وسماها "الأوراد الفتحية"، وهي اليوم أوراد الإخوان الكبروية (١).
والشَّيخ الجليل السيِّد علي الهمذاني أخذ الطريقة عن تقي الدِّين علي الدوستي، والشَّيخ محمود المزدقاني، وهما عن علاء الدولة السِّمْناني، وهو عن نور الدِّين عبد الرَّحمن الإسفرائيني، وهو عن الشَّيخ جمال الدِّين أحمد الخورفاني، عن رضي الدِّين علي لالا، عن الشَّيخ الكبير أبي الجَنَّاب نجم الدِّين الكُبْرَى، عن الشَّيخ إسماعيل القصري، عن الشَّيخ أبي النجيب ضياء الدِّين عبد القاهر السُّهْرُوَرْدِي، عن أبي الفتوح الشَّيخ أحمد الغزالي، عن أبي بكر النَّسَّاج، عن أبي القاسم الكُرْكاني، عن أبي عُثمان المغربي، عن أبي علي الكاتب، عن أبي علي الرُّوْذْبَاري، عن سيد الطائفة (أبي القاسم) (٢) الجنيد البغدادي، عن السَّري السَّقَطي، عن معروف الكَرْخي، عن داود الطائي، عن حبيب العَجَمِي، عن الحسن البصري، عن علي بن أبي طالب ﵃.
سمعت شيخنا وسيدنا المولى العارف الرباني الشَّيخ محمَّد بن يوسف الفركتي السَّمَرْقندي يحكي، عن شيخه المخدومي عبد اللطيف الجامي، عن شيخه المخدومي الأعظم حاجي محمَّد الخبوشاني، عن شيخه شيخ (٣) شاه بيدوازي، عن شيخه محمَّد الملقَّب بالرشيد، عن شيخه السيِّد الأمير عبد الله برزش آبادي، عن شيخه المرشد الكامل والشَّيخ المكمل إسحاق الختلاني، عن شيخه قدوة العارفين دليل (٤) السالكين منبع المعارف الرَّباني معدن اللطف السبحاني السيِّد علي الهمذاني:
стр. 1717
أنّه لما جمع "الأوراد الفتحية" (١) وانتخبها من جوامع كلماتهم القدسية، على حسب ملكاتهم (٢) الأنسية، رأى في منامه أنّ الملائكة يقرؤونها في شعبة جاركاه ويطوفون حول العرش، وفي أيديهم طبق من نور مملوء من اللآلئ والجواهر ينثرون، ثم قال الشَّيخ محمَّد السَّمَرْقندي: ولهذا مشايخنا كانوا يقرؤون في شعبة جاركاه.
ومن تصانيفه: "ذخيرة الملوك"، وهو كتاب لطيف وإنشاء شريف مشتمل على لوازم قواعد السلطنة الصوري والمعنوي، ومبني على ذكر أحكام الحكومة والولاية، وتحصيل السعادة الدنيوي والأخروي، ومرتب على عشرة أبواب.
الباب الثالث من "الذخيرة" في مكارم الأخلاق: در اخبار است كه فرزند لقمان حكيم ازبدر خود برسيدكه: اكَر بنده رادريك از نعمتها مخير كنند بكدام نعمت اوليتركه اختيار كند؟ كَفت: نعمت دين، كَفت: اكَردو نعمت باشد؟ كَفت: دين ومال حلال، تادين خودرابدان ازآفت طمع نكَاه دارد، وكَفت: اكَرسه باشد؟ كَفت: دين ومال حلال وسخاوت، تابدآن اساس سعادت محكم كَرداند، كَفت: اكَرجهار بود؟ كَفت: ومال حلال وسخاوت وحياتًا بدآن (مال خودرا از ريا ومخالفت حق صرف نكند، كَفت: اكربنج باشد؟ كَفت: دين ومال حلال وسخاوت) (٣) وحياء وخلق [نيكو، كَفت: اكَرشش باشد؟ كَفت: اي فرزند! هر كرا اين بنج دادند ازدوستان وبركَزيدكَان حق است، اي عزيز! بدانكه حق جل وعلا آدمي را ازدو حقيقت آفريده است، يكي صورت ظاهر، دوم: سيرت باطن، صورت راخَلْق كَويند وسيرت راخُلْق، وهريك را ازين دوحقيقت حسني وقبحي هست، جنانكه حسن صورت كامل نباشد،
стр. 1718
مكَر بتناسب جميع اعضاي ظاهر ازجشم وابرو ورخسار ولب ودهان ودست وباي وقامت، همجنين حسن سيرت راكه آنرا حسن خلق خوانند كامل نيايد مكَر باعتدال صفات حميده، جون علم وحكمت وتقوى وسخاوت وشجاعت وحلم وتواضع وعفت وعدل، اين صفات جدا از فراط وتفريط بايدكه نكَاه داشته آيد، زيراكه ازين صفات هر كدام كه بحد افراط وتفريط قبيح وشين جمال سيرت كَردد، همجنانكه طرف افراط سخاوت را اسراف وتبذير، همجنين طرف تفريط را امساك وتقطير كَويند، وهردو طرف مذموم است ونقصان حسن سيرتست، وكمال حسن سيرت درحد اعتدال است ميان افراط وتفريط، ودرهمه صفات همجنين ميدان وجنانكه درحقيقت دانه خرمًا وانكَور قوتي تعبيه كرده اندكه ممكن است كه بتدريج وتربيت آن دانه درختي مثمر كَردد، همجنين در وجود مؤمن سرى وديعت نهاده اندكه ممكن است كه مؤمن بواسطه تأييد وعنايت وملازمت تربيت بدرجة حكمت وولايت رسد، وخلق در قبول تأثير تربيت وتعليم برسه مرتبه اند، مرتبه أول: طفلى كه هنوز حق از باطل تمييز نكرده باشد ونيك ازبدندانست وآينه دل أو بغبار آراي فاسده وكلمات اعتقادات باطله تاريك نكَشته ونفس اوبر متابعت شهوات مستمر نشده، دل اين جنين كس بنصيحت ناصح زود تر متاثر كَردد وارشاد مرشد به آساني در باطن أو رسوخ يابد، مرتبة دوم: آنكه نيك ازبد تمييز كرده باشداما بسب غلبه شهوات بركار خير ملازمت نتواند كردورنج طاعت نمي تواند كشيد وليبه تقصير خود معترف است، امر اين كس بيك درجة مشكلتر ازاول است، زيرا جه أول اين راقلع ماده فساد ازباطن مي بايد كرد، انكَاه غرس صفتي كردكه أو رابرعبات] (١) وصلاح معود كَرداند، مرتبة سوم: آنكه شخصي كه بررأى فاسد واعتقاد باطل نشود يافته باشد وآن باطل راحق
стр. 1719
تصور كرده وآن بدرانيك دانسته وباظهار شرور مباهات نموده، امراين كس مشكلت ازين امور است وكوه بناخن كندن وآهن سردكوفتن بفعل نزديك است، ازار شاد وإصلاح اين جنين ودر امثال عرب كَفته اند: من أشد التعذيب تأديب الذئب، يعني: سخت ترين عذاب ادب آموختن كَركَست.
* * *
[٦٦٢ - داود القَيْصَري (١)]
قدوة العارفين، أسوة السالكين، صفوة المحققين، الشَّيخ داود بن محمود بن محمَّد القَيْصَري.
العالم الفاضل المولى داود القَيْصَري القراماني، اشتغل واجتهد وبرع في العلوم.
أخذ عن علماء البلاد القرامانية، وبلغ رتبة الفضل والكمال، وفاق على أقرانه في الفروع والأصول، وكان فارس ميدانه في المعقول والمنقول، ثم مال إلى التصوف، فهبَّ له نسيم التوفيق، وساقه سائق العناية ودله على سواء الطريق، وتشرف بخدمة الشَّيخ الإمام جمال الدِّين عبد الرازق القاشاني.
وأخذ عنه علم التصوف وأدب الطريقة، وبلغ عنده رتبتي الكمال والإرشاد، وصنف في علمي الظاهر والباطن، ووضع شرحًا على "فصوص الحكم" للشيخ الأكبر، وسمَّاه "المطلع"، ووضع في أوله مقدمة وجعلها اثنى عشر فصلًا:
стр. 1720
الأول: في الوجود أنّه هو الحق.
الثاني: في أسمائه وصفاته تعالى.
الثالث: في الأعيان الثابتة والتنبيه على بعض مظاهر الأسماء في الخارج.
الرابع: في الجوهر والعرض على هذه الطريقة.
الخامس: في بيان العوالم الكلية والحضرات الخمس الإلهية.
السادس: فيما يتعلق بالعالم المثالي.
السابع: في مراتب الكشف وأنواعها.
الثامن: في أنّ العالم هو صورة الحقيقة الإنسانية.
التاسع: في بيان الخلافة المحمدية وهو الأقطاب.
العاشر: في بيان الروح الأعظم.
الحادي عشر: في عود الروح ومظاهر العلوية والسفلية.
الثاني عشر: في النبوة والرسالة.
ويفهم في تلك المقدمة مهارته في العلوم العقلية أيضًا.
حكي أنّ السُّلطان أورخان الغازي بن عُثمان الغازي، بنى مدرسة في مدينة إِزْنِيق، وهي أول مدرسة بنيت في الدولة العثمانية، وعين تدريسها للشيخ داود القَيْصَري لمهارته في العلوم الشرعية والعقلية، وكونه مقدمًا على أقرانه، فدرس هناك وأفاد وأجاد، وكان السُّلطان أورخان جلس على سرير السلطنة بعد وفاة أبيه السُّلطان عُثمان الغازي سنة ست وعشرين وسبعمئة. وقد سبق التفصيل في ذكر تاج الدِّين الكَرْدَري في متفرقات هذه الكتيبة.
стр. 1721
قال المولى العارف الرَّباني داود القَيْصَري في أول "المطلع": وبعدُ يقول المولى العالم الفاضل الكامل شرف المِلَّة والدِّين داود بن محمود بن محمَّد القَيْصَري أدام الله ظله وكثر في العالم مثله: لما وفَّقني الله تعالى وكشف عليَّ أنوار أسراه، ورفع (١) عن عين قلبي أكنَّة أستاره، وأيَّدني التَّأييد الرَّباني بأعلام رموزه، والتَّوفيق الصَّمداني بإعطار كنوزه، وساقتني الأقدار إلى خدمة مولانا الإمام العلامة الكامل المكمَّل وحيد دهره وفريد عصره فخر العارفين عين ذات الموحدين ونور بصر المحققين كمال الملَّة والحق والدِّين عبد الرازق جمال الدِّين القاشاني قدس سره ونوّر قبره.
وكان جماعة من الإخوان المشتغلين بتحصيل الكمال الطَّالبين لأسرار الحضرة ذي الجلال والجمال شرعوا في قراءة "فصوص الحكم" الذي أعطاه النبيُّ ﷺ الشَّيخَ الكامل المكمَّل قطب العارفين إمام الموحدين، وقرَّة عيون المحقِّقين وارث الأنبياء والمرسلين، خاتم الولاية المحمديَّة، كاشف الأسرار الإلهية، الذي لا يسمح بمثله الدهور والأعصار، ولا يأتي بقرينة الفلك الدوَّار، محيي المِلَّة والدِّين … إلى أن ينتهي خطبة كتابه.
ثم قال بعد صحيفة في آخر هذه الخطبة: وسمَّيت الكتاب بـ "مطلع خصوص الحكم"، وجعلته مشرَّفًا بألقاب المولى المعظم، الصَّدر الأعظم، صاحب ديوان الأعظم، ودستور الممالك في العالم، سلطان الوزراء، الصاحب غياث المِلَّة والدِّين أمير محمَّد بن الصاحب السَّعيد المرحوم، رشيد الدنيا والدِّين، لا زال الحفيظ لجنابه حفيظًا والرقيب له رقيبًا.
* * *
стр. 1722
[٦٦٣ - نور الدِّين المصري (١)]
الشَّيخ نور الدِّين عبد الرَّحمن المصري.
وهو الشَّيخ العارف الرَّباني، والمرشد الكامل الصَّمداني، وكان في وقته قِبْلة الطَّالبين وكعبة السَّالكين.
أخذ الذِّكر والتَّلقين عن الشَّيخ جمال الدِّين يوسف الكُوْرَاني، وترقَّى عنده بمصر، وأخذ عنه آداب الطريقة، وجلس مقام الإرشاد بإجازته بعد ما بلغ عنده رتبة الكمال، وهو مريد الشَّيخ حسام الدِّين الشمشيري، وأخذ هذا العلم وآداب الطريقة عن حسام الدِّين الشمشيري وعن الشَّيخ نجم الدِّين محمود الأصفهاني، وهما عن الشَّيخ نور الدِّين عبد الصَّمد النظيري، عن نجيب الدِّين علي بن برغش الشِّيْرَازِي، عن الشَّيخ شهاب الدِّين عمر السُّهْرُوَرْدِي، عن عمه النَّجيب (٢) ضياء الدِّين عبد القاهر السُّهْرُوَرْدِي، عن أحمد الغزالي، عن أبي بكر النَّسَّاج، عن أبي القاسم الكُرْكاني (٣)، عن أبي عُثمان المغربي، عن أبي علي الكاتب، عن أبي علي الرُّوْذْبَاري، عن سيد الطائفة الجنيد البغدادي.
وأخذ عن نور الدِّين عبد الرَّحمن المصري الشَّيخ العارف الرَّباني والمرشد الكامل الصَّمداني زين الدِّين أبو بكر الخَوَافي قدس الله تعالى سره، بلغ عنده رتبة التكميل والإرشاد، وكتب شيخه نور الدِّين عبد الرَّحمن المصري في كتاب إجازته على ما كتبه نور الدِّين عبد الرَّحمن الجامي في "كتاب النفحات": لما استحق الخلوة - يعني الشَّيخ زين الدِّين - وقبول الواردات الغيبية والفتوحات القدسية استخرت الله
стр. 1723
تعالى، وأخليته خلوتي المعهودة وهي سبعة أيام، منَّ الله تعالى فيها عليَّ بما منَّ بفضله، ففتح الله عليه أبواب المواهب من عنده في الليلة الرابعة، وازداد في الترقيات في درجات المقامات إلى مقام حقيقة التوحيد، وانحلَّت منه قيود التفرقة في شهود الجمع قبل تمام الأيام السبعة، ثم في تمامها ظهر له لوامع التوحيد الحقيقي الذاتي المشار إليه على لسان أهل الحقيقة بجمع الجمع، وهو لقوة استعداده بعد في الترقي والزيادة، وإني (١) على رجاء من الله أن يأخذه منه إليه تمامًا، ويبقيه دوامًا، ويجعله للمتقين إمامًا.
* * *
[٦٦٤ - خواجه علي الأَرْدُبِيلي (٢)]
الشَّيخ العارف الرباني والمرشد الكامل الصَّمداني خواجه علي الأَرْدُبِيلي.
كان صاحب الكرامات العالية والكمالات السامية.
أخذ الطريقة عن الشَّيخ العارف صدر الدِّين الأَرْدُبِيلي، عن صفي الدِّين الأَرْدُبِيلي.
وأخذ عنه الشَّيخ العالم الرَّباني والمرشد الكامل الصَّمداني حميد الدِّين حامد بن موسى الآقسرايي القَيْصَري، وبلغ عنده رتبة الفضل والكمال.
* * *
стр. 1724
[٦٦٥ - قاسم أنوار تبريزي (١)]
السيِّد الأمير قاسم أنوار تبريزي.
في "النفحات": دراوائل ارادت بشيخ صدر الدِّين اردبيلي ﵀ داشته وبعد ازان بصحبت صدر الدِّين علي يمني كه وي از أصحاب شيخ أوحد الدِّين كرماني بوده قدس الله سرهما رسيده.
* * *
[٦٦٦ - خواجه قطب الدِّين يحيى الجامي]
الشَّيخ العارف أبو الفضل خواجه قطب الدِّين يحيى الجامي النَّيْسَابُوري ﵀.
في "النفحات": جامى الأصل است، ونيسابوري المولد. به علوم ظاهري واحوال باطني موصوف ومعروف بوده وبه صحبت شيخ ركن الدّين علاء الدّوله وشيخ صفي الدّين اردبيلي وشيخ صدر الدّين اردبيلي وشيخ شرف الدّين دركَزيني رسيده است وهفت بار حج كَزارده است.
روزى به جانب صحرا به سر رمه و كَل ة خود رفته بود. از آنجا وى را داعي ة زيارت بيت الله قوي شد وهم از آنجا روانه كَشت واين رقعه به أصحاب نوشت:
ديروز با طايفهاي به نيت ارتياح وابتهاج به طرف صحرا ونتاج كَذري افتاد.
با دوست به بوستان شدم رهكَذري
دلدار به طعنه كَفت: شرمت بادا!
стр. 1725
بر كَل نظري فكندم از بي خبري
رخسار من اينجا وتو در كَل نكَرى؟
ناكَاه غيرت اله از كمينكَاه ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٨٨] بيرن تاخت وكمند "جَذْبَةٌ مِنْ جَذَباتِ الْحَقْ" در كَردن ممتحن انداخت. كَر نيايد به خوشي، موي كشانش آريد! به وطن نارفته ونديده وتفكر را كَذاشته، هم از طرف صحرا بر اشارت ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧] بر صوب خانه معظم معلى روان كَشت.
جون نرود از بي صاحب كمند.
آهوى بيجاره به كَردن اسير؟
﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧].
توفي ﵀ ليلة الخميس، الحادي والعشرين من جمادى الاخرى، سنة أربعين وسبعمئة وقبر وي در بيرون درب فيروزآباد است به هرات.
* * *
[٦٦٧ - عز الدِّين الخَلْوَتي (١)]
الشَّيخ الحاج عز الدِّين الخَلْوَتي والد بيرزاده وشيخ صدر الدِّين الخيافي.
أخذ التَّلقين وآداب الطريقة عن أخي بيرام الخَلْوَتي، عن (الشَّيخ أخي محمَّد) (٢) برعم الخَلْوَتي، عن الشَّيخ أخي محمَّد الخَلْوَتي، عن الشَّيخ إبراهيم الزاهد الكيلاني.
وأخذ عنه صدر الدِّين الخيافي الخَلْوَتي شيخ قدوة الطائفة الخَلْوَتية الشَّيخ السيِّد يحيى بهاء الدِّين الشَّرْواني.
стр. 1726
الكتيبة السابعة عشر من كتائب أعلام الأخيار
[٦٦٨ - السيِّد الشريف الجُرْجَاني (١)]
سيد الدهر، وسند العصر، أستاذ البشر، والعقل الحادي عشر، قدوة المحققين، وأسوة المدققين، أفلاطون الإلهي، لقمان الحكمة، أبو علي المنطق، فارابي الفِطنة، صاحب النفس القدسية بالعلم، الرباني المولى الفاضل الكامل أبو الحسن السيِّد الشريف علي الجُرْجَاني الإِسْتِراباذي.
عالم نِحرير، قد حاز قَصَب السَّبْق في التحرير، وفاز بالقِدْح المُعَلَّى في التقرير، فصيح العبارة، دقيق الإشارة، حلو الإيراد، وحسن الإرشاد، لسان الزمان، وسَحبان البيان، بيانه مصباح معضلات المعاني، وبنانه (٢) مفتاح مغلقات المباني، كأنه نباتي في حلاوة لفظه ولطف صنيعه، أو ابن صائغ في سبك كلامه وحسن ترصيعه، صاحب الحل والعقد، وكل الفنون عنده نقد، نظار فارس في البحث والجدل، له زلال ينطق ما فيه من زلل، فَحل لا يجارب، وليث لا يغالب، جمع علمي الشَّريعة والحقيقة، واطلع على حقائق الصوفية ودقائق الطريقة.
ولد في بلدة جرجان في ثمان بقين من شعبان، من شهور سنة أربعين وسبعمئة، فأصبح في برج الشرف برداء المجد ملتحفًا، أنبته الله نباتًا حسنًا، وجعله في أوج العلاء بالسعد مقترنًا، غُذي بالعلم، ثم نشأ بالطلب، فغدا في معاني البلاغة والأدب، وصرف مناه نحو العربية في صباه، ووصل إلى أقصى مداه، حتى قيل: إنَّ هذا النَّبيل علق على "الوافية شرح الكافية":
стр. 1727
حاشيةٌ بعلوِّ صوتٍ نادية … مَنْ مِثْل راقم أسطري في النادية
ولم يفارق بعد حدَّ الطُّفولة … ولم يقاربْ شارق صباه أُفُوله
ثم صنف كتابًا في النَّحو بلسان فارسية ثم، وثم في العلوم العقلية والنقلية إلى أن ظهرت تصانيفه في ظهور الآفاق، وكثرت تآليفه في بطون الأوراق.
حكي أنه حضر مجلس العلامة الرَّازِي قطب الدِّين محمَّد ليقرأ عليه شرحيه لـ "الرسالة الشمسية" ولـ "المطالع الأُرْمَوية"، فلما رأى الرَّازِي أنّ فكره يجول في فن المنطق كضوء البارق المتألق، وشاهد في (١) نفسه أنه قد قوي الضعف في قواه، وطيف المنية مختال أينما بات تجاه، وأقعده المشيب عن درك الصغرى والكبرى، وأعجزه عن فهم الإشارات ونيل القانون والشفاء؛ أرسله إلى المولى مبارك شاه، وكان تلميذه ومولاه، ربَّاه وعلَّمه، وكان ماهرًا في الحكمة والمنطق حتى اشتهر بين النّاس بمبارك شاه المنطقي، وكان رحل إلى مصر وتوطَّن فيها، وأن قطب الدِّين الرَّازِي كان في هذا الزمان بهراة، ثم بعد ما توجه السيِّد الشريف إلى خدمة مبارك شاه، سمع صيت الشَّيخ جمال الدِّين محمَّد بن محمَّد الآقسرايي، وقد سبق ذكره في متفرقات الكتيبة السادسة عشر فارتحل إلى بلاد قرامان ليقرأ عليه (٢).
وكانت الطلبة ترحل من أقطار الأرض إليه، وتحمل مشكلات العلوم من البر والبحر إلى بين يديه، روي أنه لما قرب منه رأى شرحه لـ "الإيضاح" للخطيب القزويني صاحب "تلخيص المفتاح" فلم يعجبه، وقال: هذا كلحم بقر وعليه الذباب، ووجهه أنّ "الإيضاح" كتاب مبسوط مفصَّل قلما يحتاج إلى الكشف والحل، وكان
стр. 1728
المولى جمال الدِّين يكتب المتن بتمامه ثم يعقبه بكلامه، وكان يضرب على المتن بالمداد الأحمر فكان الشرح كالذباب على لحم البقر.
ولما قال الشريف هذا قال له بعض الطالبين: يا هذا اذهب إليه انظر إلى تقريره تجده أحسن من تحريره، فقصده فصادف موت المولى المرحوم دخوله إلى البلد:
وما المرء في الدُّنيا وإنْ طالَ عمره … إلى الأمد (١) الأقصى بباقٍ على الأبد
خذوا حِذْركم ما عشتم فتزوَّدوا … فصرف الرديِّ خصم لعمركم ألد
ولقي الشريف هناك المولى الفَنَاري، وقد وجد ذا باع واسع ولسان جار، فكانا صاحبي الحضر وراكبي السفر، وكأنهما العقل والروح المصوَّر، ارتحلا إلى مصر ليقرأا على علامة العصر المولى الفاضل المتفق عليه، والشَّيخ الكامل المختلف إليه، أفضل المتأخرين، صاحب عناية "الهداية" أكمل الدين، إمام الفروع والأصول، والأستاذ المبرز في المعقول والمنقول، يضرب به الأمثال، وتشد إليه الرحال، فظفرا بزيارة سدته، واغتنما بمشاهدة غرته، وقرأا عليه العلوم العقلية (٢)، وأخذا عنه الفنون الشرعية، ولقد قرن الله مساعيهما بالنجاح، وجعل صيتهما الطيَّار موفورًا بجناح.
وكان من شركاء درسهما المولى جامع الفضائل الشَّيخ بدر الدِّين بن إسرائيل، الشهير بابن قاضي سماونه، والمولى الفاضل الحاج باشا صاحب "التسهيل" و"الشفاء"، وهما كانا أيضًا من شركاء الشريف الجُرْجَاني عند قراءة شَرْحَي "الرسالة" و"المطالع" على مبارك شاه المنطقي، فبلغ الشريف (٣) رتبة الكمال، وفاق
стр. 1729
على الأقران والأمثال، حتى ارتفع شأنه وقوي سلطانه، بحيث غلب ببيانه الفُحول، وأعجز ببيانه العقول، فتصدَّى لتزييف كلام (١) القوم بأن يقول: قال أقول، وتولى لتشنيع الدخيل (٢)، وأجرى (٣) القلم المبلول، وحقَّق بين معقول ومدخول، ودقَّق بين منتقد ومنخول، فحاز باليد البيضاء، والحجَّة الزَّهراء والمحجَّة الغرَّاء، لم يصل من شركائه إلى (٤) معشار ما وصل إليه إن كنت (٥) طالبًا، فتصانيفه شهود عدول عليه، منها حاشية على "أوائل الكشَّاف" في تفسير القرآن، علَّقها على تعليقات المولى المحقق سعد الدِّين التَّفْتَازَانِي، وردها في أكثر المواضع، وحاشية على "المطول شرح التلخيص" في المعاني والبيان، وحاشية في الكلام على شرح الطوالع"، وحاشية في "المنطق على شرح المطالع"، وحاشية على "شرح مختصر ابن الحاجب" في الأصول لعضد الدِّين الإيجي، وكتاب في النحو بلسان الفارسية، وآخر تصانيفه "شرح مختصر السراجي" في الفرائض، وضعها في بلدة سمرقند.
وغير ذلك من التعليقات والرسائل في معضلات المسائل ومشكلات الأفاضل التي لم يكشف قناعها في العصور الأوائل (٦)، وله رسالة في الوجود على أصل الصوفية وقاعدة الإشراقية.
وله في العلوم آثار، وفي الفنون أطوار، وقد أحيا العلم بعد ما أماته الجهل
стр. 1730
فأقبره، ورفع قواعده وأقام عماده وأنشره، وكان قليل الرَّغبة في الدُّنيا، كثير الهمَّة في العلم، وقد أوتي بالمكيال الأوفى من الوجد والحال والورع والتقوى، وأخذ التلقين وأدب الطريقة عن خواجه علاء الدِّين عطار، وهو من أعزِّ خلفاء خواجه بهاء الدِّين محمَّد نقشبند، قدوة المشايخ الخواجكانية، ورئيس الطَّائفة النَّقشبندية، وقد سبق تفصيلًا في ذكر خواجه (١) علاء الدِّين العطَّار في قلب الكتيبة السادسة عشر، وجمع بين علمي الشَّريعة والحقيقة، وشرح أحسن الشروح أصول الطريقة، وكان سيد عصره، ولسان دهره وسرّ الله بين خلقه.
(ورأيت في "الرشحات": حضرت خواجه احرار عبيد الله السمرقندي فرمودند كه: خال من خواجه إبراهيم عليه الرحمة ميكَفتنندكه: در مدرسه بيكـ تيمور مي بودم، حضرت سيد شريف نيزآنجامي بودند، سحركَاه به باي كفش بملازمت خواجه علاء الدِّين عطار قدس الله تعالى سره بمدرسة أولاد صاحب هداية مي آمدند كه مرانيز همراه مي آوردند، بسيارمي نشستم تافرصت واجازت درآمدن ميشد، درسحرها ملازمان حضرت طبخهاي ميكردند بتكلف، مثل كرنج ومرغ وبعض تكلفات ديكَر، مولانا بهاء الدِّين اندجاني كه ازعلماء متقي بوده است كَاهي درآن مجلس شريف حاضر ميشده، يكبار درسحري آن طعامها آوورده اند بخاطر وي كَذاشته كه در سحر مردم درويش را اين نوع تكلف است وجرابايد كه اين مقدار تكلف كنند؟
حضرت خواجه را بر ضميروي اشرافي شده است فرموده اند كه: مولانا بهاء الدِّين طعام خوريداكَر جنانجه حلال باشد ضرر نخواهدداشت، وحضرت خواجه علاء الدِّين قدس سره خدمت سيد شريف را بصحبت مولانا نظام الدِّين خاموش عليه الرَّحمن فرمودند: خدمت سيد بفرموده حضرت خواجه ملازمت مولانا نظام الدِّين خاموش
стр. 1731
عليه الرحمة فرمودند كه جون خدمت سيد شريف جرجاني بصحبت خواجه علاء الدِّين بيوستند حضرت خواجه ايشا نرا قبول فرمودند، ازحضرت علاء الدِّين بيوستند حضرت خواجه ايشا نرا قبول فرمودند از حضرت خواجه التماس نمودندكه باكسى فرما يند از أصحاب خود كه بواسطة صحبت وي اهليت اين مجلس حاصل كنم ومناسبتي با اهل نسبت بيداكنم، حضرت خواجه ايشا نرا بصحبت ما حواله كردند؛ خدمت سيد بعد ازفراغت درس مي آمد وبيش ما مي نشستند وسكوت ميكردند، روزي نشسته بودند ومراقبة كرده، نكَاه بي خودي وبي طاقتي ازيشان ظاهرشد، جنانجه عمامه ازسر ايشان افتاد، برخواستيم عمامه برسرايشان نهاديم، جون بحال خود آمدند سبب آن بيخودي برسيدم: كَفتند: عمرها آرزوي آن داشتم كه يك ساعت لوح مدركه من ازنقوش علمية باك شود وزماني دل من زانديشه معلومات خود خلاص يابد، درين ساعت ببركت اين صحبت آن معنى دست داد، ازغايت شوق ولذت آن ازمن اين بيخودي صادر شد، إلى هنا من "الرشحات") (١).
وكان السيِّد الشريف بعدما سافر الروم والشام، وأخذ عن العلماء العظام، وبلغ رتبة الفضل والكمال، توطن بشيراز، ولازم الدرس والاشتغال، ثم ارتحل إلى سمرقند؛ لضرورة دعته، وقضية اقتضته، وهي أنّ تيمور الأعرج لما تسلطن وعرج، وقدم شيراز وأمر بالنَّهب والإغارة، وأجاز الإحراق والإبادة؛ أعطى للسيِّد الشريف الأمان بسبب عرض وزيره في هذا الآن، وعلقوا على باب الشريف سهمًا من سهامه، وكان ذلك علامة إعطاء أمانه، فنجى كلُّ من دخل وحلَّ بدار الشريف من إغارة عسكر تيمور العنيف، ثم إنّ الوزير لما أثبت بهذا حقًّا عليه، وقد علم أنه كان فريد الدَّهر التمس منه وسعى أن يرتحل إلى ما وراء النهر، فقرن الله تعالى مساعيه بالنجاح.
стр. 1732
يشير إلى ذلك في خطبته شرح "المفتاح" (١) بقوله: حتى ابتليت في آخر العمر بالارتحال إلى ما وراء النَّهر، فأقام السيِّد الشريف بسمرقند مدَّة، ولازم الدَّرس والإفادة، صنَّف من الفنون عدة، ولقد كانت مناكب الصحف بمعاطف فوائد كلامه مجللة، وهام المشكلات بجواهر معاطر أقلامه مكللة، فأعجب النّاس حسن كلامه وفصاحة لسانه وحل مرامه وبلاغة بيانه، فأقروا له بالفضل، وأحلوه المحل الرفيع، وقدّموه وأجلسوه الصدر (٢) المنيع، فبينما هو أمر تيمور الإجلاس.
وكان المولى سعد الدِّين التَّفْتَازَانِي صدره، وكان حبرًا غوّاصًا في بحار المعارف، وبحرًا موَّاجًا يؤخذ منه در العوارف، وقد رمقت نحو سواحله عيون الحذَّاق، وقد طبق لَأَلِي (٣) تصانيفه أطباق الآفاق، فاجتمع هذان العزيزان في مجلس تيمور خان، فالتقى البحران الزاخران، والحبران الفاخران الوحيدان، وهما في العقل والنقل يضرب بهما المثل، ولولاهما (٤) لآل بيت العلم إلى أن كان كالطَّلل، فإنهما الجامعان بين أشتات العلوم الشاسعة، والموصلان (٥) إلى محل تسفل عنه النجوم الطالعة، لا يشق غبارهما، ولا تلحق آثارهما.
فعين الصَّدر للسيد الشريف الجُرْجَاني ورجَّحه في هذا الإجلاس على المولى (٦) التَّفْتَازَانِي، وكان يقول: فرضنا أنهما سيان في الفضل والعرفان فللسيد
стр. 1733
شرف النسب، فرجح إذا تساوى الحسب، فانشرح صدر الشريف الجُرْجَاني، وأقدم على إفحام العلامة التَّفْتَازَانِي، وكان سعد الملَّة قد اشمأزَّ من هذا التعيين طبعه واقشعر منه فهمه وسمعه:
وقد كان سعد الدِّين أستاذ عصره … عزيزًا رفيع الشأن مرتفع القدر
لما فاق أفراد الزمان بتصنيفه … يعظمه الأشراف يستصحب الصدر
في كل أوان يسمح بالمراد الزمان، وإلى الله منه الشكاية، وقد وقع نظير هذه الحكاية بين الشريف وبين محمَّد بن محمَّد الجزري عفى عنهما العفو القوي، وكانت هذه الواقعة في تاريخ سنة ست وثمانمئة، والأولى في سنة إحدى وتسعين وسبعمئة، وهي قصة غريبة، نَقُصُّها عليك ليزداد يقينك بما ذكرنا لديك، فإنَّ تيمور حين أراد الظهور جمع البغاة والفسَّاق، وأقام الفتنة على قدم وساق، وأغار البلاد، وأباد العباد، فتغلَّب على بلاد ما وراء النهر، وخرب القرى والأمصار بالقهر، ثم مشى على الروم مشي الموسى على الشعر، وسعى سعي الدّبَا على الزرع الأخضر (١)، فقابل السُّلطان يلدرم بايزيد خان، فكان ما كان من قضاء الله العزيز الجبار جلّى السُّلطان، وقدر الله القدير القهَّار قوي البرهان، فإنّ الله تعالى تصريفًا في عباده، ولا بد أن ينفذ فيهم سهم مراده، والقدر ينشد، والقضاء يرشد.
وقد وقعت هذه الوقعة العظيمة، ثم نزل مدينة بروسا سنة خمس وثمانمئة، وكان ابن الجزري (٢) تصدَّر فيها للإقراء، وكان شيخًا كبيرًا مشهورًا بالرواية والذَّكاء، وحافظًا متقنًا متَّصفًا بجودة الاستماع والإصغاء، وكان عالمًا علَمًا في الحديث
стр. 1734
والتفسير، وحفظ أسماء الرجال، مقرئًا جاريًا بوجوه القراءات كالماء السلسال، أكمل عليه القراءات العشر كثيرون، وإلى مجلسه وحدًا القراء يلازمون، وعليه يقرؤون وعنه يستمعون، وبه يحيطون إحاطة الهالة بالبدر، وهو يستند في المحفل إلى الصدر، وكان قد نزل ببروسا في سنة سبع وتسعين وسبعمئة، وأقام فيها ينشر العلم إلى تغلُّب هذه الفيئة (١) في صحبة السُّلطان بايزيد، فحدثت هذه النوائب فعادهما الدهر، فذهب به الأمير تيمور إلى ما وراء النهر، وكان السيِّد الشريف في هذا الوقت مدرسًا بسمرقند، ثم أن تيمور اتخذ هناك وليمة عظيمة، عين جانب يساره للأمراء وجانب يمينه للعلماء.
وقدم الشَّيخ الجزري على السيد (٢) الشريف، فقيل له في ذلك قال (٣): كيف لا أقدمه وهو رجل عارف بالكتاب والسنة، يقرأ بالحق ويشاور ما أشكل عليه منهما على النّبيّ ﷺ فيحل له، فانظر إلى دَيْدَن الزَّمان، فكما تدين تدان.
وأما القصة الواقعة بين السعد الدِّين والسيِّد الشريف فواقعة في الإجلاس الذي وقع بينهما في مبحث اجتماع التبعية والتمثيلية من أقسام الاستعارة في كلام صاحب "الكشَّاف" في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ [البقرة: ٥]، ومعنى الاستعارة، وكان الحكم بين هذين الهزبرين نعمان الدِّين الخُوَارِزْمِي المعتزلي، فرجَّح كلام السيِّد الشريف على كلام العلامة التَّفْتَازَانِي، فاشتهر عند الخاص والعام، غلبة الشريف عليه بالإلزام والإفحام، وكان سعد المِلَّة والدِّين بعدما اشمأزَّ طبعه من تقدم الشريف في تلك الأحايين قد فقد عنوان الشباب، وصرف أوان الكهولة، وأشرف غرة عمره
стр. 1735
على الخراب، دخل عارضيه طلائع شيب ليس يغني الخطاب، حتى ألمَّته ملمات الشيب بالمفرق، وشغلته عن صيد الغزال المطوق:
وغرَّة عقل المرءِ قبلَ مشيبه … وقد فنيَتْ نفسٌ تولَّى شبابها
إذا اسودَّ لون المرء وابيضَّ شعره … تنغَّص من أيامه مستطابها
فاغتمَّ لذلك سعد الملَّة، وحزن حزنًا شديد، الظن منه أنّ مضاهيه في الزمان، كان فقيدًا فلم يدرِّس بعدها إلا يوميات قلائل، ولم يتلو فيها عن عويصات المسائل، فما لبث حتى ألمَّ بذاته الشريفة ألمٌ أضرَّ بها إلمامه، ونغّص عيشه (١)، وتعذر عليه قعوده وقيامه، ولم يتماثل من مرضه (٢) إلى أن نقله الرَّحمن إلى جوار رحمته مغفور الزَّلات موفور الحسنات، نوَّر الله مرقده، وفي أعلى غرف الجِنَان أرقده، وكان قد توفي بظاهر سمرقند يوم الإثنين الثاني والعشرين من محرم، سنة اثنتين وتسعين وسبعمئة، ونقل إلى سرخس، ودفن بها في جمادى الأولى من تلك (٣) السنة.
وكان من كبار العلماء الشَّافعية، ومع ذلك له آثار جليلة في أصول الحنفيَّة.
بلغني من الثقات أنه كتب (٤) حول صندوق قبره بسرخس (٥):
ألا يا أيُّها الزُّوار زوروا وسلِّموا على روضة الإمام المحقِّق، والحبر المدقِّق، سلطان العلماء المصنِّفين، وارث علوم الأنبياء والمرسلين، معدِّل ميزان المعقول
стр. 1736
والمنقول، منقِّح أغصان الفروع والأصول، ختم المجتهدين، أبي سعيد سعد الحقِّ (١) والملَّة (٢) والدِّين، مسعود القاضي الإمام، مقتدى الأنام، ابن عمر المولى المعظَّم، أقضى قضاة العالم، برهان المِلَّة والدِّين ابن الإمام الرَّباني العالم الصَّمداني، مفتي الفريقين، مقتدى الجامعين، سلطان العارفين، قطب الواصلين، شمس الحق والدِّين، الغازي التَّفْتَازَانِي، قدَّس الله تعالى أرواحهم، وأنزل في فراديس الجنان أشباحهم.
وكتب في جانب قدمه المبارك هذه التواريخ:
ولد عليه الرحمة والرضوان في صفر سنة اثنتي وعشرين وسبعمئة، وفرغ من تأليف "شرح الزَّنجاني في التصريف" حين بلغ ست عشرة سنة، في شعبان سنة ثمان وثلاثين وسبعمئة بترمذ، ومن "شرح تلخيص المفتاح" في صفر سنة ثمان وأربعين بهرات، ومن اختصاره سنة ست وخمسين بغجدوان، ومن "شرح الرسالة الشمسية" في جمادي الآخرة سنة سبع وخمسين وسبعمئة بمزارجام، ومن "شرح التوضيح" في ذي القعدة سنة ثمان وخمسين بكلستان تركستان، ومن "شرح العقائد" في شعبان سنة ثمان وستين، ومن "حاشية شرح المختصر في الأصول" في ذي الحجة سنة سبعين، ومن "رسالة الإرشاد" سنة أربع وسبعين، كلها بخوارزم، ومن "مقاصد الكلام وشرحه" في ذي القعدة سنة أربع وثمانين بسمرقند.
ومن "تهذيب الكلام" في رجب، ومن شرح القسم الثاني من "مفتاح العلوم" في شوَّال سنة تسع وثمانين بظاهر سمرقند، وشرع في تأليف "فتاوى الحنفيَّة" يوم الأحد التاسع من ذي القعدة سنة تسع وثمانين بهرات، وفي تأليف "مفتاح الفقه" سنة اثنتي وثمانين، ومن تأليف "تلخيص الجامع" سنة ست وثمانين كلهما بسرخس،
стр. 1737
ومن "شرح الكشَّاف" في الثامن من ربيع الأول سنة تسع وثمانين بظاهر سمرقند.
وتوفي يوم الإثنين الثاني والعشرين من محرَّم، سنة اثنتين وتسعين وسبعمئة بسمرقند، ونقل إلى سرخس ودفن بها يوم الأربعاء التاسع من جمادي الأولى من تلك السنة، إلى هنا مما كتب حول الصندوق.
قال السيِّد الشريف في تاريخ وفاته قطعة (١):
آفتاب شرع ملت سعد تفتازاني رفت … آب جشم آمد جو سيل بلغ السيل رباه
عقل را برسيدم از تاريخ سأل رحلتش … كَفت تاريخش يكي كم طيب الله ثراه
كان ﵀ من محاسن الزمان، لم تر العيون مثله في الأعلام والأعيان، وهو الأستاذ على الإطلاق، والمشار إليه بلا شقاق، والمشهور في ظهور الآفاق، والمذكور في بطون الأوراق، اشتهرت تصانيفه في الأرض ذات الطول والعرض، حتى إنَّ السيِّد الشَّريف في مبادئ التأليف وأثناء التصنيف كان يغوص في بحار تحقيقه وتحريره، ويلتقط الدرر من لجى تدقيقه وتسيطره، ويعترف برفعة شأنه وجلالته ووفور فضله وعلو مقامه وإمامته، إلا أنه لما وقع بينهما المشاجرة والمنافرة بسبب ما سبق في مجلس تيمور من المباحثة والمناظرة والمجادلة والمكابرة، بحيث لم يمكن الوفاق، التزم بتزييف كل ما قال، وكلاهما فضلًا في الورى كان مضرب الأمثال، إن شئت أن تسمع ما جرى بينهما شيئًا (٢) فكن لما يُتلى عليك بالذَّوق سائغًا.
قال العلامة الزَّمَخْشَري في تفسيره "الكشَّاف" في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]، ومعنى الاستعلاء في ﴿عَلَى هُدًى﴾ مثل لتمكنهم
стр. 1738
واستقرارهم عليه وتمسكهم به، شبهت حالهم بحال من اعتلى وركبه، انتهى.
وقال العلامة التَّفْتَازَانِي في "حاشية الكشَّاف": يعني أنّ هذه الاستعارة تبعية تمثيلًا، أما التَّبعية فلجريانها أولًا في متعلق معنى الحرف وتبعيتها في الحرف، وأما التمثيل فلكون كلٍّ من طرفي التشبيه حالة منتزعة عن (١) عدة أمور؛ لأنَّه شُبِّهت حالهم في اتِّصافهم بالهدى على سبيل التمكن والاستقراء بحال من اعتلى الشيء وركبه، فتكون الصفة بمنْزلة المركوب، انتهى كلام العلامة.
فعارضه الشريف في المجلس وقال: لا يخفى عليك أنّ متعلق معنى الحرف ها هنا - أعني كلمة "على" هذا - هو الاستعلاء، كما أنّ متعلق معنى "من" هو الابتداء، ومتعلق معنى "إلى" هو الانتهاء، ولا يلتبس أيضًا أنّ الاستعلاء من المعاني المفردة كالضرب والقتل ونظائرهما، وكذلك معنى "على" مفرد؛ إذ لا نعني بالمفرد في اصطلاح القوم إلا ما دلَّ عليه بلفظ مفرد، وإن كان ذلك المعنى مركَّبًا في نفسه، بدليل أنّ تشبيه الإنسان بالأسد تشبيه الفرد بمفرد اتفاقًا، وإن كان كلٌّ منهما ذا أجزاء كثيرة.
ولمَّا صرح بأن كلَّ واحد من طرفي التشبيه ها هنا حالة منتزعة من عدة أمور لزمه أن يكون كل واحد منهما مركبًا، وحينئذ لا يكون معنى الاستعلاء مشبهًا به أصالة، ولا معنى "على" مشبهًا به تبعًا في هذا التشبيه المركب الطرفين؛ لأنهما معنيان مفردان، وإذا لم يكن شيء منهما مشبهًا به أصالة (ولا معنى) (٢) ها هنا، سواء جعل جزءًا من المشبه به أو خارجًا عنه لم يكن شيء منهما مستعارًا منه، فكيف يسري (٣) التشبيه والاستعارة من أحدهما إلى الآخر.
стр. 1739
والحاصل أنَّ كون "على" الاستعارة تبعية يستلزم أن يكون متعلق معناها - أعني الاستعلاء - مشبهًا به ومستعارًا منه أصالة، (وأن يكون معناها مشبهًا به ومستعارًا منه) (١) تبعًا، وكون أن يكون كلُّ واحد من طَرفي التَّشبيه ها هنا مركبًا يستلزم أن لا يكون معنى "على" ولا متعلق معناها مشبَّهًا به ولا مستعارًا منه لا تبعًا ولا أصالة، وتنافي اللازمين ملزوم بتنافي الملزومين، فإذا جعلت الاستعارة تبعية في "على" لم تكن تمثيلية مركبة الطرفين قطعًا.
وبعد السيِّد الشريف في الاعتراض ولم يمل، أوجز المولى العلامة التَّفْتَازَانِي ولم يخل، وقال: إنّ انتزاع كل واحد من طرفي التشبيه عن أمور متعددة لا يستلزم تركبًا في شيء من الطرفين بل في مأخذه، فقابله السيِّد الشريف في صحة هذا الأصل اللطيف وركب المجادلة والمكابرة، وامتد المباحثة والمناظرة.
فقال: كلامكم هذا ظاهر البطلان، فإنّ المشبه مثلًا إذا انتزع من عدة أمور فلا يصح أن ينْزع بتمامه من كل واحد من تلك العدة؛ لأنّه إذا انتزع بتمامه من واحد منها فقد حصل المقصود الذي هو الشبه فلا معنى لانتزاعه من واحد آخر مرة أخرى، بل يجب على ذلك التقدير أن يكون جزءًا من المشبه مأخوذًا من بعض تلك الأمور، وجزء آخر من بعض آخر فيلزم تركبه قطعًا، ولأنهم قد أطبقوا على أنّ وجه الشبه في التخييل لا يكون إلا مركَّبًا، وليس هناك ما يوجب تركُّبه سوى كونه منتزعًا من عدة أمور، فإنهم عرَّفوا التمثيل بما وجهه منتزع من متعدد، فإذا كان انتزاع وجه الشبه من أمور متعددة مستلزمًا لتركبه كان انتزاع كلٍّ من طرفي التشبيه منها مستلزمًا لتركبهما؛ لأنّ المقتضي للتركيب هو الانتزاع من أمور عدة، وخصوصية كون المنْزوع وجه شبه أو مشابه أو مشبهًا ملغاة في ذلك الاقتضاء جزمًا.
стр. 1740
وإنكم قلتم في "شرح التلخيص" في رد من جوَّز أن يكون قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] من تشبيه المفرد (١) بالمفرد: ومنهم من قال: هذا التشبيه ليس تشبيهًا مفردًا ولا مركَّبًا، وإنّما يكون كذلك لو كان تشبيه أشياء بأشياء، وليس كذلك بل هو تشبيه شيء واحد هو حال المنافقين بشيء هو حال المستوقد نار، (وإنما يكون كذلك لو كان تشبيه) (٢) أقول لا معنى للتشبيه المركب إلا أن ينتزع كيفية من أمور متعددة، فيشبه بكيفية أخرى كذلك، فيقع في كلٍّ من الطرفين عدة أمور، فربما يكون التشبيه فيما بينهما ظاهرًا لكن لا يلتفت إليه، بل إلى الهيئة الحاصلة من المجموع كما مرَّ في قوله:
وكأن أجرام النُّجوم لوامعًا … درر نثرْنَ على بساط أزرق
وهذا كلامك مصرِّح بأن كلَّ واحد من طرفي التشبيه إذا كان حالة منتزعة من أشياء متعددة كان مركَّبًا، وبأن التشبيه المركب لا يكون طرفاه إلا منزوعين من أمور عدة، فلا فرق إذن في وجوب التركيب بأن يقال: هذا تشبيه مركَّب بمركَّب، وبين أن يقال: هذا تشبيه منتزع من عدة أمور بمنتزع آخر من أمور أخرى، فمنع هذا المعنى في هذا المقام مكابرة وتلبيس (٣)؛ خوفًا من شناعة الإلزام، ولعلك تشتهي الآن زيادة تحقيق وتوضيح في البيان.
فنقول: إنَّ قوله تعالى: ﴿عَلَى هُدًى﴾ [البقرة: ٥] يحتمل وجوهًا:
أحدها: أن يشبه الهدى بالمركب الموصل إلى المقصِد، فيثبت له بعض لوازمه وهو الاستعلاء على طريقة الاستعارة بالكناية.
стр. 1741
وثانيها: أن يشبه تمسك المتقين بالهدى باعتلاء الراكب في التمكن والاستقرار، وحينئذ تكون كلمة "على" استعارة تبعية.
وثالثها: أن يشبه هيئة مركبة من المتقي والهدى وتمسكه به ثابتًا مستو عليه بهيئة مركبة من الراكب والمركوب واعتلائه عليه متمكنًا منه، وعلى هذا ينبغي أن يذكر جميع الألفاظ الدالة على الهيئة الثانية يراد بها الهيئة الأولى.
فيكون مجموع تلك الألفاظ استعارة تمثيلية كل واحد من طرفيها منتزع من أمور متعددة، فلا يكون حينئذ (١) في شيء من مفردات تلك الألفاظ تصرف بحسب هذه الاستعارة، بل هي على حالها قبل الاستعارة، فلا تكون حينئذ استعارة تبعية في كلمة "على" (كما ظننت) (٢)، كما لا استعارة تبعية في الفعل في قولك: تقدم رِجلًا وتؤخر أخرى، إلا أنه اقتصر في الذكر من تلك الألفاظ على كلمة "على" لأنّ الاعتلاء هو العمدة في تلك الهيئة، إذ بعد (ملاحظته يقرب الذهن إلى) (٣) ملاحظة الهيئة واعتبارها، فجعل كلمة "على" بمعونة قرائن الأحوال قرينة دالة على أنّ الألفاظ الأخر الدالة على سائر أجزاء تلك الهيئة مقدرة في الإرادة قد دلَّ بها على سائر الأجزاء قصدًا، كما قصد الاعتلاء بكلمة "على".
ولا مساغ لأن يقال: استعيرت كلمة "على" وحدها من الهيئة الثانية للهيئة الأولى، وذلك لأنّ الهيئة الثانية ليست معنى "على" ولا متعلق معناها الذي سرى (٤) الاستعارة منه إلى معناها، والهيئة ليست مفهومة ها هنا وحدها، فكيف تستعار هي من الثانية الأولى، إلى هنا كلام الشريف.
стр. 1742
ثم لما تخيل الاعتراض من جانب المولى التَّفْتَازَانِي تسارع الشَّريف إلى الجواب فقال: فإن قلت: لما كان معنى الاعتلاء مستلزمًا لفهم المعتلي والمعتلى عليه كانت كلمة "على" دالة على مجموع الهيئة، فلا حاجة إلى تقدير ألفاظ أخر، قلت: فهم المعتلي والمعتلى عليه من الاعتلاء إنّما يكون تبعًا لا قصدًا، وذلك لا يكفي في اعتبار الهيئة، بل لا بد أن يكون كل واحد منهما ملحوظًا قصدًا كالاعتلاء، ليعتبر هيئة مركبة منهما، وهما من حيث إنهما يلاحظان قصدًا مدلولا لفظين آخرين، فلا بد أن يكونا مقدَّرين في الإرادة.
وأما تقديرهما في نظم الكلام فذلك (١) غير واجب، بل ربما كان تقديرهما موجِبًا لتغيير نظمه، ويجوز كون الألفاظ مرادًا معنويًّا وإن لم يكن مقدرًا في كتب الكلام، وتمييز الوجه الثاني - أعني أن تكون الاستعارة تبعية عن الوجه الثالث، أعني أن تكون الاستعارة تمثيلية - مبني على تدقيق النظر في أحوال المعاني المقصودة بالألفاظ المقدرة، وغاية (٢) ما تقتضيه قواعد البيان، فمن ثمة زلَّت فيه أقدام الأقوام فضلُّوا وأضلُّوا.
ثم قال التَّفْتَازَانِي: فعلى أي (٣) هذه الوجوه يحمل كلام العلَّامة؟
فقال الشريف الجُرْجَاني (٤): على الوجه الثاني؛ فإنّه جعل المشبه اعتلاء الراكب، ويعلم من ذلك أنّ المشبه هو التمسك بالهدى، وأن وجه الشبه هو التمكن والاستقرار، وأما قوله فمعناه: تمثيل؛ أي: تصوير، فإنّ المقصود من الاستعارة تصوير المشبه
стр. 1743
بصورة المشبه به، بل تصوير وصف المشبه به، مثلًا إذا قلت: "رأيتُ أسدًا يرمي" فقد صوَّرت الشجاع في صورة الأسد، بل صوَّرت شجاعته (أي بصورة جرأته) (١)، ولما كان المقصود الأعلى تصوير ما في المشبه من وجه الشبه قدَّم التمكن والاستقرار على التَّمسك الذي هو المشبه، وإنّما قال: ومعنى الاستعلاء تنبيهًا على أنّ استعارة اللفظ تابعة لاستعارة المعنى، فتكون معتدة للمبالغة.
ثم قال الشريف: فإن قلت: قد تبين لنا بما قرَّرت أنّ الصواب هو أحد طرفي التشبيه التمثيلي مركب معنى ولفظًا كما صرح به في "الإيضاح" - ويشهد به في "المفتاح"، وتبين أيضًا أن الاستعارة التبعية في كلمة "على" لا تجامع التمثيلية أصلًا، فما حال التبعية في سائر الحروف والأفعال والأسماء (المتصلة بها) (٢)، قلت: هي لا تجامع التمثيلية في شيء منها، وذلك لأنّ معاني الحروف كلها مفردات لكونها مدلولة الألفاظ مفردة، وكذا متعلقات معانيها من حيث إنها مفهومة من تلك الحروف ومعاني الأفعال ومصادرها والأسماء المشتقة (٣) منها كلها مفردات أيضًا لما ذكرنا، وليس شيء (٤) من هذه المعاني هيئة مركبة ولا حالة منتزعة من عدة أمور، فلا تقع لشيء منها مشابهة أصالة ولا تبعًا في الاستعارة التمثيلية.
فقال العلامة التَّفْتَازَانِي: لا يقال: الاستعارة التبعية الحرفية لا تكون تمثيلية؛ لأنها تستلزم كون كلٍّ من الطرفين مركبًا، ومتعلق معنى الحرف لا يكون إلا مفردًا؛ لأنَّا نقول: كلتا المقدِّمَتين في حيِّز المنع، فإنّ مبنى التمثيل على تشبيه الحالة بالحالة،
стр. 1744
بل وصف صورة منتزعة من عدة أمور بوصف صورة أخرى، وهذا لا يوجب إلا اعتبار التعدد في المأخذ لا فيه نفسه، فلا ينافي كونها متعلق معنى الحرف.
فقابله السيِّد الشريف، وقال: وأنت بعد ما خبرتك بتحقيق ما سلف في وجوب أفراد متعلقات معاني الحروف ووجوب تركب ما ينزع من أمور متعددة تعلم سقوط هذين المنعين معًا سقوطًا لا مزيَّة فيه ولا خفاء، ومع هذا عبارتك هذه مختلَّة أيضًا، فإنّ لفظ الوصف في الموضعين مستدرك، بل الصواب أن يقال: بل صورة منتزعة من عدة أمور بصورة أخرى، فإنّ المشبَّه مثلًا هو الصورة المنتزعة لا وصفها.
وعلى هذا جرى القيل والقال، وانتهى البحث والخصام والجدال، فرجَّح الحكَم النُّعمان كلامَ الشريف على سعد الزمان، فعند الامتحان يُكرَم الرَّجل أو يثهان، وهكذا سمعته من أصحاب المقال، وأخذته من أفواه الرجال، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
ثم إنّ جامع (هذه الكتائب) (١) وضابط هذه الغرائب راجي رحمة الرَّحمن محمود بن سليمان يقول: وإني مع حسن ظني ويقيني بأن ما حقَّقه السيِّد الشريف في هذا المبحث اللطيف حقيق بأن يضمحل الشبه ويسكت عنده المنطيق المفوّه (٢) كنت زمان قراءتي هذا المحل وأثناء اشتغالي في علم البيان، بل كلما طالعت وتأملت في كلامَي هذين المحققين بإذعان وإتقان، زعمًا مني كأني أخذت ما عندهما في هذا المحل وأحطت (٣) بما لديهما خبرًا، أجد الفهم العليل والطبع الكليل إلى عكس تحقيق الشريف يميل، فكنت ألوم نفسي على هذا، وكانت تقول كلما ألومها: لعلك
стр. 1745
إذا تأمَّلْتَ فيها تجد فيما (١) تميله وجهًا وجيهًا، فإنّ استلزام كون المعتلي والمعتلى عليه ملحوظًا قصدًا كون اللفظين الدالين عليهما مقدرة في الإرادة ليس بثابت قطعًا؛ لجواز أن يكونا مستفادين من القرائن الخارجية، ثم أراك بعد تسليم هذا تقدم رِجلًا وتؤخِّر أخرى في أنّ مجرد التقدير في الإرادة هل يقتضي تركيب الهيئة المنتزعة، وإنّما يقتضي إذا كانا مقدَّرين في نظم الكلام، وذا ممنوع لإيجابه تغيير النظم في كلام الله العزيز العلَّام.
فبينما أنا في هذا القيل والقال، ومؤاخذات الطرفين وتعارض الأقوال، كالمرء الغريق، في البحر العميق، وأتَشَبَّثُ بكل ما خطر، وأذكر هذا القول وأتكرر:
ورد الخدود ومسك صدغ فاحم … يا ربُّ أيُّهما الذي يتضوَّع
سهم اللِّحاظ ورمح قد خاطر … يا قلبُ أيُّهما الذي لك يقطَّع
والقلبُ قال إن أتيت دلائلا … فمعارض الإجماع أنَّى يسمع
جاء أستاذنا المولى الفاضل والعالم النِّحرير الكامل، جامع الفروع والأصول، ضابط المعقول والمنقول، فريد العصر، وحيد الدهر، أعلم علماء ما وراء النَّهر، حافظ المِلَّة والدِّين، قِبْلة الطلبة والمستفيدين، سلطان محمَّد بن مولانا كمال الدِّين الشَّاشي (٢) الفركندي، الشهير بخواجه حافظ كهكي تاشكندي، وأنا اليوم ساكن بقسطنطينية المحمية، منفصلًا عن قضاء كَفَه، في جمادى الآخر سنة ثمانين وتسعمئة، فجاء المولى المزبور (٣) بعد ما أنجح الله تعالى مآربه السنية، ويسر له بالسعادة مطالبة
стр. 1746
البهية، من طواف بيت الله العتيق وزيارة روضة نبيه المصطفى ﷺ ، ينجشم أهوال تلك الشقَّة الصعبة على كثرة عوائق الدَّهر ومخافة الطَّريق، فنزل في موضع بمحلة الجامع آية صوفية تجاه باب السلطنة العليَّة كعابر سبيل، ولقد كنت سمعت صيته من الوافدين مرارًا وصحبت أصحابه كرارًا، فلما استسعدت بزيارة حضرته (١) واغتنمت مشاهدة غرته، وجدت فضله أضعاف أضعاف صيته في البلدان:
وكم صيْت قومٍ ضائع بعَيان
كان يتكلم من العلوم الشرعية والعقلية، مع تحقيق وتدقيق من عنده بلا مراجعة كتاب، وكان يطالع من حفظه كلما أراد من الفنون ولم يكن عنده كتاب، وقد اشتغل ببلاده اشتغالًا عظيمًا، واشتهر ومهر وبلغ الغاية في الكمال، وكان من مفردات الدنيا، وسيجيء ذكره تفصيلًا في الكتيبة الآخرة إن شاء الله تعالى، فألف رسالة في هذا الأوان أهداها (٢) إلى حضرة وزير صاحب الزَّمان، متعلقة بالتفسير والأصول والفروع والكلام والمنطق.
ثم كتب تفسيرًا على (سورة الأنعام) أهداها (٣) إلى حضرة غياث الإسلام السُّلطان سليم خان بن السُّلطان الغازي سليمان خان عليهما الرحمة والرضوان، فتقبَّلها بقَبول حسن وقبلها بتعظيم وخرَّ على الذقن، فأرسل إليه الصِّلات المستحسنة، وضم إليها ثلاثمئة حسنة، وكان له قرابة لفارس ميدان البلاغة وإمام أهل الزمان في الفصاحة:
شيخ الإسلام أبو السعود العمادي … واحد العصر في القرى والبلاد
نال بالمكرمات إرثًا وكسبًا … قد علا بالجدود والأجداد
стр. 1747
سوَّد أقلامه إذا هو أفتى … بصرت أعين النهى بالسواد
نظمه الرائق (١) الدقيق المعاني … كاشف قسوة القلوب الشداد
سبق الأقدمين في البلاغة كلًّا … وأقروا بفضله كل نادي
صادف الشرع منه أعلا جَلال … ورأى الدِّين منه أقوى عِماد
كان علامة الورى في تفسير … الكتاب المبين وفق المراد
قلْ لمن يطلب الشواهد فيه … انظروا في تفسيره الإرشاد
وجهة القرابة أنه كان المولى (الحافظ التاشكندي على ما سمعته عنه ابن ابن أخ المولى) (٢) علي بن محمَّد القوشجي وشيخ الإسلام، كان ابن بنت عقيل أخي المولى علي بن محمَّد القوشجي، ثم إنّ شيخ الإسلام صنع طعامًا بعدما أرسل إليه معي من الهدايا اللطيفة والتحف الشريفة، ودعا المولى المزبور إلى بيته للضيافة، فأمرني وأرسلني إلى جنابه العالي، وأوصاني أن أحضره إلى مجلسه السامي.
والمجلس مجلس خاص ما فيه غير الخواص، فحين قدم الحافظ استقبله المولى وأكرمه غاية الإكرام، وأحله المحلَّ الأعلى، وقدَّمه على أيمن اليمنى، وكان جالس يساره فخر أرباب الفضل واليقين المولى الفاضل عبد الله حفيد الشَّيخ العارف بن بهاء الدِّين، وكنت سادس هذا النادي وحبذا ذاك النادي العالي:
أهلًا بهذا المنزل (٣) المجلال … مثوى العُلى ومدرس الإقبال
أخلاق طالعة كحسن طعامة … بين البرية يضرب الأمثال
стр. 1748
فكان يتحادثان في وقائع الزمان وحوادث الدوران، وكان المولى الحافظ طارحًا للتكاليف العادية، لذيذ الصحبة، حسن المحاورة، لطيف النادرة، فأكثر في الكلام حتى لم يقطع في خلال الطعام، فقال شيخ الإسلام وهو يتبسم: من كرامات الطعام أن لا يتكلم عليه، فألطف المولى حافظ في الجواب، ووجه الحديث وأحسن في الخطاب: هذه قضية وليست بكليَّة فإنّ بعض الأمور قد تكون مستثناه بالعقل كما في النصوص القطعية، وهذه (١) الأطعمة لا تحصى في سماطكم هذا فإذا راعينا هذا المعنى فيها يلزم أن لا نتكلَّم (٢) قطعًا (٣).
فاسفرَّ وجه شيخ الإسلام فكأنه استحسن هذا الكلام، ثم انساق عنه الخطاب وانقاد أزمة الجواب في تقلب الأمور إلى تغلُّب تيمور، فذكر بحث السيِّد الشريف في مجلسه وتقدمه على العلامة التَّفْتَازَانِي، فتوجه المولى حافظ الدِّين إلى المولى عبد الله حفيد المولى بهاء الدِّين فقال: إنّ حضرة المخدوم مولانا الأستاذ أي جانب يرجِّح في "تفسير الإرشاد"؟
فقال المولى عبد الله: إنّ رأيه الشريف في جانب السيِّد الشريف.
فقال المولى التاشكندي: وإني أظن الحق في جانب التَّفْتَازَانِي في جواز اجتماع الاستعارة التبعية مع الاستعارة التمثيلية، وإني حققته في حواش على "شرح المطوَّل" على ما هو ظني قد صرح بجواز اجتماعهما الفاضل اليمني.
وأشار إليه القاضي البيضاوي في مواضع عديدة، وحكم به الفاضل المحشي صاحب "الدرر الفريدة والغرر النضيدة"، فلما أحس منه شيخ الإسلام إنكار ما حققه
стр. 1749
في "الإرشاد" في هذا المقام، وكان له أدنى صمم قد عرض له من الهرم خاطب المولى عبد الله البهائي، فقال: ما يقول المولى الحافظ ابن الخال، ولعله غفل في هذا المحل عن حقيقة الحال، وتحقيق المقال، ثم خاض في تحقيق المقام، فقال: إنَّ الحق بلا جدال ولا خصام في جانب الشريف الجُرْجَاني، وأخطأ المولى العلامة التَّفْتَازَانِي فيما جوز اجتماع الاستعارة التبعية مع الاستعارة التمثيلية، فالصواب عدم الاجتماع بلا مريَّة ولا نزاع.
فصورة المعنى في ﴿عَلَى هُدًى﴾ إما على طريقة الاستعارة التبعية بأن يشبه تمسك المتقين بالهدى باعتلاء الراكب واستوائه على مركوبه، ثم يستعار له كلمة "على"، (فحينئذ تكون) (١) كلمة "على" استعارة تبعية، ومتعلق معنى "على" أعني الاستعلاء (٢) يكون مستعارًا منه أصالة، وأما على طريقة التمثيل بأن يشبه الهيئة المنتزعة من التقى والهدى وتمسكه به ثانيًا (٣) مستو عليه بهيئة منتزعة من الراكب والمركوب واعتلائه عليه، ثم يستعار لها ما يدل على الهيئة المشبه بها، فيكون كل طرفي التشبيه مركبًا من أمور عدة قد اقتصر من جانب المشبه به على ما عليه يدور الأمر في تصوير تلك الهيئة وانتزاعها وهو الاعتلاء، فاقتصر في الذِّكر على ما يدل عليه وهو كلمة "على"؛ لأنّ الاعتلاء هو العمدة في تلك الهيئة؛ إذ عند ملاحظته يلاحظ المعتلي والمعتلى عليه والهيئة والباقي منوي مراد قصدًا بألفاظ متخيلة بها لتحقق التركيب، فالاستعارة التبعية لا تجامع الاستعارة التخييلية؛ لأنّ مبنى الأول تشبيه المفرد بالمفرد، ومبنى الثاني تشبيه المركب بالمركب.
стр. 1750
فلما انتهت ألفاظه المهذَّبة البهيَّة وعباراته المستعذبة الشهية، قال الحافظ التاشكندي: أدام الله تعالى بقاءكم، ولا حرمنا لقاءكم، إنكم قلتم: إنّ الهيئة المنتزعة من أمور عدة تكون مركبة، فما تقولون في الحيوان الذي هو جزء الإنسان، فإنّه منتزع من أمور متعددة، وهي جسم نامٍ حساس متحرك بالإرادة، ومع هذا مفرد بلا خفاء، فلتكن الهيئة المنتزعة من الأمور المتعددة كذا.
فقال الشَّيخ: هذا بحث فلسفي لا يناسب المقام؛ لأنَّ أهل المنطق يترددون بين الحدود والقضايا، وأرباب البلاغة يخوضون في الخواص والمزايا ليعاينوا دلائل أعجاز الفرقان القديم، ويشاهدون شواهد فضل الكتاب الكريم حسبما يستدعيه جزالة النظم الجليل، ويقتضيه في الإيحاء (١) والتنزيل، ولعمري إنها لعزيزة (٢) عسيرة الوصول بين (يدي مصاف) (٣)، فحولها طويلة الذيول، فأين الحضيض من الذرى؟! وشتَّان بين الثريا والثرى، وهيهات اصطياد العنقى بالشباك، واقتياد الجوزي من بروج الأفلاك، (وفي معنى) (٤):
نهرُ البلاغةِ جارٍ فوقَ مقياسِ … إن كنْتَ تنكرُ ذا فاسأل عن النَّاس
فلمَّا أُنجِز البحث في هذا المقام إلى أن شجر بينهما النزاع والخصام بِلِمَ ولا في المنع والإلزام والإفحام، وكان وقت صلاة العصر على شرف الفوات ثوَّب المولى الفاضل البهائي فقال: الصلاة، فقاما إلى الصلاة فتفرَّقا بما كان عندهما من فرحات
стр. 1751
وحزنات، ولله دره، وزاد خيره ما أعذب نطقه وأطيب طلقه، حيث كان فيصلًا بين الهِزَبرين وبرزخًا بين البحرين بصائب فكره وحسن تدبيره.
ثم إني ظفرت برسالة سمَّاها "مسالك الخلاص من مهالك الخواص" للمولى الفاضل شمس الدِّين أحمد الشهير بطاشكبري زاده، أفاض الله عليه كل يوم برَّه وزاده، ذكر (١) هذا البحث فيها مشبعًا ورجَّح جانب التَّفْتَازَانِي، واحتار حيث قال: هذا ومما مليت به أذان الكبار والصغار وقرعت به أسماع الساكنين في القرى والأمصار ما وقع بينهما من المناظرة بل المكابرة، في اجتماع التبعية والتمثيلية من أقسام الاستعارة، حتى اشتهر عند الخاص والعام غلبة الشريف على العلامة التَّفْتَازَانِي بالإلزام والإفحام، لكن الحقَّ أنَّ الحقَّ مما ظل فيه التَّفْتَازَانِي وبات، إلَّا أنَّ الشريف خلب عقله بالنحويات والمغالطات، وصادف وقتئذ حكمًا يروِّج زيفه ويقوم أوده ويقوي ضعفه، وإنّما الذي فيه غاية العجب أنَّ الحق ها هنا عن كل ناظر يحجب، حتى استمرت في كل عصر هذه الطامَّة وشاعت بين الخاصة والعامة، ولم ينافح أحد إلى الآن عن جانب العلامة التَّفْتَازَانِي، وتقاعد عنها الخواطر طيف الخيال بل العزائم والأماني.
وها أنا بحمد الله وبمنِّه (٢) وبفضله وعونه نقدت (٣) الحقَّ ها هنا عن الباطل، وميَّزت بين المتقلد والعاطل، تاركًا للعصبية والعناد، وسالكًا سبيل الحقِّ والرَّشاد، ونسجت على منوال الأيام حلَّة تبقى على وجه كل زمان، ولا يبليها مرور الأوقات وكرور الأحيان، ونسخت على صحائف الزَّمان أسطرًا لا يمحوها تجدد الأعصار، ووضعت في إكليل الدَّهر درَّة يتساوى بنورها الليل والنهار.
стр. 1752
ولعلك إذا وقفت على ما منَّ الله عليَّ في هذا المطلب الكريم، ومصادفتي مسلك الخواص في هذا الخطب تتيقن أنَّ الفيوض الإلهية ليست على أقوام دون أقوام، وأن العلم لم (١) يدفن مع الذين خلوا في سوالف الأيام، وتترقى عن طبقة طائفة يعرفون الحقَّ بالرجال، والرجال بتقادم المدد والآجال، ونشير على تلك في تلك بتسمية هذه الرسالة بـ "مسالك الخواص"، ولما كانت الرسالة متضمنة لمباحث هي معترك كتائب العلماء ومصطدم خميس أخامس الفضلاء رتَّبتها على خمس مباحث: المقدمة، والميمنة، والميسرة، والقلب، والساقة.
ثم إنِّي رأيت حكاية ذكرها المولى المذكور طاشكبري زاده في "الشقائق النعمانية" في ذكر علماء دولة السُّلطان محمَّد، وهي أنّ المولى الفاضل علاء الدِّين علي بن محمَّد القوشجي لما قدم أول قدومه إلى قسطنطينية استقبله علماء المدينة، وكان المولى خواجه زاده إذ ذاك قاضيًا بها، فلما ركبوا ذكر المولى علي القوشجي ذكر مباحثة السيِّد الشريف مع العلامة التَّفْتَازَانِي عند الأمير تيمور ورجَّح جانب العلامة التَّفْتَازَانِي.
قال المولى خواجه زاده: وإني أظنُّ الأمر كذلك إلا أني حققت الأمر (٢) المذكور، وظهر أنّ الحق في جانب السيِّد الشريف، وكتبت عند ذلك في حاشية كتابي، فأمر لبعض خدامه بإحضار ذلك الكتاب، فأحضر الكتاب عند خروجه من السفينة، فطالع علي القوشجي تلك الحاشية، فلما لقي المولى المذكور السُّلطان محمَّد خان قال لخواجه زاده: لا نظير له في العجم، قال له السُّلطان محمَّد: ولا نظير له في العرب أيضًا.
стр. 1753
وأيضًا قد نافح عن جانب التَّفْتَازَانِي المولى الفاضل العلامة محمَّد بن فرامُرز الشهير بالمولى خُسْرَو، وحققه في حواشي "شرح التلخيص المطول"، وأحال تمام التحقيق ونهاية الإتقان في حواشيه التي علقها على "تفسير القاضي بيضاوي" (١).
وقال في آخر تبيانه وتحقيقه فيها: والحاصل أنّ التعدد في الجملة معتبر في طرف التمثيلية، إلا أنّ الدال عليه هل يجب أن يكون ألفاظًا بعضها محقق وبعضها مخيل يُنوى في الإرادة بلا ذِكْر ولا تقدير، إذ تقديره يوجب تغيير النظم، ومع ذلك يسمَّى مركبًا أم يكفي أن يكون لفظًا مفردًا يعتبر في مدلوله التعدد ولو بحسب القرينة الخارجية؟
والحق هو الثاني دون الأول؛ لأنَّ الأول مع كونه مخالفًا لكلام الأئمَّة مخالف لاصطلاح العربية فإن أقلَّ مرتبة التركيب عندهم إمكان اجتماع الأجزاء، يشهد به تتبع كتبهم والاستقراء، وإذا تأملت فيما حرَّرناه حقَّ التأمُّل، وتحملت ما قرَّرنا لك حق التحمُّل فقد عثرت على الأبلج، واضمحل عن خلدك خلجان التخيل الكجلج.
وإن أردت أن يطمئن قلبك زيادة اطمئنان، بحيث تندفع الشبه والأوهام، ويزيدك عرفانًا، فارجع البصر إلى "حواشي المطول" في المكان، فتشاهد آثار الفيض من الفيَّاض المنَّان، الحمد لله على التوفيق، وبه العون إلى سواء الطريق:
هنا بالزُّلال العَذْب قد ملئ الطَّشْت … ففزت بما أهوى وتم إلى الدَّسْت
جئنا إلى ما نحن فيه:
ومن تلاميذه المولى الفاضل الكامل فخر الدِّين العَجَمي المفتي في دولة
стр. 1754
السُّلطان مراد خان بن أورخان بن عثمان، والمولى العالم الفاضل السيِّد علي العجمي، والمولى العالم الفاضل فتح الله الشَّرْواني.
ولد السيِّد الشريف قدس سره في بلدة جرجان من ولاية إستراباذ سنة أربعين وسبعمئة، ومات ببلدة شيراز، ودفن بها يوم الأربعاء، السادس من ربيع الأول، سنة ست عشرة، وثمانمئة، وهو ابن ستة وسبعين سنة.
وفي "الشقائق النعمانية": يروى أنّ المولى الفاضل موسى باشا بن محمود القاضي الشهير بقاضي زاده رومي قرأ على السيِّد الشريف ولم تحصل الموافقة بينهما فترك درسه، وقال السيِّد الشريف في حقِّه: غلب على طبعه الرياضيات، وقال هو في حقِّه: هو لا يقدر على (١) الإفادة في العلوم الرياضية.
* * *
[٦٦٩ - شمس الدِّين الفَنَاري (٢)]
المولى الفاضل، الأستاذ على الإطلاق، والعالم الكامل، المشار إليه بلا شقاق، شمس الأئمَّة الأعلام، وبدر الأجلَّة، شيخ الإسلام، ذو الباع الواسع، واللسان الجاري، مولانا شمس الدِّين محمَّد بن حمزة بن محمَّد الفَنَاري، عليه رحمة الغفار الباري.
إمام كبير، علامة نحرير، عظيم القدر، جليل المحل، جامع بين العلم والعمل، أوحد أوانه في العلوم النقلية أصولًا وفروعًا، وأغلب أقرانه في الفنون العقلية، وكان بجميعها جموعًا، شيخ دهره في العلم والأدب، ومجتهد عصره في الخلاف
стр. 1755
والمذهب، وكان كثير المشاركة في الفنون الأدبية والعربية، وله اطِّلاع على كلِّ العلوم الغريبة من الإلهي والرياضي وأنواع الحِكَمية.
وهو أفضل الرؤساء الذين انفرد كلٌّ منهم بفضلٍ فاق فيه أقرانه على رأس القرن الثامن، وهم:
الشَّيخ سراج الدِّين ابن الملقِّن في كثرة التصانيف في الفقه والحديث.
والشَّيخ مجد الدِّين الشِّيْرَازِي صاحب "القاموس في اللغة".
والشَّيخ زين الدِّين العراقي في علوم الحديث.
والشَّيخ شمس الدِّين الفَنَاري في الاطلاع على كلِّ العلوم العقلية والنقلية والعربية.
جمع علمي الشَّريعة والحقيقة، وشرح أحسن الشروح في (١) أصول الطريقة.
وأخذ علم التصوف من والده المولى العارف بالله مولانا حمزة بن محمَّد، وكان من تلامذة الشَّيخ صدر الدِّين القُونَوي، وقرأ عليه تصانيفه "مفتاح الغيب"، وأقرأه على ولده المولى الفَنَاري، ثم إنّ المولى المذكور شرحه شرحًا وافيًا، وضمَّنه من معارف الصوفيَّة ما لم تسمعه الآذان، وتقصر عن فهمه الأذهان
ولد ﵀ في صفر سنة إحدى وخمسين وسبعمئة.
وأخذ عن العلامة علاء الدِّين الأسود شارح "المغني" و"الوقاية"، وأخذ عن المولى جمال الدِّين محمَّد بن محمَّد بن محمَّد الآقسرايي، ثم رحل إلى مصر، وكان السيِّد الشريف رفيقه، فاشتغلا في مصر، وأخذا عن الشَّيخ أكمل الدِّين، عن قوام الدِّين الكاكي، عن حسام الدِّين السِّغْنَاقِي، عن حافظ الدِّين الكبير البُخاري،