← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

الفاضل علاء الدِّين علي (١) بن عُثمان بن مصطفى بن إبراهيم المارديني، الشهير بابن التُّرُكْماني. تولى القضاء بمصر بعد قاضي القضاة معز (٢) الدِّين نعمان بن الحسن، فلما تسلطن السُّلطان الملك المنصور لاجين عزله بقاضي القضاة حسام الدين، فلما قتل لاجين أعيد إلى الولاية، فبقي إلى أن حضر السُّلطان الملك الناصر من الكرك، فعزله بقاضي القضاة شمس الدِّين محمَّد الحريري. وكان إمامًا فاضلًا معدوم النظير، عديم المثيل في زمانه، رأسًا في الفقه والأصول، شيخًا في المعقول والمنقول، انتهت إليه رئاسة العلم في أوانه، صنف التصانيف المقبولة وأفتى ودرس، وكانت الطلبة ترحل إليه، وترد الفتاوى من أقطار الأرض عليه. وضع شرحًا على "الهداية" سمَّاه "الغاية"، الشهير بـ "غاية السَّرُوجي"، انتهى فيه إلى كتاب الأيمان ولم يوفَّق بالتكميل، ثم اعتنى إلى تكميله المولى الفاضل قاضي القضاة سعد الدِّين سعد بن شمس الدِّين الديري، فوفِّق بالتكميل في أثناء المئة الثامنة، ومات سعد الدِّين في سنة ثمان وستين وثمانمئة. ومات السَّرُوجي سنة سبع عشرة وسبعمئة، ودفن بالقَرَافة بجوار قبة الإمام الشَّافعي رحمهم الله تعالى، ومولده سنة سبع وثلاثين وستمئة. والسَّرُوج بفتح السين المهملة وضم الراء: بلدة بنواح حرَّان من بلاد الجزيرة،

стр. 1472

وحران مدينة بجزيرة ابن عمر، منها الحسن بن محمَّد بن أبي معشر، وفي "القاموس": سروج مدينة قرب حرَّان. وفي "الجواهر المضية" قال: قد تفقهت على جماعة (أئمة ممن تفقهوا على قاضي القضاة أبي العبَّاس أحمد السَّرُوجي) (١) منهم الأئمَّة الثلاثة فخر الدِّين أبو عُمَر وعُثمان بن مصطفى بن إبراهيم وولداه أبو العبَّاس أحمد بن عُثمان وأبو الحسين علاء الدِّين علي بن عُثمان المارديني، الشهير بابن التُّرُكْماني. وسند أحمد السَّرُوجي في الفقه: قرأ السَّرُوجي على الإمام صدر الدِّين سليمان، عن الشَّيخ جمال الدِّين محمود الحصيري، عن الإمام فخر الدِّين الحسن بن منصور قاضي خان، عن الإمام ظهير الدِّين الحسن بن علي بن عبد العزيز المَرْغِيْنَاني، عن الإمام سراج الأمة برهان الدِّين عبد العزيز بن مازه وشمس الدِّين محمود جد قاضي خان، كلاهما عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن الإمام أبي محمَّد عبد العزيز الحَلْوَاني، عن أبي علي الحسين بن خضر النَّسَفِي، عن الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل البُخاري، (عن عبد الله السُّبَذْمُونِي) (٢)، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد بن الحسن، عن الإمام أبي حنيفة، فاتصل سندي في الفقه بالإمام الأعظم أبي حنيفة والحمد لله تعالى، انتهى كلام عبد القادر بن محمَّد في "الجواهر المضية". وله تصانيف أخر، منها: "كتاب أدب القضاء"، و"الفتاوى السَّرُوجية". وذكر ابن قُطْلُوبُغا في "التراجم": شمس الدِّين أبو العبَّاس أحمد بن إبراهيم

стр. 1473

السَّرُوجي تفقَّه على الصَّدر سليمان بن أبي العز، ونجم الدِّين أبي طاهر إسحاق بن علي بن يحيى، ولي القضاء بالديار المصرية، ووضع شرحًا على "كتاب الهداية" سمَّاه "الغاية"، انتهى فيه إلى كتاب الأيمان في عدة ستة مجلدات ضخمة. توفي بالمدرسة السيوفية بالقاهرة، في يوم الخميس، ثاني عشر رجب سنة عشرين وسبعمئة. وذكر السيوطي في "حسن المحاضرة": ثم شرح "الهداية" من الأيمان تكملة الديري للسَّرُوجي قاضي القضاة سعد الدِّين بن قاضي القضاة شمس الدِّين الديري. ورأيت في هامش "الجواهر المضية" بخط الشَّيخ نور الدِّين علي بن عُمَر البينوني الحنفي الشاذلي أنّه قال: رأيت جزءًا من خمسين جزءًا من "شرح القُدُوري" للإمام السَّرُوجي أبي العبَّاس أحمد هذا، جزء في حجم نصف مصحف من كتاب الطهارة إلى باب التيمم إلى مسألة التوضؤ بماء التمر، وساق حديث عبد الله بن مسعود وقضية ليلة الجن، ووضوءه ﷺ بماء التمر، مات عن تسعة وأربعين جزءًا، والجزء الخمسون كمله الشَّيخ سعد الدِّين بن الديري شيخ المؤيدية، هكذا بلغني، انتهى. وذكر السَّرُوجي في "كتاب أدب القضاء" نقلًا عن واقعات عُمر بن مازه: إذا علم القاضي بحق الإنسان قبل تقليد القضاء، فإنّه لا يقضي عند أبي حنيفة خلافًا لهما، وأما إذا علم بعد تقليد القضاء في المصر الذي هو قاضٍ فيه وفي مجلس القضاء فإنّه يقضي في حقوق العباد، ولا يقضي فيما هو خالص حق الله تعالى، إلا في السكران إذا رآه كذلك، فإنّه يعزره، فإنَّ ذلك تعزير وليس بحد، وأما إذا علم في غير مجلس القضاء فهو على الخلاف الذي ذكرته في الوجه الأول.

стр. 1474

[٥٤٨ - أبو المحامد محمود الأَفْشَنجي (١)] الشَّيخ الإمام أبو المحامد محمود بن محمَّد بن داود اللؤلؤي البُخاري الأَفْشَنْجِي. فقيه محدث حافظ مفسر أصولي متكلم أديب خلافي مناظر، جامع بين أشتات العلوم، إمام فاضل شيخ صالح كامل مفت مدرس له التوسع في الكلام، والفصاحة في الجدل والخصام. تفقَّه على جمع كثير من الفقهاء العظام، وأخذ العلوم عن أفواه الرجال الفخام، منهم الإمام الزُّرْنوجي، والإمام أبو عبد الله محمَّد بن أحمد بن عبد المجيد القُزَيْنِي، والشَّيخ الإمام مفتي الأنام سراج الدِّين القُزَيْنِي، والشَّيخ الإمام بدر الدِّين الكَرْدَري خَواهَرْ زَادَه، والشَّيخ الإمام العلامة حميد الدِّين الضَّرير، والشَّيخ الإمام محيي الشَّريعة ناصر الإسلام حافظ الدِّين الكبير البُخاري، والأربعة الأخيرة من تلامذة شمس الأئمَّة محمَّد بن عبد الستَّار الكَرْدَري تلميذ صاحب "الهداية"، وأما الزُّرْنوجي فهو تلميذ صاحب "الهداية". ولد ببخارى سنة سبع وعشرين وستمئة، واستشهد في وقعة بخارى سنة إحدى وسبعين وستمئة، وفقد جسمه بين القتلى، وهذه ثالث محنة كانت ببخارى بين التاتار. صنَّف شرحًا لطيفًا على "منظومة الإمام النَّسفي"، وسمَّاه "حقائق

стр. 1475

المنظومة"، ولعمري إنّه شرح مرغوب فيه بديع الأسلوب، تداولته أيدي العلماء الفحول، وتلقاه الفقهاء الكبار بالقَبول، فإنّه جامع الحقائق مشتمل الدقائق كثير الفوائد جمع المنافع، يحكى فضل صاحبه في المحافل والمجامع، محتو على النكات الشريفة ومجمع الإشارات اللطيفة، ومن جملتها ما كتبه في آخر كتابه هذا في باب الإمام مالك ﵀: وما لِذمِّيٍّ دخول المسجد … لكنه يُمنَع فاحفظ واجهد ونحن لا نرضى بذا الجواب … وربنا أعلم بالصواب قال مالك: يمنع الذِّمي عن دخول المسجد أيِّ مسجد كان، وعندنا لا يمنع، دليله قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، والمساجد تصان عن الأنجاس، قلنا: المراد من الآية خبث الاعتقاد، بدليل أنّ النبي ﷺ أنزل وفد ثقيف في مسجده، وهم كانوا مشركين (١). قلت: اتفق ختم الكتاب بخبر يقوي رجاءنا بكرم ربنا، وهو أنّه لما لم يستخبر نبينا ﷺ حرمان المشركين عن دخول المسجد مع ما فيهم من خبث الاعتقاد كيف يستجيز (٢) ربنا حرمان المؤمنين عن دخول الجنة مع ما فيهم من حسن الاعتقاد؟ بل هذا والله بكرمه أحق وأحرى وأجدر، وبلطفه أليق وأولى، ولله الآخرة والأولى. مصداقه ما روي أنّ عارفًا مات فرأوه في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، فقلت: بأي خصلة وطاعة؟ فقال: هنا يعملون بالفضل لا بالعدل، ويغفرون

стр. 1476

بالمنة لا بالخدمة، ويعاملون بالكرم والجود لا بالركوع والسجود، وبالبر والإحسان لا بالطاعة والأركان. ثم اعلموا رحمكم الله أنّ "المنظومة" لعمري كتاب نفيس، قبله الخواص والعوام، ومن حقه ذلك، فلم يصنف مثله في الإسلام، طالعت لأجله كتبًا جمَّة سوى ما التقطته من التعليقات والأجزاء المتفرقات، وتلقفته من أفواه المشايخ الأثبات، وهم كثير وبالتبرك بهم جدير. منهم أستاذي وملاذي الشَّيخ الإمام مفتي الأنام سراج الدِّين القُزَيْنِي، وقد كان ربانيًّا كالأب الشفيق، ومن ذاك ذكره بالتقديم حقيق، ومنهم الشَّيخ الإمام النحرير المبرز على أقرانه بالتقرير بدر الدِّين الكَرْدَري، ومنهم الشَّيخ الإمام العلامة حميد الدِّين الضرير تغمدهم الله بالرحمة والرضوان وأسكنهم أعلى درجات الجنان، ومنهم الإمام الرباني بقية السلف أستاذ الخلف محيي الشَّريعة حافظ الدِّين عمر الله رباع الإسلام بدوام أيامه، وأضحك رياض الشرع ببكاء أقلامه. فشرعت فيه مستعينًا بالله الكريم، (وأرقت شبابي) (١) في تصنيفه، وأنفقت عمدة عمري في ترصيفه، إلى هنا من "الحقائق". ثم قال: وهذا ثبت الكتب التي عليها معاني كتابي هذا، منها: "المبسوط" لشمس الأئمَّة السَّرَخْسي، و"المبسوط" لفخر الإسلام علي البَزْدَوي، و"المبسوط" لشيخ الإسلام المعروف بخَواهَرْ زَادَه، و"المبسوط" للسيد الإمام ناصر الدِّين السَّمَرْقندي المشهور بـ "المنشور"، و"القانون" له في الفقه أيضًا رحمة الله عليه. و"الجامع الكبير" لفخر الإسلام علي البَزْدَوي، و"الجامع الكبير" للإمام

стр. 1477

الإِسْبِيْجابي، و"الجامع الكبير" القاضي خان، و"الجامع الكبير" للإمام العَتَّابي. ومنها "الجامع الصَّغير" لأبي بكر الرَّازِي، و"الجامع الصَّغير" لفخر الإسلام علي البَزْدَوي، و"الجامع الصَّغير" الشمس الأئمَّة السَّرَخْسي، و"الجامع الصَّغير" لسيف الحق أبي المعين النَّسَفِي، و"الجامع الصَّغير" للصدر الشهيد، و"الجامع الصَّغير" لصاحب "المحيط"، و"الجامع الصَّغير" لقاضي خان، و"الجامع الصَّغير" لبدر الدِّين الوَرْسكي (١)، و"الجامع الصَّغير" للإمام الإِسْبِيْجابي، و"الجامع الصَّغير" للإمام المحبوبي، و"الجامع الصَّغير" للأفطس، و"فوائد الجامع الصَّغير" للقاضي الإمام ظهير الدِّين البخاري صاحب "الفتاوى". ومنها "الزيادات" لصاحب "المحيط"، و"الزيادات" (للقاضي الإمام المعروف بقاضي العلاء بدر الدِّين، و"الزيادات" لقاضي خان) (٢)، و"الزيادات" للإمام العَتَّابي. ومنها "شرح القُدُوري"، (و"شرح الطحاوي") (٣)، و"الخصائل في (المسائل" لصاحب) (٤) المنظومة في ستة دفاتر، و"شرح الصاعدي". ومنها "المحيط"، و"الذخيرة"، و"التتمة"، و"الكبرى"، و"الصغرى"، و"المغني"، و"الملتقط" لصدر الإسلام. و"فتاوي قاضي خان"، و"فتاوى العَتَّابي"، و"الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة"، و"فتاوى الأفطس"، و"الكامل في الفتاوى"، و"نظم الفقه" للإمام الزَّنْدَوِيْستي، و"جامع

стр. 1478

الأُسْتُرُوْشَني"، و"التحفة"، و"أدب القاضي" للصدر الشهيد، و"الهداية"، و"الإيضاح"، و"التجنيس" لشيخ الإسلام برهان الدِّين صاحب "الهداية". و"غياث المفتي وملاذ المستفتي"، و"الخزانة"، و"النصاب"، و"الخلاصة" لافتخار عز الدِّين، و"فتاوى الكشي" في دفترين. ومنها "الأسرار" للقاضي أبي زيد الدَّبُوسي، و"الطريقة" للإمام الزَّرَنْجري، و"الطريقة" المجد الأئمَّة السُّرْخَكَتِي، و"الطريقة النظامية". ومن شروح المنظومة المخصوصة بها "الخصر والمختلف"، و"شرح قاضي خان"، و"شرح الإمام السُّغْدي"، و"العون" الشيخ الإسلام علاء الدِّين المَرْوَزِي. وعد فيها كتبًا أخر من كتب الشَّافعية والمالكية، ومن كتب اللغة والأدب والتفاسير، ثم قال في نهاية الكتاب: تم الجمع في جمع عظيم بجبانة بخارى ضحوة، يوم الأضحى بعد صلاة العيد، سنة ست وستين وستمئة. وفي "الحقائق" في كتاب الأشربة في باب أبي حنيفة في بيت: لا يجعلُ العصير خمرًا فاعرف … وإن غلى واشتدَّ ما لم يقذف الخمر: هو النَّيْء (١) من ماء العنب إذا غلى واشتد؛ أي: حصل قوة الإسكار وقذف بالزبد، وما لم يقذف بالزبد يحل شربها عند أبي حنيفة ويجوز بيعها، وقالا: إذا غلى واشتد يحرم بيعها وشربها وإن لم تقذف بالزبد بعد، وبقولهما أخذ أبو حفص الكبير ﵏، ولا عبرة لكونه قارضًا (٢) بل للشدة؛ أي: القوة المسكرة، ولا تأثير للقذف بالزبد في إحداث السكر، بل يرق به ويصفو، من "المبسوط" و"الذخيرة".

стр. 1479

وفي باب فتاوى العالم الرباني محمَّد بن الحسن الشَّيباني في "الحقائق" أيضًا في كتاب الأشربة في بيت: لا يشرب المثلَّث القوي … ولا الزَّبيبي ولا التَّمري المثلَّث: وهو النَّيْء (١) من ماء العنب إذا طبخ حتى ذهب منه ثلثاه وبقي ثلثه، حلال عند الكل ما دام حلوًا، فإذا غلى واشتد وقذف بالزبد فكذلك عندهما، وقال محمَّد: قليله وكثيره حرام، وهو قول الشَّافعي، والقدح المسكر منه باليقين أو غالب الرأي حرام عندهم. وهذا الخلاف فيما إذا قصد به استمراء الطعام والتداوي والتقوي على طاعة الله تعالى، أما السكر منه حرام، وعند محمَّد مثل قولهما، وعنه أنّه كره ذلك، وعنه أنّه توقف في ذلك، وسئل أبو حفص الكبير عن هذا، فقال: لا يحل شربه، فقيل له: خالفت الشيخين؟ فقال: لأنهما يحلان للاستمراء، والناس في زماننا يشربون للفجور والتلهي، وشربه للهو لا يحل إجماعًا. وعلى هذا الخلاف نبيذ التمر والزبيب إذا طبخ أدنى طبخة ثم غلى واشتد وقذف بالزبد، من "جامع المحبوبي"، و"فتاوي قاضي خان"، انتهى ما في "الحقائق". ورأيت في "الخلاصة" في كتاب الأشربة، نقلًا عن "النوازل": قال الفقيه أبو الليث ﵀: الأشربة على خمسة أوجه: في وجه هو حلال بالإجماع. وفي وجه هو حرام بالإجماع. وفي وجه هو حرام عند أصحابنا حلال عند بعض الناس.

стр. 1480

وفي وجه هو حلال عند أصحابنا حرام عند بعض الناس. وفي وجه اختلاف عند أصحابنا. أما الوجه الأول الذي هو حلال بالإجماع، وهو كل شراب لم يمضِ عليه ثلاثة أيام وهو حلو. وأما الوجه الثاني الذي (١) هو حرام بالإجماع وهو الخمر بعينها والسكر من كل شراب. وأما الذي هو حرام عندنا فهو ماء العنب إذا طبخ على النصف وقد اشتد عندنا لا يجوز شربه، وهو قول عامة فقهاء الأمصار، وقال بشر المَرِيْسِي: يجوز شربه دون السكر. وأما الرابع فهو العصير الذي جعل في الشمس حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه ولم يطبخ ولكن عولج بالخردل، فإنّه يجوز عند علمائنا ولا يجوز عند بعض الناس. وأما الوجه الخامس فهو نبيذ التمر إذا طبخ أدنى طبخة ثم اشتد، فإنّه يجوز شربه دون السكر في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، الآخر إذا أراد به استمراء الطعام ولم يرد به اللهو، وقال محمد: لا يجوز شربه قليله وكثيره حرام، قال الفقيه أبو الليث: وبه نأخذ، وإذا كان شربه للهو فقليله وكثيره حرام بالاتفاق، وعن محمَّد بن مقاتل الرَّازِي (٢) ﵀ أنّه قال: لو أعطيت الدنيا بحذافيرها ما شربت المسكر؛ يعني نبيذ التمر والزبيب، ولو أعطيت الدنيا بحذافيرها ما أفتيت بأنه حرام. وهذا إذا كان مطبوخًا، أما إذا كان غير مطبوخ أو عصير العنب قبل أن يطبخ على

стр. 1481

الثلثين لم يختلف أصحابنا في حرمته، وأما الأشربة من الشعير والذرة أو التفاح أو العسل إذا اشتد وهو مطبوخ (أو غير مطبوخ) (١) فإنّه يجوز شربه ما دون السكر عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وعند محمَّد حرام، قال الفقيه وبه نأخذ، الكل في "النوازل"، إلى هنا من "الخلاصة". * * * [٥٤٩ - شمس الدِّين الفرضي (٢)] الشَّيخ الإمام العلامة أبو العلاء شمس الدِّين محمود بن أبي بكر الكُلَابَاذِي البُخاري، الملقَّب بشمس الدِّين الفرضي. حبر فاخر وبحر زاخر في العلوم العقلية والنقلية، شرح في الفرائض المختصر السراجي وسمَّاه بـ "ضوء السِّراج". وقرأ الفرائض على الإمام نجم الدِّين عمر بن أحمد بن عمر الكاشاني (٣) الكاخشتواني، وهو قرأ على الشَّيخ حميد الدِّين محمَّد بن علي النَّوْقَدي، وهو قرأ على المصنف سراج الدِّين محمَّد بن محمَّد السَّجاوَنْدِي (٤). وأخذ العلوم من شيوخ العصر، جمع مشايخه، وكانت تزيد على السبعمئة،

стр. 1482

منهم حافظ الدِّين الكبير البُخاري (١)، وحافظ الدِّين النَّسَفِي، وحميد الدِّين الضَّرير، من تلامذة شمس الأئمَّة الكَرْدَري صاحب صاحب "الهداية"، ومنهم صدر الدِّين محمَّد الخلاطي، وصدر الدِّين سليمان بن وهب، من تلامذة الحَصِيري، تلميذ الإمام فخر الدِّين قاضي خان وغيرهم. وأخذ العلم عنه قطب الدِّين عبد الكريم بن عبد الغفور بن منير بن عبد الكريم، الحلبي الأصل، المصري المولد. قال الشَّيخ الحافظ شمس الدِّين الذهبي: هو عارف بالحديث والرجال، جم الفضائل، مليح الكتابة، واسع الرحلة، سوَّد كتابًا كبيرًا في مشتبه النسبة، ونقلت منه كثيرًا، وكان رأسًا في الفرائض، وسمع منه الحديث أبو حيان، والبرزالي وعبد الكريم. أخبرنا شيخنا الإمام العلامة الحجَّة أبو حيان الأندلسي قال: قدم علينا الشَّيخ المحدث أبو العلاء محمود بن أبي بكر الفرضي البُخاري القاهرة وطلب الحديث، وكان رجلًا حسنًا طيب الأخلاق لطيف المزاج، فكنا نسايره في طلب الحديث، فإذا رأى صورة حسنة قال: هذا صحيح على شرط البخاري ومسلم، فنظمت هذه الأبيات: بدا كهلال العيد عند طلوعه … وماس كغصن الخيزران المنعم غزال رخيم الدل وافا مواصلًا … موافقة منه على رغم لومي مليح غريب الحسن أصبح معلمًا … بحمرة خد بالمحاسن معلم وقالوا على شرط البُخاري قد أتي … فقلت على شرط البُخاري ومسلم

стр. 1483

وكان الشَّيخ محمود الكُلَابَاذِي محدثًا متقنًا فاضلًا متبحرًا، صاحب المصنفات الفائقة في الحديث والفرائض وغيرها. سمع ببخارى، وقدم بغداد، فأقام بها يسمع ويصنف ويكتب، ثم رحل إلى دمشق والقاهرة، وسمع بها من أصحاب طبرزد الكندي وحدث. ومات بدمشق في ربيع الأول سنة سبعمئة بمَارْدِين، ومولده مستهل جمادي الأولى سنة تسع وأربعين وستمئة. * * * [٥٥٠ - جلال الدِّين محمَّد العِيْدي (١)] جلال الدِّين محمَّد بن أحمد بن عُمَر العيدي الصاعدي البُخاري. نسبة إلى العيد، وكان من آبائه من ولد يوم العيد فينسب إليه، واشتهر جلال الدِّين هذا بهذه النسبة. كان إمامًا فاضلًا، له معرفة تامة بالفروع والأصول، وكان بحرًا زاخرًا في تفسير كتاب الله تعالى، وشيخًا كاملًا في شرح الحديث. تفقَّه على الإمام حسام الدِّين محمَّد بن محمَّد بن عُمَر الأَخْسِيكَثِي، ثم على الشَّيخ الإمام حميد الدِّين علي الضرير الرَّامُشي، وحافظ الدِّين الكبير محمَّد البُخاري، وهما تفقها على شمس الأئمَّة الكَرْدَري تلميذ صاحب "الهداية".

стр. 1484

مات سنة ثمان وستين وستمئة، ودفن بمقبرة القضاة السبعة بباب كلاباذ ظاهر البلد. * * * [٥٥١ - أبو الفتح زين الدِّين عبد الرَّحيم المَرْغِيْنَاني (١)] الشَّيخ الإمام أبو الفتح زين الدِّين صاحب "الفصول العمادية" عبد الرحيم بن أبي بكر عماد الدِّين بن برهان الدِّين صاحب "الهداية" علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفَرْغَانِي المَرْغِيْنَانِي الرِّشْداني. تفقَّه على أبيه عماد الدِّين ابن صاحب "الهداية"، وعلى صاحب "مطلع المعاني" حسام الدِّين العليابادي، تلميذ الشَّيخ الإمام مجد الدِّين المفتي صاحب "الفصول" محمَّد بن محمود الأُسْتُرُوشَني، وهو تلميذ القاضي الإمام ظهير الدِّين محمَّد البُخاري صاحب "الفوائد" و "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة"، وهو تلميذ الشَّيخ ظهير الدِّين الحسن بن علي المَرْغِيْنَاني، وهو أخذ العلم عن برهان الدِّين الكبير عبد العزيز بن عُمَر بن مازه، عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن أبي علي النَّسَفِي، عن أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن الأستاذ عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى. رأيت في آخر "فصوله": يقول جالب هذه الخصائل النفيسة، وكاتب هذه المسائل الأنيسة، أبو الفتح بن أبي بكر بن عبد الجليل، المَرْغِيْنَاني منسبًا، والسَّمَرْقندي

стр. 1485

منصبًا، بعد تقديم الحمد لوليه، والصلاة على محمَّد عبده ونبيه، والثناء عليه وعلى آله في كل صباح وكل يوم وعشية … إلى آخر كلامه. ثم قال: نجزت كتابته في أواخر شعبان، سنة إحدى وخمسين وستمئة، بالمدرسة المرغوبة المقربة (١) بالبلدة الفاخرة سمرقند، لا زالت معمورة، وبالماهرين (٢) من أولي العلوم مغمورة، ويرحم الله عبدًا قال: آمينًا. وفي الفصل الثالث من "الفصول العمادية" قال أبو الفتح زين الدِّين هذا: دعوى قتل الخطأ على القاتل مقبولة، والبيئة على ذلك مسموعة بغير حضرة العاقلة، كذا حكي عن جدي شيخ الإسلام برهان الدين. ورأيت في حاشية هذه النسخة من "الفصول العمادية": ولو ادعى الدية على العاقلة بغيبة القاتل هل يصح؟ كانت واقعة الفتوى في الثالث من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وستمئة، فعلى قياس ما كتبناه من محاضر الإمام جلال الدِّين حامد بن محمَّد في آخر الفصل السادس من هذه المجموعة ينبغي أن لا تصح دعوى كل الدية بغيبته فلينظر ثمَّة، وما هو المحكي عن شيخ الإسلام جدي ﵀ من مسألة المتن يشير إلى أنّه لا تصح هذه الدعوى أيضًا بغيبته أصلًا، انتهى ما في الحاشية. وذكر في آخر الفصل السادس من "فصوله": ادعى على آخر خمسمئة درهم بسبب أنّه وكزه على وجهه خطأ، فانكسرت من شدة ضربه سنه، هذه من الأصل (رد محض) (٣) هذه الدعوى؛ لأنّ الاختلاف ثابت في أنّ موجب

стр. 1486

الخطأ على العاقلة ابتداء (أو على) (١) الجاني ابتداء والعاقلة يتحملون عنه. وكذلك اختلفوا في أنّ الجاني هل هو من جملة العاقلة أم لا؟ فلا تستقيم دعوى مطالبته بجميع الموجب دلَّ عليه أنّ من ادعى على آخر قتلا خطأ فتحاكما رجلًا لا ينفذ حكمه عليهما، لأنّ فيه الدية على العاقلة، ولم يوجد منهم التحكيم، ولو كان عمدًا نفذ حكمه عليهما، هكذا ذكر الجملة قاضي القضاة حامد بن محمَّد الرِّيْغْذَمُوني خال صاحب "المحيط" في "المحاضر"، تغمدهما الله بالرضوان. وذكر في الفصل العشرين في الإجازة الموسومة بسمرقند من "فصوله": ذكر صاحب "المحيط" في "فوائده": استأجر رجلًا ليحفظ له السكين كل شهر بكذا، وقبل الآخر، ومضت مدة، ثم ظهر أنّ هذا السكين ملك غير المستأجر هل يجب الأجر؟ قال: ينبغي أن لا يجب أجر ما مضى؛ لأنّه لما استحق السكين تبين أنّ المستأجر كان غاصبًا، والأجير غاصب الغاصب والحفظ مستحق عليه، والإجارة على العمل المستحق عليه لا تجوز، كما إذا استأجر المشتري البائع ليحفظ له المبيع قبل التسليم، فإنّه لا يجوز، لأنّ الحفظ مستحق عليه، بخلاف ما إذا استأجر المستعير أو المودع بحفظ (العارية أو) (٢) الوديعة حيث يجوز، لأنّه تبرع فيه. قال: وقال بعض الفقهاء إن علم الأجير في مسألة السكين أنّه مغصوب فالجواب كذلك بأنه لا يجب الأجر، فأما إذا لم يعلم وقت الإجارة أنّه مغصوب يجب الأجر (٣)، هذه الجملة في "فوائده". [ورأيت في "فوائد جدي شيخ الإسلام": أنّه سئل عمن غصب عينًا واستأجر رجلًا ليحفظه هل يجب الأجر للمستأجر؟ أجاب: نعم. قال عمي نظام الدين:

стр. 1487

في المسألة إشكال، وهو أنّه بالأخذ صار غاصب الغاصب، والحفظ واجب على غاصب الغاصب فكيف يجب له أجر ما هو واجب عليه؟ ولأن للمالك أن يضمنه، والأجر مع الضمان لا يجتمعان، قلت: ويتخالج في صدري أنّ الأجر والضمان لا يجتمعان لواحد، وههنا المستحق للأجر غير المستحق للضمان. وفي فوائد صاحب "المحيط" أيضًا: لو غصب دابة وآجرها من إنسان يجب عليه الأجر وإن كان المستأجر غاصب الغاصب، لأنّ الأجر إنما يجب بمقابلة الانتفاع، وقد وجد الانتفاع هاهنا فيجب الأجر، أما في مسألة السكين الأجر إنما يجب بمقابلة الحفظ وإنّه مستحق عليه فلا يجب، هكذا ذكر ﵀. قلت: ويمكن أن يقال في مسألة بدل الإجارة المعهودة: إنّه يجب الأجر، وإن ظهر أنّ العين لم تكن ملك المستقرض (١)، كما أجاب جدي مطلقًا، وخصوصا إذا لم يعلم المقرض بذلك، كما أجاب بعض الفقهاء على ما مر لهذه العلة التي ذكرها صاحب "المحيط" في مسألة غصب الدابة وإجارتها، وهذا لأنّ الأجرة المعهودة إنما تجب بمقابلة منفعة القرض، يعني (٢): وإن كان يجب بمقابلة الحفظ عقدًا ولفظًا، ألا ترى أنهم لا يقدمون على مثل هذا الاستئجار من غير سابقة القرض، والمعهود كالمشروط، خصوصًا فيما هو عقد نظري يراعى فيه نظر الجانبين. وهذا الذي ذكرنا هو أحد الشبهات في حل بدل الإجارة المرسومة وإن أفتوا بحلها، وكثيرًا ما رأيت جواب أستاذي مولانا حسام الدِّين العليابادي تغمده الله بغفرانه وأكرمنا وإياه برضوانه في "الفتاوى الحفظية"، وقد سئل في كل منها: بدل إجارة معهودة حلال هست ياني؟ الجواب: هست، والله أعلم.

стр. 1488

وهكذا سمعته منه غير مرة في خلال الوظائف والمباحثات، وسمعته يقول: كنت يوما عند عمك مولانا جلال الدِّين محمَّد بن علي فوَردَ عليه الاستفتاء: ما قولكم رضي الله عنكم بدل إجارة معهودة؟ حلال هست ياني؟ فكتب: هست، والله أعلم، وفيه: ما قولكم حلال طيب هست ياني؟ فكتب: هست، والله أعلم] (١). * * * [٥٥٢ - تقي الدِّين أحمد بن أبي العز (٢)] الشَّيخ الإمام تقي الدِّين أحمد بن صدر الدِّين سليمان بن وهب بن أبي العز. كان إمامًا فاضلًا، جامعًا للعلوم أصولها وفروعها، وضابطًا للفنون عقليها ونقليها، وكان صدرًا من الصدور، ودرس بالشِّبْلية وصنَّف. أخذ العلوم عن أبيه صدر الدِّين، عن الإمام (جمال الدِّين) (٣) الحَصِيري، عن الإمام فخر الدِّين قاضي خان. [وهو أخو شمس الدِّين محمَّد بن سليمان. مات في شهر رجب سنة خمس وثمانين وستمئة. * * *

стр. 1489

[٥٥٣ - شمس الدِّين محمَّد بن أبي العز (١)] الشَّيخ الأمام شمس الدِّين محمَّد بن صدر الدِّين سليمان بن وهب بن أبي العز. أخو تقي الدِّين أحمد المذكور قبله. كان فاضلًا عالمًا بالمذهب والخلاف، جامعًا للأصول والفروع، أخذ العلم عن أبيه صدر الدين، عن الإمام جمال الدِّين الحَصِيْري، عن الإمام فخر الدِّين قاضي خان؛] (٢) وأخذ عنه ابنه عماد الدِّين إسماعيل بن محمَّد بن أبي العز مفتي الأنام وأقضى قضاة الإسلام. وذكر في "الجواهر المضية": أنّه أفتى أكثر من ثلاثين سنة بدمشق للطائفة الحنفيَّة، وبها مات قاضيًا سنة تسع وتسعين وستمئة، ودرس وأفاد المستفيد إلى حين مات ﵀. * * * [٥٥٤ - شمس الدِّين محمود اللَارَنْدي (٣)] الشَّيخ الإمام شمس الدِّين محمود بن أحمد بن ظهير اللَارَنْدي. كان فقيهًا خلافيًّا أصوليًّا، عالمًا بالفرائض والحساب، تفقَّه على الصَّدر

стр. 1490

سليمان بن أبي العز المذكور قبيله (١)، وكان ورعًا، وفي لسانه عجمة. صنف في الفرائض كتابًا سمَّاه بـ "إرشاد ذوي الألباب إلى معرفة الصواب"، ثم ضم إليه السراجية وزاد أبوابًا، وذكر فيه المذاهب الأربع، وسمَّاه "إرشاد الراجي لمعرفة الفرائض السراجي"، وله "شرح عروض الأندلسي". وتفقَّه عليه الإمام تاج الدِّين بن خليل، وأخذ عنه الفرائض، وقرأ عليه الفرائض أيضًا نور الدِّين علي بن محمَّد الحَاضِري. ذكر عبد القادر في "الجواهر المضية" عن الحَاضِري أنّه قال: رأيته وكان رجلًا حسنا، ذا بهجة وجلالة، يلبس لباس الصوفيَّة، وأفاد وأعاد، وتوفي فيما أظن قبل العشرين وسبعمئة. * * * [٥٥٥ - صدر الشَّريعة الثاني (٢)] الشَّيخ الإمام العلامة صدر الشَّريعة عبيد (٣) الله بن مسعود بن محمود تاج الشَّريعة بن صدر الشَّريعة أحمد بن جمال الدِّين عبيد الله المحبوبي، صاحب "شرح الوقاية"، المعروف بين الطلبة بـ "صدر الشَّريعة". وهو الإمام المتفق عليه، والعلامة المختلف إليه، حافظ قوانين الشرع، ملخص

стр. 1491

مشكلات الأصل والفرع، شيخ الفروع والأصول، عالم المعقول والمنقول، فقيه أصولي خلافي جدلي محدث مفسر نحوي لغوي أديب نظار متكلم منطقي، عظيم القدر، جليل المحل، كثير العلم، يضرب به المثل، غذي بالعلم والأدب، وأدرك المجد إرثًا عن أب فأب. ونشأ في حجر الفضل ونال شَأْوَ العُلا، وحمل على أكتاف فحول الفقهاء وأُسُود العلماء، كفل به وربَّاه جده، وعلمه في صباه، فسعد جده وأنجح جده (١)، حتى حاز قَصَب السَّبْق في الفروع والأصول، وكان فارس ميدانه في المعقول والمنقول. أخذ العلم عن جده الإمام الفاضل تاج الشَّريعة محمود بن صدر الشَّريعة أحمد بن عبيد الله المحبوبي، عن أبيه جمال الدِّين المحبوبي، عن الشَّيخ الإمام المفتي إمام زاده عن عماد الدِّين الزَّرَنْجري، عن أبيه شمس الأئمَّة الزَّرَنْجري، عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن الإمام القاضي أبي علي النَّسَفِي، عن الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن عبد الله السُّبَذْمُوْنِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى. وكان ذا عناية بتقييد نفائس جده، وجمع فوائده، شرح "كتاب الوقاية" من تصانيف جده تاج الشَّريعة، وهو أحسن شروحه، ثم اختصر "الوقاية" وسمَّاه "النقاية". قال في أول "مختصر الوقاية": فإنّ الفقير المتوسل إلى الله تعالى بأقوى الذريعة عبيد الله بن مسعود بن تاج الشَّريعة رزقه الله خير الدارين يقول: قد ألَّف جدِّي

стр. 1492

وأستاذي، مولانا الأعظم، سلطان علماء العالم، لأجل حفظي "كتاب وقاية الرواية في مسائل الهداية"، وهو كتاب لم تكتحل عين الزمان بثانيه، في وجازة ألفاظه، مع ضبط معانيه، لكن قصرت همة أهل الزمان عن حفظه، فاتخذت هذا المختصر مشتملًا على ما لا بد منه، فمن أحب ضبط مسائل "الهداية" فعليه بحفظ "الوقاية"، ومن أعجله الوقت فليصرف إلى المختصر عنان العناية، إنّه ولي الهداية. وهو البحر الزاخر، والحبر الفاخر، الأصولي صاحب الفنون، ألَّف في أصول الفقه متنًا سمَّاه "التنقيح"، ثم صنف شرحًا نفيسًا سمَّاه "التوضيح في حل غوامض التنقيح"، وله "المقدمات الأربعة"، و"تعديل العلوم"، وله "الشروط"، و "المحاضر" رتبها على ترتيب كتب الفقه وأبوابه. مات ﵀ سنة سبع وأربعين وسبعمئة، ومرقده ومرقد والديه وأولاده وأجداد والديه كلهم في شرع آباد بخارى؛ وأما جده أبو والده تاج الشَّريعة وأبو والدته برهان الشَّريعة فإنهما ماتا في كَرْمان، ودفنا فيها، تغمدهم الله برحمته، كذا ذكره عبد الباقي الخطيب بمدينة رسول الله الذي يرفع نسبه إلى القاضي الإمام فخر الدِّين قاضي خان، وقد اشتهر بقاضي خان زاده بالمدينة خطيبًا بمسجد الرَّسول ﷺ . تفقَّه عليه بقية أعلام الهدى، الشَّيخ حافظ الحقِّ والدِّين، أبي طاهر محمَّد بن الحسن بن علي الظاهري، ووقع الإجازة من الإمام العلامة صدر الشَّريعة للشيخ أبي طاهر في بخارى، في ذي القعدة، سنة خمس وأربعين وسبعمئة، وأخذ الفقه عن الشَّيخ أبي طاهر، صاحب "فصل الخطاب" الشَّيخ محمَّد بن محمَّد بن محمَّد البُخاري الحافظي، المشتهر بخواجه محمَّد بارسا، ووقع له منه الإجازة في أواخر شعبان، سنة ست وسبعين وسبعمئة في بخارى، ذكره صاحب "الشقائق النعمانية" في الطبقة السادسة في ذكر المولى إلياس بن يحيى الرُّومي.

стр. 1493

قال الإمام العلامة صدر الشَّريعة في "شرح الوقاية" في باب زكاة الأموال في قول صاحب "الوقاية": أخذ البغاة زكاة السوائم والعشر أو الخراج يفتى أن يعيدوا خفية إن لم يصرف (١) في حقه لا الخراج، اعلم أنّ ولاية أخذ الخراج للإمام، وكذا أخذ الزكاة في الأموال الظاهرة وهي عشر الخارج (٢)، وزكاة السوائم وزكاة أموال التجارة ما دامت تحت حماية العاشر، فإن أخذ البغاة أو سلاطين زماننا الخراج فلا إعادة على المالك، لأنّ مصرف الخراج المقاتلة، وهم من المقاتلة، لأنهم يحاربون الكفار، وإن أخذوا الزكاة المذكورة فإن صرفوها إلى مصارفها، وهي مصارف الزكاة فلا إعادة على الملاك، وإن لم يصرفوها على مصارفها فعليهم الإعادة خفية؛ أي: يؤدونها إلى مستحقيها فيما بينهم وبين الله تعالى. [وإنما قال: "يفتى أن يعيدوا" احترازًا عن قول المشايخ: إنّه لا إعادة عليهم لأنهم لما تسلطوا على المسلمين فحكمهم حكم الإمام ضرورة، ولهذا يصح منهم تفويض القضاة وإقامة الجُمع والأعياد ونحو ذلك] (٣). والجواب عن هذا: إنما ثبت بالضرورة يتقدر بقدر الضرورة، يعني نصب القضاة وإقامة ما هو من شعائر الإسلام ضرورية بخلاف الزكاة، فإنّ الأصل فيها الأداء خفية، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. وعن قول بعض المشايخ: إنّه إذا نوى بالدفع إليهم التصدق عليهم تسقط عنه، لأنهم - بما عليهم من التبعات أي من الحقوق التي عليهم كالديون والغصوب - فقراء فلا يصح أداؤها إلا بالنية، وعلى هذا فما ذكره القاضي الإِسْبِيْجابي أنّ من امتنع عن

стр. 1494

أدائها أخذها الإمام كرها ووضعها في أهلها وتجزيه؛ لأنّ للإمام ولاية أخذها، فقام أخذه مقام دفع المالك باختياره حقيقة. والمعتمد في المذهب عدم الأخذ كرهًا، قال في "المحيط": ومن امتنع من أداء الزكاة فالساعي لا يأخذها (١) كرهًا، ولو أخذها لا يقع عن الزكاة لكونها بلا اختيار، ولكن يجبره بالحبس ليؤدي بنفسه، انتهى من "الأشباه والنظائر" لابن نجيم [إلى هنا. والشَّيخ أبو منصور الماتريدي زيَّف هذا، فإنّه قال: لا بد من إعلام المتصدق عليه، وأيضًا لاخفاء في أنّ الزكاة عبادة محضة كالصلاة، فلا تتأدى إلا بالنية الخالصة لله تعالى، ولم توجد ثمَّة. ثم اعلم أنّ العبادة المذكورة في "الهداية" هذه والزكاة مصرفها الفقراء ولا يصرفونها إليهم، وقيل: إذا نوى بالدفع التصدق عليهم تسقط عنه، وكذا الدفع إلى كل سلطان جائر؛ لأنهم بما عليهم من التبعات فقراء، والأول أحوط، فعليك أن تتأمل في هذه الرواية هل يفهم منها إلا سقوط الزكاة عن المظلوم نظرًا له ودفعًا للحرج عنه، وهل لهذه الرواية دلالة على أنّه يجوز للخوارج وأهل الجور أن يأخذوا الزكاة ويصرفونها إلى حوائجهم، ولا يصرفونها إلى الفقراء بتأويل أنهم فقراء، فانظر إلى هذا الذي أدرج في الإيمان ركنًا آخر كيف يتمسك بهذه الرواية فسوِّغ لولاة هراة أخذ العشر والزكاة بالصفة المعلومة، بل فرض عليهم ذلك، وحكم بكفر من أنكره، والصفة المعلومة أن يحرض الأغوية في أخذ الخارج عن الأرض أضعافًا مضاعفة، فيضعوا على الملاك القيم ويأخذوها جبرًا وقهرًا، ويصرفوها كما هو عادة أهل الإسراف والإتراف، انتهى كلام صدر الشَّريعة.

стр. 1495

قال الشَّيخ أكمل الدِّين في "عناية الهداية": إذا ظهر هؤلاء - أعني الخوارج - على بلدة فيها أهل العدل، فأخذوا الخراج وصدقة السوائم، ثم ظهر عليهم الإمام لا يثنِّي عليهم؛ أي: لا تؤخذ منهم ثانيًا؛ لأنّ الإمام لم يحمهم والجباية بالحماية، كتب عُمَر ﵁ إلى عامله: "إن كنت لا تحمهم فلا تَجْبِهِم"، من جبى الخراج جباية: إذا جمعه، وأفتوا بأن يعيدوها؛ يعني: الصدقة دون الخراج، وهو اختيار أبي بكر الأعمش؛ لأنهم مصارف الخراج لكونهم مقاتلة إذا ظهر عدو ذبوا عن دار الإسلام، وأما الصدقات فمصرفها الفقراء، وهم لا يصرفونها إليهم، وقيل: إذا نوى بالدفع التصدق عليهم تسقط وهو المحكي عن الفقيه أبي جعفر، وكذا الدفع إلى كل جائر] (١). قال في "الجامع الصَّغير" لقاضي خان: وكذلك السُّلطان إذا صادر رجلًا وأخذ منه أموالًا فنوى صاحب المال الزكاة عند الدفع سقطت عنه الزكاة؛ لأنهم بما عليهم من التبعات فقراء، فإنهم (٢) إذا ردوا مالهم إلى من أخذوها منهم لم يبقَ معهم شيء، والتبعات: الحقوق التي عليهم كالديون والغصوب، والتبعة: ما أتبع به، وقوله: والأول أحوط؛ أي: الإفتاء بالإعادة، إلى هنا من "العناية". وذكر الزَّيْلَعِي في "التبيين" قال: ولو أخذ الخراج والعشر والزكاة بغاة لم تؤخذ أخرى؛ لأنّ الإمام لم يحمهم والجباية بالحماية، وقد كتب عُمَر ﵁ إلى عامله: "إن كنت لا تحميهم فلا تجبهم"، بخلاف ما إذا مر هو بهم فعشروه حيث يؤخذ منه ثانيًا إذا مر على أهل العدل؛ لأنّ التقصير من جهته (حيث مر عليهم لا من الإمام، وقيل: إذا نوى بالدفع التصدق عليهم أجزأته الصدقات أيضًا، لأنهم لو

стр. 1496

حوسبوا بما عليهم من التبعات فقراء) (١)، وأما ملوك زماننا فهل تسقط هذه الحقوق بأخذهم من أصحاب الأموال؟ قال الهِنْدُوَاني: تسقط وإن لم يضعوها في أهلها؛ لأنّ حق الأخذ لهم، فكان الوبال عليهم. وقال أبو بكر بن سعيد: يسقط الخراج ولا تسقط الصدقات لما ذكرنا في البغاة، (وقال أبو بكر الإسْكاف: لا يسقط الجميع، وقيل: إذا نوى بالدفع إليهم التصدق عليهم تسقط وإلا فلا لما ذكرنا في البغاة) (٢)، وعلى هذا ما يؤخذ من الرجل في جبايات الظلمة والمصادرات إذا نوى بالدفع التصدق عليهم جاز عما نوى، انتهى ما في "التبيين". [وذكر المولى خُسْرَو في "الدور والغرر": وثنى إنْ عشَّرَ الخوارج؛ يعني: إذا مر على عاشر البغاة فعشروه، ثم مر على عاشر العدل يؤخذ منه ثانيًا؛ لأنّ التقصير منه حيث مر بهم بخلاف ما إذا غلبوا على بلاد فأخذوا الزكاة وغيرها، حيث لا يؤخذ منهم ثانيًا إذا ظهر عليهم الإمام؛ لأنّ التقصير من الإمام، انتهى] (٣). وفي "إيضاح إصلاح المولى" للعلامة ابن الكمال باشا، قال فخر الإسلام: قد قال مشايخنا: يجب أن ينوي عند أخذ الخوارج الصدقة عليهم، وكذلك كل سلطان ظالم لا يؤدي ما يأخذ إلى أربابه ومصارفه، وذلك أنّ هؤلاء لو حوسبوا ما لهم بما عليهم لكانوا فقراء، وقال بعضهم: لا يجزيهم هذا؛ لأنّ علم من يأخذ بما يأخذ شرط، فالأحوط أن يعاد، ولا يخفى ما في هذا التعليل من الضعف؛ لأنهم صرحوا بأنه لو وهب جميع الدَّين من المديون بنية الزكاة سقط عن الدَّين، في الاستحسان يكون

стр. 1497

مؤدِّيًا، وتسقط عنه الزكاة، ولم يذكروا فيه شرط الإعلام، (وكذا لو وهب كل الدَّين من المديون، ولم ينو به الزكاة، كما لو كان النصاب عينًا فتصدق على الفقراء ولم ينوِ شيئًا كان مؤديًا قياسًا واستحسانًا، كذا في "خلاصة الفتاوى" في الفصل الثاني من كتاب الزكاة) (١). وأما الاعتراض على ما قاله بعض المشايخ بأن الزكاة عبادة محضة كالصلاة فلا تتأدى إلا بالنية الخالصة لله تعالى ولم توجد، فمنشأه الغفلة عن اشتراطهم نية الصدقة عند الأخذ، أو الجهل بأن المعتبر هاهنا الدفع بالاختيار لا بالرضاء. قال في "التحفة": عندنا للساعي أن يجبره على الأداء بالحبس فيؤديه بنفسه؛ لأنّ الإكراه لا ينافي الاختيار، ثم إن قولهم: وذلك أنَّ هؤلاء لو حوسبوا ما لهم بما عليهم لكانوا فقراء، وقد عبر عن هذا في "الهداية" بقوله: ما عليهم من التبعات فقراء؛ ظاهر في أنه يجوز للخوارج والسلاطين الجائرة أن يأخذوا الزكاة ويصرفونها إلى حوائجهم، إلى هنا من "إيضاح الإصلاح". ورأيت في "الأشباه والنظائر" لابن نجيم: وأما الزكاة فلا يصح أداؤها إلا بالنية، وعلى هذا فما ذكره القاضي الإسْبِيْجابي: أن من امتنع عن أدائها أخذها الإمام كرهًا، ووضعها في أهلها يجزيه؛ لأنّ للإمام ولاية (٢) أخذها، فقام أخذه مقام دفع المالك باختياره ضعيف، والمعتمد في المذهب عدم الأخذ كرهًا، قال في "المحيط": ومن امتنع عن أداء الزكاة فالساعي لا يأخذ منه كرهًا، ولو أخذ لا يقع عن الزكاة؛ لكونها (٣) بلا اختياره، ولكن يجبره بالحبس ليؤدي بنفسه. انتهى، إلى هنا من "الأشباه والنظائر".

стр. 1498

وفي الفصل الثامن من كتاب الزكاة من "خلاصة الفتاوى": السُّلطان الجائر إذا أخذ صدقة الأموال الظاهرة فالصحيح أنه تسقط عن أربابها ولا يؤمر بالأداء ثانيًا، وإن أخذ الجبايات أو مالًا بطريق المصادرة فنوى صاحب المال عند الدفع الزكاة اختلفوا فيه، والصحيح أنّه تسقط الزكاة عنه، كذا قال الإمام السَّرَخْسي، انتهى. ورأيت في "قنية الفتاوى" و "الحاوي" للإمام الزَّاهدي، نقلًا عن علاء الملة التَّرْجُماني: دفع لمحترم زكاة ماله وقال: دفعته إليك قرضًا، ونوى الزكاة تجزيه، لأنّ العبرة فيه للقلب دون اللسان، ورقم للقاضي عين الأئمَّة الكربيسي، وقال: لا يجزيه، ورقم ليوسف التَّرْجُماني الصغير، وقال: تجزيه إذا تأول القرض بالزكاة، قال الزَّاهدي: وهذا أحسن الأجوبة، والأصح رواية أنه تجزيه؛ لأنّ العبرة لنية الدافع لا لعلم المدفوع إليه، إلا على قول أبي جعفر (١)، وقد اعترض عليه في جميع التفاريق في أنه ينوي الزكاة بما أخذ منه الظالم ظلمًا، وإن كان يأخذه الظالم غير جهة الزكاة. وفي "الأصل": وهب لمسكين درهمًا، وسمَّاه هبة، ونواها زكاة أجزأ، قال شمس الأئمَّة السَّرَخْسي: لأنّ العبرة للنية فلا يعتبر بلفظ الهبة، ومن امتنع من الزكاة، فأخذها الإمام كرهًا ووضعها في أهلها أجزأه؛ لأنّ للإمام ولاية أخذ الصدقات، فقام أخذه مقام دفع المالك، وعن مجد الأئمَّة التَّرْجُماني: وفيه إشكال؛ لأنّ النية فيها شرط ولم توجد. وعن أبي الفضل الكرماني: لو امتنع عن أداء الزكاة لا تؤخذ منه جبرًا، لكن يحبس حتى يؤديها عن اختياره، وقال الشَّافعي ﵀: تؤخذ جبرًا.

стр. 1499

قال قاضي خان في "أماليه": الأفضل هو الإعلان في أداء الزكاة والإظهار، وفي التطوعات الإخفاء والإسرار، قال أبو بكر محمَّد بن الفضل: الأفضل أن يؤدي الزكاة من المال الظاهر - أي: غير الذهب والفضة - بنفسه، لأنّ هؤلاء لا يضعون الزكاة مواضعها بخلاف الخراج، فإنهم يضعون مواضعه؛ لأنّ موضعه المقاتلة، وهؤلاء مقاتلة، لأنهم يحمون بيضة الإسلام. إلى هنا من "القنية" و "الحاوي". قال ابن الشحنة في "شرح المنظومة الوهبانية" في شرح بيت: وفي الدفع قبل الموت للأخ خلفهم … وإخراجها جهرًا من السر أجدر نقل المصنف عن "النهاية" في أوائل كتاب الحج: أن الإخفاء خير من الإبداء، واستدل بقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، ورد بأن المراد صدقة التطوع، ولو سلم فلا يدل إلا على كونه من جملة الخيرات لا على المدعي. قلت: في هذا نظر؛ لأنّ ﴿خَيْرٌ﴾ هاهنا أفعل التفضيل لمقابلته بقوله: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾، فقد ذكر في تفسير السَّجاوَنْدِي: ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ الزكاة، و ﴿تُخْفُوهَا﴾ أي: النوافل، واعترض بأنه لا يصح؛ لأنه أخبر أن الإخفاء خير، ولا يكون التطوع خيرًا من الفريضة، فيدل على المدعي إلا أن يحمل ذلك على التطوع في موضعين. وفي "التيسير": قال الزجاج ﵀: كان هذا على عهد رسول الله ﷺ ، كان الإخفاء في إيتاء الزكاة أحسن، فأما اليوم فالناس يسيئون الظن، فالإظهار أحسن، وأما التطوع فإخفاؤه. وذكر الزَّمَخْشَري في "الكشَّاف": ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ

стр. 1500

لَكُمْ﴾، فالإخفاء خير لكم، والمراد: الصدقات المتطوع بها، فإنّ الأفضل في الفرائض أن يجاهر بها، وعن ابن عباس ﵄: صدقات السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفًا، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفًا (١). وإنما كانت المجاهرة بالفرائض أفضل لنفي التهمة، حتى إذا كان المزكي ممن لا يعرف باليسار كان إخفاؤه أفضل، والمتطوع إن أراد أن يُقتدى به كان إظهاره أفضل، انتهى كلام الزَّمَخْشَري. وذكر المولى العلامة أبو السعود في "الإرشاد": ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ هذا في الصدقات المفروضات، وأما في صدقة التطوع فالإخفاء أفضل، وهي التي أريدت بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾ أي: تعطوها خفية، ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾، ولعل التصريح بإيتائها الفقراء مع أنه واجب في الإبداء أيضًا لما أن الإخفاء مظنة الالتباس والاشتباه، فإنّ الغني ربما يدَّعي الفقر ويقدم على قبول الصدقة سرًّا، ولا يفعل ذلك عند الناس ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فالإخفاء خير لكم وهذا في التطوع ومن لم يعرف بالمال، وأما في الواجب فالأمر بالعكس لدفع التهمة، انتهى. فتأمل في هاتيك المنقولات، ثم تدبَّر فيما قاله صدر الشَّريعة كلام صاحب "الوقاية" يظهر لك ما فيه شيئًا فشيئًا. * * *

стр. 1501

[٥٥٦ - ابن الحريري (١)] قاضي القضاة شمس الدِّين محمَّد بن عُثمان بن أبي الحسن بن عبد الوهاب الأنصاري، المعروف بابن الحريري. أخذ عن ابن المعلم إسماعيل بن عُثمان القرشي، عن الإمام جمال الدِّين الحَصِيْري، عن الإمام فخر الدِّين قاضي خان، وأخذ عن المولى العالم الفاضل ابن الشَّمَّاع المفتي محمَّد بن عبد الكريم، عن شمس الدِّين عبد الله بن محمَّد بن عطاء الأذرعي. وسمع ابن الحريري من شمس الدِّين عبد الله بن محمَّد بن عطاء الأذرعي. وسمع منه صاحب "الجواهر المضية" عبد القادر بن محمَّد القرشي وأخذ عنه. كان عالمًا فاضلًا فقيهًا عارفًا بالمذهب، درس وأفتى، انتهت إليه رئاسة الحنفيَّة في زمانه، ورزق الهيبة التامة والقبول. تولى قضاء دمشق في يوم الأربعاء الحادي والعشرين من شعبان سنة تسع وتسعين وستمئة، وكان في سنة ثمان وتسعين مدرسًا بمدرسة غايون، ثم في رمضان سنة تسع وتسعين مدرسًا بالخاتونيَّة الجوانية، ثم في سنة سبعمئة مدرسًا بالظاهرية، وفي ذي القعدة من هذه السنة عزل عن القضاء، وولي مكانه قاضي القضاة جلال الدِّين أحمد بن حسام الدِّين بن تاج الدِّين الأنقروي، وفي جمادى الآخرة سنة إحدى وسبعمئة وصل البريد بإعادته للقضاء باستقرار الخاتونيَّة للقاضي جلال الدين، ثم

стр. 1502

أعيدت الخاتونيَّة إليه سنة ثلاث وسبعمئة، ثم انتزعها منه جلال الدِّين بعد شهر ونصف شهر. ثم (١) مات سنة ثمان وعشرين وسبعمئة، ومولده بدمشق سنة ثلاث وخمسين وستمئة، وبعد ما عزل عن قضاء دمشق تقاعد مدة، ثم ولي القضاء بالقاهرة عوضًا عن قاضي القضاة شمس الدِّين أبي العبَّاس أحمد بن إبراهيم السَّرُوجي. * * * [٥٥٧ - جلال الدِّين أحمد الأنقروي (٢)] قاضي القضاة جلال الدِّين أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن أنوشروان الرَّازِي الأنقروي، قاضي القضاة ابن قاضي القضاة ابن قاضي القضاة. ورث المجد والعلا أبًا عن جد، تولَّى قضاء الحنفيَّة بدمشق عند توجه والده قاضي القضاة حسام الدِّين الحسن بن أحمد إلى مصر في ثاني صفر سنة ست وتسعين وستمئة. وكان مولده سنة إحدى وخمسين وستمئة بمدينة أنْقَرَة ببلاد الروم، تفقَّه على والده، وقرأ "الجامع الكبير"، و "الزيادات" اللعتابي على العلامة فخر الدِّين عُثمان المارديني، وقرأ "الخلاف" على العلامة برهان الدِّين الحنفي، وقرأ الفرائض على أبي العلاء شمس الدِّين الفرضي البُخاري، وأخذ العلوم عن الشَّيخ الإمام إسماعيل بن عُثمان المعروف بابن المعلم، عن الشَّيخ الإمام الحَصِيري، عن الإمام فخر الدِّين قاضي خان.

стр. 1503

وكان والي القضاء بخَرْبُوتْ وهو ابن سبع عشرة سنة، فدرس وصنف وأفتى، وكان عالمًا فاضلًا فائق الأقران، نادرة الزمان، كان بينه وبين شمس الدِّين بن الحريري وقائع كثيرة، ولي قضاء دمشق مكان ابن الحريري في شهر ذي القعدة سنة سبعمئة، وكان ابن (١) الحريري قبله مدرسًا بالخاتونيَّة الجوانية ضميمة بقضاء دمشق، ثم في جمادى الآخرة سنة إحدى وسبعمئة وصل البريد بإعادة شمس الدِّين الحريري للقضاء واستقرار الخاتونيَّة للقاضي جلال الدِّين أحمد، ثم أعيدت الخاتونيَّة إلى ابن الحريري سنة ثلاث وسبعمئة، ثم انتزعها منه جلال الدِّين بعد شهر ونصف شهر، كما سبق ذكره قبيل هذا. مات يوم الجمعة، التاسع عشر من رجب، سنة خمس وأربعين وسبعمئة ﵀. * * * [٥٥٨ - يوسف بن المعلم (٢)] الشَّيخ الإمام العلامة يوسف بن إسماعيل بن عُثمان القرشي تقي الدِّين بن الشَّيخ رشيد الدِّين، المعروف بابن المعلم. قال عبد القادر صاحب "الجواهر المضية": يوسف بن إسماعيل بن عُثمان

стр. 1504

القرشي شيخنا العلامة تقي الدِّين بن العلامة شيخنا رشيد الدِّين إسماعيل، عرف والده بابن المعلم. مات بالقاهرة بمنزله على سطح الجامع الأزهر، وتزهَّد وأفتى، ودفن مع والده بالقَرَافة الصغرى على باب تربة على يمين السالك من القاهرة إلى قبر الإمام الشَّافعي ﵀. تفقَّه على والده، وذكر الدرس بالبَلْخِيَّة جوار جامع دمشق بعد نزول والده عنها، ثم توجَّه هو ووالده في جفل التاتار إلى القاهرة، وأقام بها إلى أن مات، انتهى ما في "الجواهر المضية". كان بين موت والده وبينه شهر واحد، مات بعد والده في الخامس من رجب سنة أربع عشرة وسبعمئة. * * * [٥٥٩ - ابن السَّرَّاج (١)] سراج الدين، عُمَر بن محمود بن أبي بكر بن عبد القاهر شهاب الدِّين، والد جمال الدِّين زين الدِّين محمَّد بن عُمَر، المعروف بابن السَّرَّاج. أخذ العلم عن أبيه شهاب الدِّين محمود عن الإمام جمال الدِّين محمود الحَصِيري، عن الشَّيخ الإمام فخر الدِّين قاضي خان. وأخذ عنه ابنه ابن السَّرَّاج زين الدِّين محمَّد بن عُمَر بن محمود سبط قاضي القضاة أبي العبَّاس السَّرُوجي.

стр. 1505

وكان عالمًا فاضلًا جامعًا للعلوم ضابطًا للفنون، درس بالأشرفية والعاشورية والغزنوية، وأعاد وأفاد، وناب في الحكم، ثم استقل بالقضاء بمصر من جهة السُّلطان، واستقل قاضي القضاة شمس الدِّين ابن الحريري بالقاهرة. ومات في ثالث رمضان سنة سبع عشرة وسبعمئة بالقاهرة، كذا قال عبد القادر في "الجواهر المضية". وقال فيه: وهو والد صاحبنا الإمام زين الدين. ومولده في صفر سنة أربع وأربعين وستمئة بمصر، انتهى. * * * [٥٦٠ - ابن التُّرُكْماني (١)] الشَّيخ الإمام العلامة علاء الدِّين علي بن عُثمان بن مصطفى بن إبراهيم المارديني، الشهير بابن التُّرُكْماني. كان إمامًا عارفًا فاضلًا، وشيخًا بارعًا كاملًا، محققًا مدققًا متبحرًا، جامعًا للفنون العقلية والنقلية، ماهرًا في الفروع والأصول، مبرزًا في المعقول والمنقول، وله اليد الطولى في الحديث والتفسير، والباع الممتد في الفرائض والحساب والشعر والإنشاء والخطب والتواريخ، وكان ملازمًا للاشتغال والكتابة لا يمل من ذلك. وله تصانيف كثيرة، منها "المنتخب في علم الحديث"، و "كتاب المؤتلف

стр. 1506

والمختلف"، وكتاب في الضعفاء والمتروكين، و "كتاب الدر والجوهر النقي في الرد على البيهقي"، و "كتاب مختصر المحصل" في علم الكلام، و "كتاب مقدمة في أصول الفقه"، و "مختصر رسالة القُشَيْري"، ومقامات في العلوم العقلية والعربية، وأما الكتب التي بدأ فيها ولم يكملها فكثيرة جدًّا. أخذ العلم عن أبيه فخر الدِّين عُثمان بن مصطفى المارديني. وأخذ عنه صاحب "الجواهر المضية" عبد القادر بن محمَّد القرشي، وأخذ عنه أيضًا ولداه عبد العزيز بن علي بن عُثمان وكمال الدِّين قاضي القضاة عبد الله ابن علي بن عثمان، والأول مات قبل والده بثلاث سنين ولم يعمر، وأما الثاني كمال الدِّين عبد الله فأفتى ودرس وحدث وصنف بعد والده، ومات سنة تسع وستين وسبعمئة، ودفن في تربة والده ﵏. قيل: وله "الكفاية في شرح الهداية"، ولم يكمله. قال عبد القادر في "الجواهر المضية": قرأت على علاء الدِّين علي بن عُثمان المارديني قطعة من "الهداية" إلى الزكاة، ولازمته في طلب الحديث، واختصر "كتاب الهداية" بكتاب سمَّاه "الكفاية في مختصر الهداية"، وشرحها ولم يكمله، وشرحه قاضي القضاة كمال الدِّين عبد الله من حيث انتهى (١) والده. ولما حملت إليه ﵀ كتابي الذي وضعته على أحاديث "الهداية"، وكنت سميته بـ "الكفاية في معرفة أحاديث الهداية"، فقال مداعبًا: سرقت هذا الاسم مني، فإني سميت مختصري "الهداية" بـ "الكفاية". وذكرت في أول الخطبة: الحمد لله المتكفل بالكفاية، فغيِّرْ هذا الاسم، فقلت:

стр. 1507

يا سيدي ما يسميه إلا أنت، فسمَّى كتابي بـ "العناية في معرفة أحاديث الهداية". إلى هنا من "الجواهر المضية". أقول: "الكفاية في شرح الهداية" المشهورة المتداولة بين أيدي الناس تأليف السيِّد جلال الدِّين الكُرْلاني تلميذ الإمام الفقيه حسام الدِّين السِّغْنَاقِي، [قال صاحب "الشقائق النعمانية" في مشايخ الطبقة التاسعة: ومنهم العارف بالله تعالى الشَّيخ أمير علي بن أمير حسين، كان ﵀ من نسل السيِّد جلال الدِّين الكُرْلاني صاحب "الكفاية في شرح الهداية"، انتهى] (١). وذكر الشَّيخ العالم طاهر الشهير بسعد نمديوش صاحب "كتاب الجواهر" في باب صفة الصلاة: استفتيت عن أستاذي الإمام الفاضل صاحب "شرح الهداية" مولانا السيِّد جلال الدِّين الكُرْلاني الخُوَارِزْمِي أنّ أهل كورة تركوا الجماعة، هل تقبل شهادتهم أم لا؟ فقال في جوابه: لا تقبل شهادتهم جميعًا. * * * [٥٦١ - عماد الدِّين الطَّرَسُوْسِي (٢)] قاضي القضاة عماد الدِّين علي بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المنعم بن عبد الصمد، الطَّرَسُوْسِي، أبو الحسين. والد قاضي القضاة نجم الدِّين إبراهيم الطَّرَسُوْسِي، صاحب "الفتاوى الطَّرَسُوْسِية"، و "أنفع الوسائل"، و "الفوائد المنظومة".

стр. 1508

ولد يوم السبت، ثاني رجب، سنة تسع وستين وستمئة بمنية خصيب بالصعيد، وقرأ الفرائض، وأخذ عن أبي العلاء محمود الفرضي الكُلَابَاذِي، عن نجم الدين عُمَر الكاخستواني، عن الشَّيخ الإمام (١) حميد الدِّين محمَّد بن علي النَّوْقَدي، عن أبي طاهر سراج الدِّين محمَّد بن محمَّد السَّجاوَنْدِي صاحب الفرائض، وقرأ علم الخلاف على الإمام العلامة بهاء الدِّين أبي صابر بن النَّحاس الحلبي. وتولى القضاء بدمشق سنة سبع وعشرين وسبعمئة، ولم يزل في التقليد إلى سادس الحجة سنة ست وأربعين وسبعمئة، فنزل عنه وتركه لولده نجم الدِّين إبراهيم. [قال قاسم بن قُطُلُوبُغا في "تراجمه": إبراهيم بن علي بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المنعم بن عبد الصمد نجم الدِّين أبو إسحاق الدمشقي، ولى القضاء بدمشق بعد والده قاضي القضاة عماد الدِّين في سنة ست وأربعين وسبعمئة، فأفتى ودرس وشيد وأسس، ونظم "الفوائد"، وصنف "الفتاوى الطَّرَسُوْسِية". وذكره عبد القادر في باب أحمد وقال: أحمد بن علي بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المنعم، قاضي القضاة، نجم الدِّين ابن قاضي القضاة عماد الدين، يأتي أبوه علي في الأنساب، نزل له أبوه عن القضاء بدمشق، ومات في سنة ثمان وخمسين وسبعمئة. والصحيح هو الأول، كما سيأتي في ذكر نجم الدِّين إبراهيم] (٢). وكان عماد الدِّين يقرأ القرآن في أقل مدة، حتى إنه صلى به التراويح في ثلاث ساعات وثلثي ساعة بحضور جماعة من الأعيان، [ذكره عبد القادر.

стр. 1509

ودرس في عدة مدارس أحدها القيمازية، عوضًا عن أبي إسحاق إبراهيم بن سليمان المنطقي بعد وفاته سنة اثنتين وثلاثين وسبعمئة، انتهى] (١). * * * [٥٦٢ - شمس الدِّين الخطيب الدلري (٢)] العلامة الزاهد الكبير شمس الدِّين الخطيب الدلري. كان عالمًا فاضلًا. تفقَّه على أبي القاسم التَّنُوخِي، وأخذ عنه حميد الدِّين الضرير عن شمس الأئمَّة الكَرْدَري، عن صاحب "الهداية". وهو أحد شيوخ سراج الدِّين أبي حفص عُمَر بن إسحاق الهندي، (وهو أيضًا أخذ العلم عن التَّنُوخِي) (٣). * * * [٥٦٣ - سراج الدِّين الثقفي (٤)] سراج الدِّين الثقفي، ملك العلماء بِدَلِّي. وهو أيضًا أحد شيوخ قاضي القضاة سراج الدِّين (أبي حفص عُمَر بن إسحاق

стр. 1510

الهندي) (١)، وهو أيضًا أخذ العلم عن التَّنُوخِي، عن الإمام حميد الدِّين عن الكَرْدَري، عن صاحب "الهداية". وولي ناحية بين الرَّي وطبرستان، كذا في "الجواهر المضية" في الأنساب. * * * [٥٦٤ - وجيه الدِّين البائلي الدِّلوي (٢)] الإمام الزاهد وجيه الدِّين البائلي الدِّلوي. أحد الأئمَّة بِدِلِّي من بلاد الهند. تفقه عليه سراج الدين عُمَر الهندي، وأثنى عليه، وهو إمام فاضل متبحر في العلوم. أخذ عن أبي القاسم التَّنُوخِي، عن حميد الدِّين الضرير، عن شمس الأئمَّة الكَرْدَري، عن صاحب (٣) "الهداية" برهان الدِّين شيخ الإسلام الرِّشْداني الفَرْغَانِي المَرْغِيْنَاني. * * *
следующие страницы →