← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وله "المغرب"، وله "الإيضاح". قرأ ببلده على أبيه عبد السيِّد مقدم، وأخذ عنه شمس الأئمَّة محمَّد بن عبد الستار الكَرْدَري، والشَّيخ الإمام مختار بن محمود الزَّاهدي، والقاسم بن أبي الحسين بن أحمد الخُوَارِزْمِي النَّحوي. قال الشَّيخ الإمام مختار بن محمود الزَّاهدي في "القنية": ورأيت في "حاويه" أيضًا أنّه قال: سألت أستاذنا علامة الدنيا برهان الأئمَّة المُطَرِّزي عمن قرأ في صلاته كلمة فيها جيم بالجيم الفارسية، أو الباء بالباء الفارسية هل تفسد صلاته؟ فتأمل فيها كثيرًا، ثم تقرر رأيه أنّه لحن مفسد. قلت: وينبغي أن لا تفسد على ما اختاره المتأخرون أنّه إذا تقارب المخرج لا يكون لحنًا مفسدًا للصلاة، فكيف إذا اتحد المخرج، وبهذا القدر من التغيير (١) لا يختلف المخرج، فينبغي أن لا تفسد على ما اختاره للفتوى] (٢). * * * [٤٢٢ - علاء الدِّين الخَيَّاطي (٣)] شيخ الإسلام علاء الدِّين (سديد بن) (٤) محمَّد الخَيَّاطي.

стр. 1157

أخذ عن نجم المشايخ علي (بن عبد الله) (١) بن محمَّد المعمراني (٢) تلميذ أبي نصر الخالدي والزَّمَخْشَري. تفقَّه عليه الإمام العلامة يوسف بن أبي بكر محمَّد بن علي أبو يعقوب السَّكَّاكي الخُوَارِزْمي، ونجم الدِّين الحسين بن محمَّد البارعي، وتفقَّه عليه ابنه حسام الملَّة والدِّين هاشم بن سديد الخَيَّاطي. وكان إمامًا كبيرًا، رأسًا في الفقه والكلام، وكان قد أخذ العلم عن أبي إسحاق الحافظ. رأيت في "الحاوي الزَّاهدي" في فصل تطهير النجاسات، عزوًا إلى نجم الأئمَّة الحكيمي من تلامذة قاضي خان قال: خرق كثيرة جمعت وغسلت وعصرت في كل مرة طهرت، وكذا لو كانت في خريطة فغسلت وعصرت، وعن علاء الأئمَّة التاجري: لا تطهر، قال: وهو منصوص، قال شيخ الإسلام علاء الدِّين الخَيَّاطي، عن إسحاق الحافظ: أنها (٣) لا تطهر، وكذلك في الثوبين في الإجَّانة، فأما في الغسل بصب الماء تطهر بلا خلاف، وإذا خيطت الخرق بعضها ببعض وغسلت تطهر كلها، وهكذا حرره في "القنية" في هذا الفصل. * * *

стр. 1158

[٤٢٣ - شمس الدِّين التُّرْكُسْتاني (١)] برهان الأئمَّة شمس الدِّين محمَّد بن عبد الكريم التُّرْكُسْتاني. إمام عالم فقيه بارع ورع، أخذ الفقه عن الدِّهْقان الإمام الكاساني محمَّد بن الحسين عن نجم الدِّين عُمَر النَّسَفِي، عن أبي اليسر البَزْدَوي (٢)، عن (أبي يعقوب) (٣) السَّيَّاري، عن الحاكم النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِنْدُوَاني، عن أبي القاسم الصفَّار، عن نصير بن يحيى، عن أبي سليمان، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى. وتفقَّه عليه مختار بن محمود الزَّاهدي. وفي "الجواهر المضية": محمَّد بن عبد الكريم التُّرْكُسْتاني الخُوَارِزْمِي، عرف ببرهان الأئمة. وتفقَّه عليه مختار بن محمود الإمام الزَّاهد. * * * [٤٢٤ - القاضي علاء الدِّين المَرْوَزِي (٤)] شيخ الإسلام، القاضي الإمام، علاء الدِّين المَرْوَزِي، محمود بن عبيد الله بن صاعد بن محمَّد الحارثي (٥) المَرْوَزِي.

стр. 1159

ولد بسَرْخس، ونشأ بها واشتغل بالعلوم، وبرع في الفروع والأصول، وكان من كبار أصحاب الحنفيَّة في المذهب والخلاف. وعن ابن النَّجَّار أنّه قال: سألته عن مولده فقال: في ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وخمسمئة. تفقَّه عليه محمَّد بن محمود بن محمَّد أبو المفاخر البَنْدَنِيْجي الزَّوْزَني. سمع من والده وعمِّه أبي الفضل عبيد الله ومحمَّد بن صاعد. قدم علينا حاجًّا سنة خمسين وخمسمئة، وكان معه أربعون ألف حديث عن شيوخه، فانتخبت منها جزءًا لطيفًا، وقرأته عليه، وسمعه أصحابنا، وهو ابن خمسة عشر (١)، وسكن مَرْو إلى حين وفاته سنة ست وستمئة. فأخذ الفقه عن القاضي النَّسَفِي عبد العزيز بن عُثمان الفضلي، عن برهان الدِّين عبد العزيز بن عُمَر بن مَازه، عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن القاضي الإمام أبي علي النَّسَفِي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل عن عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى. وله تصانيف، منها "العون في الفتاوى". رأيت في "حقائق المنظومة" في الباب الذي اختصَّ أبو حنيفة به من المسائل الشريفة في بيت المنظومة: يكبِّر القومُ مع الإمام … لا بعدَه في أوَّل القيامِ

стр. 1160

الأفضل للمقتدي في تكبيرة الافتتاح أن يكبِّر مقارنًا لتكبير الإمام، لا يتقدم الإمام ولا يتأخر، وهو قول زفر، وقالا: الأفضل أن يكبِّر بعد فراغ الإمام من التكبير، وإن كبر مقارنًا مع الإمام أجزأه عند محمَّد رواية واحدة، وكذلك في أصح الروايتين عن أبي يوسف، وفي رواية عنه لا يصير شارعًا. من "مبسوط خَواهَرْ زَادَه". وفي عون المَرْوَزِي: المختار للفتوى قولهما، وفي صحة الشروع قوله. رأيت في "الحاوي الزَّاهدي" في كتاب الشرب عزوًا إلى شم شرف الأئمَّة المكِّي: التراب الذي يستخرج بالكراء الموضوع على حافتي النهر مختص به من (١) وضع بجانبه إذا لم يضرَّ بالنهر. وقال شه شهاب الدِّين الإمامي: هو مشترك بين أهل النهر المشترك. قال ﵀: وسألت شيخ الإسلام قعم القاضي علاء الدِّين المَرْوَزِي ومعه نج نجم الأئمَّة الحكيمي حاضر (٢) في الأنهار التي في القرى يحفرها أهلها في الربيع يرمون بالتراب إلى حافتي النهر: هل لأحد أن يأخذه؟ فقال نج: نعم إذا لم يضر ذلك بالنهر، فقلت له في ذلك، فقال: لأنّه مباح، فقلت: أليس الحافرون استولوا عليه بالحفر فملكوه؟ فقال: الاستيلاء إنّما يكون سبب الملك إذا كان على قصد التملك، والحفرة لا يقصدون به التملك، كمن احتش حشيش النهر ليزول المانع من جري الماء، فلكل أحد أن يأخذ ذلك الحشيش. وكان شيخ الإسلام قعم يصوبه في ذلك، قلت: هذا حسن جدًّا، وبهذا تبين أنّ جواب شم شرف الأئمَّة المكي أقرب إلى الصحة، ولا وجه لصحة جواب شه، لأن النهر وإن كان مشتركًا فهذا التراب الذي ترفعه الحفرة ليس من أصل النهر، بل جمعه

стр. 1161

الماء فيه فكان مباحًا، ولم يقصد أحد تملكه فبقي مباحًا، وهكذا ذكر في "القنية" (١). وفي "فصول الأُسْتُرُوْشَني" في الفصل الحادي والعشرين قال: رأيت فتوى أجاب عنها شيخ الإسلام علاء الدِّين محمود الحارثي (٢) المَرْوَزِي، وصورتها: رجل قال لامرأته: إن غبت عنك شهرًا فأمرك بيدك، أين مردرا كافر أسير برد نعوذ بالله، هل يصير أمرها بيدها؟ أجاب: ني، والله أعلم. وفي "العمادية" في الفصل الثالث والعشرين قال: وأفتى (في هذه المسألة بعض مشايخ زماننا) (٣) إن أجبروه على الذهاب فذهب، ينبغي أن يتحقق الشرط وهو الغيبة عنها؛ لأن الإتيان بالشرط مكرهًا أو ناسيًا أو عامدًا، سواء في حق تحقق الحنث. * * * [٤٢٥ - جمال الإسلام أسعد الكَرَابِيسي (٤)] الشَّيخ أمام جمال الإسلام أبو المظفر أسعد بن محمَّد بن الحسين (٥) الكَرَابِيسي النَّيْسَابُوري. كان فقيها فاضلا أديبًا عالمًا، حسن الطريقة، بارعًا ورعًا متديِّنًا صالحًا، وكان نحويًّا زكيًّا، له معرفة تامة بالفروع والأصول.

стр. 1162

أخذ الفقه عن شيخ الإسلام علاء العالم أبي حامد محمَّد الأُسْمَنْدِي السَّمَرْقندي، عن السيِّد الإمام الأشرف عن أبيه أبي الوضاح محمَّد بن السيِّد الإمام عن أبيه السيِّد الإمام أبي شجاع، وكان نحويًّا زكيًّا، خبيرًا بالمعاني والبيان، نظارًا فصيحًا في البحث، عديم النظير، مفرط الذكاء، غوَّاصًا على المعاني الدقيقة، له القدرة التامة التي لا تخفى. وأخذ العربية وفنون الأدب عن أبي منصور موهوب بن أحمد بن الخضر الجواليقي اللغوي، وكان الجواليقي من كبار أهل العلم في اللغة، إمام أمير المؤمنين المقتفي لأمر الله، يصلي إمامًا بالإمام، صنف له كتابًا لطيفًا في علم العروض وألف كتبًا حسنة، وكان (١) يختار في بعض المسائل النحوية مسائل غريبة، وله "شرح أدب الكتاب" (٢) و"التكملة"، و"المغرب". مات في خلافة المقتفي سنة تسع وثلاثين وخمسمئة. وحكي عن أسعد الكَرَابِيسي المزبور هذا أنّه روى عن أبي منصور الجواليقي هذا أنّه قال: أصلُ ليسَ لا آيِسُ، فقلت (٣): هذا الكلام كأنه من كلام الصوفية، فكأن الشَّيخ أنكر على ذلك، ولم يقل في تلك الحال شيئًا، فلما كان بعد ذلك بأيام، وقد حضرنا على العادة حلقته ويقرأ عليه "كتاب الجمهرة" لابن دريد، قال: أين ذلك الذي أنكر أن يكون أصل ليس لا آيس؟ أليس لا يكون بمعنى ليس، فقلت للشيخ: ولِمَ إذا كان لا بمعنى ليس يكون أصل لا أليس، فلم يذكر شيئًا. وهو تلميذ الشَّيخ زكريا يحيى بن علي بن محمَّد الشَّيباني الخطيب التِّبْرِيْزي مدرس الأدب بالمدرسة النظامية ببغداد، في زمان أبي العبَّاس الخليفة أحمد

стр. 1163

المستظهر بالله، ومصنف "الكافي في علم العروض والقوافي"، و"كتاب إعراب القرآن"، و"مقاتل (١) الفرسان"، و"شرح اللمع لابن جني"، و"شرح الحماسة"، و"المتنبي"، و"المفضليات"، و"السبع الطوال"، و"المقصورة لابن دريد"، و"سقط الزند للمقري"، وغير ذلك. وكان مفقودًا في سنة إحدى وخمسمئة. وهو تلميذ أبي محمَّد الدهان اللغوي، وهو تلميذ أبي الحسن علي بن عيسى المعروف بالرُّمَّاني شيخ النحاة في زمانه في خلافة القادر بالله أبي العبَّاس أحمد بن إسحاق بن المقتدر بالله. ولد سنة ست وتسعين ومئتين، ومات سنة أربع وثمانين وثلاثمئة وهو ابن تسع وثمانين سنة. وكان من كبار أهل العربية مفننًا في العلوم (من النحو واللغة) (٢)، والكلام على مذهب المعتزلة. والرُّمَّاني أخذ عن ابن السَّرَّاج أبي بكر محمَّد بن السَّري وأبي بكر محمَّد بن الحسن بن دريد الأزدي، وهما كانا من أكابر علماء العربية، وكانا مقدَّمين في اللغة وأنساب العرب وأشعارهم، وقد أخذ الأول عن أبي العبَّاس المبرد، وانتهت إليه الرئاسة في النحو بعد المبرد. ومات سنة عشر وثلاثمئة، له مصنفات أحسنها "كتاب الأصول"، جمع فيه أصول علم العربية وأخذ مسائل سيبويه.

стр. 1164

والثاني ابن دريد عن أبي حاتم السِّجستاني، وكان أعلم الشعراء وأشعر العلماء، وله تصنيفات: منها "كتاب الجمهرة في اللغة"، و"كتاب الاشتقاق"، و"كتاب الخيل الكبير"، و"كتاب الخيل الصغير"، و"كتاب الأنواء"، و"كتاب الملاجن"، و"كتاب أدب الكتاب"، و"كتاب المجتبى"، و"كتاب المقتنى"، وغير ذلك. مات سنة إحدى وعشرين وثلاثمئة. وكان المبرد شيخ أهل النحو والعربية، انتهى إليه علمها بعد المازني، وهو أخذ عن المازني، حكي أنَّ المبرد بدأ بقراءة "كتاب سيبويه" على أبي عَمْرو الجرمي وختمه على أبي عُثمان بكر بن محمَّد المازني. روي عن ابن السراج أنّه قال: كان بين أبي العبَّاس المبرد وأبي العبَّاس ثعلب من المنافرة ما لاخفاء به، ولكن كان أهل التحصيل يفضلون المبرد على الثعلب. ورأيت في "نزهة الأنباري": أنّ أبا العبَّاس ثعلبًا تخلف أبا العبَّاس المبرد بكلام قبيح، فبلغ المبرد ذلك فأنشد: رُبَّ مَنْ يَعنيهِ حالي … وهو لا يَجري بِبَالي قلبُهُ ملآنُ منِّي … وفؤادي منهُ خالي فلما بلغ ثعلبًا ذلك، لم تسمع منه بعد ذلك في حقه كلمة قبيحة. قال الزَّجاج: لما قدم المبرد بغداد جئت لأناظره، وكنت أقرأ على أبي العبَّاس ثعلب، فعزمت على إعناته، فلما فاتحته ألجمني بالحجة، وطالبني بالعلة، وألزمني إلزامات لم أهتد إليها، فاستيقنت فضله، واسترجحت عقله، وأخذت في ملازمته. وقال الأنباري: صنف كتبًا كثيرة ومن أكبرها "كتاب المقتضب"، وهو كتاب نفيس إلا أنّه قلما يشتغل به أو ينتفع به، وكان السر في عدم الانتفاع بهذا الكتاب أنّ

стр. 1165

أبا العبّاس لما صنف هذا الكتاب أخذه عنه ابن الرَّاوندي المشهور بفساد الاعتقاد والزندقة، وأخذه النّاس من يد ابن الرَّاوندي (وكتبوه منه) (١)، فكأنه عاد عليه شؤمه، فلا يكاد ينتفع به. مات المبرد في سنة خمس وثمانين ومئتين، ولما مات قال ثعلب في المبرد هذين البيتين: ذهبَ المبرِّد وانقضَتْ أيَّامُه … وليذهبنَّ مَعَ المبرِّد ثَعلبُ بيتٌ من الآدابِ أضحى نصفُه … خَربًا وباقي نصفِه فسَيَخْرَبُ مات ثعلب سنة إحدى وتسعين ومئتين، ودفن في مقبرة باب الشام ببغداد. وأخذ المازني، عن الأصمعي عبد الملك بن قريب صاحب النحو واللغة والملح والأخبار وعلم الأنساب والأيام. وكان ذا يد غراء في اللغة لا يعرف مثله فيها، وكان صدوقًا في الحديث، وأخذ عن الأصمعي أيضًا أبو حاتم السجستاني، وهما أخذا أيضًا عن أبي عبيدة مَعْمَر (٢) بن المثنَّى، وهو من أعلم النّاس باللغة وأخبار العرب وأنسابها. وقرأ المازني "كتاب سيبويه" على أبي الحسن سعيد بن سعدة الأخفش، وأخذ الأخفش (٣) عن سيبويه، وهو الطريق إلى "كتاب سيبويه". قال الأنباري في "نزهة الأدباء": كان أبو الحسن سعيد بن سعدة الأخفش قد أخذ عمن أخذ عنه سيبويه، فإنّه كان أسن من سيبويه، وأخذ عن سيبويه أيضًا وهو

стр. 1166

الطريق إلى "كتاب سيبويه"؛ لأنا لا نعلم أحدًا قرأه على سيبويه، ولا قرأه سيبويه على أحد، ولما توفي سيبويه قُرِأ "الكتاب" على أبي الحسن الأخفش. وكان ممن قرأ عليه أبو عَمْرو الجرمي وأبو عُثمان المازني وكانا رفيقين، وسبب قراءتهما أنهما توهَّما أنَّ أبا الحسن الأخفش قد هم أنّه يدعي "الكتاب" لنفسه لما رآه لا نظير له في حسنه وصحته، وجمعه لأصول النحو وفروعه، واستحسنه كل الاستحسان، فقال أحدهما للآخر: كيف السبيل إلى إظهار "الكتاب"؟ ومنع الأخفش من ادعائه فقال له: نقرأه عليه، فإذا قرأناه عليه أظهرناه وأشَعْنا أنّه لسيبويه، فلا يمكنه أن يدعيه، فكان أبو عَمْرو الجرمي موسرًا وأبو عُثمان المازني معسرًا، فأرغب أبو عَمْرو الجرمي أبا الأخفش وبذل له شيئًا من المال على أن يقرأه وأبا عُثمان المازني "الكتاب"، فشرعا في القراءة عليه وأخذ "الكتاب"، وأظهر أنّه لسيبويه، وأشاعا ذلك، إلى هنا من كلام الأنباري. وأبو عبيدة أخذ عن أبي الخطاب الأخفش، والأصمعي أخذ عن سيد أهل الأدب الخليل بن أحمد، وهو أستاذ سيبويه، وعامة الحكاية في "كتاب سيبويه" عن الخليل. قال الأنباري: كلما قال سيبويه: (وسألته)، أو (قال) من غير أن يذكر قائله فهو الخليل، وهو أول من استخرج علم العروض، وأول من حصر أشعار العرب، وكان ﵀ من الزهاد في الدنيا المعرضين عنها. يروي أنّه وجه إليه سليمان بن علي من الأهواز لتأديب ولده، فأخرج الخليل إلى رسول سليمان خبزًا يابسًا وقال: كل فما عندي غيره، وما دمت أجده لا حاجة لي إلى سليمان.

стр. 1167

مات في سنة ستين ومئة. وأخذ الخليل عن أبي عَمْرو بن العلاء، عن نصر (١) بن عاصم الليثي، عن أبي الأسود الدُّؤَلي صاحب علي بن أبي طالب ﵁. قال ابن (٢) الأنباري: روى الأصمعي، عن الخليل بن أحمد، عن أبي عَمْرو بن العلاء أنّه قال: أكثر من تزندق بالعراق لجهلهم بالعربية. وحكى الأصمعي: غدوت ذات يوم إلى زيارة صديق لي، فلقيني أبو عَمْرو بن العلاء، فقال لي: إلى أين يا أصمعي؟ قلت إلى صديق لي، قال: إن كان لفائدة أو لعائدة وإلا فلا. وقد أطلنا في الكلام فلنرجع إلى ما كنا في ذكر جمال الإسلام. قال عبد القادر في "الجواهر المضية": أسعد بن محمَّد بن الحسين الكَرَابِيسي النَّيْسابُوري، أبو المظفر، جمال الإسلام، مصنف "الفروق في المسائل العرفية"، وهو شرح مختصر لأبي حفص عُمَر مدرس المستنصرية ببغداد، ثم قرأ الأدب على أبي منصور موهوب بن أحمد الجواليقي، وكان فقيهًا فاضلًا حسن الطريقة. مات سنة سبعين وخمسمئة، ودفن بالوردية. قلت: باني المستنصرية ببغداد المستنصر بالله بن الظاهر بأمر الله بن الناصر لدين الله، ولد في سنة ثمان وثمانين وخمسمئة، وبويع له بالخلافة في سنة ثلاث وعشرين وستمئة وهو إذ ذاك ابن خمس وثلاثين سنة، ومات في عاشر جمادى الآخرة سنة أربعين وستمئة.

стр. 1168

وكانت خلافته سبع عشرة سنة وشهرين، وفيه عدل ودين، وكان وافر الحشمة، وقف المدارس والمساجد وبذل الأموال ودانت له الملوك. وكان جده الناصر يحبه ويسميه القاضي لعقله ومحبته للحق، وأنشأ المدرسة التي لا نظير لها في الدنيا تغمده الله برحمته، وكان المستنصر هذا والد المستعصم بالله آخر خلفاء العبَّاسية، خُلع وقتل في أيام هلاكو لما أخذ بغداد في سنة خمس وخمسين وستمئة. وأول من درس بالمستنصرية للطائفة الحنفيَّة أبو حفص عُمَر بن محمَّد بن الحسن الأَنْدُكَاني الفَرْغَاني، مات في سنة اثنتين وثلاثين وستمئة. فتأمل كيف يكون موجز أسعد الكَرَابِيسي شرحًا لمختصر أبي حفص عُمَر مدرس المستنصرية، على أنّه قال: قرأ الأدب على أبي منصور الجواليقي، ومات هو سنة تسع وثلاثين وخمسمئة، قال في "تاج التراجم": له "كتاب الفروق" و"الموجز في اللغة" وهو شرح مختصر أبي جعفر جمال الإسلام، انتهى. * * * [٤٢٦ - أبو السرايا خليفة الخُوَارِزْمِي (١)] أبو السرايا خليفة بن سُليمان بن خليفة بن محمَّد الخُوَارِزْمِي القُرَشي. أصله من خُوَارِزْم وولد بحلب سنة ست وستين وخمسمئة. قرأ الفقه بحلب على الإمام جمال الدِّين أبي بكر الكاساني (٢) صاحب

стр. 1169

"البدائع"، وتفقَّه بها عليه جماعة منهم الصَّفي الأصفهاني صاحب الطريقة. مات بحلب سنة ثمان وستمئة، كذا ذكره عبد القادر في "الجواهر المضية". ودفن بجبانة مقام الخليل إبراهيم صلوات الله على نبينا وعليه، خارج باب العراق. * * * [٤٢٧ - ظهير الدِّين البُخاري (١)] الشَّيخ الإمام القاضي الإمام محمَّد بن أحمد بن عُمَر، القاضي ظهير الدِّين البُخاري، المحتسب ببخارى. صاحب "الفتاوى" و"الفوائد الظَّهِيْرِيَّة" المقبولتين المعمولتين المتداولتين بين أيدي العلماء، وكان أوحد عصره في العلوم الدينية أصولًا وفروعًا. أخذ العلم عن أبيه الشَّيخ الإمام أحمد بن عُمَر الشِّيْرَازِي، نشأ ببخارى، واشتغل وتفقَّه واجتهد فصار من أعيان فقهاء الأمة، لقي الكبار الفخام، وأخذ من العلماء العظام، حتى وصل إلى خدمة الأستاذ الأجل الشَّيخ الإمام ظهير الدِّين أبو المحاسن الحسن بن علي المَرْغِيْنَاني، وحضر مجلسه وارتضاه، وكان يكرمه ويقدِّمه على كثير من طلبته وتلامذته، فكان أنظر أقرانه وفارس ميدانه، انتهت إليه رئاسة العلم بعد الستمئة. مات ﵀ سنة تسع عشرة وستمئة.

стр. 1170

وتفقَّه عليه علي بن سنجر تاج الدِّين، عرف بابن السبَّاك، وأخذ عنه الشَّيخ الإمام مجد الدِّين محمَّد بن محمود بن الحسين الأُسْتُرُوْشَني صاحب "الفصول". رأيت في "فصول الأُسْتُرُوْشَني" في الفصل الرابع عشر قال: رأيت في "فوائد شيخ الإسلام برهان الدِّين" قال: إذا ادعيا الشراء من واحد، والخارج أقام البينة أنّ شراءه أسبق لم يذكر لصاحب اليد التاريخ، وهذا القدر يكفي للسبق. وذكر فيها أيضًا: أنّ في دعوى إذا قال أحدهما: نكاح من بيشتر بود، است بهمين قدر بسنده باشد ويقضي لها، جون تاريخ معين ذكر نكند. واكر برهمين لفظ كواه كزارد، هل يقضي له قال: اين مقدار بسنده باشد ويقضي له بها. وقبل أن أظفر بهذه الرواية استفتيت القاضي الإمام ظهير الدِّين عن هذه المسألة أنّ للخارج مع ذي اليد إذا ادعيا الشراء من واحد ولم يذكرا تاريخًا، فقال أحدهما: بيع من بيش از بيع تو بوده است وأقام بينة هل يكون هذا أولى من الآخر؟ أجاب: نعم. وذكر الديناري لا يثبت السبق بهذا القدر ما لم يقولوا: إنّ نكاح هذا كان في رجب سنة كذا، ونكاح الآخر كان في شعبان، وسيجيء التفصيل في ذكر علاء الدِّين الديناري. وفي "الجواهر المضية": محمَّد بن أحمد بن عُمَر القاضي البُخاري ظهير الدِّين صاحب "الفوائد على الجامع الصَّغير" للحسام، مات سنة تسع عشرة وستمئة، انتهى (١). وقال في "الجواهر المضية" في كتاب النسبة أيضًا: التُّمُرْتاشي نسبة الملقَّب بظهير، وأحاله إلى "كتاب الألقاب في الجواهر".

стр. 1171

وقال في "الألقاب": ظهير الدِّين التُّمُرْتاشي، ذكره في "القنية"، ويقال له: ظهير الدِّين، له شرح "الجامع الصغير". نقل فيه: لو بنى مسجدًا في أرض الوقف، فقيل: ينقض، وقيل: لا، وقال: قلت: أظنه محمَّد بن أحمد بن عُمَر صاحب الفوائد المعروفة بـ "الفوائد الظَّهِيْرِيَّة" تقدم، انتهى. أقول: في ظني أنّه أخطأ في ظنه عبد القادر صاحب "الجواهر المضية"، فإنّ الإمام التُّمُرْتاشي على ما هو المسموع المشهور المضبوط في كتب أصحابنا خُوَارِزْمي، حيث قال حافظ الدِّين الكَرْدَري ابن البَزَّازي في "فتاواه"، في كتاب الحدود والتعزير بأخذ المال إن المصلحة فيه جائزة: قال مولانا خاتمة المجتهدين ركن الدِّين الوالجاني الخُوَارِزْمِي: معناه أنّه يأخذ ماله ويودعه، فإذا تاب يرده عليه، كما عرف في خيول البغاة وسلاحهم، وصوبه الإمام ظهير الدِّين التُّمُرْتاشي الخُوَارِزْمِي، وقال: من جملته من لا يحضر الجماعة يجوز تعزيره بأخذ المال، ويقال: إنّ اسمه أحمد بن إسماعيل التُّمُرْتاشي، وهكذا ذكره عبد القادر في باب أحمد، وسنذكره إن شاء الله تعالى في الكتيبة الآتية. وذكر قاضي القضاة (١) بدر الدِّين محمود بن أحمد العيني في "شرح الكنز" في باب الإمامة: ولا يفسد اقتداء قائم أيضًا بأحدب في الأصح، وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة": لا تصح إمامة الأحدب للقائم، وذكر التُّمُرْتاشي أنَّ حدبه إذا بلغ حد الركوع على الخلاف؛ فيجوز عندهما، خلافًا لمحمد، انتهى كلام العيني. قال القاضي ظهير الدِّين البُخاري محمَّد بن عُمَر هذا في كتاب الوقف من

стр. 1172

فتاواه المشهورة بـ "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة": إن قال: أرضي صدقة موقوفة فما خرج لله تعالى من غلاتها فهي لعبد الله والفقراء والمساكين، فعلى قول أبي يوسف، وهو قول هلال: النصف لعبد الله والنصف للفقراء والمساكين، وأما على قول أبي حنيفة فالثلث لعبد الله والثلث للفقراء والثلث للمساكين، وأما عند محمَّد فالغلة تكون على خمسة أسهم: سهم لعبد الله، وسهمان للفقراء، وسهمان للمساكين، ونظيره في "الجامع الصَّغير" في كتاب الوصايا: غير أنّ فيه نظرًا، فقد ذكرنا تمامه في كتاب الزكاة من "الفوائد"، انتهى. وهي "الفوائد الظَّهِيْرِيَّة". في "شرح الجامع الصَّغير" للحسامي، وذكر أبو المحامد (١) محمود الَأفْشَنْجي في آخر "الحقائق" من شرح المنظومة في أثناء كتب الكتب التي جمع هذا الشرح منها، ومنها "فوائد الجامع الصَّغير" للقاضي الإمام ظهير الدِّين البُخاري صاحب "الفتاوى" (٢). ورأيت في "حقائق المنظومة" في باب محمَّد بن الحسن الشَّيباني في حل بيت: وفي فسادِ جهةِ الفَرَضيَّة … فسادُ أصلِ هذهِ المَنْويَّة صفة الفرضية إذا بطلت يبطل أصل الصلاة عند محمَّد، وعندهما تنقلب نفلًا، كما إذا خرج وقت الظهر في صلاة الجمعة، أو تذكر فائتة في وقتيَّة مع سعة الوقت. ويظهر الخلاف إذا قهقه في تلك الحالة حيث لا ينقض الوضوء عند محمَّد وينقضه عندهما، قال القاضي الإمام ظهير الدِّين ﵀ في "الفوائد": سمعت والدي يقول: ليس هذا مذهبًا لمحمَّد ﵀ في جميع المواضع، بل فيما إذا لم

стр. 1173

يتمكن من إخراج نفسه عن العهدة بالمضي في تلك الصلاة، حتى قال محمَّد فيمن صلى ركعة من الظهر ثم أقيمت: أنّه يضيف إليها ركعة أخرى ثم يقطع، ويشرع مع الإمام إحرازًا للنفل، فإنّه يتمكن من التقضي عن العهدة بالمضي فيها، بخلاف ما مر في الصورتين، إلى هنا من "الحقائق". ورأيت في "الفتاوى الصوفية" في الباب الثاني والأربعين في التعريف في آخر الفصل الأول، وأما النوع الثاني من التعريف ما هو ليس بصحيح أنّ نوم الرجل نحو القِبْلة بين التسليمتين، هذا ما ذكره الإمام الأجَل أبو بكر محمَّد بن أحمد بن عُمَر رحمه الله تعالى في كتابه المسمَّى بـ "فوائد الجامع الصغير". ورأيت في "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في الفصل الثاني من كتاب الطهارة: لو أخذ الماء بفيه وهو جنب فتوضأ لا يجوز، وإن غسل به الثوب النجس جاز، قيدها هنا بالجنابة، ولم يقيد في موضع أخر، سُئل أبو يوسف عن الفرق بينهما فقال: بينهما الفرق وإن لم يحضرني. قال القاضي ظهير الدِّين البُخاري: سألت الشَّيخ الإمام الأجَل الأستاذ ظهير الدِّينِ المَرْغِيْنَاني ﵀ عن الفرق بينهما، وأشار إلى الفرق فقال: إذا أخذ الماء بفمه صار الماء مقيَّدًا، والتوضؤ بالمقيَّد ممتنع بخلاف غسل النجاسة. ورأيت في الفصل الثالث منها: السقَّاء إذا دخل الدار بالماء وصادم الستور المعلقة على الأبواب والستور نجسة، هل يتنجَّس الكوز، وما كان رطبًا من السقاء؟ قال ﵀ -يعني: القاضي ظهير الدِّين البُخاري نفسه-: قال أستاذنا الشَّيخ الإمام الأجَل ظهير الدِّين المَرْغِيْنَاني ﵀: لا يتنجس. ورأيت في "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" أيضًا في الباب الثالث: الدهن النجس إذا أصاب

стр. 1174

الثوب أقل من قدر (١) الدرهم ثم انبسط فصار أكثر من قدر الدرهم لا يمنع جواز الصلاة، وهو اختيار أستاذنا الإمام الأجَل ظهير الدِّين المَرْغِيْنَاني، نظيره ما أصابت النجاسة مثل رؤوس الإبر، ثم أصابت الماء فإنّه لا يصير نجسًا حتى لا يمنع جواز الصلاة، والمعتبر قدر الدرهم بالبسط والوزن، قال الفقيه أبو جعفر: إن كان مائعًا يعتبر بالبسط، وإن كان لها جرم يعتبر الوزن. ورأيت في "شرح المنظومة الرائية الوهبانية" للقاضي العلامة محمَّد بن محمَّد بن الشحنة في حل بيت: وتُنزَحُ كلُّ البئرِ بالشَّاة حيَّة … كذا مُحْدِث أو كافر وهو أنظر اشتمل هذا البيت على ثلاث مسائل من "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة": الأولى: لو وقعت في البئر شاة فأخرجت قبل الموت نُزِح كله، وعن أبي يوسف: لا ينزح شيء؛ يعني: إذا لم يكن عليها بول، وعن أبي حنيفة ﵀: أنّه ينزح عشرون دلوًا، انتهى. قلت: وقد قال التُّمُرْتاشي: وعن أبي يوسف في الشاة الحية: ينزح كله لأن بولها يجري في فخذها، وأثر التخفيف في حق الثوب، والذي يقوم عليه الدليل في الشاة وسائر الحيوانات الطاهرة أنّه لا ينزح ما لم يتيقن نجاستها أو يصيب الماء فمها، فما أصابه إن كان سؤره طاهرًا فطاهر، وإن كان نجسًا فنجس يجب نزح كله، وإن كان مكروهًا فالماء مكروه، إلى هنا من كلام ابن الشِّحنة نقلًا عن ظهير الدِّين البُخاري، وعن ظهير الدِّين التُّمُرْتاشي. فظهر أنهما شخصان متغايران لا واحد، وكان القاضي ظهير الدِّين محتسبًا

стр. 1175

ببخارى، صرَّح به في "العمادية" في الفصل الثاني، قال: ذكر في "المبسوط": القاضي إذا قضى للغائب أو عليه، وليس عنه خصم حاضر؛ ليس له ذلك عندنا، ولو قضى ينفذ لكونه مجتهدًا فيه. فإن قيل: المجتهد فيه نفس القضاء، فينبغي أن يتوقف على إمضاء قاض آخر، (كما إذا قضى لامرأته بشهادة رجلين يتوقَّف على إمضاء قاض آخر) (١)؛ لأن الخلاف وقع في نفس القضاء، قلنا: ليس كذلك، بل المجتهد فيه يثبت بسبب القضاء، وهو أنّ البينة هل تكون حجة بغير خصم حاضر للقضاء أم لا؟ فإذا رآها القاضي حجة وقضى بها نفذ قضاؤه كما لو قضى بشهادة المحدود في القذف. وذكر القاضي الإمام ظهير الدِّين المحتسب ببخارى في "فتاواه": أنّ نفس القضاء مختلف فيه، فيتوقف على إمضاء قاضٍ آخر، كما لو كان القاضي محدودًا في القذف. * * * [٤٢٨ - عبد الرَّحمن بن شجاع البغدادي (٢)] أبو الفرج عبد الرَّحمن بن شجاع بن الحسن بن الفضل البغدادي. أخذ عن أبيه أبي الغنائم شجاع بن الحسن، مدرس مشهد الإمام، وسمع من ابن ناصر، وأخذ عنه الإمام نجم الدِّين بكير بن يَالِنْقِلِجْ الفقيه الأصولي التركي الناصري، صاحب "المختصر الحاوي"، و"النور اللامع"، و"البرهان الساطع".

стр. 1176

وكان مدرسًا بمشهد أبي حنيفة بعد أبيه في حدود الستمئة، وكان إمامًا جليلًا فاضلًا متدينًا، أضر في آخر عمره. وعن ابن النَّجَّار: سألت عبد الرَّحمن بن شجاع عن مولده فقال: في ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وخمسمئة بباب الطاق. مات سنة تسع وستمئة، وسمع منه الإمام بكير الناصري سنة ثمان وستمئة، وكان قبره بالخيزرانية. وفي "الجواهر المضية": درس بمشهد أبي حنيفة رفيقًا لمحمَّد بن مسعود التُّرْكُسْتاني في حدود الستمئة. * * * [٤٢٩ - جمال الدِّين المحبوبي (١)] الشَّيخ الإمام جمال الدِّين، المحبوبي، عبيد الله بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الملك بن عُمَر بن عبد العزيز بن محمَّد. قد كان ينتهي نسبه إلى عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه. وكان يشتهر بأبي حنيفة الثاني، ولد في خامس جمادى الأولى سنة ست وأربعين وخمسمئة، وعمر حتى بلغ التسعين، أخذ العلم عن أصحاب الكتيبة التاسعة والعاشرة، منهم الشَّيخ الإمام المفتي إمام زاده ركن الإسلام محمَّد بن أبي بكر الواعظ صاحب "الشرعة"، والشَّيخ الإمام عماد الدِّين عُمَر بن بكر بن محمَّد بن علي الزَّرَنْجري، وهما عن شمس الأئمَّة بكر بن محمَّد بن علي الزَّرَنْجري، عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن

стр. 1177

شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن أبي علي النَّسَفِي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل عن عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة. وممن تفقَّه عليهم الإمام المحبوبي بهاء الدِّين أحمد بن يوسف المَرْغِيْنَاني المنسوب إلى الإِسْبِيْجاب، ومنهاج الشَّريعة، والدِّهْقان الإمام الكشاني (١)، والشَّيخ الإمام المعروف بالظهير أبو بكر أحمد بن عبد العزيز البَلْخِي وغيرهم. وكان إمامًا فاضلًا، معدوم النظير في زمانه، رأسًا في الفقه وأصوله في أوانه، وكان فرد زمانه في معرفة المذهب والخلاف. وتفقَّه عليه ابنه شمس الدِّين أحمد بن عبيد الله والد تاج الشَّريعة صاحب "الوقاية"، محمود بن أحمد جد صدر الشَّريعة عبيد الله بن مسعود بن محمود المحبوبي. وتفقَّه عليه أيضًا الشَّيخ الإمام حافظ الدِّين الكبير محمَّد بن محمَّد بن نصر البُخاري، والشَّيخ الإمام الأستاذ حميد الدِّين الضرير علي بن محمَّد بن علي الرَّامُشي البُخاري. رأيت في "المصفَّى شرح المنظومة النَّسفيَّة" من تصنيفات أبي البركات حافظ الدِّين النَّسَفِي أنّه قال في باب فتاوى الشَّافعي: قال العبد غفر الله له: سمعت الشَّيخ الإمام الأستاذ حميد الدِّين ﵀ يحكي عن شيخه الإمام الأجَل الزَّاهد جمال الدِّين المحبوبي ﵀ أنّه قال: كسالى بخارى لا يمنعون عن الصلاة وقت طلوع الشمس؛ لأن الغالب أنهم إذا منعوا عن ذلك وأمروا

стр. 1178

بالمكث في المسجد إلى ارتفاع الشمس أو بالرجوع ثم بالحضور لم يفعلوا ذلك ولم يقضوها، ولو صلوها في هذه الحالة فقد أجازه أصحاب الحديث، والأداء في وقت يجيزه بعض الأئمَّة أولى من الترك أصلًا. وكذا نقل عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني حين سأل السيِّد الإمام أبو شجاع عنه عن منع النّاس عن الصلاة في هذا الوقت، فأجاب بهذا إلى هنا من حافظ الدِّين النَّسَفِي في "المصفى". ورأيت في "جواهر الفتاوى": ذكر شيخ الإسلام ظهير الدِّين المَرْغِيْنَاني في هذه الحكاية عن أستاذه السيِّد الإمام أبي شجاع، وكتبتها في ذكر ظهير الدِّين علي بن عبد العزيز المَرْغِيْنَاني في الكتيبة التاسعة. مات الإمام المحبوبي سنة ثلاثين وستمئة، ودفن في مقبرة تسمى شرع آباد، ببلدة فاخرة ببخارى، وكان مرقده ومرقد أبيه وجده وأولاده فيها. وله تصانيف: منها "شرح الجامع الصغير"، و"كتاب الفروق" (١). ورأيت في "كتاب القنية" بعلامة شح يعني شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن أبي بكر بن حامد: أقام المحبوس بينة على إعساره، ورب الدَّين بينة على أنّه موسر، ولم يثبتوا مقدار ما يملك قبلت شهادتهم؛ لأن المقصود منها إثبات دوام الحبس عليه، قال ﵀: ولو عينوا مقدار ما يملك (قبلت شهادتهم) (٢) وإلا (٣) لم يمكن (٤) قبولها؛ لأنها قامت للمحبوس وهو منكر، والبينة متى قامت للمنكر لا تقبل، وقولهم: إنّه

стр. 1179

موسر ليس كذلك فتقبل، بخلاف ما إذا أقام بينة على أنّ للشفيع نصيبًا في الدار التي بجنب الدار المبنية أو في الدار المبيعة، فإنها لا تقبل ما لم يبينوا مقدار نصيبه. ط و"شرح الجامع الصَّغير" للمحبوبي: أقام المحبوس بينة بإعساره ورب الدَّين على أنّه موسر يقبل القاضي بنية الدَّائن، وإن لم يبينوا مقدار ملكه، حتى يخلد في السجن، إلى هنا من كلام الزَّاهدي في "القنية"، وهكذا ذكره في "حاوية الفتاوى". ورأيت في "شرح المنظومة النَّسَفيَّة" في باب أبي حنيفة: والقدر في الأيَّام والشُّهور … وفي السِّنين العشر من مذكور وجمعة وسنة والعمر … عندهما لما ذكرنا القدر حلف لا يكلم فلانًا الأيام، أو قال: الشهور، أو قال: السنة، ولا نية له؛ فعنده ينصرف إلى عشرة أيام في الأول، وإلى عشرة أشهر في الثاني، وإلى العمر في الثالث، (وعندهما ينصرف إلى سبعة أيام في الأول، وإلى اثنى عشر شهرًا في الثاني، وإلى العمر في الثالث) (١). قال (في "جامع) (٢) المحبوبي": الخلاف في المعرف، أما في المنكر ينصرف إلى ثلاثة من ذلك عندهم إلا في الأيام، (فإن في منكرها عند أبي حنيفة روايتين، في رواية "المبسوط" ينصرف إلى عشرة أيام) (٣)، وفي رواية "الجامع الكبير" فهي على الثلاثة أيضًا، قال في "المبسوط": أكثر مشايخنا على أنّ الصحيح رواية "الجامع"، وهو ظاهر الرواية، ذكره في "فتاوى قاضي خان"، (إلى هنا من الحقائق") (٤).

стр. 1180

ورأيت في "فتاوى قاضي خان": ولو قال: لا أكلمه الأيام، فهو على عشرة أيام في قول أبي حنيفة، وكان صاحباه على سبعة أيام، ولو قال: أيامًا فهو على ثلاثة أيام عند الكلِّ في ظاهر الرواية، انتهى. وفي باب أبي يوسف قال في "الحقائق" أيضًا في حل قول النَّسَفي: لو شقَّ ما يسرقه في المخدع … وبعده أخرجه لم يقطع أخذ السارق الثوب في البيت وشقَّه فيه نصفين، ثم أخرجه وقيمته مشقوقًا عشرة دراهم، إن اختار تضمين قيمة الثوب وتركه عليه سقط القطع بالاتفاق، وإن اختار تضمين النقصان واسترداد الثوب لا يقطع عنده خلافًا لهما، قال الإمام المحبوبي ﵀ في "جامعه": موضع الخلاف الشق الفاحش، وأما في الشق اليسير يقطع بالاتفاق. وفي "الحقائق" أيضًا: ويلزم الوالي أن يسعِّرا … على الذي عام الغلاء احتكرا على الوالي التَّسعير عام الغلاء عنده، وعندهما لا يفعل ذلك إلا أن تعدوا في القيمة تعديًا فاحشًا وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير، فلا بأس به بمشورة أهل الرأي، قال في "الجامع المحبوبي": قالوا: لو زاد البائع على الغالب المعتاد وباع قفيزًا يشترى بخمسين بمئة منع (١) منه دفعًا للضرر، وقال بعض أصحابنا ﵏: إذا خاف الإمام على أهل المصر الهلاك أخذ الطعام من المحتكرين وفرَّقه عليهم للضرورة، فإذا وجدوا ردوا مثله.

стр. 1181

ورأيت في "فتاوى حافظ الدِّين البَزَّازي" في الفصل الثاني من كتاب الحدود: ذكر الإمام المحبوبي: ادَّعت على زوجها ضربًا فاحشًا فثبت عليه يعزَّر الزوج، وكذا المعلِّم ليس له أن يضرب الصبيان ضربا فاحشًا، فإن فعل يعزَّر. وفي "الهداية" في باب حد الشرب قال: ولا يحد السكران حتى يعلم أنّه سكر من النبيذ وشربه طوعًا، لأن السكر من المباح لا يوجب الحد، كالبنج ولبن الرِّمَاك. قال الشَّيخ أكمل الدِّين في "العناية": والذي ذكره في إباحة البنج موافق لعامة الكتب خلا رواية "الجامع الصَّغير" للإمام المحبوبي، فإنّه استدل على حرمة الأشربة المتخذة من الحبوب كالحنطة والشعير والذرة والعسل وغير ذلك، وقال: السكر من هذه الأشربة حرام بالإجماع، لأن السكر من البنج حرام مع أنّه مأكول، فمن المشروب أولى. كذا ذكره صاحب "النهاية" وليس بصحيح؛ لأن رواية "الجامع الصَّغير" للإمام المحبوبي تدل على أنّ السكر الحاصل من البنج حرام، لا على أنّ البنج حرام، وكلام المصنف يدل على أنّ البنج مباح، ولا تنافي بينهما، إلى هنا من "العناية". وفي "الدرر والغرر" في كتاب الأشربة: وحل نبيذ العسل والتين والشعير والذرة وإن لم يطبخ، وهل يحد في هذه الأشربة إذا سكر منها؟ قيل: لا يحد، قالوا: الأصح أنّه يحد بلا تفصيل بين المطبوخ والنيئ؛ لأن الفساق يجتمعون عليها في زماننا كاجتماعهم على سائر الأشربة الأربعة إذا شربت. وفي "فتاوى قاضي خان" في كتاب الأشربة أيضًا: اختلفوا في وجوب الحدِّ إذا سكر، قال الفقيه أبو جعفر: لا يحد فيما ليس من أصل الخمر وهو التمر والعنب كما لا يحد من البنج ولبن الرِّمَاك، وهكذا ذكر شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، وقال بعضهم: يحد، وهو قول الحسن بن زياد.

стр. 1182

وأما الألبان فلبن المأكول حلال ولبن الرِّمَاك كذلك في قول أبي يوسف ومحمد، ويكره في قول أبي حنيفة، واختلفوا في كراهته، قال بعضهم: مكروه كراهة التنزيه لا كراهة التحريم، وذكر شمس الأئمَّة السَّرَخْسي في أثناء الكلام: أنّه مباح كالبنج، وعامة المشايخ قالوا: مكروه كراهة التحريم، إلا أنّه لا يحد وإن زال عقله بذلك، كما لو تناول البنج وارتفع إلى رأسه يحرم ذلك، ولا يحد فيه. قال الزَّيْلَعِي في "التبيين": الفتوى في زماننا بقول محمَّد حتى يحد من يسكر من الأشربة المتخذة من الحبوب والعسل واللبن والتين؛ لأن الفساق يجتمعون على هذه الأشربة في زماننا، ويقصدون (١) اللهو والسكر بشربها، وعن أبي حنيفة المتخذ من لبن الرماك لا يحل اعتبارًا بلحمه؛ إذ هو متولد منه، الأصح أنّه يحل عنده على ما ذكره صاحب "الهداية"؛ لأن كراهة لحمه لاحترامه، أو لئلا يؤدي إلى قطع مادة الجهاد، فلا يتعدى إلى لبنه، انتهى. * * * [٤٣٠ - أبو بكر محمَّد الكَرْماني (٢)] الشَّيخ الإمام ركن الملَّة والدِّين، بهاء الإسلام والمسلمين (٣)، أبو بكر محمَّد بن أبي المفاخر بن عبد الرشيد بن نصر بن محمَّد بن إبراهيم بن إسحاق الكَرْماني ﵀.

стр. 1183

كان إمامًا جليلًا، غوَّاصًا على المعاني الدقيقة، وشيخًا كاملًا نبيلًا، عالمًا بقواعد الحنفيَّة، له اليد الباسطة (١) في المذهب والخلاف، وله الباع الممتد في حسن الكلام، ونقل الفتاوى من الأسلاف إلى الأخلاف (٢). أخذ عن الشَّيخ الإمام ركن الإسلام أبي الفضل عبد الرَّحمن الكَرْماني، عن فخر القضاة الأَرْسَابَنْدي، عن شيخ الإسلام علي المَرْوَزِي، عن أبي زيد الدَّبُوسي، عن أبي جعفر الأُسْتُرُوْشَني، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة. وأخذ عن الشَّيخ الإمام قاضي القضاة جمال الدِّين المطهَّر بن حسين بن سعيد بن علي بن بُنْدار اليَزْدِي. وله "كتاب غرر المعاني في فتاوى أبي الفضل الكَرْماني"، و"كتاب زهرة الأنوار" في الحديث، و"كتاب جواهر الفتاوى"، و"كتاب حيرة الفقهاء"، و"كتاب التنجيز في كلمات الكفر"، وكتب كثيرة غير ذلك. وتتبعت "جواهر الفتاوى"، ونظرت في "حيرة الفقهاء"، ولله الحمد والمنة والحمد لله على ذلك، ونقلت عن "جواهر الفتاوى" في كتابنا هذا مسائل كثيرة في مواضع عديدة. قال في أول "جواهر الفتاوى": أما بعد، فإنّ كثيرًا من أصحابنا جمعوا فتاوى أئمة عصرهم وبذلوا مجهودهم، وقد كنت أتمنى أن أشرع شارعهم وأسلك مسالكهم، وبقيت في تلك النية حتى ظفرت بفتاوى متفرقة من جهة أستاذنا الإمام السَّعيد ركن

стр. 1184

الدنيا والدين أبي الفضل عبد الرَّحمن بن محمَّد الكَرْماني قدس الله روحه، فجعلتها مبوَّبة، وعلى ترتيب الفقه مرتبة، ثم بعد برهة من الدَّهر اتفق لي أن سألت من الشَّيخ الأستاذ قاضي القضاة جمال الدِّين مفتي العصر المطهَّر بن حسين بن سعد بن علي بن بُنْدار اليَزْدِي مسائل كثيرة في كل باب، وأفادني بفوائد شريفة في بيان أحكامها بالتماس ذلك منه، فإنّه إمام هذا العصر في العلم والفقه. وحتى اجتمع عندي فيه أجزاء كل جزء في مقابلة كل صنف، فرأيت أن أضيف ذلك إليه مع ما عندي من فتاوى أئمة بخارى وما وراء النهر وكتب خراسان وكرمان وغيرهم ليكون الكتاب أكمل، فاستخرت الله تعالى وشرعت فيه، وجعلت كل كتاب على ستة أبواب: الباب الأول: من فتاوى الإمام ركن الدِّين أبي الفضل الكرماني. الباب الثاني: (من فتاوى جمال الدِّين اليَزْدِي. الباب الثالث) (١): من فتاوى الإمام عطاء بن حمزة السُّغْدي. الباب الرابع: من فتاوى نجم الدِّين أبي حفص بن أحمد النسفي. الباب الخامس: من فتاوى قاضي القضاة مجد الشَّريعة أبي سليمان الكرماني. الباب السادس: من فتاوى أئمتنا المعتبرين وعلمائنا المتأخرين مع ذكر أساميهم. وسميته "جواهر الفتاوى". وقال في خاتمة كتابه: هذا آخر "كتاب جواهر الفتاوى"، وهو حاوٍ لفنون المسائل والوقائع مما جمعه ركن الدِّين أبو بكر محمَّد أبو المفاخر بن عبد الرشيد الكرماني، وكان قد فرغ من جمعه وتلخيصه وتهذيبه آخر جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وخمسمئة.

стр. 1185

رأيت في الباب الثاني من كتاب الصلاة من "جواهر الفتاوى": قال الأستاذ جمال الدِّين: التعري في أوقات الخلوة في غير الصلاة يجوز ويكره؛ لأن ستر العورة في الصلاة واجب؛ ليكون بالستر ملحقًا بالملائكة الذين لا عورة لهم، كما أنّه يلحق بهم في الوضوء بأنه لا نجاسة فيه، فإذا غسل الأعضاء الظاهرة وستر عورته بالثياب صار كالملائكة الذي لا عورة لهم ولا نجاسة معهم، فيكون من أهل الحضرة والمناجاة، بل يكون منزلته أعلى وأكبر؛ لأن الملائكة خلقهم الله تعالى كذلك والآدمي خلق على وجه له العورة وفيه النجاسة، وإنَّما يلحق نفسه بهم بتكلف ومشقة، ولهذا يستحقون الثواب على الأعمال الحسنة، لأنهم يعملون بمشقة ومخالفة النفس، والملائكة جبلهم الله تعالى وخلقهم على ذلك من غير مشقة ومخالفة النفس ولا يستحقون الثواب عليه. وإذا كان كذلك فوجب الستر في الصلاة ليكون من أهل الحضرة والمناجاة، وفي غير الصلاة لا يجب إلا أنه يكره وإن لم يكن يصلي، فإنَّ معه الحفظة، والملائكة تهرب عند كشف العورة. وفي "جواهر الفتاوى" أيضًا في باب (١) أبي الفضل الكَرْماني في كتاب الطلاق: رجل طلق امرأته ثلاثًا وأقام معها، فإن اشتهر طلاقها فيما بين النّاس تنقضي عدتها وإلا فلا، وكذلك لو خالعها، فإن كان الخلع فيما بين النّاس وأشهدا على ذلك تنقضي العدة وإلا فلا، هكذا (٢) ذكر وهو الصحيح. (وعن بعض المشايخ بخلافه، وذكر الإمام الشهيد في "واقعاته" هذه المسألة،

стр. 1186

واختار قول من قال: إنّه لا تنقضي العدة في الصورة التي كتم طلاقها) (١)، وحكى عن بعض المشايخ أنّه أفتى كذا زجرًا له. وفيه أيضًا في امرأة حرِّمت على زوجها مرتين، ووقع الشك في الثالثة، هل له أن يتزوجها؟ قال بهذه العبارة: نبا يدخواست. فقد ألطف الشَّيخ الإمام أبو الفضل في العبارة واحترز، فإنّه موضع الاحتراز، ولم يقطع الجواب بالحرمة ولا أطلق بالحل؛ لأن الزوج وقع له الشك، فقال: نبايد خواست. وفي "جواهر الفتاوى" أيضًا في الباب السادس من كتاب الإجارة، قال: سُئل واحد من مشايخنا بخراسان -وأظن أنه (٢) الصدر السَّعيد ركن الدِّين أبو الفضل الكَرْماني، إلا أني لما اشتبه عليَّ أنّه من أقواله أو لا لم أذكر في بابه- عن معنى قول النبي ﷺ في الحديث المشهور: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته، رجل باع حرًّا وأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا ولم يوفِ أجره، ورجل أعطى بي ثم غدر" (٣)، ما معنى قوله: "أعطى بي ثم غدر"؟ قال: إنّ من جنى جناية من عبد أو غيره، والسيِّد أراد تأديبه فيقول الجاني: اعف عني (٤)، فعفى، ثم رجع عن عفوه. وفيه في كتاب الرهن في باب جمال الدِّين اليَزْدِي قال: لما سألته عن معنى قول القُدُوري: ويصح الرهن بدين ومضمون، قال: احترز به عن الدِّية ومال الكتابة، فإنّ الدية على العاقلة دين وليس بمضمون حتى إنّه لو مات لا يؤخذ من تركته، ودين الكتابة لا يصح الضمان عنه.

стр. 1187

وفيه في باب أصول الفقه، في باب أبي الفضل الكَرْماني قال: سألته عما ذكر في الكتب: كل مجتهد مصيب والحق عند الله واحد، كيف يكون كل مجتهد مصيبًا؟ وإنّما يكون مصيبًا أن لو كان ما ذهب هو إليه وأدى اجتهاده إليه كان حقًّا، وإذا كان كل ذلك حقًّا لا يكون الحق واحدًا، فإنّ أبا حنيفة يقول في شيء باجتهاده أنّه الحق، وآخر يقول باجتهاده أنّ الحق غيره، أو قال أحدهما: يجوز، والآخر قال: لا يجوز، وهما شيئان متناقضان، فكيف يكونان حقًّا؟ وكيف يقال بأن الحق واحد؟ فيكون في طرفي نقيض. قال: إنَّ قولهم: كل مجتهد مصيب معناه: أنّه مصيب في اجتهاده يستحق الثواب فيما اجتهد لطلب الحق، فإنهم مأمورون بالاجتهاد، فكان اشتغالهم بالاجتهاد إقامة لأمر الشرع به، فلم يكن مشغولًا بما لا يجوز الاشتغال به ليستحق العقاب، بل هو في الاجتهاد وطلب الحق إمامًا أدى إليه اجتهاد كل واحد، فإنّه لا يتصوَّر أن يكون كلاهما حقًّا فإنّ الحق واحد. وقد قالوا في نظيره: إنَّه لو انفلتت فرس السُّلطان فأمر السُّلطان أتراكه ليطلبوه، فخرج كل قوم في طريق فإنّ الكل ممتثلون أمر السُّلطان، قائمون به، مصيبون بالخروج بهذه الطريقة، أما لا يصيب الفرس إلا واحد منهم، والكل مستوجبون للمحمدة في اجتهادهم لطلب الفرس، أما الذي أصاب الفرس فإنّه يستحق المحمدة والأجر. كذلك هاهنا، ولهذا قالوا: من أصاب فله أجران، ومن لم يصب فله أجر واحد، وهو الذي يأتي بالاجتهاد المأمور به، والثاني أصاب فله أجر اجتهاده وأجر إظهار الحق إلى يوم القيامة، وقد مر في ذكر زفر بن الهذيل في الكتيبة الأولى مسائل متعلقة بهذا المحل.

стр. 1188

وذكر في "حيرة الفقهاء": رجل صلى ومعه شعر الخنزير، ما حال هذه الصلاة؟ قال: إن كان أصله الذي نتف من الجلد أكثر من قدر الدرهم فصلاته فاسدة، وإن كان مثل قدر الدرهم أو أقل فصلاته جائزة، وهذا مروي في "نوادر ابن سماعة ﵀": أنّ جلد الخنزير لا يحتمل الدباغ ولا جلد بني أدم، روي هذا في "كتاب الخَصَّاف" عن محمَّد بن الحسن ﵀، وقال بعضهم: إنّ جلد الكلب كذلك. ورأيت في "حيرة الفقهاء" في باب الصوم: الصائم إذا ابتلع فستقة في شهر رمضان، قال: إن كانت مشقوقة الرأس فعليه القضاء والكفارة، وإن لم تكن مشقوقة الرأس لا كفارة عليه. وفي "حيرة الفقهاء" أيضًا في باب البيوع: رجل اشترى جارية من رجل ولم يقبضها حتى زوَّجها المشتري من رجل، فماتت الجارية عند البائع، ممَّن تموت؟ قال: تموت من مال البائع، ولا شيء على المشتري من الثمن، والمهر للمشتري؛ لأنّه هو المزوج، كمن غصب جارية أو غُلامًا أو دارًا فالأجر له، كذا هذا. ورأيت في "حيرة الفقهاء" أيضًا في باب مسائل الطلاق: رجل حمل إلى امرأته تمرًا فأكلت امرأته وأمته، فقال الزوج لأمته أو لامرأته: إن لم تخبريني أنك كم أكلت من هذا التمر فأنت طالق أو أنت حرة، وهي لا تعلم كم أكلت، قال: تقول: أكلت واحدة أو اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وستة إلى ما يطمئن قلبها إليه بعدّها، فتكون مخبرة بقدر ما أكلت ولا يحنث، وكذلك لو كانت دراهم، فرفعت منها المرأة أو الجارية شيئًا ولا تدري كم رفعت، فالجواب ما ذكرنا. * * *

стр. 1189

متفرقات الكتيبة الحادية عشر [٤٣١ - زين الدِّين العَتَّابي (١)] الشَّيخ الإمام، العلامة الزَّاهد، زين الدِّين، أحمد بن محمَّد بن عُمَر، أبو نصر العَتَّابي البُخاري. بفتح العين المهملة والتاء المشددة المثناة من فوق ثم ألف وباء موحدة وياء، نسبة إلى العَتَّابية، وهي محلة ببخارى. وكان الإمام العَتَّابي من العلماء الزَّاهدين السَّالكين سيرة السلف، وكان أوحد المتبحرين في علم الدِّين كلامًا وأصولًا وفروعًا، وهو الأستاذ المجمع على إمامته وجلالته، والمتَّفق في المذهب على رئاسته، وكانت الطلبة من أقطار الأرض ترحل إليه، والمشكلات من البر والبحر تأتي (٢) بين يديه، والفتاوى بعضها على بعض ترد عليه، صاحب التصانيف التي سارت مشرقًا ومغربًا، والديانة التي أصبح بها نجم سعادته مُشرقًا. ومن تصانيفه "شرح الزيادات"، قالوا" وقف فيه وحرَّر، وأبدع فيه ما لا يوجد في غيره من كتب الفقه، و"شرح الجامع الكبير"، و"شرح الجامع الصغير"، و"جوامع الفقه"، المعروف بـ "الفتاوى العَتَّابية"، وله "تفسير القرآن". ذكر ابن قُطْلُوبُغا في "التراجم": أحمد بن محمَّد بن عُمَر أبو نصر، وقيل: أبو القاسم زين الدِّين العَتَّابي، نسبة إلى العَتَّابية محلة ببخارى.

стр. 1190

له "كتاب الزيادات"، و"كتاب جوامع الفقه" أربع مجلدات، و"شرح الجامع الكبير"، و"شرح الجامع الصغير". مات يوم الأحد سنة ست وثمانين وخمسمئة ببخاري، وله "كتاب تفسير القرآن"، وكانت وفاته وقت الظهر، ودفن بمقبرة القضاة السبعة. قال الذَّهبي: صنَّف "الجامع الكبير"، و"الزيادات"، و"تفسير القرآن"، ولازمه شمس الأئمَّة الكَرْدَري وأخذ عنه، انتهى ما في "التراجم" لابن قُطْلُوبُغا. وذكر عبد القادر في "الجواهر المضية": من تصانيفه "شرح الزيادات" الكتاب المشهور، رواه جماعة عنه، منهم حافظ الدِّين [و] شمس الأئمَّة الكَرْدَري وغيرهما. قلت: سيأتي في موضعه في الألقاب من "الجواهر المضية": أنّ حافظ الدِّين لقب لإمامين عظيمين، أما أحدهما فمحمَّد بن نصر البُخاري أبو الفضل، سمع منه أبو العلاء الفرضي، والآخر عبد الله بن أحمد بن محمود أبو البركات، صاحب التصانيف في الفقه، سمع منه السِّغْنَاقِي، وكلاهما تفقَّها على شمس الأئمَّة الكَرْدَري محمَّد بن عبد الستار، انتهى. وقال في حرف الميم في "الجواهر المضية": محمَّد بن محمَّد بن نصر، الإمام حافظ الدِّين البُخاري أبو الفضل، كانت ولادته في حدود سنة خمس عشرة وستمئة ببخاري، تفقَّه على شمس الأئمَّة محمَّد بن عبد الستار الكَرْدَري. وقال في حرف العين: عبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدِّين (١)، أبو البركات النَّسَفِي صاحب التَّصانيف، تفقَّه على شمس الأئمَّة الكَرْدَري، وروى "الزيادات" عن أحمد بن محمَّد العَتَّابي، سمع منه السِّغْنَاقِي.

стр. 1191

وذكر العيني في "شرح الكنز"، تفقَّه على شمس الأئمَّة الكَرْدَري، وسمع السِّغْنَاقِي. دخل بغداد سنة عشر وسبعمئة، ووفاته في العشر المذكور. وقد نص في "الجواهر المضية": أنّ العَتَّابي مات يوم الأحد وقت الظهر، سنة ست وثمانين وخمسمئة ببخارى. فلم تصح روايته عنه أيضًا، وأيضًا لم تصح رواية حافظ الدِّين النَّسَفِي عن العَتَّابي، فأنَّى تصح رواية شخص مات في سنة عشر وسبعمئة عن شخص مات في سنة ست وثمانين وخمسمئة، وروايته رواية شرح الزيادات، وقد كان أخذ الفقه عن شمس الأئمَّة الكَرْدَري. وفي آخر الفصل السابع من فصول الأُسْتُرُوْشَني: ذكر زين الدِّين العَتَّابي في آخر الفصل الأول من بيوع "فتاويه": إذا باع كُرَّ حنطة وكُرَّ شعير بكُرِّ حنطة وكُرِّ شعير، ثم استحق كُرَّ حنطة يرجع بكُرِّ شعير، ويصرف الجنس إلى خلاف الجنس وإن جاز بدونه، وروي في بيع ثوب ودرهم بثوبين ودرهمين إذا استحق الثوب أنّه يرجع بالدرهمين. وذكر الزَّيْلَعِي في "التبيين" في باب جناية المملوك قال: عبد محجور أمر صبيًّا حرًّا بقتل رجل فقتله، فديته على عاقلة الصبي؛ لأن الصبي هو المباشر للقتل، وعمده وخطؤه سواء، فيجب على عاقلته، ولا شيء على عاقلة العبد، وكذا الحكم إذا كان الآمر للصبي صبيًّا؛ لأنهما لا يؤاخذان بأقوالهما، لأن المؤاخذة فيها باعتبار الشرع ولم يعتبر قولهما، ولا رجوع لعاقلة الصبي على الصبي الآمر أبدًا، ويرجعون على العبد الآمر بعد العتق؛ لأن عدم الاعتبار كان لحق المولى لا لنقصان أهلية العبد، وقد زال حق المولى بالإعتاق بخلاف الصبي، لأنّه قاصر الأهلية.

стр. 1192

وفي "شرح الزيادات" للعتَّابي: لا ترجع العاقلة على العبد أيضًا أبدًا؛ لأن هذا ضمان جناية، وهو على المولى الأعلى لا على العبد، وقد تعذَّر إيجابه على المولى لمكان الحجر، وهذا أوفق للقواعد، ألا ترى أنّ العبد إذا أقرَّ بعد العتق بالقتل قبله لا يجب عليه شيء؛ لكونه أسنده إلى حالة منافية للضمان على ما بيَّنا قبيل هذا، ولهذا لو حفر العبد بئرًا فأعتقه مولاه، ثم وقع فيها إنسان فهلك لا يجب على العبد شيء، وإنّما يجب على المولى قيمته؛ لأن جناية العبد لا توجب عليه شيئًا، فإنّما تجب على المولى فتجب عليه قيمة واحدة، ولو مات فيها ألف نفس فيقتسمونها بالحصص، إلى هنا من كلام الزَّيْلَعِي. وفي الفصل الثاني من الباب الثالث من "الفتاوى الصوفية" قال: وفي جوامع الفقه المعروف بـ "الفتاوى العَتَّابية": قال مشايخنا ﵏: قضاء القاضي في فصل مجتهد فيه بخلاف مذهبه فإنّه نافذ إذا كان يرى جوازه؛ لأن محمدًا قيده به بأن قال: لاح اجتهادي إلى ذلك، فأما إذا كان لا يرى جوازه ومع هذا قضى لا ينفذ قضاؤه، وكان للثاني إبطاله، والصحيح أنَّ هذا قولهما، وأما عنده ينفذ وإن كان يرى خلاف ذلك. وفي "الظَّهِيْرِيَّة": وهو الصحيح من مذهبه، وفي "الكافي": وعليه الفتوى، وفي "الخاصي": وبه يفتى. وفي "رمز الحقائق شرح كنز الدقائق" لقاضي القضاة بدر الدِّين العيني قال: القضاء يستسقى من الشهادة، وشهادة النساء جائزة في غير الحدود، فكذا يجوز قضاؤها في غير الحدود.

стр. 1193

وقال الشَّافعي: لا يجوز أن تولَّى المرأة لقصور عقلها، قلنا: هي من أهل الشهادة فصارت كالرجل، وقال الإمام العَتَّابي في "شرح الجامع الكبير": امرأة قلدت القضاء وقضت في الأموال صح؛ لأنها تصلح شاهدة في باب المال فتصلح قاضية، ولو قضت بالحدود والقصاص وأمضى قاضٍ آخر يرى جوازها نفذ بالإجماع؛ لأن نفس القضاء مجتهد فيه، فإنّ شريحًا كان يجوِّز شهادة النساء مع رجل في الحدود والقصاص. وقال الشَّيخ أبو معين النَّسَفِي في "شرح الجامع الكبير": ولو قضى القاضي في الحدود بشهادة رجل وامرأتين نفذ قضاؤه، وليس لغيره إبطاله؛ لأنّه قضى في فصل مجتهد فيه، وليس نفس القضاء هنا مختلفًا فيه، إلى هنا كلام العيني. وفي "الإصلاح والإيضاح" للمولى العلامة ابن كمال باشا في باب الحلف بالطلاق: ومن علق الثلاث بوطء زوجته فأولج -أي أدخل- ولبث، فلا عقر عليه. قال في "ديوان الأدب": العقر مهر المرأة إذا وطئت عن شبهة، والمراد منه: مهر المثل، وبه فسر الإمام العَتَّابي في "شرح الجامع الصغير"، انتهى. وفي "الحاشية": أنَّ الجماع إدخال الفرج في الفرج واللبث بعد الإدخال ليس بإدخال، انتهى. فلم يوجد بعد الطلاق جماع، وقيل: العقر مقدار أجرة الوطء لو كان الزِّنا حلالًا، وقد سبق في ذكر القاضي الإِسْبِيْجابي في الكتيبة الثامنة. * * *

стр. 1194

[٤٣٢ - علاء الدِّين الدِّيناري (١)] الشَّيخ الإمام علاء الدِّين عبد الكريم بن يوسف بن محمَّد بن العبَّاس الدِّيناري أبو نصر. في "الجواهر المضية": ولد سنة سبع عشرة وخمسمئة، ومات سنة ثلاث وتسعين وخمسمئة، ودفن بالمقبرة الخيزرانية. حكاه عن أبي عبد الله الواسطي، وحكي عن ابن النجار: عبد الكريم ابن الدِّيناري: فقيه حنفي عُمر حتى أدركناه، وسمع منه أصحابنا، ولم يتفق لنا لقاؤه، وله "الفتاوى" المعروفة. ودينار بكسر الدال وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون وألف وفي آخرها راء: قرية بالقرب من إستراباذ، منها عبد الكريم هذا، وأبو الفتح بن يعلى عبد الجبار بن أحمد الدِّيناري الفقيه، كانت ولادته سنة تسع وخمسين وثلاثمئة. حكي أنّ عبد الجبار هذا يميل إلى مذهب الإمام أبي حنيفة، ويعتمد على أكثر أقواله، إلا أنّه كان يتخير أقوال الفقهاء وينحو نحو الاعتزال. والدِّيْناري نسبة ثلاثة أشياء: إلى الجد، وإلى قرية، وإلى الدِّينار. وأبو المعالي مسعود بن أحمد بن محمَّد بن علي بن العبَّاس الفقيه المعروف بابن الدِّيناري، ولعله نسبة إلى الجد، مولده سنة ثمان عشرة وخمسمئة، ومات سنة أربع وتسعين وخمسمئة، وكان إمام مشهد الإمام، ذكره عبد القادر. ورأيت في آخر الفصل الأول من "فصول الأُسْتُرُوْشَني": القاضي إذا نصب

стр. 1195

وصيًّا في تركة أيتام، وهم في ولايته والتركة ليست في ولايته، أو كانت التركة في ولايته والأيتام ليسوا في ولايته، أو كان بعض التركة في ولايته والبعض لم يكن في ولايته، قال شمس الأئمَّة الحَلْوَاني: يصح النَّصب على كلِّ حال، ويعتبر التظالم والاستعداء، ويصير الوصي وصيًّا في جميع التركة أينما كانت التركة. وكان ركن الإسلام علي السُّغْدي يقول: ما كان من التركة في ولايته يصير وصيًّا فيه، وما لا فلا، وقيل: يشترط لصحة النَّصب كون اليتيم في ولايته، ولا يشترط كون التركة في ولايته. وفي الباب الأول من "فتاوى رشيد الدِّين": وذكر علاء الدِّين الدِّيناري في متفرِّقات "فتاويه" هذه المسألة، وقال: يجوز حكم القاضي إذا كانت الدار في ولاية من قلده، ولو نصب القاضي متوليًا في وقف، ولم يكن الوقف والموقوف عليه في ولايته، قال شمس الأئمَّة السَّرَحْسي: إذا وقعت المطالبة في مجلسه صح النصب، وقال ركن الإسلام: لا يصح. وإن كان الموقوف عليه في ولايته ولم تكن الضيعة في ولايته بأن كان طلبة العلم أو رباطًا أو مسجدًا في مصره ولم تكن الضيعة الموقوفة في ولايته؛ قال شمس الأئمَّة: يعتبر التظالم والاستعداء، وقال ركن الإسلام: إذا كان الموقوف عليه حاضرًا يجوز. ذكر في "مجموع النوازل": قاضي سمر قند نصب قيمًا في محدود وقف ببخاري، والمدعى عليه بسمرقند صح الدعوى والسجل، ورأيت بخط بعض المشايخ: القاضي إذا نصب وصيًّا في تركة ليست في ولايته لا يجوز، وهو فتواي وفتوى مشايخ مَرْو، وقال الإمام الحَلْوَاني: يجوز والعبرة للخصومة.
следующие страницы →