مصر نصف محرم الحرام في السنة الحادية عشر والسبعمئة، فالتمس مني من في قلبه صفاء وفي عهده وفاء أن أشرح "كتاب الهداية" … إلى أن قال: فسميته "غاية البيان ونادرة الأقران".
ثم إنّ رواية هذا (١) الكتاب بلغتني من خمس طرق، منها ما أخبرني به سيدي وملجأي فقيه الفقهاء سيد العلماء برهان الحق والدين الخريفعني، عن شيخيه العلامتين الفائقين حميد الدِّين الضَّرير علي بن محمَّد الراميتني (٢)، وحافظ الدِّين الكبير محمَّد بن محمَّد بن نصر البُخاري، عن شيخيهما العلامة شمس الأئمَّة محمَّد بن عبد الستار الكَرْدَري، عن شيخ الإسلام صاحب "الهداية" برهان الدِّين علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الرِّشْداني المَرْغِيْنَاني.
وله رسالة في رفع اليدين، ورسالة أخرى في عدم صحة الجمعة في موضعين من البلد.
وتوفي بمصر سنة ثمان وخمسين وسبعمئة.
ومن المواهب السنية التي منَّ الله تعالى بها على هذا الفقير دخول هذه النسخة (٣) المصححة من "كتاب الصحيح البخاري" في سلك ملك الفقير، ملكتها بالشراء الشرعي من تركات المولى المرحوم علي جلبي بن القاضي أمر الله الجنابي (٤)، مات وكان قاضيًا بالعسكر المنصور بولاية آناطولي، سنة ثمان وسبعين وتسعمئة (٥)، وهي
стр. 1577
التي كتبها وفرغ من نسخها لنفسه أبو طالب علي بن محمَّد الإِسْتِراباذي (١) في سلخ جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعين وخمسمئة، ثم قرأها وسمعها أمير كاتب ابن أمير عُمَر قوام الدِّين الأَتْقانى، عن شيخه العلامة برهان الدِّين أحمد بن أسعد الخريفعني في سنة إحدى عشرة وسبعمئة.
وهذه صورة ما كتبه الأَتْقاني في آخر هذه النسخة:
أسمعنا "كتاب الصحيح البُخاري" شيخنا العلامة الزَّاهد برهان الدِّين أحمد بن أسعد بن محمَّد الخريفعني، عن الشَّيخ الحجاج (حافظ الدين) (٢) محمَّد بن محمَّد بن نصر البُخاري، عن الشَّيخ الإمام صائن الدِّين أبي رشيد محمَّد بن أبي بكر بن أبي القاسم الأصفهاني، عن الإمام العلامة حجة الحق على الخلق منتخب الدِّين أبي الفتوح أسعد بن الإمام أبي الفضائل محمود بن خلف العجيلي الأصفهاني، عن أبي الحسن غانم الجُلُودي، عن أبي عُثمان سعيد بن أبي سعيد القيار الصوفي، عن أبي علي محمَّد بن عَمْرو بن شبويه المَرْوَزِي، عن أبي عبد الله محمَّد بن يوسف بن مطر الفِرَبْري، عن صاحب "الصحيح" محمَّد بن إسماعيل الجعفي البُخاري ﵁، سنة إحدى عشرة وسبعمئة.
ثم كتب تحت ما كتبه الأَتْقاني أستاذه الخريفعني بخط أنامله الشريفة، وهذه صورة ما زبرته أنامله الشريفة: صح ذلك كتبه أحمد بن أسعد الخريوفعني حامدًا ومصليًا … " بزيادة الواو بين الياء والفاء، ولكن المشهور الخريفعني بلا واو.
ثم كتب الأَتْقاني: قال الشَّيخ الحافظ أبو نصر أحمد بن محمَّد بن الحسين
стр. 1578
الكُلَابَاذِي البُخاري في كتابه المسمَّى بـ "كتاب الهداية والإرشاد" في أول الكتاب: مات محمَّد بن إسماعيل البُخاري ليلة الفطر، ودفن يوم السبت يوم الفطر بعد صلاة الظهر في سنة ست وخمسين ومئتين، وهو ابن ثنتين وستين سنة غير ثلاثة عشر يومًا.
ثم كتب نقلًا عنه: وتوفي محمَّد بن يوسف بن مطر الفِرَبري ﵀ سنة إحدى وعشرين وثلاثمئة، وهو الذي روى "صحيح البُخاري" عنه، وكان مولده سنة إحدى وثلاثين ومئتين، وكان قد سمعه عشرات ألوف من البُخاري ولم ينتشر إلا عنه، وهو منسوب إلى فِرَبْر بالفاء والراء المهملة وبينهما باء معجمة بواحدة، وهي من قرى بخارى، كذا ذكره في "كتاب الكامل في التواريخ" لابن (١) الأثير، كتبه أبو حنيفة أمير كاتب بن أمير عُمَر العميد (٢) المدعو بقوام الدِّين الأَتْقاني، إلى هنا منقول من خطه.
وكتب الأَتْقاني في كتاب صلاة التراويح، في باب فضل من قام رمضان من "صحيح البُخاري" في حديث: وعن ابن سَهْل، عن عُروة بن الزُّبير، عن عبد الرَّحمن بن عبدٍ القاري أنّه قال: خرجت مع عُمَر بن الخطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا النّاس أوزاعٌ متفرقون، يصلِّي الرَّجل لنفسه، ويصلي الرَّجل فيصلي بصلاته الرَّهط، فقال عُمَر: إني أرى لو جَمَعْتُ هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبَيِّ بن كعب.
ثم خرجت معه ليلةً أخرى، والناس يصلُّون بصلاة قارئهم، قال عُمَر - رضي الله
стр. 1579
عنه -: نِعْمَ البِدْعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون؛ يريد: آخر الليل، وكان (١) النّاس يقومون أوله (٢).
حاشية وجدتها في كنار نسختي بخط:
الأوزاع: الجماعات المتفرقة، ولا واحد لها من لفظها.
والرهط: ما بين الثلاثة إلى العشرة.
وقوله: "نعم البدعة هذه إنما دعاها بدعة لأنّ رسول الله ﷺ لم يسنَّها لهم ولا كانت في زمان أبي بكر ﵁، وإنما أثنى عليها ورغب فيها بقوله: "نِعْمَ البدعة هذه" ليدل على فضلها ولئلا (٣) يمنع هذا اللقب من فعلها، ويقال: نِعْم: كلمة تجمع المحاسن كلها، وقيام رمضان جماعةً سنةٌ في حق التسمية (٤) غير بدعة، لأنّ النبي ﷺ قال: "اقتدوا باللَّذَيْن من بعدي أبي بكر وعمر" (٥)، وقال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" (٦)، كذا ذكره الخطابي (٧).
ونسختي هذه من نسخ "الصحيح البخاري" من النوادر، (قرأها وصححها) (٨)
стр. 1580
العلماء الكبار من المحدثين، تداولته أيدي الفضلاء واحدًا بعد واحد، وكتبوا (١) في آخرها بخطوطهم الشريفة، منهم المولى العالم الفاضل فخر المحدثين ابن حجر، وهذه صورة (٢) ما زبرته أنامله الشريفة: ملكه وسمع وأسمع مرارًا فصحَّح كاتبه (٣) أحمد بن حجر العسقلاني.
* * *
[٥٩٧ - ابن بَلْبَان (٤)]
الشَّيخ الإمام العلامة، علاء الدِّين، الأمير علي بن بَلْبَان بن عبد الله، الفارسي الفقيه النَّحوي، أبو الحسن المصري ﵀.
كان أحد المتبحِّرين في علوم الدِّين أصولًا وفروعًا، وأوحد الجامعين لغالب الفنون، وكان بجميعها جموعًا، وهو الإمام الجليل، عديم النظير، فقيد المثيل، مربي الأخلاف، صاحب طريقة الأسلاف، والمتفق على أنّه الفرد في علم الخلاف، أقر له أهل زمانه بالتقدم والفضل في أقرانه، وهو المقدم في الفقه وأصوله، والمشار إليه في تفريع العلم وتأصيله.
стр. 1581
ولد سنة خمس وسبعين وستمئة (١).
أخذ العلوم عن قاضي القضاة شمس الدِّين أبي العبَّاس أحمد السَّرْوجي، عن صدر الدِّين سليمان بن أبي العز، وصدر الدِّين محمَّد بن عباد الخلاطي، وهما عن الإمام جمال الدِّين الحَصِيْري تلميذ القاضي الإمام فخر الدِّين قاضي خان.
ذكر العلامة السيوطي في "حسن المحاضرة": أنّ الإمام العلامة الأمير علي بن بَلْبَان الفارسي سمع عن الدِّمْياطي، وتفقَّه على السَّرُوجي، وبرع في المذهب وأصوله، وشرح "التلخيص" للخلاطي، وشرح "الجامع الكبير"، ورتَّب "صحيح ابن حبان" على الأبواب، (ورتب "معجم الطبراني" على الأبواب) (٢).
مات بالقاهرة سنة إحدى وثلاثين وسبعمئة، (ودفن بتربته خارج باب النصر) (٣) انتهى.
وفي "الجواهر المضية": تفقَّه على السَّرُوجي وغيره، وأفتى وحصل من الكتب جملة، وصنف وجمع وأفاد، مات بمنزله على شاطئ نيل مصر في ثامن شوال سنة تسع وثلاثين وسبعمئة، ودفن بتربته خارج باب النصر، ومولده سنة خمس وسبعين وستمئة، ورتب "التَّقاسيم والأنواع" لابن حبان، ورتَّب الطَّبراني ترتيبًا حسنًا على أبواب الفقه، انتهى.
[وذكر قاسم بن قُطْلُوبُغا في "تراجمه": علي بن بَلْبَان بن عبد الله الفارسي، الأمير الفقيه النَّحوي، أبو الحسن المصري، سمع الدِّمْياطي، ومحمد بن علي بن
стр. 1582
ساعد، وابن عساكر، وغيرهم، تقدَّم في المذهب، وشرح "تلخيص الجامع الكبير" شرحًا مطولًا سماه "تحفة الحريص"، توفي سابع شوال سنة تسع وثلاثين وسبعمئة، انتهى] (١)
ورأيت في أول شرح "التلخيص" الذي سماه "تحفة الحريص": أخذت "مختصر الجامع الكبير" رواية ودراية عن شيخنا قاضي القضاة حاكم الحكام مفتي الأنام شمس الدِّين أبي العبَّاس أحمد بن الشَّيخ برهان الدِّين إبراهيم السَّرُوجي الحنفي عامله الله بلطفه الخفي، بحق قراءته وسماعه لجميع "المختصر" المذكور من مصنِّفه ومن شيخه نخبة العلماء وعمدة (٢) أهل الإملاء قاضي القضاة صدر الدِّين فخر السلف (٣) الصالحين أبي الربيع سليمان تغمده الله برحمته وأسكنه أعلا غرف جنته، بحق القراءة والرواية عن شيخه الشَّيخ العلامة جمال الدِّين الحَصِيرْي، بحق قراءته على الشَّيخ الإمام فخر الدِّين الحسن المعروف بقاضي خان، رواية عن الإمام ظهير الدِّين حسن بن علي المَرْغِيْنَاني عن الإمام العالم سراج الأئمَّة برهان الدِّين عبد العزيز بن عُمَر بن مازه، وعن الإمام شمس الدِّين محمود جد قاضي خان، وهما عن الإمام العلامة شمس الأئمَّة أبي بكر محمَّد بن أبي سهل السَّرَخْسي، عن الإمام العالم أبي محمَّد عبد العزيز بن أحمد الحَلْوَاني، عن الإمام أبي علي الحسين بن الخضر النَّسَفِي، عن الإمام العالم أبي بكر محمَّد بن الفضل البُخاري، (عن الأستاذ عبد الله السُّبَذْمُونِي) (٤)، عن الإمام أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه الإمام
стр. 1583
أبي حفص الكبير، (عن الإمام الحبر الرِّباني محمَّد بن الحسن الشَّيباني، عن الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي رحمة الله عليهم أجمعين) (١). إلى هنا من كلامه في "شرح التلخيص".
* * *
[٥٩٨ - عبد الكريم بن عبد النُّور الحلبي (٢)]
الإمام النِّحرير، عبد الكريم بن عبد النُّور بن منير بن عبد الكريم بن علي بن عبد الحق، الحلبي الأصل، والمصري المولد.
أخذ الفروع والأصول عن الشَّيخ الإمام أبي العلاء شمس الدِّين محمود بن أبي بكر الكُلَابَاذِي البُخاري الفرضي، وهو أخذ العلوم عن مشايخ كثيرة، فترجم مشايخه وهي تزيد على السبعمئة.
وعبد الكريم هذا سمع الكثير، وحدَّث وأفاد وأحسن، ودرس الفقهاء (٣) وطائفة المحدثين بالجامع الحاكمي، وأعاد بالقبة المنصوبة لطائفة الحديث، وصنَّف وكتب بخطه كتبًا كثيرة، وجمع الكتب، وكان سمحًا بعارية الكتب والأجزاء.
ولد في سادس وعشرين من رجب سنة ثلاث وستين وستمئة.
стр. 1584
في "الجواهر المضية" قال: هكذا أخبرني والدي، مات في سلخ، رجب سنة خمس وثلاثين وسبعمئة، بمنزله خارج باب النصر، جوار زاوية خاله شيخنا نصر بن سليمان المَنْبِجِي، ودفن بها.
وقال عبد القادر في "الجواهر المضية": نصر بن سليمان بن عُمَر المَنْبِجِي، شيخنا الإمام العارف العلامة أبو الفتح، سمع من إبراهيم بن خليل وابن عروة وابن علاف والنجيب، وحدث، سمعت عليه البخاري بزاويته، خارج باب النصر، سنة ثلاث عشرة وسبعمئة، بقراءة الإمام شهاب الدِّين أبي العباس أحمد بن أبي الفرج، المعروف بابن البابا الشَّافعي، بسماعه من المشايخ الثلاثة إسماعيل بن عبد القوي، وعبد العزيز بن هارون، وأبي العبَّاس أحمد بن علي بن يوسف الدمشقي.
قال: حدثنا أبو القاسم هبة الله البوصيري وأبو عبد الله محمَّد بن أحمد بن حامد الأرباحي (١)، حدثنا أبو علي بن عمران الفراء إجازة قال: أخبرتنا كريمة بنت أحمد المَرْوَزِية قالت: أخبرنا محمَّد بن مكي الكُشْمِيْهَني قال: حدثنا الفِرَبْري قال: حدثنا البُخاري.
وتفقَّه شيخنا أبو الفتح هذا واعتزل وانقطع انقطاعًا عظيمًا إلى أن مات في السادس والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وسبعمئة، ودفن بزاويته خارج باب النصر.
* * *
стр. 1585
[٥٩٩ - تاج الدِّين إسماعيل بن خليل (١)]
الإمام النِّحرير، تاج الدِّين، إسماعيل بن خليل، الإمام الفقيه الأصولي الفرضي النحوي.
كان أصوليًّا فقيهًا نحويًّا فرضيًّا، له قدم راسخ في الفروع والأصول، وله عمل قوي في الفرائض، وكان صالحًا عفيفًا ورعًا متديِّنًا، قد أوتي بالمكيال الأوفى من الزُّهد والورع والتَّقوى، وكان من محاسن الزَّمان، دائم الذِّكر، تلَّاء القرآن، مكثار النوافل والأذكار آناء الليل وأطراف النهار.
تفقَّه على الإمام العلامة فخر الدِّين عُثمان بن مصطفى المارْديني، وعلى نجم الدِّين المَلَطي، وأخذ الفرائض والفقه أيضًا عن الشَّيخ الإمام شمس الدِّين محمود بن أحمد بن ظهير اللَارَنْدي، عن صدر الدِّين سليمان بن أبي العز، عن الإمام جمال الدِّين الحَصِيرْي، عن الإمام فخر الدِّين قاضي خان.
مات سنة تسع وثلاثين وسبعمئة بالقاهرة بالحسينية.
تفقَّه عليه المولى العلامة محمَّد بن يوسف بن إلياس شمس الدِّين القُونَوي.
قال صاحب "الجواهر المضية" عبد القادر: صحبته كثيرًا، وبيني وبينه مودة، وكان صدوقًا ثقة، وكان يرى في كلِّ سنة ما يدل على النِّيل (في زيادته) (٢) ونقصانه.
стр. 1586
[٦٠٠ - نور الدِّين علي الحَاضِري (١)]
نور الدِّين علي بن محمَّد الحَاضِري.
كان فقيهًا أصوليًّا فرضيًّا.
قرأ الفرائض، وأخذ عن الشَّيخ الإمام شمس الدِّين محمود اللارندي المذكور قبيل هذا، فدرَّس وأفتى.
ومات سنة تسع وأربعين وسبعمئة وكان مولده بالقاهرة سنة ثمان وثمانين وستمئة.
* * *
[٦٠١ - حافظ الدِّين أبو طاهر محمَّد الظَّاهري (٢)]
الشَّيخ الإمام حافظ الحق والدِّين، أبو طاهر، محمَّد بن محمَّد بن الحسن بن علي الظاهري ﵀.
كان زبدة أرباب التقوى، وبقية أعلام الهدى وعارف أسرار الطَّريقة، وكاشف رموز الحقيقة، وكان فقيهًا مناظرًا أصوليًّا محدِّثًا مفسِّرًا، حسن السِّيرة، مرضي السريرة، دائم الذِّكر، مصيب الفكر.
أخذ الفقه وتفقَّه على الشَّيخ الإمام العلامة صدر الشَّريعة عبيد الله بن مسعود بن محمود تاج الشَّريعة، وهو تفقَّه على جده تاج الشَّريعة محمود بن شمس الدِّين صدر
стр. 1587
الشَّريعة أحمد بن جمال الدِّين المحبوبي، عن أبيه جمال الدِّين عبيد الله المحبوبي، عن الشَّيخ الإمام المفتي إمام زاده صاحب "كتاب الشرعة"، عن عماد الدِّين الزَّرَنْجري، عن أبيه شمس الأئمَّة الزَّرَنْجري، عن شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، عن شمس الأئمَّة الحَلْوَاني، عن القاضي الإمام أبي علي النَّسَفِي، عن الشَّيخ الإمام أبي بكر محمَّد بن الفضل، عن الأستاذ عبد الله السُّبَذْمُونِي، عن أبي عبد الله أبي حفص الصَّغير، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمَّد، عن أبي حنيفة ﵏ أجمعين.
وأخذ عنه الشَّيخ العارف الرَّباني، صاحب الكرامات الجليلة، وجامع الكمالات الجميلة، قطب أقطاب الحنفيَّة، ومرشد أكابر الطريقة، محمَّد بن محمَّد بن محمود، الحافظي البُخاري، المعروف بخواجه محمَّد بارسا، صاحب "كتاب فصل الخطاب".
وكان المولى أبو الطاهر جامعًا (١) بين عِلْمَي الشَّريعة والحقيقة، زاهدًا ورعًا تقيًّا، طاهر الذَّيل، مراقبًا الله تعالى في حركاته وسكناته، حافظًا لأوقاته، لا يذهب في عمره ساعة إلا في الاشتغال أو المطالعة والمراقبة.
أجاز له الإمام العلامة صدر الشَّريعة عبيد الله في جميع مقروءاته ومسموعاته عنه في شهر ذي القعدة سنة خمس وأربعين، في البلدة الفاخرة بخارى، ثم وقع الإجازة من أبي طاهر لخواجه محمَّد بارسا ببخارى أيضًا، في أواخر شعبان سنة ست وسبعين وسبعمئة، وكان خواجه محمَّد بارسا في هذه السنة ابن عشرين سنة قدس سره.
* * *
стр. 1588
[٦٠٢ - نجم الدِّين الطَّرَسُوْسِي (١)]
الشَّيخ الإمام العالم الفاضل قاضي القضاة، نجم الدِّين إبراهيم بن علي بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المنعم بن عبد الصَّمد الطَّرَسُوْسِي.
ذكره قاسم بن قُطلُوبُغا في "التراجم" في فصل إبراهيم، وقال: إبراهيم بن علي بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المنعم بن عبد الصمد، نجم الدِّين، أبو إسحاق الدمشقي، ولي قاضي القضاة بدمشق بعد والده قاضي القضاة عماد الدِّين في سنة ست وأربعين وسبعمئة، فأفتى ودرّس وشيد وأسَّس، ونظم الفوائد (٢)، وصنَّف الفتاوى الطَّرَسُوْسِية.
وكانت وفاته سنة ثمان وخمسين وسبعمئة.
وذكره عبد القادر في "الجواهر المضية" في باب أحمد بن علي بن عبد الواحد بن عبد المنعم بن عبد الصَّمد الطَّرَسُوْسِي، قاضي القضاة، نجم الدِّين بن قاضي القضاة عماد الدِّين، يأتي أبوه علي بن عبد الواحد في الأنساب. نزل له أبوه عن القضاء بدمشق، ومات في سنة ثمان وخمسين وسبعمئة. والأول أصح.
رأيت في آخر "أنفع الوسائل"، وهو كتاب في الفقه، مكتوبًا بخط بعض الأفاضل: "أنفع الوسائل إلى تحرير المسائل" تصنيف قاضي القضاة نجم الدِّين إبراهيم بن علي بن أحمد الطَّرَسُوْسِي، ولي قاضي القضاة بدمشق بعد والده قاضي
стр. 1589
القضاة عماد الدِّين في سنة ست وأربعين وسبعمئة، وله "نظم الفوائد الطَّرَسُوْسِية"، (وصنَّف "الفتاوى الطَّرَسُوْسِية") (١).
وجمع في "أنفع الوسائل" المسائل اللَّطيفة التي تلاحق زبدة أفكار العلماء فيها، فلا علينا أن نذكر منها مسألة مفيدة تشتمل على فوائد كثيرة، لا يورث الملال تفصيلها لسامعيها.
مسألة: إسلام الصبي العاقل وارتداده صحيح، قال علماؤنا رحمهم الله تعالى: إسلام الصبي العاقل وارتداده صحيح عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف والشَّافعي ﵏ لا تصح ردته، وانفرد الشَّافعي بأنه لا يصح إسلامه أيضًا.
ثم قول أصحابنا: إسلام الصبي الذي يعقل أهو يقدِّر هذا العقل بمدة أم لا؟ لم أرَ أحدًا قدَّره بمدة، وإنما الذي ذكروه فيه ما نقله الشَّيخ جلال الدِّين الخبَّازي في "الحاشية"، فقال: قوله الصبي الذي يعقل أن يعرف أنّ الإسلام سبب للنجاة، ويميز الخبيث من الطَّيب، والحُلوَّ من المرِّ، كذا في "جامع السَّرَخْسي"، فإذا أسلم صح. هذه عبارته.
وفي "المحيط": إسلام الصبي العاقل صحيح، ولم يفسر، وإنما ذكر الترجمة في الردَّة، قال: ارتداد الصبي المراهق تصح ردَّته عندهما، وعند أبي يوسف والشَّافعي لا تصح.
واعلم أنّ الارتداد فيما نقل أن يقول: برئتُ من الإسلام، أو برئتُ من دين الإسلام، أو أنا بريء من محمَّد ﷺ ، أو كذب بأحد من الأنبياء ﵈، أو ببعض من الأنبياء، أو جحد أنّ الله خلقه أو برأه، أو كذَّب بالجنَّة أو النَّار أو
стр. 1590
بالحساب؛ كان مرتدًا وبانت منه امرأته، فإن لم يتب قُتِلَ.
فإن قال: تبت، يقال له: اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله، ويقر بما جاء به من عند الله، وتبرأ من الدِّين الذي (١) انتحل، فإذا قال ذلك فقد تاب، فإن عاد إلى الردَّة ثانيًا وطلب التأجيل أُجِّلَ، وكذا في الثالثة، وفي الرابعة استتاب من غير تأجيل، فإن أسلم قُبِلَ إسلامه، وضرب ضربًا وجيعًا، ويحبس حتى يأتي عليه خشوع التوبة، وقبل (٢) الأربعة إذا أسلم لا يضرب ولا يحبس، ذكر ذلك في "الروضة" للناطفي، هذا فيما يتعلق بالارتداد، سواء كان كبيرًا أو صغيرًا لا يقتل على الخلاف الذي فيه.
فأما ما يتعلق بالإسلام، فاعلم (٣) أنّ اليهودي والنصراني اللَّذين بين أظهرنا إذا قال الواحد منهم: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله لا يحكم بإسلامه حتى يتبرَّأ عن دينه الذي كان عليه بأن يقول: برئ من النصرانية إن كان نصرانيًّا أو من اليهودية إن كان يهوديًّا، ومع ذلك يقول: دخلت في الإسلام؛ لأنّ من اليهود مقرِّين برسالة المصطفى ﷺ ، إلا أنهم يقولون: كان رسولًا إلى العرب لا إلى بني إسرائيل، فلا يصير مسلمًا بإقراره بالرسالة وبالوحدانية الله تعالى حتى يتبرأ عن دينه، ويقر أنّه دخل في الإسلام، ولو قال اليهودي أو النصراني: أنا مسلم أو أسلمت لا يحكم بإسلامه.
وعن الحسن بن زياد: وإذا قال الرجل لذمِّيٍّ: أَسْلِمْ، فقال: أسلمْتُ؛ كان مسلمًا، لأنّه خاطبه بجواب ما كلَّفه به فيكون إسلامًا، ولو قال اليهودي أو النصراني: لا إله إلا الله محمَّد رسول الله، تبرَّأتُ من اليهودية، ولم يقل مع
стр. 1591
ذلك: دخلت في الإسلام (ما لم يقول: تبرأت عن ديني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله) (١)؛ لا يحكم بإسلامه، حتى لو مات لا يصلَّى عليه، ذكر ذلك قاضي خان في "الفتاوى" وغيره.
وذكر في "الذخيرة" إذا قال اليهودي أو النصراني: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله؛ لا يحكم بإسلامه ما لم يقل: تبرَّأت عن ديني ودخلت في دين الإسلام وإنما شرط محمَّد ﵀ التبري عن دينهم والدخول في الإسلام لأنّ اليهودي قد يتبرأ عن اليهودية ويدخل في النصرانية والمجوسية، فيجوز أنّه تبرأ عن اليهودية لدخوله في النصرانية لا في الإسلام، ولا يحكم بإسلامه ما لم يقر بالدخول في الإسلام.
وكذلك لو قال: برئتُ من ديني، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله؛ لا يصير مسلمًا، وعن بعض المشايخ إذا قيل للنصراني: محمَّد رسول الله بحق؟ فقال: نعم لا يصير مسلمًا وهو الصحيح، لأنّه يمكنه أن يؤول فيقول: إنّ رسول الله لحق إلى العرب والعجم لا إلى بني إسرائيل.
فإن قيل: كيف يجب أن لا يحكم بإسلام اليهودي والنصراني وإن أقر برسالة رسول الله ﷺ وتبرأ عن دينه ودخل في الإسلام ما لم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ويقر بالبعث وبالقدر خيره وشره من الله تعالى، فإنّ هذا من شرائط الإسلام.
قلنا: الإقرار بهذه الأشياء إن لم يوجد نصًّا فقد وجد دلالة، لأنّه لمَّا أقرَّ بدخوله في الإسلام فقد التزم جميع ما كان شرط صحته في (٢) الإسلام، وكما يثبت ذلك نصًّا يثبت دلالة.
стр. 1592
وإذا قال اليهودي أو النصراني: أنا مسلم أو قال: أسلمت؛ لا يحكم بإسلامه، لأنهم يدَّعون ذلك لأنفسهم، فإنّ المسلم هو المستسلم للحقِّ المنقاد له، وهم يدعون أنّ الحق ما هم عليه، فلا يكون هذا اللفظ دليلَ الإسلام في حقهم.
وفي "مجموع النوازل" إذا قال: أنا مسلم مثلك يصير مسلمًا، وإذا قال الحربي الذي ليس من أهل الكتاب لا إله إلا الله محمَّد رسول الله يصير مسلمًا، هذه عبارة "الذخيرة".
وذكر في "البدائع" قال: الكفرة أصناف أربعة: صنف منهم ينكرون الصانع أصلًا، وهم الدَّهرية المعطِّلة، وصنف منهم يقرُّون بالصانع وينكرون توحيده، وهم الثَّنوية، وصنف منهم يقرون بالصانع وتوحيده، وينكرون الرِّسالة رأسًا وهم قوم من الفلاسفة، وصنف منهم يقرون بالصانع وتوحيده والرسالة في الجملة لكنهم ينكرون رسالة رسولنا ﷺ ، وهم اليهود والنصارى.
فإن كان من الصنف الأول والثاني فقال: لا إله إلا الله؛ يحكم بإسلامه، لأنّ هؤلاء يمتنعون عن الشهادة أصلًا، فإذا أقروا بها كان ذلك دليلًا على إيمانهم، وكذلك: أشهد أنّ محمدًا رسول الله، لأنهم يمتنعون عن كل واحدة من كلمتي الشهادة، فكان الإتيان بواحدة منهما أيهما كانت دلالة الإسلام.
وإن كان من الصنف الثالث فقال: لا إله إلا الله؛ لا يحكم بإسلامه، لأنّه منكر الرسالة ولا يمتنع عن هذه المقالة. ولو قال: أشهد أنّ محمدًا رسول الله؛ يحكم بإسلامه، لأنّه يمتنع عن هذه الشهادة، فكان الإقرار بها دليل الإسلام.
وإن كان من الصنف الرابع فأتى بالشَّهادتين فقال: لا إله إلا الله محمَّد
стр. 1593
رسول الله؛ لا يحكم بإسلامه حتى يتبرَّأ من (١) الدِّين الذي هو عليه من اليهودية والنصرانية، لأنّ من هؤلاء من يقرُّ برسالة محمَّد ﷺ ، لكنه بعث إلى العرب دون غيرهم فلا يكون إيمانه بالشهادتين بدون التبري دليلًا على إيمانه، وكذا لو قال يهودي أو نصراني: أنا مؤمن أو مسلم، أو قال: آمنت أو أسلمت لا يحكم بإسلامه؛ لأنهم يدَّعون أنهم مؤمنون أو مسلمون، وأن الإيمان والإسلام هو الذي هم عليه.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنّه إذا قال اليهودي أو النصراني: أنا مسلم، أو قال: أسلمت؛ سئل عن ذلك: أيّ شيء أردت؟ فإن قال: أردت به ترك اليهودية أو النصرانية والدخول في الإسلام يحكم بإسلامه، وإن قال: أردت بقولي: أسلمت؛ أي: عن الحقِّ، ولم أُرد بذلك الرجوع عن ديني لم يحكم بإسلامه، انتهى.
وذكر في "شرح مختصر الطَّحَاوِي" للإِسْبِيْجابي، في كتاب المرتد منه، قال (٢): سئل أبو يوسف ﵀ عن المرتد كيف يستتاب؟ فقال: يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، ويقر بما جاء به محمَّد ﷺ من عند الله ، ويتبرأ من الدِّين الذي انتحل عليه (٣).
وكذلك النصراني في إسلامه أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدًا (عبده ورسوله، ويتبرأ من النصرانية، وإن كان يهوديًّا يتبرأ من اليهودية.
فأما إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله) (٤) قال: لا
стр. 1594
يكون مسلمًا؛ لأنهم يقولون جميعًا هكذا، غير أنهم إذا فسَّروا قالوا: رسول الله (١) إليكم، هذا (٢) في اليهود والنصارى الذين بين ظهراني الإسلام، فأما إذا كان في دار الحرب فحمل عليه رجل من المسلمين فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ فهذا دليل على (٣) إسلامه، أو قال: محمَّد رسول الله، أو قال: دخلت في دين الإسلام، أو قال: دخلت في دين محمَّد، فهذا كله دليل إسلامه.
ولو قال: لا إله إلا الله؛ فإن كان الرجل ممَّن لا يقرُّ بالله فهذا دليل إسلامه، وكذا إذا قال: أشهد أنّ محمدًا رسول الله؛ لأنّه ينكر الأمرين جميعًا، هكذا ذكره محمَّد بن الحسن هذه المسائل كلها في "السير الكبير"، وذكره الكَرْخي في "مختصره".
قلت - القائل نجم الدِّين الطَّرَسُوْسِي -: فتحرَّر لنا من هذا كلِّه أنّ اليهودي أو النصارنى من أهل الذمة إذا قال (٤): أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدًا رسول الله ولم يتبرَّأ من اليهودية إن كان يهوديًّا أو من النصرانية إن كان نصرانيًّا لا يصير مسلمًا.
وكنت قد (٥) اقتصرت في هذه المسألة على ما نقلته من "فتاوي قاضي خان"، فاتفق أن أحضر شخص (٦) نصراني في شوال سنة إحدى وخمسين وسبعمئة إلى دمشق إلى دار العدل بسبب كلام وقع منه في حق الجناب الرفيع الشريف النبوي
стр. 1595
نبينا ﷺ ، فلما حضر: قال أشهد أنّ لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدًا رسول الله، ولم يتبرَّأ من النصرانية، فادُّعي عليه بذلك القول عند قاضي القضاة جمال الدِّين الحنبلي المرداوي، قال: ومن مذهبه أنّه يرى قتله بذلك القول (١)، وإن أظهر، فقال بعض الحنفيَّة: إنّ هذا صار مسلمًا بهذا القول فلا يجوز أن يلبس المسوح ولا يغلَّ بالحديد، فقلت: هذا بانفراده لا يصير به مسلمًا، بل لا بد معه من التبرئ من النصرانية والإقرار بالدخول في الإسلام، فأنكر هذا، وقال: بل يصير بهذا القول وحده مسلمًا ولا يشترط التبري، فعند ذلك زدت هذه النقول في هذه المسألة خشية أن يقع غيره في هذه المقالة من الحنفيَّة.
وكذلك اخترت أن أضم إليه خطوط المفتين الحنفية في زماننا حتى يبقى أبلغ في إزالة هذا الوهم الذي حصل لهذا الحنفي، فأخذت خط الشَّيخ العلامة جمال الدِّين بن الشَّيخ الإمام العلامة سراج الدِّين الحنفي، وهو الذي اسمه في الفتوى، وكتب تحته فخر الدِّين بن الفصيح، واسمه أحمد بن علي الحنفي، وكتب تحته القاضي شرف الدِّين الكفسري نائبي في الحكم واسمه أحمد بن الحنفي، وكتب في مقابلة الشَّيخ جمال الدِّين المشار إليه الشَّيخ الإمام العالم الفاضل ناصر الدِّين القُونَوي مدرس المقدمية يعرف بابن الربوة، واسمه محمَّد بن أحمد القُونَوي الحنفي، وكتب تحته الشَّيخ الإمام العالم المحقق صدر الدِّين بن الشَّيخ علاء الدِّين بن منصور الحنفي واسمه أحمد بن علي الحنفي، وكتب في الورقة الصغرى الشَّيخ الإمام العلامة أقضى القضاة عماد الدَّين إسماعيل بن أبي العز الحنفي، وأجاد في كتابته، فهؤلاء أعيان الحنفيَّة في وقتهم، فهذا جميعه في حق اليهود والنصارى الذين بين أظهرنا.
стр. 1596
أما في عبدة الأوثان والنيران والمشرك في الربوبية والمنكر للوحدانية كالثنوية إذا قال الواحد منهم: لا إله إلا الله؛ يحكم بإسلامه، وكذا إذا قال: أشهد أنّ محمدًا رسول الله، أو قال: أسلمنا آمنا بالله.
وأما المقر بالوحدانية والمنكر للرسالة كطائفة من اليهود والنصارى إذا أتى بالشهادتين يكون مسلمًا، وذكر أصحابنا أنّ الإسلام من الكفار كما يصح بالقول يصح بالفعل، وسمَّاه في "البدائع" إيمانًا بطريق الدلالة، ولم أرَ من حقَّق الكلام في ذلك، وهل يشمل هذا اليهود والنصارى الذين بين أظهرنا أم [لا]؛ أعني الإسلام بالفعل.
لكن في "البدائع" قال: وأما بيان ما يحكم به بكونه مؤمنًا من طريق الدلالة فنحو أن يصلي الكتابي (أو واحد من أهل الشرك في جماعة؛ يحكم بإسلامه، وهذا فيه احتمال، وهو أنّه يحتمل أن يكون الكتابي) (١) الذي يقر بالوحدانية وينكر الرسالة أصلا سوى الذي بين أظهرنا، ويحتمل الكل، فإن رجح الاحتمال الأول بأنه إذا ثبت التفرقة بين اليهود والنصارى المقرين بالوحدانية، وهم ينكرون الرسالة أصلًا، وبين الذين بين أظهرنا في الصريح، فلأن (٢) يثبت بالدلالة أولى.
قلنا: هذا الترجيح لا يحسن أن يرجح، فإنّ الأصحاب ﵃ إنما فصَّلوا بين اليهود والنصارى الذين بين أظهرنا وبين المنكرين الرسالة أصلًا؛ لأنّ الذين بين أظهرنا يعرفون أنّ نبينا محمدًا ﷺ أرسل، ولكنهم قالوا: إنّه أرسل إلى العرب فقط، فإن أقروا بالشهادة من غير تبرئ ولا إقرار بالدخول في الإسلام لا يحكم بإسلامهم،
стр. 1597
أما في الإسلام بالفعل على الوجه الذي نذكره فهذا (١) احتمال مفقود، فلهذا قلنا: إنّه يصح منهم سواء كانوا (يقرون برسالته أو ينكرونها؛ للمعنى الذي ذكرنا.
قلت - نجم الدِّين -: فتحرَّر من هذا كله أنّ الإسلام بالفعل على الوصية - الذي يأتي بيانه إن شاء الله - فقال: يصح من الكفَّار سواء كانوا) (٢) من أهل الكتاب أو من المشركين أو من عبدة الأوثان أو من اليهود والنصارى الذين بين أظهرنا يقرون برسالة نبينا (٣) محمَّد ﷺ وأنه أرسل إلى العرب خاصة، أو من الطائفة الأخرى الذين ينكرونها أصلًا كما قدمناه، ولا يلتفت إلى ما كتبناه من الترجيح للاحتمال الأول لقوة الثاني، والله أعلم.
جئنا إلى الكلام في الإسلام وبيانه، وكان العبد الضعيف مؤلِّف (هذه المسائل نجم الدِّين الطَّرَسُوْسِي) (٤) غفر الله له ذنوبه نظم ما يصير به الكافر مسلمًا، وأثبت ذلك في مصنَّفه (٥) "الفوائد المنظومة"، وهي هذه الأبيات (٦):
يصح إسلامٌ من الكفَّار … بالفعلِ كالقَول مع الإظهارِ
كما إذا صلَّى مع القومِ فقل … في مسجدٍ أو وحده فلا يحل
سجودُه عند سماع السَّجدة … كذا يصير مسلمًا فعدَّه
كذاك إحرامٌ مع الطَّواف … مذهبنا في غايةِ الإنصاف
كذاك لو أدَّى زكاة الإبلِ … بنيَّة للزَّكاة فانقل
стр. 1598
إلى هنا من "أنفع الوسائل إلى تحرير المسائل" من مقالات زبدة أفكار الشَّيخ الأجلّ العالم الفاضل إبراهيم بن علي بن أحمد الطَّرسوسي.
كان بينه وبين قاضي القضاة زين الدولة ابن وهبان عبد الوهاب بن أحمد بن وهبان الدمشقي ألفة ومحبة، وكان طلب منه "الفوائد المنظومة" فلم يعطه، ثم ظفر بها بعد موته، فأخذه مؤاخذات كثيرة، منها ما قاله في كتاب الإيمان:
ولا حنث أن يأتي الوكيل خصومة … وما جاء في نظم الفوائد يهدر
قال في شرحه نقلًا من "فتاوى القاضي" الإمام فخر الدِّين قاضي خان: لو حلف لا يخاصم فلانًا فوكل من يخاصم لا يحنث، وقال وكذا في "الكنز" و"الوافي" وغيرهما، وقد وهم صاحب "الفوائد" يعني نجم الدِّين الطَّرَسُوْسِي ﵀ في هذا الفرع وجعله من جنس ما يحنث فيه بالمباشرة والتوكيل، ونقلته حجَّة عليه، وإلى وهمه أشرت بعجز البيت.
وقد تتبعته فيما عندي من الكتب، فلم أرَ أحدًا من الأصحاب صرَّح به غيره، إلا أني وجدت في "النهاية" ما يوهم ذلك، والحق أنّ الوهم دخل عليه منها لما عد فيها ما لا يحنث فيه الحالف بمباشرة الأمور، قال: ومن المشايخ من ألحق الخصومة بهذا القسم، كذا في "الجامع الصَّغير" القاضي خان و"الفوائد الظَّهِيرِيَّة"، وهذا لا يعطي ما نظمه صاحب "الفوائد" ونهايته أنّ بعض المشايخ ذكر الخصومة وبعضهم لم يذكرها، ولا يلزم من عدم ذكر من لم يذكرها فيما لا يحنث فيه بمباشرة الوكيل، ولهذا لم يذكرها صاحب "النهاية" فيما يحنث فيه بمباشرة الوكيل ولا غيره، انتهى.
ثم قال المولى الفاضل ابن الشحنة شارح "القصيدة الوهبانية": قلت: وقد رأيت الفرع منقولًا صريحًا نقله في "التَّاتارخانيَّة" عن "الكبرى"، ولفظه: حلف
стр. 1599
لا يصالح فلانًا ولا يخاصمه فوكل من فعل يحنث فيه بالأمر، وبفعله بنفسه، ولم يحكِ فيه خلافًا، وذكر (في "مختصره") (١) في موضع آخر أنّه لا يحنث بالتوكيل، وعليه مشى شيخنا في شرح "الهداية"، وصرح في "البَزَّازية" بأن الفتوى على أنها ملحقة بهذا القسم.
وعلى كل حال فلا وجه لتوهيم صاحب "الفوائد" وإن كانت الفتوى على خلاف ما نظمه، قالوا: إنّ نظم قاضي القضاة نجم الدِّين إبراهيم الطَّرَسُوْسِي مسبوق إلى جمع المسائل الغريبة والوقائع العجيبة، ولكن ابن وهبان أظهر في ذلك المعنى في "نظم قصيدته الرائية" اليد البيضاء، وكأنها هي الكلمة العليا، ضمَّنه قصيدته باحتطام من غير تغيير معناه، وجاءت في دون قدر نصف ما نظمه وأملاه لما كان طلبه منه في حياته، فلم يسمح به، وأنه بعد موته ظفر به نظم نجم الدِّين الطَّرَسُوْسِي (٢) مسألة أي جانٍ إذا مات من جنى عليه بتلك الجناية يجب عليه شطر الدية، وإن عاش يجب عليه الدية كاملة، وقال:
يا سراة الأقران والأعيان … وحماة لمذهب النعمان
هذه نكتة أسائل عنها … أذكياء الشيوخ والشبان
رجل قد هفا بغير اختيار .... منه فيما مضى من العدوان
فجعلتم جزاء ذلك أن ما … ت وإن عاش ما هما سيَّان
بل جعلتم ضعف الذي قد رووه … بعد موت له بلا نكران
بحياة له إذا عاش فيها … فأعجبوا منه يا أولي الإتقان
واذكروا وجهه حماكم إلهي … يوم عرض الورى على النيران
стр. 1600
ونظم ابن وهبان في قصيدته الرائية هذا السؤال في بيت واحد وقال:
ومن ذا الذي إن مات مجنيه فما … عليه إذا ما مات بالموت يشطر
وقد أوقع هذا البيت في آخر هذه القصيدة في فصل الجنايات، وقال المولى العلامة الفاضل محمَّد بن محمَّد بن الشَّحنة في شرح هذه "المنظومة" سؤال البيت من الجنايات: أي جانٍ إذا مات من جنى عليه بتلك الجناية يجب عليه شطر الدية، وإن عاش يجب عليه الدية كاملة، والجواب: هذا ختَّان ختن صبيًا بإذن أبيه، فقطع حشفته، فإن مات الصبي وجب على الختَّان نصف الدية، وإن عاش يجب دية كاملة، وكذا في العبد نصف القيمة وتمامها، لأنّ ذلك حصل بفعلين؛ أحدهما مأذون فيه، والآخر غير مأذون فيه، وهو قطع الحشفة، فيجب نصف الضمان، أما إذا برئ قطع الجلدة وهو مأذون فيه جعل كأن لم يكن، وقطع الحشفة غير مأذون فيه فيجب ضمان الحشفة كاملًا وهو الدية، ثم قال ابن الشحنة:
وقد نظمت جوابه شعرا (١) … فقلت وبالله المستعان
خذوا جوابًا يا أوحد الأعيان … فاق حسنًا قلائد العقيان
ذا فتي قاطع لكمرة طفل … خطأ منه عند قصد الختان
فإذا مات بعد إذن أبيه … حط نصف الديات هذا الجاني
وإذا عاش ذاك كان عليه … كلها كاملًا بلا نقصان
* * *
стр. 1601
[٦٠٣ - ابن السَّرَّاج (١)]
[الشَّيخ العلامة جمال الدِّين محمَّد بن سراج الدِّين عُمَر بن شهاب الدِّين محمود بن أبي بكر بن عبد القاهر الرَّازِي، المعروف بابن السَّرَّاج.
هو أحد المفتين الحنفيَّة في دمشق، في عصر نجم الدِّين الطَّرَسُوْسِي، وأثنى عليهم الطَّرَسُوْسِي واختار أن يضم إلى فتواه خطوطهم، وهم ابن السَّرَّاج وابن الفصيح وابن الربوة وعماد الدِّين بن أبي العز، فهؤلاء دارت عليهم أجوبة الوقائع في عصرهم.
أخذ العلوم عن أبيه سراج الدِّين، عن أبيه شهاب الدِّين، عن الإمام جمال الدِّين الحَصِيْري، عن الشَّيخ الإمام فخر الدِّين، قاضي خان، وأخذ أيضًا عن الشَّيخ الإمام أبي العبَّاس السَّروجي، عن الخلاطي، عن جمال الدِّين الحَصِيْري، عن قاضي خان، عن الفقيه أبي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الصفَّار، عن أبيه إسماعيل بن أحمد الصفَّار، عن أبي يعقوب السَّيَّاري، عن أبي إسحاق النَّوْقَدي، عن أبي جعفر الهِنْدُوَاني، عن أبي بكر الإِسْكاف، عن محمَّد بن سلمة، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى.
وتفقَّه على جماعة من العلماء الكبار وأخذ العلوم عن (٢) أفواه الرجال الأخيار.
روي أنّه عرض "كتاب الهداية" تمامًا في صباه على السروجي، وألقاها في درسه إلقاء حسنًا، وحصَّل وكتب، وهو سبط أبي العبَّاس أحمد السُّرُوجي.
стр. 1602
مات يوم السبت العشرين من ذي القعدة سنة ست وسبعمئة، ودفن بتربته خارج باب النصر] (١).
* * *
[٦٠٤ - ابن الفصيح (٢)]
الشَّيخ الإمام العلامة فخر الدِّين أبو طالب أحمد بن علي بن نجم الواعظ الهمذاني الشهير بابن الفصيح.
كان إمامًا علامة جامعًا للعلوم العقلية والنقلية، انتهت إليه رئاسة المذهب في زمانه، وله مصنفات كثيرة في الفروع وغيرها، وكان مفتيًا ومدرسًا في مشهد أبي حنيفة.
أخذ العلم عن الإمام السِّغْنَاقِي، عن حافظ الدِّين الكبير محمَّد بن محمَّد البُخاري، عن شمس الأئمَّة الكَرْدَري، عن صاحب "الهداية".
وروى الحديث عنه لما دخل بغداد ودرس بها، وأخذ عن جماعة كثيرة من أعلام الأخيار وأخيار الكبار، ودرس ببغداد ثم قدم دمشق، فأعاد وأفاد ودرس وصنف وأفتى ومهر في حل مشكلات الغوامض، ونظم "الكنز" و"النافع" في الفقه، و"السراجية" في الفرائض، و"المنار"، ونظم "شاطبيةً (٣) "أظهر رمزها، وجاءت أصغر من "الشاطبية"، وكتب إليه الشَّيخ زين الدِّين أبو حيان لما قدم دمشق قصيدًا منها:
стр. 1603
شرف الشام بإمام … الأئمَّة ابن الفصيح
له كلُّ يومٍ درسٌ … بلسانٍ عذبٍ وفكرٍ صحيح
وكان وفاته بدمشق (١) يوم الأحد، سادس وعشرين رجب (٢)، سنة خمس وخمسين وسبعمئة، ومولده سنة ثمانين وستمئة.
وتفقَّه عليه قاضي القضاة أمين الدولة أبو محمَّد عبد الوهاب بن أحمد بن وهبان المُزَني الدِّمشقي، وهو أحد المفتين الحنفيَّة الذين أثنى عليهم نجم الدِّين الطَّرَسُوْسِي في "أنفع الوسائل"، والتمس منهم أن يكتب ويضم إلى فتواه في لزوم التبرؤ من اليهودية في إسلام اليهودي ومن النصرانية في إسلام النصراني، وقد ذكرناهم قبيل هذا.
* * *
[٦٠٥ - ابن الربوة (٣)]
الشَّيخ الإمام (٤) العلامة ناصر الدِّين محمَّد بن أحمد بن عبد العزيز القُونَوي الدِّمشقي، المعروف بابن الرَّبوة.
كان عالمًا فاضلًا علامة في الفنون، أصولي فروعي، مفسر محدث جدلي خلافي نحوي لغوي نظَّار، فارس في البحث والجدل والخصام، وله التوسع في التقرير
стр. 1604
والفصاحة في الكلام، وله الحظ الوافر من العلوم، والقَبول التَّام عند الخاص والعام.
وأخذ العلوم عن العلماء العظام والفضلاء الكرام، قرأ "الهداية" على الشَّيخ الإمام رضي الدِّين إبراهيم بن سليمان المنطيقي وأجازه بالإفتاء، وذلك في سنة عشرين وسبعمئة.
وقرأ "الجامع الكبير" على الشَّيخ الإمام الأمير علاء الدِّين علي بن بلبان الفارسي، بحق قراءته على الصَّدر سليمان المصنف، وهو أحد المفتين الحنفيَّة الذين أثنى عليهم نجم الدِّين الطَّرَسُوْسِي كما سبق، ذكره في أثناء ذكره في نقل مسألة إسلام الصبي وارتداده من "أنفع الوسائل".
وله تصانيف معتبرة تداولتها أيدي العلماء، منها "شرح المنار" و"كتاب قدس الأسرار في اختصار "المنار"، وله "كتاب المذاهب المكية في شرح الفرائض السراجية"، و"كتاب الدر المنير في حل إشكال الجامع الكبير".
قال صاحب "الجواهر المضية": قدم علينا القاهرة سنة تسع وخمسين وسبعمئة، فأقام بها إلى أن توجَّه إلى مكة صُحْبة الرَّكْب الرَجَبي (١)، فأقام بها إلى أن قضى حجه من عامه، ثم توجه إلى الشام، فأقام بها إلى أن مات سنة أربع وستين وسبعمئة.
* * *
[٦٠٦ - إسماعيل بن محمَّد بن أبي العزِّ (٢)]
الشَّيخ الإمام العلَّامة، أقضى القضاة، إسماعيل بن الشَّيخ الإمام العلامة شمس الدِّين محمَّد بن الشَّيخ العلامة صدر الدِّين سليمان أبي الربيع بن وهب بن أبي العزِّ.
стр. 1605
وكان علَّامة (١) فاضلًا، وورث العلوم أبًا عن جد، أخذ عن أبيه شمس الدِّين محمَّد، عن أبيه صدر الدِّين سليمان، عن الشيخ الإمام جمال الدِّين الحَصِيْري، عن القاضي الإمام فخر الدِّين قاضي خان.
درَّس وأفتى، وكان من أجلَّة أهل الإفتاء، أثنى عليه والتمس منه أن يضمَّ خطه إلى خطه في فتواه نجم الدِّين الطَّرَسُوْسِي كما ذكره في "أنفع الوسائل" في مسألة إسلام الصبي العاقل وارتداده، وقد ذكرناه في ذكر نجم الدِّين إبراهيم الطَّرَسُوْسِي في هذه الكتيبة أمام هذا بورقات ثلاث.
* * *
[٦٠٧ - سراج الدِّين أبو حفص عُمَر الغَزْنَوي (٢)]
الشَّيخ الإمام العلامة، سراج الدِّين، أبو حفص، عُمَر بن إسحاق بن أحمد (بن محمود (٣)) (٤) الغَزْنَوي الهندي.
كان إمامًا علَّامة نَّظارًا، فارسًا في البحث، عديم النظير، مفرط الذكاء، إذا في مجلس كان هو المشار إليه والمعوَّل في المشكلات عليه، وكان فائق أهل الزمان بالفضل والعرفان، وله التصانيف التي سارت بها الركبان، وكان له حظ وافر من الأدب شواهدها وآياتها، وقد حصَّل الفروع، وكانت المسائل على حفظه بأصولها ونكاتها.
стр. 1606
أخذ عن الإمام الزَّاهد وجيه الدِّين الدِّلِّي، وعن العلامة الزاهد شمس الدِّين الخطيب الدِّلوي وعن الشَّيخ الإمام ملك العلماء بدلى سراج الدِّين الثقفي، وهم من أعزة تلامذة أبي القاسم التَّنُوخي تلميذ الشَّيخ الإمام حميد الدِّين الضَّرير، عن شمس الأئمَّة الكَرْدَري، عن صاحب "الهداية" شيخ الإسلام برهان الدِّين علي بن أبي بكر الرِّشْداني الفَرْغَاني.
فدرَّس وأفتى وصنَّف، ومن تصانيفه شرح "الهداية" المسمَّى بـ "التوشيح"، و"كتاب الشامل في الفقه"، و"كتاب زبدة الأحكام في اختلاف الأئمَّة الأعلام"، وله "شرح البديع" في أربع مجلدات، و"شرح المغني" في مجلدين، وله "كتاب (١) العزة المنيفة في ترجيح مذهب أبي حنيفة"، وكتاب في فقه الخلاف، وشرح "الزيادات" و"الجامعين" ولم يكملهما، وشرح "تائية ابن الفارض"، وكتاب في التصوف وغير ذلك.
مات سنة ثلاث (وستين) (٢) وسبعمئة.
* * *
[٦٠٨ - جمال الدِّين التُّرُكْماني (٣)]
جمال الدِّين، قاضي القضاة، عبد الله بن علي بن عُثمان المارديني التُّرُكْماني.
كان والده الشَّيخ الإمام العلَّامة، علاء الدِّين علي بن عُثمان، وجدُّه فخر الدِّين عُثمان بن مصطفى بن إبراهيم، وعمُّه تاج الدِّين، أبو العبَّاس أحمد بن عثمان، وابن
стр. 1607
عمِّه محمَّد بن أحمد بن عُثمان جلال الدِّين ابن (١) التُّرُكْماني، المارديني، كلهم فضلاء دهرهم، وهم من بيت علم وفضل.
تولَّى قاضي القضاة بعد أبيه قاضي القضاة علاء الدِّين بن التُّرُكْماني، وأخذ العلم عن أبيه، وسمع وحدَّث وصنَّف وأفتى وأفاد المستفيدين.
مات (في الليلة) (٢) المسفر (٣) صباحها يوم الجمعة، حادي عشر شعبان، سنة تسع عشرة وستمئة.
وأما أخوه:
* * *
[٦٠٩ - عبد العزيز التُّرُكْماني (٤)]
عبد العزيز بن علي بن عُثمان المارديني التُّرُكْماني فمات في حياة أبيه، سنة تسع وأربعين وسبعمئة.
وكان عالمًا فاضلًا، أخذ عن أبيه ودرس بالبازكوجيَّة (٥) والمهمنداريَّة، وحصل وأفاد وسمع عن أبيه وحدث وكتب بخطه الكتب الكثيرة.
وأما عمه:
стр. 1608
[٦١٠ - تاج الدِّين التُّرُكْماني (١)]
تاج الدِّين الإمام ابن الإمام أحمد بن عُثمان التُّرُكْماني، فولد بالقاهرة في ذي الحجه سنة إحدى وثمانين وستمئة.
وتفقه على أبيه وأخيه وسمع وحدث ودرس وأفتى وصنف، وكان شيخًا كبيرًا وإمامًا نحريرًا حبرًا فاخرًا وبحرًا زاخرًا.
وله تصانيف حسنة في الفقه وأصوله والفرائض والنحو والهيئة والمنطق، ومن تصانيفه "شرح الهداية"، و"شرح الجامع الكبير"، وله شعر حسن.
مات بالقاهرة في مستهل جمادى الأولى، سنة أربع وأربعين وسبعمئة، ودفن بتربة والده خارج باب النصر.
وأما ابنه:
* * *
[٦١١ - جلال الدِّين التُّرُكْماني (٢)]
جلال الدِّين بن تاج الدِّين محمد (٣) بن أحمد بن عُثمان التُّرُكْماني؛ فكان من نوادر الزَّمان.
стр. 1609
مات شابًا سنة تسع وأربعين وسبعمئة، ومولده سنة أربع عشرة وسبعمئة، ولو عمر وعاش لفاق أهل الزمان وأسلافه.
* * *
[٦١٢ - عز الدِّين الجَعْبَري (١)]
الشَّيخ الإمام صدر القراء، أبو المحاسن، عز الدِّين يوسف بن إسحاق بن إبراهيم بن محسن الرَّهاوي الجَعْبَري.
كان إمامًا زاهدًا ورعًا متواضعًا مجتهدًا، حسن السِّيرة، مقبول السَّريرة، عظيم القدر، جليل المحل، كثير العلم، جميل العمل، وله الاسم المشهور، والثناء الموفور، في بطون الأوراق، وظهور الآفاق
وكان فقيهًا محدِّثًا حافظًا مفسِّرًا، تلَّاء للقرآن العظيم، حافظ للكلام القديم، ثقة حافظ متقن، اشتهر بالرواية والذكاء، وجودة الاستماع والإصغاء، وكان فرد زمانه في القراءات والروايات.
أخذ العلم عن الشَّيخ الإمام أبي العبَّاس أحمد السَّرُوجي، عن الشَّيخ العلامة صدر الدِّين الخلاطي (٢)، عن الشَّيخ الإمام جمال الدِّين الحَصِيْري، عن الشَّيخ الإمام فخر الدِّين (٣) قاضي خان، وتفقَّه على الشَّيخ رمضان مدرس السيوفيَّة.
стр. 1610
وأما الجَعْبَري الذي هو إمام في القراءات فهو إبراهيم بن عُمَر بن إبراهيم بن خليل أبو إسحاق الجَعْبَري الشَّافعي، ذكره السُّبْكي في "طبقات الشَّافعية"، وقال: هو إمام في القراءات مشهور، تفقَّه على صاحب "التعجيز" ابن يونس، وسمع الحديث من جماعة كثيرين، روى لنا عنه والدي فسح الله في مدته في "معجمه" وغيره.
وله تصانيف كثيرة.
ولد بجَعْبَر سنة أربعين وستمئة تقريبًا، وتوفي سنة اثنتين وثلاثين وسبعمئة.
وعز الدِّين الجَعْبَري هذا جمع الروايات أيضًا وحصل القراءات السبعة والعشرة، وسمع من عبد العزيز الحرَّاني، وكان قدومه ديار مصر قبل أخذ حلب بسنة، وحدث وأفتى ودرَّس وناب في الحكم، وكان يرمى بالاعتزال.
مات في ثاني عشر شعبان سنة خمس (١) وثلاثين وسبعمئة بالحسينية ظاهر القاهرة.
وله الباع الممتد في الشعر، وله شعر حسن، وذكره عبد القادر في "الجواهر المضية" من شعره (٢):
حملْتُ غرامًا لم يطقْهُ فتًى قبلي … وقمتُ به وحدي فتهْتُ على الكلِّ
وأخفيتُهُ حتَّى توهم أنَّنى … سَلُوْتُ أيسْلُو عن هوى مثلِكم مِثلي
* * *
стр. 1611
[٦١٣ - طُورْسون الفقيه (١)]
المولى الفاضل العالم طُورْسون الفقيه، ختن المولى أَدَه بَالى.
أخذ عن المولى المزبور عن نجم الدِّين الزَّاهدي، عن فخر المِلَّة والدِّين صاحب "البحر المحيط" (٢) بديع وغيره، وعن (٣) برهان الأئمة شمس الدِّين محمَّد بن عبد الكريم (٤) التُّرْكُسْتاني، عن الدِّهْقان الكاساني، عن نجم الدِّين النَّسَفِي، عن أبي اليسر البَزْدَوي، عن السَّيَّاري، عن النَّوْقَدي عن الهِنْدُوَاني، عن أبي بكر الأعمش، عن أبي بكر الإِسْكاف، عن محمَّد بن سلمة، عن أبي سليمان الجُوْزَجاني، عن محمَّد، عن أبي حنيفة ﵏.
وأخذ عنه علم التَّفسير والحديث والأصول، وبلغ رتبة الكمال عنده، وبعد وفاة المولى المذكور أَدَهْ بالي قام مقام الفتوى وتدريس العلوم الشرعية، وكان يشاوره عُثمان الغازي في تدبير أمور السَّلطنة ويعظمه (٥) غاية التعظيم.
وكان عالمًا عاملًا مجاب الدعوة، وكان زوجته أخت زوجة السُّلطان عُثمان الغازي، وكان المولى طورسون من بلاد القرامان نشأ بها ودرَّس وأفتى.
* * *
стр. 1612
المتفرقات في الكتيبة الخامسة عشر من أعلام الأخيار
[٦١٤ - أبو عبد الله جابر الخُوَارِزْمِي (١)]
افتخار الدِّين، أبو عبد الله، جابر بن محمَّد بن عبد العزيز [بن] يوسف الإمام الخُوَارِزْمِي الكاتي.
وهو الإمام الفاضل الكامل، جامع العلوم، والمبرَّز في المعقول والمفهوم، شيخ كبير، وعالم تحرير، حبر متبحِّر، محقق ومدقق، مقدَّم في الفقه والأصول، أقرَّ له أهل زمانه بالتَّقدم والفضل في المعقول والمنقول.
تفقَّه على خاله أبي المكارم ابن أبي المفاخر، وقرأ "كتاب المفصل" و"الكشَّاف" على أبي العاصم الإسفندري، عن سيف الدِّين عبد الله الخُوَارِزْمِي، عن أبي عبد الله البصري، عن الإمام (٢) العلامة الزَّمَخْشَري، وسمع من الحافظ الدِّمْياطي، ودرس وحدث وأفتى وصنف، وتولى مشيخة الخانقاه الركنيَّة المظفريَّة بالقاهرة.
مات في المحرم سنة إحدى وأربعين وسبعمئة، ودفن (بالقَرَافة بظاهر القاهرة) (٣)، ومولده سنة سبع وستين وستمئة.
وكات (٤) مدينة من مدن (٥) خوارزم.
стр. 1613
وفي باب كنى "الجواهر المضية": أبو المكارم محمَّد بن أبي المفاخر الخُوَارِزْمِي، تفقَّه عليه ابن أخته افتخار الدِّين جابر.
* * *
[٦١٥ - نجم الدِّين القَحْفَازي (١)]
الشَّيخ الإمام العلامة نجم الدِّين أبو الحسن علي بن داود القَحْفَازي.
كان إمامًا فاضلًا زاهدًا فقيهًا أصوليًّا نحويًّا أديبًا شاعرًا.
أخذ العلوم عن مشايخ كثيرة، وتربَّى وبلغ رتبة الفضل والكمال.
وكان أبوه القاضي عماد الدِّين داود بن علي بن كامل بن يحيى بن خبازه بن عبد (٢) الملك، ينتهي نسبه إلى الزبير بن العوام.
ولي تدريس المُعِزِّية الجوانيَّة.
مات سنة أربع وثمانين وستمئة، وابنه العلامة نجم الدِّين القَحْفازي في سن الطفولية، ثم أخذ العلوم من أفواه الرجال الأخيار.
فكان بحرًا زاخرًا حبرًا فاخرًا، وله اليد الطولى في الشعر.
قال عبد القادر في "الجواهر المضية": أنشدنا الشَّيخ العلامة شيخ النحاة (٣) والأدباء القحفازي لنفسه في جارية اسمها قلوب:
стр. 1614
عاتبني في حبَّكم عاذلٌ … يزعمُ نصحي فيه وهو كَذوبُ
وقال ما في قلبك اذكرْهُ لي … فقلْتُ في قلب المعنَّى قلوبُ
وأنشدني له في مليح نحوي (١):
أضمرْتُ في القلب هوى شادن … مشتغلٍ بالنَّحو لا ينصف
طلبْتُ ما أضمرْتُ يومًا له … فقال لي المضمرُ لا يوصفُ
وأنشد (٢) يومًا للطلبة الجماعة الذين يشتغلون عليه لغزًا:
يا أيها الحبر الذي … علم العروض به امتزج
ابن لنا دائرة … فيها بسيط وهزج
فتفكر (٣) الجماعة زمانًا، فقال واحد منهم: هذه الساقية، فقال: دورت فيها زمانًا حتى ظهرت لك، يريد أنّه ثور يدور في الساقية.
قيل: لمَّا عمَّر الأمير تنكز ﵀ الجامع الذي له بدمشق المحروسة عينوا (٤) له شخصًا من الحنفيَّة يلقب بالكشك ليكون خطيبًا، فلما كان يومًا وهو يمشي في الجامع أجروا له ذكر الشَّيخ نجم الدَّين القحفازي وأنه في الحنفيَّة مثل ابن الزَّمْلَكاني في الشَّافعية، فأحضره (٥) وتحدَّثا، ثم قال وهما في الجامع: ما تقول في هذا الجامع؟ فقال (٦): مليح وصحن مليح، لكن ما يليق أن يكون فيه الكشك، فأعجب ذلك الأمير
стр. 1615
تنكز، ورسم له بخطابة الجامع المذكور، ثم بعد مدة رسم له بتدريس المدرسة الركنية، فباشرها مدة مديدة، ثم نزل عنها، وقال لها شرط لا أقوم به. ومعلومها (في الشهر) (١) جملة تركه تورعًا.
* * *
[٦١٦ - كمال الدِّين بن الزَّمْلَكاني (٢)]
وكمال الدِّين بن الزَّمْلَكاني الشَّافعي.
وهو محمَّد بن علي بن عبد الواحد بن عبد الكريم، قاضي القضاة، الإمام العلامة، ذو الذِّهن الصحيح.
تولى قاضي القضاة بحلب في آخر عمره، وكان قبل ذلك مقيمًا بوطنه بدمشق (٣)، ودرس فيها بمدارس عديدة: السامية البرانية (٤) والظاهرية والجوانية والرواجية، سمع عن جماعة كثيرة، وطلب الحديث، وكتب الطباق بخطه.
وقرأ على الشَّيخ صفي الدِّين الهندي الشَّافعي، والنَّحو على الشَّيخ جمال الدِّين بن الشَّيخ بدر الدِّين بن مالك.
ولد في سنة ست وستين وستمئة.
ومن تصانيفه: كتاب في الرد على ابن تيمية في مسألة الطلاق، وله تصانيف كثيرة.