وكذا لا يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشارب والحاجبين خلافًا له، والصحيح قولنا؛ لأن محل الفرض استتر بالحائل، وصار بحال لا يواجه الناظر إليه، فيسقط الفرض عنه وتحول إلى الحائل.
وذكر الحسن عن أبي حنيفة: أنَّه لا يجب غسل الشعر الذي يواري الذقن والخدين، وهو رواية عن أبي يوسف؛ لأن الوجه اسم لما يواجه الناظر بكل حال، وهذا الشعر عارض يواجه الناظر إليه في حال دون حال، فلم يتناوله اسم الوجه كالنقاب.
وذكر في "اختلاف زفر ويعقوب": عن أبي حنيفة ﵏: أنَّه يجب غسل ثلثه أو ربعه، وأشار محمَّد في "الأصل" إلى أنّه يجب غسل كله، فإنّه قال: مواضع الوضوء ما ظهر منه، وهذا الشعر ظاهر منه، وهو الأصح؛ لأنَّه قام مقام البشرة، فتحول فرض البشرة إليه كما في شعر الحاجبين، انتهى.
ورأيت في "المحيط البرهاني" في أول كتاب الطهارة، وذكر الحسن في "المجرد" عن أبي حنيفة: أنّه لا يفترض إيصال الماء إلى ما يواري الذقن والخدين لكن يسن، بعض مشايخنا قالوا: وكذلك إجراء الماء على ظاهر الشارب على الروايتين، وذكر شمس الأئمة الحَلْوَاني ﵀: اتفقوا أنَّ عليه أن يمسَّ الماء شعر حاجبيه فيبلَّه بالماء حتى إذا لم يصبه الماء لا يجوز، وإن لم يكن "إيصال الماء إلى أصل المنابت على وجه الغسل شرطًا، قال ﵀: وكذلك في الشارب عليه) (١) إيصال الماء إلى شاربه.
وفي "القُدُوري": مسح ما يلاقي بشرة الوجه من اللحية واجب، رواه أبو يوسف عن أبي حنيفة، وأشار في باب الوضوء إلى أنّه يفترض إيصال الماء إلى كله، فإنّه قال: مواضع الوضوء ما ظهر منها.
стр. 1052
وذكر الزَّنْدَوِيْستي في "نظمه": أنّ حاصل الجواب: أنّ على قول أبي حنيفة يمسح ثلثها، وعلى قول محمَّد والشَّافعي وأبي يوسف في رواية يمسح كلها، وهو أحسن الأقاويل؛ لأن الوجه ما يواجه الناس، واللحية هي التي يواجهها الناس، ولا يجب إيصال الماء إلى ما تحت شعر اللحية عندنا باتفاق الروايات إلى هنا من "المحيط البرهاني"، والله سبحانه أعلم.
* * *
[٣٩٠ - الظهير أبو بكر البَلْخِي (١)]
الشَّيخ الإمام، المعروف بالظهير، أبو بكر بن أحمد بن علي بن عبد العزيز البَلْخِي.
إمام فاضل في الفروع والأصول، وعالم كامل في المعقول والمنقول.
أخذ العلم عن الإمام الزَّاهد نجم الدِّين أبي حفص عُمَر النَّسَفِي، عن صدر الإسلام أبي اليسر محمَّد بن محمَّد البَزدَوي، عن أبي يعقوب يوسف السَّيَّاري، عن أبي إسحاق النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِندُوَاني، عن أبي بكر الأعمش، عن أبي بكر الإسكاف، عن محمَّد بن سلمة، عن أبي سليمان الجُوزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة ﵏.
وكان أبو جعفر الهِندُوَاني تلميذًا لأبي بكر الإِسكاف والأعمش، وتفقَّه الظهير
стр. 1053
أبو بكر البَلْخِي أيضًا على بهاء الدِّين المَرْغِيْنَاني محمَّد بن أحمد الإِسبِيجابي بعد الخمسمئة، ودرس بمراغة، وقدم حلب أيام محمود بن زنكي، ثم توجه إلى دمشق ودرس بمسجد خاتون وغيره.
وله كتاب ألَّفه في شرح "الجامع الصغير"، ووقف كتبه على النوريَّة بحلب في سنة ثلاث وخمسين وخمسمئة، ومات ﵀ في هذه السنة بدمشق.
وله شعر حسن فمن ذلك:
يا زائدًا في أكله لُقمةً (١) … أسقمْتَ جِسمًا سالمًا بالتُّخم
فيالها من لُقمةٍ أسقمَتْ … جسمًا وردَّتْ عدَّة من لُقَم
وله يلتمس الإجازة من الإمام أبي حفص عُمَر النَّسَفي:
أيا مُقتدى الأنامِ يا ذا العُلا عُمَر … يا حافظًا للخلقِ من شبهةِ الضَّرَر
أجز لأبي بكر بن أحمد مفضلًا … وأبدل له بالأجر بالصفوة الكَدَر
جميع الذي صنَّفتَه وسمعتَه … وخذ صالحَ الدَّعواتِ في ظُلْمة السَّحر
قال: فكتب إليه أبو حفص:
أجزتُ لسيِّدي وفريد عَصرِهِ … أبي بكر محمَّد ما ابْتغاهُ
على شرطِ التَّحَرُّزِ والتَّوَقِّي … وذكري بالدُّعاء كما حكاهُ
أجيب دعاءه (٢) فينا وفيه … وفي الدَّارَين تمَّ له مُناهُ
* * *
стр. 1054
[٣٩١ - برهان الدِّين الدِّهقان (١)]
الشَّيخ الإمام، برهان الدِّين، محمَّد بن الحسن بن محمَّد الدِّهقان، الإمام الكاساني، أبو عبد الله الفقيه، من أهل سمرقند.
كان إمامًا فاضلًا وشيخًا كاملًا في الفروع والأصول، وكان في الحديث أحفظ أهل زمانه، وله القدم الراسخ في معرفة الحديث وحفظ أسماء الرجال.
أخذ عن الشَّيخ الإمام نجم الدِّين عُمَر النَّسَفِي، عن صدر الإسلام أبي اليسر البَزْدَوي، عن إسماعيل بن عبد الصادق، عن عبد الكريم جد أبي اليسر البَزْدَوي، عن أبي منصور الماتريدي، عن أبي بكر الجُوْزَجاني، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد عن أبي حنيفة.
وأبو اليسر أيضًا عن أبي يعقوب السَّيَّاري كما سبق ذكره.
قدم بغداد حاجًّا سنة ست وسبعين وخمسمئة، وأملى بها الحديث عن نجم الدِّين النَّسَفي، وهو يروي الحديث عن خمسمئة وخمسين شيخًا كما ذكر عنه صاحب "الهداية" وقد مر في ذكره، وسمع نجم الدِّين هذا أبا محمَّد إسماعيل بن محمَّد النُّوحي النَّسَفي، عن الإمام المُسْتَغْفِري، عن أبي علي النَّسَفي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن عبد الله السُّبَذْمُونِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمد، عن أبي حنيفة.
وأخذ الفقه أيضًا عن عبد العزيز بن عبد الجبار بن علي الكوفي، وتفقَّه عليه الإمام الأستاذ شرف الدِّين بن نجيب بن محمَّد أبو الفضل الكاساني،
стр. 1055
وشمس الدِّين (١) محمَّد بن عبد الكريم التُّركستاني الخُوَارِزْمِي، المعروف ببرهان الأئمَّة.
وفي الفصل الثلاثين من "فصول مجد الدِّين المفتي محمَّد الأُسْتُرُوشَني" قال (٢): وذكر في وكالة فتاوى أهل سمرقند بخط صاحب "المحيط": أنَّ الوكيل بطلب الشفعة لا تسمع البينة عليه إن الموكل سلَّم الشفعة.
وكتب الشَّيخ الإمام برهان الدِّين المعروف بدِهقان إمام كاسان على حاشيته هذا الكتاب: أن صاحب "المحيط" كتب من نسخة شيخ الإسلام خَواهَرْ زَادَه، وقد زلَّ قلم خواهَرْ زَادَه في هذه المسألة، والصحيح أنَّه تسمع البينة عليه] (٣).
* * *
[٣٩٢ - أحمد بن موسى الكَشِّي (٤)]
الشَّيخ الإمام أحمد بن موسى الكَشِّي (٥) صاحب "مجموع النوازل".
كان فقيهًا مناظرًا، فاضلًا (٦) كاملًا، لزم الشَّيخ الإمام نجم الدِّين النَّسَفي، وأخذ عنه وارتفع شأنه وأقر له أقرانه بالفضل والكمال.
стр. 1056
(وفي الفصل الثامن والعشرين من "فصول الأُسْتُرُوشَني" (١): قال الشَّيخ الإمام (أحمد بن موسى الكَشِّي) (٢) صاحب "مجموع النوازل": كنت عند نجم الدِّين يومًا، إذ جاءه مستفت، فقال: بعت حانونًا من رجل بأربعمئة غطريفية، ثم طلب المشتري مني إقالة البيع (٣) ورد الثمن، ويقول: بعتني بيع وفاء، وأنا أقول له: بعتك بيعًا باتًّا، فأجاب ﵀ بقوله: (٤) إنّ القول قولك.
[قال السِّغْنَاقِي: إذا أقر العبد باستهلاك مال، وكذبه المولى، أو أقرضه إنسان أو باعه وهو محجور، أو وطئ امرأة بغير إذن المولى؛ فإنّه لا يؤاخذ به حتى يعتق عند أبي حنيفة ومحمد.
وذكر في "الفوائد الظَّهِيْرِيَّة": ولفظ محمَّد في "الكتاب": إذا استهلك مالًا لا يؤاخذ به حتى يعتق، اختلف المشايخ في مراد محمَّد بقوله: استهلك مالًا لا يؤاخذ به حتى يعتق؛ بعضهم قالوا: المراد به: إذا أقر بالاستهلاك وكذبه المولى، وبعضهم قالوا: المراد به أنّ العبد المحجور عليه البالغ إذا أودع مالًا واستهلكه لا يؤاخذ به للحال بل بعد العتاق عند أبي حنيفة ومحمد.
وذكر الإمام المحبوبي في "الجامع الصغير": ومن مشايخنا من قال: يحتمل قوله: "يستهلك" أي: يقر بالاستهلاك، فلا يؤاخذ به حتى يعتق، فأما إذا استهلك مال غيره عيانًا يؤاخذ به في الحال، فإن كان له كسب يوفى ذلك منه، وإن لم يكن له كسب
стр. 1057
تباع رقبته بدين الاستهلاك، إلا أن يقضيه المولى عن غريم العبد، ولو كفل المولى للعبد جاز، ولم يجز إقرار العبد بالقبض من المولى أو من الأصل إلا بمعاينة.
* * *
[٣٩٣ - الموفق بن أحمد المكي (١)]
الموفق بن أحمد بن محمَّد المكِّي خطيب خُوَارِزم.
أستاذ الإمام ناصر بن عبد السيِّد، صاحب "المُغرب" أبو المؤيد.
مولده في حدود سنة أربع وثمانين وأربعمئة، كان أديبا فاضلًا، له معرفةٌ تامة بالفقه والأدب.
أخذ عن نجم الدين عُمَر النَّسَفِي، عن صدر الإسلام أبي اليسر البَزْدَوي، عن يوسف السَّيَّاري، عن الحاكم النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِندُوَاني، عن أبي بكر الأعمش، عن أبي بكر الإسكاف، عن أبي سليمان الجُوزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة، وأخذ علم العربية عن الزَّمَخْشَري.
وأخذ عنه الفقه والعربية ناصر الدِّين عبد السيِّد صاحب "المُغْرب".
مات سنة ثمان وستين وخمسمئة] (٢).
* * *
стр. 1058
[٣٩٤ - عبد الملك بن إبراهيم الهمداني (١)]
عبد الملك بن إبراهيم الهمداني صاحب "الطبقات الحنفيَّة والشَّافعية".
أخذ عن الفقيه (٢) إبراهيم بن محمَّد بن إسحاق الدِّهِستاني، [عن الإمام علي الصيدلي، عن القاضي الإمام الحسين الصَّيْمَري، عن أبي بكر محمَّد الخُوَارِزْمِي، عن أبي بكر الجصاص الرَّازِي، عن أبي الحسن الكَرخي، عن أبي سعيد البَرْدَعي، عن موسى بن نصر الرَّازِي، عن محمَّد، عن أبي حنيفة ﵏.
وكان أبوه فائقًا في الفرائض، ماهرًا في الحساب، قرأ أستاذه الفقيه الدِّهِستاني على أبي (٣) عبد الملك بن إبراهيم الهمداني في الفرائض والحساب، عن أستاذه إبراهيم الدِّهِستاني، وهو عن إبراهيم الهمداني] (٤).
* * *
стр. 1059
المتفرقات من الكتيبة العاشرة
[٣٩٥ - منهاج الشَّريعة محمَّد بن محمَّد (١)]
إمام الأمَّة ومنهاج الشَّريعة محمَّد بن محمَّد بن الحسين، أستاذ صاحب "الهداية".
وعن صاحب "الهداية" أنّه قال: لم ترَ عيني أعز (٢) منه فضلًا، ولا أوفر منه علمًا، ولا أوسع منه حفظًا (٣)، (ولا أعم منه بركة، لا يتلمذ له أحد إلّا برز على أقرانه، وصار أوحد زمانه) (٤)، قرأت عليه في بداية أمري وحداثة سني، فلم أزل اغترف من بحاره، وأقتبس من أنواره، إلى سنة خمس وثلاثين وخمسمئة، فعلقت عليه الجامعين و"الزيادات" وطريقة الخلاف ومعظم الكتب المبسوطة، و"كتاب أدب القاضي" للخصَّاف، والأخبار والآثار المسندة التي اشتمل عليها الكتاب.
[ثم قال أنشدني أستاذي محمَّد بن الحسين:
عليك بإقلال الزِّيارة إنَّها … تكون إذا دامَتْ إلى الهَجْر مَسلَكًا
ألم ترَ أَنَّ القَطر يُسأم دائمًا … ويُسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
رأيْتُ في "كتاب جامع أحكام الصغار" المجد الدِّين المفتي محمَّد بن
стр. 1060
محمود الأُسْتُرُوشَني قال: وفي "التجنيس": ولو تلا آية السجدة في نومه فسمع رجل يلزمه السجدة.
قال شيخ الإسلام برهان الدِّين: هكذا في فتاوى الإمام الحَلْوَاني، وقد قرأنا على شيخنا منهاج الشَّريعة: أنَّ من سمع القراءة (١) من النائم أو المجنون لا تلزمه السجدة؛ لأن السبب سماع تلاوة صحيحة، وصحة التلاوة بالتمييز.
ورأيت في الفصل الثامن والعشرين من "فصول المفتي مجد الدِّين محمَّد الأُسْتُرُوشَني"، قال: استفتى الشَّيخ الإمام علاء الدِّين عُمر بن عُثمان، والشَّيخ الإمام عماد الدِّين بن عبد الوهاب، والشَّيخ الإمام منهاج الشَّريعة محمَّد بن محمَّد بن الحسين رحمهم الله تعالى: مردي زري خريد بيع وفاء وغلة اين ززنزديك آمد بيش أزنكه غله بردارد فروشنده سيم بازمي دهد قاضي ويرابركر فتن سيم جبر كندياني، أجاب عماد الدين: ني، وأجاب منهاج الشَّريعة: كند، وأجاب علاء الدين: كند، بشرط أنكه حصه كذ شنه ازبروزبدهد.
وسُئل غيرهم من المشايخ: لو مضى بعض السنة ولم تخرج الغلَّة بعد، ثم نقد البائع الثمن، هل للمشتري قسط من الغلَّة التي لم تخرج بقدر ما مضى من السنة أم لا؟ قال بعضهم: ليس له ذلك، بخلاف ما إذا خرجت الغلَّة ثم نقد، وقال بعضهم: له قدر ما مضى من السنة، خرج من الغلَّة أو لم تخرج، ويبقى العقد في حقِّه، هكذا رأيت في "فوائد (٢) والدي".
ورأيت في "فوائد شيخ الإسلام نظام الدِّين": استفتى شيخ الإسلام برهان الدِّين
стр. 1061
﵀ إذا فسخ البيع في البيع الجائز بعدما مضى بعض السنة، هل يكون للمشتري من الغلة بحساب ما مضى من السنة؟ أجاب قال: نعم له ذلك، وتقسم الغلة على اثني عشر جزءًا، فيأخذ حصة ما مضى من السنة، قيل له وهل يختلف الجواب بينما إذا ظهرت الغلة وبينما إذا لم تظهر؟ أجاب: لا يختلف.
قال نظام الدِّين: وكان أستاذنا شيخ الإسلام علاء الدِّين يفصل، ويقول: إن ظهرت الغلة عند الفسخ فالجواب هكذا، وإن لم تظهر فالغلة لا تنقسم؛ لأنّه إذا لم تظهر ففي أي شيء يبقى حقه، قال: وكان والدي يقول بأن طريقه أن يبقى العقد في قدره فلا يتفاوت بينما إذا ظهرت الغلة وبينما إذا لم تظهر؛ لأنا لو فصلنا الجواب أدى إلى الضرر في حق الشراء؛ لأنه لو اشتراه في الخريف وقضى البائع الثمن في الربيع فات حقه أصلًا، وفيما قلنا دفع الضرر فيصار إليه.
ورأيت في رهن فتاوى الشَّيخ الإمام علاء الدِّين الدِّيناري ﵀: بائع سيم آورده است بش ازانكه مشتري غله بردارد قاضي جبر كند برا قالت: برا قالت: ياني، قال: ني تايك غله برندارد، والله أعلم.
ورأيت في "فوائد والدي": سُئل الشَّيخ الإمام عماد الدِّين علي بن عبد الوهاب، والشَّيخ الإمام علاء الدِّين عُمَر بن عُثمان، والشَّيخ الإمام منهاج الدِّين محمَّد بن محمَّد بن الحسين ﵏: خرنده بوفا محمدودي رابد يكري فروخت بيع وفايا بيع بات بابخشيد اين تصرفات أزوى نافد باشدياني، أجابوا جميعًا: ني، والله أعلم] (١).
* * *
стр. 1062
[٣٩٦ - ناصر الدِّين أبو القاسم محمَّد (١)]
السيِّد الإمام الأجَل الشهيد ناصر الدِّين أبو القاسم محمَّد بن يوسف الحسيني (٢) السَّمَرقندي، المعروف بأبي القطن.
إمام كبير، عظيم القدر، جليل المحل، قوي العلم، جميل العمل، له الاسم المشهور، والثناء المذكور، (في بطون الأوراق، وظهور الآفاق، أوحد أوانه في العلم والأدب، ومجتهد زمانه في طريقة الخلاف والمذهب) (٣).
له تصنيفات كثيرة، منها "كتاب النافع"، وهو المختصر المبارك في الفقه، نفع الله به الخلق الكثير، وله "كتاب الملتقط في الفتاوى"، وله "كتاب (٤) المنشور"، و"الجامع"، و"خلاص المفتي والفتاوى"، وله "كتاب الإحقاق" (٥)، وله كتاب في الفقه أيضًا (٦) سمَّاه "مصابيح السبل" في مجلدين وغير ذلك.
[في الفصل الأول من "الفصول الأُسْتُرُوشَنية": ذكر السيِّد الإمام الأجَل ناصر الدِّين في "المنشور": أنّ دار الإسلام صارت دار الإسلام بإجراء أحكام الإسلام، فما بقيت علقة من علائق الإسلام يترجح جانب الإسلام.
стр. 1063
وذكر ﵀ في "الملتقط": أنَّ البلاد التي في أيدي الكفار لاشك أنها بلاد الإسلام، لا بلاد الحرب؛ لأنها ليست متاخمة لبلاد الحرب، ولأنهم لم يظهروا فيها أحكام الكفر (١)، بل القضاة مسلمون، والملوك الذين يطيعونهم عن ضرورة مسلمون، وإن كان غير ضرورة فكذلك أيضًا، وكل مصر فيه والٍ مسلم من جهتهم يجوز منه إقامة الجُمع والأعياد وأخذ الخراج وتقليد القضاة وتزويج الأيامى لاستيلاء المسلم عليهم، وأما إطاعة الكفرة فتلك موادعة أو مخالفة، وأما بلاد عليها ولاة الكفار فيجوز للمسلمين إقامة الجُمع والأعياد ويصير القاضي قاضيًا بتراضي المسلمين، ويجب عليهم أن يلتمسوا واليًا مسلمًا.
وفي الفصل العشرين من "فصول الأُسْتُرُوشَنية" أيضًا، عزوًا إلى أحمد بن موسي الكشَّاني: أنه ذكر في أيمان "مجموع النوازل": سُئل القاضي الإمام علي المَرْوَزِي، عن امرأة قالت لزوجها: خويشتن خريدم ازتوبده درم، شوى كفت فروختم، بدان شرط كه تاده روزاين ده درم بمن دهي، ده روز كذشت ونداداين خلع درست بودياني، قال: لا يصح.
وقال نجم الدِّين ﵀: يصح، وعليها تسليم ذلك، وهذا تعليق بشرط القبول لا بشرط الأداء.
وذكر في كتاب الأحكام: أنّ صاحب "الإحقاق" أخذ بقول القاضي علي المَرْوَزِي، ونص في الكتاب على أنّه لو قال لها: إن أعطيتيني ألفًا فأنت طالق، لم تطلق إلا بالأداء، ولو قال: أنت طالق على أن تعطيني ألفًا طلقت بالقَبول.
стр. 1064
وفي "العمادية": والسيِّد الإمام ناصر الدِّين أخذ بقول القاضي المَرْوَزِي، ذكر هذا في كتاب الأحكام.
وفي الفصل الثالث والثلاثين من "العمادية": في أحكام أجرة كتب الوثائق: وذكر السيِّد الإمام الأجَل ناصر الدِّين أبو القاسم الشهيد في "الملتقط": ويجوز للقاضي أن يأخذ الأجر على كتب السجلات والمحاضر والوثائق، ويأخذ قدر ما يجوز أخذه، وما قيل: في كل ألف خمسة؛ لا نقول به، ولا يليق بفقه أصحابنا ﵏، وأي مشقة للكاتب في كثرة الثمن، وإنما أجر مثله بقدر مشقته، وبقدر عمله كما يستأجر الحكاك والثقاب بأجر كثير (١) في مشقة قليلة.
وفيه في أحكام المزارعة، وذكر الإمام ناصر الدِّين أبو القاسم الشهيد في مزارعة كتاب الخلاص وأحاله إلى "النوازل"، قال أبو جعفر: لو أخذ ثلاثة أرضًا بالنصف ليزرعوها بالشركة، فغاب أحدهم وزرع اثنان بعض الأرض حنطة، ثم حضر الثالث وزرع بعض الأرض شعيرًا؛ ينظر في ذلك إن كان بإذن كل واحد منهم فالحنطة بينهم، ويرجع صاحب الحنطة بثلث البذر على الثالث والشعير بينهم أيضًا، ويرجع عليهما بثلثي الشعير الذي بذر بعد دفع نصيب صاحب الأرض، وإن فعلوا بغير إذن فالحنطة ثلثها لصاحب الأرض وثلثاها لهما، ويغرمان نقصان ثلث الأرض، وأما صاحب الشعير فخمسة أسداسه له، ولرب الأرض سدسه؛ لأن ثلثي الشعير زرع غصبًا فهو له، وثلثه زرع (٢) بحق، وعليه نقصان الأرض في مقدار ثلثي ذلك.
وفي الفصل الثالث من الباب الثاني من كتاب الصلاة من "فتاوى القاضي ظهير الدِّين البُخاري" قال: ولو قرأ: إياك نعبد وترك التشديد فإنّه يصير من
стр. 1065
إياه الشمس فتفسد، كأنه قال: شمسك نعبد، هكذا اختاره الإمام نجم الدِّين النَّسَفي، وذكر السيِّد الإمام أبو القاسم في "الإحقاق": أنها لا تفسد.
وأخذ عن "الإحقاق" المسائلَ الكثيرة والحكايات العجيبةَ صاحب "خلاصة الحقائق" محمود بن أحمد بن أبي الحسن (١) الفارابي في "خلاصته"، وهو جمعها من نيف وسبعين مصنفًا من جملتها "الإحقاق" هذا، و"اللؤلؤيات" لابن مكحول، و"البستان" لأبي الليث، و"الجمل المأثورة" للإمام نجم الدِّين النَّسَفي، و"الروضة" للزندويستي، و"إحياء العلوم" للغزالي، و"ربيع الأبرار" للزمخشري، وكتب الأئمَّة الستة، و"الشمائل وعيون الأخبار" لابن قتيبة الدِّينَوَري، و"الرقائق" لعبد الله بن المبارك وغير ذلك.
وفي "العمادية" في الفصل الثامن عشر (٢): رجل ادعى على آخر مالًا فأنكر، فقال المدعي: إنّه كتب لي بذلك خطًّا فأنكر المدعى عليه أن يكون خطَّه، فأمر أن يكتب على بياض فكتب، وكان بين الخطين مشابهة ظاهرة دالة على أنهما لخط كاتب واحد، لا يقضى عليه بالمال للمدعي؛ لأن هذا لا يكون أعلى حالًا مما إذا قال: هذا خطي وأنا كتبته، وليس علي هذا المال، فهناك القول قوله ولا شيء، هكذا ذكر مسألة الكتابة والإقرار بالمال في شهادات "الجامع في الفتاوى" في مسائل أبي الحسن السُّغدي، وأحال هذا الجواب إليه: أنّه كذا أجاب، وادعى أنّه مذكور في كتاب الإقرار.
ثم قال السيِّد الإمام ناصر الدِّين أبو القاسم في "الجامع في الفتاوى" عقيب ذكر قول أبي الحسن هذا: وذكر محمد في كتاب الطلاق: ولو كتب
стр. 1066
الطلاق على الرسم في مثله، وقال: لم أنوِ به الطلاق، فكذا الإقرار، وتأويل ما يقول: أن لو كتب على الرسم.
وفي الفصل الثالث عشر من "الأُسْتُرُوشَنية" قال: وذكر في "الفتاوى": متولي الوقف إذا أسكن رجلًا دار الوقف بغير أجر ذكر هلال أنّه لا شيء على الساكن، وعامة المتأخرين على أنّ عليه أجر المثل؛ سواء كانت الدار معدة للاستغلال أو لم تكن؛ صيانة للوقف عن أيدي الظلمة، وقطعًا لأطماع الناس، وعليه الفتوى.
وكذا الرجل إذا سكن دار الوقف بغير أمر الواقف أو بغير أمر القيم كان عليه أجر المثل بالغًا ما بلغ، فكذا قالوا في أهل جماعة رهنوا الوقف حتى لم يصح وسكنه المرتهن يجب أجر المثل، وكذا في متولي الوقف إذا باع منزلًا موقوفًا على المسجد، فسكنه المشتري، ثم عزل القاضي هذا المتولي، وولَّى غيره، فادعى هذا الثاني على مشتري المنزل أنّ البيع كان فاسدًا، فعلى المشتري أجر المثل؛ سواء كان معدًّا للاستغلال أو لم يكن.
قال السيِّد الإمام ناصر الدِّين ﵀ في "الملتقط": والأليق بمذهب أصحابنا ﵏ أنّه لا يجب الأجر في الرهن والبيع وإن كان معدًّا للغلّة، ولو آجر القيم الدار بأقل من أجر المثل قدر ما لا يتغابن الناس فيه حتى لم يجز فسكنها المستأجر، كان عليه أجر المثل بالغًا ما بلغ، على ما اختاره المتأخرون، وكذلك إذا آجرها إجارة فاسدة] (١).
* * *
стр. 1067
[٣٩٧ - عز الدِّين الكندي (١)]
شيخ الإسلام الإمام الأعز (٢) الأجَل، عزُّ الدِّين الكِندي، المفتي بسمرقند، أستاذ صاحب "الخلاصة" افتخار الدِّين طاهر بن أحمد البُخاري.
وفي الفصل الثامن في العدة من "خلاصة الفتاوى" وفي "الفتاوى الصغرى": لو بلغت فرأت يومًا دمًا ثم انقطع الدم حتى مضت سنة فطلقها زوجها فعدتها بالأشهر، أما إذا حاضت ثلاثة أيام ثم انقطع سنة أو أكثر فعدتها لا تنقضي بالأشهر ما لم تبلغ حد الإياس، وهو خمس وخمسون سنة، هو المختار.
قال ﵀: والشَّيخ الإمام عزِّ الدِّين الكِندي بسمرقند يفتي بخمسين سنة، (فإن رأت الآيسة دمًا بعد ذلك فهو حيض، [وفي نسخة أخرى كانت عندي من "الخلاصة" (٣): فإن رأت الآيسة دمًا بعد ذلك فليس بحيض، قال: قال في حيض "المحيط": هكذا وقع في بعض الكتب] (٤).
وقد ذكر محمَّد ﵀ في "نوادر الصلاة" أنّ العجوز الكبيرة إذا رأت الدم من الحيض فهو حيض، قال محمَّد بن مقاتل رواية "النوادر" محمولة على ما إذا لم يحكم بإياسها، فأما إذا انقطع الدم وحكم بإياسها (٥) وهي ابنة ستين سنة (أو نحوه) (٦) فرأت لا يكون حيضًا، كما وقع في بعض الكتب.
стр. 1068
[وفي "الخلاصة" أيضًا في الجنس الثاني من الفصل السادس من كتاب الإجارة وفي الفصل: إذا هلك الثوب عند القصار بعد الفراغ من العمل لا أجر له، لأنّه لم يسلم العمل، ولا يضمن الثوب إن هلك بغير فعله عند أبي حنيفة ﵀، كالأجير الواحد، وعندهما يضمن صيانة لأموال الناس، وهذا مذهب عُمَر وعلي ﵄، ومذهب أبي حنيفة مذهب عطاء وطاووس ومجاهد ﵏، وهم من كبار التابعين، وبعض العلماء أخذوا بقولهما احتشامًا لقول عُمَر وعلي، وبعضهم أفتوا بالصلح عملًا بالقولين، منهم شمس الإسلام الأُوزْجَندي وأئمة فَرغانة على هذا.
قال ﵀: وأستاذي الشَّيخ الإمام الأجَل عز الدِّين الكندي بسمرقند كان يفتي بجواز الصلح وأئمة سمرقند على هذا، والشَّيخ الإمام الأجَل الأستاذ ظهير الدِّين كان يفتي بقول أبي حنيفة، فقلت له يومًا: من قال بالصلح لو امتنع الخصم هل يجبر؟ قال: لا، وكنت أفتي زمانًا بالصلح فرجعت لهذا، والقاضي الإمام الأجَل ﵀ يفتي بقول أبي حنيفة ﵁، قال ﵀: وأنا أفتي به، ثم عندهما: إن شاء المالك ضمنه مقصورًا وأعطاه الأجر، وإن شاء ضمنه غير مقصور ولا أجر له، فإن هلك بفعله بأن هلك بدق القصار وعصره يضمن عند أصحابنا الثلاثة) (١).
وفي "الخلاصة" أيضًا في كتاب الديات: فإن لم يكن له عاقلة من أهل الديوان كأهل البادية واليمن فعاقلته عشيرته من قبل أبيه، ثم الأقرب فالأقرب، وإن لم يمكنهم التحمل يضم إليهم أهل قبيلته من النسب، يعني أهل عشيرته، ولا يضم أهل ديوان آخر، ثم يضم إليهم أقرب القبائل من النسب حتى يكفي ولم يقدر.
стр. 1069
وسمعت من أستاذي الشَّيخ الإمام عز الدِّين الكندي بسمرقند: أنّه يجب على كل واحد من العاقلة ثلاثة دراهم في ثلاث سنين، ولا يجب أكثر من ذلك، فيضم حتى يبلغ قدر الدية.
* * *
٣٩٨ - حبيب بن عُمَر الفَرْغَاني (١)
له "كتاب الموجز في الفقه" ذكر العَقيلي في "كتاب المنهاج" له في الفقه، وأنه صنف "المنهاج" وهذبه لما رأى "الموجز" لحبيب و"مختصر (٢) الطَّحاوي"] (٣).
* * *
[٣٩٩ - علاء الدِّين الزاهد (٤)]
الإمام الزَّاهد علاء الدِّين محمَّد بن عبد الرَّحمن البُخاري المفِّسر، المعروف بعلاء الزاهد.
له تفسير كبير مشتمل على مجلدات ضخام.
стр. 1070
تفقَّه عليه شرف الدِّين عُمر بن محمَّد العَقيلي.
[وفي باب السلم والوكالة فيه من "القنية" عازيًا إلى بم برهان صاحب "المحيط"، عن علاء الدِّين الزَّاهد: الوكيل بقبض المسلم فيه قبضه رديئًا أو معيبًا لا يلزم الموكل إلا أن يرضى به.
وفي "فتاوى حافظ الدِّين ابن البَزَّازي" في كتاب ألفاظ تكون كفرًا، في النوع التاسع من الفصل الثالث: يحكى عن الصدر الشَّهيد لما قدم من خراسان، وقد لقب برهان الدِّين استقبله الخاص والعام، وقرأ القارئ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٤]، قال الإمام المعروف بزاهد علاء: هُم كفروا بربِّ العزِّة، وقال: يا أيها الناس هو ليس ذلك البرهان المذكور في القرآن] (١).
* * *
[٤٠٠ - نجم الأئمَّة البُخاري (٢)]
الشَّيخ الإمام، نجم الأئمَّة، البُخاري، أستاذ فخر الملَّة والدِّين، البديع، صاحب "البحر المحيط".
وفي "الجواهر المضية" في الألقاب: نجم الأئمَّة البُخاري، من أقران الصَّدر الماضي برهان الدِّين وعلاء الدِّين الحمامي والبدر طاهر، كان مدار الفتوى عليهم ببخارى وخُوَارِزم في زمانهم.
стр. 1071
[قال في "القنية" (١) في باب استئجار المستقرض المقرض، قال القاضي بديع: لا تجوز هذه الإجارة أصلًا، وبه أجاب شيخنا نجم الأئمَّة البُخاري الفقيه، الذي ختم به الفقه، وسيجيء تفصيل المسألة في ذكر فخر الملَّة بديع بن أبي منصور في الكتيبة الآتية.
(وقال الزَّاهد في "شرح القُدُوري" في باب المسح، قال مولانا الأستاذ فخر الأئمَّة البديع) (٢): وقد سألت شيخ الإسلام نجم الأئمَّة البُخاري: وفي "شرح المنظومة الوهبانية" لابن الشِّحنة في كتاب الطلاق، نقل المصنِّف عن شيخه الطَّرَسُوْسِي، عن أبي بكر الرَّازي: أنَّ التي تستحق الحضانة لا يجب لها أجرة المنزل الذي تحضن الصبي في منزله.
وسُئل نجم الأئمَّة البُخاري، عن المختار في هذه المسألة فقال: المختار أن (٣) عليه السكنى في الحضانة، وقال الطَّرَسُوْسِي: إنّ أبا بكر الرَّازي أولى بالاتباع ونجم الأئمَّة البُخاري مجهول لا يعرف] (٤).
* * *
стр. 1072
[٤٠١ - ضياء الإسلام عُمَر البسْطَامي (١)]
[٤٠٢ - محمَّد البِسْطَامي (٢)]
ضياء الإسلام، أبو شجاع، عُمَر بن محمَّد بن عبد الله البِسطَامي، أخو محمد. فقيهان إمامان على مذهب أبي حنيفة.
ومات أخوه محمَّد سنة إحدى وخمسين وخمسمئة، وضياء الإسلام عُمر هذا أستاذ شيخ الإسلام برهان الدِّين علي بن أبي بكر صاحب "الهداية".
[وعن صاحب "الهداية": أنه قال في "مشيخته" أنّه قال: من كثرة المشايخ ببلخ كتب إلينا ضياء الإسلام أبو شجاع عمر (٣) بخطه إجازة جميع مسموعاته ومستجازاته إجازة مطلقة] (٤).
وكانت له أسانيد عالية ويد باسطة (٥) في (أنواع من) (٦) العلوم.
* * *
стр. 1073
[٤٠٣ - جمال الدِّين المطهَّر بن الحسين اليَزْدِي (١)]
الشَّيخ الإمام الأجَل الزَّاهد، جمال الدِّين، قاضي القضاة، أبو سعد المطهَّر بن الحسين بن سعد بن علي بن بُندار اليَزْدِي.
جليل القدر، كبير المحل، وكان أوحد الزَّمان، ومفتي العصر، الجامع بين أشتات العلوم، والمبرز (بين المعقول) (٢) والمنقول (٣)، (وله القَبول التَّام عند الخاصِّ والعام) (٤).
وكان من بيت العلم، نشأ في حجر الرئاسة والعلم والأدب، أبوه وجده (وجد أبيه أئمَّة الدهر، وكان جد أبيه علي بن بُندار أبو القاسم قد شرح "الجامع الصَّغير الزَّعْفَراني") (٥)، وقد سبق ذكره في الكتيبة السابعة.
(وفي "الجواهر المضية": المطهر بن الحسين بن سعد بن علي بن بُندار) (٦) له شرح القُدُوري سمَّاه "اللباب" (٧) رأيته في مجلدين، وكنيته أبو سعد جلال الدين، ويلقب بجلال الدِّين القاضي شيخ الإسلام وتقدم أخوه أسعد.
стр. 1074
(وقال في بابه: أسعد بن الحسين بن سعد بن علي بن بُندار اليَزْدِي، فقيه أصحاب أبي حنيفة بأصبهان في وقته، كان شيخًا إمامًا جليلًا) (١).
واليَزدِي: بفتح الياء آخر الحروف وسكون الزاي وبعدها دال مهملة، هذه النسبة إلى يزد، من أعمال إصْطَخر فارس من أصبهان وكَرمان.
ويأتي ذكر أخيه المطهَّر صاحب "اللباب في شرح القُدُوري"، (إلى هنا من "الجواهر المضية" في موضعين) (٢).
قلت: قد يلقب بجمال (٣) الدين.
وله "شرح الجامع الصَّغير" [الذي رتَّبه أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن مالك الزَّعْفَراني في مجلدين ضخمين.
ورأيت المجلد الأول الذي حرر في عصر الشارح وعورض بالأصل المنتسخ منه بأصبهان، وهو نسخة الشارح في شهور سنة ستين وخمسمئة، وكان قد تمت نسخة الشارح في يوم الثلاثاء الثالث عشر من جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وخمسمئة، وكاتب المجلد المزبور أبو محمَّد الحسن بن أحمد بن الحسن بن محمَّد القاشاني قد زبرته أنامله الشريفة، ثم إني ظفرت به وملكته وطالعته وانتفعت به بحمد الله تعالى، والآن في سلك ملكي.
فاتحته: الحمد لله العالم بالأوهام والأسرار، الشاهد على جولان الخاطر بالأفكار، وصلى الله على النبي المختار، المؤيد بالمهاجرين والأنصار، وعلى أهل بيته الطاهرين الأخيار، صلاة تدوم ما دام الليل والنهار.
стр. 1075
قال الشَّيخ الإمام الأجَل السيِّد الأوحد الكبير العالم الزاهد قاضي القضاة، جمال الدِّين شمس الإسلام، ركن الشَّريعة محي السنَّة، تاج الأمة، أوحد الزمان، مفتي العصر، عماد الفريقين، أبو سعد، المطهَّر بن الحسين بن سعد بن علي بن بُندار اليَزدي أدام الله علوه:
اعلم أنَّ مشايخنا كانوا يعظمون "الجامع الصَّغير" الذي صنَّفه الإمام محمَّد ابن الحسن الشَّيباني ﵃، حتى قالوا: لا يصلح المرء للفتوى ولا للقضاء إلا إذا حفظ مسائل هذا الكتاب، وحكي أنّ أبا يوسف لما عرض عليه هذا الكتاب استحسنه وكان لا يفارقه في السفر ولا في الحضر. وقالوا: ليس في كتب أصحابنا كتاب أدل على معرفة المذاهب والأصول من هذا الكتاب.
فلما كان هذا كلام مشايخنا في مدح هذا الكتاب قلت: لا بدَّ من بيان واضح، وشرح جامع، يسهل على المبتدي إدراكه وحفظه، وعلى المنتهي انشاءه ودرسه، فلما قصدت ما تأملت، سألتموني -وفقكم الله لطاعته- أن أشرحه على ترتيب "المختصر" الذي اختصره شيخنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن مالك الزَّعفَراني، وهو على الترتيب الذي ذكره محمَّد بن الحسن، إلا أنّه جعله مبوّبًا، وذكر كتاب الشفعة في البيع، وأن أذكر فيه ما يعتمد عليه مشايخ العراق وخراسان إن كان بينهما مخالفة؛ ليكون شرحًا جامعًا فيه كلام الفريقين.
وأن ألحق في كل موضع ما يحتاج إليه من المسائل الظاهرة التي لابد من معرفتها قدرًا لا يطول به الكتاب، وأن أشير إلى ما لم يذكره محمد في تصانيفه إلّا هاهنا أنّه من الخواص، فأجبتكم إلى جميع ما سألتموني، غير أني لم أذكر صفة الطهارة والصلاة والحج على الترتيب؛ لأني ذكرت فيما جمعت قبل هذا الكتاب، وأخاف أن يطول به الكتاب.
стр. 1076
وسميت هذا الكتاب: "التهذيب في شرح الجامع الصَّغير" أسأل الله التوفيق لإتمامه، إنّه الولي والقادر عليه.
وكان جمال الدِّين هذا أستاذ العصر قد لخَّص "مشكل الآثار" للشيخ الإمام أحمد بن محمَّد بن سلامة الأزدي الطَّحاوي] (١).
واختصر "النوازل" لأبي الليث، وسمَّاه "الخلاصة"، وله "الفتاوى" (٢).
[أخذ عنه ركن الملة والدين أبو بكر محمَّد بن أبي المفاخر بن عبد الرشيد بن نصر الكَرْماني، صاحب "جواهر الفتاوى"، جعل كل كتاب منها على ستة أبواب، وجمع كل باب منها) (٣) من فتاوى أئمة العصر، الباب الأول من فتاوى ركن الدِّين أبي الفضل الكرماني، الباب الثاني من فتاوى جمال الدِّين أستاذ العصر اليَزْدِي، وسنذكر الثالث والرابع إلى آخره إن شاء الله تعالى في ذكره في الكتيبة الآتية.
وفي "التهذيب" في باب ما ينقض الوضوء وما لا ينقض، وهو أول مسألة مما ذكر في "الجامع الصغير": قال محمَّد بن الحسن الشَّيباني، عن يعقوب، عن أبي حنيفة ﵃ في نَفْطَة قشرت فسال منها ماء أو دم أو غيره عن رأس الجرح نقض الوضوء، وإن لم يسل لم ينقض.
وقال مجاهد: ينقض على كل حال سال أو لم يسل، وقال مالك والشَّافعي: إنّ الخارج من غير السبيلين لا تنقض به الطهارة، ثم زاد مالك فقال: ولا ينقض ما يخرج من السبيلين إلا أن يكون معتادا خروجه.
стр. 1077
والدليل على قول (١) مالك: حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها قالت: يا رسول الله إني استحاض فلا أطهر، وأخاف أن لا يكون لي في الإسلام حظ، فقال لها رسول الله ﷺ : إنّه ليس بحيض، وإنما هو دم عرق، فتوضئي لوقت كل صلاة، وصلي ما بين القرء إلى القرء (٢).
فدل صريحه على بطلان قوله؛ لأن دم الاستحاضة غير معتاد خروجه.
وأما الدليل على قول (٣) الشَّافعي: ما روي عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنّه قال: "من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف، وليتوضأ، وليبنِ على صلاته ما لم يتكلَّم" (٤)، وعن تميم الداري وزيد بن ثابت ﵄ أنّ النبي ﷺ أنّه قال: "الوضوء من كل دم سائل" (٥)، وعن النبي ﷺ أنّه قال: "القَلْس حدث" (٦)، وأمر النبي ﷺ سلمان بالوضوء من الرعاف، وهو مذهب العشرة الذين بشروا بالجنة.
стр. 1078
والمعنى فيه أنّ هذه النجاسة خرجت بنفسها من باطنه إلى موضع يلحقه حكم التطهير، فوجب أن ينقض الوضوء كالخارج من السبيلين، وهذا لأن الأشياء الخارجة من بدن الإنسان على ضربين؛ طاهر كالعرق والدمع واللبن، ونجس كالدم والبول، فألحقنا الدم بالنجاسات دون الطاهرات.
واحتج الشَّافعي بما روى أنس: أنّ النبي ﷺ احتجم ولم يتوضأ (١)، وروي عنه ﷺ أنّه قاء (٢)، قال ثوبان: فأتيته بماء، فأخذ الماء وغسل فمه، وقال: "هكذا الوضوء من القيء (٣) "، وسئل عبد الله بن عباس عمن احتجم فقال: اغسل موضع (٤) المحاجم وحسبك (٥)، وقال النبي ﷺ : "لا وضوء إلا من صوت أو ريح" (٦).
فلم يوجب بخروج الدم، والمعنى فيه أنَّ القليل غير ناقض للطهارة فكذا
стр. 1079
الكثير؛ لأن ما كان ناقضًا للطهارة لا يفرق الحال بين القليل والكثير كالخارج من السبيلين.
أما الجواب عن تعلقه بحديث أنس قلنا: يحتمل أنّه لم يتوضأ في ذلك الوقت وتوضأ بعده؛ وأما حديث ثوبان قلنا: يحتمل أن يكون ذلك أقل من ملء الفم، وذلك لا ينقض الطهارة؛ وأما حديث ابن عباس قلنا: إنما قال: اغسل موضع المحاجم فحسبك؛ نفيًا لوجوب الاغتسال، فإن من الصحابة من يقول: من احتجم فعليه أن يغتسل.
وأما قوله ﷺ : "لا وضوء إلا من صوت أو ريح"، فقد أجمعنا على أنّ وجوبه من غير ريح، فدل على أنه وارد على ما سئل ﷺ عن الشاكّ الظانّ أنّه قد أحدث؟ فقال ﷺ : "إن الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين إليتيه فيقول أحدثت فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" (١).
ثم أخبارنا موجبة فكانت أولى من النافية، وأما الفرق بين القليل والكثير هو أنّ النجاسة إنما تنقض الطهارة إذا زالت عن معدنها (٢) ففي الخارج من السبيلين معدن البول المثانة، وإذا ظهر على رأس إحليله فقد زال عن معدنه فتنتقض الطهارة، وفي الخارج من غير السبيلين إنما يزول معدنه إذا سال عن رأس الجرح؛ لأن الجلد ما تحته مملوء دمًا فإذا تقشر (٣) ظهر ما كان مستورًا،
стр. 1080
فإذا سال الآن خرج (١) وزال عن معدنه، فإنما كان السيلان شرطًا لهذا المعنى.
وهذا هو الجواب عن قول مجاهد: إنّ الكثير ناقض للطهارة فالقليل كمثله، ومسألة الماء من خواص الكتاب، وفيه فائدة، وهو أنّه لولا هذه الرواية لكنا نقول بأنه إذا خرج منها ما ينقض الوضوء سال أو لم يسل كالبول؛ لأن لونه كلونه وريحه كريحه، إلا أنّ هذه الرواية بينت بأن الماء كالدم، وإنما ينقض الوضوء إذا سال.
ولو خرج من رأس الجرح دم فمسحه ثم خرج مرارًا ينظر؛ فإن كان بحال لو تركه يسيل ينقض وضوءه، ولو كان بحال لا يسيل لو تركه ولكنه بجهد لا ينقض طهارته، وعن أبي يوسف أنّه قال: إذا أخذ بقطنة حتى لا يسيل لا ينقض وضوءه وإن كان كثيرًا.
لهما: أنَّ هذه نجاسة كثيرة سالت بنفسها إلى موضع يلحقه حكم التطهير؛ والدليل على أنها كثيرة أنها لو تركت لسالت، ولأبي يوسف أنّه لما منعه من السيلان صار كأنه يعد في باطن البدن فلا ينقض الوضوء.
وعن أبي يوسف: أنّ القليل الذي لا يسيل ليس بنجس، ولم يرو عن غيره خلافه نصًّا. والوجه فيه: ما روى عن ابن عُمَر ﵄ أنه خرج يومًا إلى الصلاة فوجد على وجهه بثرة فغمزها بأصبعه ودلكها وصلى ولم يتوضأ (٢)، وروي، عن أبي هريرة ﵁ أنّه أدخل أصبعه في أنفه في الصلاة فأخرجه وكان على رأس
стр. 1081
أصبعه دم فدلكه ومضى على صلاته (١)، ولأنَّ حكم الحدث لا يفارقه حكم النجاسة بخلاف دم الاستحاضة لأنّه حدث امتنع حكمه.
وفي باب النجاسة في "التهذيب" أيضًا قال أبو حنيفة: بول الفرس إذا أصاب الثوب لم يفسد حتى يفحش وهو قول أبي يوسف، وقال محمَّد: لا يفسده وإن فحش، وأما تحصيل المذهب في المقدار الفاحش فكره أن يجده، وقال: إن كان الناس يستكثرونه ويستفحشونه فهو كثير فاحش وإلا فلا.
وروى الحسن عن أبي يوسف: شبرًا في شبر، وروي عنه: ذراع في ذراع، وروي عن أبي حنيفة ومحمَّد أنّه قال: ربع الثوب، قال الشَّيخ أبو بكر: يعتبر ربع أقصر الثوب وهو السراويل، وقد ذكر جد والدي قاضي القضاة أبو القاسم علي بن بُندار ﵀ عليه في شرح هذا الكتاب الذي صنَّفه: إني قد رأيت فيما علق عن الشَّيخ أبي بكر أنّه ربع ثوب يجزئ في الكفارة، وقال بعض الناس: ربع الموضع الذي يصيبه كربع الكم وربع الذيل، وقال بعضهم: ربع أي ثوب أصابه، ولا نص في ذلك عن المتقدمين. إلى هنا من "التهذيب".
وفي "جواهر الفتاوى" في الباب الثاني من كتاب الطهارة: قال شيخنا قاضي القضاة الشَّيخ الإمام جمال الدِّين المفتي في عصره المطهَّر بن حسين بن سعد بن علي بن بُندار اليَزْدِي لما سئل هل يجوز للمحدث مس كتب الفقه وحملها وفيها آيات من القرآن: جوّز بعض أصحابنا الأخذ بثيابهم وإن لم يجوزوا مس المصحف وحمله بثيابه، فجعلوا حرمته دون حرمة المصحف وفوق حرمة كتب
стр. 1082
العربية والأشعار، واختياري في ذلك أن ينظر إلى حالة الأخذ؛ فإن كان ذاكرًا ما فيها من الآيات لا يجوز، وإن لم يكن ذاكرًا ما فيها يجوز أخذها ولمسها، وهذا لأنّه إذا كان ذاكرًا فقد قصد حمله وفيه شيء من جملة القرآن فلا يجوز، وإن كان معه ما ليس بقرآن وإن لم يذكر ذلك فقد قصد حمل كتب الفقه، وإنه وإن كان معنى القرآن فليس بقرآن حتى لا تجوز قراءته في الصلاة.
ومثل هذا ما قلنا في القرآن؛ فإنّه إذا قصد قراءة القرآن وكان قليلًا لا يجوز للجنب، وإن لم يقصد وأخبر بخبر يسوؤه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أو بخبر يسره فقال: الحمد لله رب العالمين، وأمثال ذلك جاز؛ لأنّه لم يقصد به القراءة، فكذلك في الحمل والمس، وإنما يكون قاصدًا حمله إذا كان ذاكرًا ما فيه، فأما إذا لم يكن ذاكرًا ما فيه من الآيات، فقد قصد حمل الفقه، وأنه ليس بقرآن فيجوز.
ورأيت في "جواهر الفتاوى" أيضًا في الباب الثاني من كتاب الكراهية قال: سألت عن شيخنا مفتي العصر قاضي القضاة جمال الدِّين اليَزْدِي: المصارعة هل هي بدعة؟ وهل ترخَّص للشبان؟ قال: ليست ببدعة، وقد جاء الأثر فيها، إلا أنّه ينظر إن أراد به التلهي يكره له ذلك ويمنع عنه، وإن أراد به تحصيل القوة ليقدر على المقاتلة مع الكفرة فإنّه يجوز ويثاب عليه، كشرب المثلَّث إن أراد به الطرب والتلهي يمنع عنه ويزجر، وإن كان مقاتلًا وأراد به القوة والقدرة عليها جاز ذلك، وله نظائر.
ورأيت في كتاب الجنايات والحدود في الباب الثاني: رجل قذف رجلًا فمات المقذوف، أو كان المقذوف ميتًا هل للقاذف طريق لينجو يوم القيامة؟ قال الشَّيخ الإمام جمال الدِّين اليَزْدِي: إن تاب عنه ويدعو لمن جنى في حقه بالمغفرة والرحمة والصدقة يرجى أن يتجاوز الخصم عنه يوم القيامة.
стр. 1083
ورأيت في "جواهر الفتاوى" أيضًا في كتاب القضاء في الباب الثاني: اختلفت الروايات في القاضي إذا ارتشى أو فسق ينعزل أو يستحق العزل، اختار البُخاريون أنّه لا ينعزل، (وبعضهم قالوا: ينعزل) (١)، قال شيخنا وإمامنا جمال الدِّين اليَزْدِي: أنا متحير في هذه المسألة لا أقدر أن أقول: تنفذ أحكامهم لما أرى من التخليط والارتشاء والجراءة فيهم، ولا أقدر أن أقول: لا تنفذ أحكامهم؛ لأن أهل زماننا كذلك، فلو افتيت بالبطلان أدى ذلك إلى إبطال الأحكام أجمع، فحكم الله بيننا وبين قضاة زماننا أفسدوا علينا ديننا وشريعة نبينا ﷺ ولا يبق منهم لا اسم ولا رسم، وقد ذكرت هذه المسألة في أوائل الكتاب في سلطان الكتاب] (٢).
* * *
[٤٠٤ - أبو الغنائم شجاع البغدادي (٣)]
أبو الغنائم شجاع بن الحسن بن الفضل البغدادي.
أحد المبرزين من الفقهاء مع دين اشتهر به، وكان يدرس بمشهد الإمام، وكان عالمًا بالمذهب والخلاف، متدينًا حسن الطريقة.
تفقَّه عليه ابنه أبو الفرج عبد الرَّحمن بن شجاع بن الحسن بن الفضل، انتهى (٤).
* * *
стр. 1084
[٤٠٥ - شرف الأئمَّة المكي (١)]
برهان الدِّين، محمَّد بن محمود الصَّدر السَّعيد، شرف الأئمَّة المكي.
وفي "القنية": سُئل شرف الأئمَّة المكي وابنه برهان الدِّين وبرهان الكاتي وعلاء التاجر وغيرهم، عمن مات عن زوجة (٢) وأولاد من زوجة أخرى، فادَّعى الأولاد أنها كانت حرامًا قبل موته بستة أشهر وأقاموا بيّنة، وأقامت بيّنة أنها كانت حلالًا قبل الموت، فشهود المرأة أولى.
[وقال في "القنية" أيضًا: في ما يكون إقرارًا من كتاب الإقرار: أفتى سراج الدِّين العربي والصَّدر برهان الدِّين محمَّد بن محمود المكي رحمهما الله تعالى في المديون: ادعى إيصال الدِّين إلى الدائن، فأنكر ولا بينة له، فحلف الدائن وأخذ المال، ثم قال: سوكندرابنا حق خوردم، بأن هذا إقرار بإيصال الدِّين قبل الحلف.
وعلله في "الحاوي": لأن يوم الموت لا يدخل تحت القضاء، بخلاف النكاح فإنّه يدخل تحت القضاء، حتى لو ادعى بطريقة أنّ أباه مات يوم كذا وقضى به، ثم ادعت المرأة النكاح بيوم بعده تقبل] (٣).
* * *
стр. 1085
[٤٠٦ - أبو بكر القزَّاز (١)]
الشَّيخ الإمام، أبو بكر القزاز، محمَّد بن أحمد بن علي.
كان من أجلَّة مشايخ بَلخ، وكان إمامًا كبيرًا، عارفًا بالأصول والفروع، له معرفة تامة بالخلاف والمذهب.
وكان أستاذ جماعة من أئمَّة الفقهاء، منهم أبو الفتح عبد الرشيد بن أبي حنيفة الوَلْوالِجِي، تفقَّه عليه ببلخ، وكانت الطلبة ترحل إليه بها من الأمصار والأقطار، فظهرت بركته على مختلفيه (٢)، حتى تخرج به جماعة كثيرة (صاروا أئمة الأعصار) (٣)، نشروا علمه ودرسوا قوله.
(كان ﵀ إذا سلك طريقًا ينقل فيها أقوالًا ويخرج أوجهها) (٤).
* * *
стр. 1086
قلب الكتيبة العاشرة
[٤٠٧ - عبد القاهر السُّهْرُوَرْدِي (١)]
أستاذ الشيوخ الأكابر، الجامع بين علمي الظاهر والباطن، مطلع الأنوار، منبع الأسرار، ضياء الدِّين، قدوة العارفين، أبو النجيب، عبد القاهر بن عبد الله بن محمَّد بن عمويه السُّهْرُوَرْدِي.
أحد أئمة الطريقة، ومشايخ الحقيقة، من أهل سُهْرُوَرْد، وحكي أنَّ نسبه يتصل بأبي بكر الصِّديق ﵁.
نزل بغداد، وتفقَّه بالمدرسة النظامية على أسعد المهني من فقهاء الشَّافعية، وبرع في الفقه الشَّافعي، ثم هب له نسيم التوفيق، (ودله على سواء الطريق) (٢)، فصحب أحمد الغزالي، وانقطع عن الناس، وآثر العزلة والخلوة.
وأخذ علم التصوف (وأدب الطريقة) (٣) عن أبي الفتوح أحمد بن محمَّد الغزالي الطُّوسي، عن أبي بكر النّسَّاج، عن (٤) عبد الله الطُّوسي، عن الشَّيخ أبي القاسم الكركاري، عن أبي عُثمان المغربي، عن أبي علي الكاتب، عن أبي علي الروذباري، عن سيد الطائفة الجنيد البغدادي، عن سري السَّقَطي، عن معروف
стр. 1087
الكَرخي، عن داود الطائي، عن الحبيب العَجَمِي، الحسن البصري، عن علي بن أبي طالب ﵃.
ثم اشتغل بما هو الأهم من عبادة الله تعالى ودعوة الخلق إليه (١)، (وإرشاد الأصحاب إلى الطريق المستقيم) (٢)، وعمت بركاته على المريدين والمتواردين (٣)، (وكان من هداة الدِّين وأئمة المؤمنين) (٤).
وكان قد بقي سنين يسقي بالقربة على ظهره بالأجرة، ويتقوَّت بذلك (٥) هو وعياله ومن عنده من الأصحاب، وكانت له خربة على دجلة يأوي إليها (هو وأصحابه) (٦) يحضر عنده النفس والنفسان والجماعة إلى أن اشتهر اسمه وبعد صيته، ووفدت الملوك على زيارته، ووافت السلاطين لتقبيل عتباته، فبنى تلك الخربة رباطًا، وبنى إلى جانبها مدرسة، فصار حمى (٧) لمن التجأ إليه من الخائفين من الخلفاء والسلاطين وغيرهم.
ثم درس بالنظامية، ثم عزل نفسه، وأقبل الناس عليه إقبالًا عظيمًا، وأفلح بسببه أمم لا يحصون، وكراماته كثيرة مشهورة.
стр. 1088
وله تصنيفات منها "كتاب آداب (١) المريدين".
[وفي "فتاوى الصوفية" قبيل الباب الأول: ذكر شيخ الإسلام ضياء الدِّين أبو النجيب السُّهْرُوَرْدِي في "آداب (٢) المريدين": أنّه سُئل الجنيد ﵀: ما فائدة المريد في الحكايات، فقال: إنها تقوي قلوبهم، فقيل: هل في ذلك حجة من كتاب الله تعالى؟ فقال: نعم، قال الله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] إلى هنا من "الفتاوى الصوفية".
وقال فيه: أجمعوا على أنّ الفقر أفضل من الغنى إذا كان مقرونًا بالرضى، فإن احتج محتج بقول النبي ﷺ : "اليد العليا خير من اليد السفلى" (٣)، قيل له: اليد العليا تنال الفضيلة بإخراج ما فيها، واليد السفلى تجد المنقصة بحصول الشيء فيها، ففي تفضيل السخاء والعطاء دليل على فضل الفقر، فمن فضل الغنى الإنفاق والعطاء على الفقر كان كمن فضل المعصية على الطاعة لفضل التوبة.
ومن أصحابه الشَّيخ عمار (٤) ياسر، والشَّيخ روزبهان الكبير البصري، والشَّيخ إسماعيل القصري، وابن أخيه أبو النجيب شهاب الدين عُمَر بن محمَّد ابن عبد الله بن محمَّد بن عمويه السُّهْرُوَرْدِي صاحب "عوارف المعارف"، وجماعة لا يحصون] (٥).
стр. 1089
مات ﵀ في جمادى الآخرة، سنة ثلاث وستين وخمسمئة، وكان مولده في صفر سنة تسعين وأربعمئة.
* * *
[٤٠٨ - خواجه عارف الريوكري] (١)
الشَّيخ العارف بالله، خواجه عارف الريوكري (قدس الله تعالى سره). (٢).
معدن العلوم الروحانية، ينبوع الأسرار السبحانية، وكان رابع خلفاء سلطان الطريقة الخواجكانية خواجه عبد الخالق الغُجدواني، والثلاثة منهم خواجه أحمد الصديق، وخواجة أولياء الكبير، وخواجه سليمان الكَرمِيني.
[فأحمد الصدِّيق البخاري قد جلس مقام الإرشاد بعد شيخه خواجه عبد الخالق بإشارة منه، وعمّت بركاته على المريدين والطالبين، وبعدما مات أحمد الصدِّيق جلس أولياء الكبير البخاري (وخواجه سليمان الكَرمِيني) (٣) مقامه بتعيين عبد الخالق أيضًا وسلك طريقته المسلوكة في ذكر الخفية، وحفظ كلماته القدسية، ثم سليمان الكَرْمِيني، وكان الشَّيخ العارف عارف الريوكري، جلس بعدهم مقام الإرشاد، وجمع الأصحاب عنده، وربّاهم أحسن تربية.
وكان سلسلة نسبة الشَّيخ الكبير خواجه بهاء الدِّين النَّقشبندي تتصل إلى
стр. 1090
عبد الخالق من الخواجه عارف وأخذ عنه هذا الذِّكر والتلقين، وآداب الطريقة الخواجكانية الشَّيخ العارف بالله الخواجه محمود الإنجير فغنوي] (١).
ريوكر: قرية من قرى بخارى بينها وبين بخارى ستة فراسخ، ومنها إلى غجدوان فرسخ واحد، ولد فيها، ومات فيها ودفن فيها.
* * *
[٤٠٩ - عبد القادر الكيلاني (٢)]
سيد العارفين، وقبلة الواصلين، الشَّيخ الرباني، المنسلخ عن الهياكل الناسوتية، والعارف الصمداني المتوصل إلى السبحات اللاهوتية، قطب الأولياء، وغوث الأصفياء، أبو محمَّد السيِّد عبد القادر بن أبي صالح بن عبد الله الجيلي الكيلاني الحسني الحسيني، (قدَّس الله سره العزيز) (٣).
وكانت أمه أم الخير أمة الجبار بنت أبي عبد الله الصومعي، ولد سنة إحدى وسبعين وأربعمئة، وكان صاحب أحوال فاخرة وكرامات باهرة خرق الله على يديه العوائد، وقلب له الأعيان (٤)، (وأظهر العجائب) (٥).