← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يختار لهذا الأمر الجليل إلَّا من هو أصلح النَّاس، وأعلمهم، وأورعهم، وأكملهم، كما اختار الله تعالى لرسالته، صفوة كل عالم، (ورئيس كل جيل) (١)، وأفضل أهل كل زمان، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٧]، ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (٢) [الأنعام: ١٢٤]، وقد كانت الصحابة ﵃ لا يولُّون الأحكام جاهلًا ولا فاسقًا، [ولا ماجنًا، ولا مَنْ يُطعَن في دينه ودنياه. ثم اختلفوا في جواز دخول القضاء؛ منهم من قال: يجوز الدُّخول فيه مختارًا؛ لأنَّ الأنبياء والرُّسل ﵈ اشتغلوا به، وقد دخل فيه وجوه الصحابة والتَّابعين، ودخل فيه رجال صالحون من الأئمة المجتهدين، ومشايخنا المتقدمين. ومنهم من قال: لا يجوز الدُّخول فيه إلا مُكرَهًا؛ ألا ترى أنَّ أبا حنيفة ﵀ دُعي إلى القضاء ثلاث مرات فأبى، حتى ضُرِبَ في كلِّ مرة ثلاثين سوطًا، فلما كان بالمرة الثالثة قال: حتى أستشير أصحابي، فاستشار أبا يوسف، فقال: لو تقلَّدْتَ القضاء نفعْتَ الناس، فنظر إليه نظر المغضب (٣)، وقال: أرأيْتَ لو أُمرْتُ أن أعبر البحر سباحة أكنْتُ أقدر عليه؟! كأني بك قاضيًا، وكذا دُعِيَ محمَّد إلى القضاء حتى قُيِّدَ وحُبِسَ، فاضطر إليه فتقلَّد. والصحيح أنّ الدخول في القضاء مختارًا رخصة، والامتناع عزيمة؛ فلوَجْهَين: أحدهما: أنّ القاضي مأمورٌ بالقضاء بالحقِّ، وعسى يظنُّ في الابتداء أنه يقضي بحقٍّ، ثم لا يقضي في الانتهاء.

стр. 107

والثاني: أنه لا يمكنه القضاء إلا بمعاونة غيره، وعسى يُعينه غيره، وضع لا يعينه. هذا ما ذكره الصَّدر الشَّهيد في "شرح الخَصَّاف"، وذكر الخَصَّاف عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سأل القضاء وُكِلَ إلى نفسه، ومن أُجبِرَ عليه نزلَ عليه مَلك يسدِّدُه" (١). ثم ذكر في معنى الحديث عن أنس: لأن من سأل القضاء اعتمد فقهه وورعه وذكاه، فصار مُعجَبًا فلا يُلهم الرُّشد، ويُحرم التوفيق. وأما مَنْ أُكْرِه على القضاء فقد اعتصم بحبل الله: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]. وذكر الخَصَّاف عن مسروق أنه قال: لَأن أقضي يومًا واحدًا بحقٍّ وعدلٍ أحبُّ إليَّ من سنة أغزوها في سبيل الله (٢). وذكر الحسن أنه قال: لأجر حكم عدْل يومًا واحدًا أفضل من أجر رجل يصلِّي في بيته سبعين سنة (٣). قال الصَّدر الشَّهيد: إن المسروق والحسن ابتُليا بالقضاء، ومن ابتُلي بشيء يروي في ذلك الباب ما يرجع إلى محاسن ذلك الشيء، كان مسروق والحسن من كبار التابعين. ذكر الصَّدر الشَّهيد عزوًا إلى "النوادر" عن أبي حنيفة قال: من كان من أئمة التَّابعين وأفتى في زمن الصَّحابة، وزاحم في الفتوى، وسوَّغوا لهم الاجتهاد فأنا أقِّلده، مثل شريح، والحسن، ومَسروق بن الأجْدَع، وعَلْقمة. وهذا لأنهم لمَّا بلغوا

стр. 108

درجة الفتوى في زمن الصَّحابة وسوَّغوا لهم الاجتهاد صار قولهم كقول الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وفي واقعات الصَّدر الشَّهيد في باب أدب القضاء بعلامة العين: ولا ينبغي للقاضي أن يطلب القضاء، فإن فعل فهو مسيء؛ لما روي أنه ﷺ قال: "من جُعل على القضاء، فكأنما ذُبح بغير سكين" (١)، وهذا لأنَّ السِّكين تعمل في الظاهر والباطن، والذَّبح بغير سكين ذبحٌ بطريق الخنق، فإنه يؤثِّر في الباطن دون الظاهر، وكذلك القضاء لا يؤثر في الظاهر؛ لأنه جاهٌ وحِشمة، بل يؤثِّر في الباطن؛ فإنه سبب الهلاك. وعن شمس الأئمة الحَلْوَاني أنه كان يقول: لا ينبغي لأحد أن يزدري هذا اللفظ كيلا يصيبه ما أصاب ذلك القاضي. فقد حُكِيَ أنَّ قاضيًا روي له هذا الحديث فازدراه وقال: كيف يكون هذا؟ ثم دعي في مجلسه بمن يسوِّي شعره، فجعل الحلَّاق يحلق بعض الشَّعر تحت ذقنه، إذ عطس، فأصابه الموسى، فألقي رأسه بين يديه. وذكر الشَّيخ الإمام علاء الدِّين السَّمَرْقندي في "تحفة الفقهاء": لقضاء فريضة محكمة على من وجد في نفسه شرائط القضاء من الولاية على المقضي عليه، لتسليم المقضيِّ به إلى المقضيِّ له، وهو السُّلطان أو من يقوم مقَامه؛ لأن هذا من باب الإنصاف للمظلوم من الظَّالم، وهذا مفروض على الخلفاء والسَّلاطين غير أنهم إذا عجزوا بأنفسهم؛ إمَّا لعدم العلم، أو لاشتغالهم بأمور أُخَر، وجبَ عليهم أن يقلِّدوه مَنِ كان يصلح وهو أفقه النَّاس بحضرتهم، وأورعهم، وإن وجدوا اثنين أحدهما أفقه، والآخر أورع، فالأورع أولى؛ لأنه يمكنه أن يقضي بعلم غيره، فلا بدَّ من الورع

стр. 109

حتى لا يتجاوز عن حِّد الشرع، فلا يتصوَّر الباطل بصورة الحقِّ طمعًا في الرشوة. ويجب على من اُستجمِع فيه شرائط القضاء إذا قلَّدوه، حتى إذا امتنع يأثم، إلا إذا كان بحضرتهم من العلماء مَنْ يصلح للقضاء، فلا بأس بأن لا يقبل، وُيعذَر فيدفع عن نفسه إلى غيره؛ لأنه ليس متعيِّن لذلك، والذي تعيَّن لا يحلُّ له الامتناع إذا قُلِّدَ، ولكن لا ينبغي أن يَطلب؛ لأنه ربَّما لا يقلِّدوه، فيذهب ماء وجهه، وحرمة علمه، إلى هنا من "تحفة علاء الدِّين السَّمَرْقندي". وفي "فتاوى قاضي خان": فإن كان جاهلًا عدلًا أو عالمًا غير عدل، لا ينبغي أن يُقلَّده، ولا يُقلَّد لقوله ﷺ : "القضاة ثلاثة: واحد في الجنَّة واثنان في النَّار" (١)، وأراد بالاثنين: الجاهل وغير العادل. والجاهل التَّقيُّ أولى بالقضاء من العالِم الفاسق، ولو تقلَّد القضاء بالرَّشوة لا يصير قاضيًا، وتكون الرَّشوة حرامًا على القاضي وعلى الآخذ، قال الصَّدر السَّعيد في "جواهر الفتاوي"، في كتاب القضاء في باب فتاوي الشَّيخ الإمام جمال الدِّين اليَزْدِي: اختلفت الروايات في القاضي إذا ارتشى، أو فسق ينعزل، أو يستحق العزل، اختار البُخاريون أنه لا ينعزل، وبعضهم قالوا: ينعزل، قال شيخنا وإمامنا جمال الدِّين اليَزْدِي: أنا متحيِّر في هذه المسألة، لا أقدر أن أقول: لا تنفذ أحكامهم؛ لما أرى من التخليط والارتشاء والجرأة فيهم، ولا أقدر أقول: لا تنفذ أحكامهم، لأن كل (٢) أهل زماننا كذلك، فلو أفتيْتُ بالبطلان أدَّى ذلك إلى إبطال الأحكام، فحكم الله بيننا وبين

стр. 110

قضاة زماننا، أفسدوا علينا ديننا، وشريعة نبينا ﷺ ، لا بقي منهم لا اسم ولا رَسْم. إلى هنا كلام الصَّدر السَّعيد ركن الدِّين أبي المفاخر محمَّد بن عبد الرَّشيد الكَرْماني. يقول الفقير: رحم الله الشَّيخ الإمام قاضي القضاة جمال الدِّين أبا سعيد المُطهَّر اليَزْدِي، وفي عصره تمام انتظام العلم والدِّين، وكمال نظم أحوال الفقهاء ومشايخهم العاملين المتورِّعين، وتاريخ زمانه أثناء الثَّلاثين (١) والسِّتين وخمسمئة، فرغ من شرح "الجامع الصغير" على ترتيب الزَّعْفَراني، المسمَّى بـ "التهذيب" سنة سبع وخمسين وخمسمئة، وذلك قبل فترة جنكيز، ولو أدرك المولى الإمام جمال الدِّين أبناء زماننا هذا لاقتصر المقال على قول من قال: أما الخيام فإنَّها كخيامِهم … وأرى نساءَ الحيِّ غيرَ نسائِها (٢) وبقيْتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأَجْرَبِ (٣) سيَّما الذين كانوا يصرفون شرائف أوقاتهم إلى الملازمة في مسألة القضاء، متردِّدين أبواب الأكابر في الصُّبح والمساء، ومختلفين إلى الوسائط في الضُّحى والعشاء، ملحِّين للدُّخول، ملتجئين (٤) الوصول، فلا يساعدهم البوَّاب (٥)، ولا يفتح لهم الأبواب، ثم يتخذون شفعاء من حواشيهم، وحملة غواشيهم، تبًّا لهم ومواشيهم، يهتكون عرضهم، ويذيبون ماء وجههم، ولم يصونوا حُرمة علمهم،

стр. 111

كأنهم ما ذاقوا لذَّة العلم والحكمة، ولم يلتذُّوا بحلاوة المعرفة والفضيلة، ولا سيَّما الذين كان جمع الحطام همَّتهم، فيُلقي الشيطان أمنيتهم، بملازمة بيوت اليهود والنَّصارى، واتخاذهم الوسائط والشُّفعاء، فنعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، ونقول: لا إله إلا الله محمَّد رسول الله. وعن عبد الله الطَّبَراني أنه قال: لا إله إلا الله محمَّد رسول الله أربعة وعشرون حرفًا، واللَّيل والنَّهار أربعة وعشرون ساعة، فإذا قال العبد من قلبه بالصِّدق: لا إله إلا الله محمَّد رسول الله، يقول الرَّحمن ﷻ : أتيت هذه الأربعة والعشرين، وقد خلقت ساعات ليلك ونهارك أربعة وعشرين، وكل ذنب أذنبته في هذه السَّاعات؛ صغيرها وكبيرها، سرِّها، وعلانيتها، خطأها وعمدها، قولها وفعلها، غفرت لك بقولك مرة واحدة: لا إله إلا الله محمَّد رسول الله. قال أبو منصور: إنّ الله جعل العذابَ عذابَيْن؛ عذابًا في الدُّنيا، وعذابًا في الآخرة، فعذاب الدُّنيا هو السَّيف بيد الرَّسول وأصحابه، وعذاب الآخرة وهي النَّار بيد مالك وأعوانه، فالسَّيف في غِلاف يُرى، والنَّار في غلاف لا يرى، ثمّ إنّ الله تعالى أعطاك اللِّسان والقلب، فاللِّسان في غلاف يرى، والقلب في غلاف لا يُرى، فاللَّه تعالى قال لنبيِّه ﷺ : من أخرج لسانه بذكري وهو في غلاف يُرى أُدخل السِّيف في غلاف يُرى، وهو الغِمْد، ومن اشتغل قلبه بذكري وهو في غلاف لا يُرى، أُغلق عليه باب النَّار، وهو في غلاف يُرى، ومن اشتغل بذكري باللِّسان والقلب صان نفسه من سيف الدُّنيا ونار الآخرة. وعن أحمد بن سهيل الزَّاهد قال: رأيت يحيى بن أَكْثَم في المنام، فقلْتُ له: ما فعل الله بك؟ قال: قدَّموني إلى ربي ﷻ ، فقال الله تعالى يا شيخ السُّوء

стр. 112

جئتني بتخليط كثير، فقلْتُ: يا رب حدثني عبد الرَّزاق، عن معمر، عن الزُّهري، عن عُرْوَة، عن عائشة ﵂، عن النبيِّ ﷺ ، عن جبريل، عنك جلَّ جلالك أنَّك قلْتَ: "إني لأستحي من عبدي وأمَتي أنْ أعذِّبهما بالنَّار وقد شابا في الإسلام" (١)، وهما يشهدان عليَّ ويصدِّقان ما أمرت، وأنا شيخ ضعيف، فقال الربّ: صدق عبد الرَّزاق ومعمر، وصدق الزُّهري وعروة وعائشة، وصدق النبيُّ، وصدق جبرائيل، أنا قلت ذلك، أحملوا به إلى دار اليمين، يعني الجنَّة، ذكرها الزَّنْدَوِيْستي كلها في الباب السادس من "روضته". وذكر في أول هذا الباب: ولو أنَّ رجلًا تزوَّج امرأة مسلمة، فينبغي له إذا خلا بها أن يسألها عن الإسلام أوَّلًا، فإنْ وصفَتْ حلَّ له المقام معها، لأنَّها مسلمة مثله، وإن لم تصفْ لم يجزْ له نكاحها كالمرتدَّة، ولو قال لها الزوج قولي معي: لا إله إلا الله محمَّد رسول الله، أمنت باللَّه وملائكته وكتبه ورسله، وأنَّ الجنَّة والنَّار حقٌّ، وأنَّ السَّاعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور، فيكون هذا أدخل في الأدب؛ لأنَّه لو يقول: لها صِفي لي الإسلام، فلعلَّ أنَّها تستحي ويشقُّ عليها، فالمرأة لا تحلُّ إلا بهذه الكلمات. نقل شيخ الإسلام محمَّد، الشهير بالمولى خُسْرَو في "دور الحكام" عن "الذَّخيرة": أن تعليم صفة الإيمان للنَّاس وبيان خصائص أهل السُّنَّة والجماعة من أهم الأمور، وللسلف ﵏ في ذلك تصانيف، والمختصر أن يقول:

стр. 113

ما أمرني الله تعالى به قَبلْتُه، وما نهاني عنه انتهيْتُ عنه، فإذا اعتقد ذلك بقلبه وأقرَّ بلسانه كان إيمانه صحيحًا، وكان مؤمنًا بالكلِّ. وفيه إذا قال الرَّجل: لا أدري أصحيح إيماني أم لا؟ فهذا خطأ، إلَّا إذا أراد بإيمانه نفي الشكِّ. كمن يقول بشيء نفيس: لا أدري أيرغَبُ فيه أحد أم لا؟ ومن شكَّ في إيمانه، أو قال: أنا مؤمن إن شاء الله فهو كافر، إلَّا أن يؤَوّلها، فقال: لا أدري أخرج من الدنيا مؤمنًا، فحينئذ لا يكون كفرًا. ونقل فيه عن "المحيط": من أتى بلفظة الكفر مع علمه أنَّه كفر، إن كان عن اعتقاد لا شكَّ أنه يكفر، وإن لم يعتقد أو لم يعلم أنها لفظة الكفر، ولكن أتى بها عن اختيار فقد كفر عند عامة العلماء، ولا يُعذر بالجهل، وإن لم يكن قاصدًا في ذلك؛ بأن أراد أن يتلفَّظ آخر فجري على لسانه لفظة الكفر، نحو إن أراد أن يقول: (بحق أنكه تؤخدائى وما بند كَان تو)، فجري على لسانه عكسه لا يكفر. وفي "الأجناس" عن محمَّد نصَّ أن من أراد أن يقول: أكلْتُ، فقال: كفرْتُ؛ أنه لا يكفر. قالوا: هذا محمول على ما بينه وبين الله تعالى، فأمَّا القاضي لا يصدِّقه. وفي "سير (١) الأجناس": من عزم على أن يأمر غيره بالكُفْر، كان بعزمه كافرًا، ومن تكلم بكلمة الكفر وضحك غيره، يكفر الضَّاحك، إلَّا أن يكون الضَّحك ضروريًّا، بأن يكون الكلام مُضحِكًا. إلى هنا من "الدرر". * * * [الصحابة] عن أبي زُرْعَة: قُبِضَ النبيُّ ﷺ عن مئة ألف وأربعة عشر ألفًا من الصَّحابة ممَّن روى عنه وسمع منه.

стр. 114

وعن السَّمْعانِي قال: كان بالشَّام عشرة آلاف عَينٍ رأَتْ النبيَّ ﷺ . وعن ابن الأثير نقلًا عن زيد بن ثابت، وعن الحاكم نقلًا عن معاذ بن جبل، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك زيادة على ثلاثين ألفًا (١). وعن أبي زُرْعَة كانوا بتبوك سبعون ألفًا، كذا في "الجواهر المضيَّة" نقلًا عن "الإكليل" للحاكم. وقال فيه: ذكر ابن الأمين فيما استدركه علي بن عبد البَرِّ عن أبي زُرْعَة، وسئل عن عدة من روى عن النبي ﷺ ، قال: ومن يَضْبط هذا، شهد معه حجة الوداع تسعون ألفًا، وشهد معه بتبوك أربعون ألفًا، والله أعلم] (٢). واختلف (٣) في حَدِّ الصَّحابة؛ فالمعروف عند المحدثين: أنه كلُّ مسلم رأى النبيَّ ﷺ (قال ابن حجر في "المختصر": الصَّحابي كلُّ مسلم رأى النبي ﷺ (٤)، وقيل: من صحب النبيَّ ﷺ سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوَتَيْن، [ويؤيِّد هذا قول أنس ﵁، وقد سئل عنه: هل بقي أحد من أصحاب رسول الله ﷺ غيرك؟ فقال: بقي ناس من الأعراب قد رأوه، وأما من صحبه فلا (٥). محمول على إرادته مَنْ صَحب الصُّحبة الوفيَّة، وإلَّا لزم أن لا (٦) يُعدَّ جرير بن عبد الله من الصَّحابة، وكذا كل من شاركه في فقْدِ هذا الشَّرط ممَّن لا خلاف أنَّه من الصَّحابة.

стр. 115

والصَّحابي لغة: من صحب ولو ساعة. وعرفًا: من كثرَتْ صحبتُه، ولا حدَّ لتلك الكثرة. وقيل: من طالَتْ صحبتُه على سبيل الأخذ والاتباع. إلى هنا كلام ابن حجر. وقال فيه: عدالة الصحابة مقطوع بها بإجماع من يعقد (١) بإجماعه، من لابس منهم الفِتن ومَنْ لم يلابس، خلافًا للمعتزلة فيمن قاتل عليًّا ﵁] (٢). وأفضل الصَّحابة رضوان الله عليهم أجمعين على الإطلاق أبو بَكر، ثم عُمر، ثم عُثمان، ثم عَليّ، بإجماع الصَّحابة (٣) وأهل السُّنَّة في الأوَّلَين، وجمهور أهل السنَّة في الآخرَيْن، وقدَّم طائفة من أهل السُّنَّة عليًّا على عُثمان، منهم الثَّوري أوَّلًا (٤)، ثم رجع إلى تقديم عُثمان. قال أبو منصور البغدادي: أصحابنا مجمعون على أنَّ أفضلهم على الإطلاق الخلفاء الأربعة، ثم تمام العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل أُحد، ثم أهل بيعة الرضوان، ومن له مزيَّة من أهل العقَبَتَيْن من الأنصار، والسَّابقون الأوَّلون وهم من أهل القِبْلَتين، في قول ابن المسيِّب وطائفة (٥)، وفي قول الشَّعبي: أهل بيعة الرُّضوان (٦)، وفي قول محمَّد بن كعب وعطاء: أهل بدر (٧).

стр. 116

وأوَّل الصَّحابة إسلامًا من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصِّبيان عليٌّ، ومن النِّساء خديجة، ومن الموالي زيد، ومن العَبِيد بلال. قال أبو طالب المكِّي في "قوت القلوب" في ذكر فضل علم المعرفة على سائر العلوم من الفصل الثلاثين: "قبض رسول الله ﷺ عن ألوف من صحابته، كلِّهم علماء باللَّه تعالى، فقهاء عن الله أهل رضوان من الله تعالى، ولم يُنصِّب أحدٌ (١) نفسه للفتيا، ولا حُملت عنه الأحكام والقضايا إلا بضعة عشر رجلًا. [وكان ابن عُمَر إذا سُئل عن الفتيا، قال: اذهب إلى الأمير الذي تقلَّد أمور النَّاس فضَعْها في عنقه. وروِّينا ذلك عن أنس بن مالك، ثم جماعة من الصَّحابة والتَّابعين بإحسان. وكان ابن مسعود ﵁ يقول: إن الذي يفتي الناس في كل مسألة يستفتونه لَمجنون. وكان ابن عمر ﵁ يُسئل عن عشر مسائل فيجيب عن مسألة، ويسكت عن تسعة. وكان ابن عباس ﵁ على ضد ذلك، كان يُسئل عن عشرة فيجيب عن تسعة، ويسكت عن واحدة، وكان من الفقهاء من يقول: لا أدري أكثر من أن يقول: أدري"، إلى هنا من "قوت القلوب" (٢). واعلم أنَّ الصَّحابة ﵃ على ثلاث طبقات، منهم المكثرون فيما يروي عنهم من الفتيا، ومنهم المتوسِّطون في الفتيا، ومنهم المقلُّون فيها. قال عبد القادر في "فوائد الجواهر المضية": والمكثرون من الصَّحابة ﵃ فيما يروي عنهم من الفُتيا: أم سَلَمة أم المؤمنين، أنس بن مالك، أبو سعيد الخُدْري، أبو هريرة، عُثمان بن عفَّان، عبد الله بن عَمْرو بن العاص،

стр. 117

عبد الله بن الزُّبير، أبو موسى الأشعري، سَعد بن أبي وقاص، سَلمان الفارسيِّ، جابر بن عبد الله، معاذ بن جبَل، أبو بكر الصِّديق، فهؤلاء ثلاث عشرة يمكن أن يُجمَع من فتيا كلِّ واحد منهم جزءٌ صغير جدًّا. ويضاف إليهم طَلحة بن الزبير، عبد الرَّحمن بن عوف، عِمران بن الحُصين، أبو بَكْرَة، عُبادة بن الصَّامت، معاوية بن أبي سفيان، فهؤلاء سبعة. والباقون منهم ﵃ مقلُّون في الفتيا جدًّا، لا يُروَى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان، والزِّيادة اليسيرة على ذلك فقط، يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير فقط بعد البحث، وهم: أبو الدَّرداء، وأبو عُبيدة بن الجراح، وسَعيد بن زَيد، وأُبَيُّ بن كَعب، والحَسَن والحُسَين ابنا عليٍّ، وأُسامَة بن زَيد، وأبو ذرٍّ، وعتَّاب بن أَسِيْد، إلى عدة في الجواهر مئة وأربعة وعشرين صحابيًّا رضي الله تعالى عنهم، فكلٌّ مِنْ هؤلاء المقلِّين في الفتيا لا شكَّ أنَّه أفتى أهله وجيرانه وقومه] (١). ووظيفة كتابنا هذا ذكر أعلام الأخيار من فقهاء الأعصار من الصَّحابة، والتَّابعين، والسَّلف الصَّالحين، والأئمة المجتهدين، والفقهاء المتقدمين والمتأخرين، أبقاهم الله وأمثالهم إلى يوم الدِّين، فبذكر (٢) المكثرين والمتوسطين من الصَّحابة في هذا الكتاب -رضوان الله تعالى عليهم أجمعين- يكمل الغرض والفائدة، وتحصل الجدوى والعائدة. واعلم أنَّ أصحاب رسول الله ﷺ لما كانوا بشرف صحبته سالمين عن الطَّعن، وببركة خدمته خالصين عن شَوْب الشَّيْن، تقلَّدوا القضاء واختاروه (٣)،

стр. 118

وكذا سادات التَّابعين تقَّلدوا لقرب عهدهم إلى النبيِّ ﷺ ، وتشرفهم (١) بصحبة الأصحاب ﵃، فأمَّا أئمتنا ومشايخنا وأسلافنا لما شاهدوا الاضطراب في بني العبَّاس، وعاينوا الاختلال في أحوال النَّاس، خافوا من أن لا يُوفَى حق القضاء، فاختلفوا في أمره وترددَّوا؛ فمنهم من دُعي إليه فقبله (٢)، (وأوفى حقَّه) (٣)، ومنهم من ضُرِبَ عليه فلم يقبل حتى قضى نحبه (٤)، ولقي ربه؛ ومنهم من اختفى وهرب، ومنهم من حُبس واضطرَّ فرغب. والآن بحمد الله المنَّان (٥)، سيق كُمَيْت الكلام، وعنان الأقلام، إلى كَتْب كتيبة أعلام الأخيار من خيار أصحاب النبيِّ المختار عليهم رضوان الله الملك الغفَّار. * * *

стр. 119

كتيبة أعلام الأخيار من أصحاب النبيِّ المختار [٢٥ - أبو بكر الصِّدِّيق (٦)] أبو بكر الصِّدِّيق، عبد الله بن أبي قُحافة عُثمان (٧) ﵃. في "فوائد الجواهر المضيّة": لا يُعرف أربعة من الصَّحابة متوالدون (٨)، أدركوا النبيّ ﷺ إلا عبد الله بن أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة، وهو عبد الله بن الزُّبير، وأسماء هي ذات النِّطاقين، تزوَّجها الزُّبير بمكة، فولدت له عبد الله، وكانت مع ولدها عبد الله بمكَّة حتى قُتِل، وبقيت مئة سنة حتى عَمِيَتْ، وماتت بمكَّة، ذكره ابن قُتيبة. وكان اسم أبي بكر في الجاهلية عبد الكعبة، فسمَّاه رسول الله ﷺ عبدَ الله، ولقَّبه عتيقًا لجمال وجهه، ويقال: إنّه سُمِّي عتيقًا لأنَّ رسول الله ﷺ قال له: أنت عتيق من النَّار. وسُمِّي صديقًا لتصديقه خبر الإسراء. أسلم أبوه أبو قحافة يوم فتح مكة، وأتى المدينة، وبقي حتى أدرك خلافة أبي بكر، ومات أبو بكر قبلَه، وورثه أبو قحافة السُّدس فردَّه على ولد أبي بكر. وكانت وفاته سنة أربع عشرة في خلافة عُمَر بن الخطَّاب ﵃، وله يوم قُبض سبع وتسعون سنة. ووُلد أبو بكر بمكَّة، وتوفي بالمدينة لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة، سنة

стр. 120

ثلاث عشرة من الهجرة، وله ثلاث وستون سنة، وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيام. وهو أول خليفة قضى وألزم، وأول إمامٍ قام بأمر الدِّين، وحكم بين المسلمين، بعد نبيِّنا ﷺ خاتم النبيين وأفضلهم، ولم يختلف عليه ولا فيه أحدٌ من الصحابة رضوان الله عليهم. [وكان من أهل الاجتهاد، ولولا أنّه كان كذا، كان أهلًا بأن تولَّى الحكم والأمر والنَّظر على المسلمين، ولا يجوز أن يكون القائم في أمر الأمَّة بعد الرَّسول إلَّا من يعلم الجميع، لا سيَّما ولم يفرِّق بين المسلمين مالًا، ولا استعان على الصَّحابة بعشيرة. بُويع له يوم وفاة النبيِّ ﷺ ، وهو القائل للأنصار: يا معاشر الأوس والخزرج! أما علمتم أنَّا معاشر قريش أكرم العرب أنسابًا، وأتقنها أحسابًا، وأنَّا نزلنا من العرب أحياها منزلة الوسط من القلادة، وأنّ العرب جِيْبَتْ (١) عنَّا كما جِيْبَت (٢) الرَّحى عن القُطَب، وأَنَّا عترة النبيِّ ﷺ . . . والخبر طويل (٣). فسلَّموا له بنظر وإذعان واعتراف له بالتَّقدم والعلم والسِّن] (٤). وكان ﵁ كبير الشَّأن، زاهدًا صابرًا خاشعًا (صادقًا رؤوفًا) (٥)، عديم النَّظير في الصَّحابة، وكان أفضل النَّاس بعد الأنبياء. ولما قُبضَ النبيُّ ﷺ ارتدَّت العرب ومَنعَتِ الزكاة، فلمَّا استُخْلِف الصِّدِّيق جمع

стр. 121

الصَّحابة ﵃ وشاورهم في القتال، فاختلفوا عليه، وقال عمر ﵁: كيف نقاتل النَّاس وقال رسول الله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل النَّاس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمَّد رسول الله، فمن قالها (١) عصم منّي ماله ودمه"؟ فقال الصِّدِّيق: والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإنَّ الزكاة حق المال، والله لو منعوني عِقالًا (٢) كانوا يؤدّونها رسول الله ﷺ لأقاتلهم (٣) على منعها. قال عمر: فقلْتُ: تألَّف النَّاس وترفَّق بهم، فقال لي: أجبَّار في الجاهلية، وخوَّار في الإسلام، يا عمر! إنَّه قد انقطع الوحي، وتمَّ الدِّين، أينقصُ وأنا حيٌّ؟! ثم خرج لقتالهم (٤). روى الدَّمِيْري في "حياة الحيوان" عن أبي الرَّجاء العُطَارِدي: دخلْتُ المدينة فرأيْتُ النَّاس مجتمعين، ورأيت رجلًا يُقبِّل رأس رجل يقول: أنا فِداك، والله لولا (٥) أنت لهلكنا فقلتُ: من المقبِّل والمقبَّل، قالوا: عُمَر يقبِّل رأسَ أبي بكر ﵄ من أجل قتال أهل الردَّة. وهو الذي فرَّق عند (٦) سماع ما سُمع من أقوال مسيلمة الكذَّاب بيَّن ما هو من كلام الله، وبيَّن [ما هو من] كلامٍ مخلوقٍ (٧).

стр. 122

وجاءته جَدة تطلب حقَّها من الميراث، فقال: لا أجد لك في كتاب الله حقًّا، وهذا قول لا (يجوز أن) (١) يقوله إلا مَنْ هو أعلم النَّاس بالقرآن ومعانيه، (حتى قطع أنَّه لا يجد لها شيئًا في الوقت والحال سرعة ذكرًا (٢)، إلا أنَّه قد تحقَّق ذلك بالحفظ) (٣)، فلما شهدَ المغيرةُ (بن (٤) شعبة) (٥)، وعبد الرَّحمن بن عوف أنَّ النبيَّ ﷺ أعطى الجدَّة السُّدس، قضى بقولهما، ورجع إلى روايتهما (لما سمع الرِّواية عمَّن يجب قَبول قوله في الأحكام) (٦). ذكره الشَّيخ الإمام علي السِّمْناني في "روضة القضاة" (٧). وذكر الصَّدر الشَّهيد في "شرح أدب القضاء" للخَصَّاف في تفسير العدل ما نقل عن أبي بكر ﵁: أنه سُئل عن العدل على المنبر، فأجاب على البديهة (٨): العدلُ أنْ تأتي أخيكا (٩) … ما مثله من نفسِه يرضيكا (١٠)

стр. 123

وعُدّ هذا من فصاحة أبي بكر ﵁. كان يقضي (١) بالمدينة وينوب عنه (وعلى مكة) (٢) عتَّاب بن أَسِيْد، وعلى الحراسَة (أبو عبيدة) (٣) عامر (٤) بن (٥) الجرَّاح، وعلى الطَّائف عُثمان بن أبي العاص، وعلى صنعاء المهاجر بن أميَّة، وعلى حضرموت زياد بن أميَّة، وعلى زُبَيْد ورِمَع (٦) أبو موسى الأشعري، وعلى خَيْبَر معاذ بن جبل، وعلى البحرين العلاء، وعلى نجران جَرِير بن عبد الله. ثم عَمْرو بن العاص أمَّره (٧) وبعثه نحو فلسطين، ويزيد بن سفيان، وخالد بن سعيد، وعلقمة بن عبد الله، ومعاوية بن أبي سفيان، وأسامة بن زيد، وهذه جملة من أصحابه وإخوانه. وَفَتَحَ اليمامة، وقتل مسيلمة الكذَّاب، وبعث الجيوش إلى الشَّام والعراق. وروى عن النبيِّ ﷺ مئة واثنين وأربعين حديثًا، منها في الصحيحين ثمانية عشر حديثًا، انفرد البُخاري بأحد عشر ومسلم بواحد، رواه ابن الملك في "شرح (٨) المشارق" في حديث: "لا نورث، وما تركنا صدقة" (٩).

стр. 124

قال سعد الملَّة التَّفْتَازَانِي في "شرح المقاصد": لما مرض أبو بكر قال لعُثمان ﵄: اكتب: بسم الله الرَّحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، داخلًا فيها، حين يؤمن الكافر، ويبرّ (١) الفاجر، ويصدِّق الكاذب، إني أستخلف عمر بن الخطاب، فإن عدل فذاك ظنّي به (٢)، وإن بدَّل فجارٍ لكل امرئ ما اكتسب، والخيرَ أردتُ، ولا أعلم الغيب، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. فلما عرض الكتاب على الأصحاب قَبلوا، وبايعوا على عمر ﵁، ولما بلغ الكتاب إلى علي ﵁ قال: بايعنا بمن فيه وإن كان عُمر. فلما مات ﵁ حُمِل على السَّرير الذي كان ينام عليه الرَّسول ﷺ ، وهو سرير عائشة ﵂، وهو من حشيش من ساج منسوج باللّيف، بيع هذا السَّرير في ميراث عائشة ﵂، فاشتراه رجل من موالي معاوية ﵁ بأربعة آلاف درهم، فجعله للنَّاس، وهو بالمدينة، وصلَّى عليه عمر بن الخطَّاب، ونزل (٣) في حفرته عمر، وطلحة، وعثمان، وعبد الرَّحمن بن أبي بكر، ودُفن مع النبيِّ ﷺ في بيت عائشة، ذكره ابن قتيبة في "المعارف". قال المولى العارف باللَّه تعالى الشَّيخ عبد الرَّحمن الجامي في أوائل "نفحاته"، روى الإمام المُسْتَغْفِري ﵀ بإسناده عن جابر ﵁: قال (٤) أبو بكر

стр. 125

(الصدِّيق ﵁ لأصحابه) (١): إذا أنا متُّ فجيئوا بي على الباب، يعني باب البيت الذي فيه قبر رسول الله ﷺ فادفعوه، فإن فُتح لكم فادفنوني. قال جابر بن عبد الله ﵁: فانطلقنا فدفعنا الباب، فقلنا: هذا أبو بكر ﵁، قد اشتهى أن يُدفن عند النبيِّ ﷺ ففُتح الباب، لا ندري من فتح لنا، وقال: ادخلوا ادفنوه كرامة (٢)، ولا نرى شخصًا، ولا نرى شيئًا (٣). أورد ذلك (٤) حجَّة على منكر كرامات الأولياء. والله أعلم. * * * [٢٦ - عمر بن الخطاب (٥)] أمير المؤمنين، خليفة خاتمة النبيِّين، الفاروق الصَّادق، (المؤيَّد (٦) في الانتصار) (٧)، مظهر شعار الإسلام في كافة المدآئن والأمصار، أبو حَفْصٍ عُمَر بن الخطاب ﵁. بُويع له في اليوم الذي مات فيه أبو بكر ﵁، وهو ابن اثنين وخمسين

стр. 126

سنة، ولم يختلف عليه اثنان، ولا شُهر في وجهه سيف، وهو أوَّل من خوطب بأمير المؤمنين، وأعزَّ الله تعالى بإسلامه الدِّين. وهو من المهاجرين الأوَّلين، شهد بدرًا وجميع المشاهد مع رسول الله ﷺ ، فقام بأمر الدِّين أحسنَ قيام، ونظَّم قوانين الشَّرع أحسن نظام، وهو أوَّل من دوَّن الدَّواوين، وفُتحت الدُّنيا علي يديه، ومضت دولة الفرس، ووَضع الخراج، وطبَّق طبقات أهل الذمَّة، وأوَّل من أرَّخ التاريخ بعام هجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة، وذلك في عام (١) ستة عشر، وفيها كان فتح بيت المقدس صلحًا، وفيها نزل سعد ابن أبي وقاص ﵁ الكوفة ومصَّرها. فعاش بعد أبي بكر ﵁ بمثل سيرته، وجهاده بالصبر على العيش الخشن، والخبز الشعير، والثوب الخام المرقوع، والقناعة باليسير، فتح الفتوحات الكبار، وغلب (٢) الأقاليم الشاسعة، ومع هذا كلِّه بقي على حاله ﵁ كما كان قبل الولاية في لباسه وزيِّه وأفعاله وتواضعه، يسير مُنفردًا في سفره وحضره، من غير حرس ولا حُجَّاب. ومناقب فضله كثيرة (لا تحصى) (٣)، وحسبك أنَّه كان وزير أشرف الورى ﷺ ، عاش حميدًا، وتوفي (٤) سعيدًا شهيدًا، فما يبغضه إلا زنديق، أو جاهل مفرط الجهل، وكان لا يطمع الشَّريفُ في حيفه (٥)، ولا ييأس الضَّعيف من عدله.

стр. 127

وهو أوَّل من عسَّ باللَّيل في عمله (أي: كان يمشي ليلًا) (١)؛ ليحفظ النَّاس والدِّين، ونزل ﵁ بنفسه (٢) من مال الله تعالى منزلة رجل من المسلمين، جعل فرضه كفرض رجل من المهاجرين، وهو أفضل الصَّحابة في عصره في العلم والقول والزُّهد والورع والرأي (٣) والاجتهاد. رُوي أنَّ النَّاس هابته هيبة عظيمة، حتى تركوا الجلوس بالأفنية (٤)، فلمَّا بلغه هيبة النَّاس له (٥) جمَعهم، ثم قام على المنبر حيث كان أبو بكر ﵁ يضع قدميه، فحمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله، ثمّ صلَّى على النبيّ ﷺ ، ثم قال: بلغني أنَّ النَّاس قد هابوا شدَّتي، وخافوا غِلْظتي، وقالوا: قد كان عمر يشتدُّ علينا ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، ثم اشتدَّ علينا وأبو بكر ﵁ واليًا دونه، فكيف الآن وقد صارت الأمور إليه؟ ولعمري من قال ذلك فقد صدق، كنت مع رسول الله ﷺ فكنت عبدَه وخادمه حتى قبضه الله تعالى وهو عنِّي راضٍ والحمد لله، وأنا أسعد الناس بذلك، ثم ولي النَّاس أبو بكر، فكنت خادمه وعونه، أخلِط شدَّتي بلينه، فأكون سيفًا مسلولًا حتى يغمدني أو يدعني، فما زلْتُ معه كذلك حتى قبضه الله تعالى وهو عنِّي راضٍ، والحمد لله، وأنا أسعد النَّاس بذلك، ثم إنّي ولِّيتُ أموركم. اعلموا أنَّ تلك الشِّدة قد تضاعفَتْ، ولكنها إنَّما تكون على أهل الظلم والتعدِّي

стр. 128

على المسلمين، وأما أهل السَّلامة والدِّين فأنا ألين إليهم من بعضهم لبعض، ولست أدع أحدًا يظلم أحدًا ويتعدَّى عليه (١) حتى أضع خدَّه بالأرض وأضع قدمي على الخدِّ الآخر حتى يُذْعِن بالحقِّ. ولكم عليَّ أيها النَّاس إني لا أخبأ عنكم شيئًا من خراجكم، وإذا وقع عندي أن لا يخرج إلا بحقِّه، ولكم عليَّ أن لا ألقيكم في المهالك، فإذا غبتم في البعوث (٢) فأنا أبو العيال حتى ترجعوا، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم. قال سعيد بن المسيب فوفّى والله عمر ﵁ وزاد في الشدة في مواضعها واللين في موضعه (٣). وكان أبا (٤) العيال حتَّى كان يمشي إلى الَّلواتي غاب عنهنَّ أزواجُهن، ويقول: ألَكنَّ حاجة حتى أشتري لكنَّ، فإني أكره أن تخدعْنَ في البيع والشِّراء، فيرسلْنَ معه بجواريهنَّ، ومَنْ كان ليس عندها (٥) شيء اشترى لها من عنده ﵁، كذا ذكره الدَّمِيْرِي في الأوز من "حياة الحيوان". وله ﵁ في باب (٦) القضاء كتب ليس لأحد مثلها، فمن ذلك كتابه إلى أبي موسى الأشعري، (ولا أجمع في ذلك الباب منها، ولا أدلَّ على علمه وفضله) (٧)

стр. 129

منها، ما (١) نقله الشَّيخ الإمام أبو القاسم على السِّمْناني في "روضة القضاة" عن الوليد بن مَعْدان أنَّه قال: كتب عمر ﵁ إلى أبي موسى الأشعري: "أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنَّة متَّبَعة، فافهم إذا أوتي إليك، فإنه لا ينفع تكلُّم بحقٍّ لا نَفاذ له، أَسْوِ بين الناس في وجهك ومجلسك وعدْلك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. البيِّنة على المدَّعي، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرَّم حلالًا أو أحلَّ حرامًا، ولا يمنعك من قضاء قضيِّة فراجعت فيه نفسك وهديتَ فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق فيه قد تم، فلا يبطل الحق، ومراجعة الحق خير من التَّمادي في الباطل، الفهمَ الفهمَ، فيما يختلج في صدرك بما ليس في (٢) قرآن ولا سنّة. ثم اعرف الأشباه والأمثال، فقسْ الأمور بالأمور عندك، واعتمد إلى (٣) أقربها إلى الله تعالى وأشبهها بالحق. واجعل لمن يطلب حقًّا غائبًا أو شاهدًا أمدًا ينتهي إليه، فإن أحضر بيِّنة (٤) أخذه بحقِّه، وإن عجز عنها استحللت عليه القضية، فإنّه أبلغ للعذر وأجلُّ للعمل. المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودًا في قذف، أو (مجرّبًا عليه شهادة زور) (٥)، أو ظَنِينًا في ولاء أو قرابة، فإنّ الله تعَالى تولَّى منكم السرائر

стр. 130

ودرأ عنكم بالبيِّنات والأيمان، وإيَّاك والغضب، والقلق، والضَّجر، والتَّأذي بالناس، واسكن عند الخصومة، فإنّ القضاء في مواطن الحقّ، يوجب الله به الأجر ويحسن به الذّكر. ومن خلصت نيته في الحقّ واتَّقى على نفسه زانه الله تعالى به، ومن تزيّن للناس بما يعلم الله أنَّه ليس في قلبه شانه الله تعالى، فما ظنّك بثواب عند الله تعالى مع عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام" (١). انظر إلى بلاغة كلامه مع وَجازة ألفاظه وكثرة معانيه، كيف جمع فيه مواضع الحكم والاجتهاد، وهذا لا يصدر إلا ممَّن (٢) له زيادة فضل ومعرفة، وكمال علم ورأي وإيقان (٣) وإتقان. [قال الصَّدر الشَّهيد في "شرح الخَصَّاف": "القضاء فريضة محكمة"، (يعني الحكم بين الخصمين بحقّ، فريضة محكمة) (٤)، كان ثابتًا في شريعة مَنْ قبلنا وبقي في شريعتنا، لم يرد عليه النسخ والتبديل. و"سُنَّة متَّبعة": يعني سُنَّة غير مهجورة. ثم قال: "فافهم إذا أوتي إليك" أي (٥): فرِّغ خاطِرك إذا تقدم إليك الخصمان، ورفعا الحادثة إليك، لتسمع كلامهما، فتتوصل به إلى القضاء بحقِّ.

стр. 131

"فإنه لا ينفع تكلُّم بحق لا نفاذ له" يعني: المدِّعي ربما يقرّ بما يبطل دعواه، أو المدَّعي عليه بما يلزمه فلا يحتاج إلى القضاء، فإذا لم تسمع ذلك لتنفذه لا ينفع التكلُّم بذلك الكلام وهو حق. وفي "الخَصَّاف": والصُّلح جائز بين النّاس، وذكر محمَّد ﵀ في "كتاب القضاء": والصُّلح جائز بين المسلمين، وما ذكره الخَصَّاف أعمّ؛ لأنَّه يتناول المسلمين وغير المسلمين. وحجَّ عمر ﵁ بالنَّاس عشر سنين متوالية، وقضى بين المسلمين، وأقام الحدود، وولَّى القضاة وتولَّاهم] (١)، وقضاة عمر كثيرون لاتِّساع البلاد، (وانتشار الدعوة) (٢)، منهم: عبد الله بن مسعود ولَّاه الكوفة، وسعد بن أبي وقَّاص ولَّاه الكوفة، ثم عزله، وشُرَيح القاضي استقضاه على الكوفة. وكتب عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة: أما بعد؛ فإنِّي بعثت إليكم عمّارًا أميرًا، وعبد الله قاضيًا ووزيرًا، فاسمعوا لهما وأطيعوا، فقد آثرتكم (٣) بهما (٤). يعني عمَّارًا وابن مسعود. فقال لشُرَيح حين استقضاه وهو من سادات التَّابعين في الموسم: كيف تقضي في أموال الناس؟ قال: بالبيِّنات. قال عمر ﵁: أحرزْتَ نفسك وأهلكْتَ أموال النّاس. [ولما ولّى عمر ﵁ أبا موسى الأشعري ببصرة، وعزل المغيرة كتب

стр. 132

إليه مكتوبًا بإعجاز بليغ، أما بعد: بلغني عنك أمر عظيم، وولّيت أبا موسى عليك فأقبلْ إليَّ. فلما أرسل أبا موسى ببصرة سأل عن (١) عمر أن يرسل معه من الفقهاء حتى يتقوَّى بهم، فأرسل معه أنس بن مالك، وعِمران بن الحُصَين. ووضع الخراج على الشَّام حين افتتحها عَمْرو بن العاص، وعلى أرض السَّواد حين فتح (٢) سواد العراق، بعث عُثمان بن حُنَيْف حتى يمسح سواد العراق، وجعل حُذيفة ﵁ مشرفًا، فمسح ستًّا وثلاثين ألف ألف جريب، ووضع على أهلها من كل جريب يبلغه الماء قفيز هاشمي، وهو الصاع ودرهم، ومن جريب الرطبة خمسة دراهم، ومن جريب الكرم المتصل والنخل المتصل عشرة دراهم، وكان بمحضر من الصحابة ﵁ من غير نكير فكان إجماعًا. ولم يضع الخراج على أرض العرب؛ لأنَّ وضع الخراج من شرطه أن يقرَّ أهلها على الكفر بوضع الجزية عليهم، وقَبولهم الجزية، كما في سواد العراق، ومشركو العرب لا يُقبل منهم إلا الإسلام أو السَّيف. كذا في "الهداية". وروي أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ استعمل رجلًا على عمل، فبلغه أنّه قال: اسقني شربةً ألذُّ عليها … واسقِ باللَّه مثلَها ابنَ هشام فاستحضره عمر ﵁ وعلم الرَّجل بالحال، فضمَّ إليه بيتًا آخر، فلمَّا قدم على عُمر قال له: ألسْتَ القائل "اسقني شربةً ألذُّ عليها؟ " فقال: نعم يا أمير المؤمنين: عسلًا باردًا بماءٍ زُلالٍ … إنَّني لا أحبُّ شربَ المدامِ

стр. 133

فقال عمر: الله الله، ارجع إلى عملك] (١). حكاه ابن حِجَّة في "ثمرات الأوراق" (٢). وذكر فيه (٣) أنّ عمر بن الخطاب ﵁ لما قدم من المدينة إلى الشَّام على حمار، ومعه عبد الرَّحمن بن عوف، فتلقَّاهما معاوية ﵃ في موكب نبيل، فأعرض عنه عمر ﵁، فجعل يمشي إلى جنبه راجلًا، فقال له عبد الرَّحمن بن عوف: ألقيت (٤) الرجل، فأقبل عليه عمر آنفًا فقال: يا معاوية! أنت صاحب الموكب مع ما بلغني من وقوف ذوي الحاجات ببابك، قال معاوية: نعم يا أمير المؤمنين، قال: ولِمَ ذلك، قال: لأنَّا في بلاد لا تمنع من الجواسيس، ولا بدَّ لهم مما يروعهم من هيبة السُّلطان، فإنْ أمرتني بذلك أقمْتُ عليه، وإن نهيتني عنه انتهيْتُ. قال: إن كان الذي قلْتَ (٥) حقًّا فإنّه رأيٌ أريب، وإن كان باطلًا فإنَّها خدعة أديب، ولا آمرك ولا أنهاك (٦). وذكر الزَّنْدَوِيْستي في "روضته" عن أبي عبيدة بن (٧) الجراح، أنّه قال: دخلت على عمر ﵁ في ولايته، فإذا عليه ثوبٌ (٨) خَلَقٌ، فقلت: يا أمير المؤمنين!

стр. 134

تَرِدُ عليك الوفود من ملوك الدُّنيا فاتخذ لنفسك ثوبًا (١) حسنًا تلبسه يوم دخولهم عليك، فقال: يا أبا عبيدة! لو قال هذا (٢) غيرك لضرْبُته، لكن منعني عن ذلك صُحبتك مع رسول الله ﷺ ، ألم نكُ أذلَّ عباد الله، فأعزّنا الله بالإسلام، ووفَّقنا على قول: لا إله إلا الله محمَّد رسول الله، (فأيُّ عِزٍّ أكبر من هذا؟!) (٣). قال ابن (٤) الملك في "شرح المشارق" في "باب من" في حديث: "من لبس الحرير في الدُّنيا لم يلبسه في الآخرة" (٥): الأحاديث التي رواها عمر عن النبيِّ ﷺ خمسمئة وسبعة وثلاثون حديثًا، منها في الصَّحيحين أحد وثمانون، انفرد البُخاري منها بأربعة وثلاثين، ومسلم بأحد وعشرين، وهذا من المتَّفق عليه (٦). طعنه غلام المغيرة بن شعبة أبو (٧) لؤلؤة، فمات بعد يوم وليلة في أربعة عشر يومًا مضت من ذي الحجَّة، سنة ثلاث وعشرين، ودفن (في الحُجْرة) (٨) النبويَّة، حذاء منكبي أبي بكر ﵄. ذكر علي بن عبد الله الحسني السَّمْهودي في "خلاصة الوفا في أخبار دار المصطفى": صفة القبور الشريفة بالحجرة النبويَّة؛ قد اختلف فيها على نحو سبع

стр. 135

كيفيات، والذي عليه الأكثرون أنَّ قبر النبيِّ ﷺ أمامها إلى القِبلة مقدمًا، أي بجدار القِبلة، ثم قبر أبي بكر ﵁ حذاء منكبي رسول الله ﷺ ، ثم قبر عمر ﵁ حذاء منكبي أبي بكر رضي الله تعالى عنه. [وهذه صفته: النبي ﷺ أبو بكر رضي الله تعالى عنه عمر رضي الله تعالى عنه ونقل المَرَاغِي أَنَّ رَزينًا ويحيى جزما بهذه الصفة، وهو كذلك في كلام رزين، ورواه عن عبد الله بن محمَّد بن عَقِيل كذا. وروى ابنَ زَبالة عن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصدِّيق ﵁ قال: دخلْتُ على عائشة ﵂ فقلْتُ لها: يا أمَّه! اكشفي لي عن قبر النبيّ ﷺ ، فكشفَتْ عن ثلاثة قبور، فرأيت قبر رسول الله ﷺ مقدما، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبيّ ﷺ ، وعمر رأسه عند رِجل النبيّ ﷺ ، قال ابن عساكر وهذه صفته: النبي ﷺ عمر رضي الله تعالى عنه أبو بكر رضي الله تعالى عنه وعن عروة عن عائشة ﵂، وصفَتْ لنا عائشة قبرَ النبيِّ ﷺ وقبر أبي

стр. 136

بكر وقبر عمر؛ رأس النبيِّ ﷺ مما يلي المغرب، وقبر أبي بكر عند رِجلي النبيِّ ﷺ ، وقبر عمر خلف النبيِّ ﷺ ، وبقي موضع قبر واحد وهذه صفته: النبي ﷺ أبو بكر رضي الله تعالى عنه عمر رضي الله تعالى عنه * * * [٢٧ - عُثمان بن عفان (١)] أمير المؤمنين، مجهِّز جيوش المسلمين، جامع القرآن، عُثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه] (٢). لمَّا طُعِن عمر ﵁ نصَّ على ستَّة نفر من المهاجرين: عُثمان وعلي وطلحة والزُّبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرَّحمن بن عوف، وجعل المشورة بينهم ثلاثة أيام، وأقام المِسْوَر بن مَخْرَمة وثلاثين نفرًا من الأنصار، على ما رواه ابن خَلِّكان. وقال عمر رضي الله تعالى عنه: اتَّفِقوا على واحد إلى ثلاثة أيام، وإن افترقوا فرقَتَيْن، فالفرقة التي فيها عبد الرَّحمن بن عوف. وأوصى أن يصلِّي بالنّاس صهيب ثلاثة أيام، فأخرج عبد الرَّحمن بن عوف نفسه من الشُّورى (٣)، واختار عُثمان رضي الله تعالى عنه فبايعه النَّاس، ووقع الرِّضى من جميع النَّاس به.

стр. 137

وهو يجتمع (١) مع النبيِّ ﷺ في عبد مَناف، ويجتمع عمر رضي الله تعالى عنه مع النبيِّ ﷺ في كعب، وأبو بكر ﵁ يجتمع مع النبيِّ ﷺ في مُرَّة. فإنَّ نسبَ رسول الله ﷺ على ما اتفقه النسَّابون إلى عدنان، والاختلاف (فيما فوق) (٢) عدنان: (٣) محمَّد بن عبد الله بن عبد المُطَّلب بن هاشِم بن عبد مَنَاف بن قُصَيِّ بن كِلَاب بن مُرَّةَ بن كَعْبِ بن لُؤَيِّ بن فِهْرِ بن مالك بن النَّضْر بن كِنَانَة بن خُزَيْمَة بن مُدْرِكَة بن إياس بن مُضَرَ بن نِزار بن مَعَدِّ بن عَدنان. ونسب أبي بكر: (عبد الله) (٤) بن عُثمان بن عامر بن عُمر بن كَعب بن سَعيد بن قُثَم بن مُرَّة. ونسب أبي حفص: عمر بن الخطاب بن (٥) نُفيل بن عبد العزَّى بن رِياح (٦) بن عبد الله بن قُرْطِ بن رَزَاح بن عَدِيِّ بن كَعْب بن لُؤَيِّ بن غَالِب. ونسب عُثمان بن عفَّان بن أبي العاص بن أميَّة بن عبد شَمْس بن عَبد مَناف. فقام عُثمان بأمر الدِّين، وكانت أوَّل غزوة (٧) غُزِيَتْ في الريِّ في خلافته،

стр. 138

وأمير (١) الجيش أبو موسى الأشعري، ثم الإسكندرية، ثم شابور (٢)، ثم إفريقية، ثم جزيرة قُبرص من سواحل البحر بحر الروم، ثم إصْطِخر الآخرة، وفارس الأولى، ثم جور (٣)، ثم طَبَرِسْتان، ودار أَبْجَرد وكَرْمان وسِجِسْتان وغيرها. وهو أحد السابقين الأوَّلين، وصلَّى إلى القبلتين، وهاجر الهِجْرَتين، ويُدعى بذي النُّورَيْن؛ لأنّه تزوَّج بنْتَي النبيِّ ﷺ ، وبقي الأمر له ﵁ إحدى عشرة سنة، وأحد عشر شهرًا، وتسعة عشر يومًا، ولَّى الولاة، ووجَّه القضاة، وله في القضاء حكايات. ذكر الخَصَّاف عن عبد الرَّحمن بن سعيد، قال: رأيْتُ عُثمانَ بن عفَّان جالسًا في المسجد، فإذا جاءه الخصمان، قال لهذا: ادعُ عليًّا، وقال لهذا: ادعُ طلحة والزُّبير، ونفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فإذا جاؤوا قال لهما: تكلَّما، فإذا تكلَّما يقبِلُ فيقول: ما تقولون، فإن قالوا ما يوافق قولَه قضى عليها (٤)، ولا ينظرهما (٥) بعد، فيقومان وقد سلَّما (٦). [قال الصَّدر الشَّهيد: اشتمل الحديث على فوائد: منها: أنّه لم يكن بين عليٍّ وعُثمانَ ﵄ إلا جميلًا، بخلاف ما قاله أهل البدع.

стр. 139

ومنها: يجوز للقاضي أن يقضي في المسجد. ومنها: يجوز للقاضي أن يستفتي ويقضي بالفتوى. ومنها: أنّ المشورة مُستحسنة، ثم إنما يشاور إذا لم يكن أصل القضاء بيِّنًا، أما إذا كان وجه القضاء بيِّنًا لا يحتاج إلى المشورة، وحديث عُثمانَ محمول على أنَّ حكم الحادثة لم يكن بيِّنًا. فإن قالوا: ما يوافق قوله يقضي عليهما؛ لأنّه صار إجماعًا منهم. ثم قال: ولا ينظرهم بعد؛ لأنَّ الحق قد ظهر، ولا يسعه التأخير. في "شرح المشارق" في "باب من" في حديث: "من بنى لله مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله (١) في الجنَّة" (٢)] (٣): قيل: ما (٤) روى عُثمان عن النبيِّ ﷺ مئة وستة وأربعون حديثًا، له في الصحيحين ستة عشر حديثًا، انفرد البُخاري بثمانية، ومسلم بخمسة. وكان ﵁ أحدَ من جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، وهم أصحاب الطَّبقة العالية، الذين حفظوا القرآن في حياة (٥) النبيِّ ﷺ (وعرضوا عليه، وأشهرهم) (٦) سبعة: عُثمان بن عفَّان، وعليُّ بن أبي طالب، وأُبَيُّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وأبو الدَّرداء.

стр. 140

قال الذَّهبي في "طبقات القرَّاء": فهؤلاء السَّبعة الَّذين بلغنا أنَّهم حفظوا القرآن في حياة النبيِّ ﷺ وعرضوا عليه، (وأُخِذ عنهم عرضًا) (١)، وعليهم دارَتْ أسانيد قرَاءة الأئمة العشرة، وقد جمع القرآن غيرهم (من الصحابة) (٢) كمعاذ بن جبل، وأبي زيد، وسالم مولى أبي (٣) حذيفة، وعبد الله بن عمر، وعُقبة بن عامر، ولكن لم تتصل بنا قراءتهم، فلهذا اقتصر على هؤلاء السَّبعة ﵃. [روي عن زيد بن ثابت ﵁ أنّه قال: قُبض النبيُّ ﷺ ولم يكن القرآن جُمع في شيء (٤). قالوا: إنما لم يجمع ﷺ القرآن في المصحف لما كان يترقَّبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه، أو تلاوته، فلمَّا انقضى نزوله بوفاته، ألهم الله تعالى الخُلفاء الرَّاشدين ذلك، وفاءً بعهده الصَّادق بضمان حفظه على هذه الأمَّة: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فكان ابتداء ذلك بمشورة عُمر على يد الصدِّيق رضي الله تعالى عنهما، ثم على يد عُثمانَ ﵁. وقد كان القرآن كلُّه كُتبَ على عهد رسول الله ﷺ ، لكن غير مجموعٍ في موضع واحد، ولا مرتَّب (٥) السور، فترتيب السُّور كان باجتهاد من الصَّحابة بعد رسول الله ﷺ ، وأما ترتيب الآيات فلا شبهة في كونه توقيفيًّا؛ للإجماع، والنُّصوص المترادفة على ذلك. قال السيوطي: أما الإجماع فنقله غير واحد منهم الزَّركشي في "البُرهان"، وأبو

стр. 141

حفص بن الزُّبير في "مناسباته"، وعبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه (١) ﷺ وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين، انتهى. وأما النُّصوص؛ فمنها: حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: كنَّا عند رسول الله ﷺ نُؤلِّف القرآن من الرقاع (٢). ومنها: ما روي عن ابن عباس ﵄ قال: قلتُ لعُثمانَ: ما حملكم على أن عمدتم (٣) إلى "الأنفال" وهي من المثاني، وإلى "براءة" وهي من المئين فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر (٤) "بسم الله الرَّحمن الرحيم"، ووضعتموها في السَّبْع الطِّوال؟ فقال عُثمان ﵁: كان رسول الله ﷺ ينزل عليه السور ذوات، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض مَن كان يكتب، فيقول: ضَعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت "الأنفال" من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت "براءة" من آخر القرآن نزولًا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنَّها منها، فقبض رسول الله ﷺ ولم يبيِّن لنا أنّها منها، فلأجل ذلك قرنْتُ بينهما، ولم أكتب بينهما سطر "بسم الله الرَّحمن الرَّحيم"، ووضعتها في السبع الطوال (٥). ومنها: ما روي عن عُثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسًا عند رسول الله ﷺ ، إذ شَخَص ببصره، ثم صوَّبه، ثم قال: أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع في هذه السُّورة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى

стр. 142

عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] (١)، كذا وكذا من النصوص الواردة في هذا ذكرها السيوطي في "الإتقان". وقال في "الإتقان" أيضًا نقلًا عن الحاكم في "المستدرك": جمع القرآن ثلاث مرات: أحدها: بحضرة النبيِّ ﷺ . ثم أخرج بسند على شرط الشَّيخين عن زيد بن ثابت ﵁، قال: كنّا عند النبيّ ﷺ نؤلّف الرقاع من القرآن (٢). والثانية: بحضرة أبي بكر ﵁. روى البُخاري في "صحيحه" عن زيد بن ثابت قال: أرسل إليَّ أبو بكر مقتلَ أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عندنا، فقال أبو بكر: إنَّ عمر أتاني، فقال: إنَّ القتل قد استحرَّ بقرَّاء القرآن، وإنّي أخشى أن يستحرَّ القتل بالقرَّاء في المواطن فيذهب كثيرًا من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قال: فقلْتُ: لعمرك (٣) كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عُمر. قال زيد قال أبو بكر: إنّك شاب عاقل لا نتَّهمك، وقد كنت تكتب الوحي

стр. 143

لرسول الله ﷺ فتتبعْ القرآن فاجمعْه. قال زيد: فوالله لو كلفوني لنقل جبل من الجبال ما كان أثقلَ عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلْتُ: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فلم يزل أبو بكر يُراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبَّعت القرآن أجمعه من العُسُبِ، واللِّخاف، وصدور الرِّجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خُزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ. . .﴾ [التوبة: ١٢٨] حتى خاتمة براءة، فكانت الصُّحف عند أبي بكر [حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياتَه] (١)، ثم عند حفصة بنت عمر (٢). وأخرج ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرَّحمن بن حاطب، قال: قدم عمر فقال: من كان تلقّى من رسول الله ﷺ شيئًا من القرآن فليأتِ به، وكانوا يكتبون في المصحف والألواح، والعُسُب، وكان لا يقبل من أحدٍ شيئًا حتى يشهد شهيدان (٣). وهذا يدل على أن زيدًا كان لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوبًا حتى يشهد به من تلقَّاه سماعًا، مع كون زيد كان يحفظ القرآن جميعًا في حياة النبيِّ ﷺ ، فكان يفعل ذلك مُبالغة في الاحتياط. قال ابن حجر: كأن المراد بشاهدين: الحفظ والكتاب، وقال علم الدِّين السَّخاوي في "جمال القرَّاء": المراد أنَّهما يشهدان على أنَّ ذلك المكتوب كُتِبَ بين يدي رسول الله ﷺ ، أو المراد أنّهما يشهدان على أنَّ ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن.

стр. 144

قال أبو شامة: وكان غرضهم أن لا يُكتب إلا من عين ما كُتب بين يدي النبيِّ ﷺ ، لا من مجرد الحفظ، ولذلك قال في آخر سورة التوبة: لم أجدْها مع غيره، أي: لم أجدها مكتوبة مع غيره؛ لأنّه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة. قال السيوطيُّ: قلْتُ: أو المراد أنهما يشهدان على أنَّ ذلك مما عُرِض على النبيِّ ﷺ عام وفاته. وروي عن ابن سيرين قال: كان جبريل ﵇ يعارض النبيّ ﷺ كل سنة في شهر رمضان، فلما كان العام الذي قُبض فيه عارضه مرَّتين (١)، فيرون أن تكون (٢) قراءتنا هذه على العرضة الأخيرة. وقال البَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة": يقال: إنَّ زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة التي بُيِّنَ فيها ما نسخ وما بقي، وكتبها لرسول الله ﷺ ، وقرأها عليه، وكان يُقرئ النَّاس بها حتى مات، وكذلك اعتمده أبو بكر وعمر ﵄ في جمعه، وولّاه عُثمان ﵁ كتب المصاحف. والجمع الثالث: هو ترتيب السُّور في زمن عُثمان ﵁. روى البُخاري عن أنسٍ: أن حُذيفة بن اليمان قدم على عُثمان، وكان يغازي (٣) أهل الشام في فتح إِرْمِينية (٤) وأَذْرَبِيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقال لعثمان: أدْرِكْ الأمّةَ قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حَفْصة: أن أرسلي إلينا بالصُّحف ننسخها (٥) في المصاحف ثم نردَّها إليك،

стр. 145

فأرسلتْ بها حَفْصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزَّبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف. وقال عُثمان للرَّهط القُرشيِّين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنَّه إنما أُنزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصُّحف في المصاحف، ردَّ عُثمانُ الصُّحف إلى حفصة، وأرسل إلى كلِّ أُفُقٍ بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كلِّ صحيفة أو مصحف أن يُحرق (١). قال زيد: فقدْتُ آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف كنت أسمعها من رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خُزيمة الأنصاري: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. فألحقناها في سورتها في المصحف (٢). قال ابن حجر: وكان ذلك في سنة خمس وعشرين، وغفل بعض من أدركناه، فزعم أنَّه كان في حدود سنة (٣) ثلاثين، ولم يذكر له مستندًا، انتهى. وذكر السيوطي عن ابن فارس في "الإتقان": أنّه قال: جمع القرآن على خبرين؛ أحدهما: تأليف السور، كتقديم السَّبع الطوال، وتعقيبها بالمئين، فهذا هو الذي تولته الصحابة. وأما الجمع الآخر: فهو جمع الآيات في السورة فهو توقيفيٌّ (٤)، تولَّاه النبيّ ﷺ كما أخبر به جبريل عن أمر ربه. وممّا استُدِلَّ به لذلك اختلاف مصاحف السَّلف في ترتيب السُّور، فمنهم من
следующие страницы →