قناع استحسان لأنّه لا خطاب مع الصبيان، ذكرها الحاكم، والأحسن أن تصلي بقناع؛ لأنها تؤمر بالصلاة للتعود، فتؤمر على وجه يجوز أداؤها بعد البلوغ.
وذكر فيه نقلًا عن طهارات "المحيط": كره بعض مشايخنا دفع المصحف واللوح الذي عليه القرآن إلى الصبيان، وعامة مشايخنا لم يروا فيه بأسًا؛ لأنهم غير مخاطبين بالوضوء وفي التأخير تضييع القرآن.
* * *
[٤٥٨ - جلال الدِّين محمَّد بن علي المَرْغِيْنَاني (١)]
شيخ الإسلام، أبو الفتح، جلال الدِّين، محمَّد بن شيخ الإسلام برهان الدِّين علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الرِّشْداني الفَرْغَاني، صاحب "الهداية".
نشأ في حجر أبيه، وغذي بالعلم والأدب، وحمل على أكتاف الأئمة، فبرع وكمل حتى صار شيخ الإسلام وإمام الأمة، وكان ترد عليه فتاوى من أقطار الأرض، وترد بعضها على بعض، ورئاسة المذهب في عصره انتهت إليه، وتحمل مشكلات الأنام من البلاد إلى بين يديه.
تفقَّه على أبيه برهان الدين.
وتفقَّه عليه المولى الأستاذ حسام الدِّين العليابادي.
أقر له بالفضل والتقدم أهل عصره، وهو المقدم الفارس الجواد في دهره.
قال صاحب "الفصول" مجد الدِّين المفتي محمَّد الأُسْتُرُوْشَني في "فصوله"
стр. 1262
في الفصل السادس والعشرين: ذكر في "الذخيرة": إذا باع الراهن الرهن بغير إذن المرتهن ثم باعه من المرتهن جاز البيع من المرتهن، ونقض البيع الأول، وكذلك المؤجر إذا باع المستأجر من رجل بغير إذن المستأجر ثم باعه من المستأجر جاز البيع من المستأجر، وهو نقض للبيع الأول.
وسمعت من أثق به يحكي عن الشَّيخ الإمام جلال الدِّين محمَّد بن شيخ الإسلام برهان الدين: وكذلك هذا في البيع الجائز المعروف ببيع الوفاء، إذا باعه البائع من رجل بيعًا باتًّا بغير إذن المشتري ثم باعه من المشتري بيعًا باتًّا نفذ البيع الثاني وبطل الأول.
وفي "العمادية" في الفصل الحادي والثلاثين: رأيت بخط من أثق به عن عمي جلال الدِّين محمَّد بن شيخ الإسلام برهان الدِّين: وكذلك هذا في بيع الوفاء إذا باعه البائع من رجل بغير إذن المشتري الوفاء ثم باعه من المشتري وفاء بيعًا باتًّا ينفذ الثاني ويبطل الأول.
وفي "العمادية" أيضًا في الفصل العشرين في الإجارة الموسومة بسمرقند، قال: سمعت أستاذي مولانا حسام الدِّين العليابادي تغمَّده الله بغفرانه يقول: كنت يومًا عند عمك مولانا جلال الدِّين أبي الفتح محمَّد بن علي، فورد عليه الاستفتاء: ما قولكم رضي الله تعالى عنكم، بدل إجارة معهودة حلال هست ياني. فكتب: هست، والله أعلم، وفيه أيضًا: ما قولكم: حلال طيب هست ياني. فكتب: طيب، والله أعلم.
* * *
стр. 1263
[٤٥٩ - نظام الدِّين عُمَر بن علي المَرْغِيْنَاني (١)]
شيخ الإسلام، نظام الدِّين عُمَر بن شيخ الإسلام برهان الدِّين علي بن أبي بكر صاحب "الهداية".
وهو كأخيه جلال الدِّين محمد، تفقَّه على أبيه فصار مرجوعًا إليه في الفتوى، وتفقَّه على شيخ الإسلام علاء العالم علاء الدِّين محمَّد بن عبد الحميد السَّمَرْقندي تلميذ برهان الدِّين الكبير.
قال في "الفصول العمادية" في الفصل الثاني والثلاثين في ضمان المودع: وفي "جواهر الفقه" لعمي شيخ الإسلام نظام الدِّين، وقد جمع فيه من مختصرات أصحابنا كـ"التجريد" لأبي الفضل، و"موجز الفَرْغَاني"، و"جمل الصَّغاني"، و"مختصر الجصَّاص"، و"مختصر الكَرْخي"، و"خزانة الفقه" لأبي اللَّيث، وغير ذلك سوى ما هو مذكور في فوائد أبيه (٢) شيخ الإسلام برهان الدين: لو قال: ضعه في يدك فوضعه في الصندوق لا يضمن، ولو شرط عليه أن يمسكها بيده ليلًا ونهارًا ولا يضعها فهذا الشرط باطل، ولو قال: لا تضعها في الحانوت فإنّه مخوف فوضعها فيه فسرقت ليلًا؛ إن لم يكن له موضع أحرز من الحانوت لا يضمن، وإلا ضمن إذا كان قادرًا على الحمل.
وفي "العمادية" أيضًا في أوائل هذا الفصل في فوائد عمي نظام الدين:
стр. 1264
ضم ماء أرز آخر حتى هلك الأرز هل يضمن؟ أجاب شيخ الإسلام علاء الدِّين علي بن عبد الحميد وكان أستاذه: أنّه يضمن.
وفيه في الفصل السابع والعشرين وفي فوائد عمي نظام الدين: هل يملك القاضي بيع عقار الصبي بيعًا جائزًا؟ أجاب مولانا شيخ الإسلام: أنّه يملك، وكان أستاذنا شيخ الإسلام علاء العالم وغيره من أئمة سمرقند في زماننا يفتي أنّه لا يملك؛ لأنّ في جواز هذا البيع إتلاف مال اليتيم ومنافعه؛ لأنّ الملك باقٍ للصغير، والمنافع من ملكه يستحقها غيره، وذلك (١) لا يملكه الوصي، وجه ما ذهب إليه جدي أنّه يتخير بمال اليتيم من حيث إنّه استيفاء ملكه ودفع حاجته.
وفي "العمادية" أيضًا في الفصل التاسع عشر من مسائل بيع الوفاء وأحكامه: ذكر شيخ الإسلام نظام الدِّين في "فوائده" التي جمعت هذا منه: استفتي شيخ الإسلام برهان الدِّين: إذا فسخ البيع الجائز بعد مضي بعض (٢) السَّنة، هل يكون للمشتري من الغلَّة بحساب ما مضى من السنة؟ أجاب ﵀: نعم، له ذلك، تقسم الغلَّة على اثنى عشر جزءًا، فيأخذ حصة ما أصاب الماضي من السنة.
قيل له: وهل يختلف الجواب بينما إذا ظهرت الغلَّة وبينما إذا لم تظهر؟ أجاب: لا يختلف، قال شيخ الإسلام نظام الدِّين عمي: وكان أستاذنا شيخ الإسلام علاء الدِّين السَّمَرْقندي يفصِّل ويقول: إذا ظهرت الغلَّة عند الفسخ كان الجواب هكذا، ولو لم تظهر لا تقسم الغلة؛ لأنّه إذا لم تظهر ففي أي شيء يبقى حقه؟
قال: وكان والدي ﵀ يقول: إنَّ طريقه أن يبقى العقد في قدره فلا يتفاوت،
стр. 1265
بينما إذا ظهرت الغلَّة وبينما إذا لم تظهر؛ لأنا لو فصلنا الجواب أدى إلى الضَّرر في حقِّ الشراة؛ لأنّه لو اشتراه في الخريف وقضى البائع الثمن في الربيع فات حقه أصلًا، وفيما قلناه دفع الضرر، فيصار إليه.
قيل له: جون زر تمام كرفته باشد عقد جكونه باقي ماندر بعض، قال: بقدرآن جنان داريم نام شودبر فرد شنده راتا آن وقت كه سال بكذرد مقاصه شود قيل له: ميوه هنوز بديد نيامده بود وعقد بروى نبود جراتواند طلب كردن؟ أجاب ﵀: جواب رفت كه عقدرا بقدرآن در ملك باقي مي دارم إزبراي نظر ايشان را، قيل له: واكر سالها غلة بوده باشد واكنون درميان سال فسخ كند حكم همين بود؟ أجاب: بودو، الله أعلم.
* * *
[٤٦٠ - عماد الدِّين أبو بكر بن علي المَرْغِيْنَاني (١)]
شيخ الإسلام عماد الدِّين أبو بكر بن علي بن أبي بكر صاحب "الهداية"، والد (٢) صاحب "الفصول العمادية" زين الدِّين عبد الرحيم.
تفقَّه على أبيه، وأخذ العلم عنه وعن القاضي ظهير الدِّين البُخاري، فصار مرجوعًا إليه في الفتوى مثل أخويه جلال الدِّين محمَّد ونظام الدِّين عمر، ثم قتل في أيدي الكفار غفر الله له ولأسلافه وقاتل قاتله يوم القرار، وكان بصدد التَّصنيف والتَّدريس (٣) والإفتاء.
стр. 1266
وله "كتاب أدب القاضي".
وتفقَّه عليه ابنه زين الدِّين عبد الرحيم.
وفي "العمادية" في الفصل السابع والعشرين: الأب والوصي إذا باع مال الصَّغير في دين نفسه يجوز كما يجوز أن يرهنه بدين نفسه (١)؛ لأنّه مطلق التصرف فيما لليتيم فيه منفعة كتزويج الأمة ونحوه، وفي جواز الرهن والبيع بدينه فائدة؛ لأنّه لو لم يبع يحتاج إلى الحفظ إما بيده أو بيد غيره، فيخاف عليه التلف، فإذا باع ولم يصرف ثمنه إلى دينه يخشى عليه التلف أيضًا، وإذا صرف الثمن إلى دينه لا يخشى عليه التلف؛ لأنّه ضمنه فينتفع به اليتيم، قلت: وهذا يعضد ما سمعته عن أستاذي في إقراض (٢) المتولي مال الوقف على ما سبق.
وفي فوائد صاحب "المحيط": الوصي إذا استقرض مال اليتيم وتصرَّف فيه ربح، ثم أنفق على اليتيم مدة من هذا المال الذي تصرف فيه يكون متبرعًا، وليس له أن يأخذ بحساب ماله؛ لأنّه صار ضامنًا فلا يخرج عن العهدة ما لم يرفع الأمر إلى القاضي أو إلى منصوب القاضي، وكذا المتولي والله أعلم.
وإقراض الأب والوصي والقاضي ينظر بتمامه في الباب السابع والثلاثين من "أدب القاضي" لسيدي ووالدي شيخ الإسلام عماد الدِّين المقتول ظلمًا على أيدي الكفار، بوَّأه الله دار القرار.
ذكر في وكالة "الجامع للفتاوى": أن استقراض الأب لابنه الصَّغير يجوز. إلى هنا من "العمادية".
стр. 1267
وقد ذكرنا ما سمعه عن أستاذه حسام الدِّين العليابادي في إقراض المتولي في ذكر مجد الدِّين المفتي صاحب "الفصول" محمَّد بن محمود الأُسْتُرُوْشَني من رجال هذه الكتيبة.
ورأيت في الفصل الثامن من "فصول مجد الدِّين الأُسْتُرُوْشَني" أنّه قال: استفتي ابنا شيخ الإسلام برهان الدِّين ﵏ عمَّن ادعى على آخر كرمًا وبين حدوده وازحد جهارم بعضي بيوسته زر عُمَر بن يوسف أحمد نوشته اند وهمجنين دعوى كرد وكواهان برين كواهي دادند قاضي حكم كرد اين حكم در حق اين زركه دردست مدعا عليه است درست باشدياني جون بعضي حدود راغلط كفته اند، أجابوا جميعًا: ني والله أعلم.
أكراين مدعي بعد ازين حكم خواهدكه اين زرداكه دردست مدعا عليه است بكيرد ومدعا عليه ميكويدكه اين زر معين بدين حدودكه تودعوى كرده نيست قول قول مدعا عليه باشد ياني، أجابو جميعًا: باشد والله أعلم، وهكذا رأيته في "العمادية" في الفصل الحادي عشر.
وفي "العمادية" أيضًا في الفصل التاسع عشر: فروشنده بيع جائز دروقتي كه بيع راهنوز فسخ نكرده أند مال وفارابر مقداري صلح كرندان صلح درست بودياني ينبغي أن لا يصح لما ذكرنا أنّ المال لم يجب بعد على البائع، وإنما يجب بعد الفسخ، فلم يكن على البائع دين فلا يصح الصلح.
وسمعت من أثق به أنّه وقعت هذه المسألة في زمان أعمامي، واتفقت أجوبة أولاد جدي شيخ الإسلام برهان الدِّين أنّه لا يصح الصلح، وعلى قول من يجعل البيع الجائز رهنًا لا شك أنّه يصح الضمان والصلح.
* * *
стр. 1268
[٤٦١ - قاضي بديع القُزَيْنِي (١)]
الشَّيخ الإمام، فخر الملَّة والدِّين، بديع بن أبي منصور القُزَيْنِي، صاحب "البحر البحيط"، المعروف بقاضي بديع.
ضبطه الذهبي بالقاف المضمومة وفتح الزاي وسكون الياء آخر الحروف والنون.
إمام فاضل فقيه كامل، انتهت إليه رئاسة الفتوى في زمانه.
تفقَّه على الشَّيخ الإمام نجم الأئمَّة البُخاري.
وتفقَّه عليه نجم الملَّة والدِّين مختار بن محمود الزاهدي.
وله تصانيف معتبرة: منها "البحر المحيط"، الموسوم بـ"منية الفقهاء".
قال الزَّاهدي في أول "القنية": وبعد، فيقول الراجي عفو ربه المعبود مختار بن محمود الزَّاهدي: لما خلت عوالم الفضل عن فقهاء البريَّة، وكثر حوادث الوقوع الشرعية، وقد شذَّت من أصول المتقدمين، ولا يوجد في شروح أكثر المتأخرين إلا في تصنيف أستاذي ومولاي خاتمة المجتهدين فخر الملَّة والدِّين بديع بن أبي منصور القُزَيْنِي صاحب "البحر المحيط" الموسوم بـ"منية الفقهاء"، فإنّه جمع فيه ما لا يوجد في الأصول من فتاوى المتقدمين والمتأخرين على رسومها من تطويلات السائلين وهذياناتهم في أسئلتهم وتطبيق المفتين فحازَ أغراضهم في أجوبتهم، فطال فيه الكلام وعزَّ المبتغى والمرام، فاستصفيت منها لبابها، وحرَّرت
стр. 1269
على رسوم سائر الكتب جوابها، وسميته: "قنية المنية لتتميم الغنية".
ذكر في "قنية المنية" في باب استئجار المستقرض عن المقرض في كتاب الإجارة عازيًا إلى مت (١) مجد الدِّين التَّرْجُماني: اختلف في استئجار المستقرض من المقرض لحفظ عين من الأعيان للمرابحة، عن محمَّد بن سلمة أنّه يجوز، قخ وقال عازيًا إلى قاضي خان: أقرضه دراهم ثم آجره حجر الميزان كل شهر بدرهمين، قال أبو القاسم الصفَّار: إن لم يكن للحجر قيمة الأجرة ولا يستأجر عادة لا شيء على المستأجر، وكذا هذا في المشط والسكين والملعقة لا يجب على المستأجر شيء؛ لأنَّ هذه الأشياء لا قيمة لها مقدار ما يستأجر للحفظ بها غالبًا، حتى لو كان قيمتها مقدار أجر الحفظ وزيادة فحينئذ يجوز إن لم يكن مشروطًا في القرض.
قال القاضي بديع قب: لا تجوز الإجارة أصلًا، ولا شيء على المستقرض لأنّ المشروط عرفًا كالمشروط شرعًا، ولو شرط ذلك في القرض فالإجارة فاسدة فكذا هذا، وبه قال شيخنا نجم الأئمَّة البُخاري الفقيه الذي به ختم الفقه قال: لأنّ النّاس ما تعارفوا هذه الإجارة، ألا يرى أنّ استئجار المرآة ليرى وجوه النّاس يجوز، واستئجار خابية فيها ماء ليرى وجوه النّاس لأنّه غير متعارف، قيل له: تعارف أهل بخارى، قال: التعارف الذي تثبت به الأحكام لا يثبت بتعارف أهل بلدة واحدة عند البعض، وعند البعض وإن كان يثبت لكنه أحدثه بعض أهل بخارى فلم يكن متعارفًا مطلقًا، كيف وإن هذا شيء لم يعرفه عامتهم، بل تعارفه خواصهم، فلا يثبت التعارف بهذا القدر، قال أستاذنا: وهو الصواب.
وذكر الزَّاهدي في "شرح القُدُوري": ولا رواية في غسل الذؤابتين جاوزتا
стр. 1270
القدمين في الجنابة، وكذا السِّلْعَة (١) إذا نزلت على الوجه، والصحيح أنّه يجب غسلهما في الجنابة وغسل السِّلْعَة في الوضوء، قال مولانا وأستاذنا سيد الشُّهداء والسُّعداء صاحب "البحر المحيط" فخر الدِّين القُزَيْنِي ﵀: ومن جنس هاتين المسألتين ما ذكره مظهر الدِّين الشَّافعي في "شرحه": أنّه لو كان لرجل رِجْلان ويَدان من جانب واحد يمشي ويبطش بهما وجب غسلهما، وكذا الزائدة إن نبتت من محل الفرض كالأصبع الزائدة والثَّأْليل.
وقال فيه، في فصل المعاني الموجبة للغسل: وواحد مستحب وهو غسل الكافر إذا أسلم، قال بدر طاهر: هذا إذا لم يكن جنبًا، وفي الجنب يجب في ظاهر الرواية، قال أستاذنا فخر الأئمة (٢) البديع ﵀: وقول من قال: لا يجب لأنّ الكفار لا يخاطبون غير سديد؛ فإن سبب الغسل إرادة الصلاة، وزمان إرادتها مسلم، ولأن صفة الجنابة مستدامة بعد الإسلام، فيعطى لها حكم الإنشاء، حتى لو انقطع دم الكافرة ثم أسلمت لا غسل عليها؛ لتعذر استدامة الانقطاع.
وفي "شرح القُدُوري" أيضًا في باب المسح على الخفين، قال القُدُوري: لا يجوز المسح على الخفين لمن وجب عليه الغسل؛ لما روي من حديث صفوان ﵁ أنّ النبي ﷺ : "أمرنا أن نمسح على خفافنا لا من جنابة ولكن من بول أو غائط أو نوم (٣) ".
стр. 1271
قال مولانا الأستاذ فخر الأئمَّة البديع: وقد سألت شيخ الإسلام نجم الأئمَّة البُخاري عن صورته، فقال: توضأ ولبس خفيه ثم أجنب ليس له أن يشد خفيه فوق الكعبين ثم يغتسل ويمسح، وقد يذكر لهذا ما ذكر محمَّد في "الأصل": أنّ المسافر إذا توضأ ولبس خفيه ثم أجنب وعنده ما يكفيه للوضوء تيمم وصلى، فإن أحدث وعنده ذلك الماء لزمه غسل رجليه ولا يجزيه المسح؛ لأنّ الجنابة حلت القدم، وما يذكره بعده من مروره على الماء نائمًا فليس بصحيح؛ لأنّ الجنابة لا تعود على الأصح كمن تيمم وبقربه ماء لا يعلم به.
وفيه أيضًا في كتاب الصوم: الأسير اشتبه عليه رمضان فصام شهرًا عن رمضان إن وقع بعده سوى يوم التشريق والعيد يجوز؛ لأنّه غير الفرض الذي عليه وليس عليه إلا الأداء أو القضاء فقد نوى ما عليه، وإن اتفق قبله لا يجوز لأنّه أدّى قبل السبب.
بط (١) يعني بدر الدِّين طاهر و"بحر المحيط": وإنما يجوز إذا وقع بعده بشرطين: أحدهما: إكمال العدة حتى لو كان رمضان كاملًا، والشهر الذي صام بالتحري ناقصًا (٢) يقضي يومًا، وإن كان شوال ناقصًا يقضي يومين، وإن كان ذو الحجة ناقصًا يقضي خمسة أيام.
والثاني: يثبت على سبيل القضاء، قال أستاذنا فخر الأئمَّة البديع صاحب "البحر المحيط" ﵀: ويحتمل أن لا يكون قوله: (على سبيل القضاء) شرطًا في النية بل يكون بيانًا لوقوع صومه قضاءً وإن كان بنية الأداء، أو لو تجري سنين وتقدم صومه
стр. 1272
رمضان فقد اختلف أئمة بَلْخ، فقيل: يجوز قضاء جميع الأَرْمِضة، فليطلب تفصيله في هذا الكتاب.
* * *
[٤٦٢ - أبو الفضل محمَّد بن يوسف الغَزْنَوي (١)]
الشَّيخ الإمام أبو الفضل محمَّد بن يوسف بن علي الغَزْنَوي ثم البغدادي.
قال عبد القادر: كان من أكابر المحدثين، والرواة المسندين، والقراء المذكورين، والفقهاء المدرسين، أصله من غَزْنَة (٢) ومولده ببغداد.
وروى عنه الشَّيخ رشيد الدِّين العطَّار الحافظ، وذكره في معظم شيوخه.
مولده سنة اثنتين وعشرين وخمسمئة، وتوفي يوم الإثنين خامس عشر ربيع الأول سنة تسع وتسعين وخمسمئة بالقاهرة بعد أن كفَّ بصره.
وغَزْنَة (٣) أول بلاد الهند.
تفقَّه على عبد الغفور بن لقمان الكَرْدَري، وقرأ عليه "الواقعات"، رأيت نسخة من "الواقعات" وعليها خط محمَّد بن يوسف هذا، وذكر أنَّه قرأها عليه، ووافق الفراغ من قراءته لها على عبد الغفور يوم الثلاثاء الثاني عشر من شعبان سنة تسع وخمسين وخمسمئة، انتهى كلام عبد القادر.
стр. 1273
قلت: وقرأ على عبد الغفور أيضًا "شرح التجريد" (١)، وهو ثلاث مجلدات، والمجلد الثاني الآن عندي بخطه، وعليه إجازة المصنف عبد الغفور هذا، وقد ذكرته تفصيلًا في ذكر عبد الغفور تلميذ أبي الفضل عبد الرَّحمن الكَرْماني.
* * *
[٤٦٣ - صدر الشَّريعة الأول المحبوبي (٢)]
الشَّيخ الإمام، صدر الشَّريعة، شمس الدِّين، أحمد بن جمال الدِّين عبيد الله بن إبراهيم بن أحمد المحبوبي.
أخذ العلم عن أبيه جمال الدِّين، عن الشَّيخ الإمام المفتي إمام زاده ركن الإسلام محمَّد بن أبي بكر الواعظ صاحب "الشرعة"، عن الشَّيخ الإمام عماد الدِّين عُمَر بن محمَّد الزَّرَنْجري، عن شمس الأئمَّة بكر بن محمَّد الزَّرَنْجري، عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن أبي علي النَّسَفِي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
وصلَّى على أبيه عند وفاته، وكان من كبار العلماء، بلغ عند ابيه في الفقاهة مبلغًا عظيمًا، وله قدرة كاملة في الأصول والفروع.
تفقَّه عليه ابنه تاج الشَّريعة محمود بن أحمد بن عبيد الله بن إبراهيم المحبوبي.
وله "كتاب تلقيح العقول في الفروق"، ذكره ابن قُطْلُوبُغا.
стр. 1274
رأيت في حاشية "فصول الأُسْتُرُوْشَني" فيما يتعلق بالخلع في الفصل الثاني والعشرين، نقلًا عن "تلقيح العقول" للإمام شمس الدِّين أحمد بن عبيد الله المحبوبي: وما يقبل التعليق خمسة عشر: العتقُ، والتدبير، والكتابة، والطلاق، والخلع، والنذر، والإيلاء، والظهار، والإبراء، والصلح عن دم العمد، والعفو عنه، والكفالة، والوكالة، والعزل عن الوكالة، والوقف.
ومالا يقبل خمسة عشر أيضًا: البيعُ: والشراء، والهبة، والإجارة، وفسخ الإجارة، والإقالة، والوصية، والنكاح، والصدقة، والصلح عن الأموال، والرجعة، والفيء عن الإيلاء، والإقرار، والشركات كالمزارعات والمضاربة والعنان والعارية.
والفرق أنَّ الجملة الأولى إسقاطات، وما يكون إسقاطًا يقبل التعليق؛ لأنّه لا خطر له فيقبل التعليق بالخطر لعدم إفضائه إلى المنازعة، فأما التمليكات لها خطر فلا تقبل التعليق بالخطر لإفضائه إلى المنازعة، إلى هنا من "تلقيح العقول".
* * *
[٤٦٤ - سراج الدِّين السَّكَّاكي (١)]
الشَّيخ الإمام العلامة سراج الدِّين يوسف بن أبي بكر بن محمَّد أبو يعقوب السَّكَّاكي الخُوَارِزْمِي.
كان إمامًا كبيرًا عالمًا متبحرًا في النحو والتصريف وعلم المعاني والبيان
стр. 1275
والعروض والشعر، وله مشاركة تامة في كل العلوم، سبق المتقدمين في الأدب، وكان عالمًا بالخلاف والمذهب.
أخذ الفروع والأصول عن شيخ الإسلام علاء الدِّين سديد بن محمَّد الخَيَّاطي، وعن شيخ الإسلام علاء الدِّين محمود بن عبيد الله بن صاعد المَرْوَزِي، عن القاضي النَّسَفِي عبد العزيز بن عُثمان الفضلي، عن برهان الدِّين عبد العزيز بن عُمَر بن مازه، عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن القاضي الإمام أبي علي النَّسَفِي، عن الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن الأستاذ (١) عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، [عن] أبي حنيفة رحمهم الله تعالى، وأخذ عن غيرهما.
وله تصانيف لطيفة، وأجل مصنفاته "كتاب المفتاح"، وهو مفتاح العلوم مشتمل على اثني عشر علمًا: الاشتقاق، والتصريف، والنحو، وعلم المعاني، والبيان، والبديع، والعروض، والإنشاء، والمحاضرات، والخطب، والقافية، وقرض الشعر.
وهو كتاب لم يدر مثله في الأوائل والأواخر في التدوين والتأليف وجمع العلوم.
كتب بعض الأفاضل على ظهر "المفتاح": توفي الإمام العلامة واضع الأدب للعجم والعرب سراج الملَّة والدِّين السَّكَّاكي في أوائل شهر الله الأصم رجب المرجب، سنة ست وعشرين وستمئة، وكانت ولادته ليلة الثلاثاء من جمادى الأولى من سنة خمس وخمسين وخمسمئة، فكانت مدة حياته إحدى وستين سنة.
стр. 1276
وفي حقِّه قالوا:
سِراجُ المعاني يوسف بن محمَّد … بمفتاحه قد حلَّ كلَّ معقَّد
وأعجزَ بالإيجاز في سِحْرِ لَفْظِهِ … وكانَ به يَسبي النُّهى وكأن قد
ولم يُرَ في كتبِ الأوائلِ مثلَه … وإن لم تصدقْني به فتفقَّد
وقرأ عليه علم الكلام مختار بن محمود (١) الزَّاهدي.
* * *
[٤٦٥ - نجم الدِّين البَارِعي (٢)]
الشَّيخ الإمام الحسين بن محمَّد البَارِعي، نجم الدِّين.
أخذ عن علاء الأئمَّة علاء الدِّين سديد بن محمَّد الخَيَّاطي، ذكره الذَّهبي.
وفي "الجواهر المضية": البَارِعي الملقَّب نجم الأئمَّة: بفتح الباء وكسر الراء والعين المهملة؛ لقب من برع في نوع من العلم.
توفي بجرجانية خُوَارِزْم ليلة الأحد السادس من شعبان سنة خمس وأربعين وستمئة، وكان إمامًا فقيهًا واعظًا فاضلًا كاملًا.
تفقه عليه ابنه شيخ الإسلام علاء الملَّة محمَّد بن الحسين البَارِعي، وأبو المظفر عبيد الله محمَّد بن إبراهيم البرهاني، الموسوم بالرضى.
رأيت في منشآت الرضى البرهاني عبيد الله محمَّد بن إبراهيم مكتوبًا مفصلًا: كان أرسله إلى أستاذه وقد ضمن نوعًا من الطعن على رفض ما كان يعتاده من التفقد
стр. 1277
بالمكاتبات، قال في أثناء ذلك المكتوب: وأما هو أدام الله بهجته وصان عن المكاره مهجته، فله سلم النظر كله، ولديه مبيتُه ومظله، وهو الأستاذ على الإطلاق، والمشار إليه بلا شقاق، فلو شرفني بكتابه، ونوَّه باسمي في خطابه، وأقر ناظري بمطالعة غرر فوائده ودرر فرائده، وسرني باستماع ألفاظه المهذبة، وعباراته الشهية المستعذبة، نافعًا بها علة صدري، ورافعًا بها بعد الاتضاع قدري.
كان الأليق بكرمه، والأوفق لمحاسن شيمه، لكني لست أرى سببًا للحرمان الممتد إلى هذا الأوان، سوى أني متصف بزيادة الاختصاص، متسم بسمة الإخلاص، والمستحق كما قد قيل: محروم، فالمتوقع منه -أدام الله بقاءه، ولا حرمنا لقاءه- أن يديم بإدامة تفقده فرضي وأنسي، ولا ينخرط في سلك من يزعم أنّ طول العهد ينسي.
* * *
[٤٦٦ - شمس الدِّين أحمد العَقيلي (١)]
الإمام العلامة شمس الدِّين أحمد بن محمَّد العَقيلي الأنصاري البُخاري.
كان شيخًا عالمًا فاضلًا، روى عن جده لأمه الإمام العلامة شرف الدين عُمَر بن محمَّد العَقيلي، وتفقَّه عليه وأخذ عنه، عن الصَّدر الشَّهيد حسام الدين عُمَر بن عبد العزيز بن عُمَر بن مازه، عن أبيه الصَّدر الماضي برهان الدِّين الكبير عبد العزيز، عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَانِي، عن القاضي الإمام أبي على النَّسَفِي، عن الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن
стр. 1278
الفضل، عن (١) عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
مات ببخارى سنة سبع وخمسين وستمئة.
وكان مخصوصًا بشرح "الجامع الصَّغير" بنظمه (٢) نظمًا حسنًا، وكان له يد طولى في النظم والنثر، وله مشاركة في العلوم.
* * *
[٤٦٧ - ابن الأبيض محمَّد بن يوسف الحلبي (٣)]
محمَّد بن يوسف بن الخضر بن عبد الله الحلبي، المعروف بابن الأبيض الشهير بقاضي العسكر.
ولد بحلب سنة ستين وخمسمئة ونشأ بها، وتفقَّه بها على والده البدر الأبيض يوسف بن الخضر، وأخذ عنه عن البرهان البَلْخِي علي بن الحسن، عن برهان الدِّين الكبير، عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، وأخذ عن برهان الدِّين مسعود بن شجاع الدَّبُوسي، تلميذ البرهان البَلْخِي علي بن الحسن المذكور، وتفقَّه على العلامة صاحب "البدائع" أبي بكر الكاساني، وأخذ عنه عن علاء الدِّين أبي بكر محمَّد السَّمَرْقندي صاحب "التحفة"، عن صدر الإسلام أبي اليسر البَزْدَوي، عن أبي يعقوب يوسف السَّيَّاري، عن الحاكم النَّوْقَدي أبي إسحاق، عن أبي جعفر الهِنْدُوَاني، عن أبي بكر
стр. 1279
الإِسْكاف، عن محمَّد بن سلمة، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة ﵏.
وتفقَّه عليه أبو القاسم عُمَر بن أحمد بن العديم الكاتب المؤرخ بن أبي جرادة وابنه أحمد بن محمَّد بن يوسف أبو الطَّيب الحلبي الفقيه.
وتولى قضاء العساكر، ثم انتقل إلى حلب، ودرس بالسادنيجية (١).
ومات في رمضان سنة أربع عشرة وستمئة، عن المنذري في "التكملة": مات فجأة صلى التَّراويح ومات، وقيل: إنّه توفي وهو ساجد.
وقدم بدمشق ومصر، وسمع من أبي طاهر والحافظ علي بن الفضل القدسي، ودرس بدمشق بمسجد خاتون وغيره.
وهو القائل:
ألا كلُّ مَنْ لا يَقتدي بأئمَّةٍ … فقِسْمَتُه ضِيْزَى عنِ الحقِّ خَارِجَهْ
فخُذْهُم عُبيدُ اللهِ عُروةُ قاسمٌ … سَعيدٌ أبو بكرٍ سُليمان خَارجهْ
* * *
[٤٦٨ - أبو المظفَّر داود بن أرسلان (٢)]
القاضي الإمام شرف الدِّين أبو المظفر داود بن أرسلان بن غازي.
مولده بدمشق، ومات سنة تسع وثلاثين وستمئة.
стр. 1280
وكان فقيهًا عالمًا فاضلًا كاملًا صالحًا، صاحب اليد الباسطة في الفقه والأصول، وله اليد الطولى في النظم والنثر.
تفقَّه على برهان الدِّين مسعود أبي شجاع، الموفق تلميذ البرهان البَلْخِي علي بن الحسن المذكور قُبيل هذا.
* * *
[٤٦٩ - أبو العبَّاس أحمد بن يوسف الحَسَني (١)]
عماد الدِّين، أبو العبَّاس أحمد بن يوسف الحسني.
تفقَّه على أحمد بن محمَّد بن محمود الغَزْنَوي، وكان شيخ الحنفيَّة في عصره، وخرج من حلب إلى مصر حين وصل التاتار (٢) من بلاد الروم، سنة أربعين وستمئة إلى حلب، ومات في هذه السنة، وكان مولده نيف وستين (٣) وخمسمئة.
* * *
[٤٧٠ - نجم الدِّين بكير بن يَالِنْقِلِجْ التركي (٤)]
نجم الدِّين بكير بن يَالِنْقِلِج (٥) التركي الناصري، مولى الإمام النَّاصر لدين الله أمير المؤمنين.
стр. 1281
كان فقيهًا عارفًا، بصيرًا بالفقه، حسن الأصول، وله معرفة تامة في المعقول والمنقول.
أخذ عن الشَّيخ الإمام عبد الرَّحمن شجاع، وسمع منه سنة ثمان وستمئة.
وله تصانيف لطيفة، منها "الحاوي"، وهو مختصر في الفقه في مجلد نحو "مختصر القُدُوري"، شرح القصيدة للطحاوي، وسمَّاه بـ"النور اللامع والبرهان الساطع"، جمع فيه الفوائد ولطائف المسائل، وكان في مجلد كبير ضخم.
وله طريقة حسنة، عرض عليه الإمام المستنصر القضاءَ ببغداد وأن يلبس العمامة السوداء فامتنع من ذلك.
وعن ابن العديم: بلغني أنّ اسمه أولًا منكوبرس، فسمي بكير، وكان خيرًا ورعًا فقيهًا فاضلًا حسن الطريقة، ولم يتفق لي به اجتماع حين قدم حلب ولا حين قدمت بغداد، وكان على الرِّق ولم يعتقه مواليه، كذا عادة الخلفاء ببغداد، وأنّه تزوج امرأة حرة لها ثروة وولد له منها بنت، وماتت المرأة وورثت ابنتها منها مالًا وافرًا، وماتت البنت، فجمع جميع ما كان لابنته، وسيَّره للإمام (١) المستنصر، وقال: أنا عبد لا أرث من ابنتي شيئًا، وهي حرَّة، فردَّه عليه، وأذن له في التصرف فيه على حسب اختياره.
مات ببغداد سنة اثنتين وخمسين وستمئة، ودفن إلى جانب قبر أبي حنيفة في القبة بالرَّصافة ﵏.
* * *
стр. 1282
[٤٧١ - أبو الحسين القاسم الخُوَارِزْمِي (١)]
الشَّيخ الفاضل الكامل، القاسم أبو الحسين بن أحمد بن الخُوَارِزْمِي النحوي.
ولد سنة خمس وخمسين وخمسمئة.
تفقَّه على أبي الفتح برهان الدِّين ناصر بن أبي المكارم عبد السيِّد المُطَرِّزي، وأخذ عنه عن أبي المؤيد الموفق بن أحمد المكي، عن نجم الدِّين عُمَر النَّسَفِي، عن أبي اليسر البَزْدَوي، عن إسماعيل بن عبد الصادق، عن عبد الكريم البَزْدَوي، عن أبي منصور الماتريدي، عن أبي بكر الجُوْزَجاني، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني (٢)، عن محمَّد، عن أبي حنيفة ﵏، فأخذ العربية عنه عن الزَّمَخْشَري.
وله تصانيف، منها شرح "المفصَّل" للعلامة الزَّمَخْشَري في النحو، سمَّاه "التجمير" في ثلاث مجلدات، و"شرح سقط الزند"، و"التوضيح في شرح المقامات والزوايا والخبايا" في النحو، وله "بدائع الملح".
قتله التاتار سنة سبع عشرة وستمئة.
* * *
стр. 1283
[٤٧٢ - ابن السبَّاك علي بن سنجر (١)]
تاج الديِّن علي بن سنجر، المعروف بابن السبَّاك.
تفقَّه على القاضي الإمام ظهير الدِّين محمَّد بن عُمَر البُخاري، تلميذ الإمام ظهير الدِّين المَرْغِيْنَاني الحسن بن علي بن عبد العزيز.
وكان فقيهًا عالمًا فاضلًا كاملًا، له اليد الباسطة في النظم والنثر، وله مشاركة في العلوم.
شرح "الجامع الكبير" ولم يكمل، وله أرجوزة في الفقه.
وأخذ عنه مظفر الدِّين ابن الساعاتي أحمد بن علي بن ثعلب (٢) البغدادي، وكان يكتب خطًّا منسوبًا، وتعلم ابن الساعاتي الخط المنسوب عنه، وكتب المنسوبة، روى عنه أنّه قال: ولدت في شعبان سنة إحدى وستين وخمسمئة.
* * *
стр. 1284
[٤٧٣ - أبو الفضل أشرف بن نجيب الكاساني (١)]
الشَّيخ الإمام الأستاذ أشرف الدِّين أبو الفضل.
من تلامذة الدِّهْقان الإمام الكاساني محمَّد بن الحسن بن محمَّد المذكور في الكتيبة العاشرة، تلميذ أبي حفص نجم الدِّين عُمَر النَّسَفي، وأخذ عن عدنان بن علي بن عُمَر الكاساني والقاضي محمود بن الحسن البَلْخِي، وأخذ أيضًا عن شمس الأئمَّة الكَرْدَري محمَّد بن عبد الستار من رجال هذه الكتيبة.
مات بكاشغر، هي مدينة من بلاد المشرق.
* * *
المتفرقات من الكتيبة الثانية عشر
[٤٧٤ - حسام الدِّين محمَّد الأَخْسِيكَثِي (٢)]
الشَّيخ الإمام، حسام الدِّين، محمَّد بن محمَّد بن عُمَر الأَخْسِيكَثِي، أبو عبد الله.
بفتح الألف وسكون الخاء المعجمة وكسر السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الكاف وفي آخرها الثاء المثلثة، والياء: نسبة إلى أخسيكث، وهي من بلاد فَرْغانة، نسبة جماعة منهم حسام الدِّين محمَّد هذا، وجمال الدِّين أبو النصر أحمد بن محمَّد بن أبي بكر وغيرهما.
стр. 1285
وكان حسام الدِّين محمَّد شيخًا فاضلًا إمامًا في الخلاف والمذهب، جامعًا للفروع والأصول، وله اليد الطولى في المنقول والمعقول.
وله المختصر المعروف في أصول الفقه، تلقَّاه العلماء بالقَبول وشرحه الفضلاء.
مات يوم الإثنين والعشرين من ذي القعدة سنة أربع وأربعين وستمئة، ودفن بمقبرة القضاة السبعة بالقرب من قاضي خان.
تفقه عليه أبو المظفر ظهير الدِّين محمَّد بن عُمَر بن محمَّد النَّوْجَابَاذي، وقرأ عليه الأصول محمَّد بن محمَّد الفيدي (١) البُخاري.
وفي باب إضافة الإحرام إلى الإحرام من كتاب الحج من "كتاب الهداية": وإن طاف للعمرة أربعة أشواط ثم أحرم بالحج رفض الحج بلا خلاف؛ لأنَّ للأكثر حكم الكل فيتعذر رفضها كما إذا فرغ، ولا كذلك إذا طاف للعمرة أقل من ذلك عند أبي حنيفة ﵀.
قال الشَّيخ أكمل الدِّين قوله: (ولا كذلك إذا طاف للعمرة أقل من ذلك عندهما)، اختلف النسخ هاهنا، في بعضها: (عندهما)، وفي بعضها: (عند أبي حنيفة)، وفي بعضها: (وكذلك إذا طاف للعمرة أقل من ذلك عند أبي حنيفة)، بحذف كلمة: (لا)، من قوله: (ولا كذلك).
قال صاحب "النهاية": ذكر الإمام مولانا حسام الدِّين الأَخْسِيكَثِي ﵀: والصواب: (وكذلك) أي: النسخة الأخيرة، قال: وهكذا أيضًا وجدته بخط شيخي، ولكل واحدة من هذه النسخ وجه.
* * *
стр. 1286
[٤٧٥ - أبو حامد ركن الدِّين محمَّد العَمِيْدي (١)]
الشَّيخ الإمام الفقيه النَّبيه، (ركن الدين) (٢)، أبو حامد، محمَّد بن محمَّد بن محمَّد العَمِيْدي السَّمَرْقندي.
صاحب "كتاب الإرشاد"، إمام بارع في الخلاف والمذهب، وله طريقة حسنة اعتنى بشرح طريقته جماعة، وعنى بالخلاف حتى برع، وانتفع به جمع كثير، وصنف طريقة مشهورة بين الفقهاء.
وله "كتاب الطَّريقة العَمِيْدية".
انتفع به جماعة، من جملتهم نظام الدِّين أحمد بن الشَّيخ الإمام جمال الدِّين الحَصِيْري، وله "كتاب النفائس".
وكان كريم الأخلاق كثير التواضع طيب المعاشرة، كذا قال عبد القادر في "الجواهر المضية"، وابن قُطْلُوبُغا في "التراجم".
وزاد عبد القادر نقلًا عن ابن خَلِّكان: وهو أول من أفرد الخلاف في التصنيف ومن تقدمه كان يمزجه، وكان اشتغاله فيه على الشَّيخ رضي الدِّين النَّيْسَابُوري، وهو أحد الأركان الأربعة، فإنّه كان من جملة المشتغلين على الشَّيخ رضي الدِّين أربعة أشخاص تميَّزوا وتبحروا في هذا الفن، وكل واحد منهم ينعت بالركن، وهم: ركن الدِّين الطاوس وركن الدِّين العَمِيْدي
стр. 1287
وركن الدِّين إمام زاده، وقال ابن خَلِّكان: وشذ عني من هو الرابع.
قال: وصنف العَمِيْدي طريقة مشهورة بين الفقهاء، واشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به، ومن جملتهم نظام الدِّين أحمد بن الشَّيخ جمال الدِّين الحَصِيْري.
مات سنة خمس عشرة وستمئة، [وركن الدِّين أحمد بن الشَّيخ جمال الدِّين الحَصِيْري مات سنة خمس عشر وستمئة، وظني أنّ هذا من جملة ما أخطأ فيه، فإن ركن الدِّين العَمِيْدي على ما قالوا: مات سنة خمس عشرة وستمئة] (١)، وركن الدِّين إمام زاده تلميذ رضي الدِّين في الخلاف نشأ في أوائل المئة الخامسة، وأخذ عن شمس الأئمَّة أبي بكر محمَّد بن علي الزَّرَنْجري تلميذ شمس الأئمَّة الحَلْوَاني نصَّ عليه في موضعه، ونظام الدِّين أحمد (٢) بن جمال الدِّين الحَصِيْري مات سنة ثمان وتسعين وستمئة، تدبر كيف تجدك فيما (٣) بين هذه الكلمات.
ورأيت في ألقاب "الجواهر المضية": زكري هو محمَّد، وقيل: أحمد بن محمَّد بن محمَّد السَّمَرْقندي العَمِيْدي، الملقَّب زكريّ، ذكره السُّلطان عماد الدِّين في "تاريخه"، قال: وكان إمامًا في فن الخلاف خصوصًا في البحث، وله فيه طريقة مشهورة.
وصنف "الإرشاد"، واعتنى بشرح طريقته جماعة، منهم القاضي أحمد بن خليل بن سعادة الجويني (٤) قاضي دمشق، وبدر الدِّين المراغي المعروف بالطويل، واشتغل عليه الخلق وانتفعوا به، وبه تخرج الإمام نظام الدِّين أحمد بن محمود الحَصِيري.
стр. 1288
[٤٧٦ - محمَّد بن أحمد الكَعْبي الطَّبري (١)]
حجَّة الإسلام، رئيس الأصحاب، الإمام ابن الإمام، محمَّد بن أحمد بن أبي سعد أحمد أبي الخطاب محمَّد بن إبراهيم بن علي الكَعْبي الطَّبري القاضي البُخاري.
كان جده الأعلى أبو (٢) الخطاب محمَّد بن إبراهيم بن علي (٣) الكَعْبي الطَّبري، القاضي الإمام البُخاري، أستاذ المؤمل بن مسرور الشَّاشي الخُمْرَكي (٤) سكن بمرو بعد ما تفقَّه على أبي الخطاب، ومات بمرو سنة ست عشرة وخمسمئة.
وتفقَّه عليه أيضًا ابنه أبو سعد أحمد، وتخرج عليه وسمع منه الحديث، وكان أحمد هذا موجودًا بعد الخمسمئة، تفقَّه عليه ولده أحمد بن أحمد بن مجد بن إبراهيم الكَعْبي، وبرع في العلم، وكان له يد طُولى في علم الخلاف والجدل والنظر، وتفقَّه على الإمام البرهان، وفاق على أقرانه، ثم درس بنيسابور فقه الإمام أبي حنيفة نيفًا وستين سنة، وأفتى قريبًا من هذا، ومات في عشر الستين وخمسمئة.
وأحمد بن أبي سعد أحمد هذا والد هذا الإمام حجَّة الإسلام رئيس الأصحاب، كان إمامًا فاضلًا كاملًا، جامعًا للعلوم، فارسًا في البحث، إذا حضر في محل كان هو المشار إليه والمعوَّل في المشكلات عليه، وله "الملخص في الفتاوى"، مات ببخارى سنة أربع وستمئة، ذكره في "الجواهر المضية".
стр. 1289
وفي "الفتاوى الصوفية" في الباب السادس والخمسين في الفصل الثالث عازيًا إلى "الخلاصة" و"المنافع": اتفق أصحابنا أنّ الغسل إنّما يجب بخروج المني على وجه (١) الدَّفق والشَّهوة، ثم المعتبر عند أبي حنيفة ومحمَّد انفصاله من معدنه وهو الصلب على وجه الشهوة، وعند أبي يوسف الشهوة شرط عند خروجه من رأس العضو أيضًا، وتظهر فائدة الخلاف في ثلاث مسائل:
إحداها: احتلم فامسك ذكره حتى سكنت (٢) شهوته، ثم سال المني.
الثاني: إذا نظر إلى امرأته بشهوة فنزل المني عن مكانه بشهوة، فأمسك ذكره حتى انكسرت شهوته ثم سال بعد ذلك لا عن شهوة.
والثالث: المجامع إذا اغتسل قبل أن يبول، ثم سال بقية المني.
فعنده لا يجب (٣) الغسل، وعندهما يجب، وفي "المنافع" يعمل بقول أبي يوسف إذا كان في بيت إنسان يستحي من أهل البيت أو يخاف أن يقع في قلبهم ريبة بأن طاف حول أهل بيته، وفي "الملخص"، وهو المختصر من "الخاصِّي"، وقيل: يؤخذ بقول أبي يوسف في الصلاة الماضية حتى لا تعاد (٤)، وفي المستقبل بقولهما حتى يغتسل.
* * *
стр. 1290
[٤٧٧ - أبو بكر عبد الله بن علي المَرْغِيْنَاني (١)]
الشَّيخ الإمام عبد الله بن علي بن صاين بن عبد الجليل (بن الخليل) (٢) بن أبي بكر الفَرْغَاني، الفقيه الكبير، من أهل مَرْغينان أبو بكر بن أبي الحسن.
مَرْغينان من بلاد فَرْغانة، سكن بسمرقند، وكان تولى الخطابة بها.
وعن ابن النجار أنّه قال: قدم علينا بغداد حاجًّا في صفر، سنة ستمئة، وسمع الحديث من شيوخنا، وكان إمامًا كبيرًا في المذهب والخلاف، وله الباع الممتد في النظم والنثر.
ومن كلامه:
تحرَّ لنفسكَ صدقَ الحديث … ولا تحسبِ الكذب أمرًا يسيرا
فمنْ آثرَ الصِّدْقَ في قوله … سيلقَي سرُورًا ويَرْقى سريرا
وإنْ كانَ بالكذبِ مُستشهرًا … سيدعو ثُبورًا ويصلي سَعيرا
وما رأتْ عينايَ إنسانًا جمع حسن الصورة مع لطف الأخلاق، وكمال التواضع، وغزارة الفضل، وصيانة الدِّين، والورع والنَّزاهة، وحسن الخط، وسرعة القلم، والقدرة على الإنشاء نظمًا ونثرًا، وعذوبة الألفاظ، والصِّدق والنُّبل والثقة غيره.
ولقد كان من نوادر العصر، كامل الصفات، بعيد المثل، قلَّ أنْ تلدَ النِّساء مثله، ولقد تأدبنا بأخلاقه، واقتدينا بأفعاله، وتعلمنا من فوائده، واقتبسنا من علومه.
ولد سنة إحدى وخمسين وخمسمئة بمرغينان، وبلغنا أنّه مات شهيدًا ببخارى صابرًا محتسبًا على يد الترك الكفرة، حين استولوا على بخارى في ذي الحجة سنة عشرة وستمئة.
стр. 1291
[٤٧٨ - بديع الدِّين أحمد القزويني (١)]
الشَّيخ العلامة، بديع الدِّين، أحمد بن أبي بكر بن عبد الوهاب القزويني.
كان مقيمًا بسِيوَاس، وتوفي بها سنة عشرين وستمئة.
وله "كتاب الجامع الحريز لعلوم كتاب الله العزيز"، وقرأ عليه أبو الفتح موفق الدِّين العلامة نصر الله ابن عين الدولة الدمشقي.
وفي "الجواهر المضية" قال: رأيت سماع موفق الدِّين نصر الله الدمشقي لكتاب "الجامع الحريز" لأحمد بن بكر بن عبد الوهاب القزويني بديع الدِّين على مصنفه بمَاردِينْ سنة ست عشرة وستمئة، كان المصنف في سنة عشرين وستمئة بسِيْوَاس موجودًا.
* * *
[٤٧٩ - نجم الملَّة الحَفْصي (٢)]
أبو المعالي، نجم المِلَّة والدِّين، منشئ النَّظر، طاهر بن محمَّد بن عُمَر بن أبي العبَّاس الحَفْصي.
صاحب "الفصول في علم الأصول" أستاذ أبي المؤيد محمَّد بن محمود بن محمَّد بن حسن الإمام الخُوَارِزْمِي، الخطيب وأستاذ جماعة، منهم نجم المِلَّة والدِّين مختار بن محمود الزَّاهدي، أخذوا عنه العلوم، وتفقهوا عليه بخُوَارزم.
стр. 1292
[٤٨٠ - ركن الأئمَّة الصَّبَّاغي (١)]
شيخ الإسلام، الإمام الملهم، ركن الأئمَّة الصَّبَّاغي.
إمام كبير، له مشاركة تامة في العلوم.
أخذ عنه العلم جماعة منهم (٢) نجم المِلَّة والدِّين مختار بن محمود الزَّاهدي.
ذكر الزَّاهدي في "شرح القُدُوري": ولو نفخ في التراب فقال: أف، أو تف فسدت صلاته (٣) عندهما خلافًا لأبي يوسف، والصحيح أنّ الخلاف في المخفف، وفي المشدد يفسد عندهم، والتنحنح إن كان مدفوعًا إليه لا يقطع الصلاة بكل حال، وإن كان لتحسين الصوت؛ فإن لم تظهر حروف مهجاة لا يفسد في قولهم، وإن ظهر ففي الفساد عندهما اختلاف المشايخ، وفي شرح ركن الأئمَّة الصباغي لـ"مختصر القُدُوري" وهو الشرح الذي فاق شروح الجمهور، فيه شفاء لما في الأوهام من المشكلات، عن شرح خَواهَرْ زَادَه: التنحنح لتحسين الصوت لا يقطع الصلاة؛ لأنّه لتحسين القراءة، فكان من القراءة معنى حتى لو لم يكن لعذر قطعها، وفي "زلة القاري" لصدر القضاة: تنحنح الإمام عند القراءة لا بأس به ما لم يكثر، فإن كثر فغيره أفضل، إلا إذا كان متبركًا يتبرَّك به لصلاحه وورعه.
وفيه في فصل النفقات من كتاب التداين: إذا كانت استدانت بغير أمر القاضي كانت المطالبة عليها دون الزوج، وفي "أدب القاضي" للخصَّاف: تفسير الاستدانة على الزوج الشراء بالنسيئة ليقضى الثمن من مال الزوج.
стр. 1293
وفي شرح الإمام الملهم ركن الأئمَّة الصَّبَّاغي: الاستدانة الاستقراض، وإذا استدانت هل تصرح أني أستدين (١) على زوجي أو تنوي، أما إذا صرحت فظاهر، وأما إذا نوت، وإذا لم تصرح ولم تنوِ لا تكون الاستدانة عليه، ولو ادعت أنها نوت الاستدانة وأنكر الزوج فالقول قوله.
* * *
[٤٨١ - يوسف بن محمَّد الفَيدي القَنْدي (٢)]
الشَّيخ الإمام صدر القراء رشيد (٣) الأئمَّة يوسف بن محمَّد الفَيْدي القَنْدي الخُوَارِزْمِي.
قيل: بالفاء المفتوحة والياء آخر الحروف والدال؛ منزل بطريق حجَّاج العراق، وقيل: بالقاف المفتوحة والنون؛ نسبة إلى القَنْد أصل السكر.
كان عالمًا فاضلًا فقيهًا صالحًا مفسرًا أديبًا، قرأ التفسير على حسام الأئمَّة الزَّاهدي، وقرأ عليه سيف الدِّين البَاخَرْزِي شيخ الشيوخ ونجم الدِّين مختار بن محمود الزَّاهدي.
قال الإمام الزَّاهدي في "شرح القُدُوري" في باب صفة الصلاة قال: وإذا جلس في آخر الصلاة جلس كما يجلس في الأولى عندنا، وصلَّى على النبي ﷺ ، وقد روي فيها روايات أخر، لكن الذي نقل إلينا من ألسن الثقات وتقرر لدينا من الأحاديث
стр. 1294
والإثبات، وكان يعلمنا أستاذنا صدر القراء سيد الشُّهداء والسُّعداء، رشيد الأئمَّة القَنْدي ﵀: اللهم صلِّ على محمَّد وعلى آل محمَّد، وبارك على محمَّد وعلى آل محمَّد، وارحم محمدًا وآل محمَّد، كما صليت وباركت ورحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وفي "القنية" في كتاب الصلاة: أنَّ المعوَّذتين ليستا من القرآن عند ابن مسعود ﵁، وقال: إنهما مُنزلان من كلام الله تعالى، وكان يرقي بهما النبي ﷺ فاشتبه عليه أنهما من القرآن أم ليستا منه، فلم يكتبهما في المصحف (١).
وفي "الإيضاح" للأندراني: أنّ ابن مسعود ﵁ لم يكتب في مصحفه الفاتحة والمعوذتين فقيل له: لِمَ لَمْ تكتبها؟ فقال: لو كتبتها لكتبتها قبل كل سورة، وإنما ترك لأنّه أمن (٢) النسيان، لأنّ الصلاة لا تتم إلا بها، ولأنّه تثنى في كل صلاة.
وروي أنّه رجع عن ذلك بعد ما قرأ على علي بن أبي طالب ﵁ وقال: حسبتهما (٣) عوذتين.
وروي أنّ أبي بن كعب ﵁ كتب في مصحفه مئة وست عشرة سورة زاد سورتين، دعاء الوتر: "اللهم إنا نستعينك. . . اللهم إياك نعبد. . . إلى قوله: مُلحق؛
стр. 1295
لأنّه سمع النبي ﷺ ، يقرأهما في دُعاء الوتر، ولم يسأل النبي ﷺ عنه، (ثم رجع إلى الإمام المجمع عليه؛ لعلمه بأن ذلك كان وهمًا منه) (١)(٢).
والقرآن ما تضمنه "الإمام" مصحف عُثمان بن عفان ﵁ بإجماع الصحابة ﵃ على ذلك، وما عداه فإنّه لا يعدُّ قرآنًا.
قال أستاذي صدر القراء سيد الشهداء رشيد الأئمة القَنْدي: ذكر في "الشافي في علل القرآن": ثم الذي يزيل هذه الشبهة فيما لزمونا من قصة (٣) عبد الله وأبي ﵄ أنّ الأئمَّة قد اتفقت على القراءات التي اختارها الأئمَّة القراء، واجتمعت الأئمة على أنها صحيحة، ووجدنا أسانيد أكثرها راجعة إلى هذين الصحابيين، فإن قراءة ابن كثير وأبي عَمْرو ونافع مسندة إلى أبي بن كعب ﵁، وقراءة عاصم وحمزة والكسائي مسندة إلى ابن مسعود ﵁، وفي كلها إثبات المعوذتين وليس فيهما سورتا القنوت، فدل ذلك على بطلان المخالف.
وفي "المحيط": واختلف في كفر من زعم أنّ المعوذتين ليستا من القرآن، فأولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، والآن الأمة اجتمعت بعد الصَّدر الأول أنهما من القرآن، والإجماع المتأخر يرفع الخلاف المتقدم، إلى هنا من "القنية".
стр. 1296
[٤٨٢ - صدر جهان ابن مازه (١)]
الصدر الإمام محمَّد بن عبد العزيز بن محمَّد بن عُمَر بن عبد العزيز بن عُمَر بن مازه، المعروف بصدر جهان البُخاري.
تقدم أبو جده الصَّدر الشَّهيد حسام الدِّين عُمَر بن عبد العزيز في الكتيبة العاشرة، وأخو جده الصَّدر الكبير برهان الدِّين صاحب "المحيط" محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عُمَر مازه في الكتيبة الحادية عشر، وأبو صاحب "المحيط" الصَّدر السَّعيد أحمد بن عبد العزيز أيضًا في الكتيبة العاشرة، وتقدم أبو الصدر ابن الصَّدر الماضي برهان الدِّين الكبير عبد العزيز بن عُمَر بن مازه في الكتيبة التاسعة.
فأما جد جهان محمَّد بن عبد العزيز فهو الشَّيخ الإمام شمس الدِّين بن الصَّدر الشَّهيد كان من أكابر فقهاء بخارى وأعيانها، وفحول فقهائها المشهورين بالتقديم والفضل، وله القبول التام عند الملوك والسلاطين.
قدم بغداد حاجًّا في شوال سنة اثنتين وخمسين وخمسمئة، وحدَّث بها والده الصَّدر الشَّهيد، ثم مات سنة ست وستين وخمسمئة.
وكان شيخًا كبيرًا ثقة حافظًا مشتهرًا بالرواية والذكاء، وكان ذا شأن وحظ عند الخاص والعام، وكان يعظ النّاس ويتكلم مقبلًا على الطاعة والعبادة (٢).
стр. 1297
وعن أبي يوسف بن جبريل قال: أنشد أبو جعفر محمَّد بن مازه:
ألم تستحي مِنْ وَجهِ المشيب … وقدْ ناجاكَ بالوَعظ الطَّبيبُ
أراكَ تعدُّ للآمالِ ذُخرًا … فما أعددْتَ للأجلِ (١) القريبُ
فأما أبو صدر جهان عبد العزيز بن محمَّد بن عُمَر بن عبد العزيز فهو أيضًا كان مرجع العلماء ومقبول الفضلاء، كانوا يكرمونه غاية الإكرام.
(وكان صدر جهان محمَّد بن عبد العزيز أعزَّ أولاد بني مازه) (٢)، وكان إمامًا فارسًا في البحث عديم النظير، مفرط الذكاء، له مقالات سنية في الجدل والخلاف، وله مشاركه تامة في العلوم، وله تعليق في الخلاف.
ورأيت في ديوان الشَّيخ الإمام الأستاذ العلامة شمس المِلَّة والدِّين المعزي قصيدة كان يمدح بها صدر جهان بخاري حين دخل المعزي إلى بخارى سنة ست (٣) وخمسين وستمئة:
أجنَّةَ خُلدٍ ما أشاهدُ أم إرم … أم البلد المعمور بالفضل والكرم
بُخارى لِمَن يبغي الفضائل كعبةٌ … وللملتجي من جَوْرِ أَيَّامه حَرَم
أرى نِعمًا الله فيها عظيمةً … وحضرة مولانا بها أعظم النِّعَم
ومنْ يعتقدْ وقفَ السَّعادة كلَّها … على آلِ بُرهان فقد صحَّ ما زعم
إذا نالَ بعضُ النَّاسِ عزًّا فربَّما … وأما بنو عبد العزيزِ فلا جَرم
إلى آخرها.
стр. 1298
ورأيت في ديوان رضي الدِّين محمَّد بن إبراهيم البرهاني قصيدة كان يقول في صدر الصَّدر: قدوة الجمهور، برهان الدِّين البُخاري، المعروف بصدر جهان، حين قدم خُوَارِزْم مؤممًا لحضرة التركخانيَّة، منها هذه الأبيات:
صدرُ الصُّدور ملاذُ الخلق سيِّدُنا … برهانُ دينِ الهدى ذي المَجدِ والشَّرف
أضحَتْ خُوَارِزْمُ مَثواهُ ولا عجبٌ … فالدرُّ في صَدفٍ والرَّاح في خذف
لله دركُ يا أعلى الذرى سَلفا … لقدْ حويْتَ العُلا بالنَّفْسِ لا السَّلف
نهضْتَ عنْ بقعةٍ غراء فاخرة … أعني بخارى معاني اللطف واللطف
مؤممًا حضرةً يلقى الأمانُ بها … كلُّ امرئ مرتَدٍ بالرَّوع ملتحف
سيسفر السفرُ الميمونُ طالعه … عن سؤدد أبدًا لأيام مؤتنف
وله فيه حين قفل عن الحضرة ودخل خُوَارزم:
قدومُكَ للإقبال والعزِّ مقدَم … ومجدُك أعلى كل مجدٍ وأقدم
أماني الصُّدور الأقدمين وتاجهم … إلى نيل غايات العُلى المتقدم
متى كنْتَ في صدر الرئاسةِ جالسًا … فإنَّك شمسٌ والأفاضل أنجمُ
إلى آخر القصيدة.
حكي أنَّه قدم بغداد حاجًّا في سنة ثلاث وخمسين وستمئة، وكان معه جماعة من فقهاء بلده، فتلقاه موكب عظيم من الديوان والحجَّاب والوزراء والأمراء والأعيان، وأنزلوه في دار على نهر عيسى، وحُملت إليه الضيافات، وحجَّ وعاد، وخلع عليه وعلى ولده، وتوجه إلى بلده في سنة أربع وخمسين (١) وستمئة.
стр. 1299
وعندما خرج من بغداد خرج النّاس خلفه يسبُّونه، فإن غلمانه كانوا يستسقون المناهل ويمنعون الحجَّاج من الماء، فحصل لهم العطش العظيم، وعن سبط ابن الجوزي: حججت في هذه السنة فرأيت من الموتى ما يزيد على خمسة آلاف نفر ومشينا ثلاثة أيام في الأموات.
وعن جلال الدِّين الرومي: مولانا خداوندكارانه، كان قصده الشَّيخ قطب الدِّين الشِّيْرَازِي شارح "المفتاح"، فلما دخل عليه وجلس عنده سكت زمانًا والشَّيخ لا يكلمه، ثم بعد ذلك ذكر له حكاية، قال مولانا جلال الدين: كان الصَّدر عالمًا ببخارى يخرج من مدرسته ويتوجه إلى بستان له، فيمر بفقير على الطريق في مسجد، فسأله فلم يتفق له أن يعطيه شيئًا، وأقام على ذلك مدة سنين كثيرة، فقال الفقير لأصحابه: ألقوا عليَّ ثوبًا وأظهروا أني ميت، فإذا مر الصَّدر جهان فاسألوه شيئًا، فلما مر الصَّدر جهان قالوا: يا سيدي هذا ميت، فدفع له شيئًا من الدراهم، ثم نهض الفقير، وألقى الثوب عنه، فقال الصَّدر جهان: لو لم تمت ما أعطيتك شيئًا.
* * *
[٤٨٣ - شمس الدِّين عبد الله الأذرعي (١)]
قاضي القضاة، شمس الدِّين عبد الله بن محمَّد بن عطاء الأذرعي.
كان إمامًا فاضلًا عالمًا بارعًا كاملًا، غزير العلم، كبير المحل، قد بلغ رتبة الكمال في العلم والعمل، وله مشاركة تامة في أكثر الفنون.
стр. 1300
تولي بدمشق، وحدث ودرس وأفتى.
وأخذ العلم عنه ولده يوسف بن عبد الله، الملقَّب بدر الدِّين، وابن الشَّمَّاع محمَّد بن عبد الكريم، وقاضي القضاة (شمس الدين) (١) محمَّد بن عُثمان الحريري.
ولد سنة خمس وستين (٢) وخمسمئة، ومات سنة ثلاث وسبعين وستمئة.
وكان في مدة عمره مشتغلًا بالدرس والإفتاء، ثم إنّه اشتغل بالقضاء للطائفة الحنفيَّة في سادس جمادى الأولى سنة أربع وستين وستمئة، إذ جاء من مصر ثلاث مراسيم (٣) من السُّلطان الملك الظاهر بَيْبَرْس (هو الذي جعل لكل مذهب قاضيًا مستقلًا) (٤) بثلاثة من الفقهاء شمس الدِّين بن عطاء الحنفي هذا، وشمس الدِّين بن عبد الرَّحمن الحنبلي، وشمس الدِّين عبد السَّلام المالكي، وكان قاضي القضاة شمس الدِّين بن خَلّكان قاضي الشَّافعية يومئذ، وكان السُّلطان الملك الظاهر بيبرس هو الذي جعل لكل مذهب قاضيًا مستقلًا، فلم يقبل المالكي ولا الحنبلي، فقبل الحنفي، فورد المرسوم بإلزامهما بذلك، وأخذ ما بأيديهما من الأوقاف إن لم يفعلا فأجابا.
قال بعض الظرفاء من أهل دمشق لما رأى اجتماع بيت قضاة كل واحد منهم شمس الدِّين:
كلما ولي شمس … قاضيًا زادت ظلامًا