الطَّحَاوي" يفسخ ويجدد العقد وإلى وقت الفسخ يجب المسمى لما مضى، ولو كانت الأرض بحال لا يمكن فسخ العقد فيها بأن كان فيها زرع لم يستحصد فإلى وقت زيادته يجب المسمى بقدره، وبعد الزيادة إلى تمام السنة يجب أجر مثلها، وزيادة الأجرة تعتبر عند الكل حتى لو زاد واحد متعنتًا لا تعتبر هذه الزيادة.
واختار القاضي الإمام فخر الدِّين رواية الطَّحَاوِي في فتاويه، وقال: بأنه يفسخ العقد إذا زادت الأجرة، وذكر جدي شيخ (١) الإسلام برهان الدِّين في "التجنيس": أنّه لا تفسخ الإجارة وإن ازدادت (٢) الأجرة؛ لأن أجر المثل يعتبر وقت العقد، ووقت العقد المسمى كان أجر المثل. إلى هنا من "العمادية".
وكذا ذكره المفتي مجد الدِّين محمَّد الأُسْتُرُوْشَني في "فصوله" في الفصل الثالث عشر، انتهى] (٣).
* * *
[٤١٢ - الصَّدر الكبير محمود ابن مازه (٤)]
الشَّيخ الإمام الصَّدر الكبير برهان الدِّين، مفتي المشارق والمغارب، مجمع الفضائل والمناقب محمود بن الصَّدر السَّعيد تاج الدِّين أحمد بن الصَّدر الماضي برهان الدِّين الكبير عبد العزيز بن عُمَر بن مازه صاحب "المحيط البرهاني"، ووالد صدر الإسلام طاهر بن محمود.
стр. 1122
كان من كبار الأئمَّة، وأعيان فقهاء الأمة، إمامًا ورعًا مجتهدًا متواضعًا (عالمًا عاملًا فاضلًا كاملًا) (١)، له اليد الباسطة في الخلاف والمذهب (٢)، وله الباع الممتد في حسن الكلام، (ومعرفة الأدب، حسن النظر، جميل الطريقة، مصيب الفكر، غواص على المعاني الدقيقة) (٣)، بحر زاخر، وحبر (٤) فاخر، ورث العلوم كابرًا عن كابر، أبوه وجده وجد أبيه كلهم كانوا صدور العلماء والأكابر.
أخذ العلم عن أبيه الصَّدر (٥) السَّعيد تاج الدِّين أحمد (٦) بن برهان الدِّين الكبير، وعن عمه الصَّدر الشَّهيد حسام الدِّين عُمَر بن برهان الدِّين الكبير عبد العزيز بن عُمَر بن مازه، وهما قد أخذا عن أبيهما المذكور عبد العزيز بن عُمَر تلميذ شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، وهو أخذ عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، (عن القاضي الإمام أبو علي النَّسَفِي، عن الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن الأستاذ عبد الله بن السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى) (٧).
تفقَّه عليه ابنه صدر الإسلام طاهر بن محمود صاحب التصانيف التي سارت الشمس في العالم، (حاوي الفنون) (٨)، شجيته التأليف والإفتاء وحل مشكلات
стр. 1123
الأمم، ترد الفتاوى عليه من أقطار الأرض وترد إليه بعضها على بعض، انتهت إليه رياسة المذهب (بما وراء النهر، وكان العلماء كالجداول وكأنه هو البحر) (١).
ومن تصانيفه "المحيط البرهاني"، و"الذخيرة البرهانية"، و "الفوائد"، و"التجريد"، و "شرح الجامع الصغير"، و "الزيادات"، و "شرح أدب القاضي"، و "الفتاوى"، و "الواقعات"، وغير ذلك.
قال ابن قُطْلُوبُغا في التراجم: محمود بن أحمد عبد العزيز أبو المعالي، له "كتاب تتمة الفتاوى"، هكذا في النسخ التي بأيدينا، وذكره عبد القادر في محمَّد بن أحمد، انتهى.
وله "الطريقة البرهانية".
[وفي "المصفى شرح المنظومة النَّسَفية" في باب أبي حنيفة، في كتاب أدب القاضي: قضاء القاضي في العقود والفسوخ بشهادة الزور ينفذ ظاهرًا وباطنًا، وقالا: ينفذ باطنًا، صورة المسألة في العقود كثيرة، منها إذا ادَّعى على امرأة نكاحًا وهي تجحد وأقام عليها شاهدي زور، وقضى القاضي بالنكاح بينهما، حلَّ للرجل وطؤها وحلَّ للمرأة التمكين (٢) منه، وعندهما لا يحل لهما ذلك.
وصورة المسألة أيضًا في الفسوخ كثيرة، منها إذا ادعى أحد المتبايعين فسخ العقد وأقام بينة زور، ففسخ القاضي، يحل للبائع وطء الجارية ظاهرًا وباطنًا، كذا في "الذخيرة البرهانية".
وقوله: "ظاهرًا" أي: فيما بيننا، "وباطنًا" أي: فيما بينه وبين الله تعالى.
стр. 1124
وذكر في "الطريقة البرهانية" تفسير النفاذ ظاهرًا: أن يسلم المرأة إلى الرجل ويقول: سلمي نفسك إليه، وتفسير النفاذ باطنًا: أن يحل له وطؤها ويحل لها التمكين، قال: وهذا إذا كان الدعوى بسبب معين كالشراء والهبة، أما في الأملاك المرسلة ينفذ ظاهرًا لا باطنًا بلا خلاف، كذا في هذه "الطريقة" (١)] (٢).
قال في أول "المحيط البرهاني": قال العبد الضعيف الراجي لفضل الله، الخائف (من عدله) (٣)، المعتمد على كرمه، محمود بن الصَّدر الكبير تاج الدِّين أحمد بن برهان الأئمَّة عبد العزيز بن عُمَر بن مازه رحمهم الله تعالى:
إنّ معرفة أحكام الدِّين من أشرف المناصب وأعلاها … إلى أن قال: وجمعت مسائل "المبسوط" و"الجامعين" و "السير" و "الزيادات"، وألحقت بها مسائل "النوادر" و "الفتاوي" و "الواقعات"، وضممت إليها من "الفوائد" التي استفدتها من سيدي ومولاي والدي تغمَّده الله برحمته، والدقائق التي حفظتها من مشايخ زماني.
وفصلت الكتب تفصيلًا، وجنست المسائل تجنيسًا، وأيدت أكثر المسائل بدلائل، عوَّل عليها المتقدمون، واعتمدها المتأخرون، وسميت الكتاب بـ "المحيط".
[ورأيت في "جامع أحكام الصغار" لمجد الدِّين المفتي محمَّد بن محمود بن الحسين الأُسْتُرُوْشَني قال: ذكر الصَّدر الإمام الأجَل برهان الدِّين ﵀ في بيان أحكام الماء المستعمل من "المحيط"، ورأيته أيضًا في "المحيط" في الموضع الذي عينه وهو "المحيط البرهاني": إذا أدخل الصبي يده في الإناء على قصد إقامة القربة هل يصير الماء مستعملًا؟
стр. 1125
لا ذِكْر لهذه المسألة في شيء من الكتب، وقد وصل إلينا أنّ هذه المسألة صارت واقعة الفتوى، واختلف فيها فتوى الصَّدر الشَّهيد حسام الدِّين عمي، وفتوى القاضي الإمام جمال الدِّين الرِّيْغْذَمُوني خالي، والأشبه أنّه يصير مستعملًا إذا كان الصبي عاقلًا لأنّه من أهل القربة، ولهذا صح إسلامه وصحت عبادته، حتى يؤمر بالصلاة إذا بلغ سبعًا، ويضرب عليها إذا بلغ عشرًا.
وفي "المحيط البرهاني" قبيل نوع الاغتسال من كتاب الطهارات: كره بعض مشايخنا دفع المصحف واللوح الذي عليه القرآن إلى الصبيان، وعامة مشايخنا لم يروا به بأسًا لأنهم غير مخاطبين بالوضوء، وفي التأخير تضييع القرآن.
ورأيت في "العمادية" في آخر الفصل الحادي والعشرين: حكي عن القاضي الإمام جلال الدِّين حامد بن محمَّد الرِّيْغْذَمُوني وهو كان خال صاحب "المحيط" أنّه قال: ذكر الحاكم الشهيد في "المختصر": أنّ حكم الجناية يسري من الأمة إلى الولد، وأشار محمَّد في الباب الثاني من هذا "الجامع": أنّ حق المجني عليه يسري إلى ولد الجناية. ذكره هكذا صاحب "المحيط" في "ذخيرته"، انتهى.
ورأيت في "العمادية" أيضًا في الفصل التاسع عشر: استفتى الصَّدر السَّعيد تاج الإسلام أحمد بن عبد العزيز بن عمر والقاضي الإمام صدر الأئمَّة أحمد بن محمَّد بن محمَّد، والشَّيخ الإمام ظهير الدِّين الحسن بن علي بن عبد العزيز المَرْغِيْنَاني، والشَّيخ الإمام علاء الدين عُمر بن عثمان السَّمَرْقندي المعروف ببدر رحمهم الله تعالي: "اندر آنكه مردي ملكي خريد ازديكري بشرط آنكه هو وقتي كه اين بائع بها بوي بازد هد مشتري مبيع بازد هديا بدان شرط كه جون بها بازد هد فلا بيع بينهما وقبض كردند بين بيع مبيع ملك مشتري شود ياني".
стр. 1126
كتب برهان الدِّين صاحب "المحيط" عن أبيه الإمام تاج الدِّين: شود، والله أعلم تمام المسألة مذكورة في ذكر الصَّدر السعيد.
وفي "العمادية" أيضًا في الفصل الثاني والعشرين: لو قال لامرأته: "ترا طلاق بي زيان من"، ينبغي أن تبري ذمة الزوج أولًا عن المهر حتى يقطع الطلاق.
وذكر في مسائل الأمر باليد: لو جعل أمرها بيدها، وقال: "بي زيان من"، فإذا وجد الشرط فعليها أن تبري ذمة الزوج أولًا، ثم تطلق نفسها حتى الطلاق. كذا أجاب جدي شيخ الإسلام برهان الدِّين والصدر الكبير صاحب "المحيط".
وفي "العمادية" أيضًا في الفصل السابع والعشرين: ذَكَر في "الصغرى": الوصي إذا اشترى مال اليتيم لنفسه يجوز إذا كان خيرًا لليتيم، وتفسير الخيرية: أن يشتري ما يساوي عشرة بخمسة عشر فصاعدًا، أو يبيع منه مال نفسه ما يساوي خمسة عشر بعشرة فهو خير، وبما فوقها لا، وبه يفتى.
وذكر في "الصغرى": بيع الوصي عقار اليتيم ولم يشترط (١) في الكتاب شيئًا آخر، قال شمس الأئمَّة الحَلْوَاني: هذا جواب السلف، أما جواب المتأخرين أنّه إنّما يجوز بأحد شرائط ثلاث: إما أن يرغب فيه أحد بضعف القيم، أو للصغير حاجة إلى ثمنه، أو على الميت دين ولا مال إلا هذا، وبه يفتى، هكذا رأيت المسألة في "الواقعات البرهانية".
وفي "الفصول الأُسْتُرُوشينيَّة" في الفصل الثالث والعشرين، نقلًا عن "فتاوى قاضي خان": لو باع رجل عقارًا أو ضيعة لولده الصَّغير بمثل قيمتها أو بغبن يسير، قالوا: إن كان الأب محمودًا عند النّاس أو مستور الحال جاز بيعه، ولا يكون للولد أن
стр. 1127
يبطل ذلك البيع بعد البلوغ، لكنه يطلب الثمن عن والده؛ فإن قال الأب: ضاع الثمن، أو أنفقت عليك، وذلك نفقة مثله في تلك المدة يُقبل قوله، وإن كان الأب فاسدًا لا يجوز بيعه، وللابن أن ينقض بيعه إذا بلغ، إلا أن يكون البيع خيرًا للصغير؛ لأن الأب إذا كان محمودًا أو مستورًا فالظاهر منه مباشرة البيع على وجه الخيرية، بخلاف ما إذا كان فاسدًا.
وهكذا ذكر صاحب "المحيط" هذه المسألة في "الزيادات"، وعلل في الوجهين الأولين فقال: إنّ للأب شفقة كاملة، ولم يعارض هذا المعنى معنى آخر، فكان هذا البيع نظرًا فيجوز، وقال في الوجه الثالث: لا يجوز إلا إذا كان خيرًا للصغير بأن يبيع بضعف القيمة؛ لأنّه عارض ذلك المعنى معنى آخر، فلم يكن هذا البيع نظرًا فلا يجوز.
وإن باع الأب غير الضياع والعقار فكذا الجواب، إلا أنّ الأب إذا كان مفسدًا ففي جواز بيعه روايتان؛ في رواية يجوز بيعه ويؤخذ الثمن منه، ويوضع على يدي عدل؛ صيانة لمال الصغير، وفي رواية لا يجوز بيعه إلا أن يكون خيرًا للصغير، وذلك بأن يبيع الشيء بضعف قيمته، وعليه الفتوى.
وفي "الأُسْتُرُوشَنية" أيضًا في الفصل السادس عشر، وذكر في "شرح الجامع الصَّغير" لصاحب "المحيط": والصحيح أنّ دعوى العبد عند أبي حنيفة ﵀ شرط في حرية الأصل وفي العتق العارض، وأن التناقض لا يمنع صحة الدعوى ولا صحة الشهادة، لا في حرية الأصل ولا في العتق العارض، وينظر تمام هذا في باب الاستحقاق من بيوع "الجامع الصغير".
وذكر في متفرقات شهادات "المحيط": لا تقبل البينة على عتق العبد بدون الدعوى عند أبي حنيفة، خلافًا لهما، وتقبل في عتق الأمة وطلاق المرأة حسبة من
стр. 1128
غير الدعوى، ولا يحلف على عتق العبد حسبة بدون الدعوى بالاتفاق، وهل يحلف على عتق الأمة وطلاق المرأة (حسبة بدون الدعوى؟) (١)، أشار محمَّد ﵀ في آخر كتاب التحري إلى أنّه يحلف، وهكذا ذكر في "شرح القُدُوري"، وذكر شمس الأئمَّة السَّرَخْسي ﵀ في مقدمة باب السلسلة أنّه يحلف، فليتأمل عند الفتوى.
وفي الفصل الثامن والعشرين من "العمادية": يجوز للقاضي نصب الوصي إذا كان الوارث غائبًا، وفي "شرح أدب القاضي" المنسوب إلى صاحب "المحيط": أنّ القاضي ينصب وصيًّا يدَّعي عليه، وإن لم يكن الوارث غائبًا.
وفي "الأُسْتُرُوْشَنية" أيضًا في الفصل التاسع عشر قال: رأيت في "فوائد" صاحب "المحيط" مؤنة رد المبيع في خيار الرؤية أو خيار الشرط على المشتري، قال: وذكر البَقَّالي: إذا اشترى الطعام وقبض وحمل إلى موضع آخر، ثم أراد أن يردَّه بعيب أو بخيار رؤية، ثم يرده إلى الموضع الذي جرى فيه العقد، ثم يرده بخيار رؤية أو عيب.
قال ﵀ في "فوائده": وقد وقعت هذه المسألة بسمرقند، وصورتها: رجل اشترى قطنًا في بلدة كَرْمِيْنية وحمل المبيع إلى سمرقند، ثم رآه في سمرقند، وأراد رده بخيار الرؤية أو العيب؛ أفتى مشايخ سمرقند أنَّ له أن يرده، وكتبت الجواب في الفتوى: ليس له أن يرده هنا، بل يرد المبيع إلى الموضع الذي جرى العقد، ويرده ثمَّة (٢).
وهكذا عرضت عليهم الرواية في البَقَّالي، فرجعوا عن ذلك.
وفي باب الإمامة من كتاب الصلاة في "المحيط البرهاني" قال: لا يكره الاقتداء بالإمام في النوافل مطلقًا نحو ليلة (٣) القدر والرغائب وليلة النصف من شعبان وليلة
стр. 1129
جمعة الرغائب وليلة القدر مع الجماعة، وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، خصوصًا إذا استمر في البلاد والأمصار؛ لأن العرف إذا استمر نزل منزلة الإجماع، وكذا العادة إذا استمرت واشتهرت.
في أكثر بلاد الإسلام يصلون الرغائب مع الإمام، وصلاة القدر ليلة القدر، وليالي رمضان؛ لكون القدر في رمضان، لكن غير معلوم في أي ليلة خصوصًا عند أبي حنيفة ليلة القدر دائرة، سنة تتقدم وسنة تتأخر، ولم يشتهر أن النبي ﷺ صلى ليلة النصف من شعبان وليلة جمعة الرغائب وليلة القدر مع الجماعة، ومع ذلك يصلي المؤمنون مع الجماعة في أكثر أمصار الموحدين وبلادهم مع الجماعة، وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن.
وفي تلك الصلوات مع الجماعات مصالح وفوائد، نحو رغبات المؤمنين والمؤمنات في تلك الصلوات، وإعطاء النفقات (١) من الدراهم والأطعمة والحلاوات وغير ذلك، وحصول الدراهم للأئمَّة المحتاجين في تلك الليالي.
وقد رخص بعض المتأخرين صلاة النوافل مع الجماعة مبنيًّا على هذه المصالح، ومنع بعض الفقهاء ذلك، لكن إفسادهم أكثر من إصلاحهم؛ لأن في المنع منع الصدقات، ومنع رغبة النّاس عن الحضور مع الجماعات، وتكثير الرغبة في الجماعة أنفع، ولما لم يقدروا العلماء منع السماع المحرم كيف يقدرون منع الصلاة مع الجماعة وإعطاء الصدقة من الدراهم والأطعمة ونحو ذلك، وذلك ليس مرضيًّا عقلًا وسمعًا، ومن أفتى بذلك فقد أخطأ في دعواه، فليذكر صلاة الاستفتاح وغيره، إلى هنا من "المحيط البرهاني".
ورأيت في "محيط رضي الدِّين السَّرَخْسي" في باب التطوع المطلق من كتاب
стр. 1130
الصلاة: ويكره التطوع بالجماعة ما خلا قيام رمضان وصلاة الكسوف؛ لقوله ﷺ "صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة (١) ".
ورأيت في "المحيط السَّرَخْسي" أيضًا في باب التراويح: صلوا تراويح (٢)، ثم أراد أن يصلوها ثانيًا يصلون فرادى؛ لأنّه تطوع، والتطوع بالجماعة مكروه.
ورأيت فيه أيضًا في باب ما يمنع صحة الاقتداء: ما لا يمنع نقلًا عن "النوادر": لو نذر رجل بصلاة، ورجل آخر نذر بتلك الصلاة التي نذر بها الأول، فاقتدى أحدهما بالآخر صح؛ لأنّه صلاة متحدة وجبت على كلِّ واحد بالتزامه، فيصير بمنزلة اقتداء المفترض بالمفترض في صلاة واحدة بعينها.
ولو أفسد كل واحد تطوعه، ثم اقتدى أحدهما بالآخر في القضاء لا يصح؛ لأنهما صلاتان مختلفتان، ولو اشتركا في نافلة وأفسداها، ثم اقتدى أحدهما بالآخر صح؛ لأن الواجب متحد، ويصح اقتداء الحالف بالحالف؛ لأن الصلاة هاهنا وما وجبت لعينها بل لغيرها، وهو تحقيق البر، فبقيت نفلًا في نفسها، فيكون بمنزلة المتطوع. إلى هنا من "المحيط السَّرَخْسي".
وفي "المحيط السَّرَخْسي" أيضًا في باب صلاة الوتر: ولا يُصلَّى الوتر بجماعة في كل وقت؛ لأن ذلك من الشعائر فاختص بالمكتوبات، انتهى.
وذكر بقية المجتهدين حافظ الملَّة والدِّين محمَّد بن محمَّد بن شهاب الدِّين الكَرْدَري الشهير بابن البَزَازي في "الفتاوى البَزَّازية" في الفصل الخامس عشر من كتاب الصلاة: شرعا في نفل وأفسداه، واقتدى أحدهما بالآخر في القضاء لا
стр. 1131
يجوز؛ لاختلاف السبب، وكذا اقتداء الناذر بالناذر لا يجوز؛ وعن هذا: كره الاقتداء في صلاة الرغائب وصلاة البراءة وليلة القدر ولو بعد النذر إلا إذا قال: نذرت كذا كذا ركعة (١) بهذا الإمام بالجماعة؛ لعدم إمكان الخروج عن العهدة إلا بجماعة، ولا ينبغي أن يتكلف لالتزامه ما لم يكن في الصَّدر الأول هذا التكلف لإقامة أمر مكروه، وهو أداء النفل بالجماعة على سبيل التداعي، فلو ترك أمثال هذه الصلاة تارك ليعلم النّاس أنّه ليس من الشعائر فحسن.
وفي "الفتاوى البَزَّازية" أيضًا، في نوع ما يكره من هذا الفصل الخامس عشر: الاقتداء في الوتر خارج رمضان يكره، والقُدُوري على أنّه لا يكره، وأصله التطوع بالجماعة على سبيل التداعي يكره.
وفي "الفتاوى": تكرار الجماعة يكره إلا إذا كان المسجد على قارعة الطريق، وعن أبي حنيفة: إذا كانوا ثلاثة لا، ولو أكثر يكره، وعن أبي يوسف إذا (٢) لم تكن على الهيئة الأولى لا يكره، وإلا فيكره، وهو الصحيح، وبالعدول عن المحراب تختلف الهيئة فيما روي عن أبي يوسف، إلى هنا من "البَزَّازية".
ورأيت في "الحاوي" للإمام الزاهدي نقلًا عن شرف الأئمَّة المكي شم: أداء النفل بعد النذر أفضل من أدائه بدون النذر، ثم نقلًا عن عين الأئمَّة الكَرَابِيسي عك: أراد أن يصلي نوافل، قيل: نذرها ثم يصليها، وقيل يصليها كما هي، قال في أسرار نجم الدِّين العلامة، أسنع: هذا إذا كان منفردًا، وأما إذا كان أراد أن يصليها بالجماعة لا يجوز إلا بالنذر بأن قال الإمام: لله عليّ أن أصلي عشرين ركعة تطوعًا بهذه الجماعة، فيسرها لي وتقبلها مني، اقتديت بهذا الإمام"، إلى هنا من "الحاوي".
стр. 1132
وفي "فتاوى قاضي خان" في فصل من يصح الاقتداء: لو نذر أن يصلي ركعتين، ورجل آخر نذر أن يصلي ركعتين، ثم اقتدى أحدهما بالآخر لا يجوز، ولو نذر الرجل أن يصلي ركعتين، ورجل أخر حلف وقال: والله لأصلين ركعتين، واقتدى الحالف بالناذر جاز، ولو اقتدى الناذر بالحالف لا يجوز، انتهى.
ورأيت في "خلاصة الفتاوى" في الفصل الثالث من كتاب الصلاة: ولو زاد على العشرين في التراويح بالجماعة يكره عندنا؛ بناءً على أنّ صلاة التطوع بالجماعة مكروهة.
ورأيت في "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في الفصل الثاني في العيدين: روى الحسن عن أبي حنيفة أنّه تجب صلاة العيدين على من تجب عليه الجمعة، وهذا يدل على وجوبها، وقال محمَّد: لا يقام شيء من التطوع بالجماعة ما خلا التراويح في رمضان وكسوف الشمس، وصلاة العيد تؤدى بجماعة ولو كان صلاة العيد تطوعًا لقال: ما خلا التراويح في رمضان وكسوف الشمس وصلاة العيدين.
وفي "الكافي" في آخر فصل التراويح: ولا يصلي تطوع بجماعة إلا قيام رمضان، وعن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي: أنّ التطوع بالجماعة إنّما يكره إذا كان على سبيل التداعي، أما لو اقتدى واحد بواحد أو اثنان لا يكره، فإذا اقتدى ثلاثة بواحد اختلف فيه، وإن اقتدى أربعة بواحد كره اتفاقًا، وهكذا ذكره المولى خُسْرَو في "الدرر والغرر" نقلًا عن "الكافي".
ورأيت في "واقعات الصَّدر الشَّهيد" في باب الصلاة بعلامة النون أنّه قال: قوم صلوا التراويح ثم أرادوا أن يصلوا بعد ذلك يصلون فرادى؛ لأنّه تطوع وصلاة التطوع بجماعة ليست بمستحبة؛ لأنها لو كانت مستحبة لكانت أفضل من الصلاة فرادى، ولو كانت أفضل لفعلها أصحاب رسول الله ﷺ .
стр. 1133
وقال في "تحفة السَّمَرْقندي": المحل الذي شرع الأذان والإقامة فيه الصلوات المكتوبات التي تؤدى بجماعة وما هو شبيه (١) بها، ولهذا لا أذان في التطوع ولا إقامة؛ لأنّه لا يستحب فيه الجماعة.
ورأيت في "الفتاوى الصوفية": لا يكره التطوع بالجماعة مطلقًا إذا صلوا بغير أذان وإقامة؛ لعدم التداعي، وهو الأذان والإقامة جهرًا.
وقد صرح في "شرح الكافي" للناصحي أيضًا في باب صلاة الكسوف حيث قال: إنّما يكره التطوع جماعة إذا صلوها على وجه استدعاء النّاس إليها بجماعة كما يدعى إلى المكتوبة، (ولا شك أن استدعاء النّاس إلى المكتوبة) (٢) لا يكون إلا بأذان في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا … ﴾ الآية [المائدة: ٥٨]، والنداء للصلاة ليس إلا بأذان فكذا الاستدعاء، قال ﷺ : "لا يخرج من المسجد بعد النداء إلا منافق (٣) "، وهذا إذا لم يكن قد صلى فيه، ذكره في "الجامع الصَّغير" الخاني في باب إدراك الفريضة.
أيده ما ذكر في "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في باب الأذان، في مسألة تكرار الجماعة في المسجد عن محمَّد أنّه: إذا أذنوا وأقاموا لا على وجه التداعي خفية فلا بأس، فعلم أنّ التداعي رفع الصوت بالأذان والإقامة كما في المساجد لأداء الفرائض فيما بين الناس] (٤).
стр. 1134
وفي (١) "السراجية" في باب المسائل المتفرقة من كتاب الصلاة: أنَّ إمامة النبي ﷺ في ليلة المعراج للملائكة وأرواح الأنبياء عليهم الصلاة والسَّلام عند بيت المقدس كانت في النافلة، [وذكر المولى الفاضل يعقوب بن سيدي علي في "شرح الشرعة" في فصل فضيلة النوافل: وأصح ما جاء من نوافل الصلاة صلاة التسبيح بعد نقل ما في المقدمة من صلاة الرغائب وصلاة ليلة البراءة وصلاة ليلة القدر.
بقى هاهنا بحث مهم وهو أنه: هل يكره أمثال تلك التطوعات بجماعة أم لا؟ (قال في "خزانة الفتاوى": التطوع بجماعة في غير رمضان مكروه) (٢).
ورأيت في "شرح الكافي": لو صلى التطوع بجماعة مع الاثنين لا يكره.
ورأيت في "فوائد شمس الأئمَّة الحَلْوَاني": إن كان سوى الإمام ثلاثة لا يكره بالاتفاق، وفي الأربع اختلاف، ولو صلى بجماعة من غير تداع بغير أذان وإقامة في ناحية المسجد لا يكره إلى هنا عبارة "الخزانة".
وبعد هذا ما فعله القوم في زماننا هذا (٣) مبني على هذه الرواية، أو على الرواية التي ذكرت في "المحيط"، قال شارح "النقاية": ولا يكره الاقتداء بالإمام في النوافل مطلقًا، نحو القدر والرغائب وليلة النصف من شعبان ونحو ذلك؛ لأن ما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن، كذا في "المحيط" إلى هنا عبارته، انتهى ما في "شرح الشرعة".
стр. 1135
ورأيت في الفصل الأول من كتاب الكراهية في "خلاصة الفتاوى"، قال: وعن الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل البُخاري ﵀: أنّه سئل عن الفقيه هل يصلي صلاة التسبيح؟ قال: تلك طاعة العامة، فقيل: فلان الفقيه يصلي صلاة التسبيح، قال: هو عندي من العامة.
قال الصَّدر الشَّهيد في "واقعاته" في باب الصلاة بعلامة السين: يكره الدعاء عند ختم القرآن في شهر رمضان وعند ختم القرآن بجماعة؛ لأنهما من محدثات الأمور، لأن هذا لم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة ﵃، ولهذا قال أبو القاسم الصفار: لولا أهل بلدة قالوا: مُنعنا عن الدعاء لمنعتهم، لكن هذا شيء لا يفتى به؛ لأنّه لا ينبغي أن يقال للعامة ما لا يفهمون.
وفي "التَّاتارخانيَّة" في الفصل الثالث من كتاب الكراهية والاستحسان قال: وفي "اليتيمة": سُئل القاضي فخر الإسلام الأَرْسَابَنْدي عمن يقرأ القرآن مضطجعًا هل له ذلك؟ فقال: لا بأس به إذا كان غطى نفسه باللحاف وأخرج رأسه. وسُئل أبو الفضل عمن قرأ القرآن ماشيًا هل يجوز؟ قال: نعم] (١).
وفي "اليتيمة" أيضًا: سُئل الخُجَنْدي عن إمام يقرأ مع أهل جماعة كل غداة بعد فراغ صلاته جاهرًا آية الكرسي: ﴿شَهِدَ اللَّهُ … ﴾ [آل عمران: ١٨] وآخر سورة البقرة، هل يجوز له؟ قال: لا بأس به، والأفضل الإخفاء بها.
* * *
стр. 1136
[٤١٣ - أبو المفاخر عبد الغفور الكَرْدَري (١)]
الشَّيخ الإمام الأجَل، شرف القضاة، أبو المفاخر، عبد الغفور بن لقمان بن محمَّد الكَرْدَري، الملقَّب بتاج الدين.
"كردر" على وزن "جعفر": قرية بخُوَارزم، وفي "القاموس": ناحية بالعجم.
وضبطه عبد القادر في "الجواهر المضية": عبد الغفور (٢) بن لقمان بن محمَّد أبو المفاخر الكَرْدَري، الملقب (٣) تاج الدين.
وكان (٤) إمام الحنفيَّة، له التصانيف المفيدة في الفقه والأصول، وكان على غاية من الزهد.
تفقَّه على أبي الفضل عبد الرَّحمن بن محمَّد الكَرْماني، ويلقب شمس الأئمة، وتولى قضاء حلب للسلطان العادل نور الدِّين محمود بن زنكي، ومات بها سنة اثنتين وستين وخمسمئة.
له تصنيف في أصول الفقه، وكتاب في شرح "التجريد"، سماه بـ "المفيد والمزيد في شرح التجريد"، وشرح "الجامع الصغير"، نحا فيه نحو "شرح (٥) الجامع
стр. 1137
الكبير" يذكر لكل باب أصلًا، ثم يخرج عليه المسائل، إلى هنا من كلام عبد القادر.
(وقال قاسم بن قُطْلُوبُغا في "التراجم": عبد الغفور بن لقمان بن محمَّد تاج الدِّين أبو المفاخر الكَرْدَري، تفقَّه على أبي الفضل عبد الرَّحمن الكَرْماني، وتولى قضاء حلب للعادل نور الدِّين محمود) (١).
وصنف شرحًا على "الأخسيكتي"، وشرحًا على "التجريد"، وسماه "المفيد والمزيد" (٢)، وشرح "الجامع الصَّغير" (على طريق) (٣) "الجامع الكبير" (في تقرير أصول الأبواب.
وكان على غاية من الزُّهد) (٤).
توفي سنة اثنتين وستين وخمسمئة، انتهى.
قلت: الأخسيكتي أبو نصر الإمام أحمد بن محمَّد بن أبي بكر الأخسيكتي الملقَّب جمال الدين، ولد في ذي القعدة سنة إحدى وعشرين وستمئة، ومات سنة سبعين وستمئة.
ذكره عبد القادر في باب أحمد.
والأخسيكتي أيضًا محمَّد بن محمَّد بن عُمَر أبو عبد الله الحسام الأخسيكتي صاحب المختصر المعروف في أصول الفقه، مات يوم الإثنين الثاني والعشرين من ذي القعدة سنة أربع وأربعين وستمئة، ذكره ابن قُطْلُوبُغا القاسم هذا في تراجمه، وكذا ذكره عبد القادر.
стр. 1138
فعلى هذا لا يكاد يصح أن يصنف أبو المفاخر عبد الغفور على الأخسيكتي شرحًا على تقدير صحة (١) التواريخ المذكورة.
وله "الزيادات"، و "كتاب حيرة الفقهاء" جمع فيها المسائل الغايات التي تحيَّر في حلِّها الفقهاء، ويعجز عن جوابها العلماء، ورتَّبها على ترتيب أبواب كتب الفروع، وهي الآن مستعارة من يد الزّمان عندي.
[رأيت في باب الصلاة فيها: رجل مات بسمرقند فوجبت على امرأة هذا إعادة الصلوات ببخارى صلوات أربع سنين كيف يكون هذا؟
قال: هذا رجل تزوج أم ولد رجل، وكانت تصلي بغير قناع، فمات مولاها بسمرقند منذ أربع سنين وهي لا تعلم، فأخبرت بموته، فإنّه يجب عليها إعادة صلوات أربع سنين.
وفيه: المولى وعبده يمشيان في الطريق فيعتق العبد ورقَّ المولى، كيف يكون هذا؟
قال: هذا كافر اشترى عبدًا مسلمًا وأدخله دار الحرب، ثم خرجا إلى دارنا بغير أمان، فاستولى عليه العبد وقهره، فإنّه يملكه ويعتق. وهذا قول أبي حنيفة ﵀ خاصة، وفي قول أبي يوسف ومحمَّد رحمهما الله: لا يعتق.
ورأيت فيه في باب مسائل الزكاة: رجل استدان من رجل ألف درهم، (فطلب الكفيل عنه، وكفل عشرة رجال كل رجل ألف درهم بتمامه، ولكل واحد ألف درهم) (٢) في بيته، وحال الحول عليها.
стр. 1139
قال: لا زكاة على كل واحد منهم؛ لأن على كل واحد منهم ألف درهم دين من قبل الكفالة، فللمكفول له (١) أن يأخذ من أيهم شاء، نظيرها ما ذكرنا في "الزيادات" في باب الصلاة: أنّ رجلًا قال لعشرة نفر متيمِّمين في مفازة: بينكم الماء لوضوء واحد فليتوضأ به من شاء منكم، فإنّ صلاتهم فاسدة؛ لأن كل واحد منهم شاء ذلك.
ورأيت في باب مسائل البيوع: رجل باع مجمدة بجمدها وهو غائب، قال: إن كان في الصيف فالبيع فاسد، وإن كان في الشتاء فالبيع جائز؛ لأن المبيع يذوب في الصيف ولا يدري كم ينقص من وقت البيع إلى وقت القبض، بخلاف الشتاء، فإنّ الجمد فيه لا يذوب فيجوز البيع.
سُئل أبو نصر محمَّد بن سلام عن بيع الجمد، قال: لا يبطله إلا أحمق، وكان أبو أحمد العِياضِي يفتي بفساد البيع فيه، وكأنه يعرض له.
وقد كان الجلد الثاني من شرح "التجريد" المسمى بـ "المزيد والمفيد" دخل في سلك ملكي والله الحمد والمنَّة بخط تلميذه الشَّيخ الإمام أبي الفضل محمَّد بن يوسف بن علي الغَزْنَوي، وهو من كتاب النكاح إلى آخر كتاب الشركة، وكان قد قرأه على المصنف قراءة إتقان وتحقيق، وأجازه المصنِّف، وكتب على أول هذا المجلد بخطِّه الشريف، والأن هذا المجلد عندي، وهذه صورة ما كتب عليه:
قرأ عليَّ المجلد الثاني من هذا الشرح الشَّيخ الإمام الزَّاهد بهاء الدِّين أبو الفضل محمَّد بن يوسف بن علي الغَزْنَوي، دام توفيقه، وسهل إلى الخيرات طريقه، قراءة واقف على معناه، عارف مبناه.
وتم له ذلك يوم الأربعاء الرابع من شهر الله المبارك رجب، سنة سبع وخمسين
стр. 1140
وخمسمئة، كتبه عبد الغفور بن لقمان بن محمَّد الحجي الكَرْدَري البرايقيني.
وكان قد كتب على أعلى ما كتب: أملى الشَّيخ الإمام الأجَل، السيِّد العالم الأوحد، تاج الدِّين قدوة الفريقين، شرف القضاة، أبو المفاخر، عبد الغفور بن لقمان الكَرْدَري أمتع الله المسلمين بطول حياته، آمين.
وكتب عند التمام آخر المجلد الثاني من "شرح التجريد": والحمد لله حق حمده، وصلاته على سيد المرسلين، والمختار من الخلق أجمعين محمَّد بن عبد الله الأمين، وعلى آله وأصحابه الأكرمين، وعلى التابعين بإحسان إلى يوم الدِّين.
وافق الفراغ منه للفقير إلى رحمة ربه محمَّد بن يوسف بن علي الغَزْنَوي في ثالث رجب من سنة سبع وخمسين وخمسمئة، بمدينة حلب عمَّرها الله، يتلوه في الجزء الثالث كتاب المضاربة.
قال فيه، في كتاب الأيمان: إنها تتنوع إلى يمين بالله وإلى يمين بغيره.
فاليمين بالله ثلاث: يمين تكفَّر، ويمين لا تكفَّر، ويمين نرجو أن لا يؤاخذ الله بها صاحبها، فالتي تكفَّر هي اليمين على أمر في المستقبل؛ إما بمنع النفس أو بحملها عليه، وهي اليمين المعقودة التي نصَّ عليها في سورة المائدة، وإنها على ثلاثة أضرب:
أحدها: ما يجب فيه البر، وهو اليمين على فعل الطاعات وترك المعاصي.
والثاني: ما يجب فيه الحنث، وهي اليمين على فعل المعاصي وترك الطاعات؛ لقوله ﷺ : "من حلف أن لا يطيع الله فليطعه، ومن حلف أن لا يعصي الله فلا يعصه" (١).
стр. 1141
والثالث: ما يتخير فيه بين البر والحنث، وهو اليمين على الأفعال المباحة؛ لقوله ﷺ : "من حلف علي يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأتِ بالذي هو خير وليكفِّر عن يمينه (١) ".
وأما اليمين التي لا تكفر فهي اليمين على أمر في الماضي يتعمد فيه الكذب، وهي اليمين الغموس، وقال الشَّافعي" يجب فيها الكفَّارة؛ لأن الكفَّارة شرعت لرفع الذنب، والذنب في الغموس أكثر من الذنب في المعقودة، فكانت الحاجة إليها أمس.
ولنا قوله ﷺ : "خمس من الكبائر ليس فيها كفارة، الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وقتل النفس بغير حق، واليمين الفاجرة التي يقطع بها مال امرئ مسلم (٢) "، نصٌّ على أنّه لا كفارة فيها.
ولأنّه لا يتصور وجودها [فلا تجب؛ لأن إيجاب ما لا يتصور تكليف ما ليس في الوسع، وإنه لا يجوز عقلًا ونقلًا، آية أنّه لا يتصوّر وجودها] (٣) لأن الكفَّارة كاسمها ساترة للذنب، وستر الذنب ولا ذنب لا يتصوَّر؛ لأن الذنب ارتفع بالتوبة لقوله ﷺ :
стр. 1142
"التوبة تمحو الحَوبة (١) "، والتوبة هو النَّدم؛ لقوله ﷺ : "النَّدم توبة (٢) ".
فقضية هذا: أن لا تجب الكفارة في اليمين المعقودة لأنا عدلنا عنه ثمَّة بالنص، والنص الوارد ثمَّة لا يكون واردًا هاهنا لأنّه ليس بمعناه من كل وجه؛ لأن الذنب ثمة ذنب الحنث، وهاهنا ذنب الكذب، وإنه دونه، والرافع للأدون لا يكون رافعًا للأعلى، أو نقول: الكفارة شرعت لرفع ذنب الحنث، والحنث هاهنا لا يتصور فلا يتصور ذنبه.
وأما التي نرجو أن لا يؤاخذ الله بها صاحبها فهي اللغو، وهو أن يحلف على شيء في الماضي على ظن أنّه كذلك وأنَّه بخلافه، وقال الشَّافعي: اللغو هي اليمين التي لا يقصدها الحالف، سواء كان في الماضي أو في المستقبل.
لنا أنّ اللغو هو الخالي عن الفائدة، والفائدة المطلوبة من اليمين إنّما هي البر، وإنه لا يتصور في الماضي، فقد خلت اليمين عن الفائدة فسميت لغوًا، ولهذا قلنا: الغموس من جملة اللغو في أحكام الدنيا دون العقبى، والمؤاخذة المطلقة تنصرف إلى المؤاخذة في العقبي.
وإنّما قال: "نرجو أن لا يؤاخذ" وإن نصَّ الله تعالى على عدم المؤاخذة به؛ لأن الله تعالى لم يفسر اللغو، وإنه صار إلى هذا التفسير بضرب رأي واجتهاد، وإنه
стр. 1143
ليس بدليل قطعي على كون اليمين لغوًا، فلهذا لم يقطع القول بعدم المؤاخذة.
وأما اليمين بغيره فهي تعليق جزاء بشرط كالحلف بالطلاق والعتاق فما يكون على أمر في المستقبل فهو تعليق، وما يكون على أمر في الماضي والأمر بخلافه فهو تنجيز؛ لأن التعليق بالشيء المتحقق تنجيز وتحقيق كما أنّ التعليق بشيء مستحيل الكون إعدام وتمحيق، وإنّما التعليق يتحقق بشيء معدوم مترقب الوجود سواء كان يعلم خلاف ذلك أو لا يعلم، وكذلك الحلف بالنذر.
وفيه في باب الحلف على أكل اللحم: ولو حلف لا يأكل رأسًا، فهذا على رؤوس البقر والغنم عند أبي حنيفة، وعند صاحبيه على رؤوس الغنم، وهذا اختلاف عرف وزمان؛ فإنّ في زمن أبي حنيفة رحمه الله تعالى كان يباع النوعان من الأرؤس في السوق وتؤكل، وفي زمنهما ما كان يباع إلا رأس الغنم في السوق، فأفتى كل واحد بحسب ما عاين في زمانه.
وفيه في كتاب الإجارة: ولو استأجر حمالًا ليحمل عليه خمرًا، فله الأجر في قول أبي حنيفة، وقالا: لا أجر له؛ لأن حملها معصية، قلنا: المعصية في شربها لا في حملها، ولو كان في حملها إنّما يكون أن لو تعين سببًا للشرب، ولم يتعين؛ لأنّه يقبل الفصل فيه فلا يكون معصية.
وقال محمد: ابتلينا بمسألة ميت مات من المشركين، فاستأجروا له من يحمله إلى بلدة أخرى بخلاف حمله إلى المقبرة، حيث يجب الأجر؛ لأن الحاجة ماسة لدفع الأذى، وقلت أنا: إن كان الحمال يعلم أنّه جيفة فلا أجر له، وإن لم يعلم فله الأجر؛ لأن بحمله إلى المقبرة يستحق الأجر، فلو لم يستحق هاهنا إنّما لا يستحق لكونه معصية، وأنها لا تتحقق بدون العلم، ويكره للمسلم أن يؤاجر نفسه من كافر
стр. 1144
للخدمة؛ لأن فيه صورة ذل، وليس للمسلم أن يذل نفسه، هكذا ورد في الخبر (١)، ولو كان فيه حقيقة ذل كان حرامًا، فإذا كان شبهة ذل كان مكروهًا، ويجوز إذا فعل.
وإذا استأجر ذمي من مسلم أو ذمي بقعة يصلي فيها لم يجز؛ لأنّه معصية، وذكر في الأصل: إذا كان في السواد جاز، قال أبو بكر الرَّازِي: كان هذا في الابتداء؛ لأن البلاد كانت لهم فاستولى المسلمون عليها، وكانوا يمنعون عن إحداث الكنائس في الأمصار دون السواد، وأما اليوم فالسواد والأمصار للمسلمين فيمنعون عن إحداث الكنائس؛ لقوله ﷺ : "لا إخصاء ولا كنيسة في الإسلام (٢) ".
وإنّما يقرون على ما وقع الصلح من تقريره، ولو استأجر المسلم من المسلم بيتًا يصلى فيه لم يجز؛ لأنّه لا يحل له المنع عن الصلاة، ولا تصح الإجارة عليه، إلى هنا من "المزيد والمفيد"] (٣).
* * *
[٤١٤ - شرف الدِّين العَقيلي (٤)]
الشَّيخ الإمام، شرف الدِّين، أبو حفص، عُمَر بن محمَّد بن عُمَر بن محمَّد بن محمَّد بن أحمد العَقِيلِي الأنصاري.
стр. 1145
كان من كبار الأئمَّة الحنفيَّة، وأعيان فقهاء الملَّة الحنفيَّة، وله اليد الباسطة في المذهب والخلاف، وكان على أحسن طريقة سلكها الأشراف.
وله تصانيف حسنة، منها "المنهاج".
[ذكر العيني في "شرح الكنز" في آخر كتاب الصرف: ولو أعطى صيرفيًّا درهمًا وقال: اعطني به نصف درهم فلوسًا ونصفًا إلا حبة؛ صح هذا العقد، ويكون نصف درهم إلا حبة بمقابلة الفضة، ونصف درهم وحبة بمقابلة الفلوس.
ولو قال: أعطني بنصفه فلوسًا وبنصفه نصفًا إلا حبة؛ بطل في الكل عند أبي حنيفة، وعندهما صح البيع في الفلوس، وبطل فيما يقابله الفضة.
وأصل الخلاف عنده: أنّ العقد يتكرر عنده بتكرار اللفظ، وعندهما بتفصيل الثمن، حتى لو قال: أعطني بنصفه فلوسًا وأعطني بنصفه نصفًا إلا حبة جاز البيع في الفلوس وبطل في الفضة بالإجماع.
(وقال القُدُوري: ومن أعطى الصيرفي درهمًا وقال: أعطني بنصفه فلوسًا وبنصفه نصفًا إلا حبة؛ جاز البيع في الفلوس وبطل فيما بقي عندهما) (١)، وقال أبو نصر الأقطع: هذا غلط من الناسخ؛ لأن العقد فيه فاسد عند أبي حنيفة، وعندهما جائز في الفلوس، فاسد في قدر النصف الآخر، على اختلافهم في الصفة الواحدة إذا تضمنت الصحيح والفاسد.
وقال في "المنهاج" للإمام شرف الدِّين أبي حفص عُمَر بن محمَّد بن عُمَر الأنصاري العَقيلي: إذا دفع درهمًا وقال: أعطني بنصفه فلوسًا وبنصفه درهمًا صغيرًا وزنه نصف درهم إلا حبة؛ جاز البيع في حصة الفلوس، وبطل في حصة الفضة.
стр. 1146
قيل: وعلى قياس قول أبي حنيفة يفسد في الكل] (١).
أخذ عن الصَّدر الشَّهيد حسام الدين عُمَر بن عبد العزيز بن عُمَر بن مَازه، عن أبيه الصَّدر الماضي برهان الدِّين الكبير عبد العزيز، (عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي) (٢)، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن القاضي (٣) الإمام أبي علي النَّسَفِي، عن الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن عبد الله بن يعقوب السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
[وأخذ عن جمال الدِّين حامد بن محمَّد الرِّيْغذَمُوني، عن أبيه محمَّد بن أحمد بن عبد الرَّحمن، عن أبيه أحمد بن عبد الرَّحمن، عن أبي زيد الدَّبُوسي، عن أبي جعفر الأُسْتُرُوْشَني، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن عبد الله السُّبَذْمُوْنِي.
وتفقَّه عليه العلامة شمس الأئمَّة محمَّد بن عبد الستار الكَرْدَري، وشمس الدِّين أحمد بن محمَّد العَقيلي الأنصاري البُخاري، قدم بغداد حاجًّا في سنة ثمان وثمانين وخمسمئة، وحج ثم رجع وحدَّث، وروى عن الصَّدر الشَّهيد] (٤).
وتوفي ببخارى سنة ست وتسعين وخمسمئة، ودفن عند القضاة السبعة.
والعَقيلي بفتح العين: نسبة إلى عقيل بن أبي طالب، ذكره ابن النَّجار (٥) في "تاريخه".
* * *
стр. 1147
[٤١٥ - الوَلْوالِجِي (١)]
الشَّيخ الإمام ظهير الدِّين عبد الرشيد بن أبي حنيفة بن عبد الرَّزاق الوَلْوالِجِي، أبو الفتح.
بفتح الواو وسكون اللام ثم بفتح الواو والألف وكسر اللام والجيم: مدينة ببدخشان، كذا في "القاموس".
إمام فاضل نظار كامل، حسن السيرة، جميل السريرة.
ورد بَلْخ وتفقَّه بها على أبي بكر محمَّد بن علي الفرار بعد ما ورد بخارى، وتفقَّه بها على البرهان البَلْخِي علي بن الحسن مدة مديدة، وأخذ عنه العلوم من الأصول والفروع عن برهان الدِّين الكبير عبد العزيز، عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن (القاضي الإمام) (٢) أبي علي النَّسَفِي، عن الشيخ (٣) الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل عن عبد الله بن محمَّد بن يعقوب السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
(وبعد ما تفقَّه عليهما اختص بأبي محمَّد القَطَواني، تلميذ أبي بكر الفرار المزبور) (٤).
стр. 1148
وكانت ولادته بوَلْوَالج، في جمادى الأولى سنة سبع وستين وأربعمئة، ومات بوَلْوَالج بعد الأربعين وخمسمئة، نقله عبد القادر عن السَّمْعانِي.
وله "الفتاوى".
[في الفصل الثالث عشر من "فصول الأُسْتُرُوْشَني": لو أجر القيم الدار بأقل من أجر المثل قدر ما لا يتغابن النّاس فيه، حتى لا تَجُز، فسكنها المستأجر؛ كان عليه أجر المثل بالغًا ما بلغ على ما اختاره المتأخرون، وكذا إذا أجرها إجارة فاسدة، وذكر ظهير الدِّين الوَلْوالِجي في "فتاواه": متولي الوقف إذا أجر بدون أجر المثل يلزمه تمام ذلك، وكذا الأب إذا أجر منزل الصَّغير بدون أجر المثل يلزمه تمام أجر المثل؛ لأنّه ليس له ولاية الحط والإسقاط، وكذا من غصب الصَّغير أو أرض الوقف يجب أجر المثل على قول من يرى غصب الدور والعقار.
ورأيت في فوائد صاحب "المحيط": إذا اشترى دارًا وسكنها، ثم ظهر أنها وقف أو كانت للصغير؛ يجب عليه أجر المثل صيانة للوقف.
وسئل والدي عن رجل زرع في أرض الوقف بغير إذن المتولى برين كارند شراي غله واجب شود يا غله زمين جنانكه معهود ست درآن موضع سه يك يا جهار يك. قال: نكاه كنند كه نزد فقرا كدام بهتراست، شراي غله يا غله زمين برداشتن آن طلب كنند.
وينبغي أن يجب الثلث أو الربع على عرف أهل ذلك الموضع.
وفي الفصل الرابع من كتاب البيع من الفتاوى "التاتارخانية": رجل اشترى من رجل جارية فوطئها المشتري قبل نقد الثمن، فمنعها البائع فهلكت عنده، لا يجب على المشتري العقر بالاتفاق هو المختار.
стр. 1149
وقد مر تفصيل مسألة العقر في متفرقات الكتيبة الثامنة في ذكر القاضي الإمام الإِسْبِيْجابي أبي نصر أحمد شارح "مختصر الطحاوي".
وفي هذا الفصل أيضًا قال نقلًا عن "المحيط": ولو اشترى دارًا وطلب من البائع أن يكتب صكًّا على الشراء لا يجبر البائع عليه.
وإن (١) كتب المشتري [من] مال نفسه وأمره بالإشهاد لا يجبر على الخروج إلى الشهود، وإن أتى بالشهود يجبر على إشهاد شاهدين، وهو أن يقر بين يدي شاهدين، فإن أبى البائع أن يقر يرفع المشتري الأمر إلى القاضي، فإن أقر بين يدي القاضي كتب له سجلًّا وأشهد عليه؛ لأن كتابة الصك مصون (٢).
وفي "الوَلْوالِجِية": وللمشتري أن يطلب الصك القديم من البائع، فإن أبى البائع أن يعطيه فله ذلك ولا يجبر عليه.
وفي "الصغرى": لكن يؤمر بإحضار الصك حتى ينسخ من تلك النسخة، فيكون حجة في يد المشتري، والصك القديم في يد البائع حجة له أيضًا] (٣).
* * *
[٤١٦ - البدر الأبيض يوسف الحلبي (٤)]
يوسف بن الخضر بن عبد الله الحلبي، المعروف بالبدر الأبيض.
أخذ عن علي بن الحسن، المعروف بالبرهان البَلْخِي، عن برهان الدِّين الكبير، عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي.
стр. 1150
وبلغ رتبة الفضل والكمال، ثم كان قاضيًا بشيراز.
ولد سنة إحدى وعشرين وخمسمئة (ومات سنة اثنتين وتسعين وخمسمئة) (١). (وعن ابن العديم أنّه قال: روى أنّه تولى القضاء نيابة عن محمَّد بن علي القرشي قاضي دمشق، ولم يزل بها إلى أن مات بها في رمضان سنة اثنتين وتسعين وخمسمئة) (٢)، ودفن بتربة خارج باب الفراديس.
(تفقه عليه ولده محمَّد بن يوسف بن الخضر، المعروف بابن الأبيض، المعروف بقاضي العسكر) (٣).
* * *
[٤١٧ - برهان الدِّين مسعود الأموي (٤)]
برهان الدِّين مسعود بن شجاع بن محمَّد بن حسن بن محمَّد الأموي.
كان يلقب برهان الدِّين الفقيه.
ولد سنة عشر وخمسمئة بدمشق، (وأخذ العلم عن برهان البَلْخِي، عن علي بن الحسن تلميذ برهان الكبير المذكور قبيل هذا، وكان خبيرًا بالمذهب وجمع كتابًا في الفقه، ودرس بالنُّورية والخاتونيَّة) (٥) وولي قضاء العسكر.
стр. 1151
تفقَّه عليه ابن الأبيض محمَّد بن يوسف بن الخضر، والقاضي شرف الدِّين أبو المظفر داود بن أرسلان بن غازي.
مات سادس عشر جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وخمسمئة.
* * *
[٤١٨ - بدر الدِّين الوَرْسَكي (١)]
الإمام العلامة بدر الدِّين عُمَر بن عبد الكريم الوَرْسَكي البُخاري.
أخذ عن أبي الفضل عبد الرَّحمن الكَرْماني، عن فخر القضاة محمَّد بن الحسين الأَرْسَابَنْدي، عن شيخ الإسلام القاضي علاء الدِّين المَرْوَزِي، عن أبي زيد الدَّبُوسي، عن أبي جعفر الأُسْتُرُوشَني، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن أبي عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
(والأَرْسَابَنْدي أيضًا عن أبي منصور السَّمْعانِي، عن الإمام المُسْتَغْفِري، عن أبي علي النَّسَفِي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل.
وكان بدر الدِّين الوَرْسَكِي (٢) يحدث عن أبي الفضل الكَرْماني بأمالي القاضي محمَّد الأَرْسابَنْدي) (٣).
стр. 1152
وله "الجامع الصغير".
وتفقَّه عليه ببخارى شمس الأئمَّة محمَّد بن عبد السَّتار الكَرْدَري.
ومات ببلخ سنة أربع وتسعين وخمسمئة.
* * *
[٤١٩ - أبو الفتح محمَّد القَنْطَري (١)]
أبو الفتح محمَّد بن يوسف بن أحمد بن علي القَنْطَري القاضي (٢) السُّغْدي.
ولد برأس القنطرة، وهي قرية بسمرقند، ومحلة بنيسابور وهو منه.
(تفقَّه بمَرْو على أبي الفضل عبد الرَّحمن الكَرْماني السابق قبيل هذا، وعلق المذهب والخلاف عليه، وأجاز له أن يفتي لما رآه قد بلغ رتبة الكمال والفضل.
وعن أبي سعيد أنّه قال: سمعت منه تفسير سورة (قد أفلح المؤمنون). وخرج إلى الحجاز سنة نيف وأربعين وخمسمئة، وورد بغداد حاجًّا، وكان بيني وبينه محبَّة أكيدة) (٣).
* * *
[٤٢٠ - أحمد بن محمَّد الغَزْنَوي (٤)]
أحمد بن محمَّد بن محمود بن سعيد الغَزْنَوي.
стр. 1153
مصنِّف "المقدمة الغزنوية" المشهورة بين المبتدئين من طلبة الفروع. انتفع بها طلبة (١) (لا يحصون.
تفقَّه على محمَّد بن يوسف بن محمَّد بن علي بن محمَّد بن علي العلوي الحسيني، أبو القاسم من أهل سمرقند، وهو إمام فاضل عالم بالتفسير والحديث والفقه) (٢).
صنف في الفقه والأصول كتبًا حسنة مفيدة، منها "كتاب الروضة في اختلاف العلماء"، وكتاب في أصول الفقه وكتاب في أصول الدين، ووسمه بـ "روضة المتكلمين"، واختصر فوسمه بـ "المنتقى من روضة المتكلمين".
[وبعد ما تفقَّه على محمَّد بن يوسف كان معيد درس الإمام الكاساني صاحب "البدائع"، وبلغ عنه درجة الرياسة في المذهب، ونال رتبة الفضل والكمال.
وأخذ عنه عن الشَّيخ الإمام علاء الدِّين أبي بكر محمَّد السَّمَرْقندي صاحب "التحفة"، عن صدر الإسلام أبي اليسر البَزْدَوي، عن أبي يعقوب يوسف السَّيَّاري، عن أبي إسحاق النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِنْدُوَاني، عن أبي بكر الأعمش، عن أبي بكر الإِسْكاف، عن محمَّد بن سلمة، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة.
وعن أبي جعفر الهِنْدُوَاني (٣)، عن أبي القاسم الصفَّار، عن نصير بن يحيى، عن محمَّد بن سَماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى] (٤).
стр. 1154
مات بحلب بعد (١) سنة ثلاث وتسعين وخمسمئة، [ودفن بمقابر الفقهاء (٢) الحنفيَّة قبل مقام إبراهيم الخليل صلوات الله على نبينا وعليه.
تفقَّه عليه عماد الدِّين أحمد بن يوسف بن علي أبو العبَّاس الحسني، وكان قد ولد عماد الدِّين بحلب سنة نيف وستين وخمسمئة] (٣).
* * *
[٤٢١ - المُطَرِّزي (٤)]
الشَّيخ الإمام برهان الدِّين، علامة الدنيا، ناصر بن أبي المكارم عبد السيِّد بن علي المُطَرِّزي، العراقي مَحتِدًا (٥)، الخُوَارِزْمِي منشأ، المكنى بأبي المظفر وأبي الفتح.
صاحب "المُغْرِب المُطَرِّز" بضم الميم وفتح الطاء وكسر الراء المشددة وفي آخرها زاي معجمة، يقال لمن يطرز الثياب، وبالياء نسبة ناصر بن أبي المكارم.
كان إمامًا في الفقه واللغة والعربية.
ولد سنة ست وثلاثين وخمسمئة بجُرْجَانِيَّة خُوَارِزم، ومات سنة عشر وستمئة.
стр. 1155
[وكان لسان الزمان في زمانه، وسَحْبان (١) البيان في أوانه، عديم النظير في الفقه وأصوله، فقيه المثل في تفريع العلم وتأصيله.
قرأ ببلده على أبيه عبد السيِّد، ثم على أبي المؤيد الموفق بن أحمد بن محمَّد المكي، فأخذ عنه علم العربية، وهو أخذ عن العلامة الزَّمَخْشَري، وأخذ الفقه وهو أخذ عن نجم الدين عُمَر النَّسَفِي، عن أبي اليسر عن إسماعيل بن عبد (٢) الصادق، عن عبد الكريم البَزْدَوي، عن أبي منصور الماتريدي، عن أبي بكر الجُوْزَجاني، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
وأخذ الفقه أيضًا عن البَقَّالي تلميذ الزَّمَخْشَري.
روي أنّه كان رأسًا في الاعتزال] (٣).
وله "المُغْرب" في لغات الفقه ثقة، وله "الإيضاح في شرح المقامات".
وكان يقال: هو خليفة الزَّمَخْشَري، وله "الإقناع في اللغة"، و"مختصر إصلاح المنطق"، ومقدمة لطيفة في النحو مشهورة بين أيدي الطلبة (مسماة بـ "المصباح"، شرحها أحمد بن محمود بن عُمَر الجندي) (٤)، وسمَّاه بـ "ضوء المصباح" (وهو مغن عن الإصباح) (٥)، شهرته متداولة بين الطالبين.
[قال في "الجواهر المضية": ناصر بن أبي المكارم بن علي المُطَرِّزي، الملقَّب ببرهان الدِّين، كان إمامًا في الفقه واللغة والعربية.
стр. 1156
وله "المغرب"، وله "الإيضاح".
قرأ ببلده على أبيه عبد السيِّد مقدم، وأخذ عنه شمس الأئمَّة محمَّد بن عبد الستار الكَرْدَري، والشَّيخ الإمام مختار بن محمود الزَّاهدي، والقاسم بن أبي الحسين بن أحمد الخُوَارِزْمِي النَّحوي.
قال الشَّيخ الإمام مختار بن محمود الزَّاهدي في "القنية": ورأيت في "حاويه" أيضًا أنّه قال: سألت أستاذنا علامة الدنيا برهان الأئمَّة المُطَرِّزي عمن قرأ في صلاته كلمة فيها جيم بالجيم الفارسية، أو الباء بالباء الفارسية هل تفسد صلاته؟ فتأمل فيها كثيرًا، ثم تقرر رأيه أنّه لحن مفسد.
قلت: وينبغي أن لا تفسد على ما اختاره المتأخرون أنّه إذا تقارب المخرج لا يكون لحنًا مفسدًا للصلاة، فكيف إذا اتحد المخرج، وبهذا القدر من التغيير (١) لا يختلف المخرج، فينبغي أن لا تفسد على ما اختاره للفتوى] (٢).
* * *
[٤٢٢ - علاء الدِّين الخَيَّاطي (٣)]
شيخ الإسلام علاء الدِّين (سديد بن) (٤) محمَّد الخَيَّاطي.
стр. 1157
أخذ عن نجم المشايخ علي (بن عبد الله) (١) بن محمَّد المعمراني (٢) تلميذ أبي نصر الخالدي والزَّمَخْشَري.
تفقَّه عليه الإمام العلامة يوسف بن أبي بكر محمَّد بن علي أبو يعقوب السَّكَّاكي الخُوَارِزْمي، ونجم الدِّين الحسين بن محمَّد البارعي، وتفقَّه عليه ابنه حسام الملَّة والدِّين هاشم بن سديد الخَيَّاطي.
وكان إمامًا كبيرًا، رأسًا في الفقه والكلام، وكان قد أخذ العلم عن أبي إسحاق الحافظ.
رأيت في "الحاوي الزَّاهدي" في فصل تطهير النجاسات، عزوًا إلى نجم الأئمَّة الحكيمي من تلامذة قاضي خان قال: خرق كثيرة جمعت وغسلت وعصرت في كل مرة طهرت، وكذا لو كانت في خريطة فغسلت وعصرت، وعن علاء الأئمَّة التاجري: لا تطهر، قال: وهو منصوص، قال شيخ الإسلام علاء الدِّين الخَيَّاطي، عن إسحاق الحافظ: أنها (٣) لا تطهر، وكذلك في الثوبين في الإجَّانة، فأما في الغسل بصب الماء تطهر بلا خلاف، وإذا خيطت الخرق بعضها ببعض وغسلت تطهر كلها، وهكذا حرره في "القنية" في هذا الفصل.
* * *
стр. 1158
[٤٢٣ - شمس الدِّين التُّرْكُسْتاني (١)]
برهان الأئمَّة شمس الدِّين محمَّد بن عبد الكريم التُّرْكُسْتاني.
إمام عالم فقيه بارع ورع، أخذ الفقه عن الدِّهْقان الإمام الكاساني محمَّد بن الحسين عن نجم الدِّين عُمَر النَّسَفِي، عن أبي اليسر البَزْدَوي (٢)، عن (أبي يعقوب) (٣) السَّيَّاري، عن الحاكم النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِنْدُوَاني، عن أبي القاسم الصفَّار، عن نصير بن يحيى، عن أبي سليمان، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
وتفقَّه عليه مختار بن محمود الزَّاهدي.
وفي "الجواهر المضية": محمَّد بن عبد الكريم التُّرْكُسْتاني الخُوَارِزْمِي، عرف ببرهان الأئمة.
وتفقَّه عليه مختار بن محمود الإمام الزَّاهد.
* * *
[٤٢٤ - القاضي علاء الدِّين المَرْوَزِي (٤)]
شيخ الإسلام، القاضي الإمام، علاء الدِّين المَرْوَزِي، محمود بن عبيد الله بن صاعد بن محمَّد الحارثي (٥) المَرْوَزِي.
стр. 1159
ولد بسَرْخس، ونشأ بها واشتغل بالعلوم، وبرع في الفروع والأصول، وكان من كبار أصحاب الحنفيَّة في المذهب والخلاف.
وعن ابن النَّجَّار أنّه قال: سألته عن مولده فقال: في ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وخمسمئة.
تفقَّه عليه محمَّد بن محمود بن محمَّد أبو المفاخر البَنْدَنِيْجي الزَّوْزَني.
سمع من والده وعمِّه أبي الفضل عبيد الله ومحمَّد بن صاعد.
قدم علينا حاجًّا سنة خمسين وخمسمئة، وكان معه أربعون ألف حديث عن شيوخه، فانتخبت منها جزءًا لطيفًا، وقرأته عليه، وسمعه أصحابنا، وهو ابن خمسة عشر (١)، وسكن مَرْو إلى حين وفاته سنة ست وستمئة.
فأخذ الفقه عن القاضي النَّسَفِي عبد العزيز بن عُثمان الفضلي، عن برهان الدِّين عبد العزيز بن عُمَر بن مَازه، عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن القاضي الإمام أبي علي النَّسَفِي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل عن عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
وله تصانيف، منها "العون في الفتاوى".
رأيت في "حقائق المنظومة" في الباب الذي اختصَّ أبو حنيفة به من المسائل الشريفة في بيت المنظومة:
يكبِّر القومُ مع الإمام … لا بعدَه في أوَّل القيامِ
стр. 1160
الأفضل للمقتدي في تكبيرة الافتتاح أن يكبِّر مقارنًا لتكبير الإمام، لا يتقدم الإمام ولا يتأخر، وهو قول زفر، وقالا: الأفضل أن يكبِّر بعد فراغ الإمام من التكبير، وإن كبر مقارنًا مع الإمام أجزأه عند محمَّد رواية واحدة، وكذلك في أصح الروايتين عن أبي يوسف، وفي رواية عنه لا يصير شارعًا. من "مبسوط خَواهَرْ زَادَه".
وفي عون المَرْوَزِي: المختار للفتوى قولهما، وفي صحة الشروع قوله.
رأيت في "الحاوي الزَّاهدي" في كتاب الشرب عزوًا إلى شم شرف الأئمَّة المكِّي: التراب الذي يستخرج بالكراء الموضوع على حافتي النهر مختص به من (١) وضع بجانبه إذا لم يضرَّ بالنهر. وقال شه شهاب الدِّين الإمامي: هو مشترك بين أهل النهر المشترك.
قال ﵀: وسألت شيخ الإسلام قعم القاضي علاء الدِّين المَرْوَزِي ومعه نج نجم الأئمَّة الحكيمي حاضر (٢) في الأنهار التي في القرى يحفرها أهلها في الربيع يرمون بالتراب إلى حافتي النهر: هل لأحد أن يأخذه؟ فقال نج: نعم إذا لم يضر ذلك بالنهر، فقلت له في ذلك، فقال: لأنّه مباح، فقلت: أليس الحافرون استولوا عليه بالحفر فملكوه؟ فقال: الاستيلاء إنّما يكون سبب الملك إذا كان على قصد التملك، والحفرة لا يقصدون به التملك، كمن احتش حشيش النهر ليزول المانع من جري الماء، فلكل أحد أن يأخذ ذلك الحشيش.
وكان شيخ الإسلام قعم يصوبه في ذلك، قلت: هذا حسن جدًّا، وبهذا تبين أنّ جواب شم شرف الأئمَّة المكي أقرب إلى الصحة، ولا وجه لصحة جواب شه، لأن النهر وإن كان مشتركًا فهذا التراب الذي ترفعه الحفرة ليس من أصل النهر، بل جمعه