← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

﵁، فأتياه فضربا الباب، فسمع زيد صوت عمر فاستقبل، فقال: ألا أرسلْتَ لي يا أمير المؤمنين، فقال: في بيته يؤتى الحكم. قال الصَّدر الشَّهيد: في الحديث دليلٌ على جواز التَّحكيم، وفيه دليل أيضًا على أنّ الإمام إذا وقعت له الخصومة أو عليه لا يحكم بنفسه، لكن يحكِّم غيره ليحكم بينه وبين خصمه، ألا ترى أنَّ عمر ﵁ حكَّمه، فإذا حكَّم الإمام إنسانًا يصير ذلك الحكم كالحاكم المولَّى. وفيه دليل أيضًا على أنَّ الحكم لا يدعوه الإمام إلى نفسه، لكن يأتي إلى بيته، وإنما كان ذلك تعظيمًا للحَكَم، كما أنَّ المتعلِّم لا يدعو العالم إلى نفسه، بل يأتي إليه تعظيمًا للعلم. وفيه دليل إلى أنَّ الخصومات كانت تقع بين كبار الصحابة ﵃، ولا يظن بهم إلَّا الجميل، فيحمل على أنَّ الأمر قد يشتبه عليهم، فيختصمون كي يظهر الحقُّ، ولا يُظنُّ بهم إلا هكذا] (١). وفي "شرح المشارق" لابن الملَك في "باب أن": ما رواه عن النبيّ ﷺ اثنان وتسعون حديثًا، له في الصحيحين عشرة أحاديث، انفرد البُخاري منها بأربعة، ومسلم بواحد. ذكر ابن حجر في "المختصر" عن ابن المَدِينْي: قال لم يكن من الصحابة من له أقوام يقومون بقوله إلا ثلاثة: ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس ﵃. * * *

стр. 177

[٣٥ - أبيّ بن كعب (١)] أقرأ الأمَّة، وسيِّد المسلمين، أبيُّ بن كَعْب بن قَيْس بن المنذر الأنصاري ﵁. كان كاتبَ الوحي لرسول الله ﷺ ، وكان يكتب في الجاهلية، وكان من السبعة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، وعَرضوا عليه، وعليهم دارت الأسانيد كلُّها. (وفي "أصول البَزْدَوي": تركَ رسول الله ﷺ آية في قراءته، فلمَّا أُخْبِر به قال: "ألم يكن فيكم أبيّ؟ " فقال أبيٌّ: بلى يا رسول الله، لكني ظننْتُ أنها تُسخَتْ، فقال رسول الله ﷺ : "لو نسخت لأخبرتكم" (٢)) (٣). أخذ عنه القراءةَ ابن عبَّاس، وأبو هريرة، وعبد الله بن السَّائب، وجماعة كثيرة، وعن ابن عباس قال عمر: أقصانا عليٌّ، وأقر أنا أبيٌّ (٤). (وعن قتادة عن أنس: أنَّ النبيَّ ﷺ قال لأبيٍّ: "إِنِّي أُمِرْتُ أنْ أقرأَ عليك"، وفي لفظ: "أن أُقرئِكَ القرآن"، قال: "الله سمَّاني لك"، قال "نعم"، فبكى أُبيٌّ (٥)) (٦).

стр. 178

وقال عمر يوم مات أُبيّ: اليوم مات سيد المسلمين (١). توفي ﵁ بالمدينة سنة عشرين أو تسع عشرة، ذكره الذَّهبي في "طبقات القُرَّاء". * * * [٣٦ - أبو موسى الأشعري (٢)] أبو موسى الأشعري، عبد الله بن قَيس بن سليم الأشعري ﵁. هاجر إلى النبيِّ ﷺ فقدم عليه عند فتح خيبر، وحفظ القرآن والعلم، ولئن قصرت مدة صحبته فلقد كان من نُجباء الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وكان من أطيب الناس صوتًا، سمع النبيُّ ﷺ قراءته، فقال: "لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود" (٣). وقد استغفر له النبيّ ﷺ ، واستعمله على زبيد وعدن، ثم ولّي إمْرَةَ الكوفة والبصرة، وحكَّمه على نفسه في شأن الخلافة يوم التحكيم عليٌّ ومعاوية لجلالته وفضله.

стр. 179

[قيل: مكر به يوم التحكيم عَمْرو بن العاص وخدعه، وإجمال هذه الحكاية أنّ عليًّا ومعاوية ﵄ حكَّما بعد وقعة صفِّين، فيه (١) أبو موسى الأشعري، ومعاوية عيّن عَمْرو بن العاص، وتصالحَا على أنّ هذين الحَكَمين على أيِّ أمر اتفقا لم يتجاوزْ أحدٌ عن هذا الأمر، وكان ذلك في رمضان سنة سبع (٢) وثلاثين. فحضر وابدومة الجندل، ثم بعد معارضات كثيرة من الجانبَين وطول المشاورات اتفقا على أن يخلعا عن عليٍّ ومعاوية، ثم عيَّنا لأمر الخلافة مَنْ يراه المسلمون حسنًا، فقام أبو موسى أولًا وقال: هكذا خلعْتُ عليًّا عن الخلافة، وأخرج إصبعه عن خاتمه، ثم قام عَمْرو وكان قد أخرج إصبعه، وقال: هكذا قرَّرْتُ أمر الخلافة على معاوية، وأدخل إصبعه في خاتمه، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، ووليُّ عُثمان ﵁ كان معاويةَ. ذكر ابن الملَك في "شرح المشارق" في حديث: "من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" (٣)] (٤): ما رواه أبو موسى الأشعري عن النبيِّ ﷺ ثلاثمئة وستون حديثًا، له في الصحيحين ثمانية وستون، انفرد البُخاري بأربعة، ومسلم بخمسة عشر، (وهذا الحديث مما انفرد به مسلم عن أبي موسى وعائشة ﵄. وافتتح أبو موسى أصبهان في زمن عمر ﵁ (٥). مات ﵁ في ذي الحجة سنة أربع وأربعين على الصحيح.

стр. 180

[٣٧ - أبو الدَّرداء (١)] أبو الدَّرداء عُوَيْمر بن زيد ﵁. سابع (٢) السَّبعة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، وهم عُثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وأبو الدرداء. (قرأ القرآن على عهد رسول الله ﷺ ) (٣). وقد تأخَّر إسلامُه عن بدر، وأبلى يوم أُحدٍ بلاءً حسنًا، وآخَى رسول الله ﷺ بينه وبين سلمان وكان عند مقدمه آخى بين المهاجرين والأنصار، وهذان أسلما بعد ذلك بمدَّة، فآخى بينهما. يقال: حكيم هذه الأمَّة، وكان فقيهًا عالمًا، كان من العلماء الحكماء (٤) الألبَّاء. يقال: إنَّ ابن عامر قرأ عليه، وُلِّي قضاء دمشق، وقد عرض عليه القرآن كثيرون. روى عنه: أنس وأبو أمامة، وزوجته أم الدرداء، وابنه بلال، وعلقمة، وجُبَير بن نُفير، وسعيد بن المسيَّب، وغيرهم. (ذكره الذَّهبي في "طبقات القُرَّاء") (٥). وروي أنَّ عمر ﵁ استعمل أبا الدرداء على حمص، ثم سمع (٦) أنّه

стр. 181

بني كنيفًا، وصرف إليه من بيت مال المسلمين در همين ونصف درهم، وكان عادته أن يدفع في الصحراء، فعرض له مرض الزَّحير (١) (٢) فأحوجته الضرورة إليه، فكتب إليه عمر ﵁: يا عُويمر بلغني أنك بنيت كنيفًا وأنفقت فيها درهمين ونصفًا من بيت مال المسلمين، أما كان يكفيك بَقايا عمران الروم، حتى تشتغل بعمارة الدنيا، فإذا أتاك كتابي فاعلم أني سيَّرتك إلى دمشق، فكن بها إلى أن يأتيك الموت (٣). ذكره السيِّد علي الهَمَذاني في "ذخيرته". وكان أبو الدَّرداء إذا صلى الغداة في جامع دمشق اجتمع الناس للقراءة عليه، فكان يجعلهم عشرة عشرة، وعلى كلِّ عشرة عَرِيْفًا، ويقف هو في المحراب يرمقهم ببصره، فإذا غلط أحدهم رجع إلى عَرِيْفهم، فإذا غلط عَرِيْفهم رجع إلى أبي الدَّرداء فسأله عن ذلك، وكان ابن عامر (٤) عَرِيْفًا على عشرة (كذا قال سويد) (٥)، فلما مات أبو الدرداء خلفه ابن عامر، كذا ذكره الذَّهبي. وذكر ابن الملَك في "شرح المشارق" في حديث: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصِم من الدَّجال": ما رواه أبو الدَّرداء عن النبيِّ ﷺ مئة وسبعون حديثًا، له في الصحيحين خمسة عشر انفرد البخاري منها بثلاثة، ومسلم بتسعة، (وهذا الحديث مما انفرد به مسلم)، (٦) مات بدمشق سنة اثنتين وثلاثين ﵁.

стр. 182

[٣٨ - سعد بن أبي وقَّاص (١)] سعد بن أبي وقَّاص مالك بن أُهَيْب بن عبد مناف بن زُهْرَة بن كِلاب بن مُرَّة. كان يجتمع هو والنبيُّ ﷺ في عبد مَناف، وكان أحد العشرة المبشرة بالجنة، وأحد أصحاب الشورى، وكان أَرْمى الناس، ودعا له رسول الله ﷺ ، فقال: "اللهم أجبْ دعوته، وسدِّد رميته" (٢)، وجمع له النبيُّ ﷺ فقال: "ارمِ فداك أبي وأمي" (٣)، وقال ﷺ : "هذا خالي فليأت كلُّ رجلٍ (٤) بخاله" (٥). وولَّاه عُمر بن الخطاب الكوفة، ثم شكا أهل الكوفة سعدًا، فعزله عمر (٦) ﵁، ثم ولَّاه عُثمان بعده الكوفة، ثم عزله عثمان، واستعمل الوليد بن عقبة، فلما قدم عليه قال للوليد: يا أبا وهب أَكِسْتَ بعدنا، أم حَمُقْنا بعدَك، فقال: ما كِسْنَا ولا حَمُقْتَ (٧)، ولكن القوم استأثروا (٨). (ذكر ابن الملَك في "شرح المشارق" في باب من في حديث: "من ادَّعى إلى

стр. 183

غير أبيه وهو يعلم أنّه غير أبيه فالجنَّة عليه حرام" (١)) (٢): قيل: إنّه كان ثالثًا في الإسلام، أسلم على يد أبي بكر، وكان أولَ من رمى بسهم في سبيل الله، وكان مشهورًا باستجابة الدَّعوة؛ (لدعائه ﷺ بقوله: "اللهم سدِّد سهمه، وأجب دعوته" (٣)) (٤)، وهو (٥) آخر العشرة المبشرة بالجنة (٦) موتًا. ما رواه عن النبيِّ ﷺ مئتان وأحد وسبعون حديثًا، له في الصحيحين ثمانية وثلاثون، انفرد البُخاري بخمسة، ومسلم بثمانية، (وهذا الحديث مما اتَّفقا عليه) (٧). مات ﵁ بقصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، فحمل إلى المدينة على رقاب الناس، وكانت وفاته سنة خمس وخمسين (وهو آخر العشرة موتًا) (٨) وصلَّى عليه مروان بن الحكم، وهو يومئذ والي المدينة لمعاوية، وبلغ من السنِّ بضعًا وسبعين أو ثمانين، وكان يقول: أنا أسلمت وأنا ابن تسع عشرة سنة. (هكذا ذكر ابن قتيبة في "المعارف") (٩). وكان ﵁ من فُقهاء الصحابة (المعدودين من متوسطيهم في الفتوى) (١٠).

стр. 184

[٣٩ - عبد الرَّحمن بن عوف (١)] عبد الرحمن بن عَوْفٍ بن الحارث بن زُهْرَة بن كلاب بن مُرَّة. ويكنى أبا محمَّد، كان أحد العشرة المبشرة بالجنَّة، وأحد الستَّة الشورى. عن الواقدي: ولد عبد الرَّحمن بن عوف بعد عام الفيل بعشر سنين. مات سنة اثنتين وثلاثين وهو يومئذ ابن خمس وسبعين سنة. وعن أبي اليقظان: مات في خلافة عُثمان، وقُسم ميراثه على ستة عشر سهمًا، فبلغ نصيب كل امرأة له ثمانين ألف درهم قيل: خلّف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومئة فرس، وترك ذهبًا وفضة وأربع نسوة، فأخرجَت. كلُّ (٢) امرأة مما حظها من الثمن بثمانين ألف درهم، وأعتق في يومٍ (٣) ثلاثين عبدًا، وأوصى أن يُصلِّي عليه عُثمان بن عفان. (في "فتاوى قاضِي خَان" في فصل القراءة من كتاب الأيمان روي أنَّ عبد الرَّحمن بن عوف حلف أن لا يكلِّم عثمان، فكلَّم الحائط) (٤). * * *

стр. 185

[٤٠ - طلحة بن عبيد الله (١)] طلحة بن عُبَيد (٢) الله بن عُثمان بن عُمَر بن كَعب بن سعد بن مُرَّة بن كَعب بن لُؤي ﵁. ويكنى أبا محمد، وكان يقال: طلحة الخير، وطلحة الفيَّاض، وطلحة الطَّلحات وليس هو طلحة الطلحات الذي قيل فيه (٣): رحمَ الله أعظمًا دَفنوها … بِسجِسْتان طلحةَ الطَّلحاتِ (٤) وذلك ابن خزاعة. وكان طلحة من المهاجرين الأوَّلين من العشرة المبشرة بالجنة، وأحد أصحاب الشورى، ولم يحضر يوم التَّشاور وكان غائبًا، وثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد، ووقاه يومئذ من ضربة، فصرفها إليه، فشلَّت يده، فقال رسول الله ﷺ : "أوجبَ طلحة" (٥)، يعنى الجنَّة، قتل في وقعة الجمل. (وفي "شرح المشارق" لابن المَلك في "فصل إذا"، في حديث: "إذا حدثتكم

стр. 186

عن الله بشيء فخذوا به فإني لن أكذب على الله" (١)) (٢): قيل: ما رواه عن النبيّ ﷺ ثمانية وثلاثون حديثًا، له في الصحيحين ثمانية أحاديث، انفرد البُخاري منها باثنين، ومسلم بثلاثة، (أحدها هذا) (٣). وذكر ابن قُتيبة: عن الفضل بن دُكَين، (عن قيس بن الربيع، عن عمران بن موسى بن طلحة، عن أبيه) (٤) قال: كان في يد طلحة خاتم من ذهب فيه ياقوتة حمراء (٥). وكانت غلته في كلِّ يوم ألف درهم وافٍ. (وفي "الجواهر المضيّة" في فوائده: كان طلحة من أهل الفتوى المضافة إلى المتوسط، وفي الفُتيا من الصحابة ﵁ أجمعين) (٦). * * * [٤١ - الزبير بن العوام (٧)] الزُّبير بن العوَّام بن خُوَيْلِد بن أَسَد بن عبدِ العُزَّى بن قُصَيِّ بن كِلاب بن مُرَّة بن كَعْب ﵁.

стр. 187

كانت أمُّه صفيَّة بنت عبد المطلب عمَّة رسول الله ﷺ ، وكان خُوَيْلِد قُتِل في الجاهلية، فَوُلِد لِخُوَيْلِد خديجة ﵂ أمُّها فاطمة بنت زائدة (١) بن الأصَم، وهي زوجة النبيِّ ﷺ وعمَّة الزُّبير. وقُتِل العوَّام يوم الفِجَار. شهد بدرًا مع المشركين فلم يُقْتَل ولم يُؤْسَر، ثم أسلم فحسن إسلامه، فكان إذا حلف وشدد في اليمين يقول: والذي نجَّاني يوم بدر. وكان الزُّبير (٢) حواريَّ رسولِ الله ﷺ ، وأحدَ العشرة المبشرة بالجنَّة، وأحدَ أصحاب الشورى. قتل يوم الجَمل في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، وهو ابن أربع وستين سنة. هذا قول الواقدي. (وعن أبي اليقظان: قتل وهو ابن ستين سنة. وكان من فُقهاء الصحابة ومن السبعة المضافة إلى متوسطي أهل الفُتيا، وهم ثلاثة عشر، تقدَّم ذكرهم في باب السُّلطان) (٣). روي عن عروة بن الزُّبير: أنَّ الزُّبير كان طويلًا، تخطُّ رجلاه إذا ركب الأرض، أزرق أشعر، ربما أخذت وأنا غلام بشعر كتفه حتى أقوم. ذكره ابن قتيبة في "المعارف" (٤). (وفي "شرح المشارق" في الفصل الخامس في "فصل يا" في حديث: "يا زبير اسق ثم احبس الماء حتى يرجع" (٥)، أي: يبلغ إلى الجدار الحائل

стр. 188

بين المشارب) (١): قيل: ما رواه عن النبيِّ ﷺ ثمانية وثلاثون حديثًا، له في الصحيحين تسعة أحاديث، سبعة منها للبخاري، وحديثان متَّفق عليها. [قال الزُّبير: خاصمني رجل من الأنصار في سيل الماء، فقال ﷺ : "اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك". فغضب الأنصاري فقال "إن كان ابن عمتك" يعني حكمتَ له لكونه ابن عمتك، فتلوَّن وجْه النبيّ ﷺ ثم قال: "يا زبير اسق، ثم احبس الماء حتى يرجع". قال النَّووي في "شرح مسلم": أمر النبيُّ ﷺ أولًا أن يسقي الزُّبير دون قدر حقه، توسعة للأنصاري؛ لعلمه أنَّه يُؤثر الإحسان إلى جاره، ولما قال الجار ما قال أمره بأخذ جميع حقِّه، وإنما لم يأمره بقتله لأنَّه كان في أوَّل الإسلام، وكان يصبر على أذى المنافقين، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٣]. فإن قلت: كيف حكم النبيُّ ﷺ على الأنصاري حالَ غضبه، مع قوله ﷺ : "لا يقضي القاضي وهو غضبان" (٢)؟ قلْتُ: إنّه ﷺ كان معصومًا من أن يقول غير الحقِّ، ولو كان في السَّخْط. وفي الحديث دلالة على إرشاد الحاكم إلى الإصلاح بين الخصوم] (٣). * * *

стр. 189

[٤٢ - أبو هريرة (١)] أبو هريرة عبد الرَّحمن بن صَخْر الدَّوسي الحافظ ﵁. كان اسمه في الجاهلية عبد شمس، وفي الإسلام عبد الرَّحمن، كني بأبي هريرة؛ لأنه ﷺ رأى في ثوبه شيئًا يحمله فقال: "ما هذا يا عبد الرَّحمن؟ " قال: "هرّة". فقال ﷺ : "أنت أبو هريرة" (٢)، فاشتهر بهذه الكنية، وكان يحب أن يدعوه الناس بهذه الكنية؛ لتبركه بلفظ رسول الله ﷺ . وكان قدومه بالمدينة سنة سبع والنبي ﷺ بخيبر، فسار إلى خيبر حتى قدم مع النبي ﷺ المدينة (٣)، أسلم هو وأمّه. وروى عن النبيِّ ﷺ ما لا يُوصف، وروى عنه نحوٌ من ثمانمئة نفس، وحديثه في "مسند بقي بن مخلد" أكثر من خمسة آلاف حديث. (وذكر ابن الملَك في "شرح المشارق" في أول باب مَنْ "في حديث" "من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة؛ هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي وُلد فيها" (٤)) (٥). روى عن النبيّ ﷺ خمسة آلاف وثلاثمئة وأربعة وسبعين حديثًا، أخرج له في

стр. 190

الصحيحين ستمئة وتسعة أحاديث، انفرد البُخاري منها بثلاثة وسبعين، ومسلم بمئة وسبعين، (وهذا مما انفرد به البُخاري) (١). وكان إمامًا مُفتيًا فقيهًا، (٢) روي عن زياد بن ميناء (٣) قال: كان ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة، وأبو سعيد، وجابر، من الصحابة يُفتون بالمدينة، ويحدثون من لدن توفي عثمان إلى أن توفوا، وإلى هؤلاء الخمسة صارت الفتوى، هكذا (٤) ذكره الذهبي. وكان حسنَ الأخلاق متواضعًا (محببًا إلى الأمة) (٥). روى عنه سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرَّحمن وعروة وابن سيرين وغيرهم. (وكان كثيرَ العبادة والذكر، وقد ذاق جوعًا وفاقة، ثم استعمله عمر فأثرى (٦) وكثر ماله، وولي إِمْرَةَ المدينة زمن معاوية) (٧). حكي (٨) أن أبا هريرة ﵁ كان يقول: نشأتُ يتيمًا، وهاجرْتُ مسكينًا، وكنْتُ أجيرًا البُسْرة بنت غَزْوان بطعام بطني، وعُقْبَة رجلي (٩)، فكنْتُ

стр. 191

أخدم إذا نزلوا، فَرَزَقَنيها الله -أي: زوّجنيها- والحمد لله الذي جعل الدِّين قِوامًا، وجعل أبا هريرة إمامًا (١). وكنيتُ أبا هريرة بهرة صغيرة كنت ألعَب بها. [وكان أبو هريرة مزَّاحًا، روي عن أبي رافع قال: كان مروان ربما استخلفه على المدينة، فيركب حمارًا قد شدَّ عليه بردعة، وفي رأسه حلقة حبل من ليف، فيسير فيلقى الرَّجل فيقول: الطريقَ قد جاء الأمير. وربما دعاني إلى عشاه فيقول: دع العِراق للأمير، فانظر، فإذا ثريد بزيت والعراق: العظم الذي (٢) عليه اللَّحم. ذكره ابن قتيبة (٣)] (٤). * * * [٤٣ - أبو سعيد الخدري (٥)] أبو سعيد الخُدْري هو سَعْدُ بن مالك ﵁. منسوب إلى خُدْرَة، وهم من اليمن. وكان ﵁ من فُقهاء الصَّحابة، وهم أهل الفُتيا، ومن الخمسة

стр. 192

الذين يُفتون في المدينة من لدن توفي عُثمان ﵁ إلى أن توفوا، (كما ذكرنا في أبي هريرة) (١). مات سنة أربع وسبعين. [ذكر ابن الملَك في "شرح المشارق" في "باب مَنْ"، في حديث: "من رأى منكم منكرًا فليغيِّرْه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (٢): رواه مسلم عن أبي سعيد، قيل: ما رواه عن النبيّ ﷺ ألف ومئة وسبعون حديثًا، له في الصحيحين مئة وأحد عشر، انفرد البُخاري بستة عشر، ومسلم باثنين وسبعين] (٣). * * * [٤٤ - جابر بن عبد الله (٤)] جابرُ بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه. ويُكنى بأبي عبد الله، قُتل أبوه يوم أحد، وشهد العقبة مع السَّبعين من الأنصار، وكان أصغرهم يومئذ، ولم يشهد بدرًا ولا أُحدًا، (وشهد ما بعد ذلك) (٥). وكان من مشاهير الصحابة ومن أهل الفُتيا، ومن الخمسة الذين يفتون في المدينة من لدن توفي عُثمان ﵁ (إلى أن توفُّوا، كما ذُكر في أبي هريرة.

стр. 193

في "شرح المشارق" في حديث: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل" (١): رواه مسلم عن جابر). (٢) قيل: ما رواه عن النبيِّ ﷺ ألف وخمسمئة وأربعون حديثًا، له في الصحيحين مئتان وعشرة أحاديث، انفرد البُخاري بستة وعشرين، ومسلم بمئة وستة وعشرين. مات بالمدينة سنة ثمان وسبعين، وهو يومئذ ابن أربع وتسعين سنة، وقد كان ذهب بصره، وصلى عليه أَبَان بن عُثمان وهو والي المدينة يومئذ (٣). (وكان جابر ممَّن تأخَّر موته من الصَّحابة من أصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة) (٤). * * * [٤٥ - عبد الله بن الزُّبير (٥)] عبد الله بن الزُّبير بن العوَّام ﵄. عبد الله بن الزُّبير بن العوَّام ﵄، وُلِد بعد الهجرة بعشرين شهرًا، قال ابن قُتيبة في "المعارف"، هذا قول الواقدي. وقال أبو اليقظان: هو أول مولود بالمدينة في الإسلام.

стр. 194

وأمُّه أسماء بنت أبي بكر الصِّدِّيق ﵄، طلَّقها الزُّبير فكانت مع ولدها بمكة حتى قُتل ولدها عبد الله بن الزُّبير، وبقيَتْ إلى مئة سنة حتى عَمِيَتْ، وماتَتْ بمكة. تخلَّف عن بيعة يزيد، ثم بعد وقعة الحُسَين ﵁ طلب الخلافة فظفِر بالحجاز، والعراق واليمن، ومصر، فمكث كذلك تسع سنين، وبني الكعبة، فجعل لها بابين. روي أنّه لما توفي يزيد بن معاوية في شهر ربيع الأول قام بالأمر بعده ابنه (١) معاوية بن يزيد بن معاوية، وكان خيرًا من أبيه، فيه دين وعقل، بويع له بالخلافة يوم موت أبيه، فأقام فيها أربعين يومًا. وقيل: أقام خمسة أشهر وأيامًا، ثم خلع نفسه. ولما خلع نفسه صعد المنبر، وجلس طويلًا، ثم حمد الله وأثنى عليه بأبلغ ما يكون من الحمد والثناء، ثم ذكر النبيَّ ﷺ بأحسن ما يُذكر، ثم قال: أيُّها الناس ما أنا (٢) بالرَّاغب في الإنتمار عليكم؛ لعظيم (٣) ما أكرهه منكم، وإنّي أعلم أنَّكم تكرهوننا أيضًا؛ لأنَّا بُلينا بكم وبُليتم بنا، ألا إنَّ جدِّي معاوية ﵁ نازع هذا الأمر مَن كان أولى به (٤) منه ومن غيره؛ لقرابته من رسول الله ﷺ ، وعظيم فضله، وسابقته أعظم المهاجرين قدرًا، وأشجعهم قلبًا، (وأكثرهم علمًا) (٥)، وأولهم إيمانًا،

стр. 195

(وأشرفهم منزلة) (١)، وأقدمهم صحبة، ابن عمِّ رسول الله ﷺ وصهره وأخوه، زوَّجه ابنته، وجعله لها بعلًا باختياره لها، أبو سِبْطيه سيدَيْ شباب أهل الجنَّة، وأفضل هذه الأمة. فركب جدِّي منه ما تعلمون، وركبتم منه ما لا تجهلون، حتى انتظمت لجدِّي الأمور، فلمَّا جاء القدر المحتوم، واخترمته أيدي الهموم، بقي مرتهنًا بعمله، فريدًا في قبره، ووجدَ ما قدَّمَتْ يداه، ورأى ما ارتكبه واعتداه. ثم انتقلت الخلافة إلى يزيد أبي (٢)، فتقلَّد أمركم لهواء كان فيه، ولقد كان أبي يزيد بسوء فعله وإسرافه على نفسه غير خليق بالخلافة على أمَّة محمَّد ﷺ ، فركب هواه، واستحسن خطأه، وأقدم على ما أقدم من جرأته على الله، وبغيه على من استحلَّ حرمته من أولاد (٣) رسول الله ﷺ فقلَّت مدَّته، وانقطع أثره، ضاجع عمله، وصار حليف حفرته، رهين خطيئته، (وبقيت أوزاره وتبعاته) (٤)، وحصل على ما قدَّم، وندم حيث لا ينفعه الندم، (وشغلنا الحزن له عن الحزن عليه) (٥)، فليت شعري ماذا قال وماذا قيل له، (هل عوقب بإساءته، وجوزي بعمله، وذلك ظنّي) (٦)، ثم اختنقته العبرة فبكى طويلًا. ثم قال: وصرت أنا ثالث القوم، والسَّاخط عليَّ أكثر من الراضي، وما

стр. 196

كنْتُ لأتحمَّل آثامكم، ولا يراني الله جلَّت قدرته متقلدًا أوزاركم، (وألقاه بتبعاتِكم) (١)، فشأنكم أمركم، فخذوه ومن رضيتم به عليكم فولُّوه، فقد خلعتُ بيعتي من أعناقكم، والسَّلام. فقال له مروان بن الحكم وكان تحت المنبر: سنة عمريَّة يا أبا ليلى. فقال: أعن (٢) ديني تخدعني؟ فوالله ما ذقْتُ حلاوة خلافتكم حتى أتجرَّع مرارتها، ائتني برجالٍ مثل رجال عمر ﵁، على أنَّه ما كان [من حين] جعلها شورى، وصرفَها عمَّن لا يشك في عدالته ظلومًا، والله لئن كانت الخلافة مغنمًا لقد نال أبي منها مغرمًا ومأثمًا، ولئن كانت شرًّا فحسبه منها ما أصابه. ثم نزل فدخل عليه أقاربه وأمُّه، فوجدوه يبكي، فقالت له أمه: ليتك كنْتَ حيضة، ولم أسمع بخبرك، فقال: وددْتُ والله ذلك، ثم قال: ويلي إن لم يرحمني ربي. ثم إنّ بني أمية قالوا لمعلِّمه عَمْرو المقصوص: أنْتَ علَّمتَه هذا، ولقَّنته إيَّاه، وصددته عن الخلافة، وزيَّنْتَ له حُبَّ عليٍّ وأولاده، وحملْتَه على ما وسمنا به من الظلم، وحسَّنت له البدع حتى نطق بما نطق وقال ما قال. فقال: والله ما فعلتُه، ولكنَّه مجبول ومطبوع على حبِّ عليٍّ، فلم يقبلوا منه ذلك، فأخذوه ودفنوه حيًّا حتى مات. وتوفي معاوية بن يزيد بعد خلع نفسه بأربعين ليلة، وكان عمره ثلاثًا وعشرين سنة، ويقال: إنَّه لما احتضر قيل له: ألا تستخلِف فأبى، وقال: ما أصبت (٣) من حلاوتها شيئًا، فلِمَ أتحمَّل (٤) مرارتها، ولم يعقِّب ﵀.

стр. 197

ثم قام بأمر الخلافة بعدَه مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مَناف، وبويع له بالخلافة بالجابية، ثم دخل الشَّام فأذعن أهلُها بالطَّاعة، ثم دخل مصر فبايعه أهلها بعد حروب كثيرة. وكان يقال له: ابن الطَّريد؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كان قد طرده إلى الطَّائف، فردَّه عُثمان ﵁ حين بُويع له (١)، ولم يرده أبو بكر ولا عمر ﵄، (قيل: إنّما ردَّه لأنَّ رسول الله ﷺ سأل عن حاله ومال إليه مرَّة) (٢). ثم توفي مروان في سنة خمس وستين، وكانت خلافته عشرة أشهر، (وكان مروان بن الحكم وُلِد لسنتين خلتا من الهجرة، وقبض رسول الله ﷺ وهو ابن ثمان سنين، وأبوه الحكم بن العاص طريد رسول الله يوم فتح مكة، ومات في خلافة عثمان) (٣)، وكان سبب طرد رسول الله ﷺ إيَّاه (٤) أنَّه كان يفشي سرَّه، فلعنه رسول الله ﷺ وسيَّره إلى بطن وَجٍّ، فلم يزل طريدًا مدَّة حياة رسول الله ﷺ وخلافة أبي بكر وعمر ﵄، ثم أدخله عُثمان وأعطاه مئة ألف درهم. ذكره ابن قتيبة (٥). (وذكر الدَّمِيْرِي في "حياة الحيوان" روى الحاكم في كتاب الفتن في الملاحم من "المستدرك" عن عبد الرَّحمن بن عوف ﵁ أنّه قال: كان لا يُولَد لأحد مولودٌ إلا أتى به إلى النبيِّ ﷺ فيدعو له، فدخل (٦) عليه مروان،

стр. 198

فقال ﷺ "هو الوزغ بن الوزغ، الملعون بن الملعون" (١)، ثم قال: صحيح الإسناد) (٢). ثم روى الحاكم عن عَمْرو بن مُرَّة الجهني ﵁ (وكانت له صُحبة) (٣) قال: إنَّ الحَكَم بن أبي العاصِّ استأذن على (٤) رسول الله ﷺ (فعرَف صوتَه) (٥)، فقال ﷺ : "ائذنوا له لعنة الله عليه وعلى ما يخرج من صلبه، إلَّا المؤمن منهم، وقليلٌ ما هم، يشرفون في الدنيا ويضيعون الآخرة، ذوو مكر وخديعة، يعظَّمون في الدنيا وما لهم في الآخرة من خَلاق" (٦)، ذكره الدَّمِيْرِي في (موضعين من كتابه هذا في الإوز، وهذا في الوزغ) (٧). ثم قام بالأمر بعده ابنه عبد الملك بن مروان، بويع له بالخلافة يوم موت أبيه مروان، وهو أوَّل من سُمِّي بعبد الملك في الإسلام، وأول من ضرب الدَّراهم والدَّنانير سِكَّة الإسلام، وكان على الدنانير نقش بالرُّومية، وعلى الدراهم نقش بالفارسية.

стр. 199

وتمكن عبد الله بن الزُّبير ﵄ فبايعه أهل الحرمين (١)، واليمن، والعراق، واستناب على العراق وما يليه أخاه مصعب، وتفرَّقت الكلمة، وبقي في الوقت (٢) خليفتان، أكبرهما ابن الزُّبير ﵄، ثم لم يزل عبد الملك إلى أن ظفر به، وقتله بعد حروب عظيمة. وذلك (٣) أنَّه سار من دمشق إلى العراق، فبرز إليه نائبها مصعب بن الزُّبير، والتحم بينهما القتال، فظهر من مصعب شجاعة عظيمة، فلم يزل كذلك حتى قُتل مصعب ﵁، فاستولى على العراق، واستناب عليها أخاه بشر بن مروان، وكرَّ راجعًا إلى دمشق. فاستمرَّ العراق لعبد الله بن الزُّبير إلى سنة إحدى وسبعين، وهي التي قتل فيها عبد الملك أخاه مصعب بن الزُّبير وهدم قصر الإمارة، وسبب هدمها مذكورٌ في ذكر علي بن أبي طالب ﵁ (في بيان موضع قبره) (٤). وكان عبد الملك بن مروان بعدما ولي الخلافة منع أهل الشام من الحج من أجل ابن الزُّبير؛ لأنَّه كان يأخذ الناس بالبيعة له إذا حجُّوا، فعجَّ النَّاس لما مُنعوا من الحجِّ، فبنى عبد الملك قبَّة الصخرة فكان الناس يقفون عندها يوم عرفة. (ويقال: إنَّ ذلك كان سبب التَّعريف في بيت المقدس ومساجد الأمصار. قيل: إنّ أوّل من سنَّ التعريف بالبصرة عبد الله بن عباس ﵄،

стр. 200

وبمصر عبد العزيز بن مروان، وببيت المقدس عبد الملك بن مروان) (١). حكي أنّه لما قتل عبدُ الملك بن مروان مصعبَ بن الزُّبير وأراد الرجوع قام إليه الحَجَّاج، فقال: إني رأيت في منامي أني أخذت عبد الله بن الزُّبير فسلخته، فولِّني قتاله، فبعثه في جيش كثيف من أهل الشام، فحصر ابنَ الزبير، ورمى الكعبة بالمنجنيق، فلمَّا رمى به أرعدت السماء وأبرقت، فخاف أهل الشام، فصاح الحَجَّاج: هذه صواعق تهامة وأنا ابنها، ثم قام فرمى بنفسه، فزاد ذلك، وجاءت صاعقة تتبعها أخرى، فقتلَتْ من أصحابه اثني عشر رجلًا، (فزاد خوف) (٢) أهل الشام، فلما أصبحوا صعقت السماء، فقتلَتْ بعض (٣) أصحاب ابن الزُّبير، فقال الحَجَّاج لأصحابه: اثبتوا، فإنه يصيبهم مثل (٤) ما أصابكم، ولم يزل يرميها بالمنجنيق حتى هدمها، ورموْها بكيزان النِّفط فاحترقت الستائر حتى صارت رمادًا. وإنَّ ابن الزُّبير قال لأمِّه ﵃: إني لا آمن إِنْ قُتِلْتُ أن يُمثَّل بي وأصلب. فقالت أمُّه وهي أسماء بنت أبي بكر ﵃: يا ولدي، إنَّ الشاة إذا ذُبحت لم تتألم بالسَّلخ. فودَّعها. وقُتِل ﵁ في ثالث عشر (٥) جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين، ثم بعث الحَجَّاج برأس عبد الله بن الزُّبير ﵄ إلى عبد الملك، وصلب

стр. 201

جسده مُنكَّسًا، وقال: لا أنزله حتى تشفع فيه أمُّه أسماء ﵂، فتمَّ على ذلك الحال مدَّة، فمرَّت أمّه ذات يوم فقالت: أما آن لهذا الفارس أن يترجَّل، فبلغ ذلك الحَجَّاج فأمر بإنزاله، وأن يُعطى لأمِّه، فأخذتْهُ ودفنتْهُ. وماتت أسماءُ بنت أبي بكر الصديق ﵂ بعده بخمسة أيام، ولها مئة سنة. ثم إنَّ عبد الملك بعثَ رأس الزُّبير إلى عبد الله بن حازم الأسلمي، وهو والٍ بخراسان من جهة ابن الزُّبير، ودعاه إلى طاعته على أن يجعل له خراسان. فقال ابن حازم للرَّسول: لولا أنَّ الرَّسول لا يُقتل لأمرْتُ (بضرب عنقك) (١)، ولكن كلْ كتاب صاحبك، فأكله، ثم أخذ الرَّأس فغسله وطيّبه ودفنه. قيل: إنَّه بعثه إلى آل الزبير بالمدينة فدفنوه مع جثته. ومات عبد الملك بن مروان في شوال، سنة ست وثمانين، وكانت خلافته إحدى وعشرين سنة وخمسة عشر يومًا، منها ثمان سنين مزاحمًا لابن الزبير، ثم انفرد بمملكة الدنيا إلى أن مات، وخلَّف (٢) سبعة عشر ولدًا، ولي الخلافة منهم أربعة. (قال ابن قتيبة: وكان ابن (٣) الزبير ﵁ بخيلًا فقال الشَّاعر فيه: رأيتُ أبا بكرٍ وربُّك غالبٌ … على أمرِه يبغي الخلافة بالتَّمْرِ وكان ولده حمزة بن عبد الله من أجواد العرب، وكان عامل أبيه على البصرة) (٤).

стр. 202

[٤٦ - عبد الله بن عمرو (١)] عبد الله بن عَمْرو بن العاص ﵄. وكان يكنى أبا محمَّد، وأسلم قبل أبيه، وشهد مع أبيه حُنين، وكان يضرب بسيفين. وكان مسكنه مكَّة، ثم رحل إلى الشَّام، فأقام بها حتى توفي يزيد بن معاوية، ثم توفي بمكَّة سنة خمس وستين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة (٢). [وكان بين عبد الله وبين أبيه عَمْرو بن العاص ثنتا عشرة سنة في السنِّ. (قال القَبِسي: ولا يُعرف أحدٌ أنَّ بينه وبين أبيه ثنتا عشرة سنة غير هذا، ذكره ابن قتيبة في "المعارف") (٣)] (٤). وكان من الفقهاء المتوسطين في الفُتيا، (وهم ثلاثة عشر، منهم أبو بكر الصديق وعُثمان وأبو هريرة، وأنس، ومعاذ بن جبل، وكان من عبادلة المحدثين، وهم أربعة كما تقدم في عبد الله بن عمر (٥) ﵃) (٦).

стр. 203

وقيل: مات بمصر، ودفن بداره (١) الصغيرة. [وفي "أدب القضاء" للخصَّاف: ذُكر عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص ﵄ أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد وأصاب فله أجران، وإذا حكم واجتهد وأخطأ فله أجر واحد" (٢). وفي "شرحه" للصَّدر الشَّهيد: إذا أصاب فله أجر الاجتهاد وأجر إظهار الحقِّ، وإذا أخطأ فله أجر الاجتهاد لا غير؛ لأنَّه ما أظهر الحق، وهذا إذا اجتهد في محل الاجتهاد، وأما إذا أخطأ لا في محلِّ الاجتهاد لا (٣) يثاب لأنَّه مقصِّر، كما في التَّحري في باب القِبلة: إذا تحرَّى وصلَّى وأخطأ؛ إنْ تحرَّى في محلِّ التَّحري بأن تحرَّى عند عدم الأدلَّة والعلامات أجزأته، وإن أخطأ لا في محلِّ التَّحري بأن تحرى عند وجود العلامات من المحاريب وغيره لم يجزْ لما قلنا. وفائدة الحديث أنّ المجتهد قد يخطئ وقد يصيب، والله أعلم. و"صاحب المشارق" الحسن بن محمَّد الصَّغَاني، وهو إمام العصر في الحديث قال في هذا الحديث: اتفق البُخاري ومسلم على الرُّواية عن عَمْرو بن العاص: "إذا حكم الحاكم فاجتهد (٤) ثم أصاب فله أجران، فإذا حكم فاجتهد وأخطأ فله أجر"، قال الشارح: لما كان الاجتهاد متقدمًا على الحكم احتجنا إلى تأويل إذا أراد الحكم فاجتهد، وهو من باب القلب؛ أي إذا اجتهد الحاكم فحكم، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ [الأعراف: ٤].

стр. 204

والإصابة في الحكم مطابقته لما هو عند الله، والخطأ عدمها. فإن قلْتَ: الإصابة مقارنة بالحكم فما معنى "ثم" في قوله: "ثم أصاب" قلْتُ: ثم هنا للتراخي في الرتبة، وفيه إشارة إلى علوِّ رتبة الإصابة والتَّعجب من حصولها بالاجتهاد. وذكر هذا الشارح في حديث: "من قتل معاهدًا لم يَرِح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا" (١). رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو] (٢): ما رواه عن النبيّ ﷺ سبعمئة حديث، له في الصحيحين خمسة وأربعون حديثًا (٣)، انفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين. * * * [٤٧ - معاذ بن جبل ﵁ - (٤)] كان قاضيًا باليَمن، بعثه النبيُّ ﷺ وأثنى عليه، وقال ﷺ حين بعثه: "بمَ تقضي يا معاذ! " قال: "بكتاب الله"، قال: "فإن لم تجد"، قال: "بسنة رسوله"، قال: "فإن لم تجد" قال: "أجتهد فيه برأيي (٥) " فقال الرسول ﷺ : "الحمد لله الذي وفَّق رسول رسوله لما يرضى به رسوله" (٦).

стр. 205

[ووجَّه به النبيّ ﷺ قاضيًا على مكَّة يوم الفتح، أخبر به يحيى بن أكثم حين ولِّي قضاء البصرة، وكان سنه نحو عشرين سنة، فاستصغره أهل البصرة، وقالوا: كم سنُّ القاضي؟ فعلم أنهم استصغروه، فقال: أنا أكبر من عتَّاب بن أَسِيد ﵁ الذي وجَّه به النبيُّ ﷺ قاضيًا إلى اليمن، ومن كعب بن سُور الذي وجه به النبيّ ﷺ قاضيًا إلى البصرة، ومن معاذ بن جبل الذي وجّه به النبيّ ﷺ قاضيًا على مكة يوم الفتح، كذا ذكره ابن خَلِّكان في ترجمة يحيى بن أكثم. وفي "شرح السِّراجية" للسيِّد الشَّريف: روي أنَّ رجلًا غاب عن امرأته سنتين، ثم قدم وهي حامل، فهمَّ عمر ﵁ بأن يرجمها، فقال له معاذ: إن كان لك سبيل عليها فلا سبيل لك على ما في بطنها، فتركها حتى ولدَتْ ولدًا قد نبت ثناياه، وشبه أباه، فقال الرَّجل: هذا ابني وربِّ الكعبة، فأثبت عمر نسبه منه مع أنّه ولد لأكثر من سنتين، وقال: لولا معاذ لهلك عمر] (١) (٢). مات معاذ وابنه عبد الرَّحمن في طاعون عَمَواس بعد أبي عُبيدة، ولا عقب له، وكانت وفاته بناحية الأردن. (وروي عن سعيد بن المسيب أنّه قال: مات معاذ وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وكذا ابن قتيبة. وذكر الكَرْدَري في "كتاب مناقب أبي حنيفة": كان الناس يرجعون إلى معاذ، وإلى أبي أمامة بالشَّام في الحوادث كلها) (٣). * * *

стр. 206

[٤٨ - أنس بن مالك ﵁ - (١)] كانت أمه أم سُليم بنت مِلحان، امرأة أبي طلحة، أتَتْ [به] النبيَّ ﷺ حين قدم المدينة (وهو ابن ثمان سنين) (٢)، فخدمه إلى أن قبض الرَّسول ﷺ . ودعا له وقال: "اللهم ارزقه مالًا وولدًا وبارك له" (٣). قال أنس: فإنِّي لمَن أكثر الأنصار مالًا وولدًا. (حكي أنَّه قد وُلِد من صُلْبه إلى مقدم الحَجَّاج بضعًا وعشرين ومئة ولد) (٤). قيل: ثلاثة من أهل البصرة لم يموتوا حتى رأى كلٌّ منهم مِنْ صلبه مئة ولد (٥) ذكر، وهم: خليفة بن ثور، وأبو بكرة، وأنس بن مالك. وانتقل أنس في خلافة عمر ﵄ إلى البصرة ليفقِّه الناس، وعمّر عمرًا طويلًا، وهو آخر من مات بالبصرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكانت وفاته سنة إحدى - وقيل: ثلاث - وتسعين قبل موت الحجَّاج بِسَنتين. (قال ابن قتيبة في "المعارف") (٦): قال الواقدي: آخر من مات بالكوفة من الصحابة عبد الله بن أبي أوفى سنة ست وثمانين، وآخر من مات من الصحابة

стр. 207

بالمدينة (١) سهل بن سعد الساعدي، سنة إحدى وتسعين وهو ابن مئة، ويقال: سنة ثلاث وتسعين، وآخر من مات بالشَّام من الصحابة ابن الأسقع هلك بالشام سنة خمس وثمانين، وممَّن تأخر موته أبو الطُّفيل الكناني، واسمه عامر بن واثلة، رأى النبيَّ ﷺ وهو آخر من رآه موتًا بالشام بعد سنة مئة، وشهد مع عليٍّ المشاهد كلها، وكان مع المختار (٢) صاحب رايته. قيل: ما (٣) روى عن النبيّ ﷺ ألفان ومئتان وعشرة أحاديث، له في الصحيحين ثلاثمئة وثمانية عشر حديثًا، انفرد البُخاري بثمانين، ومسلم بتسعين، (ذكر ابن الملَك في "شرح المشارق" في حديث: "من أثنيتم عليه خيرًا وجبَتْ له الجنَّة ومن أثنيتم عليه شرًّا وجبَتْ له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض" (٤)، رواه مسلم. عن أنس قال: كان النبيّ ﷺ مع أصحابه، فمرَّ عليهم بجنازة، فشهدوا على خيره فقال ﷺ : "وجبت"، ثم مرّ عليهم بأخرى فشهدوا على شرِّه فقال أيضًا: "وجبت"، فاستفسروا عما قاله ﷺ "من أثنيتم … " الحديث (٥)] (٦). * * *

стр. 208

[٤٩ - عبادة بن الصامت (١)] عُبادةُ بن الصَّامت بن قَيْس ﵁. كان من الخَزْرَج، ويكنى أبا الوليد، وكان أحد النُّقباء الاثني عشر. قاله (٢) ابن قتيبة. (شهد بدرًا، والمشاهد كلها، وشهد العقبة مع السبعين. وأخوه أوس بن الصَّامت شهد بدرًا) (٣)، وهو أول من ظَاهر في الإسلام، وكان به لَمَم، فلمَّا جاء امرأتَه خولة في بعض صحواته، فقال: أنت عليَّ كظهر أمِّي، ثم ندم. وكان عُبادة جميلًا طويلًا. توفي بالشَّام بالرَّملة سنة أربع وثلاثين. وهو من أهل الفُتيا، [ومن الأربعة الملحقة بالفُقهاء المتوسطين في الفُتيا، وهم ثلاثة عشر كما تقدم في باب السُّلطان. ذكر ابن الملَك في "شرح المشارق" في حديث: "من تعارّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، والحمد لله، وسبحان الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله (العلي العظيم) (٤)، ثم

стр. 209

قال: اللهم اغفر لي، أو دعا؛ استجيب له، فإن توضأ وصلَّى قُبِلَتْ صلاته" (١)، رواه البُخاري عن عبادة بن الصامت] (٢). قيل إنَّه كان نقيبًا للنبي ﷺ ، وجَّهه عمر ﵁ إلى الشام قاضيًا. ما رواه عن النبيّ ﷺ مئة وأحد وثمانون حديثًا، أخرج (٣) له في الصحيحين [(أربعة أحاديث)، (٤) انفرد] (٥) البخاري بحديثين، ومسلم بحديثين. (قوله ﷺ : "من تعارَّ" من جوامع الكَلِم؛ لأنَّه يقال: تعارَّ من الليل: إذا استيقظ من نومه مع صوت، وهذه اليقظة تكون مع كلام غالبًا، فأحبَّ النبيّ ﷺ أن يكون ذلك الكلام تسبيحًا وتهليلًا، ولا يوجد ذلك إلا ممَّن استأنس بالذِّكر. قوله: "أو دعا" يعني: دعا بدعاء آخر، غير قوله: "اللهم اغفر لي"، انتهى كلامه إلى هنا) (٦). * * * [٥٠ - حذيفة اليمان ﵁ - (٧)] قال أبو طالب المكِّي في "قوت القلوب" في ذكر طريقة السَّلف: قيل للحسن

стр. 210

البصري: يا أبا سعيد، إنك تتكلم في هذا العلم (١) ما لم نسمعه من أحد غيرك، فممَّن أخذت هذا العلم؟ فقال: من حذيفة اليماني. قيل: فقالوا لحذيفة: نراك تتكلَّم في هذا العلم بكلام لم نسمعه من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، فمن أين أخذته؟ قال: خصَّني به رسول الله ﷺ ، كان الناس يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه (٢)، وعلمت أنَّ من لا يعرف الشرَّ لا يعرف الخير، وكان الناس يقولون: ما لمن عمل كذا وكذا؟ يسألونه عن فضائل الأعمال، وكنت أقول: يا رسول الله ما يفسد كذا وكذا، فلمَّا رآني أسأل عن آفات الأعمال خصّني بهذا العلم (٣). [وكان حذيفة ﵁ قد خصَّ بعلم المنافقين، وأُفرد بمعرفة علم النفاق، وسرائر العلم ودقائق الفهم وخفايا اليقين من بين الصحابة. وكان عمر وعُثمان وأكابر الصحابة يسألونه عن الفتن العامة والفتن الخاصة، ويرجعون إليه في العلم الذي خُصَّ به، ويسألون عن المنافقين، وهل بقي منهم ممن ذكر الله تعالى عنهم أحد، فكان يُخبر بأعدادهم ولا يذكر أسماءهم، وكان عمر ﵁ يكتشفه عن نفسه، وكان إذا دعي إلى جنازة ليصلِّي عليها، [نظر] فإن حضر حذيفة صلى عليها] (٤). وكان حذيفة يسمى صاحب السرِّ [إلى هنا من "قوت القلوب". ذكر الكَرْدَري حافظ الدِّين بن البَزَّازي في "كتاب مناقب أبي حنيفة ﵀":

стр. 211

جميع الناس كانوا يستفتون في الحوادث ويرجعون إلى أبي موسى الأشعري، وحذيفة اليماني بالعراق. وفي "المعارف" ذكر ابن قتيبة: روى أشعث عن الحسن أنّه قال: كان حذيفة رجلًا من عبس، وهو أبو قبيلة من اليمن، فخيَّره رسول الله ﷺ فقال: "إنْ شئْتَ كنْتَ من المهاجرين، وإن شئْتَ كنْتَ من الأنصار"، (فقال: من الأنصار) (١)، فقال "فأنت منهم" (٢). هلك حذيفة بالكوفة بعد قتل عُثمان وأوّل خلافة علي ﵃] (٣). وفي "ثمرات الأوراق" لابن حِجَّة الحَمَوي الحنفي قال: ومن لطائف ما نقله القُرْطبي في الأعلام: أنَّ الأنصار الذين نصروا النبيَّ ﷺ كانوا من أولاد العلماء الذين كانوا مع تُبَّع الأوَّل فيما ذكر ابن إسحاق، وكان تُبَّع من الخمسة الذين كانت لهم الدنيا بأسرها، وكان كثير الوزراء، فاختار منهم واحدًا وأخرجه معه لينظر في ملكه. وكان إذا دخل بلدة اختار من حكمائها عشرة رجال، وكان معه من العلماء والحكماء مئة ألف رجل هم الذين اختارهم من البلدان، وهذا القدر (ليس محسوبا من الجيش) (٤)، فلما انتهى إلى مكة لم تخضع له أهل مكة كخضوع أهل سائر البلاد، ولم تعظِّمه، فغضب لذلك، ودعا وزيره، وكان اسمه عماريا، فقال له: كيف شاهدت هذه البلدة، فإنهم لم يهابوني ولم يخشوا عسكري؟

стр. 212

فنزل بعسكره ببطحاء مكة، وعزم على هدم البيت وقتل الرِّجال وسبيهم، فأخذه الصُّداع (١)، وتفجّر من عينيه (وأذنيه، وفمه) (٢) ماء نتن، فلم يصبر أحد عنده ساعة واحدة من (نتن الريح) (٣)، وقال لوزيره: اجمع العلماء والحكماء والأطباء، فلم يقدروا على الجلوس عنده، وعجزوا من مداواته، وقالوا: نحن نقدر على مداواة ما يعرض من أمور (٤) الأرض، وهذه من السماء، فلا نستطيع له. ثم اشتدّ أمره وتفرَّق النَّاس عنه، ولم يزل أمره في شدَّة، فلما أقبل الليل جاء أحد العلماء إليه وخلا (بمجلس الملك) (٥)، فقال له (٦): أيها الملك أنت نويت لهذا البيت سوءًا؟ قال: نعم، نويْتُ خرابه، وقتل رجاله، فقال له العالم: هذه النيَّة أحدثت لك هذا الدَّاء، وربُّ هذا البيت قادر يعلم الأسرار، فبادر وأخرج من قلبك ما نويْتَ، قال الملك: قد أخرجْتُ ذلك من قلبي ونويْتُ لهذا البيت ولأهله كلَّ خير، فلم يخرج العالم من عنده إلا وقد عافاه الله تعالى من علَّته، فآمن بالله من ساعته، وخلع على الكعبة سبعة أثواب، وهو أوَّل من كسا البيت. ثم خرج إلى يثرب، وهي يومئذ بقعة فيها عين ماء ليس فيها بيت، فنزل على رأس العين هو وعسكره وجميع العلماء الذين كانوا (٧) معه، ومعهم رئيسهم عماريا

стр. 213

الذي يرى الملك برأيه، ثم (١) إنَّ العلماء والحكماء (٢) خرجوا من بينهم أربعمئة وهم أعلمهم، وبايع كلٌّ منهم صاحبه أن لا يخرجوا من ذلك المقام وإنْ قتلهم، فلما علم الملك بما عزموا عليه قال للوزير: ما شأنهم يمتنعون من الخروج معي؟ قالوا: إنَّ ذاك البيت وهذه البقعة تشرفان برجل يُبْعَث في آخر الزَّمان اسمه محمَّد ووصفوه، ثم قالوا: طوبى لمن أدركه، ونحن على رجاء أن ندركه أو يدركه أولادنا. فتفكَّر الملك، وهمَّ أن يقيم معهم رجاء أن يدرك محمدًا ﷺ ، فلما لم يتيسَّر له المقام، أمر الناس أن يبنوا أربعمئة دار على عدد العلماء والحكماء، وأعطى كل واحد (٣) منهم جارية، فأعتقها وزوَّجه بها، وأعطى كلَّ واحد منهم (٤) مالًا جزيلًا، وأمرهم أن يقيموا في ذلك المقام (٥) إلى أن يجيء زمان النبيّ ﷺ ، ثم كتب كتابًا وختمه بخاتمه (من ذهب) (٦)، ودفعه إلى عالمهم الكبير، وأمره أن يدفع الكتاب إلى محمَّد ﷺ إن أدركه، وإلَّا يوصي أولاده [(بعلم ما) (٧) أوصاه به] (٨)، وكذلك أولاد الأولاد حتى يتَّصل بمحمَّد ﷺ . وكان في الكتاب: إلى محمَّد بن عبد الله نبيِّ الله ورسوله، وخاتم النَّبيين، من تُبَّع الأوَّل حِمْيَر بن وردع؛ أما بعد: فإني آمنت بك وبكتابك الذي أُنزل عليك، وأنا على

стр. 214

دينك وسُنَّتك، وآمنت بربك وبكلِّ ما جاء من ربك من شرائع الإسلام، فإن أدركتُكَ فبها ونعمت، وإلَّا فاشفع لي ولا تنسَني يوم القيامة، فإني من أمَّتك الأولين، وقد بايعتُكَ قبل مجيئِكَ، وأنا على ملَّتك وملَّة إبراهيم أبيك ﵇. ثم ختم الكتاب ونقّش عليه: لله الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ، ودفع الكتاب إلى الرجل العالم الذي أبرأه من علَّته، وسار من يثرب حتى وصل إلى بلاد الهند فمات بها، وكان من اليوم الذي مات فيه تُبَّع إلى اليوم الذي بُعث فيه النبيّ ﷺ ألف سنة (لا تزيد ولا تنقص، وكان الأنصار الذين ينصروا النبيّ ﷺ من أولاد أولئك العلماء الحكماء) (١). * * * ٥١ - سلمان الفارسي ﵁ - (٢) ويكنى أبا عبد الله، قيل: من أهل أصفهان، وقيل: إنَّه من فارس. ولم يشهد بدرًا ولا أُحدًا إلَّا أنَّه كان في أوقاتها عبدًا، وأوَّل غزوة غزاها الخندق، سنة خمس من الهجرة، وعمّر عمرًا طويلًا، اشتراه النبيّ ﷺ بعد ما قدم المدينة فأعتقه. [ومات] في أول خلافة عُثمان ﵄ بالمدائن (٣). وكان معدودًا من متوسطي أهل الفُتيا (وهم ثلاثة عشر، كما تقدم في باب السُّلطان.

стр. 215

ذكر ابن الملَك في "شرح المشارق" في حديث: "من اغتسل يوم الجمعة وتطهّر بما استطاع من طهر، ثم ادَّهن أو مسَّ من طيب، ثم راح فلم يفرِّق بين اثنين، فصلى ما كُتِبَ له، ثم إذا خرج الإمام أنصت؛ غفر له ما تقدَّم بينه وبين الجمعة الأخرى" (١)، رواه البُخاري عن سلمان الفارسي) (٢). ما رواه عن النبيّ ﷺ ستون حديثًا، أخرج البُخاري منها أربعة، ومسلم ثلاثة. ولقد رتبنا كيفية أعلام الأخيار من أصحاب النبيِّ المختار (٣) ﷺ (وآله الأطهار) (٤)، فالآن نسوق عنان القلم مستعينًا بالله المعين، إلى ترتيب كتيبة أعلام الأخيار من التَّابعين. * * *
следующие страницы →