← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

جميع الناس كانوا يستفتون في الحوادث ويرجعون إلى أبي موسى الأشعري، وحذيفة اليماني بالعراق. وفي "المعارف" ذكر ابن قتيبة: روى أشعث عن الحسن أنّه قال: كان حذيفة رجلًا من عبس، وهو أبو قبيلة من اليمن، فخيَّره رسول الله ﷺ فقال: "إنْ شئْتَ كنْتَ من المهاجرين، وإن شئْتَ كنْتَ من الأنصار"، (فقال: من الأنصار) (١)، فقال "فأنت منهم" (٢). هلك حذيفة بالكوفة بعد قتل عُثمان وأوّل خلافة علي ﵃] (٣). وفي "ثمرات الأوراق" لابن حِجَّة الحَمَوي الحنفي قال: ومن لطائف ما نقله القُرْطبي في الأعلام: أنَّ الأنصار الذين نصروا النبيَّ ﷺ كانوا من أولاد العلماء الذين كانوا مع تُبَّع الأوَّل فيما ذكر ابن إسحاق، وكان تُبَّع من الخمسة الذين كانت لهم الدنيا بأسرها، وكان كثير الوزراء، فاختار منهم واحدًا وأخرجه معه لينظر في ملكه. وكان إذا دخل بلدة اختار من حكمائها عشرة رجال، وكان معه من العلماء والحكماء مئة ألف رجل هم الذين اختارهم من البلدان، وهذا القدر (ليس محسوبا من الجيش) (٤)، فلما انتهى إلى مكة لم تخضع له أهل مكة كخضوع أهل سائر البلاد، ولم تعظِّمه، فغضب لذلك، ودعا وزيره، وكان اسمه عماريا، فقال له: كيف شاهدت هذه البلدة، فإنهم لم يهابوني ولم يخشوا عسكري؟

стр. 212

فنزل بعسكره ببطحاء مكة، وعزم على هدم البيت وقتل الرِّجال وسبيهم، فأخذه الصُّداع (١)، وتفجّر من عينيه (وأذنيه، وفمه) (٢) ماء نتن، فلم يصبر أحد عنده ساعة واحدة من (نتن الريح) (٣)، وقال لوزيره: اجمع العلماء والحكماء والأطباء، فلم يقدروا على الجلوس عنده، وعجزوا من مداواته، وقالوا: نحن نقدر على مداواة ما يعرض من أمور (٤) الأرض، وهذه من السماء، فلا نستطيع له. ثم اشتدّ أمره وتفرَّق النَّاس عنه، ولم يزل أمره في شدَّة، فلما أقبل الليل جاء أحد العلماء إليه وخلا (بمجلس الملك) (٥)، فقال له (٦): أيها الملك أنت نويت لهذا البيت سوءًا؟ قال: نعم، نويْتُ خرابه، وقتل رجاله، فقال له العالم: هذه النيَّة أحدثت لك هذا الدَّاء، وربُّ هذا البيت قادر يعلم الأسرار، فبادر وأخرج من قلبك ما نويْتَ، قال الملك: قد أخرجْتُ ذلك من قلبي ونويْتُ لهذا البيت ولأهله كلَّ خير، فلم يخرج العالم من عنده إلا وقد عافاه الله تعالى من علَّته، فآمن بالله من ساعته، وخلع على الكعبة سبعة أثواب، وهو أوَّل من كسا البيت. ثم خرج إلى يثرب، وهي يومئذ بقعة فيها عين ماء ليس فيها بيت، فنزل على رأس العين هو وعسكره وجميع العلماء الذين كانوا (٧) معه، ومعهم رئيسهم عماريا

стр. 213

الذي يرى الملك برأيه، ثم (١) إنَّ العلماء والحكماء (٢) خرجوا من بينهم أربعمئة وهم أعلمهم، وبايع كلٌّ منهم صاحبه أن لا يخرجوا من ذلك المقام وإنْ قتلهم، فلما علم الملك بما عزموا عليه قال للوزير: ما شأنهم يمتنعون من الخروج معي؟ قالوا: إنَّ ذاك البيت وهذه البقعة تشرفان برجل يُبْعَث في آخر الزَّمان اسمه محمَّد ووصفوه، ثم قالوا: طوبى لمن أدركه، ونحن على رجاء أن ندركه أو يدركه أولادنا. فتفكَّر الملك، وهمَّ أن يقيم معهم رجاء أن يدرك محمدًا ﷺ ، فلما لم يتيسَّر له المقام، أمر الناس أن يبنوا أربعمئة دار على عدد العلماء والحكماء، وأعطى كل واحد (٣) منهم جارية، فأعتقها وزوَّجه بها، وأعطى كلَّ واحد منهم (٤) مالًا جزيلًا، وأمرهم أن يقيموا في ذلك المقام (٥) إلى أن يجيء زمان النبيّ ﷺ ، ثم كتب كتابًا وختمه بخاتمه (من ذهب) (٦)، ودفعه إلى عالمهم الكبير، وأمره أن يدفع الكتاب إلى محمَّد ﷺ إن أدركه، وإلَّا يوصي أولاده [(بعلم ما) (٧) أوصاه به] (٨)، وكذلك أولاد الأولاد حتى يتَّصل بمحمَّد ﷺ . وكان في الكتاب: إلى محمَّد بن عبد الله نبيِّ الله ورسوله، وخاتم النَّبيين، من تُبَّع الأوَّل حِمْيَر بن وردع؛ أما بعد: فإني آمنت بك وبكتابك الذي أُنزل عليك، وأنا على

стр. 214

دينك وسُنَّتك، وآمنت بربك وبكلِّ ما جاء من ربك من شرائع الإسلام، فإن أدركتُكَ فبها ونعمت، وإلَّا فاشفع لي ولا تنسَني يوم القيامة، فإني من أمَّتك الأولين، وقد بايعتُكَ قبل مجيئِكَ، وأنا على ملَّتك وملَّة إبراهيم أبيك ﵇. ثم ختم الكتاب ونقّش عليه: لله الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ، ودفع الكتاب إلى الرجل العالم الذي أبرأه من علَّته، وسار من يثرب حتى وصل إلى بلاد الهند فمات بها، وكان من اليوم الذي مات فيه تُبَّع إلى اليوم الذي بُعث فيه النبيّ ﷺ ألف سنة (لا تزيد ولا تنقص، وكان الأنصار الذين ينصروا النبيّ ﷺ من أولاد أولئك العلماء الحكماء) (١). * * * ٥١ - سلمان الفارسي ﵁ - (٢) ويكنى أبا عبد الله، قيل: من أهل أصفهان، وقيل: إنَّه من فارس. ولم يشهد بدرًا ولا أُحدًا إلَّا أنَّه كان في أوقاتها عبدًا، وأوَّل غزوة غزاها الخندق، سنة خمس من الهجرة، وعمّر عمرًا طويلًا، اشتراه النبيّ ﷺ بعد ما قدم المدينة فأعتقه. [ومات] في أول خلافة عُثمان ﵄ بالمدائن (٣). وكان معدودًا من متوسطي أهل الفُتيا (وهم ثلاثة عشر، كما تقدم في باب السُّلطان.

стр. 215

ذكر ابن الملَك في "شرح المشارق" في حديث: "من اغتسل يوم الجمعة وتطهّر بما استطاع من طهر، ثم ادَّهن أو مسَّ من طيب، ثم راح فلم يفرِّق بين اثنين، فصلى ما كُتِبَ له، ثم إذا خرج الإمام أنصت؛ غفر له ما تقدَّم بينه وبين الجمعة الأخرى" (١)، رواه البُخاري عن سلمان الفارسي) (٢). ما رواه عن النبيّ ﷺ ستون حديثًا، أخرج البُخاري منها أربعة، ومسلم ثلاثة. ولقد رتبنا كيفية أعلام الأخيار من أصحاب النبيِّ المختار (٣) ﷺ (وآله الأطهار) (٤)، فالآن نسوق عنان القلم مستعينًا بالله المعين، إلى ترتيب كتيبة أعلام الأخيار من التَّابعين. * * *

стр. 216

كتيبة أعلام الأخيار من التابعين الأبرار اعلم أنَّ التَّابعين رحمة الله عليهم أجمعين منهم الذين أدركوا الجاهلية وحياة النبيِّ ﷺ وأسلموا ولا صحبة لهم، وهم المُخَضْرَمون، واحدهم مُخَضْرَم بفتح الراء، وكأنه خضرم، أي: قطع عمَّن أدرك الصُّحبة، منهم: ٥٢ - أبو عَمْرو سعد بن إياس الشَّيباني (١) قال ابن قتيبة (٢): كان يقول أبو عَمْرو الشيباني: أذكر أنِّي سمعْتُ من رسول الله ﷺ ، وكنْتُ أرعى إبلًا لأهلي بكاظمة. وعاش مئة وعشرين سنة. * * * ٥٣ - سُوَيْدُ بنُ غَفَلَة الكِنْدي (٣) قال ابن قتيبة (٤): هو ابن (٥) عَوْسَجَة (٦)، وأدرك النبيَّ ﷺ ، فوفد إليه، فوجده قد قُبِض، وصحب أبا بكر ومن بعده، وشهد مع عليٍّ رضي الله تعالى عنه صفِّين. ويُكنى أبا أميَّة.

стр. 217

وتوفِّي بالكوفة سنة اثنتين وثمانين، وقد بلغ من السنِّ مئة وسبعًا وعشرين سنة. (وكان يقول: أنا لِدَةُ رسول الله ﷺ ، ولدْتُ عام الفيل) (١). * * * ٥٤ - أبو عُثمان عبد الرَّحمن بن مَلٍّ النَّهْدِي (٢) من قُضاعة، وأدركَ النبيَّ ﷺ ، ولم يرَه. وتوفِّي في (٣) أوَّل ولاية الحجَّاج العراق بالبصرة. وكان من ساكني الكوفة، فلمَّا قُتل الحسين ﵁ تحوَّل إلى البصرة، فنزلها. وقال: لا أسكن (بلدة قُتل فيها) (٤) ابن بنت رسول الله ﷺ . قال أبو عثمان: صحبت سلمانَ اثنتي عشرة سنة. وقال أيضًا: أتت عليَّ ثلاثون (٥) سنة، وما من شيء إلا وقد أنكرته، ما خلا أملي فإني أجده كما هو. (وشهد فتح القادسية، وجَلُولاء، ونَهَاوَند، واليرموك، وأذْرَبِيجان. ذكره ابن قتيبة. قال أبو القاسم السِّمْناني في "روضة القضاة" (٤: ١٤٩٩): أدرك أبو عُثمان النَّهْدِي رسولَ الله ﷺ ولم يرَه، ولقي عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأسامة، وسعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وأبا بكرة، وأبا هريرة، وسلمان) (٦). ولَّاه عمر ﵁ قضاء البصرة بعد كعب بن سُور.

стр. 218

(وفي "فوائد الجواهر المضيَّة" (١: ٤١٨) عن الإمام أحمد بن حنبل: لا أعلم في التابعين مثل أبي عُثمان النَّهْدي، وقيس، وعنه: أفضلهم قيس، وأبو عثمان، وعلقمة، ومسروق) (١) (٢). * * * ٥٥ - الأَحْنَف بن قَيْس (٣) وفي "المعارف": كان الأحنف يُكنى أبا بَحْرٍ، أتى رسولُ الله ﷺ بني تميم يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوا، فقال الأحنف: إنّه يدعوكم إلى مكارم الأخلاق، وينهاكم عن ملائمها، فأسلموا، وأسلم الأحنف، ولم يفد إليه، فلما كان زمن عمر بن الخطاب ﵁ وفَد إليه، وشهد مع علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه صفِّين، ولم يشهد الجمل مع أحد من الفريقَيْن، واعتزل بأمر عليٍّ، وكان في طاعة عليّ ﵁ (٤). [وكان عم الأحنف صعصعة بن معاوية سيد بني تميم في خلافة معاوية، وكان له فرس يقال له: الطَّير (٥)، اشتراها بتسعين ألف درهم، وبقي الأحنف إلى زمن مصعب بن الزبير فخرج معه إلى الكوفة فمات بها.

стр. 219

وكان عمر ﵁ وجّهه إلى خراسان، فظهر العدو ليلًا، وكان أول من ركب الأحنف بن قيس وهو يقول: إِنَّ على كلِّ رئيسٍ حقًّا … أنْ يَخْضِبَ الصَّعدة أو تَنْدَقَّا (١) ثم حمل عليهم فقتل ضاحك الطبل وانهزم القوم، ومضوا في آثارهم حتى فتحوا مَرْو الرُّوْذِ. وهؤلاء الأربعة من أعلام المخضرمين من التابعين] (٢). ومنهم الذين لم يدركوا الجاهلية وأسلموا على يد الأصحاب وصحبوهم (٣). قالوا: التَّابع كلُّ مَنْ صحب الصَّحابي. وقيل: يكفي أن يلقى صحابيًّا، أو يراه. قال ابن حجر في "المختصر": والاكتفاء بذلك في التَّابع أقرب منه في الصحابي. قال أبو عبد الله خفيف: أهل المدينة يقولون: أفضل التابعين سعيد بن المسيب، وأهل الكوفة: أويس، وأهل البصرة: الحسن (٤). قال الصَّدر الشَّهيد في "شرح الخَصَّاف" (١: ١٨٦ - ١٨٧) ذكر في "النوادر" عن أبي حنيفة قال: من كان من أئمة التابعين، وأفتى في زمن الصحابة، وزاحم في الفتوى وسوَّغوا له الاجتهاد فأنا أقلِّده، مثل شريح، والحسن، ومَسْروق بن الأَجْدع، وعَلْقمة. (وفي "مناقب أبي حنيفة" لحافظ الدِّين الكَرْدَري بن البَزَّازي: ذكر أصحاب

стр. 220

الإمام الشَّافعي أنّ ابن عباس استفتى أصحاب ابن مسعود ﵃، فعلقمة والأسود ومسروق فيمن أصاب عينه وجع أن يصلي مستلقيًا؟ روي عن ابن عباس لما بلغه موت علقمة قال: مات ربَّاني العلم) (١). وفي "فوائد الجواهر المضية" (٢: ٤٢١): الفقهاء السَّبعة: سعيد بن المسيَّب، وعروة بن الزُّبير، والقاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصدِّيق، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله بن عُتبة بن مَسعود، وسُليمان بن يَسار، وأبو بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام، وهو السابع، قاله أبو الزِّناد. وقال ابن المبارك: السابع سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃. وقد جمعهم ابن الأبيض محمَّد بن يوسف الحلبي، المعروف بقاضي العسكر تلميذ صاحب "البدائع" ملك العلماء علاء الدِّين الكاساني (حيث قال) (٢): ألا إنَّ من لا يقتدي بأئمة … فقسمته ضِيْزَى عن الحقِّ خارجَة فخذْهُم عُبيد الله عُروة قاسم … سعيد أبو بكر سليمان خارجة وذكر (٣) الدَّمِيْرِي (في "حياة الحيوان" في السوس من الفوائد المستغربة): (٤) ما أخبرني بعض أهل الخير: أنّ أسماء الفقهاء السبعة الذين كانوا بالمدينة الشريفة (٥)، إذا كتب في رقعة وجعلت في القمح فإنَّه لا يسوِّس. انتهى.

стр. 221

[٥٦ - القاضي شريح (١)] أقدمُ التَّابعين وقدوتُهم القاضي شُرَيح بن الحارث الكِنْدي. كان من سادات التابعين وأعلامهم، وكان من أعلم الناس بالقضاء، استقضاه عمر بن الخطاب على الكوفة، ثم استقضاه عثمان، ثم استقضاه (٢) علي رضي الله تعالى عنهم، ولم يزل عليها بعد ذلك قاضيًا خمسًا وسبعين سنة، ولم يتعطل فيها إلا ثلاث سنين، امتنع فيها (من القضاء) (٣) في فتنة ابن الزُّبير. واستعفى الحجاج من القضاء فعفاه (٤)، ولم يقض بين اثنين حتى مات، في سنة تسع وسبعين. ويقال: سنة ثمانين، وعاش مئة وعشرين سنة. [وفي "أدب القضاء" للخصَّاف: عن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّه كتب إلى شريح فقال: إذا جاء شيء في كتاب الله فاقضِ به، ولا يلهينَّك الرجال، ولا يمنعنَّك عن القضاء بحقٍّ حشمة محتشم، فلا (٥) شيء آخر، فإن جاءك شيء ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ، (فانظر إلى ما اجتمع عليه الناس، لأنّ إجماع الأمة حجَّة، فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ) (٦) ولم يتكلم به أحد

стр. 222

فاختر أي الأمرين شئت، إن شئت أن تجتهد برأيك وتتقدم فتقدم، (وإن شئت أن) (١) تتأخر فامتنع، ولا أرى التأخير إلا خيرًا لك. يعني: إن شئت أن تجتهد فاجتهد رجاء أن يوافق الصواب فيكون لك أجران، وإن شئت أن تمتنع من الاجتهاد مخافة أن تقتصر (٢) في طريق الاجتهاد فتخطئ فامتنع، ولا أرى التأخير إلا خيرًا لك؛ يعني أسلم لذلك، فإن المجتهد لا يصيب الحق الذي عند الله تعالى إلا بالاجتهاد لا محالة. قال الصَّدر الشَّهيد: وهذا إنما كان في زمانهم، فإنَّه كان من المجتهدين كغيره (٣)، فإذا امتنع عن الاجتهاد واحد لا يضيع حكم الله تعالى] (٤). وكان طبقة شريح عالية، حتى صار لم ينعقد الإجماع بلا رأيه في زمانه، (واعتبروا خلافه بالصحابة) (٥)، وكذا مَسْروق وعَلْقَمة. [وفي "أصول فخر الإسلام" البَزْدَوي في باب متابعة أصحاب (٦) النبيّ ﷺ : وأما التابعي فإن كان لم يبلغ درجة الفتوى في زمن الصحابة ولم يزاحمهم في الرأي، كان أسوة سائر أئمة الفتوى دون الصحابة من السَّلف لا يصح تقليده، وإن ظهرت فتواه في زمن الصحابة كان مثلهم في هذا الباب؛ أي في التقليد عند بعض مشايخنا، لتسليم مزاحمته إياهم، وقال بعضهم: لا يصح تقليده وإن ظهر

стр. 223

فتواه، وهو دونهم؛ لعدم احتمال (١) التوقيف فيه. ووجه الأول أنَّ شريحًا خالف عليًّا ﵁ عيانًا في ردِّ شهادة الحسن (٢)، وكان عليّ ﵁ يقول له (٣) في المشورة: قل يا أيها العبد الأبظر (٤)، وخالف مَسْروقٌ ابنَ عباس ﵄ في النَّذر بذبح الولد، ثم رجع ابن عباس إلى فتواه (٥)، ولأنه دخل بتسليمهم في جملتهم. إلى هنا كلام البَزْدَوي] (٦). وذكر الخَصَّاف (٧) عن شريح أنه (٨) قال: إنما (٩) القضاء جمرة فادفع الجمرة عنك بعودَين (١٠). يعني بشاهدين. قال الصَّدر الشَّهيد: تأويله أنّه لما جثى (١١) الخصمان بين يدي القاضي فقد توجَّه الاحتراق على القاضي، فعليه أن يدفع الاحتراق عن نفسه، وإن خالف أحرق نفسه.

стр. 224

وكان شريح ﵀ مزَّاحًا، تقدم إليه رجلان في شيء فأقرَّ أحدهما بما ادَّعى عليه صاحبه (١) وهو لا يعلم، فقضى عليه شريح، فقال: أتقضي عليّ بغير بيِّنة، قال: قد شهد عندي ثقة، قال: ومن هو، قال: ابن أخت خالتك (٢). [وذكر الشَّيخ الإمام علاء الدِّين محمَّد السَّمَرْقندي في "تحفة الفقهاء": إذا كان الزوج غائبًا فطلبت فرض النفقة من القاضي وسماع البيِّنة منها على الزوجية وقيام المال في يد إنسان أمانة أو وديعة أو مضاربة ونحو ذلك، ولا علم للقاضي، لا يجيبها إلى ذلك، ولا يحكم عليه، وهذا قول أبي حنيفة الأخير، وهو قول شريح. وكان قوله الأول أنَّ القاضي يقضي لها، وهو قول إبراهيم النَّخَعي، والصحيح قول شريح؛ لأنَّ هذا قضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر، وأنه لا يجوز عندنا، انتهى. وذكر الزَّيْلَعِي: وقال زفر: يسمع بينتها، ولا يقضي بالنكاح، ويعطي النفقة من مال الزوج إن كان له مال، وإن لم يكن له مال يؤمر بالاستدانة؛ لأنّ في قبول البيِّنة بهذه الصفة نظرًا لها، وليس منه ضرر على الغائب، وهو قول أبي حنيفة أوَّلًا ثم رجع عنه، انتهى. قال مولى خُسْرَو في "الدرر والغرر": وقال زفر: يقضي بها لا به؛ أي: بالنَّفقة لا النِّكاح، لأنَّ فيه نظرًا لها، ولا ضرر على الغائب، فإنّه لو حضر وصدَّقها فقد أخذت حقَّها، وإن جحد يحلف، فإن نكل صدق (٣)، وإذا أقامَتْ بيِّنة فقد ثبت حقها، وإن عجزت يضمن الكفيل أو المرأة، ويقول زفر: يعمل للحاجة إليها دونه.

стр. 225

وفي "ملتقى الأبحر": وهو المعمول به والمختار، والقضاة اليوم يعملون بقول زفر للحاجة إليه] (١). وكان شريح أحد السَّادات الطُّلُس وهم أربعة: عبد الله بن الزُّبير، وقيس بن سعد بن عبادة، والأحنف بن قيس الذي يضرب بحِكَمِه المثل، ورابعهم شريح هذا. والأطلس: الذي لا شَعر في وجهه، ذكره الدَّمِيْرِي (في "حياة الحيوان". وذكر الدَّمِيْرِي عن سعيد بن جبير أنّه قال: رأيت شريحًا ذاهبًا، فقلت له: أين تذهب؟ قال: أريد الكُناسة. فقلت: وما تصنع بالكُناسة؟ قال: أنظر إلى الإبل كيف خُلِقت (٢)) (٣). * * * [٥٧ - عَلْقَمة بن قَيْس (٤)] عَلْقمة بن قَيْس بن عبد الله بن مالك النَّخَعي. كان عمَّ الأسود بن يزيد النَّخَعي، وكان أعلم أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁. قال إبراهيم النَّخَعي: ولد في حياة النبيّ ﷺ . وقرأ القرآن على ابن مسعود، وسمع من عمر، وعليّ، وأبي الدَّرداء، وطائفة من الصحابة ﵃، وكان أشبه النَّاس بابن مسعود، سَمتًا، وهديًا، وعلمًا.

стр. 226

قال ابن مسعود: ما أعلم شيئًا وإلا وعلقمة يعلمه (١). [وقال قَابوس بن أبي ظَبْيان: قلت لأبي: لأي شيء كنت تأتي علقمة وتدع الصحابة؟ قال: كنت أدركْتُ ناسًا من الصحابة وهم يسألونه ويستفتونه (٢). تفقَّه به إبراهيم النَّخعي والشَّعبي. قال إبراهيم النَّخَعي: كان صوَّامًا قوَّامًا يقرأ القرآن في خمس، وقد قام بالقرآن في ليلة عند البيت، قرأ القرآن على عبد الله، فكأنه عجل، فقال: فداك أبي وأمي رتِّل فإنّه زين القرآن (٣). وقال علقمة: قرأت القرآن في سنتين (٤)] (٥). توفي سنة اثنتين وستين، ذكره الذهبي في "الطبقات"، وابن قتيبة في "المعارف" (٦). [قال الإمام الزَّاهدي في "شرح القُدُوري" في قوله: ولا يزال على حكم السفر حتى ينوي الإقامة في بلد خمسة عشر يومًا فصاعدًا، فيلزم الإتمام، وإن نوى الإقامة أقلّ من ذلك لم يتم. وقال الشَّافعي: إذا أقام أربعًا أتمَّ. فإن دخل بلدًا فلم ينوِ أن يقيم فيه خمسة عشر يومًا، وإنما يقول: غدًا أخرج أو بعد غدٍ أخرج حتى بقي على ذلك سنين فإنّه يصلي ركعتين، فإن النبيّ ﷺ أقام بتبوك عشرين ليلة وهو يقصر، وابن عمر

стр. 227

﵄ بأَذْرَبِيجان ستة أشهر يقصر (١)، والصحابة (برَامَهُرْمُز مدَّة) (٢) تسعة أشهر يقصرون، وعلقمة أقام بخَوَارِزم سنتين يقصر. قال الصَّدر الشَّهيد في "شرح الخَصَّاف" (١/ ١٨٣ - ١٨٨): وعن أبي حنيفة: ما بلغني من الصحابة وأفتي به فأقلِّده ولا أستجيز خلافه، يعني: أقلِّد جميع الصحابة، وهو الظاهر من المذهب. وهذا لا يخلو: إما أن قالوا ذلك جزافًا أو سماعًا أو اجتهادًا، ولا يظن بهم أنهم قالوا (٣) جزافًا، فإن كان سماعًا لزم كلُّ واحد منهم الانقياد له، وإن كان اجتهادًا فاجتهادهم أولى من اجتهاد غيرهم؛ لأنَّه يوفَّقون للصواب مالا يوفَّق غيرهم لذلك. أما في التَّابعين فعن أبي حنيفة روايتان، في رواية قال: "لا أقلّدهم، هم رجال اجتهدوا، ونحن رجال نجتهد"، وهو الظاهر من المذهب. والثاني ذكر في "النوادر" قال: "من كان من أئمة التابعين وأفتى في زمن الصحابة، وزاحمهم في الفتوى، وسوغوا له الاجتهاد فأنا أقلّده، مثل شريح، والحسن، ومسروق بن الأجدع، وعلقمة. وهذا لأنهم لما بلغوا درجة الفتوى في زمن الصحابة، وسوغوا لهم الاجتهاد صار قولهم كقول الصحابة". فعلى هذه الرواية لا يحتاج إلى الجواب أن ذكر أبو حنيفة أقاويلهم في الكتب، وعلى ظاهر المذهب نحتاج، فنقول: إنما ذكر لا محتجًا بها بل بيانًا أنّه لم يشتبه بهذا القول بل سبقه غيره، وقال متبعًا لا مخترعًا. إلى هنا من كلام الصَّدر الشَّهيد في باب اجتهاد الرأي.

стр. 228

وفي باب المسألة عن الشهود من هذا الكتاب: قال الصَّدر الشَّهيد أيضًا: عن أبي حنيفة روايتان؛ الأولى أنّه قال: أقلِّد من كان من القضاة (١) المفتين من الصحابة ﵃ لقوله ﷺ : "اقْتَدُوا بِاللَّذين مِنْ بَعْدِي أَبي بَكْرٍ وَعُمَر ﵄" (٢)، وقد اجتمع في حقِّهما القضاء والفتوى، فمن كان في معناهما فأقلِّدهم ولا أستجيز خلافهم برأي، وخرج عن هذا جماعة منهم أبو أمامة، وسهل بن سعد الساعدي، وأبو حميد الساعدي، والبراء بن عازب، وغيرهم. الثاني قال: أقلِّد جميع الصحابة، ولا أستجيز خلافهم برأي إلا ثلاثة نفر: أنس بن مالك، وأبو هريرة، وسمرة بن جندب. فقيل له: في ذلك؟ فقال: أما أنس فقد بلغني أنّه اختلط عقله في آخر عمره، وكان يستفتي من علقمة، وأنا لا أقلِّد علقمة، فكيف أقلّد من يستفتي من علقمة؟ وأما أبو هريرة كان يروي كلَّ ما بلغه، وسمع من غير تأمُّل في المعنى. وأما سمرة فما وجدت في نسختي. ثم ظفرت في "روضة الزَّنْدَوِيْستي" إليه في الباب السابع والتسعين في فضل الصحابة، قال فيه: اختلفوا أنّ تقليد الصحابة يجوز أم لا، قال علماؤنا في ظاهر الأصول: يجوز، وأقاويل جميع الصحابة حجة بغير معرفة المعنى ونعمل بها، حتى روي عن أبي حنيفة أنّه سئل فقيل له: إذا قلْتَ قولًا وكتاب الله يخالف قولك؟ فقال: أترك قولي بكتاب الله تعالى، فقيل له: وإذا كان خبر الرسول ﷺ يخالف قولك؟ قال: أترك قولي بخبر الرسول ﷺ ، فقيل له: إذا كان

стр. 229

قول الصحابة يخالف قولك؟ قال: أترك قولي بجميع أقوال الصحابة إلا ثلاثة، منهم أبو هريرة، وأنس بن مالك، وسمرة بن جندب. قال الفقيه أبو جعفر الهِنْدُوَاني: فإنما لم يترك قوله بقول هؤلاء الثلاثة لأنهم مطعونون، أما أبو هريرة ﵁ فإنّه روى عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "من أصبح جُنبًا فلا صوم له"، قالت عائشة ﵂: أخطأ أبو هريرة، كان نبي الله ﷺ يصبح جُنبًا من غير احتلام، ثم يتم صوم يومه ذلك، وذلك في رمضان، فقال أبو هريرة: هي أعلم، كنت سمعته من الفضل بن عباس (١). والفضل يومئذ كان ميتًا، فقد أحال خبره إلى ميت فصار مطعونًا. وأما أنس ﵁ فإنّه لم يكن فقيهًا حتى قال للحسن البصري: ما معنى قوله ﷺ : "لا تنقشوا في خواتيمكم عربيًّا، ولا تستضيئوا بنار المجوس" (٢)، فعلمه، فقال معنى قوله: "عربيًّا" يعني: محمدًا ﷺ ، فإنه كان عربيًّا، "ولا تستضيئوا بنار المجوس" أي لا تشاوروا في أمور الدِّين مع المجوس (٣)، فلما لم يعرف هذا بأنه لم يكن فقيهًا. وأيضًا فإنّه تعلّم أحكام الوضوء من ابن عمر ﵁ فدلَّ على نسيانه فلم يقبل قوله. وأما سمرة بن جندب ﵁ فإنّه روي أنّ رجلًا كان يختلف إلى سمرة وأبي محذورة فكان إذا جاء سمرة قال: كيف تركت أبا محذورة، وإذا جاء إلى أبي محذورة قال: كيف تركت سمرة، فطال ذلك على الرجل، فسئل سمرة عن ذلك فقال: إنّ رسول الله ﷺ قال: آخر كما موتًا في النار، وقد روي أنّ سمرة كان آخرهما

стр. 230

موتًا (١)، فلذلك لم يقبل. قال الفقيه أبو جعفر: روي ما ينفي هذا الطعن، لأنّه روي أنّه وقع حريق بالمدينة فاحترق فيه سمرة (٢)، فكان مراد النبيّ ﷺ نار الدنيا لا نار الآخرة فلا يصح الطعن (٣). ثم إنّي رأيت في باب تقسيم الراوي من "أصول فخر الإسلام البَزْدَوي": أما المعروفون بالفقه والاجتهاد من الصحابة، فالخلفاء الراشدون، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعائشة، وغيرهم ﵃، ممن اشتهر بالفقه والنظر. وحديثهم حجة إنْ وافق القياس أو خالفه، فإن وافقه تأيّد به، وإن خالفه ترك القياس به. وأما رواية من لم يُعرف بالفقه لكنه معروف بالعدالة، والحفظ، والضبط مثل أبي هريرة، وأنس بن مالك ﵄، فإن وافق القياس عمل به، وإن خالفه لم يترك إلا بالضرورة وانسداد باب الرأي. ووجه ذلك أنّ ضبط حديث رسول الله ﷺ عظيم الخطر، وقد كان النقل بالمعنى مستفيضًا فيهم، فإذا قصر فقه الراوي عن درك معاني حديث رسول الله ﷺ وإحاطتها، لم يؤمن أن يذهب عليه شيء من معانيه بنقله فتدخله شبهة زائدة يخلو عنها القياس فيحتاط في مثله، وإنما نعني (٤) بما قلنا قصورًا عند المقابلة بفقه (٥) الحديث المروي، فأما الازدراء بهم فمعاذ الله عن ذلك،

стр. 231

فإن محمدًا ﵀ حكى عن أبي حنيفة في غير موضع أنّه احتج بمذهب أنس بن مالك ﵁ وقلَّده، فما ظنك في أبي هريرة ﵁، حتى إنَّ المذهب عند أصحابنا ﵏ في حديث المعروف بغير الفقه أنَّه لا يردُّ حديث أمثالهم إلا إذا انسدَّ باب الرأي والقياس، فحينئذ يترك، وإلا فلا. وفي "قوت القلوب" لأبي طالب المكي: وقد رَخَّص في سوق الحديث على المعنى دون سياقه على اللفظ جماعة من الصحابة منهم علي، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبو الدرداء، وواثلة بن الأسقع، وأبو هريرة، ﵃، ثم جماعة من التابعين، يكثر عددهم، منهم إمام الأئمة الحسن، ثم الشعبي، وعَمرو بن دينار (١)، والنَّخَعي، ومجاهد، وعِكْرِمة، نقلنا ذلك عنهم في كتب سيرهم بأخبار مختلفة الألفاظ. وقال ابن سيرين: كنت أسمع الحديث من عشرة، المعنى واحد والألفاظ مختلفة، ولذلك اختلفت ألفاظ الصحابة في رواية الحديث عن رسول الله ﷺ ؛ فمنهم من يرويه تامًّا، ومنهم من يجيء به مختصرًا، ومنهم من يرويه على المعنى، وبعضهم من (٢) يغاير بين اللفظين، أو يراه واسعًا إذا لم يخالف المعنى ولم يخل بالبغية. روي أنَّه قال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد، إنك تحدث بالحديث، فأنت أحسن له سياقًا وأجود تحبيرًا، وأفصح لسانًا منَّا (٣) إذا حدثتنا به، فقال: إذا أصبت المعنى فلا بأس بذلك. إلى هنا من "قوت القلوب".

стр. 232

ذكر الدَّمِيْرِي في ذكر الحية (من "حياة الحيوان") (١) عن "تاريخ ابن النجار" (٢) في ترجمة يوسف بن علي الزنجاني الفقيه الشَّافعي، قال: سمعت أبا إسحاق الشِّيْرَازِي يقول: سمعت القاضي أبا الطيب يقول: كنا في حلقة النظر بجامع المنصور ببغداد، فجاء شاب خراساني يسأل عن مسألة المصرّات، ويطالب بالدَّليل، فاحتجّ المستدل بحديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين وغيرهما، فقال الشاب وكان حنفيًّا: أبو هريرة غير مقبول الحديث؟ قال القاضي: فما استتم كلامه حتى سقطت عليه حية عظيمة من سقف الجامع، فهرب الناس وتبعت الشاب دون غيره، فقيل له: تُبْ تُبْ. فقال: تبْتُ، فغابت الحية ولم يبق لها أثر، وقال ابن الصلاح: هذا إسناد ثابت فيه ثلاثة من صلحاء الأمة] (٣). * * * [٥٨ - الأسود بن يزيد (٤)] الأسود (بن يزيد) (٥) بن قيس بن عبد الله النَّخَعي. صاحب عبد الله بن مسعود، يكنى أبا عبد الرَّحمن، كان رأسًا في العلم والعمل والفقه والقراءة.

стр. 233

أخذ القراءة عرضًا عن ابن مسعود، وحدّث عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاذ، وعائشة، ﵃. (قرأ عليه) (١) وروى عنه وأخذ الفقه: إبراهيم النَّخَعي، وابنه عبد الرَّحمن بن الأسود، (وقرأ جماعة) (٢) كثيرة، منهم يحيى بن ذياب (٣)، وأبو إسحاق السبيعي. وكان أسنَّ من علقمة بسنوات. قال منصور، عن إبراهيم: كان الأسود يختم القرآن في كلِّ ست، وفي رمضان في كلِّ ليلتين، وكان علقمة يختمه في خمس، ذكره الذَّهبي (٤). وفي "معارف ابن قتيبة" (ص/ ٤٣٢): مات سنة أربع وسبعين، وكان حج ثمانين حجة وعمرة. * * * ٥٩ - مسروق بن الأجدع الهَمْدَاني (٥) كان صاحبَ عبد الله بن مسعود، وأخذ الفقه عنه، وسمع من أبي بكر، وعمر ﵃، كان قاضيًا في إمرة ابن رباحة، ولَّاه معاوية ﵁، وكان

стр. 234

من أعلام التابعين، وكان أبوه الأجدع شاعرًا، (وهو القائل في وصف الخيل: وكأن صَرْعاها كِعاب (١) مقامر … ضُرِبَتْ على شُزُنٍ فهنَّ شَواعي (٢)) (٣) مات سنة ثلاث وستين. [ذكر الخَصَّاف في باب الدخول في القضاء، عن مسروق أنّه قال: لأنّ أقضي يومًا واحدًا بحقٍّ وعدلٍ أحب إليَّ من سنة أغزوها في سبيل الله (٤). وإنما قال ذلك لأنَّ الجهاد فيه أمر بالمعروف، وفي القضاء بحقٍّ أمر بالمعروف وإظهار الحقِّ ونصرة المظلوم، فيكون نفع القضاء أعم، وما يكون أعم نفعًا كان أفضل. قال الصَّدر الشَّهيد: ذكر مسروق محاسن القضاء، لأنَّه ابتلي به، ومن ابتلي بشيء يذكر محاسن ذلك الشيء، هذا هو العادة. وفي "روضة أبي القاسم علي السِّمْناني" (٥): روى هشام عن محمَّد ﵀ أنّه كان لا يرى بأسًا أن يأخذ القاضي رزقًا من بيت المال؛ لأنّ القضاة من السلف قد ارتزقوا من بيت المال، فلا بأس بأن يرتزقوا في زماننا، وإن استعفَّ وتنزَّه فذلك أفضل له؛ لأنَّ القضاة من السلف منهم من ارتزق ومنهم شريح، ومنهم من استعفَّ وتنزه ومنهم مسروق، وكان مسروق من أعيان السلف وسادات التابعين، وأفتى في

стр. 235

زمن الصحابة وزاحمهم في الفتوى، وهم ممن قضى وقسّم المدّعي بين الاثنين إذا ادَّعيا شيئًا في يد ثالث، وأقام بعضهم شهودًا أكثر من الآخر على عدد الشهود. وقال فخر الإسلام البَزْدَوي في "أصوله": خالف مسروق ابن عباس في النذر بذبح الولد، ثم رجع ابن عباس إلى فتواه (١) وسلّمه (٢)، وبتسليمه دخل في جملة الصحابة ﵃؛ أي كان مثلهم] (٣). * * * [٦٠ - أبو عبد الرَّحمن السُّلَمي (٤)] أبو عبد الرَّحمن السُّلَمي عبد الله بن حبيب. مقرئ الكوفة، من أصحاب علي بن أبي طالب ﵁، وكان يعلِّم الحسن والحسين ﵄ القرآن (٥)، (أمره علي ﵁ أن يعلمهما القرآن) (٦) ذكره الكَرْدَري. وكان مقرئًا، وحمل عنه الفقه، وروى عن ابن مسعود.

стр. 236

ولد في حياة النبيّ ﷺ ، وقرأ القرآن، وجوّده، وبرع في حفظه، وعرض على عُثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبيّ بن كعب ﵃. (وروي أنّه تعلّم القرآن من عُثمان بن عفان، وعرض على عليّ ﵄) (١)، وكان يقرئ الناس في المسجد الأعظم أربعين سنة. (وقال شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة: أنّه قرأ في خلافة عُثمان إلى أن توفي في إمرة الحَجَّاج (٢). وكان أبو عبد الرَّحمن ثقة كبير القدر، وحديثه مخرَّج في الكتب الستة) (٣). توفي في سنة أربع وسبعين، وقيل: ثلاث وسبعين، وقيل: في أوائل (٤) ولاية الحَجَّاج. وروى عنه إبراهيم النَّخَعي، وسعيد بن جبير، وعلقمة بن مرثد، وعطاء بن السائب، وإسماعيل السُّدي. قال عطاء بن السَّائب: إِنَّ أبا عبد الرَّحمن السُّلمي قال: إنَّا أخذنا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلَّموا عشر آيات لم يجاوزوهنَّ إلى العشر الآخر حتى يعلموا ما فيهن، وكنا نتعلم القرآن والعمل به، وإنه سيرِث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء لا يجاوز تراقيهم، بل لا يجاوزها هنا، ووضع يده على حلقه. كذا ذكره الذهبي في "طبقات القراء" (٥).

стр. 237

٦١ - سعيد بن المسيب (١) وكان أفقه أهل الحجاز وممن أفتى في زمن الصحابة وزاحمهم في الفتوى، واعتبروا خلافه في الإجماع مع الصحابة ﵃. روى عن عمر، وعُثمان ﵄، وتعلّم العلم عن أبي هريرة ﵁. [ذكره الكَرْدَري. قال الشَّيخ الإمام جمال الدِّين البَزْدَوي في "التهذيب (٢) شرح الجامع الصغير": قال الشَّيخ أبو الحسن الكَرْخي: ما قال أحد بتخميس مال المرتد الذي لَحق بدار الحرب أو مات أو قتل على ردته والجزية قبل الشَّافعي ولا في عصره ولا بعده إلى الآن، ودليلنا على الشَّافعي إجماع الصحابة؛ لأنّه روي عن أبي بكر، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، والحسن، مثل قولنا، فإن قيل: أليس أبو بكر غَنِم مال أهل الردة؟ قلنا: لأنّه كان له مَنعة، فصار في حكم أهل الحرب، ألا ترى أنّه سبا ذراريهم. إلى هنا كلام جمال الدِّين. وإنما لم يعتبروا خلافه في الإجماع على اشتراط دخول الثاني بها في الحل للزوج الأول للخبر المشهور فيه، ولعدم استناده إلى دليل، والحديث المشهور يجوز به الزيادة على الكتاب، وهذه الزيادة على تقدير أن يراد بالنكاح في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]: العقد. وأما على تقدير أن

стр. 238

يراد به: الوطء، كما هو طريقة بعض المشايخ؛ حملًا للكلام على الإفادة دون الإعادة، يكون الحديث موافقًا للكتاب فلا زيادة، وذلك لأنّ العقد استفيد بإطلاق اسم الزوج في قوله تعالى: ﴿زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، فلو حملنا النكاح على العقد كان ذلك تأكيدًا لا تأسيسًا، والتأسيس أولى من التأكيد. وذكر (١) أبو القاسم علي السِّمْناني في "روضة القضاة" (٤/ ١٤٩٥): توفي القاضي سعيد بن المسيب الفقيه الرَّاوية (٢) العالم الكبير سنة اثنتين وتسعين، فهو من وجوه المدينة والأعيان، وله محنة وأخبار مع الحجَّاج] (٣). وذكر ابن قتيبة في "المعارف" (ص ٤٣٧ - ٤٣٨): كان سعيد بن المسيَّب أفقه أهل الحجاز وأعبر الناس (٤) للرؤيا. قال له رجل (٥): رأيت كأن عبد الملك بن مروان يبول في مسجد النبيّ ﷺ أربع مرات. قال: إن صدقَتْ رؤياك قام من صلبه أربعة خلفاء. [وقال آخرُ: رأيت كأني أخذت عبد الملك وأضجعته إلى الأرض، ثم نطحته، فأوتدت في ظهره أربعة أوتاد. قال: ما أنت رأيتها، ولكن رآها ابن الزبير، ولئن صدقَتْ رؤياه قتله عبد الملك بن مروان، وخرج من صُلْب عبد الملك أربعة كلهم (يكون خليفة) (٦).

стр. 239

وكان جابر بن الأسود بالمدينة فدعاه للبيعة لابن الزُّبير، فأبى، فضربه ستين سوطًا، وضربه أيضًا هشام بن إسماعيل ستين سوطًا، وطاف به في (١) المدينة في تبَّان من شعر، وذلك أنّه دعاه للبيعة للوليد وسليمان بالعهد فلم يفعل] (٢). وكانت وفاته بالمدينة سنة أربع وتسعين، وكان مولده بعد سنتين مضتا من خلافة عمر ﵁، وكانت بنت أبي هريرة تحت سعيد بن المسيَّب. * * * ٦٢ - الحسن البصري (٣) كان من سادات التابعين، وأفتى في زمن الصحابة وزاحمهم في الفتوى. كان هو وابن سيرين أبو محمَّد من سبي مَيْسان (٤)، افتتح المغيرة بن شعبة مَيْسان (٥) حين ولّاه (٦) عمر البصرة، واسم (٧) أبي الحسن البصري (يسار مولى الأنصار) (٨)، واسم أمه خيرة مولاة أم سلمة ﵂ زوج النبيّ ﷺ ، وربما

стр. 240

غابت، فبكى الحسن فتعطيه أم سلمة ثديها، فتعلِّله به إلى أن تجيء أمُّه، يدر عليه (١) ثديها فيشربه، فيرون أنَّ تلك الحكمة والفضل من بركة ذلك. وكان الحسن بارعَ الفصاحة، بليغَ المواعظ، كثيرَ العلم، جميع كلامه في الوعظ وذم الدنيا. بلغ من العمر (٢) تسعًا وثمانين سنة (٣)، كان مولده لسنتين بقيتا من خلافة عُمر، ومات سنة عشر ومئة، في السنة التي مات فيها محمَّد بن سيرين، بعده بمئة يوم، ولم يشهد ابن سيرين جنازته لشيء كان بينهما. ذكره ابن قتيبة (٤). (وذكر أيضًا) (٥) في "المعارف" (ص ٤٤١): [وكان الحسن تكلَّم في شيء من القدر، ثم رجع عنه، وكان عطاء بن يسار قاضيًا، ويرى (٦) القدر، وكان لسانه سحرًا، وكان يأتي إلى الحسن هو ومعبد الجهني فيسألانه فيقولان: يا أبا سعيد! إنّ هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين ويأخذون الأموال ويفعلون، ويقولون: إنما تجري أفعالنا على قدر الله تعالى، فقال: كذب أعداء الله. وذكر محمَّد الشَّهْرَسْتاني في "الملل والنِّحل": رأيت رسالة نُسبت إلى الحسن البصري كتبها إلى عبد الملك بن مروان، وقد سأله عن القول بالقدر والجبر، فأجابه بما يوافق مذهب القدريَّة، واستدلَّ فيها بآيات من الكتاب ودلائل من العقل، ولعلها

стр. 241

لواصل بن عطاء، فما كان الحسن ممَّن يخالف السلف في أنَّ القدر خيره وشره من الله تعالى، فإن هذه الكلمة كالمجمع عليها عندهم. كان واصل بن عطاء تلميذ الحسن البصري، يقرأ عليه العلوم والأخبار، وكان في أيام عبد الملك وهشام بن عبد الملك، وكان قد دخل واحد يومًا على الحسن البصري فقال: يا إمام الدِّين، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفِّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم تخرج به عن الملَّة، وهم وعِيدِيَّة الخوارج، وجماعة يرجون أصحاب (١) الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس من الإيمان ركن، ولا يضرُّ مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة، وكيف تحكم لنا في ذلك الاعتقاد؟ فتفكَّر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب، قال واصل بن عطاء: إنَّا لا نقول: إنَّ صاحب الكبيرة مؤمن مطلق، ولا كافر مطلق، بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر. ثم قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد يقرِّر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن. فقال له الحسن: اعتزل عنَّا واصل، فسمِّي هو وأصحابه معتزلة. ووجه تقريره أنّه قال: إنَّ الإيمان عبارة عن جميع خصال الخير، إذا اجتمعت سُمِّي المرء مؤمنًا وهو اسم مدح، والفاسق لم يستجمع هذه الخصال ولا استحق اسم المدح فلا يُسمى مؤمنًا، وليس هو بكافر مطلق أيضًا؛ لأنَّ الشهادة أكبر أعمال الخير موجودة فيه، ولا وجه لإنكارها، لكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة فهو من أهل النار خالدًا فيها؛ إذ ليس في الآخرة إلا الفريقان: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]، لكنه مخفف عنه العذاب، وتكون دَرَكته دون دَرَكة الكفار.

стр. 242

وتابعه على ذلك عَمْرو بن عبيد بعد أن كان موافقًا له بالقدر وإنكار الصفات، وكان عَمْرو يرى (١) القدر، ويدعو إليه، واعتزل الحسن وأصحابه فسموا المعتزلة. وكان عَمْرو بن عبيد يخلف (٢) أصحاب الشُّرَط على البصرة، وكان النَّاس إذا رأوا عَمرًا مع أبيه قالوا: خير الناس ابن شر الناس، فيقول عُبيد: صدقتم، هذا إبراهيم وأنا آزر. وعن الأوزاعي قال: أول من تكلَّم في القدر مَعبد الجهني، ثم غيلان بعده (٣)، وكان غَيلان قبطيًّا، فأخذه هشام بن عبد الملك فصلبه بباب دمشق. وقرَّر واصل بن عطاء هذه القاعدة القدريَّة أكثر ما كان يُقرِّر قاعدة الصفات، فقال: إنّ الباري تعالى حكيم عادل، لا يجوز أن يُضاف إليه شر وظلم، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر، ويحكم عليهم شيئًا ثم يجازيهم عليه، فالعبد هو الفاعل للخير والشر، والإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، وهو المجازَى على فعله، والربُّ تعالى أقدر على ذلك كله، وأفعال العباد محصورة في الحركات والسكنات والاعتمادات، والنظر والعلم، قال: ويستحيل أن يخاطب العبد بـ "افعَلْ" ولا يمكنه أن يفعل، وهو يحس من نفسه الاقتدار والفعل] (٤).

стр. 243

وكان الحسن كاتب الربيع بن زياد الحارثي بخراسان، قيل ليونس بن عبيد: أتعرف أحدًا يعمل بعمل الحسن، فقال: والله ما أعرف أحدًا يقول بقوله، فكيف يعمل بعمله. ثم وصفه فقال: كان إذا أقبل فكأنما أقبل من دفن حميمه، وإذا جلس فكأنه أسير قد أمر بضرب عنقه، وإذا ذكرت النار فكأنها لم تُخلَق إلا له (١). [وذكر الخَصَّاف في "كتاب القاضي": عن عمر بن [أبي] زائدة، قال: جئنا بكتابٍ من قاضي الكوفة إلى إياس بن معاوية، فجئت وقد عُزل إياس واستقضي الحسن، فدفعت كتابي إليه، فقبله، ولم يسألني بيّنة عليه، ففتحه ثم نشره فرأى لي فيه شهادة شاهدين على رجل من أهل البصرة بخمسمئة درهم، فقال لرجل يقوم على رأسه: اذهب بهذا إلى زياد، فقل له: أرسل إلى فلان بن فلان فخذ منه خمسمئة درهم، فادفعها إليه، فذهب بي ففعل (٢). ولسنا نأخذ بهذا، فإن بعزل المكتوب إليه أو بموته لا نقبله، وغاية ما يُقال في هذا: إنَّه يجوز أنَّ الحسن كان عالمًا بوجوب ذلك الحق، وإنما قضى بعلم نفسه لا بالكتاب، فإن كان هذا العلم حصل في حال القضاء كان قول الكل، وإن كان حصل قبل القضاء كان قولهما فصار حجَّة لهما على أبي حنيفة، وإنما أرسل الرجل الذي قام على رأسه إلى زياد، ولم يُرسل إلى الخصم لأنَّ زيادًا كان واليًا، وإذا عجز القاضي عن استخراج الحق عن المطلوب يكون له أن يستعين بالوالي عندنا. كذا قال الصَّدر الشَّهيد] (٣).

стр. 244

وذكر الحسن عن زياد أنّه قال: الرجال ثلاثة؛ رجل، ونصف، ولا شيء؛ فالرجل الذي له رأي ولا يحتاج إلى غيره، ونصف [الرجل] الذي لا رأي له، وإذا أضر به أمرٌ شاور ذا رأي، ولا شيء الذي لا رأي له ولا يُشاور (١). هذا من جُملة الحكمة، وزياد كان يتكلَّم بالحكمة. وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]: واللهِ ما تشاور قوم قط إلا وفَّقهم الله تعالى لأفضل ما بحضرتهم [من] الصواب (٢)، والمطلوب هو الصواب، فإذا تشاوروا فيما بينهم فوفّقهم الله تعالى للصواب، فيصلون إلى ما هو (أفضل وهو) (٣) الصواب، وهذا إذا كان شيئًا لم يأت في كتاب الله ولا في السنة، أما إذا كان مما قد نزل به الكتاب، أو جاءت به السنة فلا حاجة إلى المشورة (٤). وذكر فخر الإسلام البَزْدَوي في "أصوله" (ص ٢٣٠ - ٢٣١) قد كان رسول الله ﷺ يُشاور في سائر (٥) الحوادث عند عدم النصِّ، ألا ترى أنّه شاور أصحابه في أسارى بدر، فأخذ برأي أبي بكر ﵁، وكان ذلك هو الرأي عنده، فمنَّ بالفداء عليهم، حتى نزل قوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨]، [وشاور سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة يوم الأحزاب، في بذل

стр. 245

شطر ثمار المدينة، ثم أخذ برأيهما، وكذلك أخذ برأي (١) أُسَيْد بن حُضَيْر في النزول على الماء يوم بدر إلى هنا (٢). كلام فخر الإسلام. وفي "شرح الخَصَّاف" للصَّدر الشَّهيد في باب اجتهاد الرأي في القضاء (١: ١٧٠ - ١٧٢): روي عن الحسن البصري أنّه دخل على إياس بن معاوية بعد ما قلِّد القضاء، فوجده باكيًا حزينًا، فقال له الحسن: ما أصابك، فقال: أتفكر في قول علي ﵁، حيث قال: إن اجتهد فأخطأ فهو في النار، فتلا عليه الحسن ﵀ (قوله تعالى) (٣): ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩]. داود ﵇ كان مُجتهدًا، وسليمان اجتهد وأصاب وقد مدحهما الله تعالى بقوله: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، إنما قال علي ﵁ فيمن لم يكن من أهل الاجتهاد، وإذا اجتهد في غير محل الاجتهاد (٤). فبيَّن له الحسن وجه التوفيق بين الحديثين على هذا، والحديثان: "إن

стр. 246

اجتهد وأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد" (١)، " … وإن اجتهد فأخطأ فهو في النَّار" (٢). روي عن الحسن ﵀ أنه سمع الحَّجاج يقول: حق على العاقل إذا صرف من عمره ساعة إلى غير ما خُلق له أن يتأسف على ذلك جميع عمره. فقال ﵀: دقَّ هذا الكلام ظهري (٣). فقبل منه مع جلالة قدره؛ لأنَّ الحكمة ضالة المؤمن. وذكر في "روضة الزَّنْدَوِيْستي" في الباب الثالث والعشرين قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز كتب إلى الحسن البصري: بسم الله الرَّحمن الرحيم، من عبد الله أمير المؤمنين إلى الحسن البصري، سلام عليك، أما بعد: فإني ابتليت بأمر عظيم، وقد شغلني عن كل ما أنا فيه، فإن لم يتداركني الله تعالى برحمته هلكتُ، ولا أدري كيف الخلاص منه، فعِظني بموعظة موجزة لعل الله أن ينفعني بها، وأنا أسأل الله التوفيق لما يحب ويرضي، وأن يجعلنا وإياكم من الفائزين برحمته، والسلام. قال: فكتب الحسن البصري: بسم الله الرَّحمن الرحيم، من الحسن بن أبي الحسن إلى أبي عبد الله عمر أمير المؤمنين أنْ سلام عليك، أما بعد: فقد فهمْتُ ما كتبت به إليّ، فاعلم يا أمير المؤمنين أنَّ من اتقى الله اتقاه الناس، ومن خاف الله تعالى خاف الناس منه، ومن استحى من الله استحى منه الناس، ومن اجترأ على الله تعالى اجترأ عليه الناس، ومن تعجل الأمن دخل الخوف على نفسه

стр. 247

غدًا، ومن تعجل الخوف أدرك الأمن غدًا، والنجاة مع الحذر، والصبر ملاك الأمر وفيه أعظم الأجر. فاستعن بالله يا أمير المؤمنين على ما أمرك يعينك الله، وتوكل عليه يكفيك، ولا تستعن بغير الله تعالى فيكلك إليه، يا أمير المؤمنين إنّك قد ابتليت بأمر عظيم يتوجه الناس إليك في حوائجهم، وافتح بابك للضعيف والأرامل، وما تحب لنفسك فأحب لهم، وما تكرهه لنفسك فاكره لهم، ولا تفعل بهم. ولقد حدثني عبد الله بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يا عبد الرَّحمن! لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها بغير مسألة أُعِنْتَ عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فلتأت الذي هو (١) خير، وكفّر عن يمينك" (٢). فاعلم يا أمير المؤمنين! أنّ البرّ لا يبلى، وأن الإثم لا يُنسى، وأن لكل عمل جزاءً؛ إن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًا فشر، جعلنا الله تعالى وإياك من العاملين (٣) بكتابه، ووفقنا وإياك بطاعته، ورزقنا وإياك حسن العواقب في الدنيا والآخرة بمنّه ورأفته، إنّه قريب مجيب] (٤). * * *

стр. 248

٦٣ - سعيد بن جُبير (١) سعيد بن جُبير بن هشام أبو عبد الله الأسدي. من سادات التابعين علمًا وفضلًا وعبادة، قرأ القرآن على ابن عباس، وروى عن (٢) عدي بن حاتم، وابن عمر، وعبد الله بن مُغَفَّل، وأبي هريرة، وغيرهم ﵃. وعن ابن عباس ﵁ قال: يا أهل الكوفة، تسألوني وفيكم سعيد بن جبير (٣)؟ وروي عمرو بن ميمون بن مهران عن أبيه قال: مات سعيد بن جُبير، وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه (٤). وروى عنه وأخذ الحَكَم وأيوب وجعفر بن [أبي] المغيرة، ومحمَّد بن سُوْقَة، والأعمش، وخلق كثير قال إسماعيل بن عبد الملك: كان سعيد بن جبير يؤمُّنا في رمضان، فيقرأ ليلة بقِراءة ابن مسعود، وليلة بقِراءة زيد بن ثابت (٥).

стр. 249

وعن هلال بن يساف قال: دخل سعيد بن جبير الكعبة فقرأ القرآن في ركعة (١). وقيل: إنه كان يختم في كل ليلتين (٢). هكذا ذكره الذَّهبي في "طبقات القراء". وذكر (٣) ابن قُتيبة في "المعارف" (ص: ٤٤٥): كان سعيد بن جُبير مولى لبني وائلة من بني أسد، ويُكنى أبا عبد الله، وكان أسود، [وكتب لعبد الله بن عتبة بن مسعود، ثم كتب لأبي بردة بن أبي موسى الأشعري وهو على القضاء وبيت المال، وخرج مع ابن الأشعث عبد الرَّحمن بن محمَّد بن الأشعث، فلما هزم أصحاب ابن الأشعث من دير الجماجم هرب سعيد إلى مكة، وأخذه خالد بن عبد العزيز القسري، وكان والي (٤) الوليد بن عبد الملك على مكة، فبعثه إلى الحجَّاج، وكان الوليد بن عبد الملك ولي الخلافة يوم مات أبوه عبد الملك بن مروان سنة ست وثمانين، وكان خبيث الولاية] (٥). روى ابن قتيبة في "المعارف" (ص: ٤٤٦) أيضًا عن الخطاب عن أبي داود عن عمارة بن زاذان عن أبي الصَّهباء قال: قال الحجَّاج لسعيد بن جبير: اختر أي قتلة شئت، قال: بل اختر أنت لنفسك، فإن القِصاص أمامك، قال له: يا شقي بن كسير! ألم أقدم الكوفة، وليس يؤمُّ بها إلا عربي، فجعلتك إمامًا (٦) بها؟ قال: بلى.

стр. 250

قال: أولم (١) أولِّك القضاء فضجَّ أهل الكوفة وقالوا: لا يصلح إلا لعربي، فوليت أبا بردة، وأمرته أن لا يقطع أمرًا دون أمرك؟ قال: بلى. (قال: أوما جعلتك في سمَّاري؟ قال: بلى) (٢)، قال: فما أعطيتك كذا وكذا من المال تفرِّقه في (٣) ذوي الحاجة، ثم لم أسألك عن شيء منه؟ قال: بلى. فقال له (٤): فما أخرجك عليَّ؟ قال: بيعة (٥) (كانت في عنقي لابن الأشعث) (٦)، فغضب الحَجَّاج، (ثم قال:) (٧) بيعة أمير المؤمنين عبد الملك في عُنقك قبلُ، والله لأقتلنَّك، وقتله الحَجَّاج سنة أربع وتسعين، وهو ابن تسع وأربعين سنة. وروي (٨) أنَّ سعيدًا حين قتله الحَجَّاج قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، اللهم لا تسلِّطه على أحد بعدي، فذبح على النَّطْع، فكانت رأسه تقول بعد قطعها: لا إله إلا الله مرارًا. وعاش الحَجَّاج بعده خمس عشرة ليلة، ولم يُسلَّط على قتل أحد بعده، ذكره الدَّمِيْرِي وغيره. روي أنَّ الحسن البصري لما بلغه قتل سعيد بن جبير قال: اللهم أنت
следующие страницы →