← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

حفص بن الزُّبير في "مناسباته"، وعبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه (١) ﷺ وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين، انتهى. وأما النُّصوص؛ فمنها: حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: كنَّا عند رسول الله ﷺ نُؤلِّف القرآن من الرقاع (٢). ومنها: ما روي عن ابن عباس ﵄ قال: قلتُ لعُثمانَ: ما حملكم على أن عمدتم (٣) إلى "الأنفال" وهي من المثاني، وإلى "براءة" وهي من المئين فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر (٤) "بسم الله الرَّحمن الرحيم"، ووضعتموها في السَّبْع الطِّوال؟ فقال عُثمان ﵁: كان رسول الله ﷺ ينزل عليه السور ذوات، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض مَن كان يكتب، فيقول: ضَعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت "الأنفال" من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت "براءة" من آخر القرآن نزولًا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنَّها منها، فقبض رسول الله ﷺ ولم يبيِّن لنا أنّها منها، فلأجل ذلك قرنْتُ بينهما، ولم أكتب بينهما سطر "بسم الله الرَّحمن الرَّحيم"، ووضعتها في السبع الطوال (٥). ومنها: ما روي عن عُثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسًا عند رسول الله ﷺ ، إذ شَخَص ببصره، ثم صوَّبه، ثم قال: أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع في هذه السُّورة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى

стр. 142

عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] (١)، كذا وكذا من النصوص الواردة في هذا ذكرها السيوطي في "الإتقان". وقال في "الإتقان" أيضًا نقلًا عن الحاكم في "المستدرك": جمع القرآن ثلاث مرات: أحدها: بحضرة النبيِّ ﷺ . ثم أخرج بسند على شرط الشَّيخين عن زيد بن ثابت ﵁، قال: كنّا عند النبيّ ﷺ نؤلّف الرقاع من القرآن (٢). والثانية: بحضرة أبي بكر ﵁. روى البُخاري في "صحيحه" عن زيد بن ثابت قال: أرسل إليَّ أبو بكر مقتلَ أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عندنا، فقال أبو بكر: إنَّ عمر أتاني، فقال: إنَّ القتل قد استحرَّ بقرَّاء القرآن، وإنّي أخشى أن يستحرَّ القتل بالقرَّاء في المواطن فيذهب كثيرًا من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قال: فقلْتُ: لعمرك (٣) كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عُمر. قال زيد قال أبو بكر: إنّك شاب عاقل لا نتَّهمك، وقد كنت تكتب الوحي

стр. 143

لرسول الله ﷺ فتتبعْ القرآن فاجمعْه. قال زيد: فوالله لو كلفوني لنقل جبل من الجبال ما كان أثقلَ عليَّ مما أمرني به من جمع القرآن. قلْتُ: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فلم يزل أبو بكر يُراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبَّعت القرآن أجمعه من العُسُبِ، واللِّخاف، وصدور الرِّجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خُزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ. . .﴾ [التوبة: ١٢٨] حتى خاتمة براءة، فكانت الصُّحف عند أبي بكر [حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياتَه] (١)، ثم عند حفصة بنت عمر (٢). وأخرج ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرَّحمن بن حاطب، قال: قدم عمر فقال: من كان تلقّى من رسول الله ﷺ شيئًا من القرآن فليأتِ به، وكانوا يكتبون في المصحف والألواح، والعُسُب، وكان لا يقبل من أحدٍ شيئًا حتى يشهد شهيدان (٣). وهذا يدل على أن زيدًا كان لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوبًا حتى يشهد به من تلقَّاه سماعًا، مع كون زيد كان يحفظ القرآن جميعًا في حياة النبيِّ ﷺ ، فكان يفعل ذلك مُبالغة في الاحتياط. قال ابن حجر: كأن المراد بشاهدين: الحفظ والكتاب، وقال علم الدِّين السَّخاوي في "جمال القرَّاء": المراد أنَّهما يشهدان على أنَّ ذلك المكتوب كُتِبَ بين يدي رسول الله ﷺ ، أو المراد أنّهما يشهدان على أنَّ ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن.

стр. 144

قال أبو شامة: وكان غرضهم أن لا يُكتب إلا من عين ما كُتب بين يدي النبيِّ ﷺ ، لا من مجرد الحفظ، ولذلك قال في آخر سورة التوبة: لم أجدْها مع غيره، أي: لم أجدها مكتوبة مع غيره؛ لأنّه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة. قال السيوطيُّ: قلْتُ: أو المراد أنهما يشهدان على أنَّ ذلك مما عُرِض على النبيِّ ﷺ عام وفاته. وروي عن ابن سيرين قال: كان جبريل ﵇ يعارض النبيّ ﷺ كل سنة في شهر رمضان، فلما كان العام الذي قُبض فيه عارضه مرَّتين (١)، فيرون أن تكون (٢) قراءتنا هذه على العرضة الأخيرة. وقال البَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة": يقال: إنَّ زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة التي بُيِّنَ فيها ما نسخ وما بقي، وكتبها لرسول الله ﷺ ، وقرأها عليه، وكان يُقرئ النَّاس بها حتى مات، وكذلك اعتمده أبو بكر وعمر ﵄ في جمعه، وولّاه عُثمان ﵁ كتب المصاحف. والجمع الثالث: هو ترتيب السُّور في زمن عُثمان ﵁. روى البُخاري عن أنسٍ: أن حُذيفة بن اليمان قدم على عُثمان، وكان يغازي (٣) أهل الشام في فتح إِرْمِينية (٤) وأَذْرَبِيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقال لعثمان: أدْرِكْ الأمّةَ قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حَفْصة: أن أرسلي إلينا بالصُّحف ننسخها (٥) في المصاحف ثم نردَّها إليك،

стр. 145

فأرسلتْ بها حَفْصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزَّبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف. وقال عُثمان للرَّهط القُرشيِّين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنَّه إنما أُنزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصُّحف في المصاحف، ردَّ عُثمانُ الصُّحف إلى حفصة، وأرسل إلى كلِّ أُفُقٍ بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كلِّ صحيفة أو مصحف أن يُحرق (١). قال زيد: فقدْتُ آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف كنت أسمعها من رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خُزيمة الأنصاري: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. فألحقناها في سورتها في المصحف (٢). قال ابن حجر: وكان ذلك في سنة خمس وعشرين، وغفل بعض من أدركناه، فزعم أنَّه كان في حدود سنة (٣) ثلاثين، ولم يذكر له مستندًا، انتهى. وذكر السيوطي عن ابن فارس في "الإتقان": أنّه قال: جمع القرآن على خبرين؛ أحدهما: تأليف السور، كتقديم السَّبع الطوال، وتعقيبها بالمئين، فهذا هو الذي تولته الصحابة. وأما الجمع الآخر: فهو جمع الآيات في السورة فهو توقيفيٌّ (٤)، تولَّاه النبيّ ﷺ كما أخبر به جبريل عن أمر ربه. وممّا استُدِلَّ به لذلك اختلاف مصاحف السَّلف في ترتيب السُّور، فمنهم من

стр. 146

رتَّبها على النُّزول وهو مصحف عليٍّ، كان أوله اقرأ ثم المدِّثر ثم نون، ثم المزَّمل، ثم التكوير، وهكذا إلى آخر المكِّي، والمدني، وكان أوَّل مصحف ابن مسعود: البقرة ثم النِّساء ثم آل عمران، علي اختلاف شديد] (١). وقال الكَرَمانيُّ في "البرهان": ترتيب السُّور هكذا هو عند الله في اللَّوح المحفوظ على هذا الترتيب، وعليه كان رسول الله ﷺ يعرض على جبريل (كلَّ سنة) (٢) ما كان يجتمع عنده منه، وعرض عليه في السنة التي توفي فيها مرَّتين، وكان آخر الآيات نزولًا: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، فأمره جبريل أن يضعها بين آيتي الرِّبا والدَّين. قال الذَّهبي: قرأ على عُثمان ﵁ المغيرة بن أبي شهاب المخزومي. ويقال: قرأ عليه ابن عامر وليس بشيء، وإنما قرأ عليه المغيرة وعليه قراءة ابن عامر. وكان ابن عامر إمام أهل الشام في القراءة (٣). قُتل ﵁ والمصحف بين يدَيْه، في يوم الجمعة لثمانٍ خَلَت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وهو شيخ كبير ابن اثنتين وثمانين سنة. فكان أول وَهْن وبلاء على هذه الأمة بعد نبيّنا ﷺ ، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، (فالأمر لله الواحد القهار، نسأل الله العظيم كفايته، ونرجو من الله تعالى أن يُبعد لساننا عن حكايته) (٤). * * *

стр. 147

[٢٨ - عليُّ بن أبي طَالِب (١)] أمير المؤمنين، ابن عمِّ خاتم النَّبيِّين، مستأصل شأفة الكفَّار في عون الحروب، بضرباته بذي الفَقَار، أسد الله الغالب عليُّ بن أبي طالب ﵁. أحد السابقين الأوَّلين، لم يسبقه إلى الإسلام إلا خديجة، واختلف فيه وفي أبي بكر، أيُّهما أسبق إلى الإسلام، ولكن إسلام الصدِّيق كان أنفع للإسلام وأكمل؛ لأنَّ عليًّا ﵁ أسلم وله ثمان سنين، وقيل: تسع سنين. وعن ابن عُيينة، عن أبي جعفر الصَّادق عن أبيه: أنَّ عليًّا قُتل وهو ابن ثمان وخمسين سنة في (٢) سابع عشر من رمضان سنة أربعين. وهذا يُطابق أنّه أسلم وله ثمان سنين. وقيل: بويع له في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وجُرح صبيحة يوم الجمعة السابع عشر من شهر (٣) رمضان، وفارق الدُّنيا يوم الأحد، التَّاسع عشر من سنة أربعين، وكانت خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر. ضربه ابن (٤) ملجم المرادي -قاتله الله- قالوا: لمَّا قتل عُثمان ﵁، أتى النَّاس عليًّا ﵁ فضربوا عليه الباب، ودخلوا، فقالوا: إِنَّ هذا الرَّجل قد

стр. 148

قُتِل، ولا بدَّ للنَّاس من إمام، ولا نعلم أحدًا أحقُّ بها منك، فراودهم في ذلك فأبوا، فقال: (١) (إن أبيتم إلا بيعتي (٢)) (٣) فإنَّ بيعتي لا تكون سرًّا، فأتوا المسجد، فحضروا طلحة والزبير وسعد بن أبي وقَّاص ﵃ والأعيان، فأوَّل من بايعه طلحة، ثم بايعه النَّاس. وأجمع على بيعته المهاجرون والأنصار ﵃، وتخلَّف عن بيعته معاوية، ومن تبعه بالشام (٤) ﵃، إلى ما كان (٥) في صفين، وتفصيل الوقائع مذكور في كتب التواريخ، (ولا تعلُّق لغرضنا (به) (٦). وقد قال النبيّ ﷺ : "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا" (٧)، وقال ﵊: "اتقوا الله في أصحابي" الحديثَ (٨)، فحقُّ اللِّسان أن يُصان عن بيان ما يتوهَّم منه البغي والعداوة، خصوصًا إلى وهم العوام، فإنهم لا يقدرون على دفعه وتداركه، فوقعوا في الخسران.

стр. 149

وقد اختلف (في قبره) (١): فقيل: بالجامع بالكوفة، وقيل: بالبقيع (٢)، وقيل: بالنَّجف في المشهد الَّذي يُزار اليوم. وقيل: في قصر الإمارة، هدمه عبد الملك بن مروان حين قُتِل أخو عبد الله بن الزَّبير مُصعب في سنة إحدى (٣) وسبعين بالكوفة، وجلس بقصر الإمارة بالكوفة، ووضع رأس مصعب بين يديه، فقال عبد الملك بن عُمير: يا أمير المؤمنين جلست أنا وعبد الله بن زياد في هذا القصر بهذا المجلس ورأس الحسين ﵁ بين يديه، (ثم جلست أنا والمختار بن أبي عُبيد فإذا رأس عبيد الله بن زياد بين يديه) (٤)، ثم جلست مع (٥) أمير المؤمنين، فإذا رأس مصعب بين يديه، وأنا أعيذ أمير المؤمنين بالله من شرّ هذا المجلس. فارتعدَ عبد الملك وقام من فوره فأمرهم بهدم القصر. وعن أبي اليقظان: صلى عليه الحسن بن عليٍّ ابنه، ودفن بالكوفة، عند مسجد الجامع في قصر الإمارة. وهو أوَّل إمام عفي قبره، قيل: إنَّ عليًّا ﵁ أوصى أن يُعفى قبره؛ لعلمه أنَّ الأمر يصير إلى بني أميَّة، فلم يأمنْ أن يمثِّلوا بقبره. وكان ﵁ أفضل من بقي من الصَّحابة ﵃، ومناقبُه أكثر من أن تُحصى، جمعها الذَّهبي في مجلد سماه "فتح المطالب في أخبار (٦) علي بن أبي طالب".

стр. 150

وهو الذي ولَّاه النبيُّ ﷺ قضاء اليمن في حياته، وقال فيه: "أقضاكم عليّ" (١)، وولى القضاء في زمن عمر بن الخطاب، وكان يشاوره فيما يمضيه من الأحكام، ويرجع إلى قوله، وإنما كثر علمه لطول زمانه بعد الخلفاء، (وانتشرت قضاياه) (٢). وكان عليٌّ ﵁ زكيًّا فطنًا، سريع الجواب بديهي الخطاب. سُئل ﵁ على منبر الكوفة عن مسألة اجتمع فيها الثُّمن، والثُّلثان، والسُّدسان، فأجاب عنها بديهة، فقال: السائل متعنتًا، أليس للزوجة الثمن، فقد (٣) صار ثمنها تسعًا، ومضى في خطبته، فتعجبوا من فطنته (٤). وهذه المسألة إذا اجتمع امرأة وبنتان وأبوان، وتسمَّى (٥) هذه المسألة المنبرية. [وأدقّ منه ما روي عنه ﵁ فيمن له خمسة أرغفة، وللآخر ثلاثة أرغفة، جلسا للأكل، فجاء إليهما رجل وأكل منها، ودفع إليهما ثمانية دراهم، وقال: اقتسما على قَدْر ما أكلت من أرغفتكما (٦)، فأعطى صاحب الخمسة ثلاثة لصاحب الثلاثة، فلم يرضَ إلا بالمناصفة. فاختصما إلى أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه، فقال: خذ ما عرض لك. فقال: لا أرضى إلا بالحقِّ، فقال: إذًا لك درهم. فقال: عُرِضَتْ لي

стр. 151

ثلاثة دراهم فلم أقبل، فكيف كان ذلك، قال: كان ذلك مصالحة، فأما في الحقِّ فلك درهم، إنَّا نفرض أنّكم أكلتم بالسوية؛ لأنَّا لا نعلم الأكثر أكلًا، أليس كل رغيف ثلاثة أثلاث؟ فالكل أربعة وعشرون، كل منكم أكل ثمانية من أربعة وعشرين، فيكون ما أكل لصاحبك سبعة أثلاث، ولك ثلثًا (١). روي أنَّ نصرانيًّا جاء إلى النبيِّ ﷺ فقال: إنكم تقرؤون في كتابكم: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥]، ونحن نقرأ في كتبانا: ثلاثمئة سنين، فخالف كتابُنا كتابكم، فقال علي ﵁: لا مُخالفة؛ لأنَّ ثلاثمئة سنين في كتابكم على حساب اليونانيين، وهو يكون على حساب العرب ثلاثمئة وتسعًا. فتعجَّب النصراني من جوابه بداهة، وآمن فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله] (٢) (٣). ولهذا قيل: إنَّ عليًّا كان مُعجزة من مُعجزات النبيِّ ﷺ ؛ لأنّه مع تبحُّره في العلوم وشجاعته في الحروب كان منقادًا ومُقرًّا بنبوَّته، ولهذا عُدَّ (٤) من معجزاته ﷺ ، ذكره السيِّد الشَّريف في حاشيته "شرح السِّراجيَّة" (٥)، (وله عدَّة قضاة من الصَّحابة والتَّابعين) (٦). * * *

стр. 152

[٢٩ - الحسن بن علي بن أبي طالب (١)] البدر الزَّاهد، والبحر الزَّاخر، فِلْذَة كَبِد البتول، قرَّة عين الرَّسول، شعبة شجرة النبوَّة، درَّة صدق الفتوّة، أبو محمَّد الحسن بن عليّ بن أبي طالب ﵁. لما قتل أبوه عليٌّ ﵁ بايعَه أهلُ العراق، فحكم وقضى، وقتلَ ابنَ ملجم، وقام بأمر الدِّين، وله مع معاوية ﵄ أخبار ومكاتبات، سلَّم الأمرَ إلى معاوية بعد أربعة أشهر، ثمّ اعتزل، وقيل: ستة أشهر وثلاثة أيام. وانْكَفَأ إلى المدينة، وكان يأخذ من معاوية كلَّ سنةٍ أربعين ألف درهم سوى الصِّلات، توفي سنة خمسين بالمدينة، وهو ابن ثمان وأربعين سنة، وصلَّى عليه سعيد بن العاص، كان أميرًا بالمدينة أمَّره معاوية. [ذكر الزَّيْلَعِي في "شرح الكنز" في باب الجنائز: السُّلطان أحقّ بصلاته، نصَّ عليه أبو حنيفة بقوله: الخليفة أولى إن حضر، فإن لم يحضر فإمام المصر، وهو سلطانها؛ لأنّه في معنى الخليفة، وبعده القاضي، وبعده صاحب الشرط، وبعده خليفة الوالي، وبعده خليفة القاضي، وبعد هؤلاء إمام الحي، فإنْ لم يحضر فالأقرب من ذوي قرابته. وذكر في الأصل أنَّ إمام الحيِّ أولى بها. وقال أبو يوسف: وليُّ الميت أولى بها؛ لأنّ هذا الحكم (٢) تعلق بالولاية، كالإنكاح. وجه الأول ما روي (أنَّ الحسين) (٣) بن عليٍّ لما مات الحسن ﵃،

стр. 153

قدَّم سعيد بن العاص، وقال: لولا السُّنَّة لما قدّمتك، وكان سعيد والي المدينة يومئذ، هكذا ذكر في الكتاب، ولأنَّ في التقدم عليه استخفافًا به، وتعظيمه واجب شرعًا، وما ذكره في الأصل محمول على ما إذا لم يحضر السُّلطان ولا من يقوم مقامه] (١). قال أبو طالب المكِّي في "قوت القلوب" في الفصل الرابع والثلاثين، في فضائل السنَّة وآداب الشَّريعة، حيث عد الخصال الثَّمان (٢) الواجبة، وأن يعتقد تفضيل أصحاب النبيِّ ﷺ وأهل بيته رضي الله عنهم ورضوا عنه كافة، ويسكت عما شجر بينهم، ويسلِّم لكلِّ واحدٍ منهم ما فعله؛ لأنّهم (٣) أعلم منَّا بالكتاب والسنَّة، وأوفر عقولًا، وأقرب إلى التَّوفيق والتَّسديد. وأعلمهم (٤) بالَّتأويل أبو بكر وعمر ﵄، وبعد ذلك ما أجمع المسلمون عليه في استخلافهم، ثم اتفق الأئمَّة من أهل الشورى السِّتة (٥) على تقديمه، فهؤلاء الأربعة خُلفاء النُّبوَّة، ثم أئمة الأئمة من العشرة، وعيون أهل الهجرة والنصرة، وخيار الأخيار من الأصحاب، كما روي عن النبيّ ﷺ : "إن الله اختار أصحابي على العالمين، واختار من أصحابي أربعة، فجعلهم خيار أصحابي، وفي كل أصحابي خير، واختار أمتي على الأمم واختار من أمتي أربعة قرون، كل قرن سبعون سنة" (٦).

стр. 154

فقد مضى الأربعة الأفاضل في القرون الأول، فنحن لا نردُّ الخبر بالقياس، ولا نرفع السنَّة بالمعقول؛ إذ لا مدخل للقياس والرَّأي في التفضيل، كما لا مدخل لهما في الصفات وأصول العبادات (وإنما يؤخذ التفضيل [من] توقيف وتسليم، ومن طريق الإجماع والاتباع، خشية الشذوذ والابتداع (١)) (٢)؛ لقوله ﷺ : "عليكم بسُنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، ومن شذّ ففي النار" (٣). قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥]، وأما نحن فقوم متَّبعون نَقْفو الأثر ونتَّبع الخبر غير مبتدعين بالرأي والمعقول، فكلُّ بدعة ضلالة. [وإنما جاء الترتيب والتفضيل والخلافة مخالفًا للقياس والمعقول؛ توكيدًا للسّنة، وتأييدًا للرسالة، لئلا تلتبس النُّبوة بالملك، ولا ينحو النبيُّ ﷺ في الخلافة (٤) نحو الأكاسرة والقياصرة في المملكة، فكانت النبوَّة مخالفة للملك، جاءت الخلافة على غير سيرة الملوك، في استخلاف أبنائهم وأهل بيعتهم. وأيضًا فإنّه قد سبق في علم الله تعالى أن يجعل هؤلاء الأربعة خلفاء بما قدِّر من أعمارهم، فدبّر خلافتهم على ما علم من آجالهم، ووفَّى لهم بما وعد من استخلافهم في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم من خلائف الأنبياء السوالف، ومكَّن

стр. 155

لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وارتضاهم له، وبدَّلهم أمنًا بعد خوفهم، فلم يكن يتم إلا بترتيبهم على ما رضوا من الخلافة، فكان آخر هم استخلافًا هو آخرهم قبضًا، ذلك تقدير العزيز العليم. وقد قال عليّ ﵁ لما قيل له عند موته: ألا تستخلف وليًّا. قال: لا أستخلف عليكم بل أَكِلكم إلى الله ، فإن يرد بكم خيرًا جمعكم على خيركم كما جمعكم بعد نبيِّكم على خيركم (١). وقال إبراهيم النَّخَعي: لما سلَّم الحسن ﵁ الأمرَ إلى معاوية سُمِّيت سنةَ الجماعة، فقال له رجل من الشِّيعة: يا مُذلَّ المؤمنين، فقال: بل أنا مُعزُّ المؤمنين. سمعت أبي يقول: لا تكرهوا إمارة معاوية؛ فإنه سيَلي هذا الأمر بعدي، وإن فقدْتُموه رأيتم الرؤوس تندُرُ عن كواهِلها كالحنظل (٢). ولو كان للمعقول والقياس مدخل في التفضيل لكان أفضل النَّاس بعد رسول الله ﷺ الحسن ابنه والعبَّاس عمَّه؛ لأنّ في أحدهما النبوَّة، وفي الآخر الأبوَّة، وقد اجتمعوا على خلاف ذلك. إلى هنا من "قوت القلوب"] (٣). ولما خلَعَ الحسن ﵁ نفسَه (٤) من الخلافة، تمَّ الأمر لمعاوية ﵁، واستقام له الملك، (٥) وصَفَتْ له الخلافة، ذكره الدَّمِيْرِي في "حياة الحيوان".

стр. 156

وذلك لأنَّ (١) الحسن رأى المصلحة في جمع الكلمة، وترك القتال، وظهرت المعجزة في قوله ﷺ "إن ابني هذا سيِّد"، وفي رواية "ولعل الله أن يصلح به بين فِئَتَيْن عظيْمَتَين من المسلمين" (٢)، فسمِّي عام الجماعة؛ لاجتماع الأمَّة بعد الفرقة على خليفة واحد. قال الشَّعبي: شهدت خُطبة الحسن ﵁ حين صالح معاوية، وخلع نفسه من الخلافة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنَّ (٣) أكيس الكَيْس التُّقَى (٤)، وأحمق الحمقاء الفجور، وإنّ هذا الأمر الذي اختلفْتُ أنا ومعاوية فيه إن كان له فهو أحقُّ منِّي به، وإن كان لي فقد تركُته له؛ إرادة لإصلاح الأمة، وحقن دماء المسلمين، وما أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (٥). ثم رجع إلى المدينة، وأقام بها، فعوتب على ذلك، فقال ﵁: اخترت ثلاثًا على ثلاث؛ الجماعةَ على الفرقة، وحقنَ الدماء على سفكها، والعارَ على النَّار. في الحديث الصَّحيح عن أبي بكرة ﵁ قال رأيْتُ النبيَّ ﷺ على المنبر والحسن إلى جنبه (٦)، وهو يقبل إلى النَّاس مرَّة وإليه أخرى، وهو يقول: "إن ابني هذا سيِّد، ولعلَّ اللهَ أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" (٧).

стр. 157

كانت خلافته ستة أشهر وخمسة أيام، وهي تكملة ما ذكره رسول الله ﷺ : "الخلافة بعدي ثلاثون سنة" (١)، وبه قال عبد القادر في "الجواهر المضية"، وقال البعض: قد تمَّت الثَّلاثون لعلي ﵁. قالوا: الصحيح الأول، والله أعلم. * * * [٣٠ - معاوية بن أبي سفيان (٢)] أمير المؤمنين، معاويةُ بن أبي سفيان بن صَخْر بن أمية بن عبد شَمْس بن عبد مَناف. يجتمع هو والنبيُّ ﷺ في عبد مَناف من جهة أبيه ومن جهة أمِّه (٣)؛ لأنَّ أمَّه هند بنت عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف. كان ﵁ من كبار الأصحاب الكرام، وكان كاتب رسول الله ﷺ . ذكر الشَّيخ الإمام عمر النَّسَفِي في تفسيره "التيسير" في البسملة كيف كتب بإسناد صحيح عن مكحول الشَّامي، قال: قال معاوية: كنت أكتب بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال: "يا معاوية ألْقِ الدَّواة، وحرِّف القلم، وانصب الباء، وفرِّق (٤) السِّين، ولا تعوِّر الميم، وحسِّن الله، ومدَّ الرَّحمن، وجوِّد الرحيم" (٥).

стр. 158

وكان عاملًا لعُمَر، استعمله على إِمْرَة دمشق، فلم يزل متوليًّا على الشام عشرين سنة في خلافة عمر، وفي خلافة عُثمان ﵄، وفي خلافة علي ﵁ صار متخلّفًا إلى يوم التَّحكيم، فبويع له يوم التحكيم، بايعوه أهل الشام، واختلف عليه أهل العراق إلى أن سلّم الحسن ﵁ إليه (١) الخلافة، وبايعه، فاجتمع الأمر له، وبعث نوَّابه إلى البلاد، وذلك في سنة (٢) إحدى وأربعين، فسمِّي عام الجماعة؛ لاجتماع الأمَّة بعد الفرقة على إمام واحد. وكان ﵁ يتولَّى القضاء والحكم بنفسه، وكان عظيمًا حليمًا، وكان (مليح الشكل، عظيم الهيبة) (٣)، وافر الحشمة، يلبس الثياب الفاخرة، ويركب الخيل المسوَّمة، وكان كثير البذل والعطاء، محبًّا إلى الرعية، وهو أوَّل من اتخذ المقاصير، وأقام الحرس والحجاب، وأول من مشى بين يديه صاحب الشرط (٤) بالحربة. وله ولاة على البلاد في الأحكام، منهم عَمْرو بن العاص بمصر، ومروان بالمدينة. ولي (٥) الخلافة عشرين سنة إلا شهرًا، وتوفِّي بدمشق سنة ستين، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة. روي أنّه لما ثقل بالضعف، وأيقن بالموت قال لأهله: احشوا عيني إثمد، وأوسعوا رأسي دهنًا، ففعلوا، وبرقوا وجهه بالدهن، ثم مهدوا له مجلسًا، وأسندوه،

стр. 159

وأذنوا للناس، فدخلوا وسلِّموا عليه قيامًا قيامًا، فلما خرجوا من عنده أنشد قائلًا: وتجلُّدي للشَّامتين أريْهم … أنَّي لوَشْكِ البَيْن لا أتضَعْضعُ فسمعه رجل من العلويِّين فأجابه (١): وإذا المنيَّة أنشبَتْ مخلابها … ألفيْتَ كلَّ تميمةٍ لا تَنْفعُ (٢) ثم أوصى أن تُدفن قلامة (٣) أظفار رسول الله ﷺ معه، وتجعل في منافذ وجهه، وأن يُكفَّن بثوب رسول الله ﷺ . وصلَّى عليه الضَّحاك الفِهْري؛ لغيبة ابنه يزيد ببيت المقدس، فلمَّا سمع بادر إلى قبر أبيه، ثم دخل دمشق إلى الخضراء، وكانت دار السَّلطنة، فخطب الناس وبايعوه بالخلافة، وكتب إلى الأقاليم، فبايعوه، ولم يبايعه الحسين ﵁، ولا عبد الله بن الزُّبير ﵄، وأقاما مُصرَّين على الامتناع عن البيعة إلى أن قُتل الحسين بكربُلاء، قتله شِمْر بن ذي الجَوْشَن، لعنة الله على من ظلم وتعدى وكفر بنعمة الله تعالى. واعلم أنّ للعلماء في جواز اللَّعن على يزيد وأحزابه أقاويل، فلا علينا أن نذكر بعضًا مما يتعلق بهذا؛ قال الصَّدر الشَّهيد حسام الدِّين في "الواقعات" في باب كلمات

стр. 160

تجري على اللِّسان بعلامة الباء، نقلًا من "فتاوى أبي بكر ابن الفضل": وينبغي أن لا يُلعن على يزيد بن معاوية ولا يُطعن فيه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن لعن المسلمين، ومن كان من أهل القِبْلة لا يحلُّ لأحد أن يلعنه إلَّا رسول الله؛ لأنّه يعلم من أحوال الناس بإعلام الله تعالى ما لم يعلم بذلك (١) غيره، ولأنَّ أحدًا وإن كان فاضلًا فقاتله لا يكفر بقتله، ولأن يعوَّد لسانه بالخير كان أفضل من أن (يعوَّد باللَّعن) (٢) انتهى. [وقال الشَّيخ الإمام بقيَّة المجتهدين، طاهر بن أحمد بن عبد الرَّشيد البُخاري في "الخلاصة" قبيل كتاب الهبة: اللَّعن على يزيد بن معاوية لا ينبغي أن يفعل، وكذا على حجَّاج. وقال ﵀ عن الشَّيخ الزَّاهد قوام الدِّين الصَّفَّاري، أنّه كان يحكي عن أبيه أنَّه يجوِّز ذلك ويقول: لا تلعنوا على معاوية، ولا بأس باللَّعن على يزيد. وذكر أفضل المتأخرين حافظ الدِّين ابن البَزَّازي محمَّد الكَرْدَري في "وجيز الفتاوى": اللَّعن على يزيد يجوز، ولكن ينبغي أن لا يفعل، وكذا على الحَجَّاج. ويحكى عن الإمام قوام الدِّين الصَّفَّاري أنّه قال: لا بأس باللَّعن على يزيد، ولا يجوز على معاوية؛ لأنَّه خال المؤمنين، وكاتب الوحي، وذو السَّابقة والفتوح الكثيرة، وعامل الفاروق وذي النُّورين، لكنَّه أخطأ في اجتهاده، فيتجاوز الله عنه ببركة صحبته لنبينا محمَّد ﷺ ، ونكفُّ اللِّسان عنه تعظيمًا لمتبوعه وصاحبه] (٣). وسئل الجَوْزي عن يزيد وأبيه فقال: قال النبيُّ ﷺ : "من دخل دار أبي سُفيان فهو آمن" (٤)، وعلمنا أنَّ أباه دخل داره فصار آمنًا، والابن لم يدخلها فلم يصر صاحب

стр. 161

جد، والحقُّ أنَّ لعن يزيد بناءً (١) علي اشتهار كفره وتواتره وظاهر شرِّه على ما عُرف تفاصيله، وإلا فاللَّعن على الشَّخص، وإن كان فاسقًا لا يجوز، بخلاف اللَّعن على الجنس كقوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]. [ورأيت في "الفتاوى المتفرقة" الشيخ الإسلام مُفتي الثَّقلَين المولى أحمد بن سليمان بن كمال باشا: زيد حضرت حُسين أولاد رسولدن أولدوغندن اوترو يزيد حُسينه ايتدي ديو اعتقاد ايدوب يزيدي تكفير اتسه شرعا نه لازم اولور؟ الجواب نسنه لازم اولمز أما كفرنه حكم اتممك كركدر كتبه أحمد. واخري يزيد كافردر ديَن كمسنه به شرعا نه لازم اولور، الحواب قضاءً نسنه لازم اولمز ديانةً استغفار اتمك كركدر زيرا صحابه رسولدن يزيدك اردنده جمعه نمازين قلنلري تضليلدر كتبه أحمد، واخرى حسين أولاد رسولدن اولدغندن أوترو يزيد أولاد رسوله قصد ايتدكي ايجون كفرنه حكم أولنمز غيري حال واردر انكله كفرنه حكم أولنور، وأخرى يزيدي تكفير ايدنلر نه وجهله تكفير ايدرلر، الجواب خمر حقنده بو بيت اكانسبت أولنور: فإن حُرمْتَ حقًّا على دين أحمد … فخذْها على دين المسيحِ ابنِ مريم أما اعتبار خاتمه يه در جائز كه استغفار اتمش أولا كتبه أحمد. وقال المولى سعد الدِّين التَّفْتَازَاني -وهو من أصحاب الشَّافعيَّة- في "شرح العقائد النَّسفيَّة": لم يُنقَل عن السلف المجتهدين والعلماء الصالحين جواز اللَّعن على مُعاوية وأضرابه؛ لأنَّ غاية أمرهم البغي والخروج على الإمام، وهو لا يوجب

стр. 162

اللَّعن، وإنما اختلفوا في يزيد بن مُعاوية، حتى ذكر في "الخلاصة" وغيرها أنَّه لا ينبغي اللَّعن عليه ولا على الحجَّاج؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن لعن المصلِّين ومن كان من أهل القِبْلة، وما نقل من لعن النبيِّ ﷺ لبعض من أهل القِبْلة، فلما أنَّه يعلم من أحوال الناس ما لا يعلم غيره. وبعضهم أطلق اللَّعن عليه لما أنَّه أمر بقتل الحُسَين، واتَّفقوا على جواز اللَّعن على من قتله أو أمرَ به، أو أجازه، أو رضي به، والحقُّ أنَّ يزيد رضيَ بقتل الحُسَين، واستبشاره بذلك وإهانته أهل بيت النبيّ ﷺ مما تواتر معناه، وإن كان تفاصيله آحاد، فنحن لا نتوقَّف في شأنه بل في إيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره. إلى هنا كلام التَّفْتَازَانِي. قال في "شرح المقاصد": وأما ما جرى من الظُّلم على أهل بيت النبيِّ ﷺ ، فمن الظهور بحيث لا مجال للإخفاء فيه، ومن الشَّناعة بحيث لا اشتباه على الإدِّراء، إذ (١) يكاد يشهد به الجماد والعجماء، ويبكي له من في الأرض ومن في السماء، وتهدم منه الجبال وتنشقُّ الصخور، ويبقى سوء عمله على كرِّ الشهور ومرِّ الدُّهور، فلعنة الله على من باشر أو رضي أو سعى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [سورة طه: ١٢٧] (٢). ذكر الدَّمِيْرِي في ذكر الإوز في "حياة الحيوان": قال (٣) دخل شِمْر بن ذي الجَوْشَن مع رفقائه على يزيد بن معاوية بدمشق ومعهم رأس الحسين ﵁، فرمى به بين يدَي يزيد، ثم تكلَّم شمر بن ذي الجَوْشَن، فقال: يا أمير المؤمنين! ورد علينا هذا -يعني الحسين- في ثمانية عشر رجلًا من أهل بيته، وستين رجلًا من

стр. 163

شيعته، فسرنا إليهم، وسألناهم النُّزول على حكم أميرنا عبيد الله بن زياد أو القتال، فاختاروا القتال، فهاتيك أجسادهم مُجرَّحة، وثيابهم مرمَّلة (١)، فلما سمع يزيد ذلك، دمعت عيناه، وقال: ويحكم قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن مرجانة. أما والله لو كنت صاحبه لعفوت عنه، ثم قال: يرحم الله أبا عبد الله، ثم تمثَّل بقول القائل: يفلِّقْنَ هامًا مِنْ رجالٍ أعزَّة … علينا وهمْ كانوا أعقَّ وأظْلَما (٢) ثم أمر بالذُّرِّية فأدخلوا دار نسائه، وكان يزيد إذا حضر (٣) غداءه دعا عليَّ بن الحسين، وأخاه عُمر بن الحسين فأكلا معه، ثم وجَّه الذرية صحبة علي بن الحسين إلى المدينة، وكان بين وفاة رسول الله ﷺ وبين اليوم الذي قتل فيه الحسين ﵁ خمسون عامًا. [وذكر الدَّمِيْرِي في ذكر الفهد من "حياة الحيوان": سئل إِلْكِيا الهرَّاسي علي بن محمَّد الطَّبَري الفقيه الشَّافعي عن يزيد بن معاوية؛ هل هو من الصحابة أم لا؟ وهل يجوز لعنه أم لا؟ فأجاب: أنَّه لم يكن من الصحابة؛ لأنَّه وُلِد في أيام عثمان ﵁. أما قول السلف ففيه لكلِّ واحد من أبي حنيفة ومالك وأحمد قولان: تصريح وتلويح، ولنا قول واحد التَّصريح دون التَّلويح، كيف لا يكون كذلك وهو المتصيد بالفهد واللاعب بالنَّرد ومدمن الخمر، من شعره في الخمر: أقولُ لصَحْبٍ ضمَّتِ الكأسُ شملَهُم … وداعي صَباباتِ الهوى يترنَّم

стр. 164

خذوا بنصيبي مِنْ نعيمٍ ولذَّةٍ … فكلٍّ وإنْ طالَ المدى يتصرَّم ثم قلَّبَ الورقة وكتب: ولو مددت بياضًا لأطلْقتُ العنان، وبسطْتُ الكلام في مخازي (١) هذا الرَّجل. وقد أفتى الغزالي في هذه المسألة بخلاف ذلك، فإنَّه سُئل عن من يصرِّح بلَعن يزيد بن معاوية؛ هل يحكم بفسقه أم يكون ذلك مرخّصًا فيه؟ وهل كان مُريدًا قتل الحسين ﵁ أم كان قصده الدفع؟ وهل يسوغ الترحُّم عليه أم السكوت أفضل؟ فأجاب: لا يجوز لعن المسلم أصلًا، ومن لعن مُسلمًا فهو الملعون] (٢)، وقال رسول الله ﷺ : "المسلم ليس بلعَّان" (٣)، وكيف يجوز لعن المسلم. وقد ورد النَّهي عن ذلك، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنصٍّ من النبيِّ ﷺ . ويزيد صحَّ إسلامُه، وما صحَّ قتله للحُسَين ﵁، ولا أمَره ولا رضاه بذلك، ومهما لم يصحَّ ذلك عنه لم يجزْ أن يُظَنَّ ذلك به؛ فإِنَّ إساءة الظنِّ أيضًا بالمسلم، حرام، قال الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، قال رسول الله ﷺ "إنّ الله حرَّم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظنَّ به ظنَّ السوء" (٤).

стр. 165

(ومن رام أن يعلم حقيقة من الذي أمر بقتله لم يقدر على ذلك، وإذا لم يُعرف وجب إحسان الظنِّ بكلِّ مسلم يمكن إحسان الظنِّ به، مع هذا لو ثبت علم مسلم أنَّه قتل مسلمًا فمذهب أهل الحقِّ أنَّه (١) ليس بكافر) (٢). والقتل ليس بكفّرٍ بل هو معصية، وإذا مات القاتل فربَّما مات بعد التَّوبة، والكافر لو تاب من كفره لم يجزْ لعنته، فكيف من تاب عن قتلٍ، ولم يُعرَف أنّ قاتل الحسين ﵁ مات قبل التوبة، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]، فإذًا لا يجوز لَعْنُ أحد ممن مات من المسلمين، ومن لعنه كان فاسقًا عاصيًا الله تعالى. (ولو جاز لعنه فسكت لم يكن عاصيًا بالإجماع، بل لو لم يلعن إبليس طولَ عمره لا يُقال له في القيامة: لِمَ لمْ تلعن إبليس؟) (٣)، ويقال للَّاعِن: لِمَ لعنْتَ؟ ومن أين عرفت أنّه ملعون؟ والملعون هو المبْعَد من رحمة الله تعالى، وذلك لا يُعرف إلا فيمَنْ مات كافرًا، فإنَّ ذلك علم بالشرع، أما التَّرحم عليه فجائز، بل يستحبُّ، بل داخل في قولنا: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإنَّه كان مؤمنًا. إلى هنا كلام الغزالي ﵀. * * *

стр. 166

[٣١ - عبد الله بن عبَّاس (١)] ومن المكثرين في الفُتيا فيما بين أصحاب المصطفى ﷺ ابن عم الرَّسول عبد الله ابن عبَّاس بن عبد المطلَّب ﵄، الحبر البحر في الفقه والتفسير. قال الذَّهبي: روي أنَّه لم يكن على وجه الأرض في زمانه (٢) أحدٌ أعلم منه. وعن سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال (٣): بِتُّ عند خالتي ميمونة، فوضعْتُ لرسول الله ﷺ غُسْلًا فقال ﷺ : مَنْ وضع هذا؟ قالوا: عبد الله. قال: "اللهم علّمه التأويل وفقّه في الدِّين" (٤). وروي عن كريب أنَّ (٥) النبيَّ ﷺ دعا له أن يزيده الله فهمًا وعلمًا (٦). وعن مجاهد أنّه قال: كنّا نفخر على الناس بقارئنا عبد الله بن السَّائب وبفقيهنا عبد الله بن عباس، وبمؤذِّننا (٧) أبي مَحْذُورة (٨). قرأ القرآن على أُبيٍّ.

стр. 167

وروى عن النبيِّ ﷺ ، وعمر، وعثمان، وأبي ذر، ووالده عبَّاس، وغيرِهم. في "شرح المشارق" لابن الملَك في "باب من"، في حديث: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه" (١): ما رواه ابن عباس عن النبيّ ﷺ ألف وستمئة وستون حديثًا، له في الصحيحين مئتان وأربعة وثلاثون حديثًا، وانفرد البُخاري منها (٢) بمئة وعشرة، ومسلم بتسعة وأربعين. قرأ عليه: مُجاهد وسعيد بن جُبير والأعرج وعِكْرِمة بن خالد وغيرهم، (وحدَّث عنه: عِكْرِمة، وعطاء، وطَاوس، وخلق كثير). (٣) توفي بالطائف سنة ثمان وستين، وصلَّى عليه محمَّد بن الحنفيَّة، وقال: اليوم مات ربَّاني العلم (٤). وقد كُفَّ بصرُه في أواخر عمره. روي أنّ رجلًا تزوَّج امرأة فولَدَتْ لستَّة أشهر، فهمَّ عُثمان ﵁ أن يرجمها، فقال ابن عبَّاس أما إنها لو خاصمتكم بكتاب الله لخاصمتكم؛ إذ قال الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، فإذا ذهبت عامان للفصال لم يبق للحمل إلا ستَّة أشهر، فدَرَأَ عُثمان الحدَّ عنها، وأثبت النَّسب من الزَّوج (٥). ذكره الشَّريف في "شرح الفرائض".

стр. 168

وذكر الزَّنْدَوِيْستي في (الباب الثاني من) (١) "روضته": روي أنَّ شابًا قام إلى ابن عباس فقال له: أقبِّل وأنا صائم؟ فقال: لا، فقام إليه شيخ فقال: أقبِّل وأنا صائم؟ فقال: نعم. فعاد إليه الشَّاب وقال: أتجيز له ما حرَّمْتَ عليَّ ونحن على دينٍ واحد؟! فقال: لأنّه شيخ يملك إرَبَه، وأنت شاب لا تملك إرَبَك (٢). يعني: عورتَك. * * * [٣٢ - عبد الله بن مسعود (٣)] ومن المكثرين في الفُتيا والموصوفين بالفِطنة والذَّكاء عبد الله بن مَسْعود. (كان ﵁ من السَّابقين الأوَّلين) (٤)، أسلم قديمًا بمكة، وهاجر الهجرَتَيْن، وصلَّى إلى (٥) القِبلَتَيْن، وكان يخدم النبيَّ ﷺ ويلازمه، ويحمل نعل النبيِّ ﷺ إذا خلعها. وقد قال النبيُّ ﷺ : "إنك لغُلَيِّم مُعَلَّم" (٦). (وقال أبو موسى: ما كنت أحسب ابن مسعود وأمَّه إلَّا من أهل البيت؛ لكثرة

стр. 169

دخولهم وخروجهم) (١). وكان النبيُّ ﷺ يطلع ابن مسعود على أسراره ونجواه، وكان يتولَّى فراش النبيِّ ﷺ وسادته وسواكه ونعله وطهوره، وإنَّ الرَّسول ﷺ بشرَّه بالجنّة (٢). وكان من أجود الناس ثوبًا، وأطيب الناس ريحًا. [وعن زيد بن وهب: جاء ابن مسعود إلى مجلس عمر، فجعل يُكلِّم عمر ويضاحكه، فكاد الجلوس يوازونَه مِنْ قِصَرِه، فلمَّا ولَّى قال عمر: كُنيْفٌ (٣) مُلِئ علمًا (٤). وقال أبو موسى: مجلس أجالسه ابن مسعود أوثق في نفسي من عمل سَنة (٥). وكان ابن مسعود أحد من جمع القرآن على عهد النبيّ ﷺ وأقرأ]. (٦) وكان يقول: حفظْتُ مِنْ فِي رسول الله ﷺ سبعين سورة (٧). قرأ عليه طائفة، وتفقَّه خلق كثير، وكانوا لا يفضِّلون عليه أحدًا في العلم، ومن تلامذته: علقمةُ، ومسروق، والأسود، وزِرّ بن حُبيش، وأبو عبد الرَّحمن السُّلمي.

стр. 170

وولي قضاء الكوفة وبيت مالها (لعمر ﵁، حين ولَّاه عمر كتب إلى الكوفة: أما بعد، فإني بعثت إليكم عمَّارًا أميرًا، وعبد الله قاضيًا) (١) (٢). وكان يصوم الإثنين والخميس. قيل: خرج ذات يوم فاتبعه الناس فقال: ألكم حاجة؟ قالوا: لا، ولكن أردنا أن نمشي معك، قال: فارجعوا، فإنَّه ذِلَّة (٣) للتَّابع وفتنة للمتبوع (٤). (ذكر ابن الملك في "شرح المشارق" في "باب مَن" في حديث: "من أحسن في الإسلام فلا يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن (٥) أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر" (٦)) (٧): ما رواه عن النبيِّ ﷺ ثمانمئة وأربعون حديثًا، له في الصَّحيحين مئة وعشرون (٨)، انفرد البُخاري منها بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين. [وفي "أدب القضاء" للخصَّاف: كان ابن مسعود ﵁ (عند رسول الله ﷺ ) (٩) يرجع في الحوادث إلى رسول الله ﷺ ، ثم إلى أبي بكر وعمر، وما كان يُرجع إلى عبد الله، ثم تعلَّم عبد الله حتى صار مذكورًا في العلم، فإنَّه لما قدم الكوفة اجتمع حوله أربعة آلاف نفر، فلمَّا قدم عليُّ بن أبي طالب رضي الله

стр. 171

عنه الكوفة تلقَّاه ابن مسعود ﵁ في جميع أصحابه، فقال عليٌّ: لقد ملأت هذه البلدة علمًا وفقهًا. وذكر الكَرْدَري في مناقب أبي حنيفة: روي أنَّ عليًّا ﵁ قدم الكوفة بعد موت عبد الله بن مسعود فرأى أصحابه يفقّهون الناس، ورأى في مسجدها أربعمئة مِحبرة يكتبون بها الفقه، فقال: هؤلاء سراج أهل القرية. وذكر أصحاب الإمام الشَّافعي أنَّ ابن عباس استفتى أصحاب ابن مسعود ﵃ كعَلْقَمة ومَسْروق فيمن أصاب عينه وَجَع أيصلي مستلقيًا؟] (١). واتفق أنّ عبد الله وفد من الكوفة، فمات بالمدينة في آخر سنة اثنتين وثلاثين، ذكره الذهبي في "طبقات القراء". [وفي "معارف ابن قتيبة": كان على قضاء الكوفة وبيت مالها لعمر ﵁، وصدرًا من خلافة عُثمان ﵁، ثم صار إلى المدينة، فتوفي بها سنة اثنين وثلاثين، وهو ابن سبع وستين سنة، ودُفن بالبقيع. وعن الأعمش جاء نعي عبد الله إلى أبي الدَّرداء فقال: ما ترك بعده مثله أحدًا (٢). ومن مواعظه: إنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النَّار (٣)، وخير الهدي هَدْيُ الأنبياء، وإن الصدقَ يهدي إلى البرّ، وإن البرّ يهدي إلى الجنّة، وأشرف الحديث ذكر الله] (٤) (٥).

стр. 172

[٣٣ - عبد الله بن عُمَر (١)] وأحدُ السبعة المكثرين في الفُتيا عبدُ الله بن عمر بن الخطاب ﵄. في "فوائد الجواهر المضيَّة": كثيرًا ما يقول أصحابنا الحنفيَّة في كتبهم عبد الله عندنا: ابن مسعود وابن عبَّاس وابن عمر ﵃. وفي كتاب الحج من "الهداية": وأشهر الحجِّ شوَّال وذو القعدة وعشرٌ من ذي الحجَّة، كذا روي عن العبادلة الثلاثة وعبد الله بن الزُّبير. وفي "عناية الهداية": إنما فصل (٢) عبد الله بن الزُّبير عن العبادلة، وهم: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، لأنّه ما كان يُفهم في عُرفهم من إطلاق العبادلة إلا هؤلاء الثلاثة. وأما في عُرف المحدثين فالعبادلة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله ابن الزُّبير، وليس عبد الله بن مسعود منهم؛ لأنَّه كان تقدَّم موته. (وفي "فوائد الجواهر المضيَّة": وعند المحدِّثين: ابن عمر وابن عباس، وابن الزُّبير، وابن عَمْرو بن العاص، وعلى هذا يكون عبادلة المحدِّثين أربعة) (٣). أسلم عبد الله بن عمر مع إسلام أبيه بمكة وهو صغير، ويكنى أبا عبد الرَّحمن، شهد المشاهد كلها بعد بدر وأُحُد، وبقي إلى زمان عبد الملك بن مروان. مات بمكة، وهو آخر من مات فيها من الصحابة، وهو ابن أربع وثمانين سنة.

стр. 173

يزعمون أنّ الحَجَّاج دسَّ عليه رجلًا فسمَّ زجَّ رمحه، فزحمه (١) في الطريق، فطعنه في (ظهر قدمه) (٢)، فدخل عليه الحَجَّاج فقال: يا أبا عبد الرَّحمن! مَنْ أصابَك؟ قال: أنتَ أصبتني، قال: ولم تقول هذا؟ قال: لأنك حملت السلاح في بلد لم يُحمل فيها السلاح. حكاه ابن قتيبة في "المعارف" (٣). [وعن أبي اليقظان: وكان من أهل العلم والورع كثير البذل والعطاء حتى أعتق ألف عبد لوجه الله تعالى، وكان (٤) نافع منهم، طلبه (٥) عبد الله بن جعفر بن عمر فأعطاه اثني عشر ألف دينار فأبى أن يبيعه، فأعتقه لوجه الله تعالى. ذكر ابن الملَك في "شرح المشارق" في حديث: "من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرها للذي باعها إلا أن يشترطها المبتاع، ومن ابتاع عبدًا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع" (٦)] (٧): ما رواه (عبد الله بن عمر) (٨) عن النبيّ ﷺ (٩) ألفان وستمئة وثلاثون حديثًا، له في الصحيحين مئتان وثمانون حديثًا، انفرد مسلم بأحد وثلاثين، والبُخاري بأحد وثمانين، وهذا الحديث مما انفرد به مسلم ﵀. قال ابن حجر في "المختصر من علم الحديث": أكثر الصحابة حديثًا أبو هريرة

стр. 174

وابن عمر وعائشة وجابر بن عبد الله وأنس، وأبو هريرة أكثرهم، وأكثر الصحابة فتوى ابن عباس رضي الله تعالى عنهم. * * * [٣٤ - زيد بن ثابت (١)] سابع السَّبعة المكثرين في الفتوى زيد بن ثابت ﵁. هو من الأنصار، ويكنى أبا سعيد، قُتل أبوه في وقعة بُعاث، وقدم إلى (٢) رسول الله ﷺ وهو ابن إحدى عشرة سنة. وكان آخر مَن عرض رسول الله ﷺ القرآن (٣) على مصحفه، وهو أقرب المصاحف من مصحفنا، وقد كتبه زيد لعمر بن الخطاب، وكان كاتبَ النبيّ ﷺ وأمينَه على الوحي. كان أسنَّ من أنس بسنة، وكان شابًا (٤) زكيًا، جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، وجمعه في صحف لأبي بكر رضي الله تعالى عنه، ثم تولَّى كتابة مصحف عُثمان الذي بعث به عُثمان نسخًا إلى الأمصار، تقدم تفصيله في ذكر عُثمان ﵁. قرأ عليه: أبو هريرة وابن عباس في قول.

стр. 175

روى عنه: ابن خارجة، وابن عمر، وأنس، وعطاء بن يسار، وعروة، وطاوس، وآخرون. وكان عمر يستخلفه على المدينة إذا حج. (قال أنس: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، زيد، وأُبيٌّ، ومعاذ، وأبو زيد الأنصاري) (١) (٢). وقال الشعبي: غلب زيد الناس على القرآن والفرائض (٣). (وقال وكيع عن سفيان عن خالد الحذّاء عن أبي قِلَابَة عن أنس عن النبيِّ ﷺ قال: "أفرض أمتي زيد بن ثابت" (٤)، ذكره الذَّهبي في "طبقات القُراء") (٥). وذكر السيِّد الشريف في "شرح الفرائض": وقد روى خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أنَّه قال: أمرني أبو بكر الصديق ﵁ بتوريث أهل اليمامة، فورَّثت الأحياء من الأموات، ولم أورِّث الأموات بعضهم من بعض، وأمرني عمر بتوريث أهل طاعون عَمَوَاس، وكانت القبيلة تموت بأسرها، فورَّثت الأحياء من الأموات، ولم أورِّث الأموات بعضهم من بعض (٦). [وفي "أدب القضاء" للخصَّاف عن الشَّعبي قال: كان حائط لعمر بن الخطاب وأبيُّ بن كعب ﵄، فكانا جميعًا يدَّعيانها، فتقاضيا إلى زيد بن ثابت

стр. 176

﵁، فأتياه فضربا الباب، فسمع زيد صوت عمر فاستقبل، فقال: ألا أرسلْتَ لي يا أمير المؤمنين، فقال: في بيته يؤتى الحكم. قال الصَّدر الشَّهيد: في الحديث دليلٌ على جواز التَّحكيم، وفيه دليل أيضًا على أنّ الإمام إذا وقعت له الخصومة أو عليه لا يحكم بنفسه، لكن يحكِّم غيره ليحكم بينه وبين خصمه، ألا ترى أنَّ عمر ﵁ حكَّمه، فإذا حكَّم الإمام إنسانًا يصير ذلك الحكم كالحاكم المولَّى. وفيه دليل أيضًا على أنَّ الحكم لا يدعوه الإمام إلى نفسه، لكن يأتي إلى بيته، وإنما كان ذلك تعظيمًا للحَكَم، كما أنَّ المتعلِّم لا يدعو العالم إلى نفسه، بل يأتي إليه تعظيمًا للعلم. وفيه دليل إلى أنَّ الخصومات كانت تقع بين كبار الصحابة ﵃، ولا يظن بهم إلَّا الجميل، فيحمل على أنَّ الأمر قد يشتبه عليهم، فيختصمون كي يظهر الحقُّ، ولا يُظنُّ بهم إلا هكذا] (١). وفي "شرح المشارق" لابن الملَك في "باب أن": ما رواه عن النبيّ ﷺ اثنان وتسعون حديثًا، له في الصحيحين عشرة أحاديث، انفرد البُخاري منها بأربعة، ومسلم بواحد. ذكر ابن حجر في "المختصر" عن ابن المَدِينْي: قال لم يكن من الصحابة من له أقوام يقومون بقوله إلا ثلاثة: ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس ﵃. * * *

стр. 177

[٣٥ - أبيّ بن كعب (١)] أقرأ الأمَّة، وسيِّد المسلمين، أبيُّ بن كَعْب بن قَيْس بن المنذر الأنصاري ﵁. كان كاتبَ الوحي لرسول الله ﷺ ، وكان يكتب في الجاهلية، وكان من السبعة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، وعَرضوا عليه، وعليهم دارت الأسانيد كلُّها. (وفي "أصول البَزْدَوي": تركَ رسول الله ﷺ آية في قراءته، فلمَّا أُخْبِر به قال: "ألم يكن فيكم أبيّ؟ " فقال أبيٌّ: بلى يا رسول الله، لكني ظننْتُ أنها تُسخَتْ، فقال رسول الله ﷺ : "لو نسخت لأخبرتكم" (٢)) (٣). أخذ عنه القراءةَ ابن عبَّاس، وأبو هريرة، وعبد الله بن السَّائب، وجماعة كثيرة، وعن ابن عباس قال عمر: أقصانا عليٌّ، وأقر أنا أبيٌّ (٤). (وعن قتادة عن أنس: أنَّ النبيَّ ﷺ قال لأبيٍّ: "إِنِّي أُمِرْتُ أنْ أقرأَ عليك"، وفي لفظ: "أن أُقرئِكَ القرآن"، قال: "الله سمَّاني لك"، قال "نعم"، فبكى أُبيٌّ (٥)) (٦).

стр. 178

وقال عمر يوم مات أُبيّ: اليوم مات سيد المسلمين (١). توفي ﵁ بالمدينة سنة عشرين أو تسع عشرة، ذكره الذَّهبي في "طبقات القُرَّاء". * * * [٣٦ - أبو موسى الأشعري (٢)] أبو موسى الأشعري، عبد الله بن قَيس بن سليم الأشعري ﵁. هاجر إلى النبيِّ ﷺ فقدم عليه عند فتح خيبر، وحفظ القرآن والعلم، ولئن قصرت مدة صحبته فلقد كان من نُجباء الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وكان من أطيب الناس صوتًا، سمع النبيُّ ﷺ قراءته، فقال: "لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود" (٣). وقد استغفر له النبيّ ﷺ ، واستعمله على زبيد وعدن، ثم ولّي إمْرَةَ الكوفة والبصرة، وحكَّمه على نفسه في شأن الخلافة يوم التحكيم عليٌّ ومعاوية لجلالته وفضله.

стр. 179

[قيل: مكر به يوم التحكيم عَمْرو بن العاص وخدعه، وإجمال هذه الحكاية أنّ عليًّا ومعاوية ﵄ حكَّما بعد وقعة صفِّين، فيه (١) أبو موسى الأشعري، ومعاوية عيّن عَمْرو بن العاص، وتصالحَا على أنّ هذين الحَكَمين على أيِّ أمر اتفقا لم يتجاوزْ أحدٌ عن هذا الأمر، وكان ذلك في رمضان سنة سبع (٢) وثلاثين. فحضر وابدومة الجندل، ثم بعد معارضات كثيرة من الجانبَين وطول المشاورات اتفقا على أن يخلعا عن عليٍّ ومعاوية، ثم عيَّنا لأمر الخلافة مَنْ يراه المسلمون حسنًا، فقام أبو موسى أولًا وقال: هكذا خلعْتُ عليًّا عن الخلافة، وأخرج إصبعه عن خاتمه، ثم قام عَمْرو وكان قد أخرج إصبعه، وقال: هكذا قرَّرْتُ أمر الخلافة على معاوية، وأدخل إصبعه في خاتمه، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، ووليُّ عُثمان ﵁ كان معاويةَ. ذكر ابن الملَك في "شرح المشارق" في حديث: "من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" (٣)] (٤): ما رواه أبو موسى الأشعري عن النبيِّ ﷺ ثلاثمئة وستون حديثًا، له في الصحيحين ثمانية وستون، انفرد البُخاري بأربعة، ومسلم بخمسة عشر، (وهذا الحديث مما انفرد به مسلم عن أبي موسى وعائشة ﵄. وافتتح أبو موسى أصبهان في زمن عمر ﵁ (٥). مات ﵁ في ذي الحجة سنة أربع وأربعين على الصحيح.

стр. 180

[٣٧ - أبو الدَّرداء (١)] أبو الدَّرداء عُوَيْمر بن زيد ﵁. سابع (٢) السَّبعة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، وهم عُثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وأبو الدرداء. (قرأ القرآن على عهد رسول الله ﷺ ) (٣). وقد تأخَّر إسلامُه عن بدر، وأبلى يوم أُحدٍ بلاءً حسنًا، وآخَى رسول الله ﷺ بينه وبين سلمان وكان عند مقدمه آخى بين المهاجرين والأنصار، وهذان أسلما بعد ذلك بمدَّة، فآخى بينهما. يقال: حكيم هذه الأمَّة، وكان فقيهًا عالمًا، كان من العلماء الحكماء (٤) الألبَّاء. يقال: إنَّ ابن عامر قرأ عليه، وُلِّي قضاء دمشق، وقد عرض عليه القرآن كثيرون. روى عنه: أنس وأبو أمامة، وزوجته أم الدرداء، وابنه بلال، وعلقمة، وجُبَير بن نُفير، وسعيد بن المسيَّب، وغيرهم. (ذكره الذَّهبي في "طبقات القُرَّاء") (٥). وروي أنَّ عمر ﵁ استعمل أبا الدرداء على حمص، ثم سمع (٦) أنّه
следующие страницы →