فمن صلى العشاء نصف الليل لا يشمله حكم التهجد، أو قيام الليل.
ومن قضى الظهر في الضحى لا يشمله فضل صلاة الضحى.
وكل ما ورد فيه فضل بصيامه تنفلا كعرفة والست والبيض وعاشوراء لا يقوم قضاء رمضان مقامها فمن قضى رمضان فيها فلا يكون له أجر هذه التعبدات؛ لأنها مقصودة بأعيانها.
لذلك لا يقضى رمضان، أو يؤدى النذر في شوال ويحسب من الست؛ لأن لكل نية شرعية مقصودة مستقله لا تجتمع مع غيرها.
والعقيقة مقصودة فإنها تذبح لأمر معين والأضحية قصد بها الشرع شعيرة معينة في وقت معين
فلا تجتمعان بنية.
ومن العبادات ماهي غير مقصودة كصلاة تحية المسجد فتدخل تحت أي صلاة فرضًا، أو نفلا
وكذا سنة الوضوء وفي الصيام صيام العشر من ذي الحجة غير مقصود.
لأن الفضل الثابت فيها على عموم العمل الصالح فمن قضى فيها رمضان فهو عمل صالح يشمله الفضل.
ولذلك ثبت عن عمر أنه كان يستحب ذلك فيها كما تقدم.
ولضبط هذا الباب نقول: ينقسم تشريك النية إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما كان تشريكا محرما وهو الرياء.
القسم الثاني: ما كان تشريكا مباحا:
وهو ما يحصل على وجه العادة سواء نويته، أم لم تنوه.
فمن توضأ للصلاة فإنه يحصل له التبرد سواء نواه أم لا. فلا يؤثر إن نوى الوضوء والتبرد.
وهكذا إن نوى التبرد مع غسل الجنابة، أو الجمعة فلا يؤثر.
والدليل عليه: أن النبي ﷺ توضأ وعلم الوضوء بفعله فجمع قصدين
стр. 457
وكذلك صلى وقال: ﴿صنعت ذلك لتعلموا صلاتي﴾ (١) وقال: ﴿خذوا عني مناسككم﴾ (٢).
قال ابن بطال «وما دعا إلى فعله كقوله: (خذوا عنى مناسككم، وصلوا كما رأيتموني أصلى). فلا خلاف بين العلماء أنها على الوجوب» (٣).
القسم الثالث: التشريك في العبادات.
فإن كانت العبادة مقصودة بعينها استقلالا فلا يجوز التشريك، وإلا بطلت العبادة.
وإن لم تكن مقصودة استقلالا كتحية المسجد فلا يضر التشريك.
ويدخل في هذا القسم التشريك في الكفارات فلا يجوز أن يصوم شهرين متتابعين عن كفارة قتل وظهار، أو كفارة ظهار وجماع في رمضان. لاستقلالية أسبابها.
ولا يجمع بين الزكاة ونية الإطعام للكفارة، ولا بين صيام القضاء وصيام الكفارات.
стр. 458
وهكذا الدماء الواجبة في الحج الأصل أنها لا تتداخل إن اختلفت أسبابها فجزاء الصيد ودم القران ودم من ارتكب محظورا أسبابها مختلفة.
لكن لو ارتكب محظورات عدة كلبس سراويل وحلق الرأس وجماع فقد اختلف نظر الفقهاء إلى هذه المسائل وسنفصله في بابه (١).
القسم الرابع: التشريك في ألفاظ الفرقة.
وألفاظ الفرقة منها صريح ومنها محتمل، وهو الكناية.
فالمحتمل إن جمع فيه نيتين كمن قال أنت علي حرام ناويا الظهار والطلاق فهذا يحتمل فيه النظر.
وعلى هذا النظر نرى أن صيام الست مقصودة بالنص، ولا يجتمع معها قضاء، ولا نذر.
وفي هذه المسألة نزاع، لكن مدركها ما ذكرنا من تقسيم العبادات إلى قسمين مقصود بعينه وغير مقصود.
стр. 459
فعند الحنفية خلاف في صحة أحدهما، وعند الشافعية حصول مع عدم حصول الأجر المذكور في الحديث.
١ - وخلاف الحنفية في هذا مبني على مذهبهم في وجوب تعيين النية في القضاء والنذور المطلقة والكفارات.
فلو صام قضاء رمضان ونوى معها ستا من شوال كانت عن القضاء عن أبي يوسف وكانت عن التطوع عند محمد. (١)
٢ - وجاءت عن فتاوى فقهاء الشافعية أنه من جمع بين قضاء رمضان وصيام الست حصلت له السنة، لكن لا يحصل له الثواب المذكور (٢).
стр. 460
وهذا عجيب؛ لأن المقصود إنما هو حصول الثواب في صيام ست شوال، فإن لم يحصل فكيف حصلت السنة بلا ثواب، أو بثواب ناقص.
ولم نطلع على نص للمالكية، والحنابلة في خصوص هذه المسألة، لكن تفريع المالكية يدل على التشريك: فقد ذهب المالكية إلى الجواز أن يجمع بين عرفة وصوم القضاء قياسا على تحية المسجد (١).
ومن قياسهم يتبين أنهم يعتبرون أن ما ليس بمقصود استقلالًا جاز جمعه مع غيره.
وصيام الست إن كان مقصودا عندهم فلا يقاس عليه.
لكنهم جوزوا تأخيرها إلى ذي القعدة وذي الحجة؛ لأن المقصود كما قالوا هو حصولها في أي وقت بدليل أن الحسنة بعشر أمثالها فيكون في أي وقت. (٢)
стр. 461
وهو متعقب بتقييد الحديث صومها في شوال ودعوى.
والظاهر من صنيع أبي محمد بن حزم البطلان (١).
المطلب الثاني: الصوم المحرم
أما الصوم المحرم فهو صوم العيدين وأيام التشريق الثلاثة بعد عيد الأضحى.
هذا منقول عن المذاهب الأربعة، والظاهرية.
وهي كراهة تحريم عن الحنفية (٢).
واستثنى المالكية والقديم للشافعية، والحنابلة جواز صومها للمتمتع والقارن وحكى ابن المنذر جواز صومها للمتمتع وغيره عن الزبير بن العوام وابن عمر وابن سيرين، وقول ابن عمر وعائشة والأوزاعي (٣).
وهو الذي رجحه النووي دليلا لا مذهبا.
فقال: "واعلم أن الأصح عند الأصحاب هو القول الجديد أنها لا يصح فيها صوم أصلًا لا للمتمتع، ولا لغيره، والأرجح في الدليل صحتها للمتمتع
стр. 462
وجوازها له؛ لأن الحديث في الترخيص له صحيح كما بيناه، وهو صريح في ذلك فلا عدول عنه" (١).
والحجة في هذا صريحة في البخاري عن عائشة، وابن عمر ﵃ قالا: ﴿لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن، إلا لمن لم يجد الهدي﴾ (٢).
وكما في البخاري: ﴿كانت عائشة ﵂ تصوم أيام منى، وكان أبوها يصومها﴾ (٣).
وأعله ابن حزم فقال: وقد أسنده عن شعبة: يحيى بن سلام، وليس هو ممن يحتج بحديثه، فإن هذا موقوف على، أم المؤمنين، وابن عمر ﵃، ولا حجة في أحد مع رسول (٤).
وأجيب بأن روايتهما للترخيص بصيغة المبني لما لم يسم فاعله لا تكون إلا عن رسول الله ﵊.
عارض هذا الترخيص نهي عام صريح، جاء عند مالك في الموطأ عن أبي مرة مولى، أم هانئ ﴿أنه دخل مع عبد الله بن عمرو بن العاص على أبيه عمرو بن العاص فقرب إليهما طعاما فقال: إني صائم فقال له: كل فهذه الأيام التي كان رسول الله ﷺ يأمرنا بإفطارها وينهانا عن صيامها قال مالك: وهي أيام التشريق﴾ (٥).
وَعَنْ نُبيشة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : ﴿أيام التشريق أيام أكل وشرب﴾ (٦). أخرجه مُسلم.
стр. 463
قلت: أما حديث عمرو بن العاص فهو على العموم في النهي والأمر، وحديث عائشة في الترخيص خاص. وهو مقدم على غيره عند التعارض.
فيجور لمن عليه صوم في الحج، أن يصوم في هذه الأيام، ويبقى النهي في غير محل الترخيص.
ويدل لحديث عائشة في الرخصة عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ومعلوم أن أيام منى من الحج.
وهذا العموم لكل حاج عليه صوم يدل على الرخصة في حديث عائشة، فيكون النهي في حديث عمرو بن العاص لغير الحاج، وهو ظاهر من سياقه، فإنهم لم يكونوا في الحج. قال ابن عبد البر: «ومن حجة من أجاز صيام أيام التشريق للمتمتع إذا لم يجد الهدي، عموم قول الله في المتمتع: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ [البقرة: ١٩٦]. ومعلوم أنها من أيام الحج؛ لما فيها من عمله، فبهذا قلنا: إن النهي خرج على التطوع بها، كنهيه عن الصلاة بعد العصر والصبح، على ما قد ذكرناه، والحمد لله» (١)
المطلب الثالث: الصوم المكروه
الصوم ينقسم حسب الحكم الشرعي أقسامًا:
واجبٌ: كرمضان والكفارة والنذر.
ومحظورٌ: كصوم العيدين.
ومكروهٌ: كصوم يوم الجمعة منفردًا، وكصوم يوم السبت عند بعضهم.
ومندوبٌ: كعاشوراء، وعرفة، وغيرهما (٢).
стр. 464
صوم يوم الجمعة:
أما صوم يوم الجمعة: فأدلة الباب حديث أبي هريرة في الصحيحين: قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ﴿لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يومًا قبله، أو بعده﴾ (١). وفي البخاري: عن جويرية بنت الحارث ﵂: ﴿أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة، وهي صائمة، فقال: أصمت أمس، قالت: لا، قال: تريدين أن تصومين غدا، قالت: لا، قال: فأفطري﴾ (٢)، وقال حماد بن الجعد: سمع قتادة: حدثني أبو أيوب: أن جويرية حدثته: فأمرها فأفطرت
وفي مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ . قال: ﴿لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي. ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام. إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم﴾ (٣).
وفيه عن محمد بن عباد بن جعفر ﴿سألت جابر بن عبد الله ﵄، وهو يطوف بالبيت: أنهى رسول الله ﷺ عن صيام يوم الجمعة؟ فقال: نعم. ورب هذا البيت!﴾ (٤).
فدلت هذه النصوص على النهي عن إفراد يوم الجمعة بصوم مقصود لليوم إلا إن صام قبلة الخميس، أو صام بعده السبت، أو وافق صوم يوم معتاد صومه، كعرفة وعاشوراء كما يدل عليه حديث أبي هريرة، والأصل في النهي التحريم.
قال ابن حزم: وما نعلم لمن ذكرنا من الصحابة ﵃ مخالفا أصلًا في النهي عن تخصيص يوم الجمعة بالصيام - وبالله تعالى التوفيق (٥).
стр. 465
وما نقل عن ابن عباس أنه كان يواظب عليه ضعيف من طريق ليث بن أبي سليم. (١)
والمنقول الصحيح عن الصحابة المنع: فقد مر ناس من أصحاب ابن مسعود بأبي ذر يوم جمعة وهم صيام فقال: عزمت عليكم لما أفطرتم فإنه يوم عيد.
وعن علي بن أبي طالب أنه نهى عن تعمد صيام يوم الجمعة.
وعن أبي هريرة قال: لا تصم يوم الجمعة إلا أن تصوم قبله أو بعده.
والتحريم قول إبراهيم النخعي؛ ومجاهد، والشعبي، وابن سيرين وغيرهم، وذكره إبراهيم عمن لقي، وإنما لقي أصحاب ابن مسعود وهو قول ابن حزم. (٢)
وذهبت طائفة من العلماء إلى الكراهة.
قال في التوضيح في صوم الجمعة: اختلف العلماء في صوم يوم الجمعة، فنهت طائفة عن صومه إلا أن يصام قبله أو بعده على ما جاء في هذِه الأحاديث، روي ذلك عن أبي هريرة وسلمان وعلله علي وأبو ذر بأنه يوم عيد، وطعام وشراب فلا ينبغي صيامه. وقد أسلفنا رواية الحاكم فيه، وهو قول ابن سيرين والزهري، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق (٣)
قلت المعتمد عند الشافعية والحنابلة أن النهى على الكراهة (٤).
وقالت الحنفية والمالكية بالندب (٥)، قال مالك في الموطأ: لم أسمع
стр. 466
أحدًا من أهل العلم ومن يقتدى به ينهي عنه. وصيامه حسن، ورأيت بعض أهل العلم يصومه وأراه كان يتحراه، قيل: إنه كان محمد بن المنكدر (١)
قال ابن بطال: وأحاديث النهي أصح، وأكثر الفقهاء على الأخذ بأحاديث الإباحة؛ لأن الصوم عمل بر فوجب أن لا يمنع منه إلا بدليل لا معارض له (٢).
قال ابن الملقن: وأي دليل أقوى من الأحاديث الصحيحة السالفة والمعارض لم يصح، أو مؤول.
стр. 467
وروى ابن القاسم عن مالك، أنه كره أن يجعل على نفسه صوم يوم مؤقت.
قال ابن التين، عن بعضهم: يحتمل أن تكون هذِه رواية مالك في منع صوم يوم الجمعة، وأنصف الداودي فقال: لم يبلغ مالكًا الحديث بالمنع ولو بلغه لم يخالفه (١).
ونقله عنه اللخمي ولم يتعقبه. (٢)
قلت: وبين الطحاوي وجه الكراهة أنه النهي عند الإفراد؛ لأن فيه قصدا فكره القصد لصيام أي يوم وشهر غير رمضان؛ ولذلك أمر بصيام عاشورا مع قبله، أو بعده (٣).
وهو متعقب بإفراد صوم عرفة.
ولعل من ذهب إلى كراهته لما في حديث ابن مسعود، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله قال: ﴿كان رسول الله ﷺ يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام، وقلما كان يفطر يوم الجمعة﴾ (٤).
قال الترمذي: وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة. حديث عبد الله حديث حسن غريب.
وقد استحب قوم من أهل العلم صيام يوم الجمعة، وإنما يكره أن يصوم يوم الجمعة لا يصوم قبله، ولا بعده وروى شعبة عن عاصم هذا الحديث ولم يرفعه.
قلت: صحح الدارقطني الرفع (٥).
стр. 468
ومعنى الحديث أنه قلما يفطر يوم الجمعة إن وافقت صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وعلى هذا حملها ابن عبد البر وغيره.
قلت: وهذا الحمل هو الصحيح، تبين ذلك رواية ابن خزيمة: عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، عن النبي ﷺ أنه: «كان يصوم ثلاثة أيام من غرة كل شهر، ويكون من صومه يوم الجمعة» (١)
والذي يظهر من الأدلة الصريحة الصحيحة الناهية عن إفراد الجمعة بصيام التحريم وهو باق على ذلك، وما ورد من المعارض لا يقوى على صرفه، فلا يجوز صومه إلا يوما قبله أو بعده.
وتعلق المالكية بعد مالك على تأويلات منها: أن «الأصل في صوم يوم الجمعة أنه عمل بر لا يمتنع منه إلا بدليل لا معارض له» (٢)
وأي معارض أصرح مما جاء من النصوص عن النبي ﷺ ، في أصح دواوين السنة.
أما تأويل بعضهم أن النهي عنه خشية أن يفرض، وقد ارتفعت العلة بموته ﵊.
فغاية في الضعف لأن النهي مقيد بالإفراد فإن صام معه قبله أو بعده فلا نهي بنص الحديث.
فليست العلة الخشية من فرضه على الأمة، وإلا لكانت في صومه مع غيره.
وقد تبين لي من صنيع المتأخرين من أصحاب المذاهب أنهم يبلغهم الحديث فيضطرون لتأويله حفاظا على قول الإمام.
مع أن الإمام مصرح بتعليل آخر لا علاقة له بما قالوه، ولا اطلع على الحديث.
стр. 469
والإمام مالك هنا علل ذلك بعمل أهل المدينة، ولم يتعرض للحديث، فلم يبلغه الحديث كما نقله اللخمي والمازري عن الداودي (١).
وهذا ما حمل الباجي على تعقب هذه الرواية وحمل المنع عن مالك أنه لم تقصد صوم ذلك: «والحديث صحيح والتعلق واجب ولعله معنى رواية ابن القاسم عن مالك»
وبهذا قال عياض: «قال القاضى: أخذ بظاهر الحديث الشافعى، ولعل قول مالك إليه يرجع لأنه إنما قال: وصومه حسنٌ، ومذهبه معلوم فى كراهة تخصيص يومٍ ما بالصوم، وهذا محتمل من معنى ما جاء فى الحديث: لا تخصوه بصيام، عند بعضهم، وإنما حكى مالك عمن حكى صومه، وظن أنه كان يتحراه، ولم يقل مالك: إنى أرى هذا ولا أحبه، أعنى يجزئه، فيحتمل أنه مذهبه» (٢)
وهكذا قال في المفهم: «والحديث الثاني نصٌّ في النهي عن خصوصية يوم الجمعة وليلته بصيام وقيام، فليعمل عليه» (٣)
ولهذا قال النووي: «وأما قول مالك في الموطأ أنه ما رأى من ينهى فيعارضه أن غيره رأى فالسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره وقد ثبتت الأحاديث بالنهي عن إفراده فيتعين العمل بها لعدم المعارض لها ومالك معذور فيها فإنها لم تبلغه قال الداوودى من أصحاب مالك لم يبلغ مالكا حديث النهي ولو بلغه لم يخالفه» (٤)
وهذا الذي رجحه في أضواء البيان: «وهذا هو الحق الذي لا شك فيه;
стр. 470
لأن مالكا من أورع العلماء وأكثر الناس اتباعا لسنة رسول الله ﷺ فلا يدعها وهو عالم بها» (١)
أما صيام يوم السبت:
فلم يرد حديث صحيح في النهي عن إفراد السبت، أما حديث: عبد الله بن بسر، عن أخته، أن رسول الله ﷺ قال: ﴿لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض الله عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة، أو عود شجرة فليمضغه﴾ أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن ومعنى كراهته في هذا: أن يخص الرجل يوم السبت بصيام؛ لأن اليهود تعظم يوم السبت (٢).
أقول: العلماء مختلفون في صحته، وفي استمراره فمنهم من قال لا يصح رواية لإعلاله ولا دراية لمخالفته الصحاح الدالة على صوم السبت كحديث جويرية في البخاري: عن جويرية بنت الحارث ﵂: ﴿أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة، وهي صائمة، فقال: أصمت أمس، قالت: لا، قال: تريدين أن تصومين غدا، قالت: لا، قال: فأفطري﴾ (٣).
و حديث أبي هريرة في الصحيحين: قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ﴿لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يومًا قبله، أو بعده﴾ (٤). ومنهم من قال منسوخ بأحاديث الصحاح.
ومنهم من قال صحيح ويحمل النهي على الإفراد فقط (٥).
стр. 471
قال ابن الملقن: قال الترمذي: "حسن"،، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".، وقال النسائي: "مضطرب"،، وقال أبو داود: "منسوخ". قال: "وقال مالك: كذب". قال النووي: "لا يقبل هذا منه فقد صححه الأئمة" (١).
ومنهم من جمع قال ابن القيم: "قالوا وإسناده صحيح ورواته غير مجروحين، ولا متهمين وذلك يوجب العمل به وسائر الأحاديث ليس فيها ما يعارضه؛ لأنها تدل على صومه مضافا فيحمل النهي على صومه مفردا كما ثبت في يوم الجمعة" (٢).
وعلى كراهة إفراد السبت بالصوم اتفقت المذاهب الأربعة (٣)
стр. 472
ومن الحنابلة من قال بعدم الكراهة قال في الإنصاف: يكره إفراد يوم السبت بالصوم. وهو المذهب، وعليه الأصحاب. واختار الشيخ تقى الدين، أنه لا يكره صيامه مفردا، وأنه قول أكثر العلماء، وأنه الذي فهمه الأثرم من روايته، وأن الحديث شاذ أو منسوخ. وقال: هذه طريقة قدماء أصحاب الإمام أحمد الذين صحبوه؛ كالأثرم، وأبى داود، وأن أكثر أصحابنا فهم من كلام الإمام أحمد الأخذ بالحديث. انتهى. ولم يذكر الآجرى كراهة غير صوم يوم الجمعة، فظاهره، لا يكره غيره (١).
والذي ظهر لي بعد تتبع شديد لطرق الحديث أن النفس لا تطمئن لثبوته،، فهو معل بالاضطراب، فيبقى الأصل على الإباحة.
هذا من حيث الرواية، أما الدراية فهو نهي عام عن صيام السبت في التطوع، فشمل النهي عن ما ثبتت به النصوص من صوم الجمعة ويوما بعده وهو السبت، وعن صوم عاشوراء، وعرفة، وصوم يوم وفطر يوم وصيام البيض، وغيرها من التطوعات ولو وافقت يوم سبت.
وعلى هذا اتفقت كلمة الأمة إلى يومنا هذا فإن منهم من قال بنسخ الحديث، ومنهم بضعفه، ومنهم من قال على الكراهة.
ولم يقل أحد من أهل الإسلام أنه صيام السبت في التطوع محرم.
وانفرد الشيخ الألباني بذلك، وقد نوقش كثيرا وقرأت له مناقشاته وهو يستعمل قاعدة إذا تعارض حاضر على مبيح قدم الحاضر، فجعل حديث النهي حاضرا يقدم على كل النصوص في صوم التطوع.
وما علم الشيخ أن هذه القاعدة نفسها ليست نصا عن المعصوم بل هي خلافية، لأن الحاظر نص شرعي والمبيح كذلك، قال الغزالي: الخبر الحاظر
стр. 473
لا يرجح على المبيح على ما ظنه قوم لأنهما حكمان شرعيان صدق الراوي فيهما على وتيرة واحدة (١)
قال ابن تيمية: «يرجح الحاظر على المبيح عندنا نص عليه وبه قال الكرخي والرازى من الحنفية وابن برهان من الشافعية وقال عيسى بن أبان وأبو هاشم لا يرجح بذلك وعن الشافعية كالمذهبين وذكر يوسف بن الجوزى هل يقدم أحد النصين على الآخر بموافقة دليل الحظر أو موافقة دليل الاباحة بذلك على ثلاثة أوجه» (٢).
والحاصل أن الشيخ خالف الأمة في هذه الفتوى وخالف الإجماع المنقول، وخالف نصوص الصحيحين، مقدما عليها ما اختلف في ثبوته.
المطلب الرابع: الصوم المسنون
أما ما يسن صومه فالأصل البنائي لهذا الباب النقل الصحيح عن النبي ﵊.
ثم ما أجمع عليه العلماء استنادا لذلك النقل.
لأن التعبد المحض لا أصل له غير النقل.
أما المنقول على الجهة الكلية:
فقد ثبت عنه ﵊ صيام الاثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر وعاشوراء، وصيام يوم وإفطار يوم، وسن صيام عرفة لغير الحاج وكل هذا فيه أحاديث صحاح، وأما عشر ذي الحجة ففيها حديث صحيح يدل
стр. 474
على أفضيلة العمل الصالح فيه فيشمل الصوم، أما صيامه على الخصوص ففيه حديثان متعارضان.
وأما أكثر شعبان وصوم المحرم فثابت عنه ﵊ في الصحاح والسنن والمسانيد.
وأما صيام الست من شوال فتقدم حكمها وحديثها في صحيح مسلم والعلماء من المذاهب على ندبيتها وإنما كرهها مالك لمن يصلها فيظن من لا يعلم أنها تبع لرمضان. (١)
و المسائل المجمع عليها في صوم التطوع.
أجمعوا أن من تطوع بصيام يوم واحد ولم يكن يوم الشك ولا اليوم الذي بعد النصف من شعبان ولا يوم جمعة ولا أيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر فإنه مأجور حاشا الامرأة ذات الزوج
واتفقوا على أنها ان صامت كما ذكرنا بإذن زوجها فإنها مأجورة
وأجمعوا أن التطوع بصيام يوم وإفطار يوم حسن إذا أفطر يوم الجمعة والأيام التي ذكرنا (٢)
стр. 475
وهذه قاعدة كبرى إجماعية حاكمة لسائر باب صوم التطوع.
وأصلها أن الصوم عمل بر بل من أفضل الأعمال، فما لم ينص على حرمة صومه فهو داخل في هذا الفضل.
أما الكلام على مسائل الباب بالتأصيل التفصيلي فنقول:
فأوله بعد شهر رمضان صوم الست من شوال وقد تقدم الكلام عليها، ويأتي في شوال صوم البيض وثلاثة أيام من الشهر مطلقة، والاثنين والخميس، وتجتمع مع الست لأن المقصود إيجاد صوم في هذه الأيام أي صوم.
بخلاف صوم القضاء فلا يجتمع مع الست لأنهما مقصودان استقلالا، وقد بسطنا القول قبلا عن هذا.
يلي شوال الأشهر الحرم، ذو القعدة والحجة والمحرم تباعا، أما رجب ففرد.
ولم يثبت صوم شهر من الأشهر الحرم بدليل خاص صحيح سوى المحرم.
لكن من صام شهرا تاما فهو عمل صالح بشرط عدم تخصيصه دون غيره.
ثم يدخل شهر الحجة وفيه صوم عشر ذي الحجة أي التسع. وصوم عرفة.
ثم المحرم يصام أكثره أو كله، وفيه عاشوراء.
ثم رجب ولم يصح فيه حديث صريح في اختصاصه بالصوم، يليه شعبان ويجوز صوم أكثره أو كله.
وليلة النصف من شعبان لم يرد في اختصاص نهارها بصوم ولا ليلها بقيام ما يعتبر حجة على قوانين الاحتجاج، هذا هو النظر الكلي في ذلك أما تفصيلا فنقول:
وفي هذا كله تفصيلات ومسائل
стр. 476
صوم الاثنين والخميس:
أقول: أما الاثنين والخميس فثبت في ذلك أحاديث منها: ما جاء في مسلم «عن أبي قتادة الأنصاري ﵁؛ إن رسول الله ﷺ سئل عن صوم الاثنين؟ فقال
"فيه ولدت. وفيه أنزل علي"» (١)
ومن حديث عمر في مسلم كذلك أن النبي ﷺ «سئل عن صيام الدهر؟ فقال:
"لا صام ولا أفطر (أو ما صام وما أفطر) " قال: فسئل عن صوم يومين وإفطار يوم؟ قال " ومن يطيق ذلك؟ " قال: وسئل عن صوم يوم وإفطار يومين؟ قال: "ليت أن الله قوانا لذلك" قال: وسئل عن صوم يوم وإفطار يوم؟ قال "ذاك صوم أخي داود ﵇ " قال: وسئل عن صوم الاثنين؟ قال "ذاك يوم ولدت فيه. ويوم بعثت (أو أنزل علي فيه) " قال: فقال "صوم ثلاثة من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، صوم الدهر" قال: وسئل عن صوم يوم عرفة؟ فقال "يكفر السنة الماضية والباقية" قال: وسئل عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال "يكفر السنة الماضية"» (٢)
ومنها في المسند وغيره عن «أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان أكثرُ ما يصوم الاثنين والخميس، قال فقيل له، قال فقال: "إن الأعمال تعرض كل اثنين وخميس" أوكل يوم اثنين وخميس فيغفر الله لكل مسلم أو لكل مؤمن إلا المتهاجرين فيقول أخرهما"» (٣) ومنها عن عائشة (٤) وقد جاء عن غيرهم من الصحابة. والحديث حسن صحيح.
قال ابن عبد البر: «وفيه دليل على فضل يوم الاثنين والخميس على غيرهما من الأيام وكان رسول الله ﷺ يصومهما ويندب أمته إلى
стр. 477
صيامهما وكان يتحراهما بالصيام وأظن هذا الخبر إنما توجه إلى أمة وطائفة كانت تصومهما تأكيدا على لزوم ذلك والله أعلم وولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين ونبئ يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين وتوفي يوم الاثنين ﷺ » (١)
وأما صيام ثلاثة أيام من كل شهر فاستحبابه محل اتفاق:
قال ابن قدامة: «وجملة ذلك أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، لا نعلم فيه خلافا» (٢)
قلت: وإنما كره مالك تخصيص أيام البيض دفعا لاعتقاد الجهال وجوبها، أما ثلاثة أيام من كل شهر فكان يصومها. قال في المواهب: واستحب مالك صيام ثلاثة من كل شهر وكان يصومها أوله وعاشره والعشرين وهي الأيام الغر واختار أبو الحسن تعجيلها أوله وهي صيام الدهر انتهى (٣)
وقد ورد في البخاري ما يدل على إطلاقها: عن أبي هريرة ﵁ قال: «أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام.» (٤)
وكذا في مسلم حين سئلت «عائشة زوج النبي ﷺ : أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم. فقلت لها: من أي أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم» (٥)
стр. 478
وورد في مسلم ما يدل على أنها تصام رأس كل عشرة أيام من الشهر ففي حديث «عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ يقول:
بلغ النبي ﷺ أني أصوم أسرد، وأصلي الليل. فإما أرسل إلي وإما لقيته. فقال: "ألم أخبر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلي الليل؟ فلا تفعل. فإن لعينك حظا. ولنفسك حظا. ولأهلك حظا. فصم وأفطر. وصل ونم. وصم من كل عشرة أيام يوما. ولك أجر تسعة" قال: إني أجدني أقوى من ذلك، يا نبي الله! قال: "فصم صيام داود ﵇ " قال: وكيف كان داود يصوم يا نبي الله! قال: "كان يصوم يوما ويفطر يوما. ولا يفر إذا لاقى" قال: من لي بهذه؟ يا نبي الله! (قال عطاء: فلا أدري كيف ذكر صيام الأبد) فقال النبي ﷺ : "لا صام من صام الأبد. لا صام من صام الأبد. لا صام من صام الأبد"»
وجاء بسند صحيح عند الدارمي ما يدل على صوم الأيام البيض عن معاوية بن قرة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «صيام البيض صيام الدهر وإفطاره» (١)
ووردت أحاديث عديدة في فضل صيام الأيام البيض وقد جاءت مفسرة كما ترجم البخاري فقال البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة
وجاء تفسيرها في عدد من الأحاديث منها عند النسائي عن جرير بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر، وأيام البيض صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة» (٢) قلت: هذا سند حسن صحيح
وقال الحافظ: «وإسناده صحيح» (٣)
стр. 479
أما ما أخرجه النسائي عن ابن عباس قال: «كان رسول الله ﷺ لا يفطر أيام البيض في حضر ولا سفر» (١)
ففيه ضعف، وهو محتمل التحسين فغاية ما فيه يعقوب بن عبد الله بن سعد القمي
عن جعفر بن أبي المغيرة القمي وكلاهما موثقان وأدنى رتبتيهما ما قاله الحافظ صدوق يهم.
ولكن تفردهما بهذا اللفظ يجعل في النفس شيئا، لذلك قال البزار وَهَذَا الْحَدِيثُ لا نَعْلَمُهُ يُرْوَى بِهَذَا اللَّفْظِ إِلا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ. (٢)
وقد أخطأ مصنفو المسند الجامع المعلل في ذكر عبيد الله العبسي من أسباب إعلال الحديث فهو من رجال الشيخين قال في التقريب: ثقة كان يتشيع، وقال في هدي الساري: من كبار شيوخ البخاري سمع من جماعة من لم يخرج له البخاري من روايته عن الثوري شيئا واحتج به هو والباقون.
واضطرب الشيخ الألباني فتارة يحسنه كما في الصحيحة وتارة صححه كما في الجامع وتارة ضعفه كما في النسائي.
صوم المحرم وتحقيق المقام في صيام الأشهر الحرم:
وأما صوم المحرم ففي مسلم «عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
"أفضل الصيام، بعد رمضان، شهر الله المحرم. وأفضل الصلاة، بعد الفريضة، صلاة الليل"» (٣)
وصيام شهر المحرم هو المنصوص الثابت ولا يصح في غيره من الأشهر الحرم، وقد وقع وهم هنا في الموسوعة الكويتية حيث قالوا: ذهب
стр. 480
جمهور الفقهاء - الحنفية والمالكية والشافعية - إلى استحباب صوم الأشهر الحرم.
وقد رجعت إلى كتبهم المصنفة من أيام الأئمة الأربعة إلى أيام المتون المعتمدة والشروح
ولم يثبت عن الأئمة الأربعة ولا تلاميذهم الكبار فيما اطلعت عليه الأمر بذلك ولا استحبابه.
أما الحنفية فلم أجد عنه شيئا، إنما نصوا على أنه «يستحب صوم يوم الخميس والجمعة والسبت من كل شهر حرام، والأشهر الحرم أربعة ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ثلاثة سرد، وواحد فرد»
وأما المالكية فلم ينقل عن مالك ذلك ولا عن تلاميذه (١).
ولكن ابن حبيب في الواضحة ذكر أياما نقلها عنه القيرواني (أبو محمد عبد الله بن أبي زيد عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي ت ٣٨٦ هـ) في النوادر فقال في النوادر: «وروي أن النبي ﷺ صام أشهر الحرم، وهي: المحرم ورجب، وذو القعدة، وذو الحجة. فهذا عددها من سنة واحدة وهو أولى أن يعد من عامين لقول الله تعالى: ﴿منها أربعة حرم﴾. فقد خصها وفضلها، ويقال: تضعف فيها السيئات كما تضعف الحسنات». (٢)
стр. 481
قلت: وهذا الحديث أن النبي ﷺ صام الأشهر الحرم لا يوجد في شيء من كتب السنة ودواوينها وقد فتشت على ذلك طويلا، وقد تتابع بعض من كبار فقهاء المالكية غير المحدثين على إيراده، وبنوا عليه سنية الأشهر الحرم.
وقد حذف ابن أبي زيد القيرواني ذلك في الرسالة فلم ينص على صيام الأشهر الحرم.
فقال: «والتنفل بالصوم مرغب فيه وكذلك صوم يوم عاشوراء ورجب وشعبان ويوم عرفة والتروية وصوم يوم عرفة لغير الحاج أفضل منه للحاج» (١)
لكن لما جاء ابن يونس (أبو بكر محمد بن عبد الله بن يونس التميمي الصقلي ت ٤٥١ هـ) تابع ما في النوادر فذكر ذلك في مسائل المدونة فقال: «روى أن النبي ﷺ صام الأشهر الحرم وهى المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة، وقد خصها الله تعالى وفضلها، ويقال: تضاعف فيها السيئات كما تضاعف الحسنات، ورغب أيضًا في صيام يوم سبعة وعشرين من رجب فيه بعث النبي ﷺ ويوم خمسة وعشرين من ذي القعدة أنزلت الكعبة على آدم ومعها الرحمة، وفي أول يوم من عشر ذي الحجة ولد إبراهيم ﵇» (٢)
وخالفهم اللخمي (علي بن محمد الربعي، أبو الحسن، المعروف
стр. 482
باللخمي ت ٤٧٨ هـ) في التبصرة فلم يذكر الأشهر الحرم بل اكتفى بقوله: «الأشهر المرغب في صيامها ثلاثة: المحرم، ورجب، وشعبان» (١)
و جاء ابن رشد (أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي ت ٥٢٠ هـ) فذكر صيام الأشهر الحرم في المقدمات «وصيام الأشهر الحرم أفضل من غيرها، وهي أربعة: المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة» (٢)
و ذكرها ابن العربي (القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي المالكي ت ٥٤٣ هـ) بصيغة التمريض منبها على الضعف فقال: «روي في المصنفات … وصيام الأشهر الحرم أفضل من غيرها، وهي أربعة المحرم، وصفر، وذو القعدة، وذو الحجة» (٣) قلت: صفر خطأ من النساخ وإنما هو رجب.
حتى جاء خليل بن إسحاق بن موسى، ضياء الدين الجندي المالكي المصري في القرن الثامن (ت ٧٧٦ هـ) فنبه على أنه لا وجود للحديث في كتب السنة.
فقال في التوضيح منبها على خطأ ابن يونس في ذلك: «وأما يوم التروية فروى ابن حبيب في واضحته أنه ﵊ قال: "صوم يوم التروية كصوم سنة" قيل: وهو حديث مرسل.
ابن يونس: وروي أنه ﵊ صام الأشهر الحرم وهي: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم. انتهى.
ولم أره في شيء من كتب الحديث. بل يعارضه ما رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان
стр. 483
رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صيامًا منه في شعبان. وهذا لفظ الموطأ.
والذي جاء في الأشهر الحرم ما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة أن النبي ﷺ قال: "صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك" وقال بأصابعه الثلاثة فضمها وأرسلها» (١)
قلت: ولذلك اكتفى خليل بما قاله اللخمي فلم يذكر في المختصر ذلك بل قال «والمحرم ورجب وشعبان» (٢)
قال شارحه بهرام «(والمحرم، ورجب، وشعبان) هكذا نص عليه اللخمي ولفظه: والأشهر المرغب في صيامها المحرم ورجب وشعبان» (٣)
ولهذا تعقب الدسوقي في حاشيته الشارح الدردير في قوله عطفا على خليل (وكذا بقية الحرم الأربعة)
فقال «وبه يعلم أن قول الشارح تبعا لعبق وندب بقية الأربعة غير المنصوص» (٤)
وبعد هذا التحقيق يتبين أن مذهب المالكية المعتمد ليس فيه صوم الأشهر الحرم.
وهو ما عليه خليل وشراحه.
وكذلك لا يصح عن الحنابلة ولا عن الإمام أحمد القول بصوم الأشهر الحرم، سوى المحرم.
فهذه الثلاثة المذاهب لا تقول بصيام الأربعة الحرم.
стр. 484
وأما الشافعية فقد تتبعت كلام الشافعي وتلاميذه فلم أجد نصا على ذلك، ومن أقدم من نص عليه في المتون المحاملي (ت ٤١٥ هـ) في اللباب بحسب ما توفر لنا من الاطلاع على الكتب الشافعية.
فقال: «والأشهر الحرم» (١)
واكتفى الماوردي (ت ٤٥٠ هـ) في الاقناع بقوله: «وَيسْتَحب صِيَام شهر الله الْأَصَم وَهُوَ رَجَب وَصِيَام شهر الصَّبْر وَهُوَ شعْبَان» (٢)
ثم ذكر هذه الأشهر الثلاثة بأدلتها في كتابه الحاوي وهو شرح لمختصر المزني فقال: «فصل
: فأما سائر شهور السنة، وأيامها فقد روي عن رسول الله ﷺ في تفضيل بعضها على بعض، ما أنا ذاكره فمن ذلك شهر المحرم روي عن رسول الله ﷺ في فضل صيامه أنه سئل أي الصوم أفضل بعد شهر رمضان، فقال: شهر الله المحرم.
فصل:
ومن ذلك شهر رجب، روي عن رسول الله ﷺ أنه سئل: أي الصوم أفضل بعد شهر رمضان؟ فقال: شهر الله الأصم وروي الأصب.
قال أبو عبيد: يعني رجبا لأن الله تعالى يصب فيه الرحمة صبا، وسمي أصم لأن الله تعالى حرم فيه القتال، فلا يسمع فيه سفك دم، ولا حركة سلاح وروى عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال " صيام أول يوم من رجب كفارة ثلاث سنين وصيام اليوم الثاني كفارة سنتين وصيام اليوم الثالث كفارة سنة ثم كل يوم كفارة شهر ".
стр. 485
فصل:
ومن ذلك شعبان روي عن رسول الله ﷺ أنه قال " من سره أن يذهب كثير من وحر صدره فليصم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر " يعني بشهر الصبر شعبان، وقيل رمضان وقيل وحر صدره يعني: غش صدره وبلابله، وقالت عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول إنه لا يفطر، ويفطر حتى نقول إنه لا يصوم وما رأيته صام شهرا أكثر من شعبان فهذه الشهور التي ورد فيها تفضيل الصيام» (١)
وقد تتابعت متون الشافعية فيما رأيت على عدم ذكر الأشهر الحرم سوى المحاملي في اللباب، إلى أن جاء النووي فذكرها في الروضة والمجموع لا المنهاج.
قال في الروضة: «قلت: ومن المسنون، صوم عشر ذي الحجة، غير العيد، والصوم من آخر كل شهر. وأفضل الأشهر للصوم بعد رمضان، الأشهر الحرم، ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. وأفضلها: المحرم، ويلي المحرم في الفضيلة، شعبان» (٢).
قلت: وهي من زياداته على الأصل إذ الرافعي لم يتعرض لها في العزيز.
ثم اطلعت على ما يؤيد ما ذكرته من كلام الإسنوي حيث بين أن ذلك من زيادات النووي على الأصل فقال في المهمات «قوله من زياداته: وأفضل الأشهر للصوم بعد رمضان الأشهر الحرم: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وأفضلها المحرم، ويلي المحرم في الفضيلة شعبان.
وقال صاحب "البحر": رجب أفضل من المحرم، وليس كما قال.
انتهى كلامه. وما نقله النووي عن صاحب "البحر" هنا وقد نقله عنه في
стр. 486
"شرح المهذب" أيضا وهو غلط على "البحر"؛ فإن فيه الجزم بالمقالة المشهورة وهي المقالة الأولى الذاهبة إلى تفضيل المحرم على رجب فقال في أواخر كتاب الصيام في باب صوم عرفة ما نصه: قال أصحابنا: ومن أراد أن يصوم شهرًا فأفضل الشهور بعد المحرم شهر رجب، هذا لفظه من غير نقل شئ آخر يوافقه ولا يخالفه.
ثم ذكر بعده أن شعبان يلي رجبًا في الفضيلة، ولم يتعرض لباقي الأشهر الحرم» (١)
ثم تتابع الشافعية بعد النووي على ذكر صوم الأشهر الحرم الأربعة في النوافل تبعا للنووي ﵀.
وقد استدل النووي على ذلك بحديث: عن مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها «أنه أتى رسول الله ﷺ ، ثم انطلق فأتاه بعد سنة، وقد تغيرت حاله وهيئته، فقال: يا رسول الله أما تعرفني قال: ومن أنت قال: أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول، قال: فما غيرك، وقد كنت حسن الهيئة قلت: ما أكلت طعاما منذ فارقتك إلا بليل، فقال رسول الله ﷺ : لم عذبت نفسك ثم قال صم شهر الصبر ويوما من كل شهر، قال: زدني فإن بي قوة، قال: صم يومين، قال: زدني، قال: صم ثلاثة أيام، قال: زدني، قال: صم من
стр. 487
الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، وقال بأصابعه الثلاثة فضمها، ثم أرسلها.» (١)
قلت: ومجيبة مجهولة وفي السند اضطراب فهو ضعيف. قال المنذري:
«وقد وقع فيه هذا الاختلاف، كما تراه، وأشار بعض شيوخنا إلى تضعيفه لذلك، وهو متوجه» (٢)
فتحصل مما سبق تفرد الشافعية بذلك وأما المذاهب الثلاثة فليس صيام الأشهر الحرم عندهم من المستحبات لعدم النص عليها سوى المحرم وإنما استحب بعضهم رجب لما سيأتي. (٣)
стр. 488
صوم عاشوراء وثبوته في الصحيحين وغيرهما والجمع بين نصوصه والكلام على التوسعة فيه.
وأما صوم عاشوراء فهو سنة مجمع عليها
قال النووي: «وأجمع المسلمون على أنه اليوم ليس بواجب وأنه سنة» (١)
وعاشوراء هو اليوم العاشر من محرم عند أهل العلم سوى ابن عباس وابن حزم الظاهري فقالا هو التاسع: قال النووي «وعاشوراء وتاسوعاء اسمان ممدودان هذا هو المشهور في كتب اللغة وحكى عن ابن عمر
стр. 489
والشيبابى قصرهما قال أصحابنا عاشورا هو اليوم العاشر من المحرم وتاسوعاء هو التاسع منه هذا مذهبنا وبه قال جمهور العلماء وقال ابن عباس عاشوراء هو اليوم التاسع من المحرم ثبت ذلك عنه في صحيح مسلم وتأوله على أنه مأخوذ من إظماء الإبل فإن العرب تسمي اليوم الخامس من أيام الورد ربعا بكسر الراء وكذا تسمي باقي الأيام على هذه النسبة فيكون التاسع على هذا عشرا بكسر العين، والصحيح ما قاله الجمهور وهو أن عاشوراء هو اليوم العاشر وهو ظاهر الأحاديث ومقتضى إطلاق اللفظ وهو المعروف عند أهل اللغة (وأما) تقدير أخذه من إظماء الإبل فبعيد، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ما يرده قوله لأنه قال أن النبي ﷺ " كان يصوم عاشوراء فذكروا أن اليهود والنصارى تصومه فقال ﷺ إنه في العام المقبل يصوم التاسع " وهذا تصريح بأن الذي كان يصومه ﷺ ليس هو التاسع فتعين كونه العاشر واتفق أصحابنا وغيرهم علي استحباب صوم عاشورا وتاسوعا» (١)
قلت: وقد حاول ابن القيم أن يصوب رأي ابن عباس بوجه وهو أنه قصد أن يدله على السنة التي لا يعلمها وهي صوم التاسع، وترك ما يعلمها السائل وهو العاشر لشهرته ومجيء الأحاديث به. (٢)
стр. 490
الكلام على أحاديث عاشوراء وكشف زيف دعوى التعارض المعاصرة.
رأينا للبعض مقالة ضعيفة ركيكة حاصلها أن أحاديث عاشوراء فيها تناقض، وعليه فلا تصام.
وفيه طعن في السنن الصحاح المتفق على صحتها عند سائر العلماء من المحدثين والمذاهب جميعا وتعريض بالصحيحين، وصد عن طاعة الله التي هي من أعظم الطاعات وهي الصوم وما فيه من فضل عظيم، ومناقضة للإجماع المنقول في مشروعية صوم عاشوراء، ولولا أن مثل هذه المقالات الهزيلة قد انتشرت بسبب وسائل التواصل ما استحقت جوابا، ولما قد ينطلي على المسلم الذي يريد التقرب بالطاعة في هذا اليوم، فيحرمه هذا الصاد عن سبيل الله الأجر والطاعة بسبب مشكلة في فهمه السقيم.
وسيتبين من الجواب أن السبب وراء هذا الإشكالات المعتلة الفهوم المختلة، وقد يرجع السبب إلى ظاهرة حب النشر وإعجابات الجمهور وإثارة الغرائب، ودعوى عمق النظر، وهو مرض معاصر مستشر عافانا الله جميعا من ذلك.
ولو كانت من المشكلات لتعرض لها العلماء في مصنفاتهم من محدثين وفقهاء من مختلف المذاهب ولكانت القضية محور اهتمامهم حال كلامهم على صوم عاشوراء، فإعراضهم عن ذلك دليل على عدم الإشكال في ذلك، ولهذا لم يتلفت للكلام عنها إلا قلة من العلماء.
стр. 491
وشخصيا لم تشكل الأحاديث في عاشوراء عندي أي تعارض ولم يظهر فيها شيء من تلك التهويشات.
لكن مع ظهور وسائل التواصل وسرعة نشر الغثاء أردت أن أبين بسهولة هذا الأمر في النقاط التالية:
١_ جاء أنه كان يصام في الجاهلية، وهذا أمر عادي فإن الجاهلية كانت لهم بقايا من الدين كالطواف بالبيت والحج وتعظيمه وصيام عاشوراء، ولعلهم أخذوا صيامه من أهل الكتاب، لأنهم كانوا يختلطون بهم، فصوم النبي ﵊ إن ثبت أنه صامه قبل الاسلام كان تحنثا واتباعا لبقايا الدين الحنيف كما كان يطوف بالبيت ويتحنث في غار حراء قبل النبوة، وإن كان بعد الوحي فهو إقرار بصحة ذلك، فإن الوحي لا يقره على باطل، والذي في مسلم ما يدل أنه لم يصمه، وأن رواية الصوم الصريحة إنما كانت بعد الهجرة.
٢_ لما هاجر النبي ﷺ وصل المدينة في ربيع الأول يوم الإثنين الثاني عشر منه، كما هو معلوم.
٣_ ومكث إلى محرم مطلع السنة الثانية فرأى يهود تصوم عاشوراء، فسألهم فأخبروه أنه نجى الله فيه موسى فقال نحن أحق بموسى منكم
فصامه وأمر بصيامه ونادى في الطرقات أن من أصبح مفطرا فليتم صومه.
٤_ فلما كان بين يدي رمضان نزل فرض صيام رمضان نصا (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذي من قبلكم) إلى أن قال سبحانه (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)، فهذا نص في فرض رمضان.
٥_ وبعد نزول الآيات في فرض رمضان لم يكن صوم عاشوراء على الوجوب بل على الاستحباب.
٦_ وكان النبي ﷺ يحب في بداية الأمر موافقة أهل الكتاب، ثم أمر بمخالفتهم بعد ذلك وكان من ذلك صيام عاشوراء قال قبل عام من وفاته
стр. 492
لإن عشت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر. وورد صوموا يوما قبله أو بعد.
٧_ جاء رجل إلى ابن عباس يسأله عن صيام عاشوراء فقال صم التاسع، ومعلوم أن التاسع كان خفيا على الرجل فأمره بصومه وترك تنبيهه على العاشر لعلمه به.
كذا قرر ابن القيم قائلا: فأرشد السائل إلى صيام التاسع معه، وأخبر أن رسول الله ﷺ كان يصومه كذلك. فإما أن يكون فعل ذلك وهو الأولى، وإما أن يكون حمل فعله على الأمر به وعزمه عليه في المستقبل، ويدل على ذلك أنه هو الذي روى: «صوموا يوما قبله ويوما بعده»، وهو الذي روى: «أمرنا رسول الله ﷺ بصيام يوم عاشوراء يوم العاشر». وكل هذه الآثار عنه يصدق بعضها بعضا ويؤيد بعضها بعضا انتهى كلامه.
قلت: أو أن هذا انفراد من ابن عباس ظنا لا نصا، ولم يوافقه أحد من الصحابة وله انفرادات معروفة شهيرة.
فكيف يجعل اجتهاده قاضيا ومبطلا على النصوص الثابتة الصحيحة.
٨_ أما أن التقويم اليهودي بالشمسي فكيف يصح صيامهم عاشوراء وهو في المحرم.
وهذا من أسهل الأمور لأن الهجري يتنقل كما هو معلوم؛ لذلك يأتي صوم رمضان في سائر شهور السنة الشمسية وسائر الفصول.
فقد يكون صومنا موافقا ليناير أو أكتوبر أو أغسطس أو غيرها.
وهكذا اتفق لليهود في عاشوراء ذلك العام.
فتوافق معهم القمري الذي هو الأصل والشمسي الذي ابتدعوه ووقتوا به صيام عاشوراء.
ولأن دينهم وتاريخهم غير محفوظ دخله التحريف والتبديل فلا ثقة بنقلهم.
стр. 493
فيحتمل أنهم غيروه، أو نسوه فتعلقوا بأدنى شيء، لكنه عندنا أهل الإسلام ثابت بالنص الصحيح الصريح: أن الله أنجى موسى في عاشوراء، وقد أقرهم النبي ﵊ على قولهم أنه يوم نجى الله فيه موسى، ولو كان باطلا لما أقرهم عليه.
أما التوسعة على الأهل في عاشوراء فلم يصح فيها حديث
وتابع الغماري العراقي على تصحيح سند ابن عبد البر وقد بينت خطأ ذلك ورجحان كلام الحافظ وغيره من الحفاظ من ثمانية عشر وجها في رسالة مستقلة (١).
أما ما يعمله الشيعة من النوح والجلد وسفك الدماء وملابسة القاذورات فلا أصل له في دين الإسلام، لا من كتاب ولا سنة، ولا حتى من عمل علي ولا الحسن ولا الحسين ﵃، بل بدعة من البدع المنكرة، وقد ثبت في شريعة الإسلام النهي عن النياحة، فعن عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية.». (١)
والشرع أمر عند المصيبة بالصبر والاسترجاع بنص القرآن ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ*أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]
ولا يحل لأحد الحداد فوق ثلاث إلا المرأة على زوجها أربعة أشهر وعشرا بنص القرآن والسنة.
قال سبحانه: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهرٍ وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٤]
وعند البخاري: عن أم حبيبة زوج النبي ﷺ : سمعت النبي ﷺ يقول: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا. (٢)
فكيف وهؤلاء مستمرون إلى عصرنا هذا (ونحن في القرن الرابع عشر