - وهل النسيان يقاس على الإكراه والضرورة اختلف فيه فقالت الشافعية، والحنابلة، والظاهرية هو مستثنى لعموم رفع القلم عن ثلاث عن الناسي.

стр. 432

وقال غيرهم يبطل اعتكافه. والناظر في مثل يجب عليه أن يسبر مواقع تأثير النسيان في الحكم والاتفاق، فإن نسيان الواجب، أو الركن، أو الشرط إنما يرفع الإثم، أما التدارك فواجب فمن نسي ركعة، أو نسي ركنًا في الوضوء فتذكر وجب عليه تداركه. وإنما يرفع عنه الإثم في فعله، وفي استمرار نسيانه له. أما المحرمات فمن عملها ناسيًا، فهي عفو لكن لو تعلقت بركن عبادة فيجب الإتيان به. ولا نعلم استثناء من القاعدة غير الصوم؛ للنص الخاص فيه: عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه.» (١) فرفع الإثم وصحح العبادة. وعليه فمن خرج من معتكفه ناسيًا فإنه لا إثم عليه، لكن العبادة هل تصح الأصل أنها لا تصح. لأن النسيان لا يسقط الأركان، وهذا الذي جرى عليه مالك وغيره. لكنهم اتفقوا في المكره بعدم البطلان والعلة العلة؛ لأن المكره أبطل الركن فكيف يكون صحيحا. تحقيق ما يعفى فيه عن النسيان مع الصحة وما يعفى مع عدمها: والمسألة ينبغي أن يقال فيها أن ما تبين شرطه، أو ركنه بالنص والإجماع فليجب الإتيان به على كل حال. ومثلها الصلاة وأركان الحج المجمع عليها وجماع المعتكف، ولا يستثنى إلا الصوم؛ للنص. وأما ما لا يعلم فيه الركنية بالنص، أو الإجماع فمحل نظر في كل مسألة. ولا أركان على وجه القطع إلا في العبادات المحضة، أما في المعاملات، فهي

стр. 433

مصححات مستنبطة. وركنها جميعا التراضي، فإن انعدم انعدمت ولو بإكراه، أو نسيان. وهكذا جميع الإنشاءات التعاقدية. فهذه قاعدتها. أما النكاح فالنص أن هزله وجده سواء يجعل له خصوصية، أما الطلاق فيجب فيه الإرادة، فإن أكره فلا يقع. أو قاله خطأ بلا إي إرادة. أما الحدود، فهي مبنية على الدرء بالشبهة فيؤثر فيه الجهل والإكراه. والقتل ركنه الفعل والآلة. مع القصد، وأما الإتلافات فلا تؤثر فيها عوارض الأهلية كلها؛ بل الضمان لازم وإنما يؤثر في رفع الإثم؛ لأن ركنه مجرد الفعل، ولا يشترط له الإرادة. والخلاصة الكلية: أن عوارض الأهلية من إكراه ونسيان وإغماء ونوم لا تسقط الأركان والشروط النصية والإجماعية إلا في الصوم للنص، وأن جميع عقود المعاملات ركنها الإرادة فتطبل حيث بطلت الإرادة بإكراه ونحوه، ومثله الفرقة في النكاح. وأما الإتلافات والغصب والسرقة فركنها الفعل لا الإرادة فتضمن على كل وجه. وأما الحدود فتدرأ بالشبهات ومنها تحقق الإكراه،، وفي بعضها كالقتل خلاف. هذه هي القاعدة، وعلى هذا الأصل. والذي يتحرر هنا في مسألة النسيان في الاعتكاف. أن ركنه، وهو اللبث في المسجد مع أنه إجماعي، لكنه قد خرم في الجملة فأجاز الشرع الخروج للحاجة. فدل أن الركنية ليست كركنية الركوع في الصلاة فإنه لم يسقط، أو يستثنى بحال. وعليه: فالخروج مشروع في حالات. فدل هذا أن الخروج المبطل بإجماع هو خروج بلا عذر شرعي.

стр. 434

فهل النسيان عذر شرعي؟ الظاهر أنه كذلك؛ لأن الشرع رفع به الإثم بالنص؛ ولأن الإكراه عذر بإجماع. مذهب الظاهرية: قال أبو محمد: كل فرض على المسلم، فإن الاعتكاف لا يمنع منه، وعليه أن يخرج إليه، ولا يضر ذلك باعتكافه، وكذلك يخرج لحاجة الإنسان، من البول والغائط وغسل النجاسة، وغسل الاحتلام، وغسل الجمعة، ومن الحيض، إن شاء في حمام، أو في غير حمام. ولا يتردد على أكثر من تمام غسله، وقضاء حاجته، فإن فعل بطل اعتكافه، وكذلك يخرج لابتياع ما لا بد له ولأهله منه، من الأكل واللباس، ولا يتردد على غير ذلك، فإن تردد بلا ضرورة: بطل اعتكافه، وله أن يشيع أهله إلى منزلها، وإنما يبطل الاعتكاف: خروجه لما ليس فرضًا عليه (١) حدود المسجد: ورد الشرع بعموم ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. فما هي حقيقة المسجد التي تسمى مسجدا وتدخل فيه؟ وتنزيل هذا العموم هو من نوع تحقيق المناط، وهو راجع إلى العرف فيما يدخل في مسمى المسجد وما لا يدخل. لذلك نجد الإجماع على أن سطح المسجد منه، ونجد اختلافا في رحبة المسجد والمساحة التابعة له الموقوفة عليه فالشافعية يلحقونها به وغيرهم لا يلحقها. والمنارة إن كانت في المسجد، أو بابها إلى داخله، فهي منه عند الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٢).

стр. 435

طروء الحيض والنفاس: أصل هذه المسألة هو أن الحيض والنفاس والجنابة تمنع المكث في المسجد، ولا تبطل الاعتكاف ويجب عليهم البناء فورا بعد زوال العذر عند المذاهب الأربعة (١). الأصل في هذا من القرآن: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ، ولا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]. والأصل فيه من السنة: ١ - عن أم عطية قالت: ﴿أمرنا - تعني النبي ﷺ أن نُخرِجَ في العيدين العواتق، وذوات الخدور، وأمر الحُيَّض أن يعتزلن مصلَّى المسلمين﴾. أخرجه البخاري ومسلم (٢) ٢ - عن عائشة ﵂ قالت: ﴿قال لي رسول الله ﷺ : ناوليني الخمرة من المسجد. قالت: فقلت: إني حائض. فقال: إنَّ حيضتك ليست في يدك﴾. أخرجه مسلم (٣) وقالت الظاهرية: وإذا حاضت المعتكفة أقامت في المسجد كما هي تذكر الله تعالى، وكذلك إذا ولدت، فإنها إن اضطرت إلى الخروج خرجت، ثم

стр. 436

رجعت إذا قدرت؟ لما قد بينا قبل من أن الحائض تدخل المسجد، ولا يجوز منعها منه إذ لم يأت بالمنع لها منه نص، ولا إجماع، وهو قول أبي سليمان؟ (١). المطلب الثامن: مباشرة المعتكف زوجته هذه المسألة مبنية على ثلاثة أصول: الأول: الآية ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. الثاني: السنة قالت: ﴿وإن كان رسول الله ﷺ ليدخل علي رأسه، وهو في المسجد، فأرجله،، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا﴾ (٢)، وفي رواية ﴿فأغسله وأنا حائض﴾ (٣). الثالث: القياس على المباشرة في الصوم والحج. ويتعلق بها من الأسئلة التأصيلية سؤال الماهية والدلالة والمعارضة. أما سؤال الماهية: فالأصل في هذه المسألة هو نص الآية ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. حيث توجه النهي إلى المباشرة حال الاعتكاف فما هي المباشرة؟. وأما الدلالة فالنهي دليل التحريم والفساد وكل نهى متعلق بالعبادات تعلقا بمحدداتها الشرعية فهو دليل التحريم والفساد. وعليه فكل مباشرة للزوجة محرمة مبطلة للاعتكاف وتحديد ماهية المباشرة هو ما يحدد الحكم الفقهي، وهذا من سؤال الماهية.

стр. 437

والمباشرة في اللسان العربي هي أن يكون الرجل مع زوجته في ثوب واحد، وهذا التفسير اللغوي يفسر حالة معينة، هي ما يفعله الرجل مع امرأته من الاستمتاع هذه حقيقتها، ولا شك أن الجماع داخل في هذا المعني، وهو ما نصت عليه كتب اللغة في سردية معاني المباشرة وجاء معنى ثالث كذلك وهو أنها تطلق على لمس البشرة (١). فتحصل أن لفظ المباشرة يطلق على هذه المعاني الثلاثة لغة ونحن مخاطبون بلغة العرب ولسانه. وهي الاستمتاع، الجماع، اللمس. فإذا استثنى الشرع شيئًا كان إخراجا له عن هذا الحكم وإن كان يسمى مباشرة. ولهذا ثبت أنه ﷺ كان يقبل ويباشر، وهو صائم كما قالت عائشة فأطلقت عائشة هذا الاسم على الاستمتاع بالزوجة فدل أن ذلك داخل لغة في اسم المباشرة. لكنه استثني في الصوم هذا الاستمتاع بالنص فخرج شرعًا لا أنه خرج لغة. فدل أن الاستمتاع والجماع داخلان قطعا من جهة اللغة في الاسم ومن جهة الشرع في المنع. أما اللمس فلا يقال لمن لمس زوجته أنه باشرها لذلك لما كانت عائشة تغسل رأسه ﷺ .

стр. 438

وترجله، وهو معتكف لم تقل باشرت، أو باشرني فدل أن مجرد الملامسة لا يطلق عليها لغة أنها مباشرة؛ لأن المباشرة معنى زائد على ذلك وهي من المفاعلة والملاصقة كما تقدم في اللسان. وعلى كل وجه فإنه لو احتمل أن مجرد اللمس يسمى مباشرة لغة فحديث عائشة المتقدم في ترجيل شعره يخرج هذا وبقي المعنيان الأولان، وهو الاستمتاع بالزوجة وجماعها. وتحريم الجماع أولوي كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، كان الضرب فيه أولى بالتحريم قطعا وكذلك الجماع هنا. فلفظ المباشرة يشمله من باب الوضع اللغوي، أو من باب التنبيه الأولوي فهو تنبيه على ما هو أعلى وأولى من ملامسة الزوجة بشهوة. لذلك أجمع الصحابة ومن بعدهم من الأمة على تحريم الجماع للمعتكف وفساد اعتكافه. وأما المباشرة بمعناها الآخر الذي ذكرنا في اللغة وهي استمتاع الرجل بزوجته، فهي محرمة لظاهر الآية ويبطل بها الاعتكاف لتوجه النهي إلى هذه الماهية. وأما مجرد لمس الزوجة فلا يسمى مباشرة في عرف اللغة إلا مجازا، أو توسعا لا حقيقة، ولا يسمى مباشرة كذلك في لفظ الشرع. لذلك كانت عائشة ترجل رأس رسول الله، وهو معتكف وتغسله قالت: ﴿وإن كان رسول الله ﷺ ليدخل علي رأسه، وهو في المسجد، فأرجله،، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا﴾ (١). وفي رواية: ﴿فأغسله وأنا حائض﴾ (٢).

стр. 439

فدل على أن الملامسة المجردة بلا استمتاع، ولا شهوة جائزة؛ لأنها لا تدخل أصلًا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. لهذا يجب أن يؤخذ من دلالة الآية. ١ - تحريم الجماع وبطلان الاعتكاف به، وهذا بلا خلاف إلا أن الشافعي لم يبطله مع النسيان للدليل الكلي العام الذي سبق مرارا (١). ٢ - تحريم المباشرة بشهوة مع الإنزال وبطلان الاعتكاف به عند الجميع. ٣ - تحريم المباشرة بشهوة ولو بلا إنزال وإبطال الاعتكاف به، وهو ما جنح إليه مالك، والظاهرية والشافعي في قول صححه في المجموع لعموم الآية (٢). خلافا للحنفية، والشافعية في أظهر الأقوال، والحنابلة (٣). فمالك، والظاهرية وقول للشافعي أخذوا بدلالة الآية في تحريم المباشرة بشهوة والأصل في النهي التحريم والبطلان.

стр. 440

وعارضه الآخرون بالقياس على المباشرة في الحج والصوم، فإن مباشرة الصائم بشهوة لا تبطل فخلافهم ليس لأن لفظ المباشرة لا يشمل المباشرة بشهوة، ولكن لمعارضته بالقياس فخصصوا به ذلك. ومعارضة العموم بالقياس ليست قوية، فإن القياس أنزل مرتبة من النص العام والأصل عدم التخصيص إلا بما هو وارد معارض في نفس المحل ونفس العبادة، أما تخصيص أحكام في باب الاعتكاف بأحكام في باب الصيام فهو بعد؛ لأنه إبطال للمعنى بدون معارضة، والجمع إنما يكون عند التعارض، ولا تعارض هنا. ٤ - تجوز الملامسة بغير شهوة إلا عند ابن حزم فتحرم ويبطل بها الاعتكاف، لكن ابن حزم استثنى ما في حديث عائشة تمسكا بالظاهر (١)، ولم يتعداه. والجمهور جعلوه تنبيها على غيره؛ لأنها لمست رأسه وغسلته فيدل على أن الملامسة بدون شهوة لا تبطل، ولا تحرم. والذي عندي أنها غير داخلة في لفظ المباشرة كما قدمنا، فتبين بهذا أرجحية القول بأن المباشرة بشهوة محرمة تبطل الاعتكاف. ولو يثبت من السنة ما يبيحه.

стр. 441

المبحث الرابع: إفطار الصائم وأحكامها ومسائل في الآداب المسألة الأولى: السنة في الإفطار. من السنة الإفطار على الرطب، فإن لم يجد فعلى التمر، فإن لم يجد فعلى الماء كما ثبت عنه ﵊: عند الترمذي وغيره من حديث ﴿أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء﴾ (١) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب قلت: والتعجيل في الفطر بعد تحقق الغروب هو السنة للنصوص الواردة في ذلك من السنن وللإجماع على ذلك. ففي الصحيحين عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر﴾ (٢). وفي المسند عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ﴿لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر؛ إن اليهود والنصارى يؤخرون﴾ (٣). قلت: رجاله رجال الشيخين. ويقابله السحور، فإن السنة تأخيره لورود السنن الصحاح في ذلك وللإجماع. قال البخاري: حدثنا مسلم بن إبراهيم: حدثنا هشام: حدثنا قتادة، عن

стр. 442

أنس، عن زيد بن ثابت ﵁ قال: تسحرنا مع النبي ﷺ ، ثم قام إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟. قال: قدر خمسين آية (١) قال ابن المنذر: أجمع العلماء أن السحور مندوب إليه مستحب، ولا مأثم على من تركه، وحض أمته ﵇ عليه ليكون قوة لهم على صيامهم (٢). وورد عند أحمد عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿السحور أكله بركة، فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين﴾ (٣). قال الحافظ: فإن في السحور بركة هو بفتح السين وبضمها؛ لأن المراد بالبركة الأجر والثواب فيناسب الضم؛ لأنه مصدر بمعنى التسحر، أو البركة لكونه يقوي على الصوم وينشط له ويخفف المشقة فيه فيناسب الفتح؛ لأنه ما يتسحر به، وقيل: البركة ما يتضمن من الاستيقاظ والدعاء في السحر والأولى أن البركة في السحور تحصل بجهات متعددة وهي اتباع السنة ومخالفة أهل الكتاب والتقوي به على العبادة والزيادة في النشاط ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع والتسبب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك، أو يجتمع معه على الأكل والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنة الإجابة وتدارك نية الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام (٤). المسألة الثانية: موائد الإفطار الرمضانية. ومن فطر صائمًا فله مثل أجره كما في السنن الثابتة فعن زيد بن خالد الجهني ﵁ عن النبي ﷺ ﴿عن النبي ﷺ : من فطر صائما، كان له، أو كتب

стр. 443

له، مثل أجر الصائم، من غير أن ينقص من أجر الصائم شيئا. ومن جهز غازيا في سبيل الله، كان له، أو كتب له، مثل أجر الغازي في أنه لا ينقص من أجر الغازي شيئا﴾ أخرجه في المسند بسند صحيح (١). وعند ابن خزيمة بسند صحيح عن زيد بن خالد الجهني، قال: ﴿قال رسول الله ﷺ : «من جهز غازيا أو جهز حاجا، أو خلفه في أهله أو فطر صائما كان له مثل أجورهم من غير أن ينتقص من أجورهم شيء﴾ (٢). ومن العادات المجتمعية الحسنة في تطبيق هذه السنة المباركة موائد إفطار الصائم ففيها من الأجور العظيمة ما لا يعلمه إلا الله. فهي داخلة في هذا الأجر العظيم. ولا يجوز أن تعجل من مال الزكاة؛ لأن الزكاة لها مصارف معينة، ولأن شرط الزكاة تمليك الفقير وليس في موائد إفطار الصائم تمليك. ولو أعطى الفقير إلى بيته وحسبه من الزكاة لا يصح؛ لأن زكاة المال تخرج من جنسه نقودًا، أو عروضًا، أو ماشية بحسب المال لا طعاما مطبوخا. لكن لو اشترى به سلة غذائية من البر والسكر والاحتياجات الغذائية وسلمها للأسر الفقيرة وحسبها من الزكاة فإن كان يتاجر في ذلك جاز. وإن لم يكن وعليه زكاة نقود فلا ينبغي له أن يشتري بها لأنه ليس وكيلا عن الفقير، ويجري فيها خلاف إخراج الزكاة بالقيمة وقد تقدمت. المسألة الثالثة: البرامج الرمضانية لما شرع الله الصوم لمقصودات كبيرة وعظيمة تتعلق بصلاح الإنسان في دينه ودنياه سبق ذكرها أول هذا السفر. على المكلف السعي لتحقيقها واجتناب كل ما يعود عليها بالخلل والإبطال

стр. 444

ومعلوم أن الإعلام يقدم أنواع البرامج في شهر رمضان منه الجائز ومنه المحرم. والإدمان في الانشغال بها إن كانت مباحة يؤثر على ما قصد الشرع من شهر رمضان ويؤثر على تلاوة القرآن والذكر والقيام والدعاء وغيرها من الصالحات التي جعل رمضان لها مدرسة عظيمة، فلا يليق بالمؤمن أن يضيع الفرص ويعرض عن النفحات ويقبل على البرامج والمسلسلات والتهريج. أما المحرمة التي تبرز الشهوات والمفاتن والتبرج فهذا مما لا يجوز للمسلم أن يشاهده أصلا.

стр. 445

المبحث الخامس: أنواع الصوم الأخرى وأحكامها ينقسم الصوم غير رمضان إلى: ١ - واجب: وهو النذر، والقضاء. ٢ - محرم: وهو العيدين بلا خلاف والتشريق إلا لمن لم يجد الهدي ويوم الشك. ٣ - مكروه. ٤ - مستحب: وهو باقيه، وسنتكلم عن ذلك في مطالب: المطلب الأول: قضاء رمضان المسألة الأولى: يتعلق بهذا المطلب من الأسئلة التأصيلية الخمسة: (سؤال الدليل، والدلالة، وسؤال المعارضة). أما سؤال الدليل والدلالة: فالأصول الحاكمة لهذا المطلب أربعة من القرآن والسنة والإجماع، والقياس. - أما من القرآن فهو الإطلاق في قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أيام أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٧٩] .. فذكره بدون تقييد بزمن، ولا تتابع، ولا كفارة لمن تجاوز رمضان.

стр. 446

- ولا نص من السنة يدل على قيد من هذا النوع. ومن دلائل هذه الباب من السنة ما جاء عن عائشة: ﵂ تقول: ﴿كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان. قال يحيى: الشغل من النبي، أو بالنبي ﷺ .﴾ (١). - أما من الإجماع فقال ابن بطال: "وأجمع أهل العلم على أن من قضى ما عليه من رمضان في شعبان بعده أنه مؤد لفرضه غير مفرط" (٢). - أما من القياس: فقياس الصوم على الصلاة حيث إن الصلاة عبادة متكررة فلا يجوز تأخيرها إلى دخول الأخرى وهكذا الصوم عبادة متكررة فلا يجوز تأخيره إلى دخول رمضان آخر. وسؤال الدلالة هنا: أن الإطلاق في الكتاب بين، ولا تقييد في السنة في حديث ثابت، ولا مقيد له. أما حديث عائشة فهو يدل على جواز التأخير بلا إثم؛ لأنها لو كانت آثمة لما أقرها رسو الله ﷺ وبعيد ألا يطلع عليه ولا يبينه. ولم يبين ذلك في أي حديث آخر مع كثرة من يقضي ومن يسافر، وقد كان يفطر أصحابه في السفر معه فلم يبين لهم تقييد إطلاق الآية فدل على الجواز. أما سؤال التعارض: فهو هل في حديث عائشة معارضة لما في إطلاق الآية وهل فيه دلالة على وجوب القضاء قبل رمضان آخر. الجواب: ليس هناك دلالة على أنها فعلت ذلك؛ لأنها تعتقد أنه يحرم عليها التأخير إلى ما بعد رمضان.

стр. 447

فهذا قول من التخمين والاحتمال لا من النص ويعارضه احتمال آخر، وهو أنها كرهت ذلك خشية تراكم القضاء عليها لعدة رمضانات فيشق عليها؛ لأن المرأة تحيض في الشهر. فإخلاء الذمة عن الواجب أولى من التأخير دفعا لهذا المشقة، وهذا أقوى من الاحتمال السابق. أما معارضته بالقياس فالقياس المتقدم لا يصح؛ لأنه مع الفارق؛ لأن صلاة الظهر تجوز إلى العصر، ولا يجوز تأخيرها عن ذلك؛ لأنها أداء فرض موسع إلى حد معين. أما قضاء الصوم فهو قضاء لا أداء كما أنه فرض موسع بلا حد معين. والصحيح قياس قضاء الصوم على قضاء الصلاة إذ الصلاة الفائتة لا يلزم تقديمها على الحاضرة. فعارض القياس القياس فتساقطا. والحاصل أن في هذه الآية إطلاقات. الأول: الإطلاق عن التتابع وعلى إطلاق الآية سارت المذاهب الخمسة فلم يشرطوا تتابعا (١).

стр. 448

الثاني: الإطلاق عن التقيد بزمن، وهو بين رمضانيين، وقد انقسم الفقهاء إلى فريقين في التعامل مع هذا الإطلاق. الفريق الأول: العمل به، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وهو الذي يظهر من صنيع ابن حزم. فقالت الحنفية يجوز له أن يصوم ولو أدركه رمضان آخر، ولكن يستحب له المبادرة، وقال ابن حزم: "والمتابعة في قضاء رمضان واجبة لقول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، فإن لم يفعل فيقضيها متفرقة وتجزئه لقول الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ولم يحد تعالى في ذلك وقتا يبطل القضاء بخروجه" (١). الفريق الثاني: من لم يعمل بهذا الإطلاق؛ لأنه معارض، وهذا قول الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، فعارضوه كما تقدم بحديث عائشة وبالقياس المتقدم فقالوا بوجوب المبادرة قبل دخول رمضان آخر. والجواب عنه أن وجه الدلالة في حديث عائشة احتمال معارض باحتمال أظهر منه كما أن الشرع لا يبنى على الاحتمالات التي لا دلالة لها من النص الظاهر، أما القياس فمعارض بالقياس الأصح منه.

стр. 449

الإطلاق الثالث: إطلاق عن الفدية، وقد انقسم الفقهاء في العمل بهذا الإطلاق إلى فريقين كذلك. ١ - من لم يوجب الفدية عملا بالإطلاق، وهو قول الحنفية، وهو الظاهر من تصرف الظاهرية (١)، وهو قول الحسن، والنخعي كما قال ابن قدامة ٢ - من أو جب الفدية إن أخر القضاء عن رمضان، وهو قول المالكية، والشافعية، والحنابلة (٢) ونقله ابن قدامة عن ابن عباس، وابن عمر، وأبو هريرة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق (٣). وقد احتج الشافعية، والحنابلة أنه فتوى ثلاثة من الصحابة فقال ابن قدامة: "ولنا، ما روى عن ابن عمر، وابن عباس، وأبى هريرة، أنهم قالوا: أطعم عن كل يوم مسكينا. ولم يرد عن غيرهم من الصحابة خلافهم" (٤). فعارضوا إطلاق النص بدعوى عدم العلم بالمخالف، وهو ما يعرف بالإجماع السكوتي، وفي كونه حجة خلاف. ومن قال بحجيته شرط انتشار القول وقرائن الرضى عن القول، وألا يكون السكوت لعذر ونحوه، وهذه شروط لم تتحقق. وكل ما تقدم في حال من أخره بغير عذر، أما من كان مريضا، أو مسافرًا ودام ذلك حتى جاء رمضان آخر فلا يلزمه غير القضاء حكاة ابن المنذر عن سائر المذاهب. وثم قول عن ابن عباس وبن عمر وبن جبير أنه يصوم رمضان الحاضر وليس عليه عن الماضي إلا الإطعام فقط (٥).

стр. 450

الإطلاق الرابع: أطلقت الآية: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ولم تحدد أياما يتحاشى فيها الصوم، إلا أن نصوص السنة منعت صوم العيدين تحريمًا وعليه الإجماع، فهذا تقييد نصي. وأما غير ذلك فلم يصح في الكراهة شيء، وقد كره علي القضاء في عشر ذي الحجة ولعله ليتفرغ لصوم النفل لفضله (١). ولكن روي عن عمر بسند صحيح خلافه: أنه كان يستحب قضاء رمضان في العشر (٢)، صححه الحافظ، وهو في ابن أبي شيبة (٣). المسألة الثانية: هل يتطوع بالصيام قبل القضاء الأصل في هذا أن إطلاق عدة من أيام أخر جعله واجبا موسعا. فإن صام نفلا أي نفل فلا يعارض ذلك، وقد تفرد الحنابلة بالتحريم (٤). وثم رواية أخرى عن أحمد بالجواز (٥). وجاء عن أبي بكر ﵁ ﴿وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة﴾ (٦). وعن أبي هريرة أنه قال: ﴿سمعت أبا هريرة وسأله رجل قال: إن علي

стр. 451

أياما من رمضان أفأصوم العشر تطوعا؟ قال لا، ولم؟! أبداأ بحق الله، ثم تطوع بعد ما شئت﴾ (١) قلت: هو صحيح. والصحيح الجواز وما روي عن أبي بكر مراسيل وما جاء عن أبي هريرة ﵁ يحتمل الاجتهاد منه، ولم يثبت فيه حديث صحيح عن النبي ﷺ . المسألة الثالثة: من دام عذره حتى مات فلا قضاء عليه، ولا كفارة عند الأربعة: لعدم التكليف بالدلائل الكلية ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. قال العبدري: "وهو قول العلماء كافة إلا طاووسا وقتادة فقالا يجب أن يطعم عنه لكل يوم مسكين؛ لأنه عاجز فأشبه الشيخ الهرم" (٢). المسألة الرابعة: من استطاع القضاء فمات ولم يقض هل يصام عنه، أم يطعم. قلت: أصل هذه المسألة: أن قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] مطلقة غير مقيدة على زمن فمن مات، وكان قادرًا على الصيام فقد ثبت في ذمته. الأصل الثاني: لا ينوب أحد عن أحد في أداء العبادات إلا ما ثبت فيه الدليل كالحج الأصل الثالث: فتاوى الصحابة الأصل الرابع: الحديث عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (٣)، وهو مخرج في الصحاح.

стр. 452

فهذه هي الأصول التي أثارت المسألة وعليه انقسم العلماء إلى فريقين: ١ - فذهبت الحنفية، والمالكية، والحنابلة والجديد عن الشافعية أنه لا يصوم أحد عن أحد. وهل يطعم عنه قال الجميع يطعم. لكن الحنفية، والمالكية شرطوا للزوم الإطعام عنه الوصية قال مالك: وإن مات ولم يوص بإخراج الإطعام لقضاء رمضان لم يلزم ورئته إلا أن يشاءوا كالزكاة وغيرها تجب عليه فلا يوصي بها فلا يلزم ورثته إلا أن يشاء (١). وشرط الحنفية في الإطعام لزوم الوصية من الميت، فإن لم يوص فيجوز تبرع الوارث، ولا يجب. ومقدار الإطعام نص صاع من بر، قال الطحطاوي: والصلاة كالصوم استحسانا وتعتبر كل صلاة ولو وترا بصوم يوم والوارث والأجنبي في جواز التبرع سواء ولو صام وليه عنه، أو صلى لا يصح لحديث لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد (٢). والإطعام مد عند المالكية، والحنابلة ونصف صاع عند الحنفية. وعند الشافعية مدان مد على الفوت ومد على التقصير بالتأخير. ٢ - ومذهب الشافعي في القديم أنه يصوم عنه وليه، وهو قول طاووس والحسن البصري والزهري وقتادة وأبي ثور وداود، وهو قول ابن حزم. وسبب تراجع الشافعي في الجديد؛ أنه تردد في صحة حديث الصوم عن ابن عباس؛ لأنه جاء في رواية أنه نذر ولم يذكر صوما، وقد أطال البيهقي والنووي بيان الروايات الثابتة في الصحيحين التي ترفع هذه الاحتمال حتى قال النووي:

стр. 453

"قلت: الصواب الجزم بجواز صوم الولي عن الميت سواء صوم رمضان والنذر وغيره من الصوم الواجب للأحاديث الصحيحة السابقة، ولا معارض لها ويتعين أن يكون هذا مذهب الشافعي؛ لأنه قال إذا صح الحديث فهو مذهبي واتركوا قولي المخالف له، وقد صحت في المسألة أحاديث كما سبق والشافعي إنما وقف على حديث ابن عباس من بعض طرقه كما سبق ولو وقف على جميع طرقه وعلى حديث بريدة وحديث عائشة عن النبي ﷺ لم يخالف ذلك كما قال البيهقي فيما قدمناه عنه في آخر كلامه فكل هذه الأحاديث صحيحة صريحة فيتعين العمل بها لعدم المعارض لها (وأما) حديث ابن عمر في الإطعام عنه فقد سبق قول الترمذي فيه أنه لا يصح مرفوعا إلى النبي ﷺ وأن الصحيح أنه موقوف على ابن عمر وكذا قال البيهقي وغيره من الحفاظ لا يصح مرفوعا وإنما هو من كلام ابن عمر وإنما رفعه محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ في الذي يموت وعليه رمضان لم يقضه قال " يطعم عنه لكل يوم نصف صاع بر ". قال البيهقى هذا خطأ من وجهين (أحدهما) رفعه وإنما هو موقوف. (الثاني) قوله نصف صاع فإنما قال ابن عمر مدا من حنطة قلت: وقد اتفقوا على تضعيف محمد ابن ابي ليلي وانه لا يحتج بروايته وإن كان إماما في الفقه. (وأما) ما حكاه البيهقي عن بعض أصحابنا من تضعيف حديث ابن عباس وعائشة بمخالفتهما لروايتهما فغلط من زاعمه؛ لأن عمل العالم وفتياه بخلاف حديث رواه لا يوجب ضعف الحديث، ولا يمنع الاستدلال به وهذه قاعدة معروفة في كتب المحدثين والأصوليين لاسيما وحديثاهما في إثبات الصوم عن الميت في الصحيح والرواية عن عائشة في فتياها من عند نفسها بمنع الصوم ضعيف لم يحتج بها لو لم يعارضها شيء كيف وهي مخالفة

стр. 454

للأحاديث الصحيحة (وأما) تأويل من تأول من أصحابنا " صام عنه وليه " أي أطعم بدل الصيام فتأويل باطل يرده باقي الأحاديث" (١). مذهب الظاهرية: قال ابن حزم: ومن مات وعليه صوم فرض من قضاء رمضان، أو نذر، أو كفارة واجبة ففرض على أوليائه أن يصوموه عنه هم، أو بعضهم، ولا إطعام في ذلك أصلًا - أوصى به، أو لم يوص به -، فإن لم يكن له ولي استؤجر عنه من رأس ماله من يصومه عنه، ولا بد - أوصى بكل ذلك، أو لم يوص وهو مقدم على ديون الناس. وهو قول أبي ثور، وأبي سليمان، وغيرهما.، وقال أبو حنيفة، ومالك: إن أوصى أن يطعم عنه أطعم عنه مكان كل يوم مسكين، وإن لم يوص بذلك فلا شيء عليه. والإطعام عند مالك في ذلك مد مد، وعند أبي حنيفة صاع من غير البر لكل مسكين، نصف صاع من البر، أو دقيقه.، وقال الليث كما قلنا. وهو قول أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه في النذر خاصة (٢). ثم بين الأولياء بقوله: والأولياء هم ذوو المحارم بلا شك ولو صامه الأبعد من بني عمه أجزأ عنه؛ لأنه وليه، فإن أبوا من الصوم فهم عصاة لله تعالى، ولا شيء على الميت من ذلك الصوم؛ لأنه قد نقله الله تعالى عنه إليهم بقول رسول الله ﷺ ﴿من مات وعليه صوم صام عنه وليه﴾. وبأمره ﵇ الولي أن يصوم عنه. (٣). المسألة الخامسة: النظر في الأصول المتقدمة وبنائها. أما الاستدلال بالنصوص الكلية كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. فجوابه: أن هذا أصل كلي تبينه الأحاديث.

стр. 455

وهي ثابتة في الصحيحين عن جماعة من الصحابة في مواقع مختلفة أنه أمر بالصيام عن الميت. أما قولهم بأنه لا يلزم إلا بالإيصاء فقيد تعارضه ظواهر وإطلاقات النصوص الصريحة المتقدمة فبطل. ولم يثبت هذا الشرط عن أحد من الصحابة كما قال ابن حزم، ولا عن أحد بعدهم سوى الحسن وثبت عنه خلافه. وأما الإطعام فقد جاء عن فتوى بعض الصحابة وهي معارضة بمثلها عن صحابة آخرين: فعن حماد بن سلمة عن أيوب السختياني عن أبي يزيد المدني: أن رجلا قال لأخيه عند موته: إن علي رمضانين لم أصمهما فسأل أخوه ابن عمر فقال: بدنتان مقلدتان، ثم سأل ابن عباس؟ فقال ابن عباس: يرحم الله أبا عبد الرحمن ما شأن البدن وشأن الصوم، أطعم عن أخيك ستين مسكينا؟ (١). ثم فتوى الصحابي لا تقدم على النصوص الصريحة عن النبي ﷺ فلعله لم يبلغه النص، أو أنه تأوله بقياس؛ لأن المسألة ليس بابها توقيفيا. وبهذا يتبين أن المذهب القديم المروي عن الشافعي وما مذهب إليه ابن حزم هو الصواب. المسألة السادسة: هل يجمع نية النفل، والقضاء، والنذر هذه المسألة أصولها الحاكمة راجعة إلى أن الشرع قصد في العبادة أعيانها فالفرائض الخمس والزكاة وصوم رمضان وفرض الحج مقصودة بأعيانها فمن نوى بصلاة الظهر العصر بطلت ومن نوى بالزكاة التطوع لا تصح عن الزكاة. وكذلك في النوافل قصد الشارع نوافل الرواتب والوتر والليل بأعيانها.

стр. 456

فمن صلى العشاء نصف الليل لا يشمله حكم التهجد، أو قيام الليل. ومن قضى الظهر في الضحى لا يشمله فضل صلاة الضحى. وكل ما ورد فيه فضل بصيامه تنفلا كعرفة والست والبيض وعاشوراء لا يقوم قضاء رمضان مقامها فمن قضى رمضان فيها فلا يكون له أجر هذه التعبدات؛ لأنها مقصودة بأعيانها. لذلك لا يقضى رمضان، أو يؤدى النذر في شوال ويحسب من الست؛ لأن لكل نية شرعية مقصودة مستقله لا تجتمع مع غيرها. والعقيقة مقصودة فإنها تذبح لأمر معين والأضحية قصد بها الشرع شعيرة معينة في وقت معين فلا تجتمعان بنية. ومن العبادات ماهي غير مقصودة كصلاة تحية المسجد فتدخل تحت أي صلاة فرضًا، أو نفلا وكذا سنة الوضوء وفي الصيام صيام العشر من ذي الحجة غير مقصود. لأن الفضل الثابت فيها على عموم العمل الصالح فمن قضى فيها رمضان فهو عمل صالح يشمله الفضل. ولذلك ثبت عن عمر أنه كان يستحب ذلك فيها كما تقدم. ولضبط هذا الباب نقول: ينقسم تشريك النية إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما كان تشريكا محرما وهو الرياء. القسم الثاني: ما كان تشريكا مباحا: وهو ما يحصل على وجه العادة سواء نويته، أم لم تنوه. فمن توضأ للصلاة فإنه يحصل له التبرد سواء نواه أم لا. فلا يؤثر إن نوى الوضوء والتبرد. وهكذا إن نوى التبرد مع غسل الجنابة، أو الجمعة فلا يؤثر. والدليل عليه: أن النبي ﷺ توضأ وعلم الوضوء بفعله فجمع قصدين

стр. 457

وكذلك صلى وقال: ﴿صنعت ذلك لتعلموا صلاتي﴾ (١) وقال: ﴿خذوا عني مناسككم﴾ (٢). قال ابن بطال «وما دعا إلى فعله كقوله: (خذوا عنى مناسككم، وصلوا كما رأيتموني أصلى). فلا خلاف بين العلماء أنها على الوجوب» (٣). القسم الثالث: التشريك في العبادات. فإن كانت العبادة مقصودة بعينها استقلالا فلا يجوز التشريك، وإلا بطلت العبادة. وإن لم تكن مقصودة استقلالا كتحية المسجد فلا يضر التشريك. ويدخل في هذا القسم التشريك في الكفارات فلا يجوز أن يصوم شهرين متتابعين عن كفارة قتل وظهار، أو كفارة ظهار وجماع في رمضان. لاستقلالية أسبابها. ولا يجمع بين الزكاة ونية الإطعام للكفارة، ولا بين صيام القضاء وصيام الكفارات.

стр. 458

وهكذا الدماء الواجبة في الحج الأصل أنها لا تتداخل إن اختلفت أسبابها فجزاء الصيد ودم القران ودم من ارتكب محظورا أسبابها مختلفة. لكن لو ارتكب محظورات عدة كلبس سراويل وحلق الرأس وجماع فقد اختلف نظر الفقهاء إلى هذه المسائل وسنفصله في بابه (١). القسم الرابع: التشريك في ألفاظ الفرقة. وألفاظ الفرقة منها صريح ومنها محتمل، وهو الكناية. فالمحتمل إن جمع فيه نيتين كمن قال أنت علي حرام ناويا الظهار والطلاق فهذا يحتمل فيه النظر. وعلى هذا النظر نرى أن صيام الست مقصودة بالنص، ولا يجتمع معها قضاء، ولا نذر. وفي هذه المسألة نزاع، لكن مدركها ما ذكرنا من تقسيم العبادات إلى قسمين مقصود بعينه وغير مقصود.

стр. 459

فعند الحنفية خلاف في صحة أحدهما، وعند الشافعية حصول مع عدم حصول الأجر المذكور في الحديث. ١ - وخلاف الحنفية في هذا مبني على مذهبهم في وجوب تعيين النية في القضاء والنذور المطلقة والكفارات. فلو صام قضاء رمضان ونوى معها ستا من شوال كانت عن القضاء عن أبي يوسف وكانت عن التطوع عند محمد. (١) ٢ - وجاءت عن فتاوى فقهاء الشافعية أنه من جمع بين قضاء رمضان وصيام الست حصلت له السنة، لكن لا يحصل له الثواب المذكور (٢).

стр. 460

وهذا عجيب؛ لأن المقصود إنما هو حصول الثواب في صيام ست شوال، فإن لم يحصل فكيف حصلت السنة بلا ثواب، أو بثواب ناقص. ولم نطلع على نص للمالكية، والحنابلة في خصوص هذه المسألة، لكن تفريع المالكية يدل على التشريك: فقد ذهب المالكية إلى الجواز أن يجمع بين عرفة وصوم القضاء قياسا على تحية المسجد (١). ومن قياسهم يتبين أنهم يعتبرون أن ما ليس بمقصود استقلالًا جاز جمعه مع غيره. وصيام الست إن كان مقصودا عندهم فلا يقاس عليه. لكنهم جوزوا تأخيرها إلى ذي القعدة وذي الحجة؛ لأن المقصود كما قالوا هو حصولها في أي وقت بدليل أن الحسنة بعشر أمثالها فيكون في أي وقت. (٢)
следующие страницы →