← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وعرضها في محافل عامة بالجم الغفير، من الفضلاء المشاهير، والعلماء النحارير، والصدور العظام، والأئمة الأعلام، أدام الله تعالى بقاءهم، وزاد إلى درج المعالي ارتقاءهم، فاستحسنوا ذلك وقضوا منه العجب، ووفوه من الثناء عليه ما حق له ووجب، وشكروا الله عز اسمه على أن وفق من الثناء عليه للتحصيل في هذا العصر الذي هو مظنة التعطيل عبدًا من عباده، وأسعد بعنايته (١) وإرشاده، وأتم عليه إنعامه وأسبغ، حتى بلغ من العلم هذا المبلغ، وآض في طراءة السن والغناء أهلًا لأن يطلق له في الإفتاء، ويحل عقد ما يشكل من الوقائع بنيانه كما يحل بعذبة لسانه، رزقه الله درجات العلماء الأخيار، ونظمه في سلك الأئمة الكبار، وأقر بسلامة ذاته عيون والديه، وقيض له أفئدة من النّاس تهوى إليه، آمين يا رب العالمين. واتفق تحرير هذا في مختتم ربيع الأول سنة سبع وسبعين وستمئة. * * * [٥١٥ - جمال الدِّين بن العديم (٢)] جمال الدِّين أبو القاسم بن العديم، عُمَر بن أحمد بن هبة الله، المنتهي نسبه إلى أبي جرادة، صاحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، الملقَّب رئيس الأصحاب. تفقَّه على ابن الأبيض، الشهير بقاضي العسكر محمَّد بن يوسف بن الخضر الحلبي.

стр. 1402

ولد سنة ثمان وثمانين وخمسمئة، ومات سنة ستين وستمئة. وأجداده وأولاده بيت علم، علماء الحنفيَّة في الخلاف والمذهب، وفضلاء الملة الحنيفية في المعرفة والأدب. وأبوه أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أبي جرادة الحلبي، أبو الحسن عرف بابن العديم، عالم فاضل كان قاضي القضاة انتهت إليه رئاسة المذهب. وجده هبة الله بن محمَّد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى أبو الفضل القاضي، تولى قضاء حلب، ومات سنة أربع وخمسين وخمسمئة. وأبو جده محمَّد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى، كان فقيهًا زاهدًا، سمع أباه وغيره، وولى القضاء بحلب سنة ثمان وثمانين وأربعمئة، في دولة تاج الدولة، ثم عزل وأعيد، وكان يكنى بأبي غانم. كان يومًا قد صلى بالجامع وخلع نعليه قرب المنبر وكانا جديدين، فلما قضى الصلاة قام ليلبسهما وجد نعله العتيق مكانه، فسأل غلامه عن ذلك؟ فقال: جاء إلينا رجل الساعة وطرق الباب؛ وقال: يقول لكم القاضي: ابتدروا إليه مداسه العتيق فقد سرق مداسه الجديد، فضحك وقال: جزاه الله خيرًا، فإنّه لصٌّ شفوق وهو في خدمته، مات سنة أربع وثلاثين وخمسمئة. وجد جده هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن أبي جرادة، (فولد سنة ثلاث عشرة وأربعمئة، وكان عالما فقيهًا. وأما جد جد والده أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن أبي جرادة) (١)، فهو أول من تولى القضاء من البيت بمدينة حلب، ولي القضاء في

стр. 1403

سنة خمس وثلاثين وأربعمئة، ولد بحلب سنة ثمانين وثلاثمئة، وقرأ الفقه على القاضي أبي جعفر محمَّد بن أحمد السِّمْناني العراقي الفقيه المتكلِّم صاحب التعليقات المذكورة في متفرقات الكتيبة السابعة، وكان عالمًا فقيها فاضلًا علق التعليقات المنسوبة إلى أبي جعفر، وصنف كتابًا ذكر فيه الخلاف بين أبي حنيفة وأصحابه وما تفرد به عنهم. روي أنه خلَّف ألف كتاب، وحج سنة أربع وعشرين وأربعمئة، وأخذته العرب بتبوك مع جماعة من الحلبيين. وفي "الجواهر المضية": قال الحافظ الدِّمْياطي: ولي قضاء حلب خمسة من أنسابه متوالية، وشهرته تغنى عن الإطناب، وصنف الكتب من التاريخ وغيره كالفقه والحديث والأدب. وفي "تراجم ابن قُطْلُوبُغا": عُمَر بن أحمد بن هبة الله المعروف بابن أبي جرادة، جليل المقدار، كثير العلوم، أوحد في الكتابة، صنف تاريخًا سماه "بغية الطلب في تاريخ حلب". تفقَّه عليه ولده أبو غانم، محمَّد بن عُمَر بن أحمد، جد قاضي القضاة، كمال الدِّين، أبي حفص، عُمَر بن عبد العزيز بن عُمَر بن أحمد، وأبو جد قاضي القضاة ناصر الدِّين محمَّد بن عُمَر بن عبد العزيز بن محمَّد بن عُمَر بن أحمد. اجتمع بناصر الدِّين الإمام حسام الدِّين السِّغْنَاقِي بحلب، وأجاز له في سنة إحدى عشرة وسبعمئة رواية جميع مجموعاته ومؤلفاته. ولد سنة ست وسبعين وستمئة، ومات سنة اثنتين وخمسين وسبعمئة.

стр. 1404

[٥١٦ - أبو البركات النَّسفي (١)] من أعلام تلامذة أخيار الكتيبتين، وأعيان أساتذة أشياخ الطبقتين، علم الهدى، علَّامة الورى، مفتي الدهر، قدوة ما وراء النهر، أبو البركات، حافظ المِلَّة والدِّين، ناصر الإسلام والمسلمين، ناصح الملوك والسلاطين، عبد الله بن أحمد بن محمود النَّسفي. نسبة إلى مدينة نَسِف من بلاد السُّغْد، في بلاد ما وراء النهر، قريب من سمرقند، قيل: جنان الأرض أربع: سغد سمرقند، وغوطة الشام، وجزيرة عبادان، وشذ عنّي الرابع، وقيل: نَسِف بكسر السين، في النسبة تفتح، كما يقال في نسبة إلى (صدِف صدَفي) (٢) بالفتح. كان إمامًا كاملًا عديم النظير في زمانه، ورأسًا فقيد المثيل في الأصول والفروع في أوانه، بارعًا في الحديث ومعانيه، ماهرًا في فنون الأدب ومبانيه، وله مقامات سنية في العلوم النقلية، ومقالات بهية في الفنون العقلية، وله التوسع في الكلام والفصاحة في الجدل والخصام: كثيرُ العِلمِ مرتفعُ المكانِ … بدائعه تجلُّ عن البَيانِ لسانُ العصرِ فيَّاضُ البَنانِ … فريدٌ مالهُ في الفضلِ ثاني

стр. 1405

له في العلوم آثار ما ليس لغيره من أهل عصره، أخذ العلوم عن أفواه الرجال، حتى صار يضرب به (١) الأمثال. رأيت في "تراجم بن قُطلُوبُغا" قال تفقَّه على شمس الأئمَّة الكَرْدَري، روى "الزيادات" عن العَتَّابي، كذا في "الجواهر المضية". وتفقَّه على العَتَّابي أيضًا، على الشَّيخ الإمام حميد الدِّين الضَّرير من رجال هذه الكتيبة، وعلى الشَّيخ الإمام بدر الدِّين الكَرْدَري من أصحاب الكتيبة الثالثة عشر، وشمس الأئمَّة الكَرْدَري تفقَّه على العَتَّابي من أصحاب الكتيبة الحادية عشر، فكان حافظ الدِّين النَّسَفِي هذا تلميذ حميد الدِّين الضَّرير، وتلميذ أستاذ حميد الدِّين الضَّرير شمس الأئمَّة الكَرْدَري، وتلميذ أستاذ شمس الأئمة الكَرْدَري زين الدِّين أحمد بن محمَّد العَتَّابي، إن كان هذا الأمر الثالث (٢) صحيحًا، لكنه في غاية البعد كما أشرنا إليه في ذكر العَتَّابي في الكتيبة الحادية عشر. تفقَّه عليه جماعة وسمعوا منه، منهم الشَّيخ الإمام مظفر الدِّين أحمد بن علي المعروف بابن الساعاتي، والإمام حسام الدِّين السِّغْنَاقِي، وسعد المِلَّة والدِّين محمود بن أحمد. وله تصانيف معتبرة مشهورة مفيدة في الفروع والأصول، منها "الوافي "وهو متن لطيف في الفروع، و"الكافي شرح الوافي"، و"كنز الدقائق" وهو متن مشهور في الفقه، و"المصفَّى شرح المنظومة النسفية"، و"المستصفى في شرح النافع"، و"المنار في أصول الفقه"، و"العمدة في أصول الدين"، و"الكشف في شرح المنار"، و"الاعتماد في شرح العمدة".

стр. 1406

ذكره العيني في "شرح الكنز": حافظ المِلَّة والدِّين، هو لقبه الذي اشتهر به بين الخلق، أبو البركات كنيته، واسمه عبد الله بن أحمد بن محمود، صاحب التصانيف المفيدة في الفقه والأصول، تفقَّه على شمس الأئمَّة الكَرْدَري، وسمع منه السِّغْنَاقِي، ودخل بغداد سنة عشر وسبعمئة، ووفاته في العشر المذكور، قيل: إنه مات في بلدة إيذج في هذه السنة. قال حافظ المِلَّة والدِّين، أبو البركات، عبد الله النَّسَفِي في أول "الكافي": لما فرغت من المختصر المسمى بـ "الوافي" أردت أن أشرحه شرحًا أوسمه بـ "الكافي"، على وجه يكون غنيًا عن المطولات، حاويًا (الوجوه الاستدلالات، موضحًا) (١) لما أبهم في "الهداية" من النكات، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. وقال في آخر "الكافي": والحمد لله على أن وفقني لإتمام (٢) هذا الكتاب، مشتملًا على مسائل "الهداية" وتعليلاتها وتفريعاتها، موضحًا لمعضلاتها، مبينًا لغويصاتها، حاويًا لمسائل "الجامع الكبير" و"الزيادات" و"نظم الخلافيات". ثم قال: ولنختم الكتاب بالأدعية المأثورات: "اللهم رب السموات السبع وما أظلَّتْ، ورب الأرضين وما أقلَّتْ، ورب الشياطين وما أضلَّتْ، كن لي جارًا من شر خلقك كلهم جميعًا (٣)؛ أن يَفْرُطَ عليَّ أحدٌ منهم أو أن يبغي، عزَّ جارُك، وجلَّ ثناؤك، ولا إله غيرك، لا إله إلا أنت" (٤).

стр. 1407

وقد وقع الفراغ من كتابته سوادًا يوم الإثنين، الثاني عشر من شهر رمضان، سنة أربع وثمانين وستمئة، وتم تدريسًا يوم الخميس الثاني عشر من رجب، سنة تسع وثمانين وستمئة، في المدرسة القطبية السُّلطانية، داخل بردر شهر كَرْمان، صينت عن الحدثان. وصنف "كنز الدقائق" بعد تصنيف "الوافي"، وقبل تأليف "الكافي"، حيث قال في أول "الكنز": أردت أن ألخِّص "الوافي"، فشرعت مع ما بي من العوائق، وسميته بـ "كنز الدقائق". وذكر الكَرْماني شارح "الكنز": أنّ صاحب "كتاب مجمع البحرين" الإمام العلامة مظفر الدِّين أحمد بن علي بن تغلب الساعاتي قرأ "الكنز" على مؤلفه سنة ثلاث وثمانين وستمئة بالمدرسة القطبية بكَرْمان. وقال في آخر "المصفى شرح المنظومة": قال العبد الضعيف، المفتقر إلى الله الودود، عبد الله بن أحمد بن محمود النَّسَفِي، غفر الله له ولوالديه، وأحسن إليهما وإليه: لما فرغت من شرح "النافع" وإملائه، وهو المستصفى من المستوفى، سألني بعض إخواني في الدِّين وخِلَّاني لطلب اليقين، أن أجمع للمنظومة شرحًا مشتملًا على الدَّقائق والحقائق، فأجبتهم إلى ذلك وسمَّيته "المصفى". وقد تم الفراغ من إملائه في اليوم الثلاثاء، العشرين من شعبان سنة سبعين وستمئة، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. ذكر الإمام قوام الدِّين الأَتْقاني في "غاية البيان شرح الهداية": نقل حافظ الدِّين النَّسَفِي في "مستصفاه"، عن الشَّيخ الإمام بدر الدِّين الكَرْدَري أنه قال: الرأس من الحلقوم إلى فوق، إلا أنّ الله تعالى بعض الرأس في حق الأحكام، فجعل وظيفة

стр. 1408

الوجه الغسل، ووظيفة الرأس بعد الوجه المسح، فاشتبه أنّ الأذنين وظيفتهما المسح أو الغسل، فبيَّن النبي ﷺ وقال: الأذنان من الرأس" (١)؛ تبيينًا على أنّ وظيفتهما المسح لا الغسل، ثم قال: وهذا وجه حسن واستدلال لطيف لم أسمعه من أحد. وقال الأَتْقاني في "شرح الهداية" أيضًا: قال الشَّافعي: الترتيب فرض؛ لقوله تعالى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] والفاء للتعقيب، قال حافظ الدِّين في جواب الشَّافعي في "المستصفى" إنّ حرف الفاء إنما يقتضي التعقيب إذا دخلت على غير الأفعال الاختيارية، أما إذا دخلت على الأفعال الاختيارية فلا، فأقول: يا للنَّسَفي من جرأته! فمن أين قال مثل (٢) هذا الكلام تقليدًا؟ وما وضع أهل اللغة الفاء إلا للتعقيب، سواء دخلت على كذا أو على كذا. [وقال حافظ الدِّين في "المصفَّى شرح المنظومة" في حل نظم: هذا الكتابُ في الخلافيات … نظمٌ في العيون لا النُّكات مستَوْدَع كلَّ المراد موجز … مستبدَع سهل القِياد معجز قال شيخنا الأستاذ مولانا حميد الدِّين الضَّرير: إنه سهل القياد حفظًا، لكنه معجز بالنظر إلى فهم معانيه ودرك إشاراته. قال جامع "أعلام الأخيار" راجي عفو ربه الغفار: قد رأيت في أثناء مطالعتي في "الكافي" في فصل سجود السهو من كتاب الصلاة مسألتين مناقضتين لما نصه في فصل صفة الصلاة، فأردت أن أكتب في هذه الكتيبة:

стр. 1409

قال حافظ الدِّين النَّسَفِي في فصل صفة الصلاة وواجبها: قراءة الفاتحة وضم سورة إليها، وتعيين القراءة في الأوليين، ورعاية الترتيب في فعل متكرر في ركعة كالسجدة، حتى لو ترك السجدة الثانية وقام إلى الركعة الثانية لا تفسد صلاته، أما ترتيب القيام على الركوع، وترتيب الركوع على السجود فرض؛ لأنّ الصلاة لا توجد إلا بذلك، وتعديل الأركان والقعدة الأولى والتشهد في القعدتين نصَّ عليه في "المحيط". وفي فضل سجود السهو: لا يجب إلا بترك واجب، كترك القعدة الأولى، أو تأخيره، أو تأخير ركن، بأن ترك السجدة الصلبية سهوًا، فتذكّرها في الركعة الثانية فسجدها، أو أخّر القيام إلى الثالثة بالزيادة على قدر التشهد، أو تكرار ركن بأن ركع ركوعين أو سجد ثلاث سجدات، أو تغيير الواجب بأن يجهر فيما يخافت، أو يخافت فيما يجهر، أو تقديم ركن بأن ركع قبل أن يقرأ، أو سجد قبل أن يركع. فقوله: (بأن ركع قبل أن يقرأ، أو سجد قبل أن يركع) مناقض لما قال: (أما ترتيب القيام على الركوع، وترتيب السجود على الركوع فرض؛ لأنّ الصلاة لا توجد إلا بذلك)، وعد صاحب "الهداية" من واجبات الصلاة مراعاة الترتيب فيما شرع مكررًا من الأفعال. قال الشَّيخ أكمل الدِّين في "عناية الهداية": قوله: ومراعاة الترتيب فيما شرع مكررًا؛ يعني: في الركعة الواحدة كالسجدة الثانية من الركعة الأولى، فإن تركها ساهيًا، وقام وأتم صلاته، ثم تذكر؛ فإنّ عليه أن يسجد السجدة المتروكة، ويسجد للسهو لترك الترتيب، وقوله فيما شرع مكررًا: احتراز عما شرع غير مكرر فيها، كالركوع فإنّه بعد السجود لا يقع معتدًا به بالإجماع، انتهى ما في "العناية"] (١).

стр. 1410

[٥١٧ - ابن السَّاعاتي (١)] الشَّيخ الإمام العلامة، المحقق المدقق، عالم الفروع والأصول، والجامع بين المنقول والمعقول، كاشف الحقائق، واقف الدقائق، شمس الإسلام والمسلمين، مظفر الدِّين أحمد بن علي بن تغلب السَّاعاتي، البعلبكي أصلًا، والبغدادي منشأ. أبوه (٢) تغلب السَّاعاتي، هو الذي عمل الساعات المشهورة على باب المستنصرية ببغداد، كان بعلبكيًّا، ثم رحل إلى بغداد، واشتهر بعلم النجوم والهيئة وعمل الساعات، وله انتساب تام إلى الخليفة المستنصر بالله من الخلفاء العبَّاسية. ونشأ العلامة ابنه (٣) أحمد بن السَّاعاتي ببغداد، واشتغل بالعلم، وبلغ رتبه الفضل والكمال، وكان إمام العصر في العلوم الشرعية، وشيخ الدهر في الفنون العقلية، وكان ثقة حافظًا متقنًا مقدمًا في الفروع وأصوله، ومشارًا إليه في تفريع العلم وتأصيله، أقر له شيوخ زمانه بأنه فارسٌ جوادٌ في ميدانه، وفائق على أقرانه في أوانه، حتى إنَّ الشَّيخ شمس الدِّين الأصفهاني الشَّافعي شارح "المحصول" يقر بفضله ويثني عليه كثيرًا، ويفضله على الشَّيخ الإمام جمال الدِّين بن الحاجب المالكي ويقول: هو أزكى منه. أخذ العلم عن تاج الدِّين علي بن سنجر، المعروف بابن السَّبَّاك، عن القاضي

стр. 1411

الإمام ظهير الدِّين محمَّد بن عُمَر البُخاري، صاحب "الفتاوى" و"الفوائد"، عن الشَّيخ الإمام ظهير الدِّين الحسن بن علي المَرْغِيْنَاني، أستاذ القاضي الإمام فخر الدِّين قاضي خان، عن برهان الدِّين، عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن أبي علي النَّسَفِي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن الأستاذ (١) عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى. وتفقَّه أيضًا على مظفر الدِّين ظهير الدِّين محمَّد بن عُمَر النوجاباذي من رجال هذه الكتيبة، من تلامذة شمس الأئمَّة محمَّد بن عبد السَّتار الكَرْدَري، ومن تلامذة محمَّد بن محمَّد الأَخْسِيكَثِي. وله "كتاب مجمع البحرين وملتقى النَّيِّرين"، جمع فيه مسائل مختصر الشَّيخ أبي الحسين القُدُوري، ومنظومة الشَّيخ أبي حفص نجم الدِّين عُمَر النَّسفي، قال: فإنهما بحران زاخران وهذا مجمع البحرين، وهما النَّيِّران المشرقان، وهذا ملتقى النَّيَريْن. وله "البديع في أصول الفقه"، جمع فيه بين "أصول فخر الإسلام البَزْدَوي" و"الإحكام" للآمدي، قال في ابتدائه: الخير ذاتك اللهم يا واجب الوجود، والفيض شعارك يا واسع المغفرة والجود، أنت الذي لا ينقص فيضك العطاء، وكلتا يديك بالخير سخاء. ثم قال: قد منحتك أيها الطالب لنهاية الوصول إلى علم الأصول هذا الكتاب البديع في معناه، المطابق اسمه لمسمَّاه، لخَّصته لك من "كتاب الإحكام"، ورصعَّته

стр. 1412

بالجواهر النفيسة من "أصول فخر الإسلام"، فإنهما البحران المحيطان بجوامع الأصول، الجامعان لقواعد المعقول والمنقول، هذا حاوٍ للقواعد الكلية الأصولية، وذلك مشحون بالشواهد الجزئية الفروعية. تفقَّه عليه وقرأ عليه "مجمع البحرين" الشَّيخ الإمام ركن الدِّين السَّمَرْقندي، والشَّيخ الإمام ناصر الدِّين محمَّد بن الإياسي، وهو ناسخ النسخة الأخيرة المعتمدة من "مجمع البحرين". قال الكَرْماني في "شرح الكنز": قرأ مظفر الدِّين بن السَّاعاتي على مؤلف "الكنز" حافظ الدِّين النَّسَفِي سنة ثلاث وثمانين وستمئة، ووجد بخط المصنف أنه فرغ من تصنيف "مجمع البحرين" في ثامن شهر رجب سنة تسعين وستمئة، ووقفت على نسخة عليها خط من خط المؤلف؛ صورته: الحمد لله على نعمه، قوبلت هذه النسخة، والله يعفو عما طغى به القلم أو تجاوز عنه النظر، وقد أجزت لمالكها الشَّيخ الإمام العالم الفاضل الورع الكامل ذي الأخلاق الكريمة والفضائل الجسيمة، ركن الدِّين السَّمَرْقندي، أدام الله حراسته، أن يرويها عني، وكذلك أجزت له رواية الشرح الذي صنَّفته بعده إذا وقعت إليه نسخة متوالي صحتها، وكذلك جميع ما صح عنده أنه من مقولاتي أو منقولاتي أو مسموعاتي أو مستجازاتي، فهو أدام الله أيامه يحمل ما يرويه، وأنا معتمد على الله تعالى. ثم نلتمس من خدمته أن يصون هذا الكتاب ويحفظه عن تغيير يقع فيه، وما يرى فيه من مخالفة لفظ أو معنى لما في أحد الكتابين فلا يتسرع إلى إنكاره، فإنَّ لي فيه مقصدًا صالحًا من تحرير نقل واختيار ما هو الأصل من الروايات

стр. 1413

والأقوال، وقد كنت (١) عازمًا على التنبيه على ذلك في حواشي الكتاب، فلم يتجه الزمان؛ لسرعة التوجه إلى دار السلام، صانها الله عن الغير، وفتح لها أبواب النصر والظفر، ولكن كل منقول من مواضعه، محرر عند واضعه، منبَّه عليه في شرح الكتاب، والله الملهم للصواب. كتبه المصنِّف أحمد بن السَّاعاتي، الشَّامي الأصل، البغدادي المنشأ، بالمدرسة الشريفة المستنصرية، رحمة الله على بانيها، في رجب المبارك سنة تسعين وستمئة، حامدًا لله تعالى ومصليًا على سيدنا محمَّد النبي الأمي وآله وصحبه ومسلِّمًا ومستغفرًا. ولـ "مجمع البحرين" شروح كثيرة، شرحه المصنف أولًا، وشمس الدين (٢) القُونَوي مصنِّف "الدرر" في عشرة أجزاء، ثم لخصه في ستة، وشرحه أحمد بن إبراهيم بن أيوب العنتابي، وابن الأقرن الحلبي سمَّاه "المغني"، وبهاء الدِّين أبو البقاء محمَّد بن الضياء، وبدر الدِّين قاضي قضاة مصر محمود العيني، وله شرح آخر اسمه "المنبع" مؤلفه غير معلوم، وأجلُّ شروح "المجمع" أمين الدِّين عبد اللطيف بن الملك، وهو شرح لطيف جامع للفوائد، مقبول في بلادنا، تداولته أيدي العلماء. و"مجمع البحرين" وقع أسامي كتب كثيرة في تفسير القرآن العزيز للإمام أبي الحسن علي بن محمد وفي اللغة للإمام الصغاني صاحب "المشارق" في الحديث وصاحب "العباب" في اللغة. و"مجمع البحرين في تناقض الحبرين" لجمال الدِّين عبد الرحيم بن الحسن القرشي الشَّافعي.

стр. 1414

توفي ببغداد (رحمة الله تعالى عليه) (١)، ليلة الأربعاء، رابع شهر جمادى الأولى، سنة أربع وتسعين وستمئة، دفن بالشُّوْنِيزيَّة، عند قبر الجنيد قدِّس سره. وكان ابن السَّاعتي ﵀ يكتب خطًّا منسوبًا، وكذلك ابنته فاطمة بنت مظفر الدِّين (٢) أحمد السَّاعاتي، كانت تكتب تعليقًا حسنًا، تفقَّهت على أبيها، وأخذت عنه "مجمع البحرين". قال عبد القادر في "الجواهر المضية" في باب من وقع فيه من علماء النساء: أخذت عن أبيها "مجمع البحرين"، رأيته بخطها وهو تعليق حسن. وله ابن أخت يلقب تاج الدِّين علي بن أنجب بن عُثمان الشهير بابن السَّاعاتي، وكان عالمًا فقيها، ذكره الدِّمْياطي في "مشيخته"، مات سنة أربع وسبعين وستمئة، وأما ابن السَّاعاتي الشاعر، فهو بهاء الدِّين علي بن رستم، ولد بدمشق سنة ثلاث وخمسين وخمسمئة، ومات سنة أربع وستمئة بمصر، ذكره ابن الأثير. * * * [٥١٨ - نجم الدِّين الزَّاهدي (٣)] الشَّيخ الإمام العلامة، والفقيه الزَّاهد الفهَّامة، عارف الدَّقائق، واقف الحقائق، حاوي قوانين الشرع المبين، أبو الرَّجاء، (نجم الدين) (٤)، مختار بن محمود بن محمَّد الزَّاهدي الغزميني.

стр. 1415

بالغين والزاي المعجمتين: نسبة إلى قصبة من قصبات خُوَارزم. كان من كبار الأئمَّة وأعيان فقهاء الأمَّة، عاملًا كاملًا نبيلًا بارعًا فاضلًا، وله اليد الباسطة في الخلاف والمذهب، وله الباع الممتد في الكلام والمناظرة وفنون الأدب، له التصانيف التي (سارت بها) (١) الركبان، وكانت الطلبة ترحل إليه من الأقاصي والبلدان، وكان نظارًا فارسًا في البحث والجدل، حلَّالًا بلفظته عن (٢) كل مشتبه ما لا يكشف بالتفصيل والجمل. لقي العلماء والأكابر، وأخذ العلوم عن الأهالي كابرًا عن كابر، منهم برهان الأئمَّة شمس الدِّين بن محمَّد بن عبد الكريم التُّرْكُسْتاني من رجال الكتيبة الحادية عشر، عن الدِّهْقان الكاساني، عن نجم الدِّين عُمَر النَّسَفِي، عن أبي اليسر البَزْدَوي، أبي يعقوب السَّيَّاري، عن الحاكم النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِنْدُوَاني، عن أبي القاسم الصفَّار، عن نصير بن يحيى، عن محمَّد، عن أبي حنيفة، وعن برهان الدِّين ناصر الدِّين المُطَرِّزي صاحب "المُغْرب" تلميذ الزَّمَخْشَري من هذه الكتيبة، ومن رجال الكتيبة الثانية عشر صدر القراء رشيد الأئمَّة يوسف بن محمَّد القَنْدي الخُوَارِزْمِي، وسراج الدِّين يوسف بن أبي بكر بن محمَّد السَّكَّاكي الخُوَارِزْمِي، وفخر المِلَّة والدِّين القاضي بديع صاحب "المحيط" و"منية الفقهاء"، ومن هذه الكتيبة سراج الدِّين محمَّد بن أحمد بن عبد المجيد القُزَيْنِي وخاتمة المجتهدين، ركن الدِّين الوالجاني الخُوَارِزْمِي. وله مصنفات كثيرة، منها "شرح القُدُوري"، وهو اشتهر بـ "المجتبى"، لكن لم

стр. 1416

يذكر في خطبته، وهو شرح نفيس نافع انتفعنا به ﵀، و"كتاب قنية المنية لتتميم الفتية" استصفاها من البحر الموسوم بـ "منية الفقهاء" لأستاذه فخر الملة بديع بن أبي منصور، و"كتاب الحاوي" بمسائل "المنية" المذكورة، وبهذين الكتابين الجامعين لأكثر الوقائع الشرعية انتفعنا به أيضًا بحمد الله. وله "الرسالة الناصرية" صنفها لبركت خان، تشتمل على ثلاثة أبواب: الأول: في الدلالة على حقيقة الرسالة، وذكر شيء من معجزاته ﷺ . الثاني: في ذكر المخالفين لنبوَّته، والجواب عن عقيدتهم. والثالث: في المناظرة بين المسلمين والنصارى وذكر أسئلتهم. أخذ العلم عنه الشَّيخ الإمام العلامة شمس الحقِّ والدِّين أبو العبَّاس المعزي الأديب القاضي، والإمام العالم التحرير رضي الدِّين أبو المظفر محمَّد بن إبراهيم البرهاني. بعد ما بلغ الإمام العلامة نجم الدِّين الزَّاهدي رتبة الفضل والكمال، وعلا رتبًا ما كان يدرك مثلها أمثال، ورزقه الله درجات العلماء الأخيار، ونظمه في سلك الأئمَّة الكبار رحل من خُوَارِزْم واحلَوْلَى، فقدم بغداد وناظر الأئمَّة والفضلاء، ثم بلغ الروم، وسكن فيها، وتوطن بلَارَنْدة، ودرَّس الفقهاء، فأعجب الأهالي حسن كلامه، وكمال فضله، ومشاركة علومه، وإشاراته اللطيفة، ونكاته الشريفة، وأحلوه المحلَّ الرفيع، والمحفل المنيع، فكان تضرب به الأمثال، وتشد إليه الرحال، فأخذ أهالي بلاد الروم عنه العلوم، وتعلموا الفنون من المنقول والمفهوم. قيل: إنَّ المولى الفاضل أدَه بَالِي مفتي البلاد القَرَمانيَّة كان يقرأ عليه الفروع. بلَارَنْدَة: هي بلدة من البلاد القَرَمَانِية.

стр. 1417

رأيت في ديوان الإمام العلامة شمس الحق والدين القاضي أبو القاسم المعزي قصيدة يمدح بها الإمام الأجَل الأستاذ نجم المِلَّة والدِّين الزَّاهدي بعد ما بلغ الروم وسكن فيها، قال في أثناء هذه القصيدة: حَزمنا إلى لا رندة العِيْس للسَّرى … ببهماءَ ما فيها خُزامى ولا رند فيا حاديها رجلًا كلَّ حسرة (١) … تزف إذا ارتاعت الرّبد إمام الهدى ركن الشَّريعة ماجد … تعاضد في عليائه الجد والجد أقروا له بالفضل طرًّا وسلَّموا … وهل تجحد الريَّاء إذا سطح الند شائي رتب الأشياخ قبل اكتهاله … وأرضع در الفضل إذ ضمه المهد فمن مثل نجم الملَّة المُلْهم الذي … بديهته تهمي الصواب ولا تعد وأين كبرهان (٢) الأئمَّة حافظ … بقنياه بان الشرع واتضح الرشد وناهيك صدر الدِّين من ذي فضائل … وحاوي فنون لا يحيط بها العد ونجم الهدى الأستاذ للخلق قدوة … شجيته التأليف والدرس والزهد فمن مبلغ الأملاك بالروم أنهم … أفاضوا علينا ما يحق له الحمد فأكرامهم ركن الشَّريعة قد نبا … لهم شرفًا في مصرنا ليس ينهد بكلِّ مكانٍ منه في كلِّ ساعة … لكلِّ لسان من ممادحهم ورد إمام الهدى خُوَارِزْم بعدك أوحشَتْ … علينا وإن جنت ببهجتها السُّغْد أينفع أكباد إليك تعطَّشَتْ … أو آذى (٣) حجون يجلس بها الممد منابرها تصبوا إليك وتشتكي … محاريبها كم ذا التجنب والبعد

стр. 1418

[وقال في قصيدة وقد بلغه أنه يهاجر إلى بغداد وكلمه في ذلك، منها: يساعفني عفوًا برغم زماني … غزال أصاب القلب حين رماني ويطرقني نشوان كالقمر الذي … أطلت عليه ستة وثماني أمام يريك الفضل أضعاف صيته … وكم صيت قوم ضائع بعياني له الخاطر الوقَّاد يعلو أضرابه … وأفئدة الحسَّاد في الغلياني يدبر تقويم الأمور قياسه … فدع أثر الأفلاك والدوران هو الثَّاقب السَّعد الأخير ولن يرى … مقابله في ألف ألف قرآن ولولاه لم ينزع من القلب والحشا … نزاع عراقي لنا ويمانِ (١) أأشتاق من بغداد شاطي دجلة … وأهجر في خُوَارِزْم بحر عمان فلا زال للفتوى مدى الدَّهر باقيًا … على ذمَّة من ربِّه وضمان ورأيت في ديوان تلميذه رضي الدِّين البرهاني قصيدة قالها في مرثية مولانا علامة العالم نجم المِلَّة والدِّين الزَّاهدي تغمده الله بغفرانه، منها شعر: يا جامع الطرف في الدنيا ألست ترى … صنيع دهرك أم عن طرفك استترا لا تغتررْ بسرورٍ بعدَه حزنٌ … ونعمةٍ نفعها يستعقب الضَّررا عجبتُ ممَّن يرجى طول راحته … في ظل عمرٍ كإبهام القطا قصرا إني ببيت رخا الشرب ذا دَعة … والموت في أثره يمشي له الخمرا فكن على حذرٍ واعلم بأنَّك إنْ … لم تلقه رائحًا لاقاك مبتكرا أما ترى مقتدي الإسلام كيف هوى … به الرَّدى فاعتبر إن كنْتَ معتبرا

стр. 1419

قد غابَ مَنْ كان للإسلام ناصره … ومن أعاديه طول الدهر منتصرا لا عذر لا عذر لو لم يعد من أسفٍ … نجم السَّماء لنجم الأرض منكدرا قد كان نجمًا يضيء الأفق طالعه … متى اكفهر ظلام الخطب واعتكرا أحيى اللَّيالي في الأفكار مجتهدًا … فلم يذق ناظرات الدَّهر طعم كرا كم قد آثرت عيونًا من شوارده … فالآن لست أرى عينًا ولا أثرا] (١) مات سنة ثمان وخمسين وستمئة. وله "كتاب زاد الأئمة"، و"كتاب المجتبى في الأصول"، و"الجامع في الحيض"، وكتاب في الفرائض. وفي "القنية" في باب الجمعة من كتاب الصلاة عزوًا إلى المحسن: لما ابتلي أهل مرو بإقامة الجمعتين بها مع اختلاف العلماء في جوازها، ففي قول أبي يوسف والشَّافعي ومن تابعهما باطلتان إن وقعتا معًا، وإلا فجمعة المسبوقين باطلة، أمر أئمتهم بأداء الأربع بعد الجمعة حتمًا احتياطًا. ثم اختلفوا في نيَّتها؛ فقيل: ينوي السُّنَّة، وقيل: ينوي آخر ظهر عليه، وهو الأحسن، ولأنه إن لم تجز الجمعة فعليه الظهر (٢)، وإن جازت أجزأته الأربع من ظهر فاتت عليه قلت: والأحوط أن يقول: نويت أن (٣) أصلى آخر ظهر أدركت وقته ولم أصله بعدُ؛ لأن الظهر يومه إنما يجب عليه بآخر الوقت في ظاهر المذهب،

стр. 1420

قال المحسن (١): واختياري أن يصلِّي الظهر بهذه النية، ثم يصلي أربعًا بنية السنة. ثم اختلفوا في القراءة؛ فقيل: يقرأ الفاتحة والسورة في الأربع، وقيل: في الأوليين كالظهر وهو اختياري، وعلى هذا الاختلاف فيمن يقضي الصلوات احتياطًا، والمختار عندي أن يحكِّم فيها رأيه، واختلفوا في أنه هل تجب مراعاة الترتيب في الأربع بعد الجمعة بمرو والعصر حسب اختلافهم في نيته، واختلف في سبق الجمعة بماذا يعتبر إذا اجتمعا في مصر واحد؟ فقيل: بالشروع، وقيل: بالفراغ، والأول أصح. وقال في "القنية" أيضًا عزوًا إلى عمر النَّسَفي: أهل مصر لم يصلوا الجمعة لمانع يكره لهم أداء الظهر بالجماعة، وإليه أشار محمَّد ﵀، وقال الإمام الزَّاهدي في "الحاوي" عزوًا إلى "أسرار نجم الدِّين العلَّامة": الأصح والأحوط في ذلك أن ينوي السنة أربعًا بعد الجمعة في موضع يعلم جوازها، ويقرأ في الأربع، وينوي ظهر يومه في موضع يعلم فسادها، ويقرأ في الأولين، وينوي آخر ظهر عليه بقوله: نويت آخر ظهر أدركت. وفي "شرح القُدُوري" قال عزوا إلى رواية "المحيط": لا يجب إيصال الماء إلى ما تحت الحاجبين والشارب باتفاق الروايات، قال الحلواني واتفقوا أنّ عليه أن يمس الماء شعر حاجبيه، وفي صلاة "البَقَّالي": إذا قص الشارب لا يجب عليه تخليله وإيصال الماء إلى الشفتين، وفي "النوازل": لا يجب وإن طال، ثم قال البَقَّالي: وما نزل من شعر اللِّحية من الذقن ليس من الوجه عندنا خلافًا للشافعي، ولا رواية في غسل الذؤابتين جاوزتا القدمين في الجنابة، وكذا السِّلْعة إذا نزلت عن الوجه، والصحيح أنه يجب غسلهما في الجنابة وغسل السِّلْعة في الوضوء.

стр. 1421

قال مولانا وأستاذنا سيد السُّعداء والشُّهداء صاحب "البحر المحيط" فخر الدِّين القُزَيْني في بحره: ومن جنس هاتين المسألتين ما ذكره مظهر الدِّين الشَّافعي في "شرحه": أنه لو كان لرجل رِجْلان ويدان من جانب واحد يمشي ويبطش بهما (يجب غسلهما) (١)، وإن كان يمشي ويبطش بأحدهما، فهي الأصلية فيجب غسلها، وكذا الزائدة إن نبتت من محل الفرض كالأصبع الزائدة والثأليل وإلا فلا. وقال في "شرح القُدُوري" أيضًا في صفة الصلاة: وأما المنفرد فيخفي فيما يخفي الإمام، ويتخير فيما يجهر فيها، عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن أبي حفص: الجهر أفضل كالأذان والإقامة، وعن أستاذي العلامة خاتمة المجتهدين ركن الدِّين الوالجاني ﵀ في "الشامل" مستدلًا بقوله ﷺ : "من صلى على هيئة الجماعة صلت بصلاته صفوف من الملائكة" (٢). هذا في الفرائض، وأما في نوافل النهار فيخفي فيها حتمًا، وفي نوافل الليل يتخيَّر؛ لما روى أبو هريرة ﵁: أنه ﷺ كان يخفض طورًا ويرفع طورًا (٣). وفيه في كتاب الحظر والإباحة عزوًا إلى شرح بكر خَواهَرْ زَادَه: ويكره كتبة التفسير بالفارسية في المصحف كما يعتاده (٤) البعض، ورخَّص فيه الهِنْدُوَاني، وما كتب سلمان (٥) ﵀ الفاتحة بالفارسية لأهل الروم كان لضرورة.

стр. 1422

عن أبي حنيفة ﵀ القصص المكروهة أن يحدث الناس بما ليس له أصل معروف من أحاديث الأولين، أو يزيد وينقص ليزيِّن به قصصه، أو يعظ النّاس بما لا يتعظ أو قلبه ساه، فأما ما سواه فغير مكروه. وقال أستاذنا الإمام العلامة نجم المِلَّة والدِّين أبو طاهر الحفصي تغمده الله برضوانه: يريد به الزيادة في أصله والنقصان منه، أما التزيين بالعبارات اللطيفة والشرح للفوائد التي يتضمنها الكلام فذاك حسن. وفيه في كتاب الأيمان: من نذر نذرًا مطلقًا فعليه كفارة يمين؛ لقوله ﵇ "النذر يمين، وكفارته كفارة يمين" (١). قال شيخنا ركن الأئمَّة الصَّبَّاغي ﵀ في "شرحه": النذر المطلق أن يقول: لله عليّ نذر، قال: فإن سمَّاه فعليه الوفاء بنفس النذر، وقال: ومن حلف لا يجلس على سرير فجلس على سرير فوقه بساط أو حصير حنث؛ لأنّ الجلوس على السرير في العادة كذلك، لأنّ البساط يقع له، وإن جعل فوقه سريرًا آخر فجلس عليه لم يحنث؛ لأنّ الثاني مثل الأول فقطع النسبة عنه. قال شيخنا ركن الأئمَّة الصَّبَّاغي ﵀ في "شرحه": هذا إذا قال: على هذا السرير، أما إذا قال: على سرير؛ يحنث إذا جلس على سرير فوق سرير. وفيه في فصل المهر من كتاب النكاح: وتستحب المتعة لكل مطلقة إلا لمطلقة واحدة، وهي التي طلقها قبل الدخول وقد سمَّى لها مهرًا، لكنه خلاف المذكور في التفاسير والأصول من الشروح، فإنّه ذكر في "الكشَّاف" و "تفسير

стр. 1423

الحاكم" وغيرهما أنّ المتعة مستحبة للتي يطلقها قبل الدخول وقد سمَّى لها المهر، وذكر في الأصل والإِسْبِيْجابي في موضعين و"زاد الفقهاء" وغيرها أنه يستحب لها المتعة، فلا يصح استثناؤها من الاستحباب بخلاف المفوضة، فإنها مستثناة من الاستحباب، وقد بالغ شيخ الإسلام ركن الأئمَّة الصَّبَّاغي ﵀ شرحه لهذا الكتاب في هذا المعنى. وأشار إلى أنه لم يظفروا إلا برواية الاستحباب لها، فأما إن وقع من النُّساخ دون المصنِّف، أو ظفر المصنف برواية لم يظفر بها غيره أنه لا يستحب لها حتى استثناها، والظاهر هو الأول؛ لأنّ المكتوب في النسخ المتفقة: ولم يسمِّ لها مهرًا، ولما صححه ركن الأئمَّة الصَّبَّاغي في نسخته هكذا كتب فوقه وتحته وقدامه هكذا: صح صح صح. [وقد ذكرت هذه المسألة على هذا الوجه بعد الفتنة المستأصلة رؤساء الإسلام وأعلام الأنام، وخالفني أئمة زماني مستظهرين بفتاوى (١) شيخ الإسلام أستاذنا ركن الأئمَّة الوالجاني وأستاذنا منشئ النظر نجم الأئمة الحفصي قدس الله تعالى أرواحهما، فلما كتبت إليهم المذكور في التفاسير والشروح استصوبا ذلك واستحسناه واتفقا أنّ المستثناة هي التي طلقها قبل الدخول، ولم يسمِّ، اللهم وفقنا للصواب من القول والعمل، واحفظنا من الخطأ فيها والزلل] (٢). * * *

стр. 1424

[٥١٩ - أبو المؤيَّد محمَّد الخُوَارِزميُّ (١)] الشَّيخ الإمام أبو المؤيَّد محمَّد بن محمود بن محمَّد بن حسن الخُوَارِزمِيُّ الخطيبُ. وُلِدَ سنة ثلاث عشرة وستمئة. وتفقَّه على منشئ النَّظر الأستاذ (٢) نجم المِلَّة والدِّين طاهر بن محمَّد الحَفْصِي. وسمع بخُوَارِزْمَ، وقدم بغداد وسمعَ بها، وحدَّث بدمشقَ، ووليَ قضاء خُوارِزْم وخطابتها بعد أخذ التَّاتار لها، ثم تركها وقدم بغداد حاجًّا، ثم حجَّ وجاور، ورجع على طريق ديار مصر، وقدم دمشق، ثم عاد إلى بغداد، ودرَّس بها إلى أن ماتَ سنة خمس وخمسين وستِّمئة. * * * [٥٢٠ - نجم الدِّين عُمَر الكَاخُشْتُواني (٣)] الشَّيخ الإمام نجم الدِّين عُمَر بن أحْمَد بن عُمَر الكَاخُشْتُوَاني. إمامٌ عالمٌ جليل القَدْر، كبير المحل، له مشاركة تامَّة في العلوم، كان يتكلَّم كثيرًا في الفرائض والحساب والجبر والمقابلة والهيئة والهندسة، وقرأ الفرائض السِّراجيَّة

стр. 1425

على الشيخ حميد الدِّين محمد بن علي النَّوْقَدي، وهو قرأ على المصنِّف أبي طاهر سراج الدِّين محمد بن محمد بن محمد السَّجاوَنْدِي. وعنه أخذ أبو العلاء شمس الدِّين محمود بن أبي بكر الكَلَابَاذي البُخاري. مات بجُرْجَانِيَّة خُوارِزْم في صفر سنة ثلاث وسبعين وستِّمئة، ودفن عند الإمامين الكبيرين البَقَّالي والبناعي من مشايخ المعتزلة، وكان يفزع من الموت هناك والدَّفن بينهم، وكان يريد أن يسافر من خُوارِزْم فأدركه أجله. والكَاخُشْتُوان، وقد قيل: كُخُشْتُوان بضم الكاف والخاء وسكون الشين المعجمة وضم التاء فوقها نقطتان والواو وبعد الألف نون: قرية من قرى بُخارى، ينسب إليها الإمام نجم الدِّين عمر بن أحمد بن عمر هذا، والبَنَاعي إمام كبير من مشايخ المعتزلة الملقَّب كمال، نسبته إسماعيل بن محمد. [قال عبد القادر في "الجواهر المضية": لم يذكرها السَّمعاني، وذكرها الذَّهبي، ولم يضبطها، وإنما قال: بباء ونون خفيفة، وهي أيضًا نسبة لنور الأئمَّة، ذكره في "القُنية"] (١). * * * [٥٢١ - بدر الدِّين يوسف بن عبد الله (٢)] الشيخ الإمام بدر الدِّين يوسف بن عبد الله بن محمد بن عطاء. عالم فاضل، له مشاركة تامَّة في العلوم.

стр. 1426

تفقَّه على أبيه قاضي القضاة شمس الدِّين عبد الله بن عطاء، وعلى الإمام جمال الدِّين محمود بن أحمد الحَصِيْري، تلميذ الشيخ الإمام فخر الدِّين قاضِي خَان. ولد سنة عشر وستِّمئة، ومات يوم الأربعاء ثالث ربيع عشر الأول، سنة ست وتسعين وستِّمئة، ودفن يوم الخميس عند والده. * * * [٥٢٢ - ابن الشَّمَّاع (١)] الشيخ الإمام المفتي محمد بن عبد الكريم بن عثمان، المعروف بابن الشَّمَّاع. كان عالمًا فاضلًا، له اليد الطُولى في الفروع والأصول، والباع الممتدُّ في المعقول والمنقول. أخذ العلم عن قاضي القضاة شمس الدِّين بن عطاء. وتفقه عليه قاضي القضاة شمس الدِّين محمد بن عثمان الحَرِيري. وكان عارفًا بالمذهب والخلاف، ودرَّس بالخَاتُونِيَّة والصَّادِرِيَّة. مات سنة ست وسبعين وستِّمئة، تغمَّده الله برضوانه. * * *

стр. 1427

المتفرقات من الكتيبة الثالثة عشر [٥٢٣ - بهاء الدِّين أبو صابر أيُّوب الحلبي (١)] الشيخ الإمام العلامة بهاء الدِّين أبو صابر أيوب بن أبي بكر إبراهيم بن النَّحاس الحلبي. إمام عالم مفسِّر محدِّث فقيه خلافي، انتهت إليه رئاسة المذهب في زمانه، درَّس وأفتى وحدَّث. سمع الحديث بمكَّة من ابن الحِمْيَري، وبالقاهرة من يوسف السَّاوي، وببغداد من ابن الخازن. وُلِد بحلب سنة سبع عشرة وستّمئة، ومات في ليلة يسفِرُ صباحُها عن ثاني شوَّال سنة تسع وتسعين وستِّمئة. وقرأ عليه الفروع والأصول قاضي القضاة عماد الدِّين علي بن أحمد بن عبد الواحد الطَّرْسُوسِي، وأخذ الفروع والأصول عنه ابن عمِّه يوسف بن محمد بن يعقوب بن إبراهيم النَّحاس. * * *

стр. 1428

[٥٢٤ - أبو خليفة البَارْعَانِي (١)] عبد العزيز بن عبد السَّيد بن عبد العزيز بن محمود الخُوَارِزْمي. ذكره أبو العلاء في "معجمه"، ولد سنة سبع وعشرين وستِّمئة، ومات في القدس الشريف سنة ست وسبعين وستِّمئة. وكان إمامًا فاضلًا جليلًا فقيها زاهدًا، عابدًا (٢) ورعًا متورِّعًا، وكانت له مشاركة تامَّة في العلوم، وكان أبو الرَّجاء مُختار بن محمود الزَّاهدي معاصرًا له، يفضِّله ويُثني عليه. [٥٢٥ - ابن النَّقيب (٣)] الشيخ الإمام الفقيه الزاهد جمال الدِّين محمد بن سليمان بن الحسن بن الحسين البَلْخِي، ثم المقدسي، أبو عبد الله، المفسر، المعروف بابن النَّقِيب. مولده بالقُدْس سنة إحدى عشرة وستمئة في نصف شعبان.

стр. 1429

وكان زاهدًا عالمًا فقيهًا مفسِّرًا، له مشاركة تامَّة في العلوم، جمع التَّفسير في نحو ثمانين مجلدًا، وكان له شعر حسن، وكان يروي، عن يوسف بن المَحَلِّي، وحدَّث، وقدم القاهرة ودرس بالعاشُوريَّة، ثم تركها وأقام بالجامع الأزهر، ذكره الإرْبِيلي في معظم شيوخه، ثم إنه خرج من القاهرة قاصدًا إلى القدس، فتوفي في القدس سنة ثمان (١) وتسعين وستمئة، وهو ابن سبع وثمانين سنة. والتفسير الذي جمعه لم يُسْبَق إليه، قال فيه: جمعت في تفسيري نحو خمسين عِلْمًا. ذكر فيه أسباب النزول مستوفيًا، والقراءات بوجوه إعرابها، وبيَّن القواعد والمسائل من علوم المباني والمعاني وخواصِّ القرآن، واعتنى ببيان العلوم المستنبطة من الفرقان، فإنَّ كتاب الله تعالى جمع علوم الأوَّلين والآخرين، بحيث لم يحطْ به علمًا حقيقة إلا المتكلِّم به، ثم رسول الله ﷺ ، خلا ما استأثر به سبحانه، ثم ورث عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم، مثل الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس، قال ابن عباس: لو ضاع لي عِقال بعيرٍ لوجدْتُه في كتاب الله (٢). والعلوم المستنبَطة من كتاب الله لا تكاد تنحصِّر؛ منها ما يتعلَّق بالقراءة (٣)، كضبط لغاته، وتحرير كلماته، ومعرفة مخارج حروفه وعددها، وعدد كلماته، وآياته، وسوره، وأحزابه، وأنصافه، وأرباعه، وعدد سجداته، إلى غير ذلك، من حصر الكلمات المتشابهة، والآيات المماثلة من غير تعرُّض لمعانيه، ولا تدبُّر لما أودع فيه.

стр. 1430

ومنها ما يتعلق بالنُّحاة؛ كمعرفة المعرب والمبنيِّ من الأسماء والأفعال، والحروف العاملة، إلى غير ذلك، من ضروب الأفعال، واللازم والمتعدي، ووجوه الأسماء وتوابعها، ورسوم خطِّ الكلمات، وما يتعلَّق بها من المرفوعات والمنصوبات والمجرورات. ومنها ما يتعلَّق بالأصوليِّين: بأصول الدِّين؛ كأدلَّة وحدانيَّة الله تعالى ووجوده وبقائه وقِدَمه وقدرته وعِلْمه، وتنزيهه عمَّا لا يليق به، إلى غير ذلك، من الأدلَّة العقليَّة والشواهد الأصلية والنَّظرية، مثل قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. وبأصول الفقه؛ من معاني خطاب الله تعالى ممَّا يقتضي العموم، وما يقتضي الخصوص، والنَّص والظَّاهر والمجمَل والمحكم والمتشابه والأمر والنَّهي والنَّسخ، إلى غير ذلك؛ من أنواع الأقيسة واستصحاب الحال والاستقراء. ومنها ما يتعلَّق بعلم الفروع؛ من معرفة الحلال والحرام وسائر الأحكام. ومنها ما يتعلَّق بالتَّاريخ والقصص، كأخبار الأمم الخالية، وقصص القرون السالفة وآثارهم ووقائعهم، وذكر بدء الدنيا وخلق الأرض والسماء، كما قال تعالى: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٩]، إلى غير ذلك من حوادث الدنيا، وقصص الأنبياء ﵇. ومنها يتعلَّق بالحِكَم والأمثال والمواعظ التي تُقَلْقِل قلوب الرِّجال، وتكادُّ تُدَكْدِك الجبال، من الوعد والوعيد، والتَّبشير والتَّحذير، وذكر الموت والمعاد، والنَّشر والحشر، والحساب والعِقاب، والجنَّة والنَّار، إلى غير ذلك، مما يتعلق بالخطباء والوعَّاظ.

стр. 1431

ومنها ما يتعلق بعلم التَّعبير والرُّؤيا، كما في قصة يوسُف ﵇؛ في البقرات السِّمان، وفي منامي صاحبَي السِّجن، وفي رؤياه الشمس والقمر والنُّجوم ساجدة. ومنها ما يتعلَّق بإصلاح القوم في مخاطباتهم، وعرف عاداتهم، كما في قوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. ومنها ما يتعلَّق بعلم الفرائض، كآية المواريث، استنبطوا منها من ذكر النِّصف والثُلث والربع والسُّدس والثُّمن حساب الفرائض، ومسائل العول، وأحكام الوصايا. ومنها ما يتعلَّق بعلم المواقيت، كالآيات الدَّالة على الحِكَم الباهرة في اللَّيل والنهار والشمس والقمر والنجوم والبروج وغير ذلك. ومنها ما يتعلَّق بالمعاني والبيان والبديع، مما في هذا التَّنزيل الجليل من جَزَالة اللَّفظ، وبديع النَّظْم، وحسن السِّياق (١)، والمبادئ والمقاطع والمَخَالص، والتَّلوين في الخطاب، والإطناب والإيجاز، وغير ذلك. ومنها ما يتعلَّق بالإشارات والتَّأويلات، كما لاحَ لأصحابِ الحقيقة من ألفاظ القرآن معانٍ ودقائقَ، فجعلوا لها أعلامًا اصطلحوا عليها، مثل الفناء والبقاء والحضور والخوف والهيبة والأُنْس والوَحْشَة والقَبْض والبَسْط والحال والاستغراق والشُّهود والجمع وغير ذلك. وهذه الفنون هي التي أخذتها الملَّة الإسلاميَّة قد أشار إليها في أثناء تفسيره ابن النَّقيب.

стр. 1432

أقول: قد احتوى على علوم أخرى مثل الطِّبِّ؛ فإنَّ مدارَه حفظُ نظام الصَّحة واستحكام القوَّة ومعرفة ما يفيد نظام الصحَّة بعد اختلاله، وحدوث الشفاء للبدن بعد اعتلاله، ويدل عليها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]. وفيه إشارة إلى اعتدال المزاج بتفاعل الكيفيَّات المتضادَّة، مثل قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]. ومنها علم الهَيْئة كما في تضاعيف الآيات التكوينيَّة المنصوبة في ملكوت السموات والأرض. ومنها علم النُّجوم وعلم الميقات وعلم المنازل وعلم الرصد: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦]، ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٥]، ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٨ - ٨٩]. ولو تأمَّلْتَ في تضاعيف آيات التَّنزيل الجليل لأخذْتَ منها الإشارات إلى فنونٍ عديدةٍ لا تكاد تنحصر، كقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، يكاد يستنبط منه المنطق والجدل، ومنها مناظرة إبراهيم ﵇ بنمرود، ومحاجَّة قومه، وحكايات بني إسرائيل، وقصة موسى وعيسى، وغير ذلك مما ذكر في تضاعيف الآيات التَّكوينيَّة والمنصوبة في الأنفس والآفاق يمكن أن يؤخذ منها بالحلِّ والعقد، والتَّقييد والإطلاق، والخلاف والجدل، والمعارضة والمناقضة، والجبر والمقابلة، والتاريخ والأعوام والأيام.

стр. 1433

وقوله تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠]، يؤخذ منه الهندسة، ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤]، قال أبو بكر بن عياش ﴿أَوْ أَثَارَةٍ﴾؛ أي: بقية من علم، وفي "التيسير": قيل: أراد بالأثَارة ما كانت العرب تعرف بعض الأشياء به، من القِيافَة والزَّجْر والتَّكهن والخطِّ والطَّرف مما كانوا يؤثرونه عن أسلافهم، ويمكن أن يستخرج المعنى (١) من قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة: ٢] وقوله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦]، فمن الأول كمال ومن الثاني هود. قال الله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، فسبحانَ من أعجز بفصاحة كتابِه مصاقِعَ الخطباء، وأخرس ببلاغة خطابِه شقائقَ العَرَب العَرْباء. * * * [٥٢٦ - حسام الدِّين الحسن الرَّازي (٢)] المولى الفاضل قاضي القضاة (ابن قاضي القضاة) (٣) حسام الدِّين الحسن بن أحمد بن الحسن بن أَنُوْشَرْوَان الرَّازي، والد قاضي القضاة جلال الدِّين أحمد بن الحسن الأنقروي. كان إمامًا علامة عاملًا كاملًا فاضلًا، معدوم النَّظير في زمانه، وكان رأسًا في

стр. 1434

الفروع والأصول، وله اليد الطُولى في الحديث والتفسير، تولَّى القضاء بملاطِيَة أكثر من عشرين سنة. وكان مولده سنة إحدى وثلاثين وستمئة، ثم ورد دمشق سنة خمس وسبعين وستمئة، فتولَّى بها القضاء أكثر من عشرين سنة، ثم ورد مصر فتولَّى بها القضاء أربع عشرة سنة، وعدم في وقعة التاتار في شهر ربيع الأوَّل، سنة تسع وتسعين وستمئة. أخذ العلوم عنه وتفقَّه عليه ابنه جلال الدِّين أحمد بن الحسن بن أَنُوَشَرْوَان الأَنْقروي. * * * [٥٢٧ - أبو عمر فخر الدِّين عثمان المارْدِيني (١)] الإمام العلَّامة فَخر الدين عثمان بن مصطفى بن إبراهيم بن سُليمان أبو عُمر المارْدِيني. انتهت إليه رئاسة المذهب، وكان شيخ الحنفيَّة في زمانه، عديم النَّظير في الأصول والفروع، وله مشاركة تامَّة في العلوم، نحوي لغوي محدِّث مفسر أديب بليغ، حدَّث وأفتى ودرَّس. وتخرج عليه كثير من الطَّلبة. شرحَ "الجامع الكبير"، وأكمله في درس المنْصوريَّة، وسمع منه "الهداية" جمعٌ كثير بالجامع الحاكمي.

стр. 1435

مات بالقاهرة سنة إحدى وثلاثين وسبعمئة، وكان عُمِّرَ عمرًا طويلًا. أخذ عنه العلم وقرأ عليه "الهداية" ولداه قاضي القضاة علاء الدِّين أبو الحسن علي بن عثمان المَارِدِيْني، والعلَّامة تاج الدِّين أبو العباس أحمد بن عثمان المَارِدْيني، وصاحب "الجواهر المضيَّة" محيي الدِّين عبد القادر بن محمد بن محمد بن نَصْر الله القرشي، والإمام تاج الدِّين إسماعيل بن خليل. * * * ٥٢٨ - أبو القاسم التَّنُوخي (١) إمام (٢) عالم بارع فقيه أديب محدِّث مفسِّر. أخذ الفروع عن الإمام حميد الدِّين الضَّرير، وقرأ عليه "الهداية"، وهو تلميذ شمس الأئمَّة محمَّد بن عبد السَّتَّار الكَرْدَري، وهو تلميذ صاحب "الهداية"، وراوي "كتاب الهداية" عنه. وتفقَّه عليه العلَّامة الزَّاهد الكبير شمس الدِّين الخطيب الدَّلري، وملك العلماء بدلي سراج الثَّقفي الدِّلِّي، والإمام الزاهد وجيه الدِّين الدِّلِّي البَالِكي، والإمام العلامة ركن الدِّين البدواني. * * *

стр. 1436

[٥٢٩ - نجم الدِّين أبو الطاهر إسحاق بن علي] العلامة الفاضل نجم الدِّين أبو الطاهر إسحاق بن علي بن يحيى. انتهت إليه رئاسة الحنفيَّة في وقته، عارف بالمذاهب والخلاف، وله الباع الممتد في العلوم الشرعيَّة والعقليَّة، وله حواشٍ على "الهداية" بمجلَّدَين ضخمَيْن، مشحونة بالفوائد النَّفيسة. وَليَ نيابة الحكم بالقاهرة عن العلَّامة قاضي القضاة معزِّ الدِّين نعمان بن الحسن بن يوسف الخطيبي، ودرَّس بالمنصوريَّة بعد قاضي القضاة معزِّ الدِّين المذكور، ودرَّس بالفَارَقانيَّة، وهو أوَّل مدرِّس بها، ودرَّس بالحساميَّة وهو أول مدرِّس بها. تفقَّه عليه أبو العباس أحمد بن إبراهيم السَّرُوجِي، وأخذ العلم عنه ابنه جمال الدِّين يوسف بن إسحاق بن علي. مات بالقاهرة سنة إحدى عشرة وسبعمئة. * * * [٥٣٠ - معزُّ الدِّين نعمان بن الحسن الخطيبي (١)] معزُّ الدِّين نعمان بن الحسن بن يوسف الخطيبي (٢)، قاضي القضاة بالقاهرة.

стр. 1437

كان عالمًا فاضلًا ورعًا بارعًا، له مشاركة تامَّة في العلوم، وقوة كاملة في الحديث والخلاف، وكان خيِّرًا محمودَ الخصائل، ناب أولًا بالقاهرة عن الشيخ الإمام صدر الدِّين أبي الرِّبيع سليمان بن أبي العزِّ، ثم اشتغل (١) بعد وفاته، وولي قضاء العساكر المنصورة. مات بالقاهرة سنة اثنتين وتسعين وستمئة. * * * [٥٣١ - أبو عبد الله محمود الرُّومي (٢)] محمودٌ بن رمضانَ، الإمامُ أبو عبد الله الرُّومي. أحد شرَّاح "كتاب القُدُوري"، وسمَّاه "اليَنابيع". * * * ٥٣٢ - محمد بن رسول بن يونس (٣) أحد شرَّاح "كتاب القُدُوري"، وسمَّاه "البيان" (٤). * * *

стр. 1438

[٥٣٣ - يوسف بن عمر الصُّوفي (١)] الشيخ الإمام يوسف بن عمر بن يوسف الصُّوفي. صاحب "كتاب جامع المضمرات في شرح القُدُوري". شيخ كبير وعالم تحرير، جمع عِلْمَي الشريعة والحقيقة، وهو أستاذ صاحب "الفتاوى الصُّوفية" فضل الله بن محمد بن أيُّوب الإمام المنتسب إلى ماجو. وفي "الفتاوى الصُّوفية" في الفصل الخامس من الباب الثالث والأربعين: "وارحم محمدًا، وكذا ورحمت وترحمت على إبراهيم" (٢)، ذكر عن الإمام الصفَّار ﵀ أنَّه كره إطلاق هذه الألفاظ على أنبيائه ورسله، وحكي أيضًا عن محمد بن (عبد الله بن عمر) (٣): أنه كان يكره قول المصلِّي: "وارحم محمدًا وآل محمد"، وكان يقول: هذا نوع ظن بتقصير الأنبياء ﵈، فإنَّ أحدًا لا يستحقُّ الرحمة إلا بإتيان ما يُلام عليه، ونحن أمرنا بتعظيم الأنبياء وتوقيرهم، ولذا إذا ذكر النبي ﷺ لا يقال: "﵀"، لكن يقال: " ﷺ "، وإذا ذُكر الصحابة لا يقال: "﵏"، ولكن يقال: "﵃" أو "رضوان الله عليهم"، هكذا ذكر الشيخ الإمام خُوَاهَرْ زَادَه ﵀.

стр. 1439

وفي "المحيط" و"الظَّهيرِيَّة": أنّ الشَّيخ الإمام الفقيه أبا جعفر يقول: وأمَّا أنا فأقول: "وارحم محمدًا وآل محمد"، واعتمادي عليه التَّوارث الَّذي وجدْتُه في بلدي، وكان الشيخ الإمام الزاهد أبو الحسن الرُّسْتُغْفَنِيُّ يقول معنى قولنا: "وارحم محمدًا" أي: أمَّة محمَّد، فهو راجع إلى الأمَّة. وزاد في "المحيط": كمَنْ جنى جناية، وللجاني أبٌ كبير، فأراد أن يقسو العقوبة على الجاني، والنَّاس يقولون للذي يعاقبه: ارحم على هذا الشيخ الكبير، وتلك الرحمة راجعة إلى الجاني حقيقة، فيكون معناه: وارحم هذا الشيخ بالرحمة على ابنه الجاني، كذا هاهنا راجعة إلى الأمة. والكلُّ من "جامع المضمرات" للأستاذ رحمة الله عليه، والحمد لله رب العالمين، إلى هنا من "الفتاوى الصوفية". وذكَرَ الزَّيْلَعِيُّ: والصَّحيح أنه لا يكره، وهو مذهب المتكلِّمين؛ لأنَّ النبي ﷺ من أشوق العباد إلى مزيد رحمة الله، ولا يستغنى أحد عن رحمة الله تعالى، والله أعلم.

стр. 1440

قلب الكتيبة الثالثة عشر [٥٣٤ - سيف الدين الباخرزي (١)] الشيخُ الإمام الرَّباني، والمرشد الكامل، العارف الصَّمداني، أبو المعالي، مجمع المعاني، سيف الدِّين بن المطهَّر بن سعيد البَاخَرْزي، بفتح الباء الموحدة والألف وفتح الخاء المعجمة وسكون الراء ثم بالزاي المعجمة والياء؛ نسبة إلى باخَرْز، هي ناحية من نواحي نَيْسابور، مشتملة على القرى والمزارع، ينسب إليها الشَّيخ سيف الدِّين البَاخَرْزِي، وولده جلال الدِّين الشيخ محمَّد البَاخَرْزي. وهو الشَّيخ الكامل، صفوة العلماء، وقدوة العرفاء، وكان جامعًا لعلمي الشريعة والطريقة، وكاشفًا لغوامض أسرار الحقيقة، وكان ذا شأن عند الخاصِّ والعام. أخذ العلوم الظَّاهرة عن الشيخ شمس الأئمَّة محمد بن عبد الستَّار الكردري، عن صاحب "الهداية"، عن الصَّدر الشَّهيد عمر بن عبد العزيز بن عمر بن مَازه، عن أبيه الصَّدر الكبير عبد العزيز بن عمر بن مازه، عن شمس الأئمَّة السَّرْخَسي، عن شمس الأئمَّة الحَلْواني، عن القاضي الإمام أبي علي النَّسَفي، عن الشيخ الإمام (أبي بكر) (٢) محمد بن الفضل، عن الأستاذ الإمام عبد الله السَّبَذْمُوني، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى. وأخذ علم التَّصوف ومعارف الحقيقة وآدب الطريقة عن أبي الجَنَّاب الشيخ نجم الدِّين الكُبْرى عن الشيخ إسماعيل القَصْري عن الشيخ شهاب الدِّين عبد
следующие страницы →