وجَوْدة الاستماع والإصغاء، غوَّاص في بحار العلوم، سبَّاح في المعقول والمفهوم، نشأ في عبادة الله مرضي السيرة والطريقة، واشتغل (بالعلوم، فجمع) (١) بين علمي الشَّريعة والحقيقة، انتشر اسمه في الأرض، ذات الطول والعرض، وكانت ترد الفتاوى من أقطار الأرض عليه، وترحل الطلبة من المشرق والمغرب إليه، والمشكلات تحمل من البر والبحر إلى بين يديه، وكان أستاذ العلماء المحققين، وإسناد الفقهاء المدققين.
أخذ العلوم عنه جماعة من الفضلاء الفحول، وقرؤوا عليه الفروع والأصول، منهم الإمام العلامة حسام الدِّين حسين السِّغْنَاقِي، وبرهان الحق والدِّين أحمد بن أسعد الخريفعني، وعلاء الدِّين عبد العزيز بن أحمد البُخاري صاحب "كشف البَزْدَوي"، (وأبو المحامد محمود بن محمَّد البُخاري الأَفْشَنْجي) (٢)، وأبو العلاء شمس الدِّين محمود الكُلَابَاذِي البُخاري.
وفي "الجواهر المضية": تفقه على شمس الأئمَّة محمَّد بن عبد السَّتار الكَرْدَري، وقرأ عليه الآدب وسائر العلوم، وسمع منه ومن أبي الفضل عبيد الله بن إبراهيم المحبوبي، سمع منه أبو العلاء البُخاري، وذكره في "معجم شيوخه"، وقال: توفي ببخارى في النصف الثاني من شعبان، سنة ثلاث وتسعين وستمئة، ودفن بكلاباذ عند والده، جوار المرحوم الإمام أبي بكر بن طرخان.
وكان إمامًا عالمًا ربانيًا صمدانيًّا زاهدًا عابدًا مفتيًا مدرِّسًا نِحريرًا قاضيًا محققًا مدققًا محدِّثًا جامعًا لأنواع العلوم ﵀ ونفعنا به إلى هنا من "الجواهر المضية".
стр. 1367
قلت: وله سند عالٍ، حيث سمع من الشَّيخ الإمام العلامة جمال الدِّين المحبوبي، مات هو سنة ثلاثين وستمئة، وكان حافظ الدِّين الكبير يوم مات جمال الدِّين ابن خمس عشرة سنة، وكان قد حصَّل عنه مباني العلوم، وقرأ عليه "الجامع الصغير".
وسمع منه وأخذ عنه عن عماد الدِّين عُمَر بن بكر بن محمَّد الزَّرَنْجري، عن أبيه شمس الأئمة بكر بن محمَّد الزَّرَنْجري، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن أبي علي النَّسَفِي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن عبد الله السُّبَذْمُونِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
وقرأ ﵀ "كتاب الهداية" على شمس الأئمَّة محمَّد بن عبد الستار الكَرْدَري تلميذ صاحب "الهداية".
قال الشَّيخ أكمل الدِّين في أول "عناية الهداية": إني أروي "كتاب الهداية" عن شيخي العلامة إمام الهدى معدن التقى قوام الحق والدِّين السَّكَّاكي قدس الله روحه، وهو يرويه عن شيخيه العلَّامتين الإمامين الهمامين المجتهدين، مولانا علاء الدِّين عبد العزيز صاحب "الكشف"، ومولانا حسين السِّغْنَاقِي صاحب "النهاية"، برّد الله مضجعهما، ونوّر بفضله وكرمه مهجعهما، وهما يرويانه عن (١) الشَّيخ الكبير السالك الناسك الورع النقي التقي أستاذ العلماء حافظ الدِّين الكبير، وعن قطب المحققين وأسوة المدققين مولانا فخر الدِّين المَايْمَرْغي، وهما يرويانه عن أستاذ أئمة الدنيا مظهر كلمة الله العليا شمس الأئمة محمَّد بن عبد الستار الكَرْدَري وهو يرويه عن شيخه شيخ شيوخ الإسلام صاحب "الهداية".
стр. 1368
وذكر الأَتْقاني في أول "غاية البيان": أنّ شيخه برهان الحق والديِّن أحمد الخريفعني كان يروي "الهداية" عن حافظ الدِّين الكبير وحميد الدِّين الضَّرير، وقد مر ذكر حميد الدِّين قبيل هذا.
وذكر أبو المحامد محمود الأَفْشَنْجي في آخر "حقائق المنظومة" جماعة من شيوخه (١)، حيث قال: تلقفته من أفواه المشايخ الأثبات وهم كثير وبالتبرك هم جدير، منهم أستاذي الشَّيخ سراج الدِّين القُزَيْنِي، والشَّيخ الإمام بدر الدِّين الكَرْدَري، والشَّيخ الإمام حميد الدِّين الضَّرير تغمدهم الله بالرحمة والرضوان، ومنهم الإمام الرَّبَّاني بقية السلف أستاذ الخلف ناصر الإسلام محيي الشَّريعة حافظ الدِّين عمَّر الله رباع الإسلام بدوام أيامه، وأضحك رياض الشرع ببكاء أقلامه.
وفي "خلاصة الفتاوى" في الفصل الثالث من كتاب الطهارات: رجل توضأ وغسل وجهه وأمرَّ الماء على لحيته ثم حلق لحيته لم يجب عليه غسل موضعها.
ورأيت في طرة نسختي من هذا الموضع: قال الشَّيخ الإمام حافظ الدِّين البُخاري ﵀: ذكر في التَّأويلات: لو مسح على شعر رأسه ثم حلق الشعر لا يلزمه إعادة المسح على الرأس؛ [لأن الله تعالى سمَّى الشعر رأسًا، قال الله تعالى: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠]، ولو أمرَّ الماء على لحيته ثم حلقها يلزمه غسل الذقن]؛ لأنّ الله تعالى ما أطلق الذقن على اللِّحية في موضع ما.
* * *
стр. 1369
[٤٩٧ - فخر الدِّين المَايْمَرْغي (١)]
الشَّيخ الإمام العلامة فخر الدِّين محمَّد بن محمَّد بن إلياس المَايْمَرْغي.
بالميم والألف وسكون الياء آخر الحروف وفتح الميم وسكون الراء وكسر الغين المعجمة: نسبة إلى مَا يْمَرْغ، هي قرية كبيرة على طريق بخارى من طريق نخشب (٢)، منها الإمام العلامة محمَّد بن إلياس هذا، وكان شيخًا إمامًا عالمًا فاضلًا كاملًا.
تفقَّه على شمس الأئمَّة محمَّد بن عبد الستار الكَرْدَري، وأخذ العلوم عنه عن الإمام فخر الدِّين قاضي خان، عن الشَّيخ الإمام ظهير الدِّين الحسن بن علي المَرْغِيْنَاني، عن برهان الدِّين الكبير عبد العزيز بن عُمَر بن مازه، عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن القاضي أبي علي النَّسَفِي، عن الشَّيخ الإمام (٣) أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن الأستاذ (٤) عبد الله السُّبَذْمُونِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن الإمام محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
وهذا أحد الطرق وغيرها مذكور في محالّها.
وروى "الهداية" عن محمَّد بن عبد الستار، عن مصنفها صاحب "الهداية"، وتفقَّه عليه، وروى عنه "كتاب الهداية" ابن أخيه الإمام العلامة عبد العزيز بن
стр. 1370
أحمد بن محمَّد البُخاري والشَّيخ الإمام العلامة حسام الدِّين السِّغْنَاقِي.
ومن قرية مَايْمَرْغ الإمام محمَّد بن أحمد بن محمود المَايُمَرْغي النَّسَفِي ابن أبي المؤيد أحمد (١)، وكان عالمًا محدِّثًا فاضلًا إمامًا، سمع بالحجاز وغيره، وروى عنه نجم الدِّين عُمَر بن محمَّد بن أحمد النَّسفي، ذكر أنه مات بمَايْمَرْغ سنة اثنتين وأربعين وأربعمئة، وأما محمَّد بن محمَّد المَايْمَرْغي فلم نهتدِ إلى طريق أنه متى مات.
قال قوام الدِّين الكاكي (٢) في "معراج الدراية شرح الهداية" في قوله: (ويقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا وذلك أدناه)، أي أدنى كمال الجمع، قوله: (وذلك أدناه) في رواية ابن مسعود (٣)، وروى عقبة: أنه ﷺ كان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثا، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا (٤). وقوله: (ذلك أدناه) ليس بمثبت في روايته.
وإنما قال: (أدناه)؛ لأنّ الزيادة مستحبة، وفي بعض النسخ: (أدنى كمال السنة)، قال العلامة مولانا فخر الدِّين المَايْمَرْغي: إنما نحمله على أدنى كمال الجمع المسنون لا لبيان الجمع الحقيقي، فإنّه ﵇ بعث لبيان الشرائع لا الحقائق، والضمير في (أدناه) راجع إلى المصدر الذي في (يقول) أي: أدنى القول المسنون، كذا سمعت عن شيخي العلامة، انتهى كلام قوام الدين.
стр. 1371
أراد بالعلامة: عبد العزيز بن أحمد البُخاري، فإنّه تلميذه، وهو تلميذ المَايْمَرْغي كما سبق.
* * *
[٤٩٨ - بدر الدِّين خَواهَرْ زَادَه (١)]
الشَّيخ الإمام العلامة محمَّد بن محمود بن عبد الكريم الكَرْدَري المعروف بدر الدِّين خَواهَرْ زَادَه.
وهو ابن أخت الشَّيخ (٢) الإمام شمس الأئمَّة محمَّد بن عبد الستار الكَرْدَري.
وكان خاله شمس الأئمة الكَرْدَري هذا ربّاه أحسن تربية، ونشأ عنده وبلغ رتبة الكمال.
وتوفي في سلخ ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وستمئة ودفن عند خاله.
وهذه اللفظة - أعني: خَواهَرْ زَادَه - تقال في طبقات الحنفيَّة لجماعة من العلماء، وأشهرهم شيخ الإسلام المعروف ببكر خَواهَرْ زَادَه صاحب "المبسوط"، محمَّد بن الحسن بن محمَّد البُخاري ابن أخت القاضي أبي ثابت محمَّد بن أحمد البُخاري، ثم هذا الإمام محمَّد بن محمود بن أخت شمس الأئمَّة الكَرْدَري، ثم الإمام عبد الحميد بن عبد الرَّحمن بن أحمد العيداني أبو القاسم المعروف بخَواهَرْ زَادَه ابن أخت القاضي أبي الحسن علي بن الحسن الدِّهْقاني.
стр. 1372
وهو تفقَّه على خاله المذكور وعلى أبي الحسن عبد الوهاب بن محمَّد بن الكستاني. قدم بغداد حاجًّا في سنة إحدى وثمانين وأربعمئة، ومات سنة أربع وتسعين وأربعمئة.
والإمام بدر الدِّين الكَرْدَري هذا أخذ العلوم عن شمس الأئمَّة الكَرْدَري.
وتفقَّه عليه أبو البركات حافظ الدِّين النَّسَفِي وأبو المحامد محمود بن محمَّد الأَفْشَنْجي البُخاري.
ذكر الأَتْقاني في شرح "الهداية" "غاية البيان" نقلًا عن حافظ الدِّين في "مستصفاه"، عن الشَّيخ الإمام بدر الدِّين الكَرْدَري أنه قال: الرأس من الحلقوم إلى فوق، إلا أنّ الله تعالى بعَّض الرأس في حق الأحكام؛ فجعل وظيفة الوجه الغسل، ووظيفة الرأس بعد الوجه المسح، فاشتبه أنّ الأذنين وظيفتهما المسح أو الغسل، فبين ﷺ وقال: "الأذنان من الرأس" (١)؛ تنبيهًا على أنّ وظيفتهما المسح لا الغسل، ثم قال: وهذا وجه حسن واستدلال لطيف لم أسمعه من أحد.
قال حافظ الدِّين النَّسَفِي في "المصفى شرح المنظومة" في باب أبي حنيفة في كتاب البيوع:
أعلام رأس المال فيما يسلم … في الكيلي والوزني شرط يلزم
قال الشَّيخ الإمام بدر الدِّين الكَرْدَري: الهمزة فيه للسلب، كأنه أزال سلامة الدراهم بالتسليم إلى مفلس في مؤجل، أو هو من التسليم لأنّ تسليم رأس المال قبل الافتراق لازم فيه، والسلم أخذ عاجل بأجل لغة، واختص به لأنّ فيه تعجيل أحد البدلين.
стр. 1373
وفي "المصفى" أيضًا في باب الشَّافعي في باب الجنائز: ذكر الشَّيخ الإمام بدر الدِّين الكَرْدَري ﵀، ناقلًا عن شيخه العلامة شمس الأئمَّة الكَرْدَري ﵁: الصلاة في الأصل حق الأولياء؛ لأنهم أقرب النّاس إلى الميت، غير أنّ الإمام والسُّلطان يقدمان لعارض الإمامة والسلطنة؛ لأنّ في التقدم عليهما ازدراء بهما وفيه فساد المسلمين فيصان الدهماء.
قال أبو المحامد محمود الأَفْشَنْجي في "الحقائق شرح المنظومة" في أول المنظومة:
ثم الذي يختص كل واحد … فيه بقول بعد جهد جاهد
الجَهد بالفتح: المشقة، ورجل مجهود؛ أي: ذو مشقة من "المُغْرب"، وجاهد خرج للمبالغة، يقال: شعر شاعر وموت مائت، كالذات إذا كثر فيه وصف يوصف به، فيقال: هو كرم وجود، سمعته من الإمام المحقِّق بدر الدِّين الكَرْدَري، وقال في آخر "الحقائق": تلقفته من أفواه المشايخ وهم كثير وبالتبرك بهم جدير، منهم الشَّيخ الإمام النحرير المبرز على أقرانه بالتقرير بدر الدِّين الكَرْدَري.
* * *
[٤٩٩ - سراج الدِّين القُزَيْنِي (١)]
الشَّيخ الإمام سراج الدِّين محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن عبد المجيد القُزَيْنِي.
كان إمامًا كبيرًا تخرج به علماء كثيرون، وكان واعظًا مفسرًا مدققًا، انتهت إليه رئاسة الحنفيَّة في زمانه، وكان مفتيًا.
стр. 1374
تفقَّه ببخارى على العلامة أبي المجد شمس الأئمَّة محمَّد بن عبد الستار الكَرْدَري، ودرَّس وأفتى.
وتوفي ببخارى، في رمضان، سنة ست وخمسين وستمئة، ودفن بمقبرة ظاهر باب كلاباذ.
وتفقَّه عليه جماعة من العلماء، منهم الشَّيخ الإمام مختار بن محمَّد الزَّاهدي، وأبو المحامد محمود بن محمَّد الأَفْشَنْجي صاحب "الحقائق".
في "شرح المنظومة النَّسفية" قال في آخر "الحقائق": طالعت لأجله كتبًا جمَّة سوى ما التقطته من التعليقات والأجزاء المتفرقات، وتلقفته من أفواه المشايخ الأثبات، وهم كثير وبالتبرك بهم جدير، منهم أستاذي وملاذي الشَّيخ الإمام مفتي الأنام سراج الدِّين القُزَيْنِي (١)، وقد كان ربانيًّا كالأب الشفيق، ومن ذاك ذكره بالتقديم حقيق، ومنهم الشَّيخ الإمام النحرير المبرَّز على أقرانه بالتقرير بدر الدِّين الكَرْدَري، ومنهم الشَّيخ الإمام العلامة حميد الدِّين الضَّرير تغمَّدهم الله بالرحمة والرضوان، وأسكنهم أعلى درجات الجنان.
ومنهم الإمام الرباني بقية السلف أستاذ الخلف ناصر الإسلام محيي الشَّريعة حافظ الدِّين عمر الله رباع الإسلام بدوام أيامه، وأضحك رياض الشرع ببكاء أقلامه، فشرعت مستعينًا بالله الكريم.
ورأيت في "قنية الفتاوى" في باب ما يسمع من الدعوى من كتاب الدعوى: قال الشَّيخ الإمام مختار بن محمود الزَّاهدي، عزوًا إلى نجم الأئمَّة الحكيمي: ادَّعى على آخر أنك وكيل في تسليم المتاع الذي اشتريته من فلان بتوكيله إيَّاك لا يُسمع؛ لأنَّه
стр. 1375
وإن ثبت وكالته لا يلزمه التسليم، وبه أفتى (أستاذاي فخرا الأئمَّة وسراجا الأمة) (١) القُزَيْنِيان جزاهما الله أحسن الجزاء، وكذا قال الزَّاهدي في "حاوي منية الفتاوى": هذه المسألة بعينها.
ورأيت في "الحاوي" في فصل حكم الإقرار من كتاب الإقرار، قال الزَّاهدي: أفتى سراج الدِّين القُزَيْنِي (٢) والصدر برهان الدِّين محمد بن محمود المكي رحمهما الله في المديون إذا ادعى إيصال الدِّين إلى الدائن، فأنكر ولا بيِّنة له، فحلف الدَّائن وأخذ المال، ثم قال: سوكندرا بنا حق هوردم: بأن هذا إقرار بإيصال الدَّين إليه قبل الحلف، قال فخر الأئمَّة البديع: وهذا أحسن، وكذا رأيتها في "القنية".
* * *
[٥٠٠ - حسام الدِّين العليابادي (٣)]
الشَّيخ الإمام حسام الدِّين العليابادي، صاحب "كامل الفتاوى"، و "كتاب مطلع المعاني".
قال حافظ الدِّين النَّسَفِي في "المصفى شرح المنظومة النَّسفية" في باب أبي حنيفة في نظم:
ومبدأ التكبير فجر عرفة … إلى ثمانٍ لدليل عرفة
والختم عصر آخر التَّشريق … عندهما بالجهر والتَّحقيق
стр. 1376
أي ختم التكبير والألف واللام بدله الإضافة، والتقدير: ختم التكبير عقب عصر آخر أيام التشريق، وهي ثلاث وعشرون صلاة، والعمل اليوم بقولهما، كذا في "الكامل لصاحب مطلع المعاني"، وهو للإمام حسام الدِّين العليابادي، وهو من الفتاوى، انتهى.
وهو إمام فاضل كامل فقيه أصولي محدث مفسر كلامي جدلي، له مشاركة تامة في العلوم.
تفقَّه على الشَّيخ الإمام مجد الدِّين المفتي محمَّد بن محمود الأُسْتُرُوْشَني، وأخذ العلم عنه عن القاضي الإمام ظهير الدِّين محمَّد بن أحمد البُخاري، عن الشَّيخ الإمام ظهير الدِّين الحسن بن علي المَرْغِيْنَاني، عن برهان الدِّين الكبير عبد العزيز بن عُمَر بن مازه، عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن أبي علي النَّسَفِي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن الأستاذ السُّبَذْمُونِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى، وهذا أحد طرقه.
وتفقَّه عليه صاحب "الفصول العمادية" زين الدِّين عبد الرحيم بن عماد الدِّين أبي بكر بن برهان الدِّين علي بن أبي بكر صاحب "الهداية".
رأيت في "الفصول العمادية" في الفصل السابع والعشرين نقلًا عن فتاوى ظهير الدِّين إسحاق: القيم إذا أقرض مال المسجد ليأخذ عند الحاجة، وذلك أحرز للغلة من الإمساك لا يكون به بأس، وذكر (١) في (٢) وصايا "النوازل": رجوت أن يكون ذلك واسعًا للمتولي إذا كان أحرز للغلَّة، قلت: وسمعت مولانا حسام الدِّين العليابادي
стр. 1377
يحكي عن الأستاذ الإمام الأجَل مجد الدِّين الأُسْتُرُوْشَني، وكان كبيرًا في الفقه والنظر من تلامذة السيِّد الأجل ناصر الدِّين الشهيد السَّمَرْقندي: أنه كان احتاج إلى شراء جارية زمان تعلمه، عن السيِّد الإمام، ولم يكن في يده مال، فاستقرض من متولي مسجده من فاضل غلَّاته، والمسألة مذكورة بتمامها في ذكر مجد الدِّين في الكتيبة الثانية عشر.
وفي "العمادية" أيضًا في الفصل العشرين كثيرًا ما رأيت جواب أستاذي مولانا حسام الدِّين العليابادي تغمَّده الله بغفرانه، وأكرمنا وإيَّاه برضوانه في الفتاوى المقطعة، وقد سُئل في كلِّ منها بدل إجارة معهودة حلال هست ياني، فكتب: هست، والله أعلم.
وهكذا سمعته منه غير مرَّة في خلال الوظائف والمباحثات، وسمعته يقول: كنت يومًا عند عمك مولانا جلال الدِّين أبي الفتح محمَّد بن علي، فورد عليه الاستفتاء: ما قولكم رضي الله عنكم: بدل إجارة معهودة حلال هست ياني، فكتب: هست، والله أعلم، وفيه ما قولكم: حلال طيب هست ياني، فكتب: هست، والله أعلم.
* * *
[٥٠١ - ظهير الدِّين النَّوْجَابَاذي (١)]
الشَّيخ الإمام الفاضل، أبو المظفر، ظهير الدِّين محمَّد بن عُمَر بن محمَّد النَّوْجَابَاذي البُخاري.
стр. 1378
تفقَّه على شمس الأئمَّة محمَّد بن عبد السَّتار الكَرْدَري ببخارى، وعلى الشَّيخ الإمام حسام الدِّين محمَّد بن محمَّد الأَخْسِيكَثِي.
نَوْجَابَاذي بفتح النون وسكون الواو وفتح الجيم وسكون الألف بينهما باء موحدة وفي آخرها ذال معجمة: نسبة إلى نَوْجَابَاذ قرية من قرى بخارى، منها محمَّد بن علي النَّوْجَابَاذي أحد رواة الإملاء من أقران البرهان وظهير الدِّين محمَّد بن عُمَر هذا.
كان شيخًا عالمًا فقيهًا عارفًا بالمذهب علامة في فنِّ الفروع وأصوله.
وله تصانيف في الفقه والأصول (وغيرها من العلوم) (١)، منها "كتاب كشف الإبهام لرفع (٢) الأوهام"، و "كتاب كشف الأسرار في مختصر أصول الفقه"، و "الملخص في مختصر القُدُوري".
سافر البلاد، وكان حسن الهيئة، تام الشكل، يتجمل عند الناس.
قدم دمشق وسكن فيها، ودرس بالمستنصرية ببغداد.
وكان مولده في الثاني والعشرين من شوال سنة ست عشرة وستمئة في محلة نوجاباذ، وذكره ابن رافع ولم يذكر وفاته.
وفي "الجواهر المضية": تفقة على الكَرْدَري شمس الأئمَّة ببخارى، وعلى محمَّد بن محمَّد الأَخْسِيكَثِي، واشتغل عليه أبو العبَّاس أحمد الساعاتي وأبو العلاء محمود الفرضي، وشيخنا قطب الدِّين، وأجاز للقاسم البرزاني من بغداد سنة اثنتين وثلاثين.
ومن تصانيفه "مختصر".
стр. 1379
[٥٠٢ - الملك عيسى بن سيف الدِّين (١)]
و [٥٠٣ - الملك داود بن عيسى (٢)]
الملك المعظَّم عيسى بن الملك العادل سيف الدِّين أبي بكر بن أيوب.
ولد بالقاهرة سنة ست وسبعين وخمسمئة، وملك دمشق ثماني سنين وأشهرًا، ومات في ذي الحجة سنة أربع وعشرين وستمئة.
وكان بارعًا في الفقه والأدب.
تفقَّه على الحَصِيري، وشرح "الجامع الكبير"، وصنف في العروض.
ولم يكن في بني أيوب حنفي سواه، وتبعه ولده الملك العادل داود بن عيسى بن أبي بكر بن أيوب، وهو فقيه أديب فاضل، أخذ كأبيه الملك المعظم عيسى عن الحصيري جمال الدِّين محمود تلميذ القاضي الإمام فخر الدِّين قاضي خان، وصنف الإمام الحَصِيري "كتاب خير مطلوب" في الفتاوى.
وكان مولده سنة ثلاث وستمئة، ومات ليلة السبت الثاني والعشرين من جمادى الأولى سنة ست وخمسين وستمئة.
روي أنّ الملك المعظم عيسى (٣) شرط لكل من يحفظ للزمخشري مئة دينار
стр. 1380
وخلعة، فحفظه لهذا السبب جماعة، وكان له رغبة في الأدب، صنف في العروض وسمع من حنبل الرَّصافي وابن طبرزد.
واعتنى وصنَّف "السهم المصيب في الرد على الخطيب".
وحج وتوفي في سلخ ذي القعدة في الساعة الثالثة من يوم الجمعة سنة أربع وعشرين وستمئة بدمشق، ودفن بالقلعة وبعد ذلك نقل إلى جبل قاسيون، ودفن في مدرسته.
* * *
[٥٠٤ - صدر الدِّين الخلاطي (١)]
الشَّيخ الإمام العلامة، أبو عبد الله، صدر الدِّين، محمَّد بن عباد بن مالك داد بن حسن داد الخلاطي.
في "الجواهر المضية": مالك داد اسم مركَّب من كلمة عربية وكلمة فارسية وهي داد، ومعناها أيام العدل.
كان إمامًا فاضلًا كاملًا، أخذ العلم عن الإمام جمال الدِّين الحَصِيْري، عن القاضي (٢) الإمام فخر الدِّين قاضي خان، عن الإمام الزاهد الفقيه أبي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الصفَّار، عن أبيه إسماعيل بن أحمد الصفَّار، عن أبي يعقوب السَّيَّاري، عن أبي إسحاق النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِنْدُوَاني، عن أبي بكر الإِسْكاف، عن محمَّد بن سلمة، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
стр. 1381
صنَّف تلخيص "الجامع الكبير" كتابًا سمَّاه "مقصد المسند اختصار مسند أبي حنيفة"، وله كتاب على "صحيح مسلم (١) ".
ودرَّس بالمدرسة (٢) السيوفية.
مات في رجب سنة اثنتين وخمسين وستمئة.
وأخذ عنه وقرأ عليه تصنيفه "التلخيص" قاضي القضاة أبو العبَّاس أحمد السَّرُوجي.
قال العلامة الأمير الفقيه علي بن بلبان الفارسي في أول شرح "تلخيص الجامع الكبير" للإمام الخلاطي: وهو شرح مطوَّل سمَّاه "تحفة الحريص" (٣): أخذت "مختصر الجامع الكبير" رواية ودراية عن شيخنا قاضي القضاة حاكم الحكَّام، مفتي الأنام، شمس الدِّين، أبي العبَّاس، أحمد بن الشَّيخ برهان الدِّين إبراهيم السَّرُوجي بحق قراءته وسماعه لجميع "المختصر" المذكور من مصنفه.
قال الشَّيخ الإمام فخر الدِّين الزَّيْلَعِي في "تبيين الحقائق في شرح كنز الدقائق" في فصل الاستحاضة: قال المؤلف ﵀: وهذا إذا لم يمضِ عليها وقت فرض إلا وذلك الحدث يوجد فيه، وهذا حد الاستحاضة (٤)، ومن في معناها أي (٥) وحكم المستحاضة يثبت إذا لم يمضِ عليها وقت صلاة إلا والحدث الذي ابتليت به يوجد فيه، ولكن هذا شرط بقاء الاستحاضة بعد
стр. 1382
ما ثبت حكم الاستحاضة، وأما شرط ثبوته ابتداء بأن يستوعب استمرار العذر وقت الصلاة كاملًا كالانقطاع لا يثبت ما لم يستوعب الوقت كله، وفي "الكافي" لحافظ الدِّين: إنما يصير صاحب عذر إذا لم يكن في وقت الصلاة زمانًا يتوضأ فيه ويصلي خاليًا عن الحدث.
والأول ذكره في "الغاية" وعزاه إلى "الذخيرة" و "الفتاوى المَرْغِيْنَاني" و "الواقعات" و "الحاوي" و "جامع الخلاطي" و "خير مطلوب" و "النافع"، فهذه عامة كتب الحنفيَّة تراه فكان هو أظهر.
[حتى لو سال دمها في بعض وقت صلاة فتوضأت وصلت ثم خرج الوقت ودخل وقت صلاة أخرى وانقطع دمها فيه أعادت تلك الصلاة لعدم الاستيعاب، وإن لم ينقطع في وقت الصلاة الثانية حتى خرج لا تعيده لوجود استيعاب الوقت، وهذا كما قالوا في جانب الانقطاع أنّ الوضوء لو كان على السيلان والصلاة على الانقطاع في أثناء صلاتها إن عاد في الوقت الثاني فلا إعادة عليها لعدم الانقطاع التام، وإن لم يعد فعليها الإعادة لوجود الانقطاع التام، فتبين أنها صلت صلاة المعذورين ولا عذر.
ثم إنما تنتقض طهارتها بخروج الوقت إذا توضأت والدم سائل أو سال بعد الوضوء في الوقت، وأما إذا لم يكن سائلًا عند الوضوء ولم يسل بعده فلا، والبحث طويل في "التبيين" فليراجع ثمَّة] (١).
* * *
стр. 1383
[٥٠٥ - صدر الدِّين بن أبي العز (١)]
الشَّيخ الإمام العلامة قاضي القضاة صدر الدِّين أبو الربيع سليمان بن وهب بن أبي العز.
والد قاضي القضاة شمس الدِّين محمد.
تفقَّه على الإمام جمال الدِّين الحصيري، تلميذ الإمام فخر الدِّين قاضي خان.
وله "كتاب منتخب شرح الزيادات" الذي ألَّفه الإمام قاضي خان.
قال أبو المفاخر محمَّد بن محمود الزوزني في أول كتابه المسمى "ملاك الإفادات في شرح الزيادات": إنّ سبب تأليفي أن وقفت على نسخة مجموع منتخب يضرب في حسن الإيجاز بالسامع من قداح الإعجاز، قد اصطفاه (٢) من شرح "الزيادات" الذي صاغه خاتم المجتهدين فخر الدِّين، المعروف بقاضي خان الإمام الكبير العالم التحرير صدر الدِّين سليمان، أحد المقتبسين من علوم النُّعمان الثاني العالم الرباني محمود الحَصِيري، وأوفر المستضيئين بفائض أنواره وأبهر المغترفين (٣) من تيار بحاره، فسألوني إلحاحًا أن أكتب ما يقوم بشرح "المنتخب السليماني" الفقيد النظير في المذهب النعماني، وسميته "ملاك الإفادات في شرح الزيادات".
تفقَّه عليه قاضي القضاة شمس الدِّين أحمد بن إبراهيم السَّرُوجي وشمس الدِّين محمود بن أحمد (بن ظهير اللارندي وولداه شمس الدِّين محمد) (٤)
стр. 1384
ابن سليمان قاضي القضاة وتقي الدِّين أحمد بن صدر الدِّين سليمان.
تولى القضاء بمصر والشام، وعاش ثلاثًا وثمانين سنة، ومات سنة سبع وسبعين وستمئة.
* * *
[٥٠٦ - تاج الدِّين محمود التميمي (١)]
الإمام الفقيه الفاضل العلامة تاج الدِّين محمود بن عابدين بن حسين التَّميمي الصَّرخدي الأصل، الدِّمشقي الدَّار.
أحد الفضلاء من أصحاب الحنفيَّة، وأحد الشعراء المحدثين، مع عفة ونزاهة نفس.
ولد بصرخد سنة اثنتين وثمانين وخمسمئة، والصرخد مدينة بالشام، قال في "القاموس": الصرخد اسم للخمر، وبلا لام مدينة بالشام ينسب إليه الخمر.
تفقه على الحَصِيري.
* * *
[٥٠٧ - شهاب الدِّين محمود الرَّازِي (٢)]
شهاب الدِّين محمود بن أبي بكر عبد القاهر بن أبي بكر الرَّازِي، والد سراج الدِّين عمر.
стр. 1385
كان فقيها عالمًا فاضلًا محدثًا مفسرًا.
تفقَّه بدمشق على الإمام الحَصِيري، وبمصر على عمِّه زين الدِّين محمَّد بن أبي بكر من تلامذة صاحب "الهداية"، وحفظ "كتاب الهداية"، ودرس بمدرسة السيوفية بعد الخلاطي مدة.
تفقَّه عليه ابنه سراج الدِّين عُمَر محمود بن أبي بكر.
مات في سنة ثمانين وستمئة.
* * *
[٥٠٨ - همام الدِّين أحمد الحَصِيري (١)]
القاضي الإمام الفقيه ابن الإمام العلامة همام الدِّين أحمد بن جمال الدِّين محمود بن أحمد بن عبد السيِّد الحَصِيري.
كان إمامًا فاضلًا فقيهًا أصوليًّا.
تفقَّه على أبيه جمال الدِّين الحَصِيْري، ودرس بالنُّورية، وأفتى إلى حين وفاته في ثامن المحرم، سنة ثمان وتسعين وستمئة، ودفن عند والده بمقابر الصوفيَّة.
قال ابن خَلِّكان: قتله التاتار، ناب في الحكم عن قاضي القضاة حسام الدِّين الحسن بن أحمد بن الحسن أنوشروان الرَّازِي، وحسام الدِّين عدم في وقعة التاتار بمصر سنة تسع وتسعين وستمئة.
стр. 1386
[٥٠٩ - أبو المظفر يوسف بن قِزْ أُغْلِي (١)]
الشَّيخ الإمام العلامة أبو المظَّفر يوسف بن قِزْ أُغْلِي بن عبد الله البغدادي، سبط الحافظ أبي الفرج بن الجوزي الحنبلي صاحب "مرآة الزمان في التاريخ".
ذكره الحافظ شرف الدِّين الدِّمياطي في "معجم شيوخه"، كان والده من موالي الوزير عرف الدِّين بن شعيرة، ويقال في والده: زغلي بحذف القاف، وبالقاف أصح.
ولد في سنة إحدى وثمانين وخمسمئة ببغداد، ونشأ ببغداد، وتفقَّه وبرع وسمع من جده لأمه، وكان حنبليًا فتحنبل في صغره لتربية جده، ثم رحل إلى الموصل وسمع بالموصل، ثم رحل إلى دمشق وهو ابن نيف وعشرين سنة وسمع بها، وتفقَّه على جمال الدِّين الحَصِيْري، وتحول حنفيًّا، لما أنّ أباه قزغلي بن عبد الله كان على مذهب الحنفيَّة.
وكان إمامًا عالمًا فقيهًا واعظًا جيدًا نبيهًا تلتقط الدر من كلمه، وتتناثر الجواهر من حكمه، يصلح المذهب العاصي عند ما يعظ، ويتوب الفاسق العاصي حينما يلفظ (٢)، يصدع القلب القاسي خطابه، ويجمع العظام النخرة جنابه، لو استمع له الصخر لَانْفلق، والكافر الجحود لآمن وصدق، وكان طلق الوجه، دائم البشر، حسن المجالسة، مليح المحاورة، يحكي الحكايات الحسنة، وينشد الأشعار المليحة.
стр. 1387
وكان فارسًا في البحث عديم النظير، مفرط الذكاء، إذا سلك طريقًا ينقل فيها أقوالًا ويخرج أوجهًا، وكان من وحداء الدهر بوفور فضله، وجودة قريحته، وغزارة علمه (١)، وحدة ذكائه وفطنته، وله مشاركة تامة في العلوم، ومعرفة بالتواريخ، وكان من محاسن الزمان وتواريخ الأيام، وله القبول التام عند العلماء والأمراء والخاص والعام.
وله تصانيف معتبرة مشهورة، منها "شرح الجامع الكبير"، و "كتاب إيثار الإنصاف"، و "تفسير القرآن العظيم"، و "منتهى السول في سيرة الرسول"، و "اللوامع في أحاديث المختصر والجامع"، وله كتاب التواريخ المسمى بـ "مرآة الزمان".
مات ليلة الثلاثاء الحادي والعشرين من ذي الحجة، سنة أربع وخمسين وستمئة بجبل قاسيون، وصلي عليه بباب جامع جبل قاسيون الشمالي، وصلى عليه السُّلطان الملك الفاخر صلاح الدِّين يوسف بن محمَّد بن الملك الظاهر غازي بن يوسف بن أيوب.
تفقَّه عليه وأخذ عنه العلوم ابنه عبد العزيز بن يوسف بن قزغلي، فدرَّس بعده مكانه بالمدرسة المغرية (٢) التي تعرف بالميدان الكبير، ومات في سلخ شوال سنة ست وستين وستمئة، ودفن عند أبيه بجبل قاسيون.
قال الشَّيخ صلاح الدِّين الصَّفدي بعد أن أثنى على أبي المظفر يوسف بن قزغلي: وهو صاحب "مرآة الزمان"، وأنا ممن حسده على هذه التسمية، فإنها لائقة بالتاريخ، كان الناظر في التاريخ يعاين من ذكر فيه في مرآة، إلا أنّ المرآة فيها صدأ المجازفة منه رحمه الله تعالى في أماكن معروفة، انتهى.
стр. 1388
وقال الذَّهبي في كتابه المسمى بـ "الميزان": إنّ يوسف بن قزغلي ألَّف "مرآة الزمان"، فتراه يأتي بمناكير الحكايات، وما أظنه بثقة بل يخسف ويجازف، ثم إنه يترفض، وقال في موضع آخر: كان حنبليًّا وتحول حنفيًّا للدنيا، انتهى.
واعلم أن صاحب "مرآة الزمان" قد كان ناقلًا عن من تقدمه في التاريخ ووظيفة الرواية والعهدة على الراوي، ونسبته إلى المجازفة جور عليه، فإنَّ غالب التاريخ لا يشترط فيه الأسانيد الذي لا غبار عليها، على أنّ صلاح الدِّين الصفدي الشَّيخ والحافظ شمس الدِّين الذهبي ومن بعدهما تطفلوا على تاريخه ونقلوا من "مرآة الزمان" شيئًا كثيرًا، فإن لم يكن ثقة فهم ليسوا بثقات. والله أعلم.
* * *
[٥١٠ - إسماعيل ابن المعلم (١)]
الشَّيخ الإمام العلامة إسماعيل بن عُثمان بن عبد الكريم بن تمام بن محمَّد القرشي، رشيد الدِّين، المعروف بابن المعلم.
كان شيخ الحنفيَّة في عصره، انتهت إليه رئاسة المذهب، وهو آخر من تفقَّه على الشَّيخ الإمام جمال الدِّين الحَصِيْري، تفقَّه عليه في أوان صباه، وأخذ عنه مباني العلوم، وقرأ عليه "مختصر الجامع الكبير"، وسمع منه "التحرير"، وهو ابن ثلاث عشرة سنة.
ولد سنة ثلاث وعشرين وستمئة، ومات الحَصِيري سنة ست وثلاثين
стр. 1389
وستمئة، ثم اشتغل في العلوم كلها حتى بلغ (١) رتبة الفضل والكمال.
وكان إمامًا فاضلًا أصوليًّا فروعيًّا مفسرًا محدِّثًا أديبًا حكيمًا لغويًّا نحويًّا متكلِّمًا منطقيًا جدليًّا خلافيًّا نظارًا، فارسًا في البحث، مصيب الفكر، مفرط الذكاء، إذا حضر في محل كان هو المشار إليه والمعوَّل في المشكلات عليه، تفقَّه عليه جماعة.
ذكر الذَّهبي في "طبقات القراء": العلامة المفتي رشيد الدِّين إسماعيل بن عُثمان بن المعلم الحنفي كان من كبار أئمة العصر، قرأ بالروايات على السَّخاوي، ولو أراد لما عجز عن إقرائها، كان إمامًا في العربية، لكن كان ضيق الخلق، فلم يقدر أحد على الأخذ واعتل بأنه تارك، سمع عن ابن الزبيدي بـ "الثلاثيات".
تحول إلى القاهرة سنة سبعمئة (٢) منجفلًا (٣) من التاتار، فبقي بها إلى أن مات في رجب سنة أربع وسبعمئة، وهو آخر من قرأ القراءات على السخاوي، عاش إحدى وتسعين سنة، وتغيَّر عقله وذهل قبل موته بنحو سنتين، ﵀، انتهى.
[قال عبد القادر صاحب الجواهر المضية [تفقه عليه جماعة منهم] (٤) منهم شيخنا ولده العلامة تقي الدِّين يوسف بن إسماعيل، وشيخنا قاضي القضاة شمس الدِّين بن الحريري، والأمير علاء الدِّين الفارسي.
وسمعت عليه "ثلاثيات البُخاري" بسماعه من ابن الزبيدي، سنة ثلاثة عشر وسبعمئة بسطح الجامع الأزهر عند الباب، على باب داره الملاصق لباب السطح، وسمعته غير مرة يقول: سمعت "البُخاري" جميعه على ابن الزبيدي.
стр. 1390
مولده سنة ثلاث وعشرين وستمئة بدمشق في رجب أخبرني به، ومات بعد والده الإمام يوسف تقي الدِّين في الخامس من رجب سنة أربعة عشر وسبعمئة، ودفن بالقَرَافة عند والده الإمام يوسف، وبين موتهما شهر واحد.
وكان الشَّيخ تقي الدِّين بن دقيق العيد يعظمه ويثني على علمه وفضله وديانته، وكان لديه علوم شتى من الفقه والنحو وتفسير القرآن، وعنده زهد وانقطاع عن النّاس، ودرس بدمشق بمدرسة السلخية، ثم تركها لولده، ثم توجها إلى القاهرة سنة تسع وسبعمئة، واستوطنا بها إلى أن ماتا.
عرض عليه قضاء دمشق فامتنع، أنشد في غير مرة لنفسه شعرًا:
كبرٌ وأمراضٌ ووحشةٌ غربةٍ … مع سوءِ حالٍ قد جمعْنَ لعاجز
بئسَ الصِّفات لِمَنْ غَدَتْ أوصافُه … هذه الصِّفات وما الممات بناجز
لولا رجاءُ تفضُّلٍ من راحمٍ … حتمًا لخابَ ولم يكن بالفائز
يا ربِّ أنجزْ رحمةً تنجي بها … الفضلُ فضلُك ماله من حاجز
إلى هنا من كلام عبد القادر في "الجواهر المضية".
قلت: قاضي القضاة شمس الدِّين بن الحريري، هو محمَّد بن عُثمان بن أبي الحسن بن عبد الوهاب الأنصاري عرف بابن الحريري، والأمير علاء الدِّين الفارسي الإمام العلامة الأمير الفقيه علاء الدِّين علي بن بلبان بن عبد الله الفارسي شارح "جامع الخلاطي"] (١).
* * *
стр. 1391
[٥١١ - ركن الدِّين الوالجاني (١)]
الشَّيخ الإمام العلامة، خاتمة المجتهدين، ركن الدِّين (٢) الوالجاني الخُوَارِزْمِي.
كان إمامًا جليلًا، وشيخًا كبيرًا، كثير العلم، عظيم القدر، وكان أوحد عصره في العلوم الدِّينية أصولًا وفروعًا، ومجتهد زمانه في المذهب والخلاف، وكان يجمع (٣) الفنون جموعًا، علامة زمانه، والفارس الجواد في ميدانه.
تفقَّه على الشَّيخ الإمام نجم الأئمَّة الحكيمي، وأخذ عنه عن القاضي الإمام فخر الدِّين قاضي خان، عن الشَّيخ الإمام ظهير الدِّين الحسن بن علي المَرْغِيْنَاني، عن برهان الدِّين الكبير، عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن شمس الأئمة الحَلْوَاني، عن القاضي الإمام أبي علي النَّسَفِي، عن الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن الأستاذ عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
وتفقَّه عليه نجم المِلَّة والدِّين مختار بن محمود الزَّاهدي.
قال الإمام الزَّاهدي في "شرح القُدُوري" في كتاب الزكاة: وأما دين المهر فالمذكور في الكتب أنه يمنع، قال سلمه الله: وكان في قلبي - في زماننا هذا في ديارنا هذه - منه شيء؛ لإطباق الأزواج الصلحاء وغيرهم على منع المهور إلى الفرقة والموت، وصار تأجيل المهور بخُوَارزم إلى الفرقة والموت عادة مألوفة وشريعة معروفة عندهم، حتى إن أعم النسوان لا يطالبن به قبل الفرقة والموت، ولا يتعرضن
стр. 1392
(مع مغالاتهم) (١) في الصدقات، فلو جعل مثل هذا المهر مانعًا لانسدَّ أبواب الزكاة والأضاحي والصدقات، وفيه من الفساد ما لا يخفى.
وكنت أعرض على أستاذنا خصوصًا على علامة الدنيا أستاذ الدرس ركن المِلَّة والدِّين الوالجاني تغمده الله برحمته وغفرانه ورضوانه بأن المسطور في الكتب أنّ المرأة لا تصير موسرة بالمؤجل الذي يسمَّى كابين بالإجماع؛ لأنّ ذلك مؤجل عرفًا، والمهر في عرفنا مؤجل.
فينبغي أن تصير موسرة بالمؤجل بالإجماع، فيلزم أن لا تجب الوظائف المالية عليها ولا على الزوج أيضًا لو كان مانعًا، فتضيع حقوق المساكين والفقراء بأسرها، فأجبت السؤال بأنه إذا كان من نية الزوج الإجابة متى طالبته به يمنع وإلا فلا يمنع، فكانوا يستحسنون جوابًا من غير أن يقفوا عليه، حتى ظفرت بالرواية بفضل الله وعونه الفصل العاشر من زكاة "المحيط".
وهذه ألفاظه: (وقيل في دين المهر: إنه يمنع وجوب الزكاة كسائر الديون) (٢)، وقيل: إن كان من نية الزوج أنها متى طالبته تلقاها بلطف، ويعدها أنه متى وجد مالًا لا يمهلها بحقها؛ يمنع الزكاة، وإن كان من نيته أنها متى طالبته يضربها ويلقاها بالإنكار؛ لا يمنع وجوب الزكاة، فاغتنمتها وحمدت الله، واستقر رأيي بها.
[وفي "شرح القُدُوري" أيضًا في كتاب الصوم قال: وفي كتاب الصوم للحسن بن زياد ﵀: رأى هلال شوال ثم دخل مصرًا أهله صيام فعليه أن يصوم معهم، فإن أفطر أساء ولا شيء عليه.
стр. 1393
قال ﵀: وقد وقعت بخوارزم واقعة سنة سبع وثلاثين وستمئة أنّ التجار رأوا هلال رمضان بخراسان ليلة الإثنين، وبخوارزم ليلة الثلاثاء، وحضروا خوارزم، ولم ير أهل خُوَارِزْم الهلال ليلة الثلاثين، فسأل التجار: هل يلزمهم صوم ذلك اليوم؟
(فسألت مولانا ركن الدِّين الوالجاني ﵀ بعدما أجبتهم أنه ينبغي أن يلزمهم صوم ذلك اليوم) (١)، فأجاب بأنه يلزمهم حكم كل بلد يدخلون فيه، ثم ظفرت بالرواية بحمد الله أنه يلزمهم الصوم] (٢).
ورأيت في "الفتاوى البَزَّازية" في الفصل الأول من كتاب الحدود والتعزير بأخذ المال إن رأى المصلحة جائز، قال مولانا خاتمة المجتهدين مولانا ركن الدِّين الوالجاني الخُوَارِزْمِي: معناه أنه يأخذ ماله ويودعه، فإذا تاب يرده عليه كما عرف في خيول البغاة وسلاحهم، ورأيت في "شرح المنظومة الوهبانية" لابن الشحنة: والتعزير بأخذ المال إن رأى المصلحة جائز، وعزاه المصنف إلى أبي يوسف ﵀، قال: ولا ينبغي أن يردها (٣) في زماننا؛ لأنهم قد يستدلون به على أخذ أموال النّاس بالباطل.
وفي "البَزَّازية" نقل عن خاتم المجتهدين مولانا ركن الدِّين الخُوَارِزْمِي: أن معناه أن يؤخذ ماله ويودع، فإذا تاب (٤) يرد عليه كما عرف في خيول البغاة وسلاحهم، قال وصوَّبه الإمام ظهير الدِّين التُّمُرْتاشي، قال: ومن جملته من لا يحضر الجماعة يجوز تعزيره بأخذ المال، إلى هنا من ابن الشحنة.
стр. 1394
[٥١٢ - تاج الشَّريعة محمود (١)]
الشَّيخ الإمام العلَّامة، تاج الشَّريعة محمود بن صدر الشَّريعة أحمد بن عبيد الله جمال الدِّين المحبوبي.
أخذ العلم عن أبيه شمس الدِّين صدر الشَّريعة أحمد بن عبيد الله المحبوبي، عن أبيه جمال الدِّين عبيد الله المحبوبي، عن الشَّيخ الإمام المفتي إمام زاده، عن عماد الدِّينِ الزَّرَنْجري، عن شمس الأئمَّة الزَّرَنْجري، عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن أبي علي النَّسَفِي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي (٢) حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
عالم فاضل، وتحرير كامل، بحر زاخر، وحبر فاخر، بارع ورع متورع، محقق مدقق، صاحب التصانيف الجليلة، منها "كتاب الوقاية" التي انتخبها من "الهداية" (٣)، و "الفتاوى الواقعات"، وصنفها لأجل حفظ ابن ابنه صدر الشَّريعة عبيد الله بن مسعود بن محمود.
حيث أشار إليه في أول شرح "الوقاية" بقوله: يقول العبد المتوسل إلى الله تعالى بأقوى الذريعة عبيد الله بن مسعود بن تاج الشَّريعة، هذا جل المواضع المغلقة من وقاية الرواية من مسائل "الهداية"، التي ألفها جدي وأستاذي مولانا الأعظم أستاذ علماء العالم برهان الشَّريعة والحق والدين محمود بن
стр. 1395
صدر الشَّريعة، جزاه الله عني وعن جميع المسلمين خير المسلمين خير الجزاء؛ لأجل حفظي، والمولى الأجل المؤلف لما ألفها سبقًا سبقًا، وكنت أجري في ميدان حفظه طلقًا طلقًا، حتى اتفق إتمام تأليفه مع إتمام حفظي.
وله "شرح الهداية"، وهو شرح مقبول بين الفقهاء (١) والفضلاء تداولته أيدي العلماء.
وفي "درر الحكام وغرر الأحكام" الشيخ الإسلام ومفتي الأنام، الشهير بالمولى خُسْرَو قال: سجود السهو يجب بعد تسليمتين، اختاره صاحب "الهداية" وشمس الأئمَّة والإمام أبو اليسر والإمام ظهير الدِّين المَرْغِيْنَاني، أو تسليمة اختاره صاحب "الكافي" وفخر الإسلام وشيخ الإسلام خواهَرْ زَادَه صاحب "الإيضاح"، قال تاج الشَّريعة في "شرح الهداية": ذكر شمس الأئمَّة أنه يسلم تسليمتين وهو الأصح؛ لأنّه قول كبار الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود وجمهور العلماء، والأخذ برواية صحابة كانوا قريبًا من رسول الله ﷺ أولى، والرواية الأخرى عن عائشة ﵂ وسهل بن معاذ ﵁، وعائشة كانت في صف النساء، وسعد كان من الصبيان، فيحتمل أنهما لم يسمعا التسليمة الثانية؛ لأنّه ﷺ كان يسلم الثانية أخفض من الأولى، هذا هو المسطور في الكتب المشهورة.
وسوق كلام الفريقين يدل على أنّ القولين للإمام الأعظم، وفي "المجمع" نسب الثاني إلى محمَّد، والأول إليهما، وما وجدته في كتاب الإمام نقله صاحب "معراج الدراية" بـ "قيل"، وعلى كونهما قوله يناسب ما قيل: المختار للمنفرد تسليمتان وللإمام تسليمة؛ لأنّه إذا سلم ثنتين ربما يشتغل بعض الجماعة بما ينافي الصلاة.
стр. 1396
[٥١٣ - مجد الدِّين عبد الله المَوْصلي (١)]
الإمام الفاضل، والعالم الكامل، القاضي مجد الدِّين، عبد الله بن محمود بن مودود بن محمود، أبو الفضل المَوْصلي.
كان شيخا فقيهًا، عارفًا بالمذهب، عالمًا فاضلًا مدرسًا.
ولد بالموصل، يوم الجمعة، غرَّة شوال، سنة تسع وتسعين وخمسمئة، وحصل عند أبيه أبي الثناء محمود بن مودود المَوْصلي بمباني العلوم مع إخوته، وهو يدرس ويحدِّث بالموصل.
ولأبي الثناء محمود أبناء أربعة: عبد الله هذا وعبد الدائم وعبد الكريم وعبد العزيز، أسمعهم أبوهم، فاشتغلوا في العلوم، وبلغوا رتبة الفضل، أما عبد الدائم (٢) سمع وحدَّث بالموصل، وتفقَّه بدمشق على الحَصِيري.
ولد سنة أربع وستمئة، ومات بالموصل سنة ثمانين وستمئة، ودفن بمقبرة قضيب البان ظاهر الموصل، وأبوه محمود مات بالموصل سنة ثلاث وثلاثين وستمئة، وعبد العزيز وعبد الكريم كانا عالمين فقيهين، يحدثان ويدرسان بالموصل، وبالمشهد بعد أبيهما.
ورحل عبد الله بن محمود صاحب "المختار" بعد ما حدَّث وسمع بالموصل من أبيه وغيره إلى دمشق، فأخذ عن جمال الدِّين الحَصِيْري، ثم رجع إلى بلاده وتولى
стр. 1397
القضاء بالكوفة، ثم عزل ورجع إلى بغداد، ورتب الدرس بمشهد الإمام أبي حنيفة.
ولم يزل يفتي ويدرس إلى أن مات ﵀ يوم السبت، التاسع عشر من المحرم، سنة ثلاث وثمانين وستمئة، وكان من أفراد الدهر في الفروع والأصول، ووحداء (١) العصر في المعقول والمنقول، وكانت مسائل مشاهير الفتاوى على حفظه بأصولها ونكتها.
ومن تصانيفه "كتاب المختار للفتوى"، ألفه في عنوان شبابه لبعض المبتدئين من أصحابه، ثم بعد زمان تداولته أيدي الطلبة واشتغلوا به، فطلبوا منه شرحًا يشير إلى علل المسائل ومعانيها، ويبين صورها، وينبه على مبانيها، فصنف شرحًا وسمَّاه "كتاب الاختيار لتعليل المختار، وزاد فيه من المسائل ما يعم به البلوى، ومن الروايات ما يحتاج إليه في الفتوى، له "كتاب المشتمل على مسائل المختصر".
وفي فصل السنة من كتاب الكراهية من "الاختيار" قال: قال الطَّحَاوِي في "شرح الآثار": قص الشارب حسن، وهو أن يأخذه حتى ينقص عن الأطارف، وهو الطرف الأعلى من الشفة العليا، قال: والحلق سنة، وهو أحسن من القص، وهو قول أصحابنا، قال ﷺ : "أحفوا الشارب وأعفوا اللحى" (٢).
والإحفاء: الاستيصال، وإعفاء اللحى؛ قال محمَّد: تركها حتى تكث وتكثر، والتقصير فيها سنة، وهو أن يقبض الرجل لحيته فما زاد قطعه؛ لأنّ اللحية زينة، وكثرتها من كمال الزينة، وطولها الفاحش خلاف الزينة.
* * *
стр. 1398
[٥١٤ - محمَّد بن الحسين البارعي (١)]
شيخ الإسلام، مفتي الأنام، نظام المِلَّة والدِّين، محمَّد بن الحسين بن محمَّد البارعي.
كان علامة زمانه، والفارس الجواد في ميدانه، وكان من كبار الأئمَّة، وأعيان فقهاء الأمة، نشأ في حجر الفضل والعلاء، وفاق أهل زمانه في الفضل والذكاء، كفل به أبوه ورباه، وعلمه الأدب في صباه، حتى برع في العلوم كلها أصولها وفروعها، فأقر له أهل زمانه بأهلية الفتوى، وارتضاه الأئمَّة وأحلوه بالمحل الأعلى، وقد جمع بين رئاستي الدِّين والدنيا.
ومن تلامذته أبو المظفر رضي الدِّين محمَّد بن إبراهيم البرهاني، وصدر للتدريس والإفتاء في عنوان شبابه في حياة والده، وهما يفتيان ويكتبان اسمهما على الفتوى.
ورأيت في "جامع رضي الدِّين البرهاني" منشور إجازة الفتوى، وهذه صورة منشور الإجازة في الإفتاء، لمولانا بقية السلف، أستاذ الخلف، شيخ الإسلام، خاتمة المفتين (٢)، علاء المِلَّة والدِّين، نجم الإسلام والمسلمين، محمَّد بن الحسين البارعي تغمده الله برحمته:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي نصب لواء الحق ورفع مناره، وكسر شوكة الباطل وأخمد
стр. 1399
ناره، وجعل الحنيفية الغراء واضحة الحجول والغرر، متسعة العقد بدلائل البهاء (١) من الدرر.
والصلاة على من انبعث إلى الطريقة المثلى هاديًا، وعلى المتمسك بالعروة الوثقى حاديًا، محمَّد أفضل من ألقى جرانه بإشراء الحرم، وأشرف من لاوذ بأكناف المروة وإذر الكرم، وعلى آله وصحبه، وبعد:
فإنّ الله - عزَّ اسمه وعظم شأنه وجل إنعامه وعم إحسانه - لمَّا أعلى درجة العلم، ورفع قدره، وأطلع من مشرق فلك السعادة بدره، وخص من تنسَّم به بمزية الشرف، ومزيد الكرامة (٢)، (والتأهيل لتقلد) (٣) مناصب الشرع، وتحمل أعباء الإمامة، لم يخل عن اسمه مِصْر من الأمصار - في عصر من الأعصار، من عالم متقن محقق، أو فاضل حدق (٤) مدقق، راسخ في أنواع العلوم الدينية، ملجج في بحار المعارف اليقينية، ديدنه التوغل في نصرة أعلام الإسلام، وهجيراه (٥) المثابرة على إحكام الأحكام، يسوِّد وجه الباطل ويبيِّض محيا الحق، إذا جرى سواد الحبر في بياض الورق (٦).
همَّته مصروفة إلى تجديد مراسم الشرع ونهمته موقوفة على تمهيد قواعد الأصل والفرع، لا يفتر عن الإفادة والتدريس لمحة ناظر، ولا يريح خاطره المكدود بالفكر حشوة طائر، به كل من يقتدي يهتدي، وينهنه من عزته فلا يعتدي.
стр. 1400
وممن (١) نبغ في عصرنا هذا ونشأ، وبذ فيما أدرك بشق نفسه الكهول والنشأ، وحاز قَصَب السَّبْق في حلية البراعة، وساد بجلائل فضائله فرسان اليراعة، الإمام المتفق عليه، والهمام المختلف إليه، حافظ قوانين الشرع، ملخص مشكلات الأصل والفرع، ملك أفاضل البشر، مؤسس قواعد الفقه والنظر، ابن العالم المحقق والحبر المدقق الذي هو في العلم كالبحر الطامي، وفي الحلم كالطود السامي، متع الله الولد بالوالد والوالد بالولد، وجعل من يعاديهما أذل من بيضة البلد.
فهو الذي أنفق ريَّان عمره وحداثة سنه في اقتباس كل فضيلة تسمو به إلى المحل الأرفع، وإحراز كل منقبة توطئة ذروة العز الأقيس والمجد الأتلع (٢)، حتى أدرك في العلم مدى لا يشق له فيه غبار، وتسنم غارب رتبة لم يباره فيها من ذوي الفضل مبار، حفظ في صباه من اللغة والإعراب أصولًا لم نسمع بمن تيسر له حفظها وتسنى، وتعنَّى (٣) في تحمل كلف اقتباسها مثل ما تعنَّى.
وحصل في الرياضيات وغيرها كتبًا لا يضبطها عد مكتنزة بفوائد لا يحيط بها حد، واستظهر في الفقه نسخًا لا يتصدى لها إلا المختص بالعناية الأزلية، المرشح لإدراك المراتب السنية والمناصب العلية، لا سيما أصول محمَّد بن الحسن، الكافلة بإبراز كل معنى دقيق ووجه حسن كـ "الجامعين" و "الزيادات"، المفضية بحاملها إلى نيل السعادات، فإنّه حفظها عن ظهر قلبه بإعانة خالقه وتوفيق ربه، مع المبالغة في إتقانها، والإسهاب في معرفتها وإيقانها، والتصحيح لأصولها ومبانيها، والإحاطة بدقائق حقائقها وغوامض معانيها.
стр. 1401
وعرضها في محافل عامة بالجم الغفير، من الفضلاء المشاهير، والعلماء النحارير، والصدور العظام، والأئمة الأعلام، أدام الله تعالى بقاءهم، وزاد إلى درج المعالي ارتقاءهم، فاستحسنوا ذلك وقضوا منه العجب، ووفوه من الثناء عليه ما حق له ووجب، وشكروا الله عز اسمه على أن وفق من الثناء عليه للتحصيل في هذا العصر الذي هو مظنة التعطيل عبدًا من عباده، وأسعد بعنايته (١) وإرشاده، وأتم عليه إنعامه وأسبغ، حتى بلغ من العلم هذا المبلغ، وآض في طراءة السن والغناء أهلًا لأن يطلق له في الإفتاء، ويحل عقد ما يشكل من الوقائع بنيانه كما يحل بعذبة لسانه، رزقه الله درجات العلماء الأخيار، ونظمه في سلك الأئمة الكبار، وأقر بسلامة ذاته عيون والديه، وقيض له أفئدة من النّاس تهوى إليه، آمين يا رب العالمين.
واتفق تحرير هذا في مختتم ربيع الأول سنة سبع وسبعين وستمئة.
* * *
[٥١٥ - جمال الدِّين بن العديم (٢)]
جمال الدِّين أبو القاسم بن العديم، عُمَر بن أحمد بن هبة الله، المنتهي نسبه إلى أبي جرادة، صاحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، الملقَّب رئيس الأصحاب.
تفقَّه على ابن الأبيض، الشهير بقاضي العسكر محمَّد بن يوسف بن الخضر الحلبي.
стр. 1402
ولد سنة ثمان وثمانين وخمسمئة، ومات سنة ستين وستمئة.
وأجداده وأولاده بيت علم، علماء الحنفيَّة في الخلاف والمذهب، وفضلاء الملة الحنيفية في المعرفة والأدب.
وأبوه أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أبي جرادة الحلبي، أبو الحسن عرف بابن العديم، عالم فاضل كان قاضي القضاة انتهت إليه رئاسة المذهب.
وجده هبة الله بن محمَّد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى أبو الفضل القاضي، تولى قضاء حلب، ومات سنة أربع وخمسين وخمسمئة.
وأبو جده محمَّد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى، كان فقيهًا زاهدًا، سمع أباه وغيره، وولى القضاء بحلب سنة ثمان وثمانين وأربعمئة، في دولة تاج الدولة، ثم عزل وأعيد، وكان يكنى بأبي غانم.
كان يومًا قد صلى بالجامع وخلع نعليه قرب المنبر وكانا جديدين، فلما قضى الصلاة قام ليلبسهما وجد نعله العتيق مكانه، فسأل غلامه عن ذلك؟ فقال: جاء إلينا رجل الساعة وطرق الباب؛ وقال: يقول لكم القاضي: ابتدروا إليه مداسه العتيق فقد سرق مداسه الجديد، فضحك وقال: جزاه الله خيرًا، فإنّه لصٌّ شفوق وهو في خدمته، مات سنة أربع وثلاثين وخمسمئة.
وجد جده هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن أبي جرادة، (فولد سنة ثلاث عشرة وأربعمئة، وكان عالما فقيهًا.
وأما جد جد والده أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن أبي جرادة) (١)، فهو أول من تولى القضاء من البيت بمدينة حلب، ولي القضاء في
стр. 1403
سنة خمس وثلاثين وأربعمئة، ولد بحلب سنة ثمانين وثلاثمئة، وقرأ الفقه على القاضي أبي جعفر محمَّد بن أحمد السِّمْناني العراقي الفقيه المتكلِّم صاحب التعليقات المذكورة في متفرقات الكتيبة السابعة، وكان عالمًا فقيها فاضلًا علق التعليقات المنسوبة إلى أبي جعفر، وصنف كتابًا ذكر فيه الخلاف بين أبي حنيفة وأصحابه وما تفرد به عنهم.
روي أنه خلَّف ألف كتاب، وحج سنة أربع وعشرين وأربعمئة، وأخذته العرب بتبوك مع جماعة من الحلبيين.
وفي "الجواهر المضية": قال الحافظ الدِّمْياطي: ولي قضاء حلب خمسة من أنسابه متوالية، وشهرته تغنى عن الإطناب، وصنف الكتب من التاريخ وغيره كالفقه والحديث والأدب.
وفي "تراجم ابن قُطْلُوبُغا": عُمَر بن أحمد بن هبة الله المعروف بابن أبي جرادة، جليل المقدار، كثير العلوم، أوحد في الكتابة، صنف تاريخًا سماه "بغية الطلب في تاريخ حلب".
تفقَّه عليه ولده أبو غانم، محمَّد بن عُمَر بن أحمد، جد قاضي القضاة، كمال الدِّين، أبي حفص، عُمَر بن عبد العزيز بن عُمَر بن أحمد، وأبو جد قاضي القضاة ناصر الدِّين محمَّد بن عُمَر بن عبد العزيز بن محمَّد بن عُمَر بن أحمد.
اجتمع بناصر الدِّين الإمام حسام الدِّين السِّغْنَاقِي بحلب، وأجاز له في سنة إحدى عشرة وسبعمئة رواية جميع مجموعاته ومؤلفاته.
ولد سنة ست وسبعين وستمئة، ومات سنة اثنتين وخمسين وسبعمئة.
стр. 1404
[٥١٦ - أبو البركات النَّسفي (١)]
من أعلام تلامذة أخيار الكتيبتين، وأعيان أساتذة أشياخ الطبقتين، علم الهدى، علَّامة الورى، مفتي الدهر، قدوة ما وراء النهر، أبو البركات، حافظ المِلَّة والدِّين، ناصر الإسلام والمسلمين، ناصح الملوك والسلاطين، عبد الله بن أحمد بن محمود النَّسفي.
نسبة إلى مدينة نَسِف من بلاد السُّغْد، في بلاد ما وراء النهر، قريب من سمرقند، قيل: جنان الأرض أربع: سغد سمرقند، وغوطة الشام، وجزيرة عبادان، وشذ عنّي الرابع، وقيل: نَسِف بكسر السين، في النسبة تفتح، كما يقال في نسبة إلى (صدِف صدَفي) (٢) بالفتح.
كان إمامًا كاملًا عديم النظير في زمانه، ورأسًا فقيد المثيل في الأصول والفروع في أوانه، بارعًا في الحديث ومعانيه، ماهرًا في فنون الأدب ومبانيه، وله مقامات سنية في العلوم النقلية، ومقالات بهية في الفنون العقلية، وله التوسع في الكلام والفصاحة في الجدل والخصام:
كثيرُ العِلمِ مرتفعُ المكانِ … بدائعه تجلُّ عن البَيانِ
لسانُ العصرِ فيَّاضُ البَنانِ … فريدٌ مالهُ في الفضلِ ثاني
стр. 1405
له في العلوم آثار ما ليس لغيره من أهل عصره، أخذ العلوم عن أفواه الرجال، حتى صار يضرب به (١) الأمثال.
رأيت في "تراجم بن قُطلُوبُغا" قال تفقَّه على شمس الأئمَّة الكَرْدَري، روى "الزيادات" عن العَتَّابي، كذا في "الجواهر المضية".
وتفقَّه على العَتَّابي أيضًا، على الشَّيخ الإمام حميد الدِّين الضَّرير من رجال هذه الكتيبة، وعلى الشَّيخ الإمام بدر الدِّين الكَرْدَري من أصحاب الكتيبة الثالثة عشر، وشمس الأئمَّة الكَرْدَري تفقَّه على العَتَّابي من أصحاب الكتيبة الحادية عشر، فكان حافظ الدِّين النَّسَفِي هذا تلميذ حميد الدِّين الضَّرير، وتلميذ أستاذ حميد الدِّين الضَّرير شمس الأئمَّة الكَرْدَري، وتلميذ أستاذ شمس الأئمة الكَرْدَري زين الدِّين أحمد بن محمَّد العَتَّابي، إن كان هذا الأمر الثالث (٢) صحيحًا، لكنه في غاية البعد كما أشرنا إليه في ذكر العَتَّابي في الكتيبة الحادية عشر.
تفقَّه عليه جماعة وسمعوا منه، منهم الشَّيخ الإمام مظفر الدِّين أحمد بن علي المعروف بابن الساعاتي، والإمام حسام الدِّين السِّغْنَاقِي، وسعد المِلَّة والدِّين محمود بن أحمد.
وله تصانيف معتبرة مشهورة مفيدة في الفروع والأصول، منها "الوافي "وهو متن لطيف في الفروع، و"الكافي شرح الوافي"، و"كنز الدقائق" وهو متن مشهور في الفقه، و"المصفَّى شرح المنظومة النسفية"، و"المستصفى في شرح النافع"، و"المنار في أصول الفقه"، و"العمدة في أصول الدين"، و"الكشف في شرح المنار"، و"الاعتماد في شرح العمدة".