← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وفي "العمادية" أيضًا في آخر الفصل الحادي والعشرين: وحكي عن القاضي الإمام جمال الدِّين الرِّيْغْذَمُوني وهو كان خال صاحب "المحيط": أنه قال: ذكر الحاكم الشَّهيد في "المختصر": أنَّ حكم الجناية (١) يسري من الأم إلى الولد. وفي "العمادية" أيضًا في الفصل السابع: ادَّعى دارًا محدودة في يد إنسان، فأجاب المدعى عليه أنها ملكي وحقي وفي (٢) يدي، ثم ادعى أنّ المدعي غلط في بعض حدود ما في يدي؛ لم تُسمع؛ لأن جوابه إقرار أنّ ذلك المحدود بهذه الحدود في يده، كذا في "جوامع الفقه". وذكر قاضي القضاة جلال الدين حامد بن محمد الرِّيْغْذَمُوني ﵀ في "محاضره": هذا إذا أجاب المدعي بما ذكرنا أنها ملكي وحقي وفي يدي، فأما لو أجاب بقوله: ليس هذا ملكك، واكتفى به، ولم يزد عليه، يمكنه الدفع بعد ذلك لخطأ الحدود، حكاية عن الشيخ الإمام ظهير الدِّين المَرْغِيْنَاني أنّه كان لقَّن المدَّعى عليه هذا الجواب، وهو قوله: ليس هذا ملكك، لأن المدعي كان أخطأ في حدود المدعى، ويطلب المدعى عليه الدفع بخطأ الحدود. وذكر العلامة ابن الشحنة في "شرح القصيدة الرائية" لابن وهبان في فصل أدب القضاء في شرح بيت (٣): وليسَ له أجرٌ وإن كان قاسمًا … وإن لم يكنْ في بيت مال يقرر ورخَّص بعض لانعدام مقرر … وفي عصرنا فالقول الأوَّل يُنصر

стр. 1017

قال (١) جلال الدِّين أبو المحامد حامد بن محمَّد في كتاب السجلات: يجوز للقاضي أخذ الأجرة على كتب المحاضر والسجلات وغيرها من الوثائق بمقدار أجر المثل، وذلك لأن القاضي إنما يجب عليه القضاء وإيصال الحق إلى مستحقه فحسب، أما الكتابة فزيادة عمل يعمله للمقضي له، انتهى (٢). * * * [٣٧٨ - أبو الفضل الكَرماني (٣)] الشَّيخ الإمام، ركن الإسلام والدِّين، أبو الفضل، عبد الرَّحمن بن محمَّد بن أميرويه بن محمَّد الكَرماني ﵀ (٤). هو الشَّيخ الكبير عديم النظير، والإمام الجليل فقيد المثيل (٥) في زمانه بين أقرانه، أقرَّ له أهل عصره بأنه وحيد دهره في الفضل والأدب، انتهت إليه رئاسة المذهب بخراسان. ولد بكَرمان في شوال سنة سبع وخمسين وأربعمئة. وقدم مَرْو، وتفقَّه على فخر القضاة محمَّد بن الحسين الأَرْسَابَندي، وكان قد

стр. 1018

فرغ قبل قدومه من "تعليقة المذهب" ببلخ على عمر الخلجي (١) شيخ أصحاب أبي حنيفة بخراسان. وكان أبو الفضل ممن تخرَّج به وعلق عنه "التعليقة" في المذهب، ولازمه حتى صار من أنظر أصحابه، ثم أخذ عن الأَرْسَابَندي، عن أبي منصور السَّمْعَانِي، عن الإمام المُسْتَغْفِرِي، عن أبي علي النَّسَفِي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن عبد الله السُّبَذْمُونِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة ﵀ (٢). والأَرْسَابَندي أيضًا أخذ (٣) عن شيخ الإسلام القاضي علي المَرْوَزِي، عن أبي زيد الدَّبُوسي، عن أبي جعفر الأُسْتُرُوشَني، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل. ثم لم يزل أبو الفضل الكَرماني يرتفع حاله لاشتغاله بالعلم ونشره إملاءً وتذكيرًا وتصنيفًا، وكانت الطلبة ترحل إليه، [وتكاثر (٤) الفقهاء بين يديه، إلى أن سلم له التقدم بمَرْو، وصار مقبولًا عند الخاص والعام بالتَّسليم الكلِّي والقبول التَّام، فانتشر أصحابه في الآفاق، وظهرت تصانيفه بخراسان والعراق] (٥)، وكانت له قوة كاملة، (وقدرة شاملة في الأصول والفروع والحديث والتفسير والمعقول والمنقول، وله التوسع في الكلام والفصاحة في الجدل والخصام) (٦).

стр. 1019

وممن تفقَّه عليه وأخذ العلم عنه شمس الأئمَّة عبد الغفور بن لقمان بن محمَّد أبو المفاخر الكَرْدَري، وأبو الفتح محمَّد بن يوسف بن القنطري السَّمَرقندي، وبدر الدِّين العلامة عُمَر بن عبد الكريم الوَرْسَكي (١) البُخاري وغيرهم. وكان من محاسن الزَّمان، [عظيم الشان، رفيع المكان، وأيامه من تواريخ الأيام، لم تر العيون مثله في العلم والأدب والأحكام، وكان من أفراد الدهر في الدرس والإفتاء والحل والبيان] (٢). وله التصانيف المقبولة [التي سارت بها الركبان. توفي بمَرو بمدرسة القاضي الشَّهيد سنة ثلاث وأربعين وخمسمئة، وهو ابن تسعين سنة، وكان مولده سنة ثلاث وخمسين وأربعمئة] (٣). ومن تصانيفه "الجامع الكبير"، و"التجريد في الفقه" في (٤) مجلد، وشرحه في ثلاث مجلدات وسماه "الإيضاح". (وعن السَّمْعانِي أنه قال: سمعت منه "الإيضاح" (٥)، وشرح "التجريد" أيضًا، تلميذه عبد الغفور بن لقمان، وسمَّاه "المفيد والمزيد") (٦) في ثلاث مجلدات أيضًا (٧)، وله "الإشارات"، (وله "الفتاوى") (٨).

стр. 1020

[وفي الفصل التاسع من "فصول مجد الدِّين المفتي الأُسْتُرُوشَني": في دعوى غصب نصف الدار شائعًا، هل يشترط أن يبيِّن كون جميع الحدود في يد المدعى عليه؟ اختلف المشايخ فيه قال بعضهم: يشترط؛ لأن غصب نصف الدار شائعا لا يكون إلا بكون كل الدار في يده وقال بعضهم: غصب نصف الدار شائعًا بأن تكون (١) الدار في يدي رجلين، فيغصب من يد أحدهما يكون غاصبًا لنصف الدار شائعًا، كذا ذكره في شروط القاضي الإمام جلال الدين. وذكر رشيد الدِّين: اختلف العلماء في أنّ غصب الشيء شائعًا هل يتحقق؟ ذكر ركن الإسلام أبو الفضل الكَرماني في "إشاراته": أنّه لا يتحقق، وكذا ذكر الشَّيخ الإمام حسام الدِّين: لا يتصور. وقال مجد الدِّين المفتي محمَّد بن محمود بن حسين الأُسْتُرُوشَني في "فصوله" أيضًا في الفصل الخامس والعشرين: ورأيت بخط والدي: استفتى الشَّيخ الإمام ركن الإسلام أبو الفضل الكَرماني ﵀ رجل استعار دابة أو استقرضها بشرط أن يعير دابته في الغداء ويقرضها، ثم إنّ المستعير آجر من غيره بشيء معلوم، فانتقصت الدابة في يده، أيش يجب؟ قال: هذه إجارة فاسدة؛ لأنَّه بجنسه وإن كان اللفظ لفظ غير الإجارة؛ لأنَّه وجد بمعناها (٢). وقال أيضًا في الفصل الثامن والعشرين: ورأيت في فوائد والدي: استفتى الشَّيخ الإمام أبو الفضل الكَرماني فيمن باع دارًا واستأجر منه قبل التسليم، هل يصح؟ أجاب: يصح بناءً على ما ذكر في "الإيضاح" في باب بيع المبيع قبل القبض:

стр. 1021

أنّ كل ما لا يجوز بيعه قبل القبض لا تجوز إجارته، وبيع العقار يجوز قبل القبض، فكذا إجارته. قال: فأجاب القاضي الإمام فخر الدِّين الأَرْسَابَندي ﵀ أنَّه لا يجوز؛ لأن المبيع في الإجارة هو المنفعة، وهي في حكم المنقول، والشَّيخ الإمام أبو الفضل أورد عليه إشكالًا، وقد سبق في ذكر فخر الدِّين الأَرْسَابَندي. وفي "جواهر الفتاوى" في كتاب الزكاة في الباب الأول من فتاوى ركن الدنيا والدِّين أبي الفضل عبد الرَّحمن بن محمَّد الكَرْماني: رجل وجب عليه الخراج في أرضه، ولا يأخذ الإمام منه، وهو ممن يصرف الخراج إليه، فإنَّه لا يكون ما وجب عليه قصاصًا بما وجب له فيما بينه وبين الله تعالى، ولو وضع السُّلطان الخراج عنها وهو من أهله يجوز عند أبي يوسف، ولا يجوز عند محمد، ذكره في "العيون". ولو وضع العشر عنه لا يجوز بالاتفاق، أما العشر فلتعلق حقِّ الفقراء به، وأما الخراج فوجه (١) رواية الجواز أنَّه بمنزلة الجائزة، ولأنه لو أخذ الخراج ورده إليه أو أخذ خراج أرض أخرى ودفعه إليه لكونه أهلًا لذلك جاز، فكذا خراج أرضه، وجه رواية عدم الجواز أنّ الخراج صدقة الأرض، وهي (٢) لجميع المسلمين، فلا يجوز أن يختصَّ به. وفي "جواهر الفتاوى" أيضًا في باب الغصب والضمان، في باب فتاوى أبي (٣) الفضل الكَرْماني، ذكر الإمام عُمَر الخلجي: إن كان السُّلطان معروفًا بالظلم، فصادره بسبب سعايته، فعلى الساعي الضمان، وإن لم يكن معروفًا بالظلم فلا ضمان عليه.

стр. 1022

قلت: لا حاجة إلى التقييد في هذا الزَّمان، والفتوى اليوم بوجوب الضَّمان على السَّاعي مطلقًا، وإن كان المذكور في "النوازل" عن أبي القاسم الصفَّار: أن لا شيء عليه في الدنيا، وإنما الوزر عليه في العقبى. وفي باب الحوالة منها أيضًا: رجل باع من آخر شيئًا، فأحال بالثمن على آخر، ثم تقايلا البيع، أو رد المبيع بعيب، فإنَّه لا يبطل (١) الحوالة، ولو استحق المبيع تبطل الحوالة عند علمائنا الثلاثة، وعند زفر تبطل الحوالة في جميع الوجوه. حكي أنَّ الصَّدر السَّعيد ركن الدِّين أبا الفضل لما دخل بخارى سئل فيما إذا رد المبيع، فقال: تبطل الحوالة (٢)، وكتب الفتوى على ذلك، ثم رجع المستفتي، فقبل أن يتكلَّم المستفتي بشيء عرف أنَّه رجع ليتكلم بشيء (٣)، فقال: أنا مجتهد واختياري في هذه المسألة قول زفر. قال صاحب "الخلاصة" في الفصل الثاني من كتاب الإجارة: ولو امتنع أبو الصبي من أداء الوظيفة إلى المعلم يجبر على المراسم، جون حلوا، وينجشنبهي، وعيدي، قال في "المحيط": وعليه فتوى مشايخ بَلخ ﵏. قال الإمام الجليل الفضلي: أصحابنا المتأخرون يقولون: يجبر على دفع الأجرة ويحبس بها، وبه يفتى، ومشايخ بَلخ أفتوا بوجوب المسمى عند ذكر المدة، وبوجوب أجر المثل عند عدم ذكر المدة، ونقل عن ركن الإسلام أبي الفضل الكَرماني أنّه كان يكتب على الفتوى: يدر صبي معلم را خشنود كند.

стр. 1023

قال صاحب "الخلاصة": وأستاذنا الشيخ (١) الإمام ظهير الدِّين ﵀ هكذا كان يكتب، فالحيلة أن يستأجر المعلِّم مدة معلومة يأمره (٢) بالتعليم] (٣). * * * [٣٧٩ - القاضي السَّديد الصَّائغي (٤)] محمَّد بن عبد الله، (أبو عبد الله) (٥) الصَّائغي، المعروف بالقاضي السَّديد. تفقَّه على القاضي محمَّد بن الحسين الأَرْسَابَنْدي، وكان رفيقه أبا الفضل الكَرماني. ولي قضاء مَرْو وحدَّث بها، وكان مناظرًا كثير الصلاة والتلاوة (٦)، والنسبة إلى عمل الصياغة. * * *

стр. 1024

[٣٨٠ - أبو اللَّيث ابن أبي حفص النَّسَفى (١)] الشَّيخ الإمام أبو اللَّيث ابن شيخ الإسلام أبي حفص النَّسَفي، أحمد بن عُمَر بن محمَّد بن أحمد بن إسماعيل، المعروف بالمجد، من أهل سمرقند. تفقَّه على والده، الإمام نجم الدِّين عُمَر النَّسَفي، وأسمعه أبوه عن جماعة من السَّمَرْقنديِّين والغرباء الواردين عليهم بسمرقند، وكان قد سمع كثيرًا غير أنّه لم يكن له عناية بالحديث مثل والده. (قرأ عليه) (٢)، وأخذ عنه شيخ الإسلام برهان الدِّين علي بن أبي بكر صاحب "الهداية". [وعن أبي سعد السَّمْعَانِي: كان فقيهًا فاضلًا واعظًا كاملًا، حسن البحث. قدم مَرْو سنة سبع وأربعين متوجِّهًا إلى الحجاز، وانصرف من نَيسَابُور لموت السُّلطان مسعود، وتشوش في الطريق، ثم لمَّا وافيت سمرقند أول سنة تسع وأربعين لقيته بها واجتمعت به. وكان يعيرني الكتب والأجزاء، ويزورني وأزوره، ومع كثرة اجتماعي معه (٣) وشدة أنسي به لم يتفق لي أن أسمع منه شيئًا بسمرقند، فقدم علينا بخارى في سنة إحدى وخمسين وخمسمئة عازمًا على الحج، وورد بغداد وأقام بها شهرين في

стр. 1025

التوجه والانصراف، فخرج منها متوجهًا إلى وطنه، فلما وصل إلى قوس وجاوز بسطام خرج جماعة من أهل القلاع وقطعوا الطريق على القافلة] (١). وقتل (٢) يوم الإثنين السابع والعشرين من جمادى الأولى سنة اثنتين وخمسين وخمسمئة، بقرية كوف من نواحي بسطام، ودفن بهذه القرية، وأراد أهل بسطام أن ينقلوه إلى بسطام، فما أمكنهم؛ لأن (الشمس والهواء) (٣) أثَّرا فيه. [وعن السَّمْعانِي أنَّه قال: أنشدني الفقيه لفظًا منه: يا صاحبَ العِلم أترضى بأن … تُسعد قومًا ولكَ الشَّقوة كفاكَ الله سبحانَه لا يكن … غيرُك أولى منك بالحَظوة] (٤) * * * [٣٨١ - البَقَّالي (٥)] زين المشايخ، أبو الفضل، محمَّد بن أبي القاسم بن بابجوك، الخُوَارِزْمِي النَّحوي، المعروف بالبَقَّالي. ويعرف أيضًا بالآدمي؛ لحفظه "كتاب الآدمي" في النَّحو.

стр. 1026

وهو البقَّال (١)، الذي يبيع الأشياء اليابسة من الفواكه، والعجم يزيدون الياء، (وهي زيادة العجم لا نسبة) (٢). كان إمامًا فاضلًا فقيهًا مناظرًا (نحويًّا زكيًّا خبيرًا بالمعاني والبيان) (٣)، وكان من كبار الأئمَّة (وحجَّة في العربية) (٤). أخذ عن الزَّمَخْشَري وخلفه في حلقته. وله مصنَّفات كثيرة، منها: "الفتاوى"، و"جمع التفاريق"، و"كتاب التفسير"، و"كتاب التراجم بلسان الأعاجم"، وله "شرح الأسماء الحسنى"، و"كتاب مفتاح التنزيل"، و"كتاب الترغيب في العلم"، و"كتاب المقصد الأسنى في شرح الأسماء الحسنى"، و"كتاب أذكار الصلاة"، و"كتاب الهداية في المعاني والبيان"، و"كتاب التنبيه على إعجاز القرآن"، "وكتاب آفات الكذب" و"كتاب افتخار العرب"، و"شرح الأربعين". مات بجُرْجانية خُوَارِزْم، سنة ست وسبعين وخمسمئة، وقد نيف على التسعين، كذا ذكره عبد القادر [في "الجواهر المضية". ذكر الزاهدي في "شرح القُدُوري"، عن بدر الطاهر قال: وردت فتوى في زمن الصَّدر برهان الأئمَّة ﵀: أنَّا لا نجد وقت العشاء في بلدتنا، هل علينا صلاته؟ فكتب: ليس عليكم صلاة العشاء، وبه أفتى ظهير الدِّين المَرْغِيْنَاني.

стр. 1027

قال مولانا الأستاذ فخر الملَّة والدِّين بديع: وبلغنا أنه وردت هذه الفتوى من بلاد يطلع الفجر فيها قبل غيبوبة الشفق في أقصر ليالي السنة على شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، فأفتى بقضاء العشاء، ثم وردت بخُوَارِزْم على الشَّيخ الكبير سيف السنة البَقَّالي ﵀، فأفتى بعدم الوجوب، فبلغ جوابه الحَلْوَاني، فأرسل من يسأله في عامته بجامع خُوَارِزم ما تقول فيمن أسقط من الصلوات الخمس واحدة هل يكفر؟ فسأله، وأحسن به الشيخ، فقال: ما تقول فيمن قطع يداه مع المرفقين أو رجلاه مع الكعبين، كم فرائض وضوئه؟ قال: ثلاثة لفوات محل الرابع، قال: فكذلك الصلاة الخامسة، فبلغ الحَلْوَاني جوابه، فاستحسنه، ووافقه فيه. قلت: أظن أنّ هذه الحكاية وقعت بين البَقَّالي وبرهان الدِّين الكبير، وهو أفتى بوجوب صلاة العشاء على أهل هذه البلاد كما في "الفتاوى الظَّهِيرِيَّة" في كتاب الصلاة في فصل مواقيت الصلاة. وأفتى الشَّيخ الإمام الأجَل برهان الدِّين الكبير (جد صاحب "المحيط") (١) في أهل بلدة كلما تغرب الشمس يطلع الفجر: أنّ عليهم صلاة العشاء، وهكذا في "المحيط" لابن (٢) الحلواني، فإن البَقَّالي -على ما نص عليه تلميذ الزَّمَخْشَري- كان معاصرًا لنجم الدين عُمَر النَّسَفِي جَرَتْ بينهما مصاحبة، وهما ماتا فيما بين الأربعين والثلاثين وخمسمئة، وولد فيما بين الستين والسبعين وأربعمئة، ومات الحلواني في سنة ثمان وأربعين وأربعمئة، وبرهان الدِّين الكبير جد صاحب "المحيط" أبو محمَّد عبد العزيز بن عُمَر بن مازه كان موجودًا في عصرهما، ثم قلت: يحتمل أن يكون بقاليًّا آخر غير هذا البَقَّالي متقدمًا بالزَّمن على هذا البَقَّالي.

стр. 1028

فإن زين الأئمَّة أبا عبد الله محمَّد بن أبي بكر المعروف بخمير الوَبَري صاحب "كتاب الأضاحي والفتاوى" قد كان ينقل عن البَقَّالي حيث قال في "كتاب الأضاحي": الإبل الثَّني ما طعن في السنة السادسة، كذا ذكره الزَّعفَراني والبَقَّالي والسَّرَخسي، وقد مرَّ ذكر الوَبَري، والوَبَري تلميذ أبي بكر الزَّرَنجري، وهو من قدماء تلامذة الحلواني. وفي "القنية" من كتاب الصلاة: مت -يعني مجد الأئمة التَّرْجُماني-: قال: سألت البَقَّالي النَّحوي عمَّن قرأ في صلاته: (لا تشقاها) مكان ﴿لَا يَصْلَاهَا﴾ [الليل: ١٥]، فقال: لا تفسد. وقد كان الوَبَري في آخر "كتاب أضاحيه" ينقل عن مجد الأئمَّة التَّرْجُماني في تضحية الشاة المرهونة: قال مجد الأئمَّة التَّرْجُماني في تضحية الشاة المرهونة: ينبغي أن لا تجوز؛ لأن عين الرهن أمانة عندنا، بدليل وجوب النفقة على الراهن، وقد مر أيضًا في ذكر الوَبَري في الكتيبة السادسة. في "فتاوى قاضي خان" في فصل التيمم: مسافر أجنب، فشرع في الصلاة بالتيمم، ثم سبقه الحدث، فوجد ماءً قدر ما يكفي للوضوء، فإنّه يتوضأ ويبني، ذكره البَقَّالي في "جمع التفاريق"، فهذا هو القول الآخر لمحمد، وهو رواية عن أبي حنيفة، وهكذا في "الخلاصة". وفي "الخلاصة" أيضًا في فصل نكاح العبد والأمة: وفي "المحيط": قال البَقَّالي: ومهر مثل الأمة قدر الرغبة فيها، وعن الأوزاعي ثلث قيمتها. وفي الفصل الثاني من القسم الخامس من كتاب الطلاق في "الفتاوى الظَّهِيريَّة": المرأة إذا أرادت أن تنتقل بالصبي من المصر إلى قرية وقع أصل النِّكاح فيها لها ذلك،

стр. 1029

وذكر البَقَّالي في "الفتاوى": أنّه ليس لها أن تنتقل بالصبي من المصر إلى القرية بحال، وليس لها أن تخرج بالصبي إلى دار الحرب وإن كان أصل النكاح فيها. وذكر البَقَّالي في "فتاواه": ولها أن تنقل إلى بعض نواحي المصر وإن كان الأب لا يمكنه الرجوع من زيارته من يومه إلى وطنه قبل الليل، وفي "المنتقى": ابن سماعة عن أبي يوسف -رحمهما الله-: رجل تزوَّج امرأة بالبصرة، وولدت له ولدًا، ثم إنَّ هذا الرجل أخرج ولده الصَّغير إلى الكوفة، فطلقها، فخاصمته في ولدها، وأرادت رده عليها، قال: إن كان الزوج أخرجه إليها بأمرها، فليس عليه أن يرده، ويقال لها: اذهبي إليه وخذيه، قال: وإن كان أخرجه بغير أمرها فعليه أن يجيء به إليها. وفي "شرح القُدُوري" للزَّاهدي: اختلفوا فيما حسر من شعر مقدم الرأس، فقيل إن قلَّ فمن الوجه، وإن كثر فمن الرّأس، والصَّحيح أنّه من الرأس حتى جاز المسح عليه، وفي "تفسير البقالي": وحد الوجه من قصاص الشعر إلى شحمة الأذن إلى أصل الذَّقن، كذا حدَّه أهل اللغة، وعلى هذا لا يدخل فيه النزعتان، وهو ما انحسر من الشعر من جانبي الجبهة إلى الرأس؛ لأنَّه من الرأس. وفيه (١) في كتاب الصلاة: فإن لم يجد ما يقدره (٢) لمعرفة الفيء والأمثال فليعتبره بقامة، وقامة كلِّ إنسان ستة أقدام ونصف بقدمه. وقال الطَّحَاوِي وعامة المشايخ سبعة أقدام، قال: ويمكن الجمع بينهما بأن يعتبر سبعة أقدام من طرف سمت الساق، وستة ونصف من طرف الإبهام، وإليه أشار البَقَّالى في شرح الأربعين".

стр. 1030

وقد أخذ الفقه عنه جماعة، منهم] (١) فخر المشايخ علي بن عبد الله بن عمران (٢) العمراني. (٣) كان شيخًا فقيهًا ورعًا (بارعًا، عظيم القدر، كبير المحل) (٤)، أخذ عن أبي نصر الخالد (٥) وتفقَّه عليه، وأخذ عن الشَّيخ العلامة الزَّمَخْشَري، [وأخذ عنه شيخ الإسلام علاء الدِّين (٦) سديد بن محمَّد الخَيَّاطي. في باب زلة القارئ من "القنية": عك -عين الأئمَّة الكَرَابِيسي-: التحيات بالطاء تفسد، وعن زين المشايخ وفخر المشايخ قال: سبحان ربي العظوم لا تفسد. وفيه في باب المتفرقات قال زين المشايخ: لو قرأ أكبرّ مشددًا لا تفسد، وهو لغة بعض العرب في الوقف، تقول في جعفر: جعفرّ، وعن فخر المشايخ مثله، جار الله قرأ (وَرَدَّ مَاءَ مَدْيَنَ) (٧) بتشديد الدال تفسد] (٨). * * *

стр. 1031

[٣٨٢ - علي المُطَرِّزي (١)] [٣٨٣ - ضياء الدين البَنْدَنِيجي (٢)] علامة الدنيا برهان الدِّين ناصر بن أبي المكارم علي المُطَرِّزي صاحب "المُغْرِب"، وضياء الدِّين محمَّد (بن الحسين) (٣) بن ناصر بن عبد العزيز البَنْدَنِيجي (٤). أخذ عن الشَّيخ الإمام علاء الدِّين أبي بكر محمَّد السَّمَرقندي، عن الإمام أبي المعين ميمون المَكْحُولي، وعن مجد الأئمة السُّرْخَكَتِي، من متفرقات الكتيبة الثامنة. وعن (٥) صدر الإسلام أبي اليسر البَزدَوي، عن أبي يعقوب يوسف السَّيَّاري، عن أبي إسحاق النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِندُوَاني، عن أبي القاسم الصفَّار، عن نصير (٦) ابن يحيى، عن محمَّد بن سماعة، عن (أبي يوسف ومحمد) (٧)، عن أبي حنيفة. وكان ضياء الدِّين أحد مشايخ برهان الدِّين علي بن أبي بكر صاحب "الهداية". في "الجواهر المضية": قال صاحب "الهداية": أجازني ضياء الدِّين محمَّد

стр. 1032

البَنْدَنِيْجي بجميع مسموعاته مشافهة، وكتب بخط يده سنة خمس وأربعين وخمسمئة، ومن مسموعاته "كتب الصحيح" لمسلم [كان يرويه شيخنا ضياء الدِّين هذا عن محمَّد بن الفضل القراوي بنيسابور سنة خمس وعشرين وخمسمئة، عن أبي الحسن عبد الغافر الفارسي سنة ثمان وأربعين وأربعمئة، عن الجُلُودي سنة خمس وستين وثلاثمئة، عن إبراهيم بن محمَّد بن سفيان الفقيه، عن مسلم] (١). وبَنْدَنِيج بلدة من بلاد فَرْغانة، إلى هنا من "الجواهر المضية". * * * [٣٨٤ - الكاساني (٢)] الشَّيخ الإمام، ملك العلماء، (علاء الدِّين) (٣) أبو بكر بن مسعود بن الكاساني، صاحب "البدائع في شرح تحفة السَّمَرقندي". تفقَّه على صاحب "التحفة" الشَّيخ الإمام علاء الدِّين أبي بكر محمَّد السَّمَرقندي، وقرأ عليه "التحفة"، وهو معظم تصانيفه في الفقه وشرحها، وزوجه ابنته فاطمة الفقيهة العالمة، وقد مرَّتْ حكايتها (٤) في ذكر علاء الدِّين السَّمَرقندي. وقرأ عليه غير "التحفة" من كتب الأصول والفروع، [وأخذ العلم عنه عن صدر

стр. 1033

الإسلام أبي اليسر البَزْدَوي وعن أبي المعين ميمون المَكْحُولي وعن مجد الأئمَّة السُّرْخَكَتِي السابق ذكرهم في ضياء الدِّين قبيل هذا. قال في أول "البدائع": قد كثرت تصانيف مشايخنا في هذا الفنِّ قديمًا وحديثًا، وكلهم أفادوا وأجادوا، غير أنهم لم يصرفوا العناية إلى الترتيب سوى أستاذي وارث السنة ومورثها الشَّيخ الإمام الزاهد علي الدِّين رئيس أهل السنة محمَّد بن أحمد بن أبي أحمد السَّمَرْقندي ﵀، فاقتديت به فاهتديت فأهديت؛ إذ الغرض الأصلي والمقصود الكلي من التصنيف في كلِّ فنٍّ من فنون العلم هو تيسير سبيل الوصول إلى المطلوب على الطالبين وتقريبه إلى أفهام المقتبسين، ولا يلتئم هذا المرام إلا بترتيب تقتضيه الصناعة وتوجيه الحكمة، وهو التفحص (١) عن أقسام المسائل وفصولها وتخريجها على قواعد أصولها؛ لتكون أسرع فهمًا، وأسهل ضبطًا، وأيسر حفظًا؛ لتكثر الفائدة وتتوفر العائدة. فصرفت عنايتي إلى ذلك، وجمعت (٢) في كتابي هذا جملًا من الفقه مرتَّبة بالترتيب الصناعي، والتأليف الحكمي الذي يرتضيه أرباب الصَّنعة، وتخضع له أهل الحكمة، وسمَّيته "بدائع الصنائع في ترتيب الشَّرائع". قال صاحب "التحفة" في كتاب الصوم من "التحفة": ولو رد القاضي شهادة المتَّهم بالفسق إذا كانت السماء مغيمة أو لتفرده إذا كانت السماء مصحية وإن كان عدلًا، فإنّه يجب عليه أن يصوم ذلك اليوم. ولو أفطر بالجماع لا تلزمه الكفارة عندنا خلافًا للشافعي، وهي مسألة معروفة، وقال الكاساني في "البدائع": وجوب الصوم عليه ممنوع، فإن المحققين من مشايخنا

стр. 1034

قالوا: لا رواية في وجوب الصوم عليه، إنما الرواية أن يصوم، وهو محمول على النَّدب احتياطًا، انتهى. وصاحب "الهداية" اقتفى صاحب "التحفة" حيث قال: من رأى هلال رمضان وحده صام وإن لم يقبل الإمام شهادته؛ لقوله ﷺ : "صوموا لرؤيته" (١)، وقد رأى ظاهرًا، ولو أكمل هذا الرَّجل ثلاثين يومًا لم يفطر إلا مع الإمام؛ لأن الوجوب عليه للاحتياط، والاحتياط بعد ذلك في تأخير الإفطار، ومن رأى هلال الفطر وحده لم يفطر احتياطًا، وفي الصوم الاحتياط في الإيجاب. وله "كتاب السُّلطان المبين في أصول الدين". تفقَّه عليه أحمد بن محمَّد بن محمود بن سعيد الغَزْنَوي صاحب "مقدمة الغزنوي" المشهورة، وأبو السرايا خليفة بن سليمان الحلبي الخُوَارِزْمي، وولده (٢) محمود بن أبي بكر بن مسعود الكاساني، وكان محمود هذا قد ولي المدرسة النُّورية بعد وفاة أبيه علاء الدِّين الكاساني، وروي أنّ حسام الدِّين علي بن أحمد الرَّازي كان يدبر حال محمود بن أبي بكر الكاساني بعد وفاة أبيه في المدرسة المزبورة، وكان أحمد الغَزنوي يعيد درسه بالمدرسة الحلاوية بحلب. وفي "الجواهر المضية": أرسل الكاساني رسولًا من ملك الروم إلى نور الدِّين محمود بحلب، وسبب ذلك أنّه تناظر مع فقيه من بلاد الروم في مسألة المجتهدين، هل هما مصيبان أم أحدهما مخطئ، فقال الفقيه: المنقول عن أبي حنيفة أنّ كل مجتهد مصيب، فقال الكساني: لا، بل الصحيح عن أبي حنيفة أنّ المجتهد يصيب ويخطئ، والحق في جهة واحدة، وهذا الذي تقول مذهب المعتزلة، وجرى بينهما

стр. 1035

كلام في ذلك، فرفع الكساني على الفقيه المقرعة، فقال ملك الروم: هذا افتيات على الفقيه، فاصرفه عنا، فقال الوزير: هذا رجل كبير ومحترم لا ينبغي أن يصرف، بل تنفذه (١) رسولًا إلى الملك نور الدِّين محمود. فأرسل إلى حلب، وكان قبل ذلك قدم الرضى السَّرَخْسي صاحب "المحيط" إلى حلب، فولَّاه نور الدِّين الحلاوية، واتفق عزله كما يجيء في ذكره، فولي الحلاوية عوضه بطلب الفقهاء، وطلبوا منه الكلام في مسألة، فقال: لا أتكلم في مسألة فيها خلاف أصحابنا، فعينوا مسائل كثيرة، فجعل كلما ذكروا مسألة يقول ذهب إليها من أصحابنا فلان وفلان، فلم يزل كذلك حتى أنهم لم يجدوا مسألة إلا وقد ذهب إليها من أصحابنا واحد، فانتهى المجلس على ذلك. وعن ضياء الدِّين محمَّد بن خميس الحنفي أنّه قال: حضرت الكساني عند موته فشرع في قراءة سورة إبراهيم حتى انتهى إلى قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] مات في عاشر رجب سنة سبع وثمانين وخمسمئة، ودفن داخل مقام إبراهيم الخليل بظاهر حلب، عند قبر زوجته فاطمة، والدعاء عند قبرهما مستجاب، وذلك مشهور بحلب، وقبرهما معروف عند الزوَّار. وفي الفصل الأول من كتاب الصوم من "الفتاوى الظَّهِيرِيَّة": صوم ستة أيام من شوال مكروه عند أبي حنيفة متفرقًا أو متتابعًا، وقال أبو يوسف ﵀: كانوا يكرهون أن يتبعوا رمضان صيامًا خوفًا من أن يلحق بالفريضة، وعن مالك

стр. 1036

قال: ما رأيت أحدًا من أهل الفقه يصومها، ولم يبلغنا عن أحد من السلف، وعن أبي يوسف قال: أكره متتابعًا ولا أكره متفرقًا. ومن المشايخ من قال: ينبغي للعالم أن يصوم سرًّا وينهى الجاهل عنه، وعن الحسن: أنّه كان لا يرى أن يصوم أيامه متتابعة بعد الفطر من بأس، وكان يقول: كفى بيوم الفطر مفرِّقًا بينهن وبين شهر رمضان، وعامة المتأخرين لم يروا بأسًا، واختلفوا أي الأفضل: التفرق أو التتابع؟ إلى هنا من "الظَّهِيرِيَّة". قال ملك العلماء أبو بكر الكاساني في "البدائع": والإتْبَاع المكروه هو أن يصوم الفطر ويصوم بعده خمسة أيام، فأما إذا أفطر يوم العيد ثم صام بعده ستة أيام فليس بمكروه، بل هو مستحب وسنَّة، انتهى. وفي "الذخيرة": قال أبو يوسف: كانوا يكرهون أن يُتبِعوا رمضان صيامًا خوفًا أن يلحق بالفريضة، أراد به صوم الستِّ وهذه اللفظة دليل على أنّ الكراهة في حقِّ العوام لا في حق أهل العلم، والمتأخرون من مشايخنا لم يروا بأسًا، واختلفوا في أنّ الأفضل التتابع أو التفرق، قال المولى العلامة شيخ الإسلام أحمد بن سليمان الشهير بابن كمال باشا في "الإصلاح والإيضاح": لا كراهة في صوم الستِّ بعد الفطر متتابعة في المختار؛ لأن الكراهة إنما كانت لأنّه لا يؤمَن من أن يعد ذلك من رمضان، فيكون تشبيهًا بالنَّصارى، والآن قد زال هذا المعنى، كذا في "التجنيس"] (١). * * *

стр. 1037

[٣٨٥ - قوام الدِّين أحمد البُخاري (١)] الشَّيخ الامام، قوام الدِّين، أحمد بن عبد الرشيد بن الحسين البُخاري. والد صاحب "الخلاصة" افتخار الدِّين طاهر بن أحمد. أخذ العلم عن أبيه وتفقَّه عليه، وله (٢) شرح "الجامع الصغير"، [وتفقَّه على أبيه (٣) افتخار الدِّين أحمد، وروى صاحب "الهداية" برهان الدِّين علي بن أبي بكر. وفي الفصل السادس من كتاب الطهارة من "الخلاصة": السيف والسكين إذا أصابهما نجاسة فمسحهما بالتراب إن أصاب البول لا يطهر إلا بالغسل، وأما الدم إن ذبح شاة ومسح السكين على الصوف أو على شيء آخر وذهب أثره قال في "الفتاوى": يطهر حتى لو قطع به بطيخًا يكون طاهرًا، قال ﵀ وفي "شرح الجامع الصَّغير" للإمام الوالد: أنّه لا يطهر فلو لحسه بلسانه أو مسحه بريقه يطهر. وفي الفصل السادس من كتاب الصلاة في "الخلاصة" أيضًا: السرقين إذا أحرق حتى صار رمادًا عند أبي يوسف ﵀ لا يحكم بطهارته وعند محمَّد ﵀ يحكم بطهارته قال: وعليه الفتوى، وعلى هذا الخلاف الخنزير إذا وقع في المملحة حتى صار كله ملحًا يطهر، قال ﵀: الكل في شرح الصلاة للإمام الوالد ﵀، وفي "الفتاوى": اعتمد على قول محمَّد ﵀، انتهى ما في "الخلاصة".

стр. 1038

قال برهان الإسلام الزُّرنوجي: قال في "كتاب تعليم المتعلم": كان صاحب "الهداية" يؤقت (١) بداية السبق على يوم الأربعاء، وكان يروى في ذلك حديثًا ويقول: قال رسول الله ﷺ : "ما من شيء بدئ يوم الأربعاء إلا وقد تم (٢) "، قال: وهكذا كان يفعل أبي، فيروي هذا الحديث بإسناده عن الشَّيخ الأجل قوام الدِّين أحمد بن عبد الرشيد] (٣). * * * [٣٨٦ - أبو سعد القيسي الهَرَوي (٤)] الأستاذ الإمام الفقيه الفاضل عبد المجيد بن إسماعيل بن محمَّد، أبو سعد، القيسي، الهَرَوي، قاضي بلاد الروم. ولد بأبوَة من أعمال هراة، تفقَّه بما وراء النهر على جماعة منهم فخر الإسلام علي البَرْدَوي، وأخذ عن السيِّد الأشرف ابن السيِّد الإمام عن أبيه السيِّد الإمام. ودرس العلم ببغداد والبصرة وهمذان (وبلاد الروم، ثم قدم دمشق سنة أربع وثلاثين وخمسمئة) (٥) وتوفي بقيسارية في شهر رجب سنة سبع وثلاثين وخمسمئة، وأخذ عنه العلم جماعة منهم ولداه القاضي أحمد بن عبد المجيد والمدرس إسماعيل بن عبد المجيد.

стр. 1039

(وكان فاضلًا عالمًا جامعًا للعلوم الشرعية والعقلية، وكانت ترحل إليه الطلبة في كل مكان كان فيه، وله مصنفات في الفروع والأصول) (١). * * * [٣٨٧ - علاء الدِّين أبو حامد محمَّد السَّمَرْقندي (٢)] شيخ الإسلام العلاء (٣) العالم علاء الدِّين أبو حامد محمَّد بن عبد الحميد بن الحسن بن الحسين، أبو الفتح، الأُسْمَنْدِي، السَّمَرْقندي. كان من فحول الفقهاء، من أصحاب أبي حنيفة، تفقَّه على السيِّد الإمام الأشرف، وكان بارعًا في العلوم كلها (أصولها وفروعها، وكان عديم النظير، مفرط الذكاء، إذا حضر في محل كان هو المشار إليه والمعوَّل في المشكلات عليه) (٤)، وله "تعليقة" مشهورة في مجلدات، وصنَّف في الخلاف، وأملى (٥) في (٦) التفسير، ورد بغداد حاجًّا في سنة اثنتين وخمسين وخمسمئة. (روى عنه) (٧) وأخذ عنه أبو المظفَّر جمال الإسلام، مصنف "الفروق" أسعد

стр. 1040

الكَرَابِيسي، وشيخ الإسلام نظام الدِّين عُمَر بن شيخ الإسلام برهان الدِّين علي بن أبي بكر صاحب "الهداية"، مات بعدما تنسَّك، وترك المناظرة سنة اثنتين وخمسين وخمسمئة وهو ابن أربع وستين سنة، وكان مولده بسمرقند سنة ثمان وثمانين وأربعمئة. ونسب إلى أُسْمَند بضم الألف وسكون السين (١) المهملة وفتح الميم وسكون النون (في آخره دال مهملة) (٢)، من قرى سمرقند. [في الفصل السادس من "الخلاصة": ولو وقعت الفأرة في العصير، ثم تخمر ثم تخلَّل فهو لا يكون بمنزلة ما لو وقعت في الخمر هو المختار، وكذا لو ولغ الكلب في العصير ثم تخمَّر ثم تخلَّل لا يطهر، وأما إذا وقع البول في الخمر ثم تخلَّل في "الخلافيات" لعلاء العالم ﵀: أنَّه لا يطهر، وفيه قبيل هذه المسألة: فأرة وقعت في دن خمر فصارت خلًّا يطهر إذا رمى بالفأرة قبل التخلُّل، وإن تفسخ الفأرة فيها لا يباح. وفي الفصل التاسع عشر من "فصول العمادية": ذكر شيخ الإسلام نظام الدِّين عمي في "فوائده" التي جمعت هذا منها: استفتى شيخ الإسلام برهان الدِّين إذا فسخ البيع الجائز بعد مضي السنة هل يكون للمشتري من الغلَّة بحساب ما مضى من السنة؟ أجاب ﵀: نعم له ذلك، وتقسم الغلة على اثني عشر جزءًا فيأخذ حصة ما أصاب الماضي من السنة، قيل له: وهل يختلف الجواب بينما إذا ظهرت الغلَّة وبينما إذا لم تظهر؟ أجاب: لا يختلف. قال شيخ الإسلام عمِّي: وكان أستاذنا شيخ الإسلام علاء الدين السَّمَرقندي

стр. 1041

يفصِّل ويقول: إذا ظهرت الغلَّة عند الفسخ كان الجواب هكذا، ولو لم تظهر لا تقسم الغلَّة؛ لأنَّه لم تظهر الغلَّة في أي شيء يبقى حقه. وفي "الفصول العمادية" أيضًا في الفصل السابع والعشرين، وفي فوائد عمي نظام الدين: الوصي هل يملك بيع عقار الصبي بيعًا جائزا؟ أجاب مولانا شيخ الإسلام برهان الدِّين أنه يملك. وكان أستاذنا شيخ الإسلام علاء الدِّين علَّامة العالم وغيره من أئمة سمرقند في زمانه يفتي أنّه لا يملك؛ لأن في جواز هذا البيع إتلاف مال اليتيم ومنافعه؛ لأن الملك باقٍ للصغير، والمنافع من ملكه لغيره، وذا لا يملكه الوصي، وجه ما ذهب إليه جدِّي أنّه يتخيَّر بمال اليتيم من حيث إنّه استيفاء ملكه ودفع صاحبه. وفي "العمادية" أيضًا في الفصل الثالث والعشرين: رأيت في آخر نسخة من "واقعات الصَّدر الشَّهيد" بخط كاتب النسخة أحمد بن محمود بن محمَّد الأستخيني (١)، وكأنه كان أحد تلامذة شيخ الإسلام علاء الدِّين علامة العالم فخر العلماء أبي حامد محمَّد بن عبد الحميد السَّمَرْقندي: سُئل مولانا علاء الدِّين علَّامة المَّلة: مردي أمرذن خودبيك طلاق بدست ببدران نهاد كه هروقت اكه ازشهر بروم وتايك ماه ينايم باي زن من كشاده كنى. وفي "جواهر الفتاوى" في الباب السادس من كتاب الأيمان (٢): سُئل الشَّيخ الإمام علاء الدِّين عالم العلماء السَّمَرْقندي عمَّن حلف: لا ينظر إلى وجه فلان، فرأى وجهه في المرآة، قال في الكتاب: لا يحنث في يمينه، وليس ما رآه في المرآة عين وجهه؛ لأن قيام وجه واحد في موضعين في زمان واحد محال، فما رآه في المرآة غير وجهه، وكذلك في الماء.

стр. 1042

تبيانه: أنَّ الله تعالى أجرى العادة أنَّ الإنسان لا يبصر من ورائه، ولو نظر إلى الزجاج فرأى من الزجاج فرج المرأة ثبتت (١) حرمة المصاهرة، بخلاف ما لو رأى من المرآة والماء، ذكره البَقَّالي؛ لأن من الزجاج يرى عينها، ومن المرآة يرى مثلها] (٢). * * * [٣٨٨ - قوام الدِّين الصَّفَّاري (٣)] الشَّيخ الإمام قوام الدِّين حماد بن إبراهيم بن إسماعيل الصَّفَّاري أبو المحامد البُخاري. كان أبوه وجده وجد أبيه وجد جده من بيت العلم والزهد، وكانوا (٤) من كبار المشايخ الحنفيَّة، وكان قوام الدِّين حماد (٥) هذا يؤم الناس يوم الجمعة في الصلاة ويخطب غيره، وكذا عادة أهل بخارى (في بلادهم) (٦)، لا يصلي بهم الخطيب إلا من هو أعلم وأحسن طريقة. ولد في ليلة العيد من ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين وأربعمئة. [سمع أباه وأخذ العلم عنه، عن أبيه إسماعيل بن أحمد بن شيث الصفار، عن

стр. 1043

أبي يعقوب السَّيَّاري، عن أبي إسحاق النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِندُوَاني، عن أبي بكر الإِسكاف، عن محمَّد بن سلمة، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمد، عن أبي حنيفة. غذي بالعلم، ونشأ في حجر الفضل، وحمل على أكتاف الأئمَّة، حتى صار شيخ الإسلام وإمام الأمة] (١). وكان أوحد عصره في العلوم الدِّينية أصولًا وفروعًا، ومجتهد زمانه، أقرَّ بفضله الموافق والمخالف، [وكان مع الزهد المتين والورع الوصين طلق الوجه، دائم البشر، حسن المجالسة، مليح المحاورة، يحكي الحكايات الحسنة، والأشعار المستحسنة، وكان في حفظه كثير من المسائل والروايات واللطائف والأشعار والمحاضرات وغير ذلك من المعارف والعوارف] (٢)، وكان أستاذ العلماء، وإسناد (٣) الفضلاء. [أخذ عنه برهان الإسلام الزُّرنوجي مصنف "كتاب تعليم المتعلم"، وافتخار الملَّة والدِّين طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد صاحب "الخلاصة". وفي "الخلاصة" في آخر كتاب ألفاظ الكفر: اللعن على يزيد بن معاوية لا ينبغي أن يُفعل، وكذا على الحجَّاج، قال ﵀ -أي صاحب "الخلاصة" طاهر بن أحمد-: سمعت عن الشَّيخ الإمام الزاهد قوام الدِّين الصفاري أنّه كان يحكي، عن أبيه أنّه كان يجوِّز ذلك، ويقول: لا تلعنوا على معاوية، أما لا بأس باللعن على يزيد، وقد مر تفصيل هذا في أوائل الكتاب في ذكر معاوية ﵁ في كتيبة أعلام الأخيار من أصحاب النبي المختار.

стр. 1044

وفي "الحاوي" في المتفرقات من كتاب الصلاة، نقلا عن قاضي خان قرأ: وهو التي خلق السموات "مكان" "الذي" أو "أنعمت" بكسر التاء: تفسد، وقال قوام الدِّين الصَّفَّاري: لا تفسد. قال برهان الإسلام الزُّرنوجي في "تعليم المتعلم" في فصل النية: وينبغي أن ينوي المتعلم بطلب العلم رضى الله تعالى وإزالة الجهل عن نفسه وعن سائر الجهَّال، وإحياء الدِّين، وإبقاء الإسلام، ولا ينوي إقبال النَّاس، ولا استجلاب حطام الدُّنيا وغيره (١). قال محمَّد بن الحسن ﵀: لو كان الناس كلهم عبيدي لأعتقتهم وتبرَّأت عن ولائهم، ومن وجد لذة العلم والعمل به قلَّما يرغب فيما عند الناس. أنشدنا الإمام الأستاذ الأجل قوام الدِّين حماد بن إبراهيم بن إسماعيل الصفار الأنصاري، ﵀ إملاء لأبي حنيفة ﵀: مَنْ طلبَ العلمَ للمَعاد … فازَ بفضلٍ من الرَّشاد فيالِخُسْرانِ طالبيه … لنيلِ فضلٍ من العباد (٢) اللهم إلا إذا طلب الجاه (للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتنفيذ الحق، وإعزاز الدِّين لا لنفسه وهواها) (٣)، فيجوز ذلك بقدر ما يقوم به الأمر بالمعروف] (٤). * * *

стр. 1045

[٣٨٩ - رضى الدِّينِ السَّرَخْسي (١)] الشَّيخ الإمام محمَّد بن محمَّد بن محمَّد، الملقَّب رضى الدِّين ابن الإمام برهان الإسلام السَّرَخْسي، مصنف "المحيط السَّرَخْسي". كان إمامًا فاضلًا، جامع العلوم العقلية والنقلية، أخذ العلم عن الصَّدر الشَّهيد حسام الدين، عن أبيه برهان الدِّين الكبير، عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن أبي علي النَّسَفي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن عبد الله السُّبَذْمُونِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمد، عن أبي حنيفة ﵏. وكان موضع ذكره في الكتيبة الآتية، لكن لما كان متقدمًا بالزَّمان، وكان (٢) قد وصل إلى خدمة رجال الكتيبة (التاسعة بل الثامنة) (٣). [وكان ملك العلماء علاء الدِّين الكاساني صاحب "البدائع" خلفه في المدرسة الحلاوية بحلب كما سبق ذكره ذكرتُه في هذه الكتيبة. قال في "الجواهر المضية": قال ابن العديم: قدم حلب ودرس بالنُّورية والحلاوية بعد محمود الغَزْنَوي، فتعصب عليه جماعة ونسبوه إلى التقصير، وأنه ادعى تصنيف "المحيط" وحاله في الفقه يقصر عن ذلك وذكروا أنَّ هذا الكتاب تصنيف شيخه، وأنه وقع به وادَّعاه لنفسه، وكان أكثر الناس تعصبًا عليه

стр. 1046

ذلك شيخنا افتخار الدِّين الهاشمي أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل البَلْخِي ثم الحلبي ثم (١) الهاشمي. وكتبوا فيه رقاعًا إلى نور الدِّين محمود بن زنكي يذكرون أنهم أخذوا عليه تصحيفًا كثيرًا، من ذلك أنّه قال في الجبائر: الجنائز. فانعزل عن التَّدريس فسار إلى دمشق، وكان الكاساني قد ورد رسولًا وكتب له نور الدِّين خطه بالمدرسة الحلاوية، فمضى في الرسالة، ثم عاد وتولى التدريس بها، وتولى الرضى بدمشق يدرس بالخاتونيَّة، فلما مرض فتق كعاب "المحيط"، وأخرج منه ستمئة دينار، وأوصى أن ينفقه على الفقهاء بالمدرسة المذكورة. وقال فيه: ذكر رضي الدِّين في "المحيط" في باب الوصية قال: حكى أستاذنا الإمام الأجَل حسام الدين عُمَر بن عبد العزيز، عن والده برهان الدِّين رحمهما الله طريقة الخطّائين. وقال: وأبوه محمَّد بن تاج الدِّين تقدم. وقال فيما تقدَّم: محمَّد بن محمَّد الملقَّب تاج الدِّين الإمام، والد الإمام رضي الدِّين محمَّد صاحب "المحيط"، وتاج الدِّين هذا ذكره صاحب "القنية" في مسألة من نذر بالسنن وأتى بالمنذور به فهو السنة، ثم قال: وقال تاج الدِّين أبو صاحب "المحيط": لا يكون إتيانًا بالسنة، انتهى. وصادف ما حرَّره مولانا قطب الدِّين بن علاء الدِّين الحنفي نزيل مكَّة المشرفة] (٢)، وكان قد ألَّف "طبقات الحنفيَّة"، وطالع عليها نسخًا كثيرة (وعملها في) (٣) مدة مديدة، ثم احترق مع كتبه، ثم كان في صدد تجديدها حيث قال في

стр. 1047

ترجمة برهان الدِّين الصَّدر الكبير صاحب "المحيط البرهاني": محمود بن أحمد ابن (برهان الدِّين الكبير الصَّدر الماضي) (١) عبد العزيز بن عُمَر بن مازه، ابن أخي الحسام الصَّدر الشَّهيد أبي محمد، وحسام الدِّين أستاذ صاحب "المحيط" وصاحب "الهداية"، ونعني بصاحب "المحيط" رضي الدِّين ابن برهان الإسلام محمَّد بن محمَّد بن محمَّد السَّرَخْسي مصنف "المحيط الكبير". قال الفَيْروزآبادي في ترجمته: وهذا "المحيط" نحوًا من أربعين مجلدًا، رأيته بشيراز وملكته، وهو أربع محيطات، والثاني عشر مجلدات، والثالث أربع مجلدات، والرابع في مجلدين، وهذه الثلاثة الأخيرة موجودة بمصر والشام. وكانت (وفاته - يعني) (٢) الإمام رضي الدِّين السَّرَخْسي (٣) ـ في سنة أربع وأربعين وخمسمئة، انتهى. [قلت: فلعل هذا "المحيط" هو "البرهاني"؛ نسبة للمؤلف، إلى جده برهان الأئمة. قال ابن أمير حاج في "شرحه على منية المصلي" بعد أن استطرد إلى نقل مسألة عن "المحيط البرهاني": وهذا "المحيط" لا يوجد بديارنا، والموجود بأيدي الناس إنما "المحيط الرضوي"، انتهى. ويظهر لي أنّ صاحب "المحيط" متأخر عن صاحب "المحيط الرضوي" قليلًا،

стр. 1048

إلى هنا من كلام قطب الدِّين، ونقل عنه المولى الفاضل علي بن أمر الله بن محمَّد الشهير بابن الحنّائي (١) هكذا: محمود بن الصَّدر الكبير تاج الدِّين أحمد بن برهان الأئمَّة عبد العزيز بن الحسام الشهيد أبي محمَّد عُمَر بن عبد العزيز بن عُمَر بن مازه تتبعت ترجمته في كتب الطبقات فلم أظفر بها. ثم قال المولى الفاضل: أخطأ في هذه النسبة صاحب هذا الخط، وهو صاحبنا مولانا قطب الدِّين نزيل مكَّة المشرفة، وسنذكره إن شاء الله تعالى في ذكر صاحب "المحيط البرهاني". والغرض بهذا القدر في الذِّكر هاهنا بيان زمان قطب الدِّين المذكور، وهما موجودان فيما بين السبعين والثمانين وتسعمئة رحمة الله عليهما، وكان بيني وبين المولى الحنّائي أُلفة وتودد، وكنت كلما أزوره أستفيد منه المسائل العجيبة والنُّكات الغريبة، مات ﵀ بعد ما كان قاضيًا لعسكر المنصور بأناطولي. وكما قال الفَيروزآبادي في ترجمة رضي الدِّين السَّرَخْسي صاحب "المحيط" قال عبد القادر أيضًا في "الجواهر المضية": محمَّد بن محمَّد بن محمَّد، العلامة الملقَّب برضي الدِّين وبرهان الإسلام السَّرَخْسي مصنف "المحيط" وهو أربع مصنفات: "المحيط الكبير" وهو نحوًا من أربعين مجلدًا، أخبرني بعض أصحابنا الحنفيَّة أنّه رآه في بلاد الروم، والمحيط الثاني له عشر مجلدات، والمحيط الثالث أربع مجلدات والمحيط الرابع في مجلدين، والثلاثة رأيتها بالقاهرة، وملكت منها اثنين الصَّغير والأوسط، انتهى.

стр. 1049

وقال المولى الفاضل علي الحنَّائي: هذا الموضع مما خبط فيه المصنف، ولم يقف فيه على صواب، ولم يحط به علمًا، والصواب أنَّ "المحيط" الذي جعله كبيرًا أربعين مجلدًا ليس تصنيف رضي الدِّين السَّرَخْسي محمَّد بن محمَّد بن محمَّد، إنما تصنيفه "المحيط" الذي جعله وسطًا، والذي جعله صغيرًا فإنّه ألَّف كتابًا سمَّاه "المحيط"، ثم اختصره، وأما مؤلف "المحيط الكبير" فهو الإمام برهان الدِّين ابن أخ الصَّدر الشَّهيد حسام الدِّين، وأصحابنا يفرقون بين المحيطين في التلقيب، فيقولون للكبير: "المحيط البرهاني" ولغيره: "المحيط السَّرَخْسي"، انتهى. قلت: وظفرت بالمجلد الأول من نسخة "المحيط الأول" للسَّرَخْسي، وطالعت فيه، والآن عندي، وظفرت بالنصف الثاني من "المحيط الصَّغير" وطالعت فيه، وهو الآن عندي، وكان تمام هذا النصف الثاني بمسألة رجل أراد (١) أن يستحلف رجلًا فخاف أن يستثني في السرِّ، فحيلته أن يستحلفه ويأمره أن يقول عقب اليمين موصولًا: سبحان الله، وغيره من الكلام؛ لأنه يمنع ذلك الإستثناء موصولًا بالكلام. وكان بداية الأول: الحمد لله ذي المجد والجلال، والكرم والإفضال، والعدل في الفعال، والصلاة على نبيه الممجَّد المفضال، وعلى آله خير آل. أما بعد: فإن من أشرف الأمور وأفضل العلوم عند الجمهور بعد معرفة أصل الدِّين وعلم اليقين معرفةُ الفقه والأحكام الفاصلة بين الحلال والحرام، وقد سمَّى الله تعالى ذلك خيرًا، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، فسر أهل التفسير الحكمة بالفقه.

стр. 1050

وقال ﷺ : "ما عُبِد الله بشيء أفضل من الفقه، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد" (١). فيجب على ذوي العقولِ بذلَ المجهود لتحصيل المقصود، طلبًا لمرضاة المعبود. ثم قال بعد ما قال: فجمعت في هذا الكتاب عامة مسائل الفقه مع مبانيها ووفارة معانيها. وقال: وبدأت كل باب بمسائل "المبسوط" لما أنها أصول مبنية، وأردفته بمسائل "النوادر" لما أنها من أصول المسائل منزوعة، ثم أعقبتها بمسائل "الجامع" لما أنها (٢) من زبدة الفقه مجموعة، ثم ختمتها بمسائل "الزيادات" لما أنها على فروع "الجامع" مزيدة، وسميته "محيطًا" لما أنَّه محيط بمسائل الكتب، شامل على فوائدها وحقائقها. وفي هذه النسخة من "المحيط السَّرَخْسي" قال: وحدُّ الوجه من قصاص الشعر إلى حد الذقن ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن؛ لأن الوجه اسم لما يواجَه (٣) الناظر إليه، والمواجهة بهذا تقع، فإن كان أمرد يجب غسل جميعه، وإن كان ملتحيًا لا يجب غسل ما تحتها، وقال الشَّافعي: إن كانت اللحية خفيفة يجب.

стр. 1051

وكذا لا يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشارب والحاجبين خلافًا له، والصحيح قولنا؛ لأن محل الفرض استتر بالحائل، وصار بحال لا يواجه الناظر إليه، فيسقط الفرض عنه وتحول إلى الحائل. وذكر الحسن عن أبي حنيفة: أنَّه لا يجب غسل الشعر الذي يواري الذقن والخدين، وهو رواية عن أبي يوسف؛ لأن الوجه اسم لما يواجه الناظر بكل حال، وهذا الشعر عارض يواجه الناظر إليه في حال دون حال، فلم يتناوله اسم الوجه كالنقاب. وذكر في "اختلاف زفر ويعقوب": عن أبي حنيفة ﵏: أنَّه يجب غسل ثلثه أو ربعه، وأشار محمَّد في "الأصل" إلى أنّه يجب غسل كله، فإنّه قال: مواضع الوضوء ما ظهر منه، وهذا الشعر ظاهر منه، وهو الأصح؛ لأنَّه قام مقام البشرة، فتحول فرض البشرة إليه كما في شعر الحاجبين، انتهى. ورأيت في "المحيط البرهاني" في أول كتاب الطهارة، وذكر الحسن في "المجرد" عن أبي حنيفة: أنّه لا يفترض إيصال الماء إلى ما يواري الذقن والخدين لكن يسن، بعض مشايخنا قالوا: وكذلك إجراء الماء على ظاهر الشارب على الروايتين، وذكر شمس الأئمة الحَلْوَاني ﵀: اتفقوا أنَّ عليه أن يمسَّ الماء شعر حاجبيه فيبلَّه بالماء حتى إذا لم يصبه الماء لا يجوز، وإن لم يكن "إيصال الماء إلى أصل المنابت على وجه الغسل شرطًا، قال ﵀: وكذلك في الشارب عليه) (١) إيصال الماء إلى شاربه. وفي "القُدُوري": مسح ما يلاقي بشرة الوجه من اللحية واجب، رواه أبو يوسف عن أبي حنيفة، وأشار في باب الوضوء إلى أنّه يفترض إيصال الماء إلى كله، فإنّه قال: مواضع الوضوء ما ظهر منها.

стр. 1052

وذكر الزَّنْدَوِيْستي في "نظمه": أنّ حاصل الجواب: أنّ على قول أبي حنيفة يمسح ثلثها، وعلى قول محمَّد والشَّافعي وأبي يوسف في رواية يمسح كلها، وهو أحسن الأقاويل؛ لأن الوجه ما يواجه الناس، واللحية هي التي يواجهها الناس، ولا يجب إيصال الماء إلى ما تحت شعر اللحية عندنا باتفاق الروايات إلى هنا من "المحيط البرهاني"، والله سبحانه أعلم. * * * [٣٩٠ - الظهير أبو بكر البَلْخِي (١)] الشَّيخ الإمام، المعروف بالظهير، أبو بكر بن أحمد بن علي بن عبد العزيز البَلْخِي. إمام فاضل في الفروع والأصول، وعالم كامل في المعقول والمنقول. أخذ العلم عن الإمام الزَّاهد نجم الدِّين أبي حفص عُمَر النَّسَفِي، عن صدر الإسلام أبي اليسر محمَّد بن محمَّد البَزدَوي، عن أبي يعقوب يوسف السَّيَّاري، عن أبي إسحاق النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِندُوَاني، عن أبي بكر الأعمش، عن أبي بكر الإسكاف، عن محمَّد بن سلمة، عن أبي سليمان الجُوزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة ﵏. وكان أبو جعفر الهِندُوَاني تلميذًا لأبي بكر الإِسكاف والأعمش، وتفقَّه الظهير

стр. 1053

أبو بكر البَلْخِي أيضًا على بهاء الدِّين المَرْغِيْنَاني محمَّد بن أحمد الإِسبِيجابي بعد الخمسمئة، ودرس بمراغة، وقدم حلب أيام محمود بن زنكي، ثم توجه إلى دمشق ودرس بمسجد خاتون وغيره. وله كتاب ألَّفه في شرح "الجامع الصغير"، ووقف كتبه على النوريَّة بحلب في سنة ثلاث وخمسين وخمسمئة، ومات ﵀ في هذه السنة بدمشق. وله شعر حسن فمن ذلك: يا زائدًا في أكله لُقمةً (١) … أسقمْتَ جِسمًا سالمًا بالتُّخم فيالها من لُقمةٍ أسقمَتْ … جسمًا وردَّتْ عدَّة من لُقَم وله يلتمس الإجازة من الإمام أبي حفص عُمَر النَّسَفي: أيا مُقتدى الأنامِ يا ذا العُلا عُمَر … يا حافظًا للخلقِ من شبهةِ الضَّرَر أجز لأبي بكر بن أحمد مفضلًا … وأبدل له بالأجر بالصفوة الكَدَر جميع الذي صنَّفتَه وسمعتَه … وخذ صالحَ الدَّعواتِ في ظُلْمة السَّحر قال: فكتب إليه أبو حفص: أجزتُ لسيِّدي وفريد عَصرِهِ … أبي بكر محمَّد ما ابْتغاهُ على شرطِ التَّحَرُّزِ والتَّوَقِّي … وذكري بالدُّعاء كما حكاهُ أجيب دعاءه (٢) فينا وفيه … وفي الدَّارَين تمَّ له مُناهُ * * *

стр. 1054

[٣٩١ - برهان الدِّين الدِّهقان (١)] الشَّيخ الإمام، برهان الدِّين، محمَّد بن الحسن بن محمَّد الدِّهقان، الإمام الكاساني، أبو عبد الله الفقيه، من أهل سمرقند. كان إمامًا فاضلًا وشيخًا كاملًا في الفروع والأصول، وكان في الحديث أحفظ أهل زمانه، وله القدم الراسخ في معرفة الحديث وحفظ أسماء الرجال. أخذ عن الشَّيخ الإمام نجم الدِّين عُمَر النَّسَفِي، عن صدر الإسلام أبي اليسر البَزْدَوي، عن إسماعيل بن عبد الصادق، عن عبد الكريم جد أبي اليسر البَزْدَوي، عن أبي منصور الماتريدي، عن أبي بكر الجُوْزَجاني، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد عن أبي حنيفة. وأبو اليسر أيضًا عن أبي يعقوب السَّيَّاري كما سبق ذكره. قدم بغداد حاجًّا سنة ست وسبعين وخمسمئة، وأملى بها الحديث عن نجم الدِّين النَّسَفي، وهو يروي الحديث عن خمسمئة وخمسين شيخًا كما ذكر عنه صاحب "الهداية" وقد مر في ذكره، وسمع نجم الدِّين هذا أبا محمَّد إسماعيل بن محمَّد النُّوحي النَّسَفي، عن الإمام المُسْتَغْفِري، عن أبي علي النَّسَفي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن عبد الله السُّبَذْمُونِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمد، عن أبي حنيفة. وأخذ الفقه أيضًا عن عبد العزيز بن عبد الجبار بن علي الكوفي، وتفقَّه عليه الإمام الأستاذ شرف الدِّين بن نجيب بن محمَّد أبو الفضل الكاساني،

стр. 1055

وشمس الدِّين (١) محمَّد بن عبد الكريم التُّركستاني الخُوَارِزْمِي، المعروف ببرهان الأئمَّة. وفي الفصل الثلاثين من "فصول مجد الدِّين المفتي محمَّد الأُسْتُرُوشَني" قال (٢): وذكر في وكالة فتاوى أهل سمرقند بخط صاحب "المحيط": أنَّ الوكيل بطلب الشفعة لا تسمع البينة عليه إن الموكل سلَّم الشفعة. وكتب الشَّيخ الإمام برهان الدِّين المعروف بدِهقان إمام كاسان على حاشيته هذا الكتاب: أن صاحب "المحيط" كتب من نسخة شيخ الإسلام خَواهَرْ زَادَه، وقد زلَّ قلم خواهَرْ زَادَه في هذه المسألة، والصحيح أنَّه تسمع البينة عليه] (٣). * * * [٣٩٢ - أحمد بن موسى الكَشِّي (٤)] الشَّيخ الإمام أحمد بن موسى الكَشِّي (٥) صاحب "مجموع النوازل". كان فقيهًا مناظرًا، فاضلًا (٦) كاملًا، لزم الشَّيخ الإمام نجم الدِّين النَّسَفي، وأخذ عنه وارتفع شأنه وأقر له أقرانه بالفضل والكمال.
следующие страницы →