← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

قلب الكتيبة العاشرة [٤٠٧ - عبد القاهر السُّهْرُوَرْدِي (١)] أستاذ الشيوخ الأكابر، الجامع بين علمي الظاهر والباطن، مطلع الأنوار، منبع الأسرار، ضياء الدِّين، قدوة العارفين، أبو النجيب، عبد القاهر بن عبد الله بن محمَّد بن عمويه السُّهْرُوَرْدِي. أحد أئمة الطريقة، ومشايخ الحقيقة، من أهل سُهْرُوَرْد، وحكي أنَّ نسبه يتصل بأبي بكر الصِّديق ﵁. نزل بغداد، وتفقَّه بالمدرسة النظامية على أسعد المهني من فقهاء الشَّافعية، وبرع في الفقه الشَّافعي، ثم هب له نسيم التوفيق، (ودله على سواء الطريق) (٢)، فصحب أحمد الغزالي، وانقطع عن الناس، وآثر العزلة والخلوة. وأخذ علم التصوف (وأدب الطريقة) (٣) عن أبي الفتوح أحمد بن محمَّد الغزالي الطُّوسي، عن أبي بكر النّسَّاج، عن (٤) عبد الله الطُّوسي، عن الشَّيخ أبي القاسم الكركاري، عن أبي عُثمان المغربي، عن أبي علي الكاتب، عن أبي علي الروذباري، عن سيد الطائفة الجنيد البغدادي، عن سري السَّقَطي، عن معروف

стр. 1087

الكَرخي، عن داود الطائي، عن الحبيب العَجَمِي، الحسن البصري، عن علي بن أبي طالب ﵃. ثم اشتغل بما هو الأهم من عبادة الله تعالى ودعوة الخلق إليه (١)، (وإرشاد الأصحاب إلى الطريق المستقيم) (٢)، وعمت بركاته على المريدين والمتواردين (٣)، (وكان من هداة الدِّين وأئمة المؤمنين) (٤). وكان قد بقي سنين يسقي بالقربة على ظهره بالأجرة، ويتقوَّت بذلك (٥) هو وعياله ومن عنده من الأصحاب، وكانت له خربة على دجلة يأوي إليها (هو وأصحابه) (٦) يحضر عنده النفس والنفسان والجماعة إلى أن اشتهر اسمه وبعد صيته، ووفدت الملوك على زيارته، ووافت السلاطين لتقبيل عتباته، فبنى تلك الخربة رباطًا، وبنى إلى جانبها مدرسة، فصار حمى (٧) لمن التجأ إليه من الخائفين من الخلفاء والسلاطين وغيرهم. ثم درس بالنظامية، ثم عزل نفسه، وأقبل الناس عليه إقبالًا عظيمًا، وأفلح بسببه أمم لا يحصون، وكراماته كثيرة مشهورة.

стр. 1088

وله تصنيفات منها "كتاب آداب (١) المريدين". [وفي "فتاوى الصوفية" قبيل الباب الأول: ذكر شيخ الإسلام ضياء الدِّين أبو النجيب السُّهْرُوَرْدِي في "آداب (٢) المريدين": أنّه سُئل الجنيد ﵀: ما فائدة المريد في الحكايات، فقال: إنها تقوي قلوبهم، فقيل: هل في ذلك حجة من كتاب الله تعالى؟ فقال: نعم، قال الله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] إلى هنا من "الفتاوى الصوفية". وقال فيه: أجمعوا على أنّ الفقر أفضل من الغنى إذا كان مقرونًا بالرضى، فإن احتج محتج بقول النبي ﷺ : "اليد العليا خير من اليد السفلى" (٣)، قيل له: اليد العليا تنال الفضيلة بإخراج ما فيها، واليد السفلى تجد المنقصة بحصول الشيء فيها، ففي تفضيل السخاء والعطاء دليل على فضل الفقر، فمن فضل الغنى الإنفاق والعطاء على الفقر كان كمن فضل المعصية على الطاعة لفضل التوبة. ومن أصحابه الشَّيخ عمار (٤) ياسر، والشَّيخ روزبهان الكبير البصري، والشَّيخ إسماعيل القصري، وابن أخيه أبو النجيب شهاب الدين عُمَر بن محمَّد ابن عبد الله بن محمَّد بن عمويه السُّهْرُوَرْدِي صاحب "عوارف المعارف"، وجماعة لا يحصون] (٥).

стр. 1089

مات ﵀ في جمادى الآخرة، سنة ثلاث وستين وخمسمئة، وكان مولده في صفر سنة تسعين وأربعمئة. * * * [٤٠٨ - خواجه عارف الريوكري] (١) الشَّيخ العارف بالله، خواجه عارف الريوكري (قدس الله تعالى سره). (٢). معدن العلوم الروحانية، ينبوع الأسرار السبحانية، وكان رابع خلفاء سلطان الطريقة الخواجكانية خواجه عبد الخالق الغُجدواني، والثلاثة منهم خواجه أحمد الصديق، وخواجة أولياء الكبير، وخواجه سليمان الكَرمِيني. [فأحمد الصدِّيق البخاري قد جلس مقام الإرشاد بعد شيخه خواجه عبد الخالق بإشارة منه، وعمّت بركاته على المريدين والطالبين، وبعدما مات أحمد الصدِّيق جلس أولياء الكبير البخاري (وخواجه سليمان الكَرمِيني) (٣) مقامه بتعيين عبد الخالق أيضًا وسلك طريقته المسلوكة في ذكر الخفية، وحفظ كلماته القدسية، ثم سليمان الكَرْمِيني، وكان الشَّيخ العارف عارف الريوكري، جلس بعدهم مقام الإرشاد، وجمع الأصحاب عنده، وربّاهم أحسن تربية. وكان سلسلة نسبة الشَّيخ الكبير خواجه بهاء الدِّين النَّقشبندي تتصل إلى

стр. 1090

عبد الخالق من الخواجه عارف وأخذ عنه هذا الذِّكر والتلقين، وآداب الطريقة الخواجكانية الشَّيخ العارف بالله الخواجه محمود الإنجير فغنوي] (١). ريوكر: قرية من قرى بخارى بينها وبين بخارى ستة فراسخ، ومنها إلى غجدوان فرسخ واحد، ولد فيها، ومات فيها ودفن فيها. * * * [٤٠٩ - عبد القادر الكيلاني (٢)] سيد العارفين، وقبلة الواصلين، الشَّيخ الرباني، المنسلخ عن الهياكل الناسوتية، والعارف الصمداني المتوصل إلى السبحات اللاهوتية، قطب الأولياء، وغوث الأصفياء، أبو محمَّد السيِّد عبد القادر بن أبي صالح بن عبد الله الجيلي الكيلاني الحسني الحسيني، (قدَّس الله سره العزيز) (٣). وكانت أمه أم الخير أمة الجبار بنت أبي عبد الله الصومعي، ولد سنة إحدى وسبعين وأربعمئة، وكان صاحب أحوال فاخرة وكرامات باهرة خرق الله على يديه العوائد، وقلب له الأعيان (٤)، (وأظهر العجائب) (٥).

стр. 1091

وفي "التاريخ اليافعي": وأما كراماته فخارجة عن الحصر، وقد أخبرني من أدركته من أعلام الأئمَّة أنّ كراماته تواترت أو قربت من التواتر؛ ومعلوم بالاتفاق أنّه لم يظهر ظهور كراماته لغيره من شيوخ الآفاق كرامة له على الإطلاق. [وكان قد لبس الخرقة من يد الشَّيخ أبي سعيد المبارك بن علي المخزومي نسبة إلى محلة يزيد بن المخزوم ببغداد، سمعت في كتاب إجازة أبي بكر الكَفَوي الذي أعطاه شيخه (١) الشَّيخ أبو الوفاء (٢) الشَّيخ محمد بن السيِّد قاسم بن يحيى بن الحسين بن علي بن محمَّد بن أحمد بن صالح بن نصر بن عبد الرازق بن القطب الغوث الأكبر محيي الدين أبو محمد عبد القادر الجيلاني الحسني والحسيني بن أبي صالح بن جنك دوست بن أبي عبد الله بن يحيى الزاهد بن محمد بن عبد الله بن موسى بن نصر بن أبي بكر بن داود بن موسى بن عبد الله بن موسى الجواد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، هكذا ثبت فيه. وقال فيه] (٣): وينتهي نسبه الكريم (٤) من قبل أبيه إلى سيدنا أبي محمَّد الحسن بن علي، ومن قبل أمه إلى السبط الشهيد أبي عبد الله الحسين. [وقال: ولبس الخرقة من يد شيخه الشَّيخ الصالح قاضي القضاة أبي

стр. 1092

سعيد المبارك بن علي المخزومي، نسبة إلى محلة يزيد بن المحزوم ببغداد، ولبسها أبو سعيد منه. قال العارف بالله شيخ الإسلام محيي الدين أبو محمَّد عبد القادر: جاءني القاضي أبو سعيد المبارك بن علي المخزومي، وقال: لا بدَّ أن تلبس مني خرقة، وألبس منك خرقة يتبرك كلَّ واحد منا بالآخر، فلبست منه خرقة ولبس مني خرقة، وشيخهما في الخرقة شيخ الإسلام أبو الحسن علي بن محمود بن يوسف القرشي الهكَّاري، ولبسها أبو الحسن الهكَّاري من يد شيخه أبي الفرج الطَّرَسُوْسِي إلى أن ينتهي إلى معروف الكَرخي. ولمعروف الكَرخي طريقان كما ذكرناه في ذكره، فليراجع ثمَّة. وهو لبسها من يد الشَّيخ أبي الحسن علي بن محمَّد بن يوسف القرشي الهكَّاري، وهو لبسها من يد الشَّيخ أبي الفرج الطَّرَسُوْسِي، وهو من يد الشَّيخ أبي الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التَّميمي، وهو من الشَّيخ أبي بكر الشِّبلي، وهو من أجلِّ أصحاب الجنيد البغدادي وهو سيد الطائفة، ألبسه الخرقة بيده الشريفة، وهو من سري السَّقَطي من معروف الكَرخي، من داود الطائي من حبيب العَجَمِي، من الحسن البصري، من علي بن أبي طالب ﵃، ومن أصحابه الشَّيخ يونس القصَّاب الهاشمي شيخ الشَّيخ الكبير محي الدِّين العربي] (١). وكان له أصحاب كثيرة وأحوال عجيبة وحكايات لا يفي بيان (٢) عشر

стр. 1093

أعشارها مجلد هذا الكتاب حكي أنّ الشَّيخ عبد الرَّحمن الطفسونجي قال يومًا في مجلسه العامّ وهو على المنبر: أنا بين الأولياء كالكركي بين الطيور، أطولهم عنقًا، [وكان في مجلسه الشَّيخ علي بن أحمد من أصحاب الشَّيخ عبد القادر حاضرًا يسمع قوله، فعارضه في كلامه هذا، وبعد ما تشاجر بينهما الكلام قال الطفسونجي: فقال قطب المشايخ عبد القادر: قال الطفسونجي: قد كنت في دركات القدرة، وما رأيت عبد القادر فيها. فأرسل جماعة من أصحابه إلى الشَّيخ عبد القادر وأوصاهم أن يقولوا له: إنّ عبد الرَّحمن الطفسونجي يقرئ عليك السَّلام، ويقول: إني كنت أدخل وأخرج من دركات باب (١) القدرة منذ أربعين سنة وما رأيته فيها قط، وحين أرسلهم الطفسونجي إلى بغداد أشار الشَّيخ عبد القادر إلى جماعة من أصحابه، وقال لهم: قوموا واستقبلوا أصحاب الطفسونجي أرسلهم يسألوني وقولوا لهم: ارجعوا فإن شيخنا عبد القادر يقرئ على شيخكم السلام، ويقول: أنت في الدَّركات، ومن في الدَّركات لا يرى من في الحضرة، ومن هو في الحضرة لا يرى من في المخدع، وأنا في المخدع أدخل وأخرج من باب السرِّ من حيث لا تراني، بأمارة إن خرجت لك الخلعة الفلانية في الوقت الفلاني على يدي خرجت لك وهي خلعة الرضاء، وبأمارة خروج التشريف الفلاني في الليلة الفلانية لك على يدي خرج لك هو تشريف الفتح، وبأمارة أن أخلع عليك في الدركات بمحضر من اثنى عشر ألف ولي لله تعالى خلعة الولاية، وهي فرجية خضراء طرازها سورة الإخلاص على يدي خرجت.

стр. 1094

فوصل أصحاب الشَّيخ عبد القادر فيما بين الطريق فرجع أصحاب الشَّيخ عبد القادر الطفسونجي، فلما أخبروه بما قال: "صدق الشَّيخ عبد القادر" كذا في "النفحات" المولى عبد الرَّحمن الجامي. وفي "النفحات" أيضًا في ذكر الشَّيخ حماد الدباس، وكان شيخنا كبيرًا من مشايخ عبد القادر كان الشَّيخ عبد القادر يجلس يومًا في رباطه للعامة، وكان قد جمع في هذا المجلس قريبًا من خمسين نفرًا من أولياء الله، وفيهم الشَّيخ علي الهيتي والشَّيخ بقابطو والشَّيخ أبو سعيد القيلوي والشَّيخ أبو النجيب السُّهْرُوَرْدِي والشَّيخ جاكير والشَّيخ قضيب البان الموصلي والشَّيخ أبو السعود وغيرهم من المشايخ الكبار والمريدين المسترشدين. وكان يتكلم من المقامات العالية فقال في أثناء الكلام: قدمي هذه على رقبة كل ولي لله تعالى، فتسارع الشَّيخ علي الهيتي إلى المنبر وأخذ قدم الشَّيخ عبد القادر ووضعه على رقبته، وباقي المشايخ قد وضعوا أرقابهم (١) على الأرض وسلموا له. قيل: إنّ الشَّيخ أبا مدين المغربي وضع يومًا رقبته على الأرض في دار المغرب وقال: اللهم إنى أشهدك وأشهد ملائكتك أني سمعت وأطعت، فسأله أصحابه عن هذا فقال: إنّ الشَّيخ عبد القادر قال الآن ببغداد: قدمي هذه على رقبة كل ولي لله تعالى. حكي أنهم أرخوه، فبعد زمان جاء من بغداد قافلة فأخبروا صدور هذا الكلام منه في التاريخ المزبور.

стр. 1095

روي أنّ الشَّيخ أبا سعيد القيلوي قال: تجلى سبحانه لقلب عبد القادر حين قال: قدمي هذه على رقبة كل ولي الله تعالى، وشرفه الله تعالى بخلعة قدرة الأحياء. وقال المولى الجامي في "نفحاته": شيخ أبو سعيد قيلوي كفته كه جون شيخ عبد القادر كفت كه، قدمي هذه على رقبة كل ولي الله تعالى، حضرت حق بردل وي تجلي كرد، ورسول ﷺ بردست طائفة از ملائكة مقربين، بمحضر أولياء متقدمين ومتأخرين كه آنجه حاضر بودند أحيا بأجساد خود، وأموات بأرواح خود، خلعتي دروي بوشانيد وملائكة، ورجال غيب مجلس ويراد رميان كرفته بودند، وصفهادر هو ايستاده ووبروي زمين هيج ولي نماند مكركه كردن خودرابست كرد. وبعضي كفته اند كه يك كس ازعجم تواضع نكرد حال وي أزوي متواري شد] (١). * * *

стр. 1096

الكتيبة الحادية عشر [٤١٠ - فخر الدِّين قاضي خان (١)] الشَّيخ الإمام المجتهد، والحبر الإمام، المتورع الزاهد، سلطان الشَّريعة، برهان الطريقة، مشهور الآفاق، مرضي الأخلاق، صدر جريدة الأخلاف، بيت قصيدة الأسلاف، معزز السلاطين، مقرب الخواقين، فخر الدِّين قاضي خان الحسن بن منصور بن محمود الأُوْزْجَندي الفَرْغَاني، لا زال متداركًا باللطف الرباني. وكان إمامًا كبيرًا، بحرًا عميقًا، غواصًا على المعاني الدقيقة، نقي القريحة، كبير المحل، عظيم الشأن، (وكان في الفروع والأصول فارسًا لا يشق غباره ولا (٢) تلحق آثاره) (٣). أخذ عن الشَّيخ الإمام ظهير الدِّين الحسن بن علي بن عبد العزيز المَرْغِيْنَاني، عن برهان الدِّين الكبير عبد العزيز بن عُمَر بن مازه ومحمود بن عبد العزيز الأُوْزْجَندي جد قاضي خان، وهما أخذا عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن القاضي الإمام (٤) أبي علي النَّسَفِي، عن الشَّيخ الإمام

стр. 1097

أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن الأستاذ عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن الإمام محمَّد بن الحسن، عن الإمام الأعظم أبي حنيفة ﵏. [وأخذ قاضي خان أيضًا عن الإمام الزاهد الفقيه أبي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد الصفَّار، عن أبيه أبي إبراهيم إسماعيل بن أحمد، عن أبي يعقوب السَّيَّاري، عن أبي إسحاق النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِنْدُوَاني، عن أبي بكر الإِسْكاف، عن محمَّد بن سلمة، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة، وأخذ عن نظام الدِّين أبي إسحاق إبراهيم بن علي المَرْغِيْنَاني] (١). وتفقَّه عليه أبو المحامد جمال الدِّين الحَصِيْري محمود بن أحمد بن عبد السيِّد البُخاري، وشمس الأئمَّة محمَّد بن عبد الستار الكَرْدَري، ونجم الأئمَّة الحكيمي (٢)، ونجم الدِّين يوسف بن أحمد الخاصي، وصدر الإسلام طاهر بن محمود الصَّدر الكبير صاحب "المحيط"، وبرهان الإسلام الزُّرْنوجي. وله الفتاوى المشهورة بـ "قاضي خان"، المقبولة المعمولة المتداولة بين أيدي العلماء والفقهاء، وكانت هي نصب عين من تصدَّر للحكم والإفتاء. وله "الواقعات"، و "الأمالي"، و "المحاضر"، و "السجلات"، و "شرح الزيادات"، و "شرح الجامع الصغير"، و "شرح أدب القضاء للخصاف" وغير ذلك. قال جمال الدِّين الحَصِيْري: هو سيدنا الإمام القاضي، والأستاذ فخر الملَّة ركن الإسلام، بقية السلف، مفتي الخلف.

стр. 1098

توفي ليلة الإثنين خامس عشر رمضان سنة اثنتين وتسعين وخمسمئة، ودفن عند القضاة السبعة، وعده المولى العلامة أحمد بن سليمان بن كمال باشا من أصحاب طبقة الاجتهاد في المسائل، حيث قال في ذيل رسالة (إن أولاد البنت (١) يدخلون في الأولاد أم لا؟) (٢): الطبقة الثالثة طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب كالخَصَّاف والطَّحاوي والكَرْخي وشمس الأئمَّة الحَلْوَانى وشمس الأئمَّة السَّرَخْسى وفخر الإسلام البَزْدَوي وفخر الدِّين قاضي خان. وقد مرَّ مفصلًا في الكتيبة الثانية، في ذكر الشَّيخ الإمام علي الرَّازِي. [قال برهان الإسلام الزُّرَنوجي في "كتاب تعليم المتعلم" في فصل بداية السبق: كان الشَّيخ الإمام فخر الإسلام قاضي خان يقول: ينبغي للمتفقِّه أن يحفظ نسخة واحدة من نسخ الفقه دائمًا، فيتيسر له بعد ذلك ما يسمع من الفقه". وفي كتاب المداينات من "القنية" نقلًا عن "النوازل": قال له: على كل واحد منهما خمسة فأخذها منهما، ثم وجد بعضها بِنْهرجة، ولا يدري لمن هو، فليس له رد شيء على واحد منهما حتى تزيد على خمسة، فإن كانت البِنْهرجة ستة، فله أن يرد على كل واحد منهما درهمًا، وإن كانت سبعة فدرهمين، وإن كانت ثمانية فثلاثة، وإن كانت تسعة فأربعة، وفي العشرة يرد على كل واحد منهما خمسة للتيقن. قال نجم الأئمَّة الحكيمي: قلت لأستاذنا - يعني قاضي خان -: وينبغي أن يمنع الرد على قول أبي حنيفة؛ لأنّه خلط الدراهم خلطًا يتعذر تمييزها استهلاك عنده،

стр. 1099

فقال: لكن حق الرد ثابت بيقين، وإنّما يبطل أن لو كان المردود غير ما أخذه منه، وفيه شك، فلا يبطل الثابت بيقين. وفي "الخلاصة" في الفصل الأول من كتاب الصلاة قال: وفي "واقعات القاضي الإمام فخر الدِّين الأُوْزْجَندي": المؤذن إذا لم يكن عالمًا بأوقات الصلاة لا يستحق ثواب المؤذنين، وأحب إليَّ أن يكون المؤذِّن عالمًا بالسنَّة، ولا يحل للمؤذن والإمام أن يأخذ على الأذان والإمامة أجرًا. ورأيت في "حاشية فصول مجد الدِّين محمَّد بن محمود الأُسْتُرُوْشَني" نقلًا من محاضر الإمام قاضي خان، بخط محمَّد بن الحسين الفارابي الشهير بصدر الأقران محضر دعوى الإقرار ابتداء، وصورة دعوى الإقرار ابتداءً: ادعى على آخر ألفًا وقال: لأنّه أقر بهذا المال، أما إذا ادعى وبيَّن السبب، ثم قال: هكذا أقر لا يكون دعوى الإقرار. قيل: أخرج مؤلف هذا الكتاب قاضي خان رواية من أدب القاضي المنسوبة إلى الصَّدر الشَّهيد ﵀ أنّ دعوى الإقرار ابتداءً عند عامة علمائنا غير مسموعة، وهو ما إذا ادعى الإقرار ابتداءً أما إذا ادعى المال وقال: هكذا أقرَّ؛ فذاك يسمع بالإجماع. قال الشَّيخ الإمام ظهير الدِّين المَرْغِيْنَاني ﵀: أنا أقول هكذا إنَّ هذا ليس دعوى الإقرار ابتداء، أما في دعوى الإقرار ابتداء أنا أفتي أنّه لا يسمع. إلى هنا مكتوب بخط صدر الأقران. وفي أول "فتاويه" قال: يقول العبد الضعيف الفقير إلى رحمة الله الغني القدير، سدده الله في القول والعمل، وعصمه من الطغيان والزلل، ذكرت في هذا الكتاب

стр. 1100

من المسائل التي يغلب وقوعها، وتمس الحاجة إليها، وتدور عليها واقعات الأمة، وتقتصر عليها رغبات الفقهاء والأئمَّة، وهي أنواع وأقسام، فمنها ما هي مروية عن أصحابنا المتقدمين، وما هي منقولة عن المشايخ المتأخرين رضوان الله عليهم أجمعين، ورتبته ترتيب الكتب المعروفة، وبيَّنت لكل فرع أصلًا، (وفيما كثرت فيه) (١) الأقاويل من المتأخرين اقتصرت على قول أو قولين، وقدمت ما هو الأظهر، وافتتحت بما هو الأشهر، إجابة للطالبين، وتيسيرًا على الراغبين. وقال في فصل رسم المفتي: المفتي في زماننا من أصحابنا إذا استفتى عن (٢) مسألة وسئل عن واقعة؛ إن كانت المسألة مروية عن أصحابنا في الرواية الظاهرة بلا خلاف بينهم فإنّه يميل إليهم يفتي بقولهم، ولا يخالفهم برأيه؛ لأن الظاهر أن يكون الحق مع أصحابنا ولا يعدوهم، واجتهاده لا يبلغ اجتهادهم، ولا ينظر إلى قول من خالفهم، ولا يقبل حجَّتهم؛ لأنهم عرفوا الأدلَّة، وميَّزوا بين ما صحَّ وثبت وبين غيره. وإن كانت المسألة مختلفًا (فيها فيما) (٣) بين أصحابنا؛ فإن كان مع أبي حنيفة أحد أصحابه يأخذ بقولهما لوفور الشرائط، واستجماع أدلة الصواب (٤) فيهما، فإن خالف أبا حنيفة صاحباه في ذلك؛ فإن كان اختلافهم اختلاف عصر وزمان كالقضاء بظاهر العدالة يأخذ بقول (٥) صاحبيه لتغير أحوال الناس، وفي المزارعة والمعاملة

стр. 1101

وتوابعهما يختار قولهما لإجماع المتأخرين على ذلك، وفيما سوى ذلك؛ قال بعضهم: يتخير المجتهد ويعمل بما أفضى إليه رأيه، وقال عبد الله بن المبارك: يأخذ بقول أبي حنيفة. وتكلموا في المجتهد؛ قال بعضهم: من سئل في عشر مسائل فيصيب في الثمانية ويخطئ في البقية فهو مجتهد، وقال بعضهم: لا بد في الاجتهاد من حفظ "المبسوط"، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمؤول، والعلم بعادات النّاس وعرفهم. وإن كانت المسألة في غير ظاهر الرواية؛ إن كانت توافق أصول أصحابنا يعمل بها، وإن لم نجد لها رواية عن أصحابنا واتفق فيها المتأخرون على شيء يعمل به، وإن اختلفوا يجتهد ويفتى بما هو صواب عنده. وإن كان المفتي مقلِّدًا غير مجتهد يأخذ بقول من هو أفقه عنده ويضيف الجواب إليه، وإن كان أفقه النّاس عنده في مِصْر آخر يرجع إليه بالكتاب، ويتثبت في الجواب، ولا يجاوز؛ خوف الافتراء على الله تعالى بتحريم الحلال وضده، والله المستعان وعليه التكلان. وفي "جواهر الفتاوى" في الباب السادس من كتاب الأيمان: ولو حلف لا يكلِّم فلانًا، فسلم على قوم منهم المحلوف عليه يقع الطلاق، ونظيره لو صلَّى وسلَّم عن يمينه، [والمحلوف عليه في الجانب اليمين لا يحنث؛ لأن هذا لا يعد كلامًا، ولو كان على جانبه الأيسر حنث؛ لأنّه لما سلم عن يمينه] (١) فقد خرج

стр. 1102

من الصلاة، وهذا خطاب لهم؛ يعني: لمن كان على الجانب الأيسر، فهذا كلام منه فيقع. قال الشَّيخ الإمام نجم الدِّين يوسف بن أحمد الخاصِّي ببخارى إشكالًا على المسألة: ينبغي أن يحنث إذا كان على الجانب الأيمن أيضًا؛ لأنّه إذا قال: (السَّلام) يخرج من صلاته، وإذا قال: (عليكم ورحمة الله) هذا كلام، أجاب أستاذه قاضي القضاة الإمام فخر الدِّين الحسن بن منصور الأُوْزْجَندي وقال: إذًا كله كلام واحد؟ فلهذا لا يحنث. وذكر في "الأمالي": أنّه لا يحنث أيضًا وإن سلَّم على يساره أيضًا، وذكر في "الواقعات" عن مشايخ سمرقند: أنّه لا يحنث لا بالتسليمة الأولى ولا بالتسليمة الثانية، وهو المختار هكذا ذكره. وله "شرح الجامع الصغير"، قال في أوله: اعلموا -وفقكم الله وإيَّانا- أنَّ هذا الكتاب أصل جليل في الفقه، يشتمل على أمهات مسائل أصحابنا، حتى كان علي الرَّازِي يقول: من حفظ مسائل هذا (١) الكتاب فهو من أحفظ أصحابنا، ومن فهمه فهو من أفهم أصحابنا. والمتقدمون من أصحابنا كانوا لا يقلِّدون القضاء من لم يحفظ مسائل هذا الكتاب. ومسائله على ثلاثة أقسام: قسم لا يوجد إلا في هذا الكتاب، وقسم هو معاد محض، وقسم ذكرها في "المبسوط" وأعادها هاهنا بلفظ آخر وزيادة فائدة.

стр. 1103

واختلفوا في مصنِّف هذا الكتاب، قال بعضهم: من تصنيف أبي يوسف ومحمد، وقال بعضهم: هو من تصنيف محمَّد؛ فإنّه حين فرغ من تصنيف "المبسوط" أمره أبو يوسف أن يصنِّف كتابًا ويرويه عنه، فصنف هذا الكتاب، ولم يرتب مسائله، وإِنَّما رتب الفقيه أبو عبد الله الحسين بن أحمد الزَّعْفَراني على هذا الترتيب؛ ترغيبًا للمقتبسين، وتيسيرًا على الطالبين. فنقول - وبالله التوفيق -: قال محمَّد، عن يعقوب، عن أبي حنيفة فيمن قلس أقل من ملئ فيه لا ينقض وضوءه، وإن قلس ملئ فيه مِرّة أو طعامًا أو ماء نقض، وقال الشَّافعي: لا ينقض وضوءه في الوجهين، وقال زفر: ينقض في الوجهين. مذهبنا مذهب العشرة الذين بشروا بالجنة، والكلام مع الشَّافعي بناءً على أنّ الخارج من غير السبيلين حدث عندنا خلافًا له، حجَّته في ذلك ما روي عن النبي ﷺ أنّه قاء فلم يتوضأ (١)، ولأن غسل الأعضاء في الخارج من السبيلين غير معقول لما فيه من غسل غير موضع النجاسة فلا يتعدى إلى غيره. ومذهبنا ما روت عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: "من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم (٢) "، ولأن انتقاض الطهارة في الأصل بخروج النجاسة عن الباطن؛ لأن النجاسة إذا خرجت

стр. 1104

يتنجس الطاهر فلا تبقى الطهارة، وهذا أمر معقول موجود في الفرع إلا أنّ الاكتفاء بغسل الأعضاء عرف نصًّا، وحاجتنا في (١) الفرع إلى إثبات انتقاض الطهارة لا إلى تعيين موضع الغسل. إلى هنا من كلام فخر الدِّين قاضي خان. قال جمال الدِّين المطهَّر اليَزْدِي في "شرح الجامع الصَّغير" في هذا الموضع: ووجه آخر، وهو أنّ للفم حكم الخارج من حيث إنَّ الجنب يلزمه إيصال الماء إليه، وكذلك يلزمه حكم التَّطهير، وحكم الداخل من حيث إنّ الصائم إذا ابتلع ريقه أو شيئًا بين أسنانه لم يفطره أيضًا، فجعلنا الفم فيما بينه وبين البطن بمنزلة البطن، وفيما بينه وبين الوجه بمنزلة الوجه؛ توفيرًا على الشبهين حظهما، فصار المنتقل إليه من البطن كالذي بقي في موضعه، فإذا امتلأ الفم حتى لا يقدر على إمساكه أعطي له حكم الخروج حينئذ] (٢). * * *

стр. 1105

[٤١١ - علي بن أبي بكر المَرْغِيْنَاني (١)] الإمام العلَّامة، والهمام الفهَّامة، شيخ الإسلام والمسلمين، برهان الملَّة والدِّين، أستاذ الفقهاء، وأستاذ (٢) الفضلاء، على بن أبي بكر بن عبد الجليل الفَرْغَاني الرِّشْداني المَرْغِيْنَاني، صاحب "الهداية"، (قدَّس الله تعالى سره العزيز) (٣). كان إمامًا فقيهًا حافظًا محدثًا (٤) مفسرًا، جامعًا للعلوم، ضابطًا للفنون، متقنًا (٥) محققًا نظارًا مدققًا زاهدًا ورعًا بارعًا متورعًا فاضلًا باهرًا فائقًا ماهرًا أصوليًّا أديبًا شاعرًا، لم ترَ العيون مثله في عصره في العلم والأدب، وله اليد الباسطة في الخلاف، والباع الممتد في المذهب. تفقَّه وأخذ من الأئمَّة المشهورين المتبحِّرين في علوم الدِّين، ومنهم الإمام (٦) مفتي الثَّقلين نجم الدِّين أبو حفص عُمَر النَّسَفي، ولقد صدَّر "مشيخته" التي جمعها صاحب الهداية بذكر نجم الدِّين عُمَر بن محمَّد بن أحمد النَّسَفِي، فأخذ عن أبي الليث، عن أبيه نجم الدِّين، وعن نجم الدِّين عن أبي اليسر البَرْدَوي، عن أبي يعقوب السَّيَّاري، عن أبي إسحاق النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِنْدُوَاني، عن أبي القاسم الصفَّار، عن نصير بن يحيى، عن محمَّد بن سَماعة، عن أبي يوسف.

стр. 1106

ونجم الدِّين، عن أبي اليسر، عن إسماعيل بن عبد الصادق، عن عبد الكريم البَزْدَوي، عن أبي منصور الماتريدي، عن أبي بكر الجُوْزَجاني، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة. وأخذ عن الصَّدر الشَّهيد حسام الدِّين عُمَر بن عبد العزيز بن عُمَر بن مازه، وعن الصَّدر السَّعيد أبي صاحب "المحيط"، تاج الدِّين أحمد بن عبد العزيز بن عُمَر بن مازه، وهما عن الصَّدر الكبير برهان الملَّة والدِّين أبيهما عبد العزيز بن عُمَر بن مازه، (عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن القاضي الإمام أبي علي النَّسَفِي، عن الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل عن الإمام الأستاذ عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة ﵏ (١). وأخذ أيضًا عن ضياء الدِّين محمَّد بن الحسين البَنْدَنِيْجي تلميذ (٢) صاحب "التحفة" علاء الدِّين السَّمَرْقندي، وعن أبي عَمْرو عُثمان بن علي البِيْكَنْدي تلميذ شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، (وعن قوام الدِّين أحمد بن عبد الرشيد البُخاري والد صاحب "الخلاصة" طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد تلميذ أبيه عبد الرشيد بن الحسين، وعن شيخ الإسلام علي بن محمَّد الإِسْبِيْجابي، وعن منهاج الشَّريعة محمَّد بن محمَّد بن الحسين وغيرهم) (٣). (وفاق شيوخه، وقد حصل الفروع، وكانت المسائل على حفظه بأصولها

стр. 1107

ونكاتها) (١)، وكان فارسًا في البحث عديم النظير مفرط الذكاء، إذا حضر في مجلس كان هو المشار إليه، والفتاوى تحمل من أقطار الأرض إلى بين يديه، (وكانت الطلبة ترحل إليه من البلاد للتفقه عليه) (٢)، له في العلوم آثار ليس لغيره. أقر له بالفضل والتقدم (٣) أهل عصره (كالشَّيخ الإمام فخر الدِّين قاضي خان، والصدر الكبير برهان الدِّين صاحب "المحيط" و "الذخيرة" محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عُمَر بن مازه، والشَّيخ الإمام زين الدِّين أبو نصر أحمد بن محمَّد بن عُمَر العَتَّابي، وصاحب "الفتاوى" و "الفوائد الظَّهِيْرِيَّة" ظهير الدِّين محمَّد بن أحمد بن عُمَر القاضي البُخاري، لا سيَّما بعد) (٤) تصنيف (٥) "كتاب (٦) الهداية" و "كفاية المنتهى" و "نشر المذاهب" (٧) يلقب أصله بالعثماني و "كتاب التجنيس". وله "كتاب المزيد" و "مناسك الحج"، و "كتاب مختارات النوازل"، و "كتاب المذهب في الفرائض"، و "الزيادات". [قال المولى العلامة شيخ الإسلام ابن كمال باشا في "إيضاح الإصلاح" في باب المسح، قال صاحب "الهداية" في "مختارات النوازل": إنما يجوز المسح عليها (٨) إذا كان الماء يضر بالجراحة إذا غسلها، فإذا لم يضر به يمسح على الجراحة،

стр. 1108

وإن أضر يمسح على الجبيرة؛ سواء شدها على وضوء أو على غير وضوء، وإن أضر المسح على الجبيرة أيضًا سقط المسح، وكذا الحكم في موضع الفصد، والزيادة على موضع الجراحة تبع لها. ثم قال في "إيضاح الإصلاح" وفي "التجنيس" نقلًا عن "مبسوط شيخ الإسلام": إذا مسح على بعض الجبائر هل يجزيه أم لا؛ لم يذكر هذا في ظاهر الرواية، وذكر الحسن بن زياد أنّه إن مسح على الأكثر أجزاء، وإن مسح على النصف وما دونه لا يجزيه وبه يفتي] (١). وله "كتاب المشيخة" جمع فيها مشايخه. قال برهان الإسلام الزُّرْنوجي في فصل وقت التحصيل في "كتاب تعليم المتعلم": قال أستاذنا شيخ الإسلام في "مشيخته": كم من شيخ كبير أدركته وما استخرجته، وأقول (على هذا الفوت) (٢) منشئًا هذا البيت: لَهَفي على فَوْت اللَّيالي لَهِفي … ما كلُّ ما فاتَ وينفى يُلفي [وله شعر حسن ومن أشعاره: ولم أدخلِ الحمام من أجل لذَّة … فكيفَ ونار الشَّوق بينَ جَوانحي ولكنَّني لم يكفني فيضَ عبرتي … دخلْتُ لأبكي مِنْ جميع جوارحي] (٣) تفقَّه عليه الجمُّ الغفير والخلق الكثير، (وممن أخذوا عنه) (٤) وانتفعوا به

стр. 1109

(كثيرًا شمس الأئمَّة الأستاذ الموفود إليه) (١) محمَّد بن عبد السَّتار الكَرْدَري، (وشيخ الإسلام) (٢) جلال الدِّين محمود بن الحسين (٣) الأُسْتُرُوْشَني، والد مجد الدِّين المفتي محمَّد بن محمود صاحب "الفصول". وأخذ العلم عنه أولاده الأمجاد شيخ الإسلام (جلال الدِّين محمَّد بن شيخ الإسلام) (٤) علي بن أبي بكر، (وشيخ الإسلام نظام الدِّين عُمَر بن شيخ الإسلام علي بن أبي بكر) (٥)، وشيخ الإسلام عماد الدِّين أبو بكر بن شيخ الإسلام (والد صاحب "الفصول العمادية" عماد الدِّين أبو بكر بن شيخ الإسلام) (٦) علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفَرْغَانى الرِّشْداني المَرْغِيْنَاني] (٧). فَرْغانة بفتح الفاء: ناحية وراء الشاش، والشاش مدينة بما وراء النهر، وأظنه الفركند، وفرغان (٨) أيضًا قرية من قرى فارس، ومَرْغينان بفتح الميم: مدينة من مشاهير بلاد فَرْغانة، والرِّشْدان بكسر الراء وسكون الشين المعجمة (٩) وفتح الدال المهملة وفي آخرها النون: من بلاد فَرْغانة. مات ﵀ سنة ثلاث وتسعين وخمسمئة.

стр. 1110

في "الجواهر المضية": عُمَر بن علي أبو حفص ولد الإمام برهان الدِّين صاحب "الهداية"، تفقَّه على والده حتى برع في الفقه، ويأتي أخوه محمَّد (١). [ثم قال في باب الميم: محمَّد بن علي بن أبي بكر، الإمام الملقَّب عماد الدِّين ابن صاحب "الهداية"، تفقَّه على أبيه. أقول: كان محمَّد بن علي يلقب بجلال الدين، وعمر يلقب بنظام الدين. قال في "العمادية" في الفصل السابع والعشرين: وإفراض الأب والوصي والقاضي ينظر بتمامه في الباب السابع والثلاثين (٢) من "آداب القاضي" لسيدي ووالدي شيخ الإسلام عماد الدِّين المقتول ظلمًا على أيدي الكفار، بوَّأه الله دار القرار. وقال في الفصل الحادي والثلاثين: رأيت بخط من أثق به عن عمِّي جلال الدِّين محمَّد بن شيخ الإسلام برهان الدِّين، وكذلك هذا في بيع الوفاء، وستجيء المسألة بتمامها نقلًا عن "فصول الأُسْتُرُوْشَني" في هذا بعد ورقتين، ولي أسوة حسنة واتصال سند في قراءة "الهداية" بحمد الله تعالى. ولي العناية إليه في إحدى عشرة مرتبة ذكرته قبيل الكتيبة الأولى. واعلم أنّ شيخ الإسلام برهان الدِّين علي بن أبي بكر صاحب "الهداية" قد ألَّف أولًا "بداية المبتدي" ثم شرحها شرحًا وسمه بـ "كفاية المنتهى"، ثم صرف عنانه إلى شرحه ثانيًا ووسمه بـ "الهداية"، فإنها لمبعثة (٣) إلى الهداية، لاحتوائه على أصول الدراية وانطوائه على متون الرواية، فإنّه قال في أول "البداية": قال أبو الحسن علي بن

стр. 1111

أبي بكر بن عبد الجليل: كان يخطر ببالي عند ابتداء حالي أن يكون في الفقه كتاب فيه من كل نوع، صغير الحجم، كثير الرسم، وحيث وقع الاتفاق بطواف العراق، وجدت (١) المختصر المنسوب إلى القُدُوري أجلَّ (٢) كتاب، في أحسن إيجاز وإعجاب، ورأيت كبراء الدهر يرغبون الصَّغير والكبير في حفظ "الجامع الصغير"، فهممت أن أجمع بينهما، ولا أتجاوز فيه عنهما إلا ما دعت الضرورة إليه، سمَّيته "بداية المبتدي"، ولو وفِّقت لشرحه لوسمته بـ "كافية المنتهى"، انتهى. لقد وفَّقه الله تعالى حيث قال حين بداية "الهداية": قد جرى على الوعد في مبدأ "بداية المبتدي" أن اشرحها بتوفيق الله تعالى شرحًا أوسمه بـ "كفاية المنتهي"، فشرعت فيه، والوعد يسوغ بعض المساغ، وحين أكاد عنه أتكأ عنه اتكاء الفراغ تبينت فيه نبذًا من الإطناب، وخشيت أن يُهجر لأجله الكتاب، فصرفت العنان والعناية، إلى شرح آخر موسوم بـ "الهداية"، أجمع بتوفيق الله بين عيون الرواية ومتون الدراية، حتى إنّ من سمت همته إلى مزيد الوقوف يرغب إلى الأطول والأكثر، ومن أعجله الوقت عنه يقتصر على الأقصر والأصغر: ومن مذهبي حبُّ الدِّيار وأهلها … وللناس فيما يعشقون مذاهب وبالله العون والعصمة والتوفيق] (٣). قلت: فإني قرأت "كتاب الهداية" على أستاذ الفضلاء صدر العلماء السيِّد الفاضل الكامل المستغني، عن قضاء العسكر، بأنا طولى محيي الدِّين السَّيِّد (٤) محمَّد بن عبد

стр. 1112

القادر من "كتاب السِّيَر" إلى ما يسره الله تعالى لي، وهو تلميذ المولى العلامة الشهير بابن كمال باشا والمولى نور الدِّين القراصوي، والأول تلميذ المولى مصلح الدِّين القسطلاني والثاني تلميذ المولى سنان باشا، وهما أخذا عن أستاذ أفاضل الروم خضر بك بن جلال الدِّين تلميذ المولى محمَّد بن أرمغان الشهير بالمولى يكان، وهو أخذ عن المولى شمس الدِّين الفَنَاري، عن الشَّيخ الأكمل صاحب "عناية الهداية"، عن قوام الدِّين الكاكي (١)، صاحب "معراج الدراية"، عن الإمام الحسين السِّغْنَاقِي صاحب "النهاية"، عن الإمام حافظ الدِّين أبي نصر (محمَّد البُخاري، عن شمس الأئمة) (٢) محمَّد بن عبد الستار الكَرْدَري، عن صاحب "الهداية". وقرأت أيضًا على المولى الفاضل والصدر الكامل صاحب حواشي "الهداية"، المسماة بـ "ترغيب اللَّبيب" عبد الرَّحمن بن علي القاضي الأماسي القاضي بالعسكر بروم إيلي، وهو أخذ عن شيخ الإسلام المولى سعدي جلبي صاحب "حواشي الهداية"، وصاحب "حواشي تفسير البيضاوي"، تلميذ المولى محمَّد بن الحسن السامسوني، وهو تلميذ المولى علاء الدِّين العربي، عن خضر بك بن جلال الدين. [ولقد بلغني من مشايخنا أنَّ دأبه - نوَّر الله مرقده وفي أعلى غرف الجنان أرقده - في كتابه "الهداية" أنّه إذا قال في "الهداية": "هذا الحديث محمول على المعنى الفلاني" يريد به قد حمله على هذا المعنى أئمة الحديث. وإذا قال: "يحمل" يريد: أنّه يحمل على هذا المعنى، ولم يحمله أهل الحديث على هذا المعنى.

стр. 1113

وأن دأبه أن يقول: "لما بينا (١) " في الدليل العقلي، و "لما تلونا" في الدليل الثابت بالكتاب، و "لما روينا" في الثابت بالسنة والأثر؛ أي: الثابت بقول الصحابة، ولا يفرق بين الأثر والخبر، ويقول فيهما "لما روينا"، و "لما ذكرنا" فيما هو أعم. (وأن دأبه أن) (٢) لا يذكر الفاء في جواب "أما" اعتمادًا لظهور المعنى. وأن دأبه أنّه أورد النظير لمسألة، ثم أشار إلى النظير لمسألة، ثم أشار إلى النظير بأسماء الإشارة التي استعملت للبعد وإلى الأول بالتي للقرب. وأن دأبه أن يعبر عن الدليل العقلي بالفقه ويقول: "الفقه فيه كذا". وأن دأبه إذا قال: "عن فلان" يريد به: الرواية عن ذلك الفلان، وإذا قال: "عند فلان" يريد به أنّه مذهبه وأنَّه يرضى الجواب الآخر كائنًا من كان. وأن دأبه إذا ذكر قدّام لفظه: "قال ﵀" يريد نفسه، ولم يذكر بصيغة المتكلم احترازًا عن الأنانية. وأن دأبه أن يذكر أولًا مسائل "القُدُوري"، ثم يذكر مسائل "الجامع الصَّغير" في آخر الباب. وأن دأبه أنّه إذا كان نوع مخالفة بين عبارة "القُدُوري" وعبارة "الجامع الصَّغير" يصرح بلفظ "الجامع الصغير". ومن دأبه أن يجيب السؤال المقدَّر ولا يصرِّح السؤال، ولا يقول: "فإن قيل كذا قلنا كذا".

стр. 1114

نعم ذكر في المجلد الأخير في ثلاثة مواضع: "فإن قيل كذا قلنا" صريحًا في كتاب أدب القاضي في موضعين، وفي كتاب الغصب في موضع واحد. وأن دأبه أنّه إذا قال: "والتخريج كذا" يريد به: تخريجه، وينسب تخريج غيره إلى صاحبه حيث قال في "الهداية" في فصل الحبس من كتاب أدب القاضي (١): فإن امتنع حبسه في كل دين لزمه بدلًا عن مال حصل في يده كثمن المبيع أو التزمه بعقد كالمهر والكفالة؛ لأنّه إذا حصل المال في يده (ثبت غناه) (٢)، وإقدامه على التزامه باختياره دليل يساره؛ إذ هو لا يلتزم إلا ما يقدر على أدائه، والمراد بالمهر معجله دون مؤجله، ولا يحبسه فيما سوى ذلك إذا قال: إني فقير؛ إلا أن يثبت غريمه أنَّ له مالًا فيحبسه؛ لأنّه لم يوجد دلالة اليسار، فيكون القول قول من عليه، وعلى المدعي إثبات غناه. ويروى أنّ القول لمن عليه في جميع ذلك؛ لأن الأصل هو العسرة، ويروى أنّ القول له إلا فيما بدله مال، وفي التفقه القول قول الزوج أنّه معسر، وفي إعتاق العبد المشترك القول للمعتق، والمسألتان يؤيدان القولين الأخيرين، والتخريج على ما قال في الكتاب أنّه ليس بدين مطلق، بل هو صلة حتى تسقط النفقة بالموت على الاتفاق، وكذا عند أبي حنيفة ضمان الإعتاق. قال في "العناية": قوله: ويروى أنّ القول له إلا فيما بدله مال، وهو يروي (٣) عن أبي حنيفة وأبي يوسف لأنّه عرف دخول شيء في ملكه وزواله محتمل فكان القول للمدعي، وما لم يكن بدله مالًا كالمهر وبدل الخُلع وما أشبه ذلك فالقول فيه قول المدعي عليه؛ لأنّه لم يدخل في ملكه شيء فذلك ثلاثة أقوال.

стр. 1115

وفي المسألة قولان آخران؛ أحدهما أنّ ما كان سبيله سبيل البر والصلة فالقول قول المدعي عليه، كما في نفقة المحارم، والآخر أن يحكم بحكم الزي إن كان زيه زي الفقراء كان القول له، وإن كان زي الأغنياء كان القول للمدعي إلا في أهل العلم والأشراف كالعلوية والعبَّاسية، فإنهم يتكلفون في الزي مع حاجتهم حتى لا يذهب ماء وجههم فلا يكون الزي دليل اليسار. وقوله: وفي النفقة بيان لما هو (١) المحفوظ من الرواية، ذكر في كتاب النكاح أنّ المرأة إذا ادعت على زوجها أنّه موسر وادعت نفقة الموسرين، وزعم الزوج أنّه معسر وعليه نفقة المعسرين؛ فالقول قول الزوج. وفي كتاب العتاق: أنّ أحد الشريكين إذا أعتق نصيبه من العبد وزعم أنّه معسر كان القول قوله، وهاتان المسألتان يؤيدان القولين الأخيرين، أما تأييدهما للذي كان القول فيه لمن عليه في جميع ذلك فلأنه جعل القول قول الزوج، والمولى مع أنهما باشرا عقد النكاح والإعتاق فلو كان الصحيح ما ذكر أولًا كان القول قول المرأة والشريك الساكت في دعوى اليسار، وأما تأييدهما للذي كان القول لمن عليه إلا فيما بدله مال فلأنه لما لم يكن بدل المهر وبدل ضمان الإعتاق مالًا فقد جعل القول قول من عليه، فعلم أنّ الصحيح هو القولان الأخيران. وقوله: والتخريج على ما قاله في الكتاب؛ يعني: القُدُوري، جواب عن المسألتين نصرة للمذكور فيه. وتقريره: أنّ النفقة على تأويل الإنفاق ليس بدين مطلق (٢)، بل هو صلة حتى تسقط فيه معنى الصلة، ولهذا سقط بالموت بالاتفاق، وقد تقدم أنّ الدِّين الصحيح

стр. 1116

هو ما لا يسقط إلا بإبراء من له الدِّين أو بإيفاء من عليه، وكذا ضمان الإعتاق عند أبي حنيفة ﵀، وحينئذ لا يرد نقضًا على ما في الكتاب، وهو قوله: حبسه في كل دين لزمه بدلًا عن مال أو التزمه بعقد؛ لأنّه يحصل الاستدلال على القدرة؛ لأنّه إذا علم أنّه لا يحصل الخلاص منه في حياته ومماته من جهته إلا بإيفاء وأقدم عليه دلَّ على أنّه قادر عليه. وقال في "الهداية" في باب التحالف من كتاب الدعوى: ويبدأ بيمين الزوج عند أبي حنيفة ومحمَّد؛ تعجيلًا لفائدة النكول كما في المشتري، وتخريج الرَّازِي بخلافه، وقد استقصيناه في النكاح. وذكر في كتاب النكاح أيضًا: قال وإن كان مهر مثلها ألفًا وخمسمئة تحالفا وإذا تحالفا يجب ألفًا وخمسمئة، وهذا تخريج الرَّازِي، وقال الكَرْخي: يتحالفان في الفصول الثلاثة، ثم يحكم مهر المثل بعد ذلك. وهذا بظاهره يدل على أنّ صاحب "الهداية" طبقته طبقة أصحاب التخريج، ولكن المولى العلامة ابن كمال باشا قد عدَّه من أصحاب الترجيح في "رسالته في أنَّ أولاد البنت (١) تدخل في الأولاد" حيث قال في ذيل هذه (٢) الرسالة: الطبقة الخامسة طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين كأبي الحسن القُدُوري وصاحب "الهداية"، وقد مر تفضيل الطبقات في ذكر علي الرَّازِي في الكتيبة الثامنة. وفي الفصل الأول من "العمادية" قال: وفي فوائد جدي شيخ الإسلام برهان الدِّين ﵀: الوكيل بالبيع إذا باع ومات فحق مطالبة الثمن تكون لورثته أو لوصيه.

стр. 1117

وعلى حاشية "الجامع الصَّغير" بخط شيخ الإسلام جلال الدِّين الأُسْتُرُوْشَني وكان تلمذ على جدي وبلغ في الفقاهة مبلغًا عظيمًا: والوكيل بالبيع والشراء إذا غاب أو ارتد أو مات ترجع الحقوق إلى الموكل، وهذا موافق لرواية ما دون "المحيط" كما مر. وفي "العمادية" أيضًا (١) في الفصل الثالث (٢) والعشرين قال: وفي فوائد بعض السلف: أمر بدست زن نهاد كه بي جنايت نزند زن در بيش زنان ديكر. كفت: كي اكر شوي شما مردست شوي من باري مرد نيست فضربها الزوج. قال: هذا جناية منها لا يكون الأمر بيدها. وفي "فوائده" أيضًا: جعل أمرها بيدها إن ضربها بغير جناية شرعية، فجنت جناية شرعية فضربها، فطلقت المرأة نفسها بحكم الأمر، فقال الزوج: إني ضربتك لأجل الجناية الأولى فليس لك أن تطلقي نفسك، فالقول قول من؟ أجاب ﵀: إنّ القول قول الزوج. هاتان عن الإمام جلال الدِّين والد مجد الدِّين الأُسْتُرُوْشَني إلى هنا من "العمادية". وفي الفصل السادس والعشرين قال: وذكر في "الذخيرة": إذا باع الراهن الرهن بغير إذن المرتهن ثم باعه من المرتهن جاز البيع من المرتهن وينقض للبيع (٣) الأول، وكذلك المؤجر إذا باع المستأجر من رجل بغير إذن المستأجر ثم باعه من المستأجر جاز البيع من المستأجر وهو نقض للبيع الأول.

стр. 1118

وسمعت من أثق به يحكي عن الشَّيخ الإمام جلال الدِّين محمَّد بن شيخ الإسلام برهان الدِّين: وكذلك هذا في البيع الجائز المعروف ببيع الوفاء؛ إذا باعه البائع من رجل بيعًا بغير إذن المشتري ثم باعه من المشتري بيعًا باتًا نفذ البيع الثاني وبطل (١) الأول. وفي فوائد صاحب "المحيط": المؤجر إذا باع المستأجر من رجل ثم باعه من المستأجر أفتى صاحب "المحيط": أنّه ينفذ البيع الثاني دون الأول؛ لأن البيع الأول موقوف والثاني بات فيبطله، وقال غيره من المتأخرين: ينفذ البيع الأول، وبه أفتى الإمام فخر الدِّين رحمه الله تعالى، وقال واحد من الثقات: رأيت رواية أنّه ينفذ البيع الأول دون الثاني. وفي "العمادية" أيضًا في الفصل العشرين: "فروشنده بيع جائز يا خرنده بيع جائز در وقتي كه بيع را هنوز فسخ نكرده اند مال بر مقداري صلح كرند آن صلح درست بودياني؟. ينبغي أن لا يصح لما ذكرنا أنّ المال لم يجب بعد على البائع وإنّما يجب بعد الفسخ، فلم يكن على البائع دين فلا يصح الصلح، وسمعت من أثق به أنّه وقعت هذه المسألة في زمان أعمامي، واتفقت أجوبة (٢) أولاد جدي شيخ الإسلام برهان الدِّين أنّه لا يصح الصلح. وفي "الهداية" في كتاب الشهادات: قال أبو حنيفة ﵀: يقتصر الحاكم على ظاهر العدالة في المسلم، ولا يسأل حتى يطعن الخصم، وقال أبو يوسف ومحمَّد رحمهما الله: لابد أن يسأل عنهم في السر والعلانية في سائر الحقوق؛ لأن القضاء مبناه

стр. 1119

على الحجة، وهي شهادة العدول، فيتعرف عن العدالة، وفيه صون قضائه عن البطلان. وقيل هذا اختلاف عصر وزمان، والفتوى على قولهما في هذا الزمان؛ يعني: أنّ أبا حنيفة أجاب في زمانه وكان الغالب منهم عدولًا، وهما أجابا في زمانهما وقد تغير النّاس وكثر الفساد، ولو شاهد ذلك أبو حنيفة لقال بقولهما، ولهذا قال: والفتوى على قولهما. وكذا في "الهداية" في كتاب الإكراه: الإكراه يثبت حكمه إذا حصل ممن يقدر على إيقاع ما يوعد به سلطانًا كان أو لصًّا، والذي قاله أبو حنيفة أنّ الإكراه لا يتحقق إلا من السُّلطان لما أنّ المنعة له والقدرة لا تتحقق بدون المنعة، فقد قالوا: هو اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجة وبرهان، فلم تكن القدرة في زمنه إلا للسلطان ثم بعد ذلك تغير الزمان وأهله. وكذا في "الهداية": في كتاب الغصب في فصل ما يتغير بعمل الغاصب: ولو صبغه أسود فهو نقصان عند أبي حنيفة، وعندهما زيادة، وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان، وقال السِّغْنَاقِي: فأبوا حنيفة أجاب على ما شاهد في عصره من عادة بني أمية وقد كانوا ممتنعين من لبس السواد، وقد كان أبو يوسف يقول أولًا بقول أبي حنيفة فلما قلد القضاء أمر بلبس السواد احتاج إلى التزام مؤنة في ذلك فرجع وقال: السواد زيادة. وفي "العمادية" في الفصل العاشر قال: ذكر جدي في "التجنيس": إذا آجر المتولي أرضًا موقوفة وبنى المستأجر فيها بناء (١)، فأراد غيره أن يزيد في الغلة ويخرج الأول، فإن آجرها مشاهرة، فإذا جاء رأس الشهر كان للمتولى أن يفسخ الإجارة؛ لأن الإجارة إذا كانت مشاهرة تنعقد عند كل رأس شهر، ثم بعد فسخ الإجارة؛ ينظر إن كان رفع البناء لا يضر بالوقف يرفع البناء؛ لأنّه ملكه، ويجبر على الرفع إذا لم يرفع هو، وإن كان

стр. 1120

رفعه يضر بالوقف (١) فليس للباني رفعه؛ لأنّه وإن كان ملكه فليس له أن يضر بالوقف. ثم إذا كان رفعه يضر بالوقف فهذا على وجهين إن رضي المستأجر أن يأخذ المتولى بناه للوقف بقيمته منزوعًا أو مبنيًا أيهما كانت أقل أو لم يرض، فإن رضي فللقيم أن يدفع إليه أقل القيمتين ويتملك بناءه لأجل الوقف، وإن لم يرض لا يتملكه (٢) لأجل الوقف؛ لأن التملك بغير رضاه لا يجوز، فيؤاجره من غيره ويبقى الثاني إلى أن يتخلص ملكه، ولا يكون بناء المستأجر مانعًا من صحة الإجارة من غيره؛ لأنّه لا يد له على ذلك البناء حتى لا يملك رفعه. وذكر فيه أيضًا: حانوت وقف عمارته للآخر أبي صاحب العمارة أن يستأجره بأجر مثله، وإن كانت العمارة لو رفعت يستأجر بأكثر مما استأجره كلف رفع العمارة ويؤاجر من غيره؛ لأن النقصان عن أجر المثل لا يجوز إلا عن ضرورة، وإن كانت العمارة لو رفعت لا يستأجر بأكثر مما استأجره يترك في يده. وذكر في "مجموع النوازل": سئل نجم الدِّين النَّسَفِي، عن أرض وقف عليها بناء مملوك، وكان صاحب السكني قد استأجر الأرض بأجر معلوم هو أجر مثلها يومئذ وبعد زمان تبدل صاحب البناء والمتولي، ويريد صاحب البناء أن يؤدي مثل تلك الأجرة التي كانت في الماضي، والمتولي الجديد لا يرضى إلا بأجر المثل الآن، هل للمتولي ذلك؟ قال: نعم. وفي "الذخيرة": إذا استأجر أرض وقف ثلاث سنين بأجرة معلومة هي أجر المثل حتى جازت الإجارة، فرخصت أجرتها لا تفسخ الإجارة، وإذا ازداد أجر مثلها بعد مضي مدة؛ على رواية فتاوى أهل سمرقند لا يفسخ العقد، وعلى رواية "شرح

стр. 1121

الطَّحَاوي" يفسخ ويجدد العقد وإلى وقت الفسخ يجب المسمى لما مضى، ولو كانت الأرض بحال لا يمكن فسخ العقد فيها بأن كان فيها زرع لم يستحصد فإلى وقت زيادته يجب المسمى بقدره، وبعد الزيادة إلى تمام السنة يجب أجر مثلها، وزيادة الأجرة تعتبر عند الكل حتى لو زاد واحد متعنتًا لا تعتبر هذه الزيادة. واختار القاضي الإمام فخر الدِّين رواية الطَّحَاوِي في فتاويه، وقال: بأنه يفسخ العقد إذا زادت الأجرة، وذكر جدي شيخ (١) الإسلام برهان الدِّين في "التجنيس": أنّه لا تفسخ الإجارة وإن ازدادت (٢) الأجرة؛ لأن أجر المثل يعتبر وقت العقد، ووقت العقد المسمى كان أجر المثل. إلى هنا من "العمادية". وكذا ذكره المفتي مجد الدِّين محمَّد الأُسْتُرُوْشَني في "فصوله" في الفصل الثالث عشر، انتهى] (٣). * * * [٤١٢ - الصَّدر الكبير محمود ابن مازه (٤)] الشَّيخ الإمام الصَّدر الكبير برهان الدِّين، مفتي المشارق والمغارب، مجمع الفضائل والمناقب محمود بن الصَّدر السَّعيد تاج الدِّين أحمد بن الصَّدر الماضي برهان الدِّين الكبير عبد العزيز بن عُمَر بن مازه صاحب "المحيط البرهاني"، ووالد صدر الإسلام طاهر بن محمود.

стр. 1122

كان من كبار الأئمَّة، وأعيان فقهاء الأمة، إمامًا ورعًا مجتهدًا متواضعًا (عالمًا عاملًا فاضلًا كاملًا) (١)، له اليد الباسطة في الخلاف والمذهب (٢)، وله الباع الممتد في حسن الكلام، (ومعرفة الأدب، حسن النظر، جميل الطريقة، مصيب الفكر، غواص على المعاني الدقيقة) (٣)، بحر زاخر، وحبر (٤) فاخر، ورث العلوم كابرًا عن كابر، أبوه وجده وجد أبيه كلهم كانوا صدور العلماء والأكابر. أخذ العلم عن أبيه الصَّدر (٥) السَّعيد تاج الدِّين أحمد (٦) بن برهان الدِّين الكبير، وعن عمه الصَّدر الشَّهيد حسام الدِّين عُمَر بن برهان الدِّين الكبير عبد العزيز بن عُمَر بن مازه، وهما قد أخذا عن أبيهما المذكور عبد العزيز بن عُمَر تلميذ شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، وهو أخذ عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، (عن القاضي الإمام أبو علي النَّسَفِي، عن الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن الأستاذ عبد الله بن السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى) (٧). تفقَّه عليه ابنه صدر الإسلام طاهر بن محمود صاحب التصانيف التي سارت الشمس في العالم، (حاوي الفنون) (٨)، شجيته التأليف والإفتاء وحل مشكلات

стр. 1123

الأمم، ترد الفتاوى عليه من أقطار الأرض وترد إليه بعضها على بعض، انتهت إليه رياسة المذهب (بما وراء النهر، وكان العلماء كالجداول وكأنه هو البحر) (١). ومن تصانيفه "المحيط البرهاني"، و"الذخيرة البرهانية"، و "الفوائد"، و"التجريد"، و "شرح الجامع الصغير"، و "الزيادات"، و "شرح أدب القاضي"، و "الفتاوى"، و "الواقعات"، وغير ذلك. قال ابن قُطْلُوبُغا في التراجم: محمود بن أحمد عبد العزيز أبو المعالي، له "كتاب تتمة الفتاوى"، هكذا في النسخ التي بأيدينا، وذكره عبد القادر في محمَّد بن أحمد، انتهى. وله "الطريقة البرهانية". [وفي "المصفى شرح المنظومة النَّسَفية" في باب أبي حنيفة، في كتاب أدب القاضي: قضاء القاضي في العقود والفسوخ بشهادة الزور ينفذ ظاهرًا وباطنًا، وقالا: ينفذ باطنًا، صورة المسألة في العقود كثيرة، منها إذا ادَّعى على امرأة نكاحًا وهي تجحد وأقام عليها شاهدي زور، وقضى القاضي بالنكاح بينهما، حلَّ للرجل وطؤها وحلَّ للمرأة التمكين (٢) منه، وعندهما لا يحل لهما ذلك. وصورة المسألة أيضًا في الفسوخ كثيرة، منها إذا ادعى أحد المتبايعين فسخ العقد وأقام بينة زور، ففسخ القاضي، يحل للبائع وطء الجارية ظاهرًا وباطنًا، كذا في "الذخيرة البرهانية". وقوله: "ظاهرًا" أي: فيما بيننا، "وباطنًا" أي: فيما بينه وبين الله تعالى.

стр. 1124

وذكر في "الطريقة البرهانية" تفسير النفاذ ظاهرًا: أن يسلم المرأة إلى الرجل ويقول: سلمي نفسك إليه، وتفسير النفاذ باطنًا: أن يحل له وطؤها ويحل لها التمكين، قال: وهذا إذا كان الدعوى بسبب معين كالشراء والهبة، أما في الأملاك المرسلة ينفذ ظاهرًا لا باطنًا بلا خلاف، كذا في هذه "الطريقة" (١)] (٢). قال في أول "المحيط البرهاني": قال العبد الضعيف الراجي لفضل الله، الخائف (من عدله) (٣)، المعتمد على كرمه، محمود بن الصَّدر الكبير تاج الدِّين أحمد بن برهان الأئمَّة عبد العزيز بن عُمَر بن مازه رحمهم الله تعالى: إنّ معرفة أحكام الدِّين من أشرف المناصب وأعلاها … إلى أن قال: وجمعت مسائل "المبسوط" و"الجامعين" و "السير" و "الزيادات"، وألحقت بها مسائل "النوادر" و "الفتاوي" و "الواقعات"، وضممت إليها من "الفوائد" التي استفدتها من سيدي ومولاي والدي تغمَّده الله برحمته، والدقائق التي حفظتها من مشايخ زماني. وفصلت الكتب تفصيلًا، وجنست المسائل تجنيسًا، وأيدت أكثر المسائل بدلائل، عوَّل عليها المتقدمون، واعتمدها المتأخرون، وسميت الكتاب بـ "المحيط". [ورأيت في "جامع أحكام الصغار" لمجد الدِّين المفتي محمَّد بن محمود بن الحسين الأُسْتُرُوْشَني قال: ذكر الصَّدر الإمام الأجَل برهان الدِّين ﵀ في بيان أحكام الماء المستعمل من "المحيط"، ورأيته أيضًا في "المحيط" في الموضع الذي عينه وهو "المحيط البرهاني": إذا أدخل الصبي يده في الإناء على قصد إقامة القربة هل يصير الماء مستعملًا؟

стр. 1125

لا ذِكْر لهذه المسألة في شيء من الكتب، وقد وصل إلينا أنّ هذه المسألة صارت واقعة الفتوى، واختلف فيها فتوى الصَّدر الشَّهيد حسام الدِّين عمي، وفتوى القاضي الإمام جمال الدِّين الرِّيْغْذَمُوني خالي، والأشبه أنّه يصير مستعملًا إذا كان الصبي عاقلًا لأنّه من أهل القربة، ولهذا صح إسلامه وصحت عبادته، حتى يؤمر بالصلاة إذا بلغ سبعًا، ويضرب عليها إذا بلغ عشرًا. وفي "المحيط البرهاني" قبيل نوع الاغتسال من كتاب الطهارات: كره بعض مشايخنا دفع المصحف واللوح الذي عليه القرآن إلى الصبيان، وعامة مشايخنا لم يروا به بأسًا لأنهم غير مخاطبين بالوضوء، وفي التأخير تضييع القرآن. ورأيت في "العمادية" في آخر الفصل الحادي والعشرين: حكي عن القاضي الإمام جلال الدِّين حامد بن محمَّد الرِّيْغْذَمُوني وهو كان خال صاحب "المحيط" أنّه قال: ذكر الحاكم الشهيد في "المختصر": أنّ حكم الجناية يسري من الأمة إلى الولد، وأشار محمَّد في الباب الثاني من هذا "الجامع": أنّ حق المجني عليه يسري إلى ولد الجناية. ذكره هكذا صاحب "المحيط" في "ذخيرته"، انتهى. ورأيت في "العمادية" أيضًا في الفصل التاسع عشر: استفتى الصَّدر السَّعيد تاج الإسلام أحمد بن عبد العزيز بن عمر والقاضي الإمام صدر الأئمَّة أحمد بن محمَّد بن محمَّد، والشَّيخ الإمام ظهير الدِّين الحسن بن علي بن عبد العزيز المَرْغِيْنَاني، والشَّيخ الإمام علاء الدين عُمر بن عثمان السَّمَرْقندي المعروف ببدر رحمهم الله تعالي: "اندر آنكه مردي ملكي خريد ازديكري بشرط آنكه هو وقتي كه اين بائع بها بوي بازد هد مشتري مبيع بازد هديا بدان شرط كه جون بها بازد هد فلا بيع بينهما وقبض كردند بين بيع مبيع ملك مشتري شود ياني".
следующие страницы →